Полный текст (517 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
وروي عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا أتي له بجنازة لم يسأل عن شيء من عمل الرجل، ويسأل عن دينه فإن قيل عليه دين كف عن الصلاة عليه، وإن قيل ليس عليه دين صلّى عليه، فأتي بجنازة، فلما قام ليكبر ﷺ قال: هل على صاحبكم من دين؟ فقالوا: ديناران يا رسول الله، فعدل النبي ﷺ عنه وقال: صلوا على صاحبكم، فقال علي كرم الله وجهه:
هما عليّ يا رسول الله وهو بريء منهما، فتقدم رسول الله ﷺ فصلّى عليه، ثم قال لعلي ﵁:
جزاك الله عنه خيرا، فك الله رهانك كما فككت رهان أخيك، إنه ليس من ميت يموت وعليه دين إلا وهو مرتهن بدينه، ومن فك رهان ميت فك الله رهانه يوم القيامة.
وقال بعض الحكماء: الدين هم بالليل وذل بالنهار، وهو غل «١» جعله الله في أرضه، فإذا أراد الله أن يذل عبدا جعله طوقا في عنقه.
وجاء سعد بن أبي وقاص ﵁ يتقاضى دينا له على رجل، فقالوا: خرج إلى الغزو، فقال أشهد أن رسول الله ﷺ قال: لو أن رجلا قتل في سبيل الله، ثم أحيي، ثم قتل لم يدخل الجنة حتى يقضي دينه.
وعن الزهري قال: لم يكن رسول الله ﷺ يصلي على أحد عليه دين، ثم قال بعد: «أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم من مات وعليه دين فعليّ قضاؤه» ثم صلى عليهم.
وعن جابر: لا همّ إلا هم الدين ولا وجع إلا وجع العين. وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال:
من تزوج امرأة بصداق ينوي أن لا يؤديه إليها، فهو زان، ومن استدان دينا ينوي أن لا يقضيه فهو سارق، وقال حبيب بن ثابت: ما احتجت إلى شيء أستقرضه إلا استقرضته من نفسي، أراد أنه يصبر إلى أن تمكن الميسرة، ونظيره قول القائل:
وإذا غلا شيء عليّ تركته ... فيكون أرخص ما يكون إذا غلا
وقال بعضهم أيضا:
لقد كان القريض سمير قلبي ... فألهتني القروض عن القريض
وقال غيلان بن مرة التميمي:
وإني لأقضي الدّين بالدين بعدما ... يرى طالبي بالدين أن لست قاضيا
فأجابه ثعلبة بن عمير:
إذا ما قضيت الدين بالدين لم يكن ... قضاء ولكن ذاك غرم على غرم
واستقرض من الأصمعي خليل له فقال: حبا وكرامة، ولكن سكّن قلبي برهن يساوي ضعف ما تطلبه، فقال: يا أبا سعيد أما تثق بي؟ قال: بلى، وإن خليل الله كان واثقا بربه، وقد قال له: وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي
«٢» ، اللهم أوف عنّا دين الدنيا بالميسرة، ودين الآخرة بالمغفرة، برحمتك يا أرحم الراحمين.
الفصل الثالث في ذكر القصّاص والمتصوفة وما جاء في الرياء ونحو ذلك
أما ما جاء في ذكر القصاص والمتصوفة:
فقد روي عن خباب بن الأرت قال: قال رسول الله ﷺ أن بني إسرائيل لما قصّوا هلكوا. وروي أن كعبا كان يقص، فلما سمع الحديث ترك القصص.
وقال ابن عمر ﵄: لم يقص أحد على عهد رسول الله ﷺ ولا عهد أبي بكر وعمر وعثمان وعلي ﵃ وإنما كان القصص حين كانت الفتنة.
وقال ابن المبارك: سألت الثوري، من الناس؟ قال العلماء، قلت: فمن الأشراف؟ قال: المتقون، قلت:
فمن الملوك؟ قال: الزهاد، قلت: فمن الغوغاء؟ قال:
القصّاص الذين يستأصلون أموال الناس بالكلام، قلت:
فمن السفهاء؟ قال: الظلمة. قيل: وهب رجل لقاص خاتما بلا فص، فقال وهب الله لك في الجنة غرفة بلا سقف. وقال قيس بن جبير النهشلي، الصعقة التي عند القصاص من الشيطان. وقيل لعائشة ﵂: إن أقواما إذا سمعوا القرآن صعقوا، فقالت: القرآن أكرم وأعظم من أن تذهب منه عقول الرجال. وسئل ابن سيرين عن أقوام يصعقون عند سماع القرآن، فقال: ميعاد ما بيننا وبينهم أن يجلسوا على حائط، فيقرأ عليهم القرآن من أوله إلى آخره فإن صعقوا، فهو كما قالوا. وكان بمرو قاص يبكي بمواعظه، فإذا طال مجلسه بالبكاء أخرج من كمه طنبورا صغيرا فيحركه ويقول: مع هذا الغم الطويل يحتاج إلى فرح ساعة.
وقال بعضهم: قلت لصوفي بعني جبتك، فقال: إذا باع
стр. 107
الصياد شبكته فبأي شيء يصيد. وسئل بعض العلماء عن المتصوفة، فقال: أكلة رقصة، ووعظ عيسى ﵇ بني إسرائيل، فأقبلوا يمزقون الثياب، فقال: ما ذنب الثياب، أقبلوا على القلوب فعاتبوها.
وأما ما جاء في الرياء:
فقد قال الله تعالى: يُراؤُنَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا
«١» .
وعن معاذ بن جبل ﵁ قال: قال لي رسول الله ﷺ : «يا معاذ احذر أن يرى عليك آثار المحسنين، وأنت تخلو من ذلك فتحشر مع المرائين» .
وقيل: لو أن رجلا عمل عملا من البر فكتمه ثم أحب أن يعلم الناس أنه كتمه، فهو من أقبح الرياء.
وقيل: كل ورع يحب صاحبه أن يعلمه غير الله، فليس من الله في شيء. وعن شداد بن أوس ﵁ قال:
قال رسول الله ﷺ : «إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر» ، قالوا: ما الشرك الأصغر يا رسول الله؟ قال:
«الرياء» «٢» . وقيل: بينما عابد يمشي ومعه غمامة على رأسه تظله، فجاء رجل يريد أن يستظل معه، فمنعه. وقال إن أقمت معي لم يعلم الناس أن الغمامة تظلني، فقال له الرجل قد علم الناس أنني لست ممن تظله الغمامة، فحولها الله تعالى إلى ذلك الرجل.
وقال عبد الأعلى السلمي يوما: الناس يزعمون أني مراء وكنت أمس والله صائما ولا أخبرت بذلك أحدا. اللهم أصلح فساد قلوبنا واستر فضائحنا برحمتك يا أرحم الراحمين، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الباب التاسع عشر في العدل والإحسان والإنصاف وغير ذلك
إعلم أرشدك الله أن الله تعالى أمر بالعدل، ثم علم أنه ليس كل النفوس تصلح على العدل بل تطلب الإحسان وهو فوق العدل فقال تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى
«٣» الآية. فلو وسع الخلائق العدل ما قرن الله به الإحسان. والعدل ميزان الله تعالى في الأرض الذي يؤخذ به للضعيف من القوي والمحق من المبطل.
واعلم أن عدل الملك يوجب محبته، وجوره يوجب الافتراق عنه، وأفضل الأزمنة ثوابا أيام العدل.
وروينا من طريق أبي نعيم عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «لعمل الإمام العادل في رعيته يوما واحدا أفضل من عمل العابد في أهله مائة عام أو خمسين عاما» «٤» .
وروي عن النبي ﷺ أنه قال: «عدل ساعة خير من عبادة سبعين سنة» . وروينا في سنن أبي داود من حديث أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ أنه قال: «ثلاثة لا ترد دعوتهم: الإمام العادل، والصائم حتى يفطر، ودعوة المظلوم تحمل على الغمام وتفتح لها أبواب السماء» .
وعن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال لكعب الأحبار: أخبرني عن جنة عدن، قال: يا أمير المؤمنين لا يسكنها إلا نبي أو صديق أو شهيد أو إمام عادل، فقال عمر: والله ما أنا نبي، وقد صدقت رسول الله ﷺ وأما الإمام العادل، فإني أرجو أن لا أجور، وأما الشهادة فأنّى لي بها. قال الحسن: فجعله الله صديقا شهيدا حكما عدلا.
وسأل الإسكندر حكماء أهل بابل: إيما أبلغ عندكم؟
الشجاعة أو العدل، قالوا إذا استعملنا العدل استغنينا به عن الشجاعة.
ويقال: عدل السلطان أنفع من خصب الزمان. وقيل:
إذا رغب السلطان عن العدل رغبت الرعية عن طاعته.
وكتب بعض عمال عمر بن عبد العزيز ﵁ يشكو إليه من خراب مدينته ويسأله مالا يرمّها به «٥» ، فكتب إليه عمر قد فهمت كتابك، فإذا قرأت كتابي، فحصن مدينتك بالعدل، ونق طرقها من الظلم، فإنه مرمتها والسلام. ويقال: إن الحاصل من خراج سواد العراق في
стр. 108
زمن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ كان مائة ألف ألف وسبعة وثلاثين ألف ألف، فلم يزل يتناقص حتى صار في زمن الحجاج ثمانية عشر ألف ألف. فلما ولي عمر بن عبد العزيز ﵁ ارتفع في السنة الأولى إلى ثلاثين ألف ألف، وفي الثانية إلى ستين ألف ألف، وقيل أكثر. وقال: إن عشت لأبلغنه إلى ما كان في أيام أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁، فمات في تلك السنة.
ومن كلام كسرى: لا ملك إلا بالجند، ولا جند إلا بالمال، ولا مال إلا بالبلاد ولا بلاد إلا بالرعايا، ولا رعايا إلا بالعدل.
ولما مات سلمة بن سعيد كان عليه ديون للناس ولأمير المؤمنين المنصور، فكتب المنصور لعامله استوف لأمير المؤمنين حقه، وفرق ما بقي بين الغرماء، فلم يلتفت إلى كتابه، وضرب للمنصور بسهم من المال، كما ضرب لأحد الغرماء، ثم كتب للمنصور: إني رأيت أمير المؤمنين كأحد الغرماء، فكتب إليه المنصور: ملئت الأرض بك عدلا.
وكان أحمد بن طولون والي مصر متحليا بالعدل مع تجبره وسفكه للدماء، وكان يجلس للمظالم وينصف المظلوم من الظالم.
حكي أن ولده العباس استدعى بمغنية وهو يصطبح يوما، فلقيها بعض صالحي مصر ومعها غلام يحمل عودها فكسره، فدخل العباس إليه وخبره بذلك، فأمره بإحضار ذلك الرجل الصالح، فلما أحضر إليه قال: أنت الذي كسرت العود، قال: نعم. قال: أفعلمت لمن هو؟ قال:
نعم هو لابنك العباس، قال: أفما أكرمته لي، قال أكرمه لك بمعصية الله ، والله تعالى يقول: وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ
«١» . ورسول الله ﷺ يقول: لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. فأطرق أحمد بن طولون عند ذلك، ثم قال: كل منكر رأيته فغيره وأنا من ورائك «٢» . ووقف يهودي لعبد الملك بن مروان فقال: يا أمير المؤمنين إن بعض خاصتك ظلمني فأنصفني منه وأذقني حلاوة العدل، فأعرض عنه، فوقف له ثانيا، فلم يلتفت إليه، فوقف له مرة ثالثة، وقال يا أمير المؤمنين إنا نجد في التوراة المنزّلة على كليم الله موسى صلوات الله وسلامه عليه: إن الإمام لا يكون شريكا في ظلم أحد حتى يرفع إليه فإذا رفع إليه ذلك ولم يزله، فقد شاركه في الظلم والجور. فلما سمع عبد الملك كلامه فزع وبعث في الحال إلى من ظلمه، فعزله وأخذ لليهودي حقه منه.
وروي أن رجلا من العقلاء غصبه بعض الولاة ضيعة له، فأتى إلى المنصور، فقال له: أصلحك الله يا أمير المؤمنين أأذكر لك حاجتي أم أضرب لك قبلها مثلا؟
فقال: بل اضرب المثل. فقال: إن الطفل الصغير إذا نابه أمر يكرهه فإنما يفزع إلى أمه إذ لا يعرف غيرها وظنا منه أن لا ناصر له غيرها، فإذا ترعرع واشتد كان فراره إلى أبيه، فإذا بلغ وصار رجلا وحدث به أمر شكاه إلى الوالي لعلمه أنه أقوى من أبيه، فإذا زاد عقله شكاه إلى السلطان لعلمه أنه أقوى مما سواه، فإن لم ينصفه السلطان شكاه إلى الله تعالى لعلمه أنه أقوى من السلطان، وقد نزلت بي نازلة، وليس أحد فوقك أقوى منك إلا الله تعالى، فإن أنصفتني وإلا رفعت أمري إلى الله تعالى في الموسم، فإني متوجه إلى بيته وحرمه. فقال المنصور: بل ننصفك، وأمر أن يكتب إلى واليه بردّ ضيعته إليه.
وكان الإسكندر يقول: «يا عباد الله إنما إلهكم الله الذي في السماء الذي نصر نوحا بعد حين، الذي يسقيكم الغيث عند الحاجة، وإليه مفزعكم «٣» عند الكرب، والله لا يبلغني أن الله تعالى أحب شيئا إلا أحببته واستعملته إلى يوم أجلي، ولا أبغض شيئا إلا أبغضته وهجرته إلى يوم أجلي، وقد أنبئت أن الله تعالى يحب العدل في عباده ويبغض الجور من بعضهم على بعض، فويل للظالم من سيفي وسوطي، ومن ظهر منه العدل من عمالي، فليتكىء في مجلسي كيف شاء، وليتمن على ما شاء فلن تخطئه أمنيته، والله تعالى المجازي كلا بعمله «٤» .
ويقال: إذا لم يعمر الملك ملكه بالإنصاف خرب ملكه بالعصيان.
وقيل: مات بعض الأكاسرة فوجدوا له سفطا، ففتح، فوجد فيه حبة رمان كأكبر ما يكون من النوى معها رقعة مكتوب فيها: هذه من حب رمان عمل في خراجه بالعدل.
стр. 109
وقيل: تظلّم أهل الكوفة من واليهم، فشكوه إلى المأمون، فقال ما علمت في عمالي أعدل ولا أقوم بأمر الرعية وأعود بالرفق عليهم منه، فقال رجل منهم: يا أمير المؤمنين ما أحد أولى بالعدل والإنصاف منك، فإن كان بهذه الصفة فعلى أمير المؤمنين أن يوليه بلدا بلدا حتى يلحق كل بلد من عدله مثل الذي لحقنا ويأخذ بقسطه منه كما أخذنا، وإذا فعل ذلك لم يصبنا منه أكثر من ثلاث سنين، فضحك المأمون من قوله وعزله عنهم.
وقدم المنصور البصرة قبل الخلافة، فنزل بواصل بن عطاء «١» وقال: بلغني أبيات عن سليم بن يزيد العدوي في العدل، فقم بنا إليه، فأشرف عليهم من غرفة، فقال لواصل من هذا الذي معك؟ قال: عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس ﵃، فقال: رحب على رحب، وقرب على قرب، فقال: أنه يحب أن يسمع أبياتك في العدل، فقال: سمعا وطاعة، وأنشد يقول:
حتى متى لا نرى عدلا نسرّ به ... ولا نرى لولاة الحق أعوانا
مستمسكين بحق قائمين به ... إذا تلوّن أهل الجور ألوانا
يا للرجال لداء لا دواء له ... وقائد ذي عمىّ يقتاد عميانا
فقال المنصور: وددت لو أني رأيت يوم عدل «٢» ثم مت.
وقيل: لما ولي عمر بن عبد العزيز أخذ في رد المظالم، فابتدأ بأهل بيته، فاجتمعوا إلى عمة له كان يكرمها وسألوها أن تكلمه، فقال لها: إن رسول الله ﷺ سلك طريقا، فلما قبض سلك أصحابه ذلك الطريق الذي سلكه رسول الله ﷺ ، فلما قضي الأمر إلى معاوية جره يمينا وشمالا، وأيم الله لئن مدّ في عمري لأردنه إلى ذلك الطريق الذي سلكه رسول الله ﷺ وأصحابه. فقالت له: يا ابن أخي إني أخاف عليك منهم يوما عصيبا، فقال كل يوم أخافه دون يوم القيامة، فلا أمننيه الله.
وقال وهب بن منبه: إذا هم الوالي بالجور أو عمل به أدخل الله النقص في أهل مملكته في الأسواق والزروع والضروع «٣» وكل شيء، وإذا همّ بالخير والعدل أو عمل به أدخل الله البركة في أهل مملكته كذلك.
قال الوليد بن هشام: إن الرعية لتصلح بصلاح الوالي وتفسد بفساده.
وقال ابن عباس ﵄: أن ملكا من الملوك خرج يسير في مملكته متنكرا، فنزل على رجل له بقرة تحلب قدر ثلاث بقرات، فتعجب الملك من ذلك وحدثته نفسه بأخذها، فلما كان من الغد حلبت له النصف مما حلبت بالأمس، فقال له الملك: ما بال حلبها نقص أرعت في غير مرعاها بالأمس؟ فقال: لا ولكن أظن أن ملكنا رآها أو وصله خبرها فهمّ بأخذها، فنقص لبنها، فإن الملك إذا ظلم أو همّ بالظلم ذهبت البركة. فتاب الملك وعاهد ربه في نفسه أن لا يأخذها ولا يحسد أحدا من الرعية، فلما كان من الغد حلبت عادتها.
ومن المشهور بأرض المغرب أن السلطان بلغه أن امرأة لها حديقة فيها القصب الحلو وأن كل قصبة منها تعصر قدحا، فعزم الملك على أخذها منها، ثم أتاها وسألها عن ذلك، فقالت: نعم، ثم إنها عصرت قصبة، فلم يخرج منها نصف قدح، فقال لها: أين الذي كان يقال؟
فقالت: هو الذي بلغك إلا أن يكون السلطان قد عزم على أخذها مني، فارتفعت البركة منها، فتاب الملك وأخلص لله النية وعاهد الله أن لا يأخذها منها أبدا، ثم أمرها فعصرت قصبة منها فجات ملء قدح.
وحكى سيدي أبو بكر الطرطوشي ﵀ في كتابه «سراج الملوك» قال: حدثني بعض الشيوخ ممن كان يروي الأخبار بمصر قال: كان بصعيد مصر نخلة تحمل عشرة أرادب ولم يكن في ذلك الزمان نخلة تحمل نصف ذلك، فغصبها السلطان، فلم تحمل شيئا في ذلك العام، ولا تمرة واحدة. وقال لي شيخ من أشياخ الصعيد: أعرف هذه النخلة وقد شاهدتها وهي تحمل عشرة أرادب وستين ويبة وكان صاحبها يبيعها في سني الغلاء كل ويبة بدينار.
وحكي أيضا رحمه الله تعالى قال: شهدت في الإسكندرية والصيد مطلق للرعية السمك يطفو على الماء لكثرته، وكانت الأطفال تصيده بالخرق من جانب البحر، ثم حجزه الوالي ومنع الناس من صيده، فذهب السمك حتى لا يكاد يوجد إلى يومنا هذا، وهكذا تتعدى سرائر الملوك وعزائمهم ومكنون ضمائرهم إلى الرعية إن خيرا
стр. 110
فخير وإن شرا فشر.
وروى أصحاب التواريخ في كتبهم قالوا كان الناس إذا أصبحوا في زمان الحجاج يتساءلون إذا تلاقوا من قتل البارحة ومن صلب ومن جلد ومن قطع وما أشبه ذلك، وكان الوليد بن هشام صاحب ضياع واتخاذ مصانع فكان الناس يتساءلون في زمانه عن البنيان والمصانع والضياع وشق الأنهار وغرس الأشجار، ولما ولي سليمان بن عبد الملك وكان صاحب طعام ونكاح كان الناس يتحدثون ويتساءلون في الأطعمة الرفيعة ويتغالون في المناكح والسراري ويعمرون مجالستهم بذكر ذلك، ولما ولي عمر ابن عبد العزيز ﵁ كان الناس يتساءلون كم تحفظ من القرآن وكم وردك كل ليلة وكم يحفظ فلان وكم يختم وكم يصوم من الشهر وما أشبه ذلك «١» .
فينبغي للإمام أن يكون على طريقة الصحابة والسلف ﵃ ويقتدي بهم في الأقوال والأفعال فمن خالف ذلك فهو لا محالة هالك وليس فوق السلطان العادل منزلة إلا نبي مرسل أو ملك مقرب.
وقد قيل إن مثله كمثل الرياح التي يرسلها الله تعالى بشرا بين يدي رحمته فيسوق بها السحاب ويجعلها لقاحا للثمرات وروحا للعباد.
ولو تتبعت ما جاء في العدل والإنصاف وفضل الإمام العادل لألّفت في ذلك مجموعا جامعا لهذا المعنى ولكن اقتصرت على ما ذكرته مخافة أن يمله الناظر ويسأمه السامع، وبالله التوفيق إلى أقوم طريق وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الباب العشرون في الظلم وشؤمه وسوء عواقبه وذكر الظلمة وأحوالهم وغير ذلك
قال الله تعالى: أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ
«٢» وقال تعالى: وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ
«٣» قيل: هذا تسلية للمظلوم ووعيد للظالم وقال تعالى: إِنَّا أَعْتَدْنا لِلظَّالِمِينَ ناراً أَحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها
«٤» وقال تعالى:
وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ
«٥» .
وقال رسول الله ﷺ : «من مشى مع ظالم ليعينه وهو يعلم أنه ظالم خرج من الإسلام» . وقال أيضا ﷺ : «رحم الله عبدا كان لأخيه قبله مظلمة في عرض أو مال فأتاه فتحلله منها قبل أن يأتي يوم القيامة وليس معه دينار ولا درهم» . وقال أيضا: ﷺ «من اقتطع حق امرىء مسلم أوجب الله له النار وحرم عليه الجنة» ، فقال له رجل: يا رسول الله ولو كان شيئا يسيرا، قال: «ولو كان قضيبا من أراك» .
وعن حذيفة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :
«أوحى الله تعالى إلي يا أخا المرسلين يا أخا المنذرين أنذر قومك فلا يدخلوا بيتا من بيوتي ولأحد من عبادي عند أحد منهم مظلمة، فإني ألعنه ما دام قائما يصلي بين يدي حتى يرد تلك الظلامة إلى أهلها فأكون سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويكون من أوليائي وأصفيائي ويكون جاري مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين في الجنة» .
وعن علي ﵁ عن النبي ﷺ : «إياك ودعوة المظلوم فإنما يسأل الله تعالى حقه» ، وعنه ﷺ أنه قال: «ما من عبد ظلم فشخص ببصره إلى السماء «٦» إلا قال الله لبيك عبدي حقا لأنصرنك ولو بعد حين» ، وعنه أيضا أنه قال: ألا إن الظلم ثلاثة فظلم لا يغفر وظلم لا يترك وظلم مغفور لا يطلب، فأما الظلم الذي لا يغفر فالشرك بالله والعياذ بالله تعالى، قال الله تعالى إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ
«٧» وأما الظلم الذي لا يترك فظلم العباد بعضهم بعضا «٨» ، وأما الظلم المغفور الذي لا يطلب فظلم العبد نفسه.
ومر رجل برجل قد صلبه الحجاج فقال: يا رب إن
стр. 111
حلمك على الظالمين قد أضر بالمظلومين، فنام تلك الليلة فرأى في منامه أن القيامة قد قامت وكأنه قد دخل الجنة، فرأى ذلك المصلوب في أعلى عليين وإذا مناد ينادي حلمي على الظالمين أحل المظلومين في أعلى عليين.
وقيل: من سلب نعمة غيره سلب نعمته غيره. وسمع مسلم بن بشار رجلا يدعو على من ظلمه فقال له كل الظالم إلى ظلمه فهو أسرع فيه من دعائك «١» .
ويقال: من طال عدوانه زال سلطانه، وقال علي بن أبي طالب ﵁: يوم المظلوم على الظالم أشد من يوم الظالم على المظلوم، ورئي لوح في أفق السماء مكتوب فيه لا إله إلا الله محمد رسول الله وتحته هذا البيت:
فلم أر مثل العدل للمرء رافعا ... ولم أر مثل الجور للمرء واضعا
وقال الشاعر:
كنت الصحيح وكنّا منك في سقم ... فإن سقمت فإنا السالمون غدا
دعت عليك أكف طالما ظلمت ... ولن تردّ يد مظلومة أبدا
وكان معاوية يقول: إني لأستحي أن أظلم من لا يجد عليّ ناصرا إلا الله، وقال أبو العيناء كان لي خصوم ظلمة فشكوتهم إلى أحمد بن أبي دؤاد وقلت: قد تضافروا علي وصاروا يدا واحدة، فقال: يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ
«٢» فقلت له: إن لهم مكرا، فقال: وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ
«٣» ، قلت: هم فئة كثيرة فقال: كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ
«٤» .
وقال يوسف بن أسباط: من دعا لظالم بالبقاء فقد أحب أن يعصى الله في أرضه. وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال أبو القاسم ﷺ : «من أشار إلى أخيه بحديدة فإن الملائكة تلعنه وإن كان أخاه لأبيه وأمه» ، وقال مجاهد:
يسلط الله على أهل النار الجرب فيحكوم أجسادهم حتى تبدو العظام فيقال لهم: هل يؤذيكم هذا فيقولون: إي والله فيقال لهم هذا بما كنتم تؤذون المؤمنين.
وقال ابن مسعود ﵁: لما كشف الله العذاب عن قوم يوسف ﵇ ترادوا المظالم بينهم حتى كان الرجل ليقلع الحجر من أساسه فيرده إلى صاحبه.
وقال أبو ثور بن يزيد: الحجر في البنيان من غير حلّه عربون على خرابه. وقال غيره: لو أن الجنة وهي دار البقاء أسست على حجر من الظلم لأوشك أن تخرب.
وقال بعض الحكماء: اذكر عند الظلم عدل الله فيك وعند القدرة قدرة الله عليك، لا يعجبك رحب الذراعين سفّاك الدماء فإن له قاتلا لا يموت.
وقال سحنون بن سعيد: كان يزيد بن حاتم يقول: ما هبت شيئا قط هيبتي من رجل ظلمته وأنا أعلم أن لا ناصر له إلا الله فيقول حسبك الله، الله بيني وبينك.
وقال بلاد بن مسعود: اتق الله فيمن لا ناصر له إلا الله.
وبكى علي بن الفضل يوما فقيل له: ما يبكيك؟ قال: أبكي على من ظلمني إذا وقف غدا بين يدي الله تعالى ولم تكن له حجة.
وروي أن النبي ﷺ قال: «يقول الله تعالى اشتد غضبي على من ظلم من لا يجد له ناصرا غيري» . ونادى رجل سليمان بن عبد الملك وهو على المنبر: يا سليمان اذكر يوم الأذان، فنزل سليمان من على المنبر ودعا بالرجل فقال له ما يوم الأذان؟ فقال: قال الله تعالى: فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ
«٥» قال: فما ظلامتك؟
قال: أرض لي بمكان كذا وكذا أخذها وكيلك، فكتب إلى وكيله: ادفع إليه أرضه وأرضا مع أرضه.
وروي أن كسرى أنوشروان كان له معلم حسن التأديب يعلمه حتى فاق في العلوم فضربه المعلم يوما من غير ذنب فأوجعه فحقد أنوشروان عليه، فلما ولي الملك قال للمعلم: ما حملك على ضربي يوم كذا وكذا ظلما؟ فقال له: لما رأيتك ترغب في العلم رجوت لك الملك بعد أبيك فأحببت أن أذيقك ظعم الظلم لئلا تظلم، فقال أنوشروان: زه زه «٦» .
وقال محمد سويد وزير المأمون:
فلا تأمننّ الدّهر حرّا ظلمته ... فما ليل حرّ إن ظلمت بنائم
وروي أن بعض الملوك رقم على بساطه:
стр. 112
لا تظلمنّ إذا ما كنت مقتدرا ... فالظلم مصدره يفضي إلى النّدم
تنام عيناك والمظلوم منتبه ... يدعو عليك وعين الله لم تنم
وما أحسن ما قال الآخر:
أتهزأ بالدعاء وتزدريه ... وما تدري بما صنع الدعاء
سهام الليل نافذة ولكن ... لها أمد «١» وللأمد انقضاء
فيمسكها إذا ما شاء ربيّ ... ويرسلها إذا نفذ القضاء «٢»
وقال أبو الدرداء: إياك ودمعة اليتيم ودعوة المظلوم فإنها تسري بالليل والناس نيام، وقال الهيثم بن فراس السامي من بني سامة بن لؤي في الفضل بن مروان:
تجبرت يا فضل بن مروان فاعتبر ... فقبلك كان الفضل والفضل والفضل
ثلاثة أملاك مضوا لسبيلهم ... أبادهم الموت المشتّت والقتل
يريد الفضل بن الربيع والفضل بن يحيى والفضل بن سهل.
ووجد تحت فراش يحيى بن خالد البرمكي رقعة مكتوب فيها:
وحق الله إنّ الظلم لؤم ... وأنّ الظلم مرتعه وخيم
إلى ديّان يوم الدين نمضي ... وعند الله تجتمع الخصوم
ووجد القاسم بن عبيد الله وزير المكتفي في مصلاه رقعة مكتوبا فيها:
بغى وللبغي سهام تنتظر أنفذ في الأحشاء من وخز الإبر سهام أيدي القانتين في السحر وقال المنصور بن المعتمر لابن هبيرة حين أراد أن يوليه القضاء: ما كنت لألي «٣» هذا بعدما حدثني إبراهيم، قال:
وما حدثك إبراهيم؟ قال: حدثني عن علقمة عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : إذا كان يوم القيامة نادى مناد: أين الظلمة وأعوان الظلمة وأشياع الظلمة حتى من برى لهم قلما أو لاق «٤» لهم دواة، فيجمعون في تابوت من حديد ثم يرمى بهم في نار جهنم.
وروى هارون بن محمد بن عبد الملك الزيات قال:
جلس أبي للمظالم يوما فلما انقضى المجلس رأى رجلا جالسا فقال له: ألك حاجة؟ قال: نعم. أدنني إليك فإني مظلوم وقد أعوزني العدل والإنصاف.
قال: ومن ظلمك؟
قال: أنت ولست أصل إليك فأذكر حاجتي.
قال: وما يحجبك، وقد ترى مجلسي مبذولا؟
قال: يحجبني عنك هيبتك وطول لسانك وفصاحتك.
قال: ففيم ظلمتك؟
قال: في ضيعتي الفلانية أخذها وكيلك غصبا مني بغير ثمن فإذا وجب عليها خراج أديته باسمي لئلا يثبت لك اسم في ملكها فيبطل ملكي فوكيلك يأخذ غلتها وأنا أؤدي خراجها وهذا لم يسمع بمثله في المظالم.
فقال له محمد: هذا قول تحتاج معه إلى بينة وشهود وأشياء.
فقال له الرجل: أيؤمنني الوزير من غضبه حتى أجيب؟
قال: نعم قد أمنتك. قال: البينة هم الشهود وإذا شهدوا فليس يحتاج معهم إلى شيء آخر فما معنى قولك بينة وشهود وأشياء وأي شيء هذه الأشياء إن هي إلا الجور وعدولك عن العدل؟
فضحك محمد وقال: صدقت والبلاء موكل بالمنطق وإني لأرى فيك مصطنعا ثم وقع له مائة دينار يستعين بها على عمارة ضيعته وصيره من أصحابه فكان قبل أن يتوصل إلى الإنصاف واعادة ضيعته له، يقال له يا فلان كيف الناس فيقول: بشر بين مظلوم لا ينصر وظالم لا ينتصر، فلما صار من أصحاب محمد بن عبد الملك ورد عليه ضيعته وأنصفه قال له ليلة: كيف الناس الآن؟
قال: بخير.
قال: اعتمدت معهم الإنصاف ورفعت عنهم الإجحاف ورددت عليهم الغصوب وكشفت عنهم الكروب وأنا أرجو
стр. 113
لهم ببقائك نيل كل مرغوب والفوز بكل مطلوب.
ومما نقل في الآثار الإسرائيلية في زمان موسى صلوات الله وسلامه عليه أن رجلا من ضعفاء بني إسرائيل كان له عائلة وكان صيادا يصطاد السمك ويقوت منه أطفاله وزوجته؛ فخرج يوما للصيد فوقع في شبكته سمكة كبيرة ففرح بها ثم أخذها ومضى إلى السوق ليبيعها ويصرف ثمنها في مصالح عياله، فلقيه بعض العوانية فرأى السمكة معه فأراد أخذها منه فمنعه الصياد، فرفع العواني خشبة كانت بيده فضرب بها رأس الصياد ضربة موجعة وأخذ السمكة منه غصبا بلا ثمن. فدعا الصياد عليه وقال: إلهي جعلتني ضعيفا وجعلته قويا عنيفا، فخذ لي بحقي منه عاجلا فقد ظلمني ولا صبر لي إلى الآخرة، ثم إن ذلك الغاصب الظالم انطلق بالسمكة إلى منزله وسلمها إلى زوجته وأمرها أن تشويها فلما شوتها قدمتها له ووضعتها بين يديه على المائدة ليأكل منها ففتحت السمكة فاها ونكزته في أصبع يده نكزة طار بها عقله وصار لا يقر بها قراره فقام وشكا إلى الطبيب ألم يده وما حل به فلما رآها قال له: دواؤها أن تقطع الأصبع لئلا يسري الألم إلى بقية الكف، فقطع أصبعه فانتقل الألم والوجع إلى الكف واليد وازداد التألم وارتعدت من خوفه فرائصه فقال له الطبيب ينبغي أن تقطع اليد إلى المعصم لئلا يسري الألم إلى الساعد فقطعها فانتقل الألم إلى الساعد فما زال هكذا كلما قطع عضوا انتقل الألم إلى العضو الآخر الذي يليه.
فخرج هائما على وجهه مستغيثا إلى ربه ليكشف عنه ما نزل به، فرأى شجرة فقصدها فأخذه النوم عندها فنام فرأى في منامه قائلا يقول: يا مسكين إلى كم تقطع أعضاءك، امض إلى خصمك الذي ظلمته فأرضه، فانتبه من النوم وفكر في أمره فعلم أن الذي أصابه من جهة الصياد، فدخل المدينة وسأل عن الصياد وأتى إليه فوقع بين يديه يتمرغ على رجليه وطلب منه الإقالة مما جناه «١» ، ودفع إليه شيئا من ماله وتاب من فعله فرضي عنه خصمه الصياد فسكن في الحال ألمه وبات تلك الليلة فرد الله تعالى عليه يده كما كانت. ونزل الوحي على موسى ﵇ يا موسى وعزتي وجلالي لولا أن ذلك الرجل أرضى خصمه لعذبته مهما امتدت به حياته.
ومما تضمنته أخبار الأخيار ما رواه أنس ﵁ قال: بينما أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قاعد إذ جاءه رجل من أهل مصر فقال: يا أمير المؤمنين هذا مقام العائذ بك.
فقال عمر ﵁: لقد عذت بمجير فما شأنك؟
فقال: سابقت بفرسي ابنا لعمرو بن العاص، وهو يومئذ أمير على مصر، فجعل يقنعني «٢» بسوطه ويقول أنا ابن الأكرمين فبلغ ذلك عمرا أباه فخشي أن آتيك فحبسني في السجن فانفلتّ منه، فهذا الحين أتيتك.
فكتب إلى عمرو بن العاص إذا أتاك كتابي هذا فاشهد الموسم أنت وولدك فلان، وقال للمصري: أقم حتى يأتيك، فأقام حتى قدم عمرو وشهد موسم الحج فلما قضى عمر الحج وهو قاعد مع الناس وعمرو بن العاص وابنه إلى جانبه قام المصري فرمى إليه عمر ﵁ بالدرة، قال أنس ﵁: فلقد ضربه ونحن نشتهي أن يضربه فلم ينزع حتى أحببنا أن ينزع من كثرة ما ضربه، وعمر يقول: إضرب ابن الأكرمين.
قال: يا أمير المؤمنين قد استوفيت واشتفيت.
قال: ضعها على ضلع عمرو، فقال: يا أمير المؤمنين:
لقد ضربت الذي ضربني، قال: أما والله لو فعلت ما منعك أحد حتى تكون أنت الذي تنزع؛ ثم أقبل على عمرو بن العاص وقال: يا عمرو متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا؟
فجعل عمرو يعتذر إليه ويقول: إني لم أشعر بهذا.
وقيل: لما ظلم أحمد بن طولون قبل أن يعدل استغاث الناس من ظلمه وتوجهوا إلى السيدة نفيسة يشكونه إليها فقالت لهم: متى يركب؟ قالوا: في غد.
فكتبت رقعة ووقفت بها في طريقه وقالت: يا أحمد يا ابن طولون فلما رآها عرفها فترجل عن فرسه وأخذ منها الرقعة وقرأها فإذا فيها: ملكتم فأسرتم وقدرتم فقهرتم وخولتم فعسفتم، وردت إليكم الأرزاق فقطعتم، هذا وقد علمتم أن سهام الأسحار «٣» نافذة غير مخطئة لا سيما من قلوب أو جعتموها وأكباد جوعتموها وأجساد عريتموها، فمحال أن يموت المظلوم ويبقى الظالم، إعملوا ما شئتم فإنا صابرون وجوروا فإنا بالله مستجيرون واظلموا فإنا إلى
стр. 114
الله متظلمون وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ
«١» قال: فعدل لوقته.
وحكي أن الحجاج حبس رجلا في حبسه ظلما فكتب إليه رقعة فيها: قد مضى من بؤسنا أيام ومن نعيمك أيام والموعد القيامة والسجن جهنم والحاكم لا يحتاج إلى بينة، وكتب في آخرها:
ستعلم يا نؤوم إذا التقينا ... غدا عند الإله من الظلوم
أما والله إن الظلم لؤم ... وما زال الظلوم هو الملوم
سينقطع التلذّذ عن أناس ... أداموه وينقطع النعيم
إلى ديّان يوم الدين نمضي ... وعند الله تجتمع الخصوم
وحكى أبو محمد الحسين بن محمد الصالحي قال: كنا حول سرير المعتضد بالله ذات يوم نصف النهار فنام بعد أن أكل، فانتبه منزعجا وقال: يا خدم، فأسرعنا الجواب فقال: ويلكم أعينوني والحقوا بالشط فأول ملاح ترونه منحدرا في سفينة فارغة فاقبضوا عليه وائتوني به ووكلوا بالسفينة من يحفظها.
فأسرعنا فوجدنا ملاحا في سفينة منحدرة وهي فارغة فقبضنا عليه ووكلنا بها من يحفظها وصعدنا به إلى المعتضد.
فلما رآه الملاح كاد يتلف فصاح عليه المعتضد صيحة عظيمة كادت روحه تذهب منها وقال: أصدقني يا ملعون عن قضيتك مع المرأة التي قتلتها اليوم وإلا ضربت عنقك:
فتلعثم، وقال: نعم كنت سحرا في المشرعة الفلانية فنزلت إمرأة لم أر مثلها عليها ثياب فاخرة وحلى كثيرة وجواهر فطمعت فيها واحتلت عليها حتى سددت فمها وغرّقتها وأخذت جميع ما كان عليها ثم طرحتها في الماء ولم أجسر على حمل سلبها إلى داري لئلا يفشوا الخبر علي، فعولت على الهروب والانحدار إلى واسط فصبرت إلى أن خلا الشط في هذه الساعة من الملاحين وأخذت في الانحدار فتعلق بي هؤلاء القوم فحملوني إليك، فقال:
وأين الحلى والسلب؟ قال: في صدر السفينة تحت البواري.
قال المعتضد: علي به الساعة، فحضروا به فأمر بتغريق الملاح ثم أمر أن ينادى ببغداد من خرجت له امرأة إلى المشرعة الفلانية سحرا وعليها ثياب فاخرة وحلى فليحضر، فحضر في اليوم الثاني ثلاثة من أهلها وأعطوا صفتها وصفة ما كان عليها فسلم ذلك إليهم.
قال: فقلت يا مولاي من أين علمت أو أوحي إليك بهذه الحالة وأمر هذه الصبية فقال: بل رأيت في منامي رجلا شيخا أبيض الرأس واللحية والثياب وهو ينادي: يا أحمد أول ملاح ينحدر الساعة فاقبض عليه وقرره على المرأة التي قتلها اليوم ظلما وسلبها ثيابها وأقم عليه الحد ولا يفتك، فكان ما شاهدتم. فيتعين على كل ولي أمر أن يعدل في الأحكام، وأن يتبصر في رعيته وعلى كل غافل أن يكف يده عن الظلم ويسلك سنن العدل ويعامل بالنصفة ويراقب الله في السر والعلانية ويعلم أن الله يجازي على الخير والشر ويعاقب الظالم على ظلمه وينتصر للمظلوم ويأخذ له حقه ممن ظلمه، وإذا أخذ الظالم لم يفلته.
والله أعلم بالصواب وليه المرجع والمآب وحسبنا الله ونعم الوكيل ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين والحمد لله رب العالمين.
الباب الحادي والعشرون في بيان الشروط التي تؤخذ على العمال وسيرة السلطان في استجباء الخراج وأحكام أهل الذمة
وفيه فصلان
الفصل الأول في سيرة السلطان في استجباء الخراج والانفاق من بيت المال وسيرة العمال
قال جعفر بن يحيى: الخراج عماد الملوك وما استغزوا بمثل العدل وما استنذروا بمثل الظلم، وأسرع الأمور في خراب البلاد تعطيل الأرضين وهلاك الرعية وانكسار
стр. 115
الخراج من الجور «١» .
ومثل السلطان إذا أجحف بأهل الخراج حتى يضعفوا عن عمارة الأرضين مثل من يقطع لحمه ويأكله من الجوع فهو إن شبع من ناحية فقد ضعف من ناحية أخرى، وما أدخل على نفسه من الضعف والوجع أعظم مما دفع عن نفسه من ألم الجوع.
ومثل من كلف الرعية فوق طاقتهم كالذي يطين سطحه بتراب أساس بيته. وإذا ضعف المزارعون عجزوا عن عمارة الأرضين فيتركونها فتخرب الأرض ويهرب المزارعون فتضعف العمارة ويضعف الخراج وينتج من ذلك ضعف الأجناد وإذا ضعف الجند طمع الأعداء في السلطان.
وروي أن المأمون أرق ذات ليلة فاستدعى سميرا يحدثه فقال يا أمير المؤمنين كان بالموصل بومة وبالبصرة بومة فخطبت بومة الموصل بنت بومة البصرة لابنها، فقالت بومة البصرة لا أجيب خطبة ابنك حتى تجعلي في صداق ابنتي مائة ضيعة خربة، فقالت بومة الموصل لا أقدر عليها لكن إن دام وإلينا سلمه الله علينا سنة واحدة فعلت ذلك، قال: فاستيقظ لها المأمون وجلس للمظالم وأنصف الناس بعضهم من بعض وتفقد أمور الولاة والعمال والرعية.
وقال أبو الحسن بن علي الأسدي: أخبرني أبي قال:
وجدت في كتاب قبطي باللغة الصعيدية مما نقل بالعربية أن مبلغ ما كان يستخرج لفرعون في زمن يوسف الصديق صلوات الله وسلامه عليه من أموال مصر لخراج سنة واحدة من الذهب العين أربعة وعشرون ألف ألف وأربعمائة دينار «٢» ، من ذلك ما ينصرف في عمارة البلاد كحفر الخلجان والانفاق على الجسور وسد الترع وتقوية من يحتاج إلى التقوية من غير رجوع عليه بها لأقامة العوامل والتوسعة في البلدان وغير ذلك من الآلات وأجرة من يستعان به لحمل البذر وسائر نفقات تطبيق الأرض، ثمانمائة ألف دينار ولما ينصرف للأرامل والأيتام وإن كانوا غير محتاجين حتى لا يخلو أمثالهم من بر فرعون أربعمائة ألف دينار، ولما ينصرف لكهنتهم وبيوت صلاتهم مائتا ألف دينار، ولما ينصرف في الصدقات مما يصب صبا وينادى عليه، برئت الذمة من رجل كشف وجهه لفاقة ولم يحضر، فيحضر لذلك جمع كثير، مائتا ألف دينار. فإذا فرقت الأموال على أربابها دخل أمناء فرعون إليه وهنّأوه بتفرقة الأموال ودعوا له بطول البقاء ودوام العز والنعماء والسلامة، ثم نهوا إليه حال الفقراء فيأمر باحضارهم وتغيير شعثهم ويمد لهم السماط فيأكلون بين يديه ويشربون ويستفهم من كل واحد منهم عن سبب فاقته فإن كان ذلك من آفة الزمان زاد عليه مثل الذي كان له، ولما ينصرف في نفقات فرعون الراتبة في كل سنة مائتا ألف دينار ويفضل بعد ذلك مما يتسلمه يوسف الصديق ﵇ للملك ويجعله في بيت المال لنوائب الزمان أربعة عشر ألف ألف وستمائة ألف دينار.
وقال أبو رهم كانت أرض مصر أرضا مدبرة حتى أن الماء ليجري تحت منازلها وأفنيتها فيحبسونه حيث شاءوا ويرسلونه حيث شاءوا، وذلك قول فرعون: أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهذِهِ الْأَنْهارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي
«٣» . الآية.
وكان ملك مصر عظيما لم يكن في الأرض أعظم منه ملكا وكانت الجنان بحافتي النيل متصلة لا ينقطع منها شيء عن شيء، والزروع كذلك من أسوان إلى رشيد وكانت أرض مصر كلها تروى من ستة عشر ذراعا لما دبروا من جسورها وحافاتها والزروع ما بين الجبلين من أولها إلى آخرها، وذلك قوله تعالى: كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ٢٥ وَزُرُوعٍ وَمَقامٍ كَرِيمٍ ٢٦
«٤» .
وقال عبد الله بن عمر ﵄: استعمل فرعون هامان على حفر خليج سردوس فأخذ في حفره وتدبيره، فجعل أهل القرى يسألونه أن يجري لهم الخليج تحت قراهم ويعطوه مالا فكان يذهب به من قرية إلى قرية من المشرق إلى المغرب ومن الشمال إلى القبلة ويسوقه كيف أراد وإلى حيث قصد، فليس خليج بمصر أكثر عطوفا منه فاجتمع له من ذلك أموال عظيمة جزيلة فحملها إلى فرعون وأخبره بالخبر، فقال له فرعون: إنه ينبغي للسيد أن يعطف على عبده ويفيض عليه من خزائنه وذخائره ولا يرغب فيما
стр. 116
بأيديهم، رد على أهل القرى أموالهم، فرد عليهم ما أخذه منهم.
فإذا كانت هذه سيرة من لا يعرف الله ولا يرجو لقاءه ولا يخاف عذابه ولا يؤمن بيوم الحساب، فكيف تكون سيرة من يقول لا إله إلا الله محمد رسول الله ويوقن بالحساب والثواب والعقاب.
وقال ابن عباس ﵄ في قوله تعالى:
اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ
«١» . قال: هي خزائن مصر، ولما استوثق أمر مصر ليوسف ﵇، وكمل، وصارت الأشياء إليه وأراد الله تعالى أن يعوضه على صبره، لما لم يرتكب محارمه وكانت مصر أربعين فرسخا في مثلها، وما أطاع يوسف فرعون وهو الريان بن مصعب وناب عنه إلا بعد أن دعاه إلى الإسلام فأسلم، وكانت السنون التي حصل فيها الغلاء والجوع مات العزيز وتملك يوسف، وافتقرت زليخا، وعمي بصرها فجعلت تتكفّف الناس «٢» فقيل لها: لو تعرضت للملك ربما يرحمك ويعينك ويغنيك فطالما كنت تحفظينه وتكرمينه، ثم قيل لها لا تفعلي لأنه ربما يتذكر ما كان منك إليه من المراودة والحبس فيسيء إليك ويكافئك على ما سبق منك إليه.
فقالت: أنا أعلم بحلمه وكرمه، فجلست له على رابية في طريقه يوم خروجه وكان يركب في زهاء مائة ألف من عظماء قومه وأهل مملكته، فلما أحست به قامت ونادت سبحان من جعل الملوك عبيدا بمعصيتهم والعبيد ملوكا بطاعتهم.
فقال يوسف ﵇: من أنت؟
فقالت: أنا التي كنت أخدمك بنفسي وأرجّل «٣» شعرك بيدي وأكرم مثواك بجهدي وكان مني ما كان، وقد ذقت وبال أمري وذهبت قوتي وتلف مالي وعمي بصري وصرت أسأل الناس، فمنهم من يرحمني ومنهم من لا يرحمني، وبعدما كنت مغبوطة أهل مصر «٤» كلها صرت مرحومتهم بل محرومتهم وهذا جزاء المفسدين، فبكى يوسف ﵇ بكا، شديدا وقال لها: هل في قلبك من حبك إياي شيء؟ قالت: نعم والذي اتخذ إبراهيم خليلا لنظرة إليك أحب إلي من ملء الأرض ذهبا وفضة، فمضى يوسف وأرسل إليها يقول إن كنت أيّما تزوجناك وإن كنت ذات بعل أغنيناك. فقالت لرسول الملك: أنا أعرف أنه يستهزىء بي هو لم يردني في أيام شبابي وجمالي، فكيف يقبلني وأنا عجوز عمياء فقيرة؟
فأمر بها يوسف ﵇ فجهزت وتزوج بها وأدخلت عليه فصف يوسف ﵇ قدميه وقام يصلي ودعا الله تعالى باسمه العظيم الأعظم، فرد الله عليها حسنها وجمالها وشبابها وبصرها كهيئتها يوم راودته فواقعها، فإذا هي بكر فولدت له إفرائيم بن يوسف ومنشا بن يوسف وطاب في الإسلام عيشهما حتى فرق الموت بينهما.
فينبغي للقوي أن لا ينسى الضعيف وللغني أن لا ينسى الفقير، فرب مطلوب يصير طالبا ومرغوب فيه يصير راغبا، ومسؤول يصير سائلا، وراحم يصير مرحوما، فنسأل الله تعالى أن يرحمنا برحمته ويغنينا بفضله.
ولما ملك يوسف ﵇ خزائن الأرض كان يجوع ويأكل من خبز الشعير، فقيل له: أتجوع وبيدك خزائن الأرض؟ فقال: أخاف أن أشبع فأنسى الجائع.
ومن حسن سيرة العمال ما روي أن عمر ﵁ استعمل على حمص رجلا يقال له: عمير بن سعد، فلما مضت السنة كتب إليه عمر ﵁ إن أقدم علينا، فلم يشعر عمر إلا وقد قدم عليه ماشيا حافيا عكازته بيده وإداوته «٥» ومزوده «٦» وقصعته على ظهره، فلما نظر إليه عمر قال له: يا عمير أأجبتنا أم البلاد بلاد سوء؟ فقال يا أمير المؤمنين: أما نهاك الله أن تجهر بالسوء، وعن سوء الظن؟ وقد جئت إليك بالدنيا أجرّها بقرابها، فقال له: وما معك من الدنيا؟ قال: عكازة أتوكأ عليها وأدفع بها عدوا إن لقيته ومزود أحمل فيه طعامي وإداوة أحمل فيها ماء لشربي ولطهوري، وقصعة أتوضأ فيها وأغسل فيها رأسي وآكل فيها طعامي، فو الله يا أمير المؤمنين ما الدنيا بعد إلا تبع لما معي.
قال: فقام عمر ﵁ من مجلسه إلى قبر رسول الله ﷺ وأبي بكر ﵁، فبكى بكاء شديدا، ثم قال: اللهم ألحقني بصاحبي غير مفتضح ولا مبدل، ثم عاد إلى مجلسه، فقال: ما صنعت في عملك
стр. 117
يا عمير، فقال: أخذت الإبل من أهل الإبل، والجزية من أهل الذمة عن يد وهم صاغرون ثم قسمتها بين الفقراء والمساكين وأبناء السبيل، فو الله يا أمير المؤمنين لو بقي عندي منها شيء لأتيتك به.
فقال عمر: عد إلى عملك يا عمير، قال: أنشدك الله يا أمير المؤمنين أن تردني إلى أهلي، فأذن له فأتى أهله، فبعث عمر رجلا يقال له حبيب بمائة دينار وقال له: اختبر لي عميرا وأنزل عليه ثلاثة أيام حتى ترى حاله هل هو في سعة أم ضيق، فإن كان في ضيق فادفع إليه المائة دينار، فأتاه حبيب، فنزل به ثلاثا، فلم ير له عيشا إلا الشعير والزيت، فلما مضت ثلاثة أيام قال: يا حبيب، إن رأيت أن تتحول إلى جيراننا فلعلهم أن يكونوا أوسع عيشا منا، فإننا والله وتالله لو كان عندنا غير هذا لآثرناك به.
قال: فدفع إليه المائة دينار، وقال: قد بعث بها أمير المؤمنين إليك، فدعا بفرو خلق لامرأته، فجعل يصر منها الخمسة دنانير والستة والسبعة، ويبعث بها إلى إخوانه من الفقراء إلى أن أنفذها، فقدم حبيب على عمر، وقال:
جئتك يا أمير المؤمنين من عند أزهد الناس وما عنده من الدنيا قليل ولا كثير، فأمر له عمر بوسقين «١» من طعام وثوبين، فقال يا أمير المؤمنين أما الثوبان فأقبلهما، وأما الوسقان فلا حاجة لي بهما عند أهلي صاع من بر هو كافيهم حتى أرجع إليهم.
وروي أن عمر ﵁ صرّ أربعمائة دينار وقال للغلام: إذهب بها إلى أبي عبيدة بن الجراح ثم تربص عنده في البيت ساعة حتى تنظر ما يصنع بها، فذهب بها الغلام إليه، وقال له: يقول لك أمير المؤمنين عمر بن الخطاب اجعل هذه في بعض حوائجك قال: وصله الله ورحمه، ثم دعا بجاريته وقال لها: اذهبي بهذه السبعة إلى فلان، وبهذه الخمسة إلى فلان حتى أنفذها، فرجع الغلام إلى عمر وأخبره فوجده قد عد مثلها لمعاذ بن جبل، فقال له: انطلق بها إلى معاذ بن جبل، وانظر ما يكون من أمره، فمضى إليه وقال له كما قال لأبي عبيدة بن الجراح ففعل معاذ كما فعل أبو عبيدة، فرجع الغلام فأخبر عمر، فقال:
إنهم إخوة، بعضهم من بعض رضي الله تعالى عنهم أجمعين.
الفصل الثاني في أحكام أهل الذمة
روي عن عبد الرحمن بن غنم قال: كتبنا لعمر بن الخطاب ﵁ حين صالح نصارى أهل الشام.
بسم الله الرحمن الرحيم هذا كتاب من نصارى مدينة كذا إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، إنكم لما قدمتم علينا سألناكم الأمان لأنفسنا وذرارينا وأموالنا وأهل ملتنا وشرطنا لكم على أنفسنا أن لا نحدث في مدائننا ولا فيما حواليها كنيسة ولا ديرا ولا قلية ولا صومعة راهب ولا نجدد ما خرب منها ولا ما كان مختطا منها في خطط المسلمين في ليل ولا في نهار، وإن نوسع أبوابها للمار وابن السبيل وأن ننزل من مر بنا من المسلمين ثلاث ليال نطعمهم، ولا نؤوي في كنائسنا ولا في منازلنا جاسوسا ولا نكتمه عن المسلمين، ولا نعلم أولادنا القرآن ولا نظهر شرعنا ولا ندعو إليه أحدا ولا نمنع أحدا من ذوي قراباتنا الدخول في دين الإسلام إن أراده، وأن نوقر المسلمين ونقوم لهم من مجالسنا إذا أرادوا الجلوس وأن لا نتشبه بالمسلمين في شيء من ملابسهم من قلنسوة ولا عمامة ولا نعلين ولا نتكلم بكلامهم ولا نتكنى بكناهم ولا نركب في السروج ولا نتقلد بالسيوف ولا نتخذ شيئا من السلاح ولا نحمله معنا ولا ننقش على خواتمنا بالعربية ولا نبيع الخمر وأن تجز مقادم رؤوسنا ونلزم زيّنا حيثما كنا، وأن نشد الزنار على أوساطنا ولا نظهر صلباننا ولا كتبنا في شيء من أسواق المسلمين وطرقهم، ولا نضرب بالنواقيس في كنائسنا إلا ضربا خفيفا ولا نرفع أصواتنا مع موتانا، ولا نظهر النيران في شيء من طرق المسلمين، ولا أسواقهم، ولا نجاورهم بموتانا ولا نتخذ من الرقيق ما جرى عليه سهام المسلمين، ولا نتطلع على منازلهم، وقد شرطنا ذلك على أنفسنا وعلى أهل ملتنا وقبلنا عليه الأمان، فإن نحن خالفنا في شيء مما شرطناه لكم، وضمناه على أنفسنا فلا ذمة لنا وقد حل بنا ما يحل بأهل المعاندة والشقاق.
فكتب إليه عمر ﵁ أن امض ما سألوه والحق فيه حرفين واشترطهما عليهم مع ما شرطوا على أنفسهم، أن لا يشتروا شيئا من سبايا المسلمين ومن ضرب مسلما عمدا فقد خلع عهده.
وروي أن بني ثعلبة دخلوا على عمر بن عبد العزيز ﵁ فقالوا يا أمير المؤمنين إنا قوم من العرب افرض لنا.
стр. 118
قال: نصارى؟
قالوا: نصارى.
قال: ادعوا إلي حجاما، ففعلوا فجز نواصيهم وشق من أرديتهم حزما يحتزمون بها، وأمرهم أن لا يركبوا بالسروج وأن يركبوا على الأكف من شق واحد.
وروي أن أمير المؤمنين الخليفة جعفرا المتوكل أقصى اليهود والنصارى ولم يستعملهم وأذلهم وأبعدهم وخالف بين زيهم وزي المسلمين وقرب منه أهل الحق وأبعد عنه أهل الباطل، فأحيا الله به الحق وأمات به الباطل، فهو يذكر بذلك، ويترحم عليه ما دامت الدنيا.
وكان عمر بن الخطاب ﵁ يقول:
لا تستعملوا اليهود والنصارى، فإنهم أهل رشا في دينهم ولا يحل في دين الله الرشا.
ولما استقدم عمر بن الخطاب ﵁ أبا موسى الأشعري ﵁ من البصرة وكان عاملا بها للحساب، دخل على عمر وهو في المسجد فاستأذن لكاتبه وكان نصرانيا، فقال له عمر: قاتلك الله وضرب بيده على فخذه، ولّيت ذميا على المسلمين، أما سمعت الله تعالى يقول: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ
«١» . الآية. هلا اتّخذت حنيفيا؟ فقال:
يا أمير المؤمنين لي كتابته وله دينه، فقال: لا أكرمهم إذ أهانهم الله، ولا أعزّهم إذ أذلهم الله ولا أدنيهم إذ أقصاهم الله.
وكتب بعض العمال إلى عمر ﵁: إن العدو قد كثر وإن الجزية قد كثرت، أفنستعين بالأعاجم؟ فكتب إليه: إنهم أعداء الله وإنهم لنا غششة فأنزلوهم حيث أنزلهم الله.
ولما خرج رسول الله ﷺ إلى بدر لحقه رجل من المشركين عند الحرة فقال: إني أريد أن أتبعك وأصيب معك. قال: أتؤمن بالله ورسوله؟ قال: لا، قال: ارجع، فلن نستعين بمشرك، ثم لحقه عند الشجرة فقال: جئتك لأتبعك وأصيب معك. قال: أتؤمن بالله ورسوله؟ قال:
لا. قال: فارجع، فلن أستعين بمشرك، ثم لحقه عند ظهر البيداء، فقال له مثل ذلك، فأجابه بمثل الأول، فقال:
نعم. فخرج به وفرح به المسلمون، وكان له قوة وجلد.
وهذا أصل عظيم في أن لا يستعان بكافر، وهذا وقد خرج ليقاتل بين يدي النبي ﷺ ويراق دمه، فكيف استعمالهم على رقاب المسلمين.
وكتب عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه إلى عماله أن لا تولوا على أعمالنا إلا أهل القرآن، فكتبوا إليه إنا قد وجدنا فيهم خيانة، فكتب إليهم إن لم يكن في أهل القرآن خير، فأجدر أن لا يكون في غيرهم.
قال أصحاب الشافعي: ويلزمهم أن يتميزوا في اللباس عن المسلمين، وأن يلبسوا قلانس يميزونها عن قلانس المسلمين بالحمرة، ويشد الزنانير على أوساطهم ويكون في رقابهم خاتم من نحاس أو رصاص أو جرس يدخلون به الحمام، وليس لهم أن يلبسوا العمائم ولا الطيلسانات، وأما المرأة فإنها تشد الزنار تحت الإزار، وقيل فوق الإزار وهو الأولى، ويكون في عنقها خاتم تدخل به الحمام، ويكون أحد خفيها أسود والآخر أبيض، ولا يركبون الخيل ولا البغال، ولا الحمير بالأكف عرضا ولا يركبون بالسروج، ولا يتصدرون في المجالس ولا يبدأون بالسلام، ويلجأون إلى أضيق الطرق ويمنعون أن يتطاولوا على المسلمين في البناء، وتجوز المساواة، وقيل:
لا تجوز. وإن تملكوا دارا عالية أقرّوا عليها، ويمنعون من إظهار المنكر كالخمر والخنزير والناقوس والجهر بالتوراة والإنجيل، ويمنعون من المقام في أرض الحجاز وهي مكة والمدينة واليمامة وإن امتنعوا من أداء الجزية والتزام أحكام أهل الملة انتقض عهدهم، وإن زنى أحد منهم بمسلمة أو أصابها بنكاح أو آوى عينا «٢» للكفار أو دل على عورة المسلمين «٣» أو فتن مسلما عن دينه أو قتله أو قطع عليه الطريق تنتقض ذمته.
وفي تقدير الجزية اختلاف بين العلماء، فمنهم من قال إنها مقارة الأقل والأكثر على ما كتب به عمر ﵁ إلى عثمان بن حنيف بالكوفة، فوضع على الغني ثمانية وأربعين درهما وعلى من دونه أربعة وعشرين درهما، وعلى من دونه اثني عشر درهما، وذلك بمحضر من الصحابة ﵃ أجمعين، ولم يخالفه أحد وكان الصرف اثنا عشر بدينار، وهذا مذهب أبي حنيفة وأحمد بن حنبل، وأحد قولي الشافعي، ويجوز للإمام أن يزيد على ما قدره عمر، ولا يجوز أن ينقص عنه ولا جزية على النساء والمماليك والصبيان والمجانين.
وأما الكنائس، فأمر عمر بن الخطاب ﵁ أن
стр. 119
تهدم كل كنيسة بعد الإسلام، ومنع أن تجدد كنيسة، وأمر أن لا تظهر عليه خارجة من كنيسة ولا يظهر صليب خارج من كنيسة إلّا كسر على رأس صاحبه، وكان عروة بن محمد يهدمها بصنعاء وهذا مذهب علماء المسلمين أجمعين.
وشدد في ذلك عمر بن عبد العزيز وأمر أن لا يترك في دار الإسلام بيعة «١» ولا كنيسة بحال قديمة ولا حديثة.
والله تعالى أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب، وحسبنا الله ونعم الوكيل وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الباب الثاني والعشرون في اصطناع المعروف وإغاثة الملهوف وقضاء حوائج المسلمين وإدخال السرور عليهم
قال الله تعالى: وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ
«٢» . وقال تعالى: وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى
«٣» .
وقال رسول الله ﷺ : من مشى في عون أخيه ومنفعته، فله ثواب المجاهدين في سبيل الله، وعن أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال: «الخلق كلهم عيال الله، فأحب خلقه إليه أنفعهم لعياله» ، رواه الزار والطبراني في معجمه، ومعنى عيال الله فقراء الله تعالى، والخلق كلهم فقراء الله تعالى، وهو يعولهم.
وروينا في مسند الشهاب عن عبد الله بن عباس ﵄، عن النبي ﷺ أنه قال: «خير الناس أنفعهم للناس» .
وعن كثير بن عبيد بن عمرو بن عوف المزني، عن أبيه، عن جده، ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :
إن لله خلقا خلقهم لقضاء حوائج الناس، آلى على نفسه أن لا يعذبهم بالنار، فإذا كان يوم القيامة وضعت لهم منابر من نور يحدثون الله تعالى والناس في الحساب.
وعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : من سعى لأخيه المسلم في حاجة، فقضيت له أو لم تقض غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وكتب له براءتان براءة من النار وبراءة من النفاق.
وعن نافع عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «من قضى لأخيه المسلم حاجة كنت واقفا عند ميزانه، فإن رجح وإلا شفعت له» . رواه أبو نعيم في الحلية.
وروينا في مكارم الأخلاق لأبي بكر الخرائطي، عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «من مشى في حاجة أخيه المسلم كتب الله له بكل خطوة سبعين حسنة وكفّر عنه سبعين سيئة، فإن قضيت حاجته على يديه خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه، فإن مات في خلال ذلك دخل الجنة بغير حساب» .
وعن ابن عباس ﵄ قال: قال:
رسول الله ﷺ : «من مشى مع أخيه في حاجة فناصحه فيها جعل الله بينه وبين الناس سبع خنادق ما بين الخندق والخندق كما بين السماء والأرض» . رواه أبو نعيم وابن أبي الدنيا.
وعن عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن لله عند أقوام نعما يقرّها عندهم ما داموا في حوائج الناس ما لم يملوا فإذا ملوا نقلها الله إلى غيرهم» رواه الطبراني.
وروينا من طريق الطبراني بإسناد جيد عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «ما من عبد أنعم الله عليه نعمة، فأسبغها عليه ثم جعل حوائج الناس إليه، فتبرّم، فقد عرض تلك النعمة للزوال» . وعن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :
«من أغاث ملهوفا كتب الله له ثلاثا وسبعين حسنة: واحدة منها يصلح بها آخرته ودنياه والباقي في الدرجات» .
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «أتدرون ما يقول الأسد في زئيره؟ قالوا:
الله ورسوله أعلم. قال: يقول: اللهم لا تسلطني على أحد من أهل المعروف» . رواه أبو منصور الديلمي، في مسند الفردوس. وعن ابن عمر ﵄ قال: قيل: يا رسول الله أي الناس أحب إليك؟ قال: أنفع الناس للناس، قيل: يا رسول الله، فأي الأعمال أفضل؟ قال:
إدخال السرور على المؤمن، قيل: وما سرور المؤمن؟
قال: إشباع جوعته وتنفيس كربته، وقضاء دينه، ومن
стр. 120
مشى مع أخيه في حاجة كان كصيام شهر واعتكافه، ومن مشى مع مظلوم يعينه ثبت الله قدمه يوم تزل الأقدام، ومن كف غضبه ستر الله عورته، وإن الخلق السيء يفسد العمل كما يفسد الخل العسل.
وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ من لقي أخاه المسلم بما يحب ليسره بذلك سره الله يوم القيامة، رواه الطبراني في الصغير بإسناد حسن، وروي عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «من أدخل على أهل بيت من المسلمين سرورا لم يرض الله له سرورا دون الجنة» ، رواه الطبراني. وعن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «ما أدخل رجل على المؤمن سرورا إلا خلق الله من ذلك السرور ملكا يعبد الله تعالى ويوحده، فإذا صار العبد في قبره أتاه ذلك السرور، فيقول له: أما تعرفني، فيقول له: من أنت؟ فيقول: أنا السرور الذي أدخلتني على فلان. أنا اليوم أؤانس وحشتك وألقنك حجتك وأثبتك بالقول الثابت، وأشهد مشاهدك يوم القيامة وأشفع لك إلى ربك وأريك منزلك في الجنة» ، رواه ابن أبي الدنيا.
وعن علي بن أبي طالب ﵁ يرفعه: «إذا أراد أحدكم الحاجة فليبكر لها يوم الخميس وليقرأ إذا خرج من منزله آخر سورة آل عمران، وآية الكرسي، وإِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ١
«١» ، وأم الكتاب «٢» ، فإن فيها حوائج الدنيا والآخرة، وهو حديث مرفوع» .
ومن كلام الحكماء: إذا سألت كريما حاجة، فدعه يفكر فإنه لا يفكر إلا في خير وإذا سألت لئيما حاجة فعاجله، لئلا يشير عليه طبعه أن لا يفعل. وسأل رجل رجلا حاجة، ثم توانى عن طلبها، فقال له المسؤول:
أنمت عن حاجتك؟ فقال: ما نام عن حاجته من أسهرك لها، ولا عدل بها عن محجة النجح من قصدك بها، فعجب من فصاحته وقضى حاجته وأمر له بمال جزيل.
وقال مسلمة لنصيب: سلني، فقال: كفك بالعطية أبسط من لساني بالمسألة، فأمر له بألف دينار. وقال علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: فوت الحاجة أهون من طلبها إلى غير أهلها، وعنه أيضا قال: لا تكثر على أخيك بالحوائج فإن العجل إذا أفرط في مص ثدي أمه نطحته.
وقال ذو الرياستين لثمامة بن أشرس: ما أدري ما أصنع بكثرة الطلاب؟ فقال: زل عن موضعك وعليّ أن لا يلقاك منهم أحد، فقال له: صدقت، وجلس لهم في قضاء حوائجهم.
وحدّث أبو جعفر محمد بن القاسم الكرخي قال:
عرضت على أبي الحسن علي بن محمد بن الفرات رقعة في حاجة لي، فقرأها ووضعها من يده، ولم يوقع فيها بشيء، فأخذتها وقمت وأنا أقول متمثلا من حيث يسمع هذين البيتين:
وإذا خطبت إلى كريم حاجة ... وأبى فلا تقعد عليه بحاجب
فلربّما منع الكريم وما به ... بخل ولكن سوء حظّ الطالب
فقال: وقد سمع ما قلت، ارجع يا أبا جعفر، بغير سوء حظ الطالب ولكن إذا سألتمونا الحاجة، فعاودونا، فإن القلوب بيد الله تعالى، فأخذ الرقعة ووقع فيها بما أردت.
وسأل إسحاق بن ربعي، إسحاق بن إبراهيم المصعبي أن يوصل له رقعة إلى المأمون، فقال لكاتبه: ضمها إلى رقعة فلان، فقال:
تأنّ لحاجتي واشدد عراها ... فقد أضحت بمنزلة الضياع
إذا شاركتها بلبان أخرى ... أضرّ بها مشاركة الرّضاع
وقال أبو دقاقة البصري:
أضحت حوائجنا إليك مناخة ... معقولة برحابك الوصّال «٣»
أطلق فديتك بالنجاح عقالها ... حتى تثور معا بغير عقال
وقال سلم الخاسر:
إذا أذن الله في حاجة ... أتاك النجاح على رسله
فلا تسأل الناس من فضلهم ... ولكن سل الله من فضله
ولله در القائل حيث قال:
أيّها المادح العباد ليعطى ... إن لله ما بأيدي العباد
стр. 121
فاسأل الله ما طلبت إليهم ... وارج فرض المقسّم الجوّاد
وعن عبد الله بن الحسن بن الحسين رضي الله تعالى عنهم قال: أتيت باب عمر بن عبد العزيز في حاجة، فقال: إذا كانت لك حاجة إليّ، فأرسل إليّ رسولا أو أكتب لي كتابا، فإني لأستحي من الله أن يراك ببابي.
وعن علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال: والذي وسع سمعه الأصوات، ما من أحد أودع قلبا سرورا إلا خلق الله تعالى من ذلك السرور لطفا، فإذا نزلت به نائبة جرى إليها كالماء في انحداره حتى يطردها عنه كما تطرد غريبة الإبل، وقال لجابر بن عبد الله الأنصاري ﵄: يا جابر من كثرت نعم الله عليه كثرت حوائج الناس إليه، فإن قام بما يجب لله فيها عرّضها للدوام والبقاء، وإن لم يقم فيها بما يجب لله عرّضها للزوال.
نعوذ بالله من زوال النعمة ونسأل التوفيق والعصمة، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا دائما أبدا إلى يوم الدين والحمد لله رب العالمين.
الباب الثالث والعشرون في محاسن الأخلاق ومساويها
قال الله تعالى لنبيه ﷺ : وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ٤
«١» .
فخص الله تعالى نبيه ﷺ من كريم الطباع ومحاسن الأخلاق، من الحياء والكرم والصفح وحسن العهد بما لم يؤته غيره، ثم ما أثنى الله تعالى عليه بشيء من فضائله بمثل ما أثنى عليه بحسن الخلق، فقال تعالى: وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ٤
«٢» .
قال عائشة ﵂: كان خلقه القرآن، يغضب لغضبه ويرضى لرضاه، وكان الحسن ﵁ إذا ذكر رسول الله ﷺ قال: أكرم ولد آدم على الله وأعظم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام منزلة عند الله، أتي بمفاتيح الدنيا فاختار ما عند الله تعالى، وكان يأكل على الأرض ويجلس على الأرض ويقول: «إنما أنا عبد آكل كما يأكل العبد، وأجلس كما يجلس العبد» ، ولا يأكل متكئا ولا على خوان، وكان يأكل خبز الشعير غير منخول، وكان يأكل القثاء بالرطب ويقول: «برد هذا يطفىء حر هذا» ، وكان أحب الطعام إليه اللحم، ويقول:
«هذا يزيد في السمع، ولو سألت ربي أن يطعمنيه كل يوم لفعل» ، وكان يحب الدباء، ويقول: «يا عائشة إذا طبختم قدرا، فأكثروا فيه من الدباء، فإنها تشد قلب الحزين» ، وكان يقول: «إذا طبختم الدباء فأكثروا من مرقها» ، وكان يكتحل بالإثمد «٣» ولا يفارقه في سفره قارورة الدهن والكحل والمرآة والمشط والإبرة يخيط ثوبه بيده، وكان يضحك من غير قهقهة ويرى اللعب المباح ولا ينكره، وكان يسابق أهله؛ قالت عائشة ﵂ سابقته، فسبقته، فلما كثر لحمي سابقته فسبقني فضرب بكتفي وقال: «هذه بتلك» ، وكان له عبيد وإماء لا يرتفع على أحد منهم في مأكل ولا مشرب ولا ملبس وهو أمي لا يقرأ ولا يكتب، نشأ في بلاد الجهل والصحارى يتيما لا أب له ولا أم، فعلمه الله تعالى جميع محاسن الأخلاق، وكان أفصح الناس منطقا وأحلاهم كلاما، وكان يقول: «أنا أفصح العرب» .
وقال أنس ﵁: والذي بعثه بالحق نبيا ما قال لي في شيء قط كرهه لم فعلته ولا في شيء لم أفعله لم لا فعلته ولا لامني أحد من أهله إلا قال دعوه إنما كان هذا بقضاء وقدر.
وقال بعض مشايخنا رحمهم الله تعالى: لا مانع من أن النبي ﷺ إذا هضم نفسه وتواضع لا يمنع من المرتبة التي هي أعلى مرتبة من العبودية فالنبي ﷺ أعطاه الله تعالى مرتبة الملك مع كونه عبدا له متواضعا، فحاز المرتبتين مرتبة العبودة ومرتبة الملكية، ومع ذلك كان يلبس المرقع والصوف ويرقع ثوبه ويخصف نعله ويركب الحمار بلا إكاف ويردف خلفه، ويأكل الخشن من الطعام وما شبع قط من خبز بر ثلاثة أيام متوالية حتى لقي الله تعالى. من دعاه لبّاه «٤» ومن صافحه لم يرفع يده حتى يكون هو الذي يرفعها، يعود المريض «٥» ويتبع الجنائز ويجالس الفقراء،
стр. 122
أعظم الناس من الله مخافة وأتعبهم لله بدنا، وأجدّهم في أمر الله، لا تأخذه في الله لومة لائم، قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، أما والله ما كان تغلق من دونه الأبواب ولا كان دونه حجاب ﷺ .
وقالت عائشة رضي الله تعالى عنها ما ضرب رسول الله ﷺ امرأة قط ولا خادما له، ولا ضرب بيده شيئا إلا أن يجاهد في سبيل الله، ولا خيّر بين أمرين إلا اختار أيسرهما إلا أن يكون إثما أو قطيعة رحم فيكون أبعد الناس منه.
وقال إبراهيم بن عباس: لو وزنت كلمة رسول الله ﷺ بمحاسن الناس لرجحت، وهي قوله ﵊: «إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم فسعوهم بأخلاقكم» ، وفي رواية أخرى فسعوهم ببسط الوجه والخلق الحسن.
وعنه ﷺ : «حسن الخلق زمام من رحمة الله تعالى في أنف صاحبه، والزمام بيد الملك، والملك يجره إلى الخير والخير يجره إلى الجنة، وسوء الخلق زمام من عذاب الله تعالى في أنف صاحبه، والزمام بيد الشيطان، والشيطان يجره إلى الشر، والشر يجره إلى النار.
وقال بعض السلف: الحسن الخلق ذو قرابة عند الأجانب والسيء الخلق أجنبي عند أهله.
وقال الفضيل: لأن يصحبني فاجر حسن الخلق أحب إليّ من أن يصحبني عابد سيء الخلق، لأن الفاجر إذا حسن خلقه خف على الناس وأحبوه، والعابد إذا ساء خلقه مقتوه.
(بيت منفرد) :
إذا رام التخلّق جاذبته ... خلائقه إلى الطبع القديم «١»
قيل: أبى الله لسيء الخلق التوبة لأنه لا يخرج من ذنب إلا دخل في ذنب آخر لسوء خلقه.
وعن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ إذا بلغه عن الرجل شيء لم يقل ما بال فلان، ولكن يقول: ما بال أقوام يقولون، حتى لا يفضح أحدا، وعنه ﷺ : «ما شيء في الميزان أثقل من حسن الخلق» ، وعنه أيضا ﷺ قال:
«ثلاث من كن فيه كن له، من صدق لسانه زكا عمله، ومن حسنت نيّته زيد في رزقه، ومن حسن برّه لأهل بيته زيد له في عمره، ثم قال: وحسن الخلق وكف الأذى يزيدان في الرزق.
وقيل: سوء الخلق يعدي لأنه يدعو إلى أن يقابل بمثله.
وكتب الحسن بن علي إلى أخيه الحسين ﵃ في إعطائه الشعراء، فكتب إليه الحسين: أنت أعلم مني بأن خير المال ما وقي به العرض. فانظر إلى شرف أدبه، وحسن خلقه كيف ابتدأ كتابه بأنت أعلم مني، وكان بينه وبين أخيه كلام، فقيل له: ادخل على أخيك، فهو أكبر منك، فقال: إني سمعت جدي رسول الله ﷺ يقول: أيما اثنين جرى بينهما كلام، فطلب أحدهما رضا الآخر كان سابقه إلى الجنة وأنا أكره أن أسبق أخي الأكبر إلى الجنة، فبلغ ذلك الحسن، فجاءه عاجلا ﵄، وأنشد في المعنى:
وإنّي لألقى المرء أعلم أنّه ... عدوّ وفي أحشائه الضّغن كامن
فأمنحه بشرا فيرجع قلبه ... سليما وقد ماتت لديه الضغائن
وسرق بعض حاشية جعفر بن سليمان جوهرة نفيسة وباعها بمال جزيل، فأنفذ إلى الجوهريين بصفتها، فقالوا باعها فلان من مدة، ثم إن ذلك الرجل الذي سرقها قبض عليه وأحضر بين يدي جعفر، فلما رأى ما ظهر عليه قال له: أراك قد تغير لونك ألست يوم كذا طلبت مني هذه الجوهرة فوهبتها لك، وأقسم بالله لقد أنسيت هذا، ثم أمر للجوهري بثمنها، وقال للرجل: خذها الآن حلالا طيبا وبعها بالثمن الذي يطيب خاطرك به، لا تبع بيع خائف.
ودخل محمد بن عباد على المأمون، فجعل يعممه بيده وجارية على رأسه تتبسم، فقال لها المأمون: ممّ تضحكين؟ فقال ابن عباد: أنا أخبرك يا أمير المؤمنين تتعجب من قبحي وإكرامك إياي، فقال: لا تعجبي فإن تحت هذه العمامة كرما ومجدا.
قال الشاعر:
وهل ينفع الفتيان حسن وجوههم ... إذا كانت الأعراض غير حسان
فلا تجعل الحسن الدليل على الفتى ... فما كلّ مصقول الحديد يماني «٢»
стр. 123
وحكي أن بهرام الملك خرج يوما للصيد فانفرد عن أصحابه، فرأى صيدا، فتبعه طامعا في لحاقه حتى بعد عن عسكره، فنظر إلى راع تحت شجرة، فنزل عن فرسه ليبول، وقال للراعي: احفظ علي فرسي حتى أبول، فعمد الراعي إلى العنان وكان ملبسا ذهبا كثيرا، فاستغفل بهرام وأخرج سكينا، فقطع أطراف اللجام وأخذ الذهب الذي عليه، فرفع بهرام نظره إليه، فرآه فغضّ بصره «١» وأطرق برأسه إلى الأرض وأطال الجلوس حتى أخذ الرجل حاجته، ثم قام بهرام، فوضع يده على عينيه، وقال للراعي قدم إليّ فرسي، فإنه قد دخل في عيني من مسافي «٢» الريح، فلا أقدر على فتحهما، فقدمه إليه، فركب وسار إلى أن وصل إلى عسكره، فقال لصاحب مراكبه: إن أطراف اللجام قد وهبتها، فلا تتهمن بها أحدا.
وذكر أن أنو شروان وضع الموائد للناس في يوم نوروز «٣» وجلس، ودخل وجوه أهل مملكته في الإيوان، فلما فرغوا من الطعام جاءوا بالشراب وأحضرت الفواكه والمشموم «٤» في آنية الذهب والفضة، فلما رفعت آنية المجلس أخذ بعض من حضر جام ذهب وزنه ألف مثقال «٥» وخبأه تحت ثيابه وأنوشروان يراه، فلما فقده الشرابي صاح بصوت عال: لا يخرجن أحد حتى يفتش، فقال كسرى: ولم؟ فأخبره بالقضية، فقال: قد أخذه من لا يرده ورآه من لا ينم عليه «٦» ، فلا تفتش أحدا فأخذ الرجل الجام ومضى فكسره، وصاغ منه منطقة وحلية لسيفه وجدد له كسوة جميلة.
فلما كان في مثل ذلك اليوم «٧» جلس الملك ودخل ذلك الرجل بتلك الحلية، فدعاه كسرى، وقال له: هذا من ذاك؟ فقبّل الأرض، وقال: نعم، أصلحك الله.
وقال عبد الله بن طاهر: كنا عند المأمون يوما، فنادى بالخادم: يا غلام، فلم يجبه أحد، ثم نادى ثانيا، وصاح يا غلام، فدخل غلام تركي وهو يقول: ما ينبغي للغلام أن يأكل ويشرب كلما خرجنا من عندك تصيح يا غلام يا غلام إلى كم يا غلام، فنكس المأمون رأسه طويلا، فما شككت أنه يأمرني بضرب عنقه، ثم نظر إليّ فقال:
يا عبد الله إن الرجل إذا حسنت أخلاقه ساءت أخلاق خدمه، وإذا ساءت أخلاقه حسن أخلاق خدمه، وإنا لا نستطيع أن نسيء أخلاقنا لنحسن أخلاق خدمنا.
وقال ابن عباس ﵄: ورد علينا الوليد بن عتبة بن أبي سفيان المدينة واليا، وكأن وجهه ورقة من ورق المصحف، فوالله ما ترك فينا فقيرا إلا أغناه، ولا مديونا إلا أدى عنه دينه، وكان ينظر إلينا بعين أرق من الماء، ويكلمنا بكلام أحلى من الجنيّ «٨» ولقد شهدت منه مشهدا لو كان من معاوية لذكرته، تغدينا يوما عنده، فأقبل الفراش بصحفة، فعثر في وسادة، فوقعت الصحفة من يده، فوالله ما ردها إلا ذقن الوليد، وانكب جميع ما فيها في حجره فبقي الغلام متمثلا واقفا ما معه من روحه إلا ما يقيم رجليه، فقام الوليد فدخل، فغيّر ثيابه، وأقبل علينا تبرق أسارير جبهته، فأقبل على الفراش وقال يا بائس ما أرانا إلا روّعناك، إذهب، فأنت وأولادك أحرار لوجه الله تعالى.
ومرض أحمد بن أبي دؤاد، فعاده المعتصم، وقال:
نذرت إن عافاك الله تعالى أن أتصدق بعشرة آلاف دينار، فقال أحمد: يا أمير المؤمنين، فاجعلها في أهل الحرمين، فقد لقوا من غلاء الأسعار شدة، فقال: نويت أن أتصدق بها على من ههنا، وأطلق لأهل الحرمين مثلها، فقال أحمد: متّع الله الإسلام وأهله بك يا أمير المؤمنين، فإنك كما قال النميري لأبيك الرشيد رحمة الله تعالى عليه:
إن المكارم والمعروف أودية ... أحلّك الله منها حيث تجتمع
من لم يكن بأمين الله معتصما ... فليس بالصلوات الخمس ينتفع
وقيل للأحنف بن قيس: ممن تعلمت حسن الخلق؟
فقال: من قيس بن عاصم، بينما هو ذات يوم جالس في داره إذ جاءته خادم له بسفود عليه شواء حار، فنزعت السفود من اللحم وألقته خلف ظهرها فوقع على ابن له، فقتله لوقته، فدهشت الجارية «٩» ، فقال: لا روع عليك أنت حرة لوجه الله تعالى.
стр. 124
وكان ابن عمر ﵁ إذا رأى أحدا من عبيده يحسن صلاته يعتقه، فعرفوا ذلك من خلقه، فكانوا يحسنون الصلاة مراءاة له، فكان يعتقهم، فقيل له في ذلك، فقال: من خدعنا في الله انخدعنا له.
وروي أن أبا عثمان الزاهد اجتاز ببعض الشوارع في وقت الهاجرة، فألقي عليه من فوق سطح طست رماد، فتغير أصحابه، وبسطوا ألسنتهم في الملقي للرماد، فقال أبو عثمان: لا تقولوا شيئا، فإن من استحق أن يصب عليه النار، فصولح بالرماد لم يجز له أن يغضب.
وقيل لإبراهيم بن أدهم «١» تغمده الله تعالى برحمته: هل فرحت في الدنيا قط؟ فقال: نعم مرتين إحداهما أني كنت قاعدا ذات يوم، فجاء إنسان فبال عليّ، والثانية كنت جالسا فجاء إنسان فصفعني.
وروي أن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه دعا غلاما له، فلم يجبه، فدعاه ثانيا وثالثا فرآه مضطجعا، فقال: أما تسمع يا غلام؟ قال: نعم. قال: فما حملك على ترك جوابي؟ قال: أمنت عقوبتك، فتكاسلت، فقال: اذهب فأنت حر لوجه الله تعالى.
وحكي أن أبا عثمان الحيري دعاه إنسان إلى ضيافة، فلما وافى باب الدار قال له الرجل: يا أستاذ ليس لي وجه في دخولك، فانصرف رحمك الله، فانصرف أبو عثمان، فلما وافى منزله عاد الرجل إليه، وقال: يا أستاذ ندمت وأخذ يعتذر له، وقال: احضر الساعة، فقام معه فلما وافى داره قال له مثل ما قال في الأولى، ثم فعل به ذلك أربع مرات، وأبو عثمان ينصرف ويحضر، ثم قال: يا أستاذ إنما أردت بذلك اختبارك والوقوف على أخلاقك، ثم جعل يعتذر له ويمدحه. فقال أبو عثمان: لا تمدحني على خلق تجده في الكلاب، فإن الكلب إذا دعي حضر وإذا زجر انزجر.
وقال الحارث بن قصي: يعجبني من القرّاء كل فصيح مضحاك، فأما الذي تلقاه ببشر ويلقاك بوجه عبوس فلا كثّر الله في المسلمين مثله.
ومن محاسن الأخلاق ما حكي عن القاضي يحيى بن أكثم قال: كنت نائما ذات ليلة عند المأمون، فعطش، فامتنع أن يصيح بغلام يسقيه، وأنا نائم، فينغص عليّ نومي، فرأيته وقد قام يمشي على أطراف أصابعه حتى أتى موضع الماء وبينه وبين المكان الذي فيه الكيزان نحو من ثلاثمائة خطوة، فأخذ منها كوزا، فشرب، ثم رجع يمشي على أطراف أصابعه حتى قرب من الفراش الذي أنا عليه، فخطا خطوات خائف لئلا ينبهني حتى صار إلى فراشه، ثم رأيته آخر الليل قام يبول، وكان يقوم في أول الليل وآخره، فقعد طويلا يحاول أن أتحرك فيصيح بالغلام، فلما تحركت وثب قائما وصاح يا غلام، وتأهب للصلاة. ثم جاءني، فقال لي: كيف أصبحت يا أبا محمد، وكيف كان مبيتك؟
قلت: خير مبيت جعلني الله فداك يا أمير المؤمنين، قال:
لقد استيقظت للصلاة، فكرهت أن أصيح بالغلام، فأزعجك، فقلت يا أمير المؤمنين قد خصك الله تعالى بأخلاق الأنبياء، وأحب لك سيرتهم، فهنّاك الله تعالى بهذه النعمة، وأتمها عليك، فأمر لي بألف دينار، فأخذتها وانصرفت.
قال: وبت عنده ذات ليلة، فانتبه وقد عرض له السعال، فجعلت أرمقه، وهو يحشو فمه بكم قميصه يدفع به السعال حتى غلبه، فسعل وأكب على الأرض لئلا يعلو صوته، فأنتبه.
قال يحيى، وكنت معه يوما في بستان ندور فيه، فجعلنا نمر بالريحان، فيأخذ من الطاقة والطاقتين ويقول لقيم البستان: أصلح هذا الحوض، ولا تغرس في هذا الحوض شيئا من البقول، قال يحيى: ومشينا في البستان من أوله إلى آخره، وكنت أنا مما يلي الشمس والمأمون مما يلي الظل، فكان يجذبني أن أتحول أنا في الظل، ويكون هو في الشمس، فأمتنع من ذلك حتى بلغنا آخر البستان، فلما رجعنا قال: يا يحيى والله لتكونن في مكاني ولأكونن في مكانك حتى آخذ نصيبي من الشمس كما أخذت نصيبك، وتأخذ نصيبك من الظل كما أخذت نصيبي. فقلت: والله يا أمير المؤمنين لو قدرت أن أقيك يوم الهول بنفسي لفعلت، فلم يزل بي حتى تحولت إلى الظل وتحول هو إلى الشمس، ووضع يده على عاتقي، وقال: بحياتي عليك إلا ما وضعت يدك على عاتقي مثل ما فعلت أنا، فإنه لا خير في صحبة من لا ينصف.
انظر إلى أخلاقهم رضي الله تعالى عنهم ما أحسنها
стр. 125
وإلى أفعالهم ما أزينها، نسأل الله تعالى أن يحسن أخلاقنا، وأن يبارك لنا في أرزاقنا إنه على ما يشاء قدير، وبالإجابة جدير ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الباب الرابع والعشرون في حسن المعاشرة والمودة والأخوة والزيارة وما أشبه ذلك
اعلم أن المودة والأخوة والزيارة سبب التآلف، والتآلف سبب القوة، والقوة سبب التقوى، والتقوى حصن منيع وركن شديد بها يمنع الضيم وتنال الرغائب وتنجع المقاصد، وقد منّ الله تعالى على قوم وذكرهم نعمته عليهم بأن جمع قلوبهم على الصفا وردها بعد الفرقة إلى الألفة والإخاء، فقال تعالى: وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً
«١» .
ووصف نعيم الجنة وما أعد فيها لأوليائه من الكرامة، إذ جعلهم إخوانا على سرر متقابلين، وقد سن رسول الله ﷺ الإخاء وندب إليه، وآخى بين الصحابة رضي الله تعالى عنهم أجمعين.
وقد ذكر الله تعالى أهل جهنم وما يلقون فيها من الألم إذ يقولون: فَما لَنا مِنْ شافِعِينَ ١٠٠ وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ ١٠١
«٢» .
وقال علي بن أبي طالب ﵁ وكرم الله وجهه:
الرجل بلا أخ كشمال بلا يمين، وأنشدوا في ذلك:
وما المرء إلا بإخوانه ... كما يقبض الكفّ بالمعصم
ولا خير في الكفّ مقطوعة ... ولا خير في الساعد الأجذم
وقال زياد: خير ما اكتسب المرء الإخوان فإنهم معونة على حوادث الزمان ونوائب الحدثان، وعون في السراء والضراء.
ومن كلام علي ﵁ وكرم وجهه:
عليك بإخوان الصفاء فإنّهم ... عماد إذا استنجدتهم وظهور
وإنّ قليلا ألف خلّ وصاحب ... وإنّ عدوا واحدا لكثير
وقال الأوزاعي: الصاحب للصاحب كالرقعة في الثوب إن لم تكن مثله شانته. وقال عبد الله بن طاهر: المال غاد ورائح والسلطان ظل زائل والإخوان كنوز وافرة.
وقال المأمون للحسن بن سهل: نظرت في اللذات فوجدتها كلها مملولة سوى سبعة، قال: وما السبعة يا أمير المؤمنين؟ قال: خبز الحنطة، ولحم الغنم، والماء البارد، والثوب الناعم، والرائحة الطيبة والفراش الواطىء، والنظر إلى الحسن من كل شيء، قال: فأين أنت يا أمير المؤمنين من محادثة الرجال؟ قال: صدقت، وهي أولاهن وقال سليمان بن عبد الملك: أكلت الطيب ولبست اللبن وركبت الفاره «٣» وافتضضت العذراء، فلم يبق من لذاتي إلا صديق أطرح معه مؤنة التحفظ.
وكذلك قال معاوية ﵁: نكحت النساء حتى ما أفرق بين امرأة وحائط، وأكلت الطعام حتى لا أجد ما استمرئه، وشربت الأشربة حتى رجعت إلى الماء، وركبت المطايا حتى اخترت نعلي، ولبست الثياب حتى اخترت البياض، فما بقي من اللذات ما تتوق إليه نفسي إلا محادثة أخ كريم.
وأنشدوا في معنى ذلك:
وما بقيت من اللّذات إلّا ... محادثة الرجال ذوي العقول
وقد كنّا نعدّهم قليلا ... فقد صاروا أقلّ من القليل
وقال لبيد:
ما عاتب المرء اللبيب كنفسه ... والمرء يصلحه الجليس الصالح
وقال آخر:
إذا ما أتت من صاحب لك زلة ... فكن أنت محتالا لزلّته عذرا «٤»
وقيل لابن السماك: أي الإخوان أحق ببقاء المودة؟
قال: الوافر دينه، الوافي عقله، الذي لا يملّك على القرب ولا ينساك على البعد، إن دنوت منه داناك، وإن بعدت عنه
стр. 126
راعاك، وإن استعنت به عضدك، وإن احتجت إليه رفدك، وتكون مودة فعله أكثر من مودة قوله. وأنشدوا في المعنى:
إن أخاك الصدق من يسعى معك ... ومن يضرّ نفسه لينفعك
ومن إذا ريب الزمان صدعك ... شتّت فيك شمله ليجمعك «١»
وليس أخي من ودّني بلسانه ... ولكنّ أخي من ودّني وهو غائب
ومن ماله مالي إذا كنت معدما ... ومالي له إن أعوزته النّوائب
وقال أبو تمام:
من لي بإنسان إذا أغضبته ... وجهلت كان الحلم ردّ جوابه
وإذا صبوت إلى المدام شربت من ... أخلاقه وسكرت من آدابه «٢»
وتراه يصغي للحديث بطرفه ... وبقلبه ولعلّه أدرى به «٣»
وقيل لخالد بن صفوان: أي إخوانك أحب إليك؟ قال:
الذي يسد خلتي «٤» ويغفر زلتي ويقيل عثرتي. وقيل: من لا يؤاخي إلا من لا عيب فيه قلّ صديقه، ومن لم يرض من صديقه إلا بإيثاره على نفسه دام سخطه، ومن عاتب على كل ذنب ضاع عتبه، وكثر تعبه.
قال الشاعر:
ومن لم يغمض عينه عن صديقه ... وعن بعض ما فيه يمت وهو عاتب
وقال آخر:
إذا كنت في كل الأمور معاتبا ... صديقك لم تلق الذي لا تعاتبه
وإن أنت لم تشرب مرارا على الأذى ... ظمئت وأيّ الناس تصفو مشاربه
وقال: إذا رأيت من أخيك أمرا تكرهه أو خلة لا تحبها فلا تقطع حبله ولا تصرم وده، ولكن داو كلمته «٥» واستر عورته وأبقه وأبرأ من عمله.
قال الله تعالى: فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ ٢١٦
«٦» فلم يأمره بقطعهم، وإنما أمره بالبراءة من عملهم السيء.
وقال ﷺ : «الأرواح أجناد مجندة، فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف» . وقال ﵊: إن روحي المؤمنين ليلتقيان من مسيرة يوم ما رأى أحدهما صاحبه.
وفي ذلك قال بعضهم:
هويتكم بالسّمع قبل لقائكم ... وسمع الفتى يهوى لعمري كطرفه «٧»
وخبّرت عنكم كلّ جود ورفعة ... فلما التقينا كنتم فوق وصفه
وقال آخر:
تبسّم الثغر عن أوصافكم فغدا ... من طيب ذكركم نشرا فأحيانا «٨»
فمن هناك عشقناكم ولم نركم ... والأذن تعشق قبل العين أحيانا
[وقيل] : ما تحاب اثنان في الله إلا كان أفضلهما عند الله أشدهما حبا لصاحبه.
ما زار أخ أخا في الله شوقا إليه ورغبة في لقائه إلا نادته ملائكة من ورائه طبت وطابت لك الجنة.
وقالوا: ليس سرور يعدل لقاء الإخوان، ولا غم يعدل فراقهم. وقالوا: شر الإخوان الواصل في الرخاء، الخاذل عند الشدة. وقالوا: إن من الوفاء أن تكون لصديق صديقك صديقا، ولعدو صديقك عدوا. وقالوا: أعجب الأشياء ودّ من يهودي وحفظ من نصراني، ورياضة من دهري «٩» ، وكرم من أعجمي، والحذر من الكريم إذا أهنته، واللئيم إذا أكرمته، والعاقل إذا أحرجته، والأحمق
стр. 127
إذا مازحته، والفاجر إذا عاشرته.
وقالوا: إصحب من الإخوان من أولاك جمائل كثيرة فكافأته بجميلة واحدة، فنسي جمائله وبقي شاكرا ناشرا ذاكرا لجميلتك، يوليك عليها الإحسان الكثير الجزيل ويجعل أنه ما بلغ من مكافأتك القليل.
وقال ابن عائشة: لقاء الخليل شفاء الغليل. وقال بعض الحكماء: إذا وقع بصرك على شخص فكرهته، فاحذره جهدك.
قال عبد الله بن طاهر:
خليليّ للبغضاء حال مبينة ... وللحب آثار ترى ومعارف
فما تنكر العينان فالقلب منكر ... وما تعرف العينان فالقلب عارف
وقال آخر:
وكنت إذا الصديق أراد غيظي ... وشرّقني على ظمإ بريقي «١»
غفرت ذنوبه وكظمت غيظي ... مخافة أن أعيش بلا صديق
وقال آخر:
وليس فتى الفتيان من جلّ همّه ... صبوح وإن أمسى ففضل غبوق «٢»
ولكن فتى الفتيان من راح أو غدا ... لضر عدو أو لنفع صديق
وأما آداب المعاشرة: فالبشاشة والبشر وحسن الخلق والأدب، فعن جابر بن عبد الله ﵄، عن النبي ﷺ قال: من أخلاق النبيين والصديقين البشاشة إذا تراءوا والمصافحة إذا تلاقوا وكان القعقاع بن ثور الهذلي إذا جالسه رجل يجعل له نصيبا من ماله ويعينه على حوائجه، ودخل يوما على معاوية، فأمر له بألف دينار وكان هناك رجل قد فسح له في المجلس، فدفعها للذي فسح له، فقال:
وكنت جليس قعقاع بن ثور ... وما يشقى بقعقاع جليس
ضحوك السن إن نطقوا بخير ... وعند الشر مطراق عبوس
وقال ابن عباس ﵄: لجليسي عليّ ثلاث:
أن أرمقه بطرفي إذا أقبل، وأوسع له إذا جلس، وأصغي له إذا حدث. ويقال: لكل شيء محل، ومحل العقل مجالسته الناس، ومثل الجليس الحسن كالعطار إن لم يصبك من عطره أصابك من رائحته. ومثل الجليس السوء، مثل الكبريت إن لم يحرق ثوبك بناره آذاك بدخانه.
وكانت تحية العرب: «صبحتك الأنعمة وطيب الأطعمة» وتقول أيضا: «صبحتك الأفالح وكل طير صالح» . ووصف المأمون ثمامة بحسن المعاشرة، فقال:
إنه يتصرف مع القلوب تصرف السحاب مع الجنوب «٣» .
وقيل: أول ما يتعين على الجليس الإنصاف في المجالسة بأن يلحظ بعين الأدب مكانه من مكان جليسه فيكون كل منهما في محله. وقال ﷺ : ذو العلم والسلطان أحق بشرف المنزل.
وقال جعفر الصادق ﵁، إذا دخلت منزل أخيك فاقبل كرامته كلها ما عدا الجلوس في الصدور وينبغي للإنسان أن لا يقبل بحديثه على من لا يقبل عليه، فقد قيل إن نشاط المتكلم بقدر إقبال السامع، ويتعين عليه أن يحدث المستمع على قدر عقله ولا يبتدع كلاما لا يليق بالمجلس، فقد قيل لكل مقام مقال، وخير القول ما وافق الحال. وأوجبوا على المستمع أنه إذا ورد عليه من المتكلم ما كان مر بسمعه أولا أن لا يقطع عليه ما يقوله، بل يسكت إلى أن يستوعب منه القول، وعدوا ذلك من باب الأدب، ولعله إذا صبر وسكت استفاد من ذلك زيادة فائدة لم تكن في حفظه.
وقيل: ثمانية إن أهينوا فلا يلوموا إلا أنفسهم: الجالس في مجلس ليس له بأهل، والمقبل بحديثه على من لا يسمعه، والداخل بين اثنين في حديثهما ولم يدخلاه فيه، والمتعرض لما لا يعنيه، والمتأمّر على رب البيت في بيته، والآتي إلى مائدة بلا دعوة، وطالب الخير من أعدائه، والمستخف بقدر السلطان.
ويتعين على الجليس أن يراعي ألفاظه ويكون على حذر أن يعثر لسانه خصوصا إذا كان جليسه ذا هيبة، فقد قيل:
رب كلمة سلبت نعمة.
وقال أبو العباس السفاح: ما رأيت أغزر من فكر أبي
стр. 128
بكر الهذلي لم يعد علي حديثا قط. وقيل إن أبا العباس كان يحدثه يوما إذ عصفت الريح فأرمت طستا من سطح إلى المجلس، فارتاع من حضر ولم يتحرك الهذلي ولم تزل عينه مطابقة لعين السفاح فقال: ما أعجب شأنك يا هذلي، فقال: إن الله يقول: ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ
«١» . وإنما لي قلب واحد، فلما غمره النور بمحادثة أمير المؤمنين لم يكن فيه لحادث مجال، فلو انقلبت الخضراء على الغبراء «٢» ما أحسست بها ولا وجمت لها «٣» ، فقال السفاح لئن بقيت لك لأرفعن مكانك، ثم أمر له بمال جزيل وصلة كبيرة. وكان ابن خارجة يقول: ما غلبني أحد قط غلبة رجل يصغي إلى حديثي.
وفي نوابغ الحكم: أكرم حديث أخيك بانصاتك وصنه من وصمة التفاتك. وقيل: من حق الملك إذا تثاءب أو ألقى المروحة من يده أو مدّ رجليه أو تمطّى «٤» أو اتكأ أو فعل ما يدل على كسله أن يقوم من بحضرته، وكان أردشير إذا تمطّى قام سمّاره «٥» .
ومن حق الملك أن لا يعاد عليه حديث وإن طال الدهر. قال روح بن زنباع أقمت مع عبد الملك سبع عشرة سنة، فما أعدت عليه حديثا إلا مرة واحدة، فقال لي: قد سمعته منك. وعن الشعبي قال: ما حدثت بحديث مرتين رجلا بعينه. وقال عطاء بن أبي رباح: إن الرجل ليحدثني بالحديث فأنصت له كأني لم أسمعه قط، وقد سمعت به من قبل أن يولد.
وقيل: المودة طلاقة الوجه والتودد إلى الناس. وقال معاذ بن جبل ﵁: إن المسلمين إذا التقيا، فضحك كل واحد منهما في وجه صاحبه ثم أخذ بيده تحاتت ذنوبهما كتحاتّ ورق الشجر، وقيل: البشر يدل على السخاء كما يدل النور على الثمر. وقيل: من السنّة إذا حدثت القوم أن لا تقبل على واحد منهم، ولكن اجعل لكل واحد منهم نصيبا.
وقالوا: إذا أردت حسن المعاشرة فالق عدوك وصديقك بالطلاقة ووجه الرضا والبشاشة ولا تنظر في عطفيك «٦» ولا تكثر الالتفات ولا تقف على الجماعات، وإذا جلست فلا تتكبر على أحد وتحفّظ من تشبيك أصابعك، ومن العبث بلحيتك، ومن اللعب بخاتمك، وتخليل أسنانك، وإدخال أصبعك في أنفك، وكثرة بصاقك، وكثرة التمطي والتثاؤب في وجوه الناس وفي الصلاة، وليكن مجلسك هادئا وحديثك منظوما مرتبا، واصغ إلى كلام مجالسك واسكت عن المضاحك ولا تتصنع تصنع المرأة في التزين، ولا تلح في الحاجات ولا تشجع أحدا على الظلم ولا تهازل أمتك ولا عبدك، فيسقط وقارك عندهما، وإذا خاصمت فانصف وتحفظ من جهلك وتجنب عجلتك وتفكر في حجّتك، ولا تكثر الإشارة بيدك ولا الالتفات إلى من وراءك واهدىء غضبك وتكلم، وإذا قرّبك سلطان فكن منه على حذر، واحذر انقلابه عليك وكلمه بما يشتهي ولا يحملنك لطفه بك على أن تدخل بينه وبين أهله وحشمه، وإن كنت لذلك مستحقا عنده.
وإياك وصديق العافية «٧» فإنه أعدى الأعداء ولا تجعل مالك أكرم من عرضك، ولا تجالس الملوك فإن فعلت فالتزم ترك الغيبة ومجانبة الكذب وصيانة السر وقلة الحوائج وتهذيب الألفاظ والمذاكرة بأخلاق الملوك والحذر منهم. وإن ظهرت المودة، ولا تتجشأ بحضرتهم ولا تخلل أسنانك بعد الأكل عندهم، ولا تجالس العامة فإن فعلت فآداب ذلك ترك الخوض في حديثهم وقلة الإصغاء إلى أراجيفهم والتغافل عما يجري من سوء ألفاظهم.
وإياك أن تمازح لبيبا أو سفيها، فإن اللبيب يحقد عليك والسفيه يتجرأ عليك، ولأن المزاح يخرق الهيبة ويذهب بماء الوجه ويعقب الحقد ويذهب بحلاوة الإيمان والود ويشين فقه الفقيه ويجرّىء السفيه ويميت القلب ويباعد عن الرب تعالى ويكسب الغفلة والذلة، ومن بلي في مجلس بمزاح أو لغط، فليذكر الله عند قيامه، فقد ورد عن النبي ﷺ أنه قال: من جلس في مجلس فكثر فيه لغطه فقال قبل أن يقوم من مجلسه ذلك: سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك، غفر له ما كان في مجلسه ذلك.
стр. 129
وأما آداب المسايرة فقد روي أن رسول الله ﷺ تعاقب هو وعلي بن أبي طالب كرم الله وجهه ورجل آخر من الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين في سفر على بعير، فكان إذا جاءت نوبته في المشي مشى، فيعزمان عليه أن لا يمشي فيأبى ويقول:
ما أنتم بأقدر مني على مشي وما أنا بأغنى منكم عن أجر، وقال ﷺ : «لا تتخذوا ظهور الدواب كراسي» .
وقيل: لا تتقدم الأصاغر على الأكابر إلا في ثلاث: إذا ساروا ليلا أو خاضوا سيلا أو واجهوا خيلا. وقال علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: لا يكون الصديق صديقا حتى يحفظ أخاه في ثلاث، في نكبته وغيبته ووفاته.
وأما ما جاء في الإخوان القليلي الموافاة العديمي المكافأة الذين ليس عندهم لصديق مصافاة:
فقال وهب بن منبه: صحبت الناس خمسين سنة فما وجدت رجلا غفر لي زلة ولا أقالني عثرة ولا ستر لي عورة. وقال علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: إذا كان الغدر طبعا، فالثقة بكل أحد عجز. وقيل لبعضهم: ما الصديق؟ قال: اسم وضع على غير مسمى وحيوان غير موجود «١» .
قال الشاعر:
سمعنا بالصديق ولا نراه ... على التحقيق يوجد في الأنام
وأحسبه محالا نمّقوه ... على وجه المجاز من الكلام «٢»
وقال أبو الدرداء: كان الناس ورقا لا شوك فيه، فصاروا شوكا لا ورق فيه، وقال جعفر الصادق لبعض إخوانه: أقلل من معرفة الناس وأنكر من عرفت منهم، وإن كان مائة صديق فاطرح تسعة وتسعين وكن من الواحد على حذر.
وقيل لبعض الولاة: كم لك صديق؟ فقال أما في حال الولاية فكثير، وأنشد:
الناس إخوان من دامت له نعم ... والويل للمرء إن زلّت به القدم
ولما نكب علي بن عيسى الوزير لم ينظر ببابه أحدا من أصحابه الذين كانوا يألفونه في ولايته، فلما ردت إليه الوزارة وقف أصحابه ببابه ثانيا فقال:
ما الناس إلّا مع الدنيا وصاحبها ... فكلما انقلبت يوما به انقلبوا
يعظّمون أخا الدنيا فإن وثبت ... يوما عليه بما لا يشتهي وثبوا
وقال آخر:
فما أكثر الأصحاب حين نعدّهم ... ولكنّهم في النائبات قليل
وقال البحتري:
إيّاك تغترّ أو تخدعك بارقة ... من ذي خداع يري بشرا وألطافا
فلو قلبت جميع الأرض قاطبة ... وسرت في الأرض أوساطا وأطرافا
لم تلق فيها صديقا صادقا أبدا ... ولا أخا يبذل الإنصاف إن صافى «٣»
وقال بعضهم في المعنى أيضا:
خليليّ جربت الزمان وأهله ... فما نالني منهم سوى الهمّ والعنا «٤»
وعاشرت أبناء الزمان فلم أجد ... خليلا يوفيّ بالعهود ولا أنا
وقال آخر:
لما رأيت بني الزّمان وما بهم ... خلّ وفيّ للشدائد أصطفي «٥»
فعلمت أنّ المستحيل ثلاثة ... الغول والعنقاء والخلّ الوفي
بيت مفرد:
وكلّ خليل ليس في الله ودّه ... فإنّي به في ودّه غير واثق
قال آخر:
إذا ما كنت متّخذا خليلا ... فلا تأمن خليلك أن يخونا
стр. 130
فإنّك لم يخنك أخ أمين ... ولكن قلّما تلقى أمينا
وقال آخر:
تحبّ عدوي ثم تزعم أنّني ... أودّك إن الرأي عنك لعازب «١»
وليس أخي من ودّني بلسانه ... ولكن أخي من ودّني وهو غائب
ومن ماله مالي إذا كنت معدما ... ومالي له إن أعوزته النوائب «٢»
ولما غضب السلطان على الوزير ابن مقلة وأمر بقطع يده لما بلغه أنه زوّر عنه كتابا إلى أعدائه وعزله، لم يأت إليه أحد ممن كان يصحبه ولا توجع له، ثم إن السلطان ظهر له في بقية يومه أنه بريء مما نسب إليه فخلع عليه ورد إليه وظائفه، فأنشد يقول هذه الأبيات:
تحالف الناس والزمان ... فحيث كان الزمان كانوا
عاداني الدهر نصف يوم ... فانكشف النّاس لي وبانوا
يا أيّها المعرضون عنّا ... عودوا فقد عاد لي الزمان
ومثله في المعنى:
أخوك أخوك من يدنو وترجو ... مودّته وإن دعي استجابا
إذا حاربت حارب من تعادي ... وزاد سلاحه منك اقترابا
وقال أبو بكر الخالدي:
وأخ رخصت عليه حتى ملّني ... والشيء مملول إذا ما يرخص
ما في زمانك من يعزّ وجوده ... إن رمته إلّا صدق مخلص «٣»
فيجب على الإنسان أن لا يصحب إلا من له دين وتقوى، فإن المحبة في الله تنفع في الدنيا والآخرة وما أحسن ما قال بعضهم:
وكلّ محبّة في الله تبقى ... على الحالين من فرج وضيق
وكلّ محبّة فيما سواه ... فكالحلفاء في لهب الحريق «٤»
فينبغي للإنسان أن يجتنب معاشرة الأشرار ويترك مصاحبة الفجار ويهجر من ساءت خلته وقبحت بين الناس سيرته. قال الله تعالى: الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ ٦٧
«٥» . وقال تعالى: وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ
«٦» فأثبت الله المماثلة بيننا وبين البهائم وذلك إنما هو في الأخلاق خاصة، فليس أحد من الخلق إلا وفيه خلق من أخلاق البهائم، ولهذا تجد أخلاق الخلائق مختلفة فإذا رأيت الرجل جاهلا في خلائقة غليظا في طبائعه قويا في بدنه لا تؤمن ضغائنه فألحقه بعالم النمورة «٧» ، والعرب تقول:
أجهل من نمر وإذا رأيت الرجل هجاما على أعراض الناس فقد ماثل عالم الكلاب فإن دأب الكلب أن يجفو من لا يجفوه ويؤذي من لا يوذيه، فعامله بما كنت تعامل به الكلب إذا نبح، ألست تذهب وتتركه؟
وإذا رأيت إنسانا قد جبل على الخلاف إن قلت نعم قال لا، وإن قلت لا قال نعم، فألحقه بعالم الحمير، فإن دأب الحمار إن أدنيته بعد وإن أبعدته قرب، فلا تنتفع به ولا يمكنك مفارقته.
وإن رأيت إنسانا يهجم على الأموال والأرواح فألحقه بعالم الأسود وخذ حذرك منه كما تأخذ حذرك من الأسد.
وإذا بليت بإنسان خبيث كثير الروغان فألحقه بعالم الثعالب.
وإذا رأيت من يمشي بين الناس بالنميمة ويفرق بين الأحبة فألحقه بعالم الظربان، وهي دابة صغيرة تقول العرب عند تفرق الجماعة مشى بينهم ظربان فتفرقوا.
وإذا رأيت إنسانا لا يسمع الحكمة والعلم وينفر من مجالسة العلماء ويألف أخبار أهل الدنيا، فألحقه بعالم الخنافس، فإنه يعجبها أكل العذرات وملامسة النجاسات
стр. 131
وتنفر من ريح المسك والورد وإذا شمت الرائحة الطيبة ماتت لوقتها.
وإذا رأيت الرجل يصنع بنفسه كما تصنع المرأة لبعلها، يبيض ثيابه ويعدل عمامته وينظر في عطفيه، فألحقه بعالم الطواويس.
وإذا بليت بإنسان حقود لا ينسى الهفوات ويجازي بعد المدة الطويلة على السقطات، فألحقه بعالم الجمال، والعرب تقول أحقد من جمل، فتجنب قرب الرجل الحقود.
وعلى هذا النمط فليحترز العاقل من صحبة الأشرار وأهل الغدر ومن لا وفاء لهم فإنه إذا فعل ذلك سلم من مكائد الخلق وأراح قلبه وبدنه والله أعلم.
وأما الزيارة والاستدعاء إليها فقد قال رسول الله ﷺ : «يقول الله تعالى: وجبت محبتي للمتحابين فيّ والمتباذلين فيّ والمتزاورين فيّ، اليوم أظلهم في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي» . وقال ﷺ : «من عاد مريضا أو زار أخا نادى مناد أن طبت وطاب ممشاك وتبوأت من الجنة منزلا» . وقيل: المحبة شجرة أصلها الزيارة.
قال الشاعر:
زر من تحبّ وإن شطّت بك الدار ... وحال من دونه حجب وأستار «١»
لا يمنعنّك بعد من زيارته ... إن المحبّ لمن يهواه زوّار
ولكن الزيارة غبا لقوله ﷺ : «زر غبا تزدد حبّا» «٢» .
قال الشاعر في معنى ذلك:
عليك بإغباب الزيارة إنّها ... إذا كثرت صارت إلى الهجر مسلكا
ألم تر أن الغيث يسأم دائما ... ويسأل بالأيدي إذا هو أمسكا
ويقال الإكثار من الزيارة ممل، والإقلال منها مخل «٣» .
وكتب صديق إلى صديقه هذا البيت:
إذا ما تقاطعنا ونحن ببلدة ... فما فضل قرب الدار منّا على البعد
وقال آخر:
وإن مروري بالديار التي بها ... سليمى ولم ألمم بها لجفاء
وقال آخر:
قد أتانا من آل سعدى رسول ... حبّذا ما يقول لي وأقول
وقال آخر:
أزور بيوتا لاصقات ببيتها ... وقلبي في البيت الذي لا أزوره
وزار محمد بن يزيد المهلبي المستعين ووهب له مائتي ألف درهم، وأقطعه أرضا فقال:
وخصصتني بزيارة أضحى لنا ... مجدي بها طول الزمان مؤثل
وقضيت ديني وهو دين وافر ... لم يقضه مع جوده المتوكّل
وكتب المأمون إلى جاريته الخيزران «٤» يستدعيها للزيارة:
نحن في أفضل السرور ولكن ... ليس إلا بكم يتمّ السرور
عيب ما نحن فيه يا أهل ودي ... أنّكم غبتم ونحن حضور
فأجدّوا المسير بل إن قدرتم ... أن تطيروا مع الرياح فطيروا
وقيل لفيلسوف: أي الرسل أنجح؟ قال: الذي له جمال وعقل. وقيل: إذا أرسلتم رسولا في حاجة، فاتخذوه حسن الوجه حسن الاسم. وقال لقمان لابنه: يا بني لا تبعث رسولا جاهلا، فإن لم تجد حكيما عارفا، فكن رسول نفسك.
وقال بعضهم:
إذا أبطأ الرسول فقل نجاح ... ولا تفرح إذا عجل الرسول
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 132
الباب الخامس والعشرون في الشفقة على خلق الله تعالى والرحمة بهم وفضل الشفاعة وإصلاح ذات البين
وفيه فصلان
الفصل الأول في الشفقة على خلق الله تعالى والرحمة بهم
قال الله تعالى: لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ
«١» . ووصف الله نفسه لعباده فقال :
إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ
«٢» . وقال الله تعالى:
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ ٢ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ٣
«٣» .
قال المفسرون: «الرحمن» اسم رقيق يدل على العطف والرقة واللطف والكرم والمنّة والحلم عن الخلق، والرحيم مثله. وقيل: يقال رحمن الدنيا ورحيم الآخرة.
وعن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «والذي نفسي بيده لا يضع الله الرحمة إلا على رحيم، قلنا: يا رسول الله كلنا رحيم، قال: ليس الرحيم الذي يرحم نفسه وأهله خاصة، ولكن الرحيم الذي يرحم المسلمين» رواه أبو يعلى والطبراني.
وعن جابر بن عبد الله ﵁ أن النبي ﷺ قال:
«من لا يرحم لا يرحم، ومن لا يغفر لا يغفر له» .
وعنه ﷺ قال: «إرحموا ترحموا، واغفروا يغفر لكم» .
وعن أبي بكر الصديق ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ ، قال الله : «إن كنتم تريدون رحمتي فارحموا خلقي» ، رواه أبو محمد بن عدي في كتاب الكامل.
وروينا من طريق الطبراني، عن الشعبي، عن النعمان بن بشير ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :
«مثل المؤمنين في تراحمهم وتوادهم وتواصلهم كمثل الجسد إذا اشتكى عضو منه تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى» ، قال الطبراني: إني رأيت رسول الله ﷺ في المنام، فسألته عن هذا الحديث، فقال النبي ﷺ ، وأشار بيده صحيح صحيح صحيح ثلاثا.
وعن ابن مسعود ﵁، عن النبي ﷺ قال: «من مسح على رأس يتيم كان له بكل شعرة تمر عليها يده نور يوم القيامة» . ودخل عامل لعمر بن الخطاب ﵁، فوجده مستلقيا على ظهره وصبيانه يلعبون على بطنه، فأنكر ذلك عليه، فقال له عمر: كيف أنت مع أهلك؟ قال:
إذا دخلت سكت الناطق. فقال له: اعتزل فإنك لا ترفق بأهلك وولدك، فكيف ترفق بأمة محمد ﷺ .
وروي عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إن أبدال أمتي لن يدخلوا الجنة بالأعمال ولكن يدخلونها برحمة الله وسخاوة النفس وسلامة الصدور والرحمة لجميع المسلمين» .
الفصل الثاني في الشفاعة وإصلاح ذات البين
قال الله تعالى: مَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْها وَمَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْها وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتاً ٨٥
«٤» .
وقال رسول الله ﷺ : «إن الله تعالى يسأل العبد عن جاهه كما يسأله عن عمره، فيقول له جعلت لك جاها، فهل نصرت به مظلوما أو قمعت به ظالما أو أغثت به مكروبا» ؟
وقال ﷺ : «أفضل الصدقة أن تعين بجاهك من لا جاه له» . وعن أبي بردة، عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا جاءني طالب حاجة فاشفعوا له لكي تؤجروا، ويقضي الله تعالى على لسان نبيه ما شاء» .
وعن سمرة بن جندب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «أفضل الصدقة صدقة اللسان، قيل: يا رسول الله، وما صدقة اللسان؟ قال: الشفاعة تفك بها الأسير وتحقن بها الدماء، وتجرّ بها المعروف إلى أخيك، وتدفع عنه بها كريهة» . رواه الطبراني في المكارم.
стр. 133
وقال علي ﵁: الشفيع جناح الطالب. وقال رجل لبعض الولاة: إن الناس يتوسلون إليك بغيرك، فينالون معروفك ويشكرون غيرك، وأنا أتوسل إليك بك ليكون شكري لك لا لغيرك.
وقيل: كان المنصور معجبا بمحادثة محمد بن جعفر بن عبد الله بن عباس ﵃، وكان الناس لعظم قدره يفزعون إليه في الشفاعات، فثقل ذلك على المنصور، فحجبه مدة، ثم لم يصبر عنه، فأمر الربيع أن يكلمه في ذلك، فكلمه، وقال: اعف أمير المؤمنين لا تثقل عليه في الشفاعات، فقبل ذلك منه، فلما توجه إلى الباب اعترضه قوم من قريش معهم رقاع، فسألوه إيصالها إلى المنصور، فقص عليهم القصة، فأبوا إلا أن يأخذها، فقال: أقذفوها في كمي، ثم دخل عليه وهو في الخضراء مشرف على مدينة السلام وما حولها من البساتين، فقال له: أما ترى إلى حسنها يا أبا عبد الله؟
فقال له: يا أمير المؤمنين بارك الله لك فيما آتاك وهنأك بإتمام نعمتك عليك فيما أعطاك، فما بنت العرب في دولة الإسلام ولا العجم في سالف الأيام أحصن ولا أحسن من مدينتك ولكن سمجتها في عيني خصلة، قال: وما هي؟
قال: ليس لي فيها ضيعة، فتبسم، وقال: قد حسنتها في عينك بثلاث ضياع قد أقطعتكها، فقال: أنت والله يا أمير المؤمنين شريف الموارد كريم المصادر، فجعل الله تعالى باقي عمرك أكثر من ماضيه، ثم أقام معه يومه ذلك، فلما نهض ليقوم بدت الرقاع من كمه، فجعل يردهن ويقول:
ارجعن خائبات خاسرات.
فضحك المنصور وقال: بحقي عليك ألا أخبرتني وأعلمتني بخبر هذه الرقاع، فأعلمه، وقال ما أتيت يا ابن معلم الخير إلا كريما، وتمثل بقول عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر:
لسنا وإن أحسابنا كرمت ... يوما على الأحساب نتّكل
نبني كما كانت أوائلنا ... تبني ونفعل مثل ما فعلوا
وتصفح الرقاع وقضى حوائجهم عن آخرها، قال محمد: فخرجت من عنده وقد ربحت وأربحت.
وقال المبرد أتاني رجل لأشفع له في حاجة، فأنشدني لنفسه:
إنّي قصدتك لا أدلي بمعرفة ... ولا بقرب ولكن قد فشت نعمك «١»
فبتّ حيران مكروبا يؤرّقني ... ذلّ الغريب ويغشيني الكرى كرمك
ما زلت أنكب حتى زلزلت قدمي ... فاحتل لتثبيتها لا زلزلت قدمك «٢»
فلو هممت بغير العرف ما علقت ... به يداك ولا انقادت له شيمك
قال: فشفعت له وأنلته من الإحسان ما قدرت عليه.
وكتب رجل إلى يحيى بن خالد رقعة فيها هذا البيت:
شفيعي إليك الله لا شيء غيره ... وليس إلى رد الشفيع سبيل
فأمره بلزوم الدهليز، فكان يعطيه كل يوم عند الصباح ألف درهم فلما استوفى ثلاثين ألفا، ذهب الرجل، فقال يحيى والله لو أقام إلى آخر عمره ما قطعتها عنه:
(شعر) :
وقد جئتكم بالمصطفى متشفّعا ... وما خاب من بالمصطفى يتشفّع
إلى باب مولانا رفعت ظلامتي ... عسى الهمّ عنّي والمصائب ترفع
وقال آخر:
تشفّع بالنبي فكلّ عبد ... يجار إذا تشفّع بالنبيّ
ولا تجزع إذا ضاقت أمور ... فكم لله من لطف خفيّ
وروي أن جبريل ﵇ قال: يا محمد لو كانت عبادتنا لله تعالى على وجه الأرض لعملنا ثلاث خصال:
سقي الماء للمسلمين، وإعانة أصحاب العيال، وستر الذنوب على المسلمين إذا أذنبوا.
اللهم استر ذنوبنا واقض عنا تبعاتنا، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 134
الباب السادس والعشرون في الحياء والتواضع ولين الجانب وخفض الجناح
وفيه فصلان
الفصل الأول في الحياء
قالت عائشة رضي الله تعالى عنها: مكارم الأخلاق عشرة: صدق الحديث، وصدق اللسان، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، والمكافأة بالصنيع، وبذل المعروف، وحفظ الذمام للجار، وحفظ الذمام للصاحب وقرى الضيف ورأسهن الحياء.
قال رسول الله ﷺ : الحياء شعبة من الإيمان. وقال رسول الله ﷺ : «إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستح فاصنع ما شئت» .
وقال علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: من كسا بالحياء ثوبه لم ير الناس عيبه. وعن زيد بن علي عن آبائه يرفعونه:
من لم يستح فهو كافر.
قال أبو موسى الأشعري ﵁: إني لأدخل البيت المظلم أغتسل فيه من الجنابة فأحني فيه صلبي حياء من ربي، وقال بعضهم: الوجه المصون بالحياء كالجوهر المكنون في الوعاء.
وقال الخواص: إن العباد عملوا على أربع منازل، على الخوف والرجاء والتعظيم والحياء، فأرفعها منزلة الحياء لما أيقنوا أن الله يراهم على كل حال قالوا: سواء علينا رأيناه أو رآنا، وكان الحاجز لهم عن معاصيه الحياء منه.
ويقال: القناعة دليل الأمانة، والأمانة دليل الشكر، والشكر دليل الزيادة، والزيادة دليل بقاء النعمة، والحياء دليل الخير كله.
الفصل الثاني في التواضع ولين الجانب وخفض الجناح
قال الله تعالى: وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ
«١» . وقال تعالى: تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلا فَساداً وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ٨٣
«٢» . وقال رسول الله ﷺ : «أفضل العبادة التواضع» . وقال ﷺ :
«لا ترفعوني فوق قدري، فتقولوا فيّ ما قالت النصارى في المسيح، فإن الله اتخذني عبدا قبل أن يتخذني رسولا» ، وأتاه ﷺ رجل فكلمه فأخذته رعدة، فقال ﷺ له: «هوّن عليك، فإني لست بملك إنما أنا ابن امرأة من قريش تأكل القديد» «٣» ، وكان ﷺ يرقع ثوبه، ويخصف نعله «٤» ، ويخدم في مهنة أهله ولم يكن متكبرا ولا متجبرا، أشد الناس حياء وأكثرهم تواضعا، وكان إذا حدث بشيء مما أتاه الله تعالى قال: ولا فخر.
وقال ﷺ : «إن العفو لا يزيد العبد إلا عزا فاعفوا يعزكم الله، وإن التواضع لا يزيد العبد إلا رفعة، فتواضعوا يرفعكم الله، وإن الصدقة لا تزيد المال إلا نماء فتصدقوا يزدكم الله» .
وقال عدي بن أرطأة لإياس بن معاوية: إنك لسريع المشية، قال: ذلك أبعد من الكبر وأسرع في الحاجة.
وخرج معاوية على ابن الزبير وابن عامر، فقام ابن عامر وجلس ابن الزبير، فقال معاوية لابن عامر: اجلس، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من أحب أن يتمثل له الناس قياما فليتبوأ مقعده من النار» .
وقيل: التواضع سلم الشرف. ولبس مطرف بن عبد الله الصوف وجلس مع المساكين، فقيل له في ذلك، فقال: إن أبي كان جبارا، فأحببت أن أتواضع لربي لعله أن يخفف عن أبي تجبره.
وقال مجاهد: إن الله تعالى لما أغرق قوم نوح شمخت الجبال وتواضع الجودي فرفعه فوق الجبال، وجعل قرار السفينة عليه.
وقال الله تعالى لموسى ﵇: هل تعرف لم كلمتك من بين الناس؟ قال: لا يا رب. قال: لأني رأيتك تتمرغ بين يدي في التراب تواضعا لي. وقيل: من رفع نفسه فوق قدره استجلب مقت الناس «٥» .
وقال أبو مسلم صاحب الذخيرة: ما تاه إلا وضيع ولا فاخر إلا لقيط، وكل من تواضع لله رفعه الله. فسبحان من
стр. 135
تواضع كل شيء لعز جبروت عظمته، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الباب السابع والعشرون في العجب والكبر والخيلاء وما أشبه ذلك
إعلم أن الكبر والإعجاب يسلبان الفضائل ويكسيان الرذائل، وحسبك من رذيلة تمنع من سماع النصح وقبول التأديب، والكبر يكسب المقت، ويمنع من التألف.
قال رسول الله ﷺ : «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبة من كبر» ، وقال رسول الله ﷺ : «من جرّ ثوبه خيلاء لا ينظر الله إليه» .
وقال الأحنف بن قيس: ما تكبر أحد إلا من ذلة يجدها في نفسه. ولم تزل الحكماء تتحامى الكبر وتأنف منه.
ونظر أفلاطون إلى رجل جاهل معجب بنفسه فقال:
وددت أني مثلك في ظنك وأن أعدائي مثلك في الحقيقة.
ورأى رجل رجلا يختال في مشيه، فقال: جعلني الله مثلك في نفسك ولا جعلني مثلك في نفسي.
وقال الأحنف: عجبت لمن جرى في مجرى البول مرتين كيف يتكبر. ومر بعض أولاد المهلب بمالك بن دينار وهو يتبختر في مشيه، فقال له مالك: يا بني لو تركت هذه الخيلاء لكان أجمل بك، فقال: أو ما تعرفني «١» ؟ قال: أعرفك معرفة أكيدة أوّلك نطفة مذرة وآخرك جيفة قذرة، وأنت بين ذلك تحمل العذرة، فأرخى الفتى رأسه وكف عما كان عليه.
وقالوا: لا يدوم الملك مع الكبر وحسبك من رذيلة تسلب الرياسة والسيادة، وأعظم من ذلك أن الله تعالى حرّم الجنة على المتكبرين، فقال تعالى: تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلا فَساداً
«٢» ، فقرن الكبر بالفساد. وقال تعالى: سَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِ
«٣» . قال بعض الحكماء:
ما رأيت متكبرا إلا ما تحول ما به بي، يعني أتكبر عليه.
واعلم أن الكبر يوجب المقت ومن مقته رجاله لم يستقم حاله، والعرب تجعل جذيمة الأبرش غاية في الكبر، يقال إنه كان لا ينادم أحدا لتكبره ويقول: إنما ينادمني الفرقدان.
وكان ابن عوانة من أقبح الناس كبرا. روي أنه قال لغلامه: اسقني ماء، فقال: نعم، فقال: إنما يقول نعم من يقدر أن يقول: لا، اصفعوه، فصفع. ودعا أكارا فكلمه، فلما فرغ دعا بماء فتمضمض به استقذارا لمخاطبته.
ويقال: فلان وضع نفسه في درجة لو سقط منها لتكسر.
قال الجاحظ: المشهورون بالكبر من قريش بنو مخزوم، وبنو أمية. ومن العرب: بنو جعفر بن كلاب، وبنو زرارة بن عدي، وأما الأكاسرة فكانوا لا يعدون الناس إلا عبيدا وأنفسهم إلا أربابا، وقيل لرجل من بني عبد الدار: ألا تأتي الخليفة، فقال: أخاف أن لا يحمل الجسر شرفي.
وقيل للحجاج بن أرطأة: ما لك لا تحضر الجماعة «٤» ؟ قال: أخشى أن يزاحمني البقالون. وقيل:
أتى وائل بن حجر إلى النبي ﷺ فأقطعه أرضا، وقال لمعاوية: أعرض عن هذه الأرض عليه وأكتبها له، فخرج معه معاوية في هاجرة شديدة، ومشى خلف ناقته فأحرقه حر الشمس، فقال له: أردفني خلفك على ناقتك، قال:
لست من أرداف الملوك، قال: فأعطني نعليك. قال: ما بخل يمنعني يا ابن أبي سفيان، ولكن أكره أن يبلغ أقيال اليمن «٥» أنك لبست نعلي. ولكن أمش في ظل ناقتي فحسبك بها شرفا، وقيل: أنه لحق زمن معاوية ودخل عليه، فأقعده معه على السرير وحدثه.
وقال المسرور بن هند لرجل: أتعرفني؟ قال: لا، قال:
أنا المسرور بن هند، قال: ما أعرفك. قال: فتعسا ونكسا لمن لم يعرف القمر.
قال الشاعر:
قولا لأحمق يلوي التيه أخدعه ... لو كنت تعلم ما في التيه لم تته «٦»
التيه مفسدة للدين منقصة ... للعقل مهلكة للعرض فانتبه
стр. 136
وقيل: لا يتكبر إلا كل وضيع، ولا يتواضع إلا كل رفيع، والله أعلم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الباب الثامن والعشرون في الفخر والمفاخرة والتفاضل والتفاوت
فمن شواهد المفاخرة قوله تعالى: أَفَمَنْ كانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كانَ فاسِقاً لا يَسْتَوُونَ ١٨
«١» . نزلت في علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، وعقبة بن أبي معيط، وكانا تفاخرا، وقوله تعالى: أَفَمَنْ يُلْقى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِناً يَوْمَ الْقِيامَةِ
«٢» . نزلت في أبي جهل، وعمار بن ياسر، والنسب إلى سيدنا رسول الله ﷺ أشرف الأنساب، وقد قال ﷺ : «أنا سيد ولد آدم ولا فخر» ، وقد نفى الله تعالى الفخر بالأنساب بقوله تعالى: إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ
«٣» . فالفخر في الإسلام بالتقوى.
وقال رسول الله ﷺ : «إن نبيكم واحد وإن أباكم واحد، وأنه لا فضل لعربي على عجمي ولا لأحمر على أسود إلا بالتقوى، ألا هل بلغت» ؟» .
وقال الأصمعي: بينما أنا أطوف بالبيت ذات ليلة إذ رأيت شابا متعلقا بأستار الكعبة وهو يقول:
يا من يجيب دعا المضطر في الظّلم ... يا كاشف الضر والبلوى مع السقم
قد نام وفدك حول البيت وانتبهوا ... وأنت يا حيّ يا قيوم لم تنم
أدعوك ربّي حزينا هائما قلقا ... فارحم بكائي بحق البيت والحرم
إن كان جودك لا يرجوه ذو سفه ... فمن يجود على العاصين بالكرم
ثم بكى بكاء شديدا وأنشد يقول:
ألا أيّها المقصود في كلّ حاجتي ... شكوت إليك الضرّ فارحم شكايتي
ألا يا رجائي أنت تكشف كربتي ... فهب لي ذنوبي كلها واقض حاجتي
أتيت بأعمال قباح رديئة ... وما في الورى عبد جنى كجنايتي «٤»
أتحرقني بالنار يا غاية المنى ... فأين رجائي ثم أين مخافتي
ثم سقط على الأرض مغشيا عليه، فدنوت منه، فإذا هو زين العابدين بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ﵃ أجمعين، فرفعت رأسه في حجري وبكيت، فقطرت دمعة من دموعي على خده ففتح عينيه وقال: من هذا الذي يهجم علينا؟ قلت: عبيدك الأصمعي، سيدي ما هذا البكاء والجزع، وأنت من أهل بيت النبوة، ومعدن الرسالة؟ أليس الله تعالى يقول:
إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً
«٥» . فقال: هيهات هيهات يا أصمعيّ إن الله خلق الجنة لمن أطاعه، ولو كان عبدا حبشيا، وخلق النار لمن عصاه ولو كان حرا قرشيا، أليس الله تعالى يقول: فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَساءَلُونَ ١٠١ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ١٠٢ وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خالِدُونَ ١٠٣
«٦» .
والفخر وإن نهت عنه الأخبار النبوية ومجّته العقول الذكية إلا أن العرب كانت تفتخر بما فيها من البيان طبعا لا تكلفا، وجبلة «٧» لا تعلما، ولم يكن لهم من ينطق بفضلهم إلا هم ولا ينبه على مناقبهم سواهم.
وكان كعب بن زهير إذا أنشد شعرا قال لنفسه: أحسنت وجاوزت والله الإحسان، فيقال له: أتحلف على شعرك؟
فيقول: نعم لأني أبصر به منكم. وكان الكميت إذا قال قصيدة صنع لها خطبة في الثناء عليها، ويقول عند إنشادها: أي علم بين جنبي وأي لسان بين فكي.
وقال الجاحظ، ولم يصف الطبيب مصالح دوائه للمعالجين ما وجد له طالب. ولما أبدع ابن المقفع في رسالته التي سماها باليتيمة تنزيها لها عن المثل، سكنت
стр. 137
من النفوس موضع إرادته من تعظيمها، ولو لم ينحلها هذا الاسم لكانت كسائر رسائله.
وسنذكر في هذا الباب إن شاء الله تعالى شيئا من نظم البلغاء ونثرهم في الافتخار ومن تفاخر منهم بعون الله وفضله وتيسيره.
قال أبو بكر الهذلي: سايرت المنصور فعرض لنا رجل على ناقة حمراء تطوي الفلاة وعليه جبة حمراء وعمامة عدنية، وفي يده سوط يكاد يمس الأرض، فلما رآه المنصور أمرني بإحضاره، فدعوته، وسألته عن نسبه وبلاده وعن قومه وعشيرته وعن ولاة الصدقة، فأحسن الجواب، فأعجبه ما رأى منه، فقال أنشدني شعرا، فأنشده شعر الأوس بن حجر وغيره من الشعراء من بني عمرو بن تميم، وحدثه حتى أتى على بيت شعر لطريف بن تميم وهو قوله:
إن الأمور إذا أوردتها صدرت ... إن الأمور لها ورد وإصدار
فقال: ويحك ما كان طريف فيكم حيث قال هذا البيت؟
قال: كان أثقل العرب على عدوه وطأة وأقراهم لضيفه، وأحوطهم من وراء جاره «١» ، اجتمعت العرب بعكاظ، فكلهم أقروا له بهذه الخلال، فقال له: والله يا أخا بني تميم لقد أحسنت إذ وصفت صاحبك، ولكني أحق ببيته منه ومن شعر أبي الطحان:
وإنّي من القوم الذين هم هم ... إذا مات منهم سيّد قام صاحبه
نجوم سماء كلمّا غاب كوكب ... بدا كوكب تأوي إليه كواكبه
أضاءت لهم أحسابهم ووجوههم ... دجى الليل حتى نظم الجزع ثاقبه «٢»
وما زال فيهم حيث كان مسوّدا ... تسير المنايا حيث سارت ركائبه
ولما قدم معاوية المدينة صعد المنبر فخطب وقال: من ابن علي رضي الله تعالى عنه؟ فقام الحسن فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إن الله لم يبعث بعثا إلا جعل له عدوا من المجرمين، فأنا ابن علي وأنت ابن صخر وأمك هند وأمي فاطمة وجدتك قيلة وجدتي خديجة، فلعن الله ألأمنا حسبا وأخملنا ذكرا وأعظمنا كفرا وأشدنا نفاقا، فصاح أهل المسجد آمين آمين، فقطع معاوية خطبته ودخل منزله.
وروي أن معاوية خرج حاجّا فمر بالمدينة ففرق على أهلها أموالا ولم يحضر الحسن بن علي ﵄، فلما خرج من المدينة اعترضه الحسن بن علي فقال له معاوية: مرحبا برجل تركنا حتى نفد ما عندنا وتعرض لنا ليبخلنا، فقال له الحسن: ولم ينفد ما عندك وخراج الدنيا يجي إليك، فقال معاوية: إني قد أمرت لك بمثل ما أمرت به لأهل المدينة وأنا ابن هند، فقال الحسن: قد رددته عليك وأنا ابن فاطمة.
ودخل الحسين يوما على يزيد بن معاوية فجعل يزيد يفتخر ويقول: نحن ونحن ولنا من الفخر والشرف كذا وكذا والحسين ساكت فأذن المؤذن فلما قال: أشهد أن محمدا رسول الله قال الحسين: يا يزيد جدّ من هذا؟
فخجل يزيد ولم يرد جوابا. وفي ذلك يقول علي بن محمد بن جعفر:
لقد فاخرتنا من قريش عصابة ... بمطّ خدود وامتداد أصابع
فلما تنازعنا الفخار قضى لنا ... عليهم بما نهوى نداء الصوامع
ترانا سكوتا والشهيد بفضلنا ... عليهم جهير الصوت من كل جامع
وله أيضا:
إني وقوميّ من أنساب قومهم ... كمسجد الخيف من بحبوحة الخيف
ما علق السيف منا بابن عاشرة ... إلا وهمته أمضى من السيف
وتفاخر العباس بن عبد المطلب وطلحة بن شيبة وعلي بن أبي طالب، فقال العباس: أنا صاحب السقاية والقائم عليها، وقال طلحة: أنا خادم البيت ومعي مفتاحه، فقال علي: ما أدري ما تقولان أنا صليت إلى هذه القبلة قبلكما بستة أشهر، فنزلت أَجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ وَعِمارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ
«٣» .
الآية.
стр. 138
وتفاخر رجلان على عهد موسى ﵇ فقال أحدهما: أنا فلان بن فلان حتى عد تسعة آباء مشركين، فقال الآخر: أنا ابن فلان ولولا أنه مسلم ما ذكرته، فأوحى الله تعالى إلى موسى ﵇ أما الذي عد تسعة آباء مشركين فحق على الله أن يجعل عاشرهم في النار، والذي انتسب إلى أب مسلم فحق على الله أن يجعله مع أبيه المسلم في الجنة. قال سلمان الفارسي:
أبي الإسلام لا أب لي سواه ... إذا افتخروا بقيس أو تميم
وتفاخر جرير والفرزدق عند سليمان بن عبد الملك، فقال الفرزدق: أنا ابن محي الموتى، فأنكر سليمان قوله، فقال يا أمير المؤمنين قال الله تعالى: وَمَنْ أَحْياها فَكَأَنَّما أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً
«١» وجدي فدى الموءودات فاستحياهن، فقال سليمان: إنك مع شعرك لفقيه. وكان صعصعة جد الفرزدق أول من فدى الموءودات.
وللعباس بن عبد المطلب:
إن القبائل من قريش كلّها ... ليرون أنّا هام أهل الأبطح
وترى لنا فضلا على ساداتها ... فضل المنار على الطريق الأوضح
وكتب الحكم بن عبد الرحمن المرواني من الأندلس إلى صاحب مصر يفتخر:
ألسنا بني مروان كيف تبدلت ... بنا الحال أو دارت علينا الدوائر
إذا ولد المولود منها تهلّلت ... له الأرض واهتزت إليه المنابر
وكتب إليه كتابا يهجوه فيه ويسبه، فكتب إليه صاحب مصر: أما بعد: فإنك عرفتنا فهجوتنا ولو عرفناك لأجبناك والسلام.
وكان أبو العباس السفاح يعجبه السّمر «٢» ومنازعة الرجال بعضهم بعضا، فحضر عنده ذات ليلة إبراهيم بن مخرمة الكندي وخالد بن صفوان بن الأهتم فخاضوا في الحديث وتذاكروا مصر واليمن، فقال إبراهيم بن مخرمة:
يا أمير المؤمنين إن أهل اليمن هم العرب الذين دانت لهم الدنيا ولم يزالوا ملوكا ورثوا الملك كابرا عن كابر وآخرا عن أول منهم النعمان والمنذر ومنهم عياض صاحب البحرين ومنهم من كان كل يأخذ سفينة غصبا وليس من شيء له خطر إلا إليهم ينسب، إن سئلوا أعطوا وإن نزل بهم ضيف قروه، فهم العرب العاربة وغيرهم المتعربة.
فقال أبو العباس: ما أظن التميمي رضي بقولك.
ثم قال: ما تقول أنت يا خالد؟ قال: إن أذن لي أمير المؤمنين في الكلام تكلمت، قال: تكلم ولا تهب أحدا، وقال: أخطأ المقتحم بغير علم «٣» ، ونطق بغير صواب، وكيف يكون ذلك لقوم ليس لهم ألسن فصيحة، ولا لغة صحيحة نزل بها كتاب ولا جاءت بها سنّة، يفتخرون علينا بالنعمان والمنذر ونفتخر عليهم بخير الأنام وأكرم الكرام سيدنا محمد ﵊، فلله المنة به علينا وعليهم، فمنا النبي المصطفى والخليفة المرتضى ولنا البيت المعمور وزمزم، والحطيم، والمقام، والحجابة، والبطحاء، وما لا يحصى من المآثر، ومنا الصديق والفاروق وذو النورين، والرضا والولي وأسد الله وسيد الشهداء، وبنا عرفوا الدين، وأتاهم اليقين، فمن زاحمنا زاحمناه ومن عادانا اصطلمناه «٤» ، ثم أقبل خالد على إبراهيم فقال: ألك علم بلغة قومك؟ قال: نعم. قال: فما اسم العين عندكم؟ قال: الجمجمة، قال: فما اسم السن؟
قال: الميدن، قال: فما اسم الأذن؟ قال: الصنارة، قال:
فما اسم الأصابع؟ قال: الشناتير، قال: فما اسم الذئب؟
قال: الكنع، قال: أفعالم أنت بكتاب الله ؟ قال:
نعم. قال: فإن الله تعالى يقول: إِنَّا أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا
«٥» وقال تعالى: بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ ١٩٥
«٦» وقال تعالى: وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ
«٧» ، فنحن العرب والقرآن بلساننا أنزل، ألم تر أن الله تعالى قال: وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ
«٨» ولم يقل، والجمجمة بالجمجمة، وقال تعالى: وَالسِّنَّ بِالسِّنِ
«٩» ولم يقل والميدن بالميدن.
وقال تعالى: وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ
«١٠» ولم يقل والصنارة بالصنارة، وقال تعالى: يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي
стр. 139
آذانِهِمْ
«١» ولم يقل شناتيرهم في صناراتهم، وقال تعالى:
فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ
«٢» ولم يقل الكنع، ثم قال لإبراهيم إني أسألك عن أربع إن أقررت بهن قهرت وإن جحدتهن كفرت، قال: وما هن؟ قال: الرسول منا أو منكم؟ قال:
منكم. قال: فالقرآن أنزل علينا أو عليكم؟ قال: عليكم.
قال: فالمنبر فينا أو فيكم؟ قال: فيكم. قال: فالبيت لنا أو لكم؟ قال: لكم. قال: فاذهب فما كان بعد هؤلاء فهو لكم، بل ما أنتم إلا سائس قرد، أو دابغ جلد أو ناسج برد، قال: فضحك أبو العباس، وأقرّ لخالد وحباهما جميعا.
وقال بشار بن برد يفتخر:
إذا نحن صلنا صولة مضرية ... هتكنا حجاب الشمس أو قطرت دما
إذا ما أعرنا سيدا من قبيلة ... ذرا منبر صلّى علينا وسلما
وقال السموأل بن عادياء «٣» :
إذا المرء لم يدنس من اللؤم عرضه ... فكلّ رداء يرتديه جميل
وإن هو لم يحمل على النفس ضيمها ... فليس إلى حسن الثناء سبيل
تعيّرنا أنّا قليل عديدنا ... فقلت لها إنّ الكرام قليل
وما قلّ من كانت بقاياه مثلنا ... شباب تسامى للعلا وكهول
وما ضرّنا أنّا قليل وجارنا ... عزيز وجار الأكثرين ذليل
لنا جبل يحتلّه من بحيره ... منيع يردّ الطرف وهو كليل
سرى أصله تحت الثرى وسما به ... إلى النجم فرع لا يزال طويل
وإنّا أناس لا نرى القتل سبّة ... إذا ما رأته عامر وسلول
يقرب حبّ الموت آجالنا لنا ... وتكرهه آجالهم فتطول
وما مات منّا سيّد حتف أنفه ... ولا طلّ منا حيث كان قتيل
تسيل على حدّ الظّبات «٤» نفوسنا ... وليست على غير الظّبات تسيل
ونحن كماء المزن ما في نصابنا ... كهام ولا فينا يعدّ بخيل «٥»
وننكر إن شئنا على الناس قولهم ... ولا ينكرون القول حين نقول
إذا سيّد منّا خلا قام سيّد ... قؤول بما قال الكرام فعول
وما خمدت نار لنا دون طارق «٦» ... ولا ذمّنا في النازلين نزيل
وأيامنا مشهورة في عدوّنا ... لها غرر مشهورة وحجول «٧»
وأسيافنا في كلّ شرق ومغرب ... بها من قراع الدارعين فلول «٨»
معوّدة أن لا تسلّ نصالها ... فتغمد حتى يستباح قتيل
سلي إن جهلت النّاس عنّا وعنهم ... فليس سواء عالم وجهول
فإنّا بني الريان قطب لقومهم ... تدور رحاهم حولهم وتجول
ولما قدم وفد تميم على رسول الله ﷺ ومعهم خطيبهم وشاعرهم، خطب خطيبهم، فافتخر، فلما سكت، أمر رسول الله ﷺ ثابت بن قيس أن يخطب بمعنى ما خطب به خطيبهم، فخطب ثابت بن قيس فأحسن، ثم قام شاعرهم وهو الزبرقان بن بدر فقال:
стр. 140
نحن الملوك فلا حيّ يفاخرنا ... فينا العلاء وفينا تنصب البيع
ونحن نطعمهم في القحط ما أكلوا ... من العبيط «١» إذا لم يؤنس الفزع
وننحر الكوم «٢» عبطا في أرومتنا ... للنازلين إذا ما أنزلوا شبعوا
تلك المكارم حزناها مقارعة ... إذا الكرام على أمثالها اقترعوا
ثم جلس، فقال رسول الله ﷺ لحسان بن ثابت قم، فقام فقال:
إن الذوائب من فهر وإخوتهم ... قد بيّنوا سننا للناس تتبع «٣»
يرضى بها كل من كانت سريرته ... تقوى الإله وبالأمر الذي شرعوا
قوم إذا حاربوا ضرّوا عدوهم ... أو حاولوا النفع في أشياعهم نفعوا «٤»
سجية تلك منهم غير محدثة ... إنّ الخلائق فاعلم شرّها البدع
لو كان في الناس سبّاقون بعدهم ... فكل سبق لأدنى سبقهم تبع
لا يرفع الناس ما أوهت أكفّهم ... عند الدفاع ولا يوهون ما رفعوا
ولا يضنّون عن جار بفضلهم ... ولا يمسهم في مطمع طمع «٥»
خذ منهم ما أتوا عفوا إذا عطفوا ... ولا يكن همّك الأمر الذي منعوا
أكرم بقوم رسول الله شيعتهم ... إذا تفرّقت الأهواء والشيّع
فقال التميميون عند ذلك: وربكم إن خطيب القوم أخطب من خطيبنا وإن شاعرهم أشعر من شاعرنا، وما انتصفنا ولا قاربنا.
وقال شاعر من بني تميم:
أيبغي آل شداد علينا ... وما يرعى لشداد فصيل
فإن تغمد مناصلنا نجدها ... غلاظا في أنامل من يصول
وقال سالم بن أبي وابصة:
عليك بالقصد فيما أنت فاعله ... إن التخلق يأتي دونه الخلق
وموقف مثل حد السيف قمت به ... أحمي الذمار وترميني به الحدق «٦»
فما زلقت ولا أبديت فاحشة ... إذا الرجال على أمثالها زلقوا «٧»
وأما التفاضل والتفاوت:
فقد روي أن رسول الله ﷺ كان إذا نظر لخالد بن الوليد وعكرمة بن أبي جهل قال: يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي، لأنهما كانا من خيار الصحابة وأبواهما أعدى عدو لله ولرسوله ﷺ «٨» .
ومن كلام علي ﵁ لمعاوية ﵁:
أما قولك إنّا بنو عبد مناف فكذلك نحن، ولكن ليس أمية كهاشم، ولا حرب كعبد المطلب، ولا أبو سفيان كأبي طالب.
وقال أحمد بن سهل: الرجال ثلاثة: سابق ولاحق وما حق، فالسابق الذي سبق بفضله، واللاحق الذي لحق بأبيه في شرفه، والماحق الذي محق شرف آبائه.
وقيل: إن عائشة بنت عثمان كفلت أبا الزناد صاحب الحديث، وأشعب الطماع وربتهما، قال أشعب: فكنت أسفل وكان يعلو حتى بلغت أنا وهو هاتين الغايتين.
وقال أبو العواذل زكريا بن هارون:
عليّ وعبد الله بينهما أب ... وشتّان ما بين الطبائع والفعل
ألم تر عبد الله يلحى على الندى ... عليا ويلحاه علي على البخل «٩»
стр. 141
وحج أبو الأسود الدؤلي بامرأته وكانت شابة جميلة فعرض لها عمر بن أبي ربيعة، فغازلها، فأخبرت أبا الأسود، فأتاه فقال:
وإنّي لينهاني عن الجهل والخنا ... وعن شتم أقوام خلائق أربع «١»
حياء وإسلام وتقوى وأنّني ... كريم ومثلي من يضرّ وينفع
فشتّان ما بيني وبينك إنني ... على كلّ حال أستقيم وتضلع «٢»
وقال ربيعة الرقّي:
لشتان ما بين اليزيدين في الندى ... يزيد سليم والأعزّ بن حاتم
يزيد سليم سالم المال والفتى ... فتى الأزد للأموال غير مسالم «٣»
فهمّ الفتى الأزدي إتلاف ماله ... وهمّ الفتى القيسي جمع الدراهم
فلا يحسب القيسيّ أنّي هجوته ... ولكنني فضلت أهل المكارم
وقال عبيد الله بن عبد الله بن طاهر في أخيه الحسين:
يقول أنا الكبير فعظّموني ... ألا ثكلتك أمّك من كبير
إذا كان الصغير أعمّ نفعا ... وأجلد عند نائبة الأمور
ولم يأت الكبير بيوم خير ... فما فضل الكبير على الصغير
والله أعلم بالصواب، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الباب التاسع والعشرون في الشرف والسؤدد وعلو الهمة
قال رسول الله ﷺ : من رزقه الله مالا فبذل معروفه وكف أذاه فذلك السيد.
وقيل لقيس بن عاصم: بم سدت قومك؟ قال: لم أخاصم أحدا إلا تركت للصلح موضعا. وقال سعيد بن العاص: ما شاتمت رجلا مذ كنت رجلا لأني لا أشاتم إلا أحد رجلين إما كريم، فأنا أحق أن أجلّه، وإمّا لئيم فأنا أولى أن أرفع نفسي عنه.
وقالوا: من نعت السيد أن يكون يملأ العين جمالا، والسمع مقالا. وقيل: قدم وفد من العرب على معاوية وفيهم الأحنف بن قيس، فقال الحاجب: إن أمير المؤمنين يعزم عليكم أن لا يتكلم منكم أحد إلا لنفسه، فلما وصلوا إليه قال الأحنف: لولا عزم أمير المؤمنين لأخبرته أن رادفة ردفت «٤» ونازلة نزلت «٥» ، ونائبة نابت، الكل بهم حاجة إلى المعروف من أمير المؤمنين، فقال له معاوية: حسبك يا أبا بحر، فقد كفيت الشاهد والغائب.
وقال رجل للأحنف: بم سدت قومك، وما أنت بأشرفهم بيتا، ولا أصبحهم وجها، ولا أحسنهم خلقا؟
فقال: بخلاف ما فيك، قال: وما ذاك؟ قال: تركي من أمرك ما لا يعنيني، كما عناك من أمري ما لا يعنيك.
وقيل: السيد من يكون للأولياء كالغيث الغادي «٦» ، وعلى الأعداء كالليث العادي.
وكان سبب ارتفاع عرابة الأوسي وسؤدده أنه قدم من سفر، فجمعه والشماخ بن ضرار المزني الطريق، فتحادثا، فقال له عرابة: ما الذي أقدمك المدينة يا شماخ؟
قال: قدمتها لأمتار «٧» منها، فملأ له عرابة رواحله برّا وتمرا وأتحفه بتحف غير ذلك، فأنشد يقول:
رأيت عرابة الأوسيّ يسمو ... إلى الخيرات منقطع القرين
إذا ما راية رفعت لمجد ... تلقاها عرابة باليمين
وأما علو الهمة فهو أصل الرياسة فممن علت همته وشرفت نفسه عمارة بن حمزة، قيل:
إنه دخل يوما على المنصور، وقعد في مجلسه، فقام رجل، وقال: مظلوم يا أمير المؤمنين، قال: من ظلمك؟
стр. 142
قال: عمارة بن حمزة غصبني ضيعتي، فقال المنصور: يا عمارة قم، فاقعد مع خصمك، فقال: ما هو لي بخصم إن كانت الضيعة له، فلست أنازعه فيها، وإن كانت لي فقد وهبتها له، ولا أقوم من مقام شرفني به أمير المؤمنين ورفعني، وأقعد في أدنى منه لأجل ضيعة.
وتحدث السفاح هو وأم سلمة يوما في نزاهة نفس عمارة وكبره، فقالت له: ادع به وأنا أهب له سبحتي هذه، فإن ثمنها خمسون ألف دينار، فإن هو قبلها علمنا أنه غير نزه النفس، فوجه إليه فحضر، فحادثته ساعة، ثم رمت إليه بالسبحة، وقالت: هي من الطرف «١» وهي لك، فجعلها عمارة بين يديه، ثم قام وتركها، فقالت: لعله نسيها، فبعثت بها إليه مع خادم فقام للخادم: هي لك، فرجع الخادم فقال: قد وهبها لي، فأعطت أم سلمة للخادم ألف دينار واستعادتها منه.
وأهدى عبيد الله بن السري إلى عبد الله بن طاهر لما ولي مصر مائة وصيف مع كل وصيف ألف دينار، ووجه إليه بذلك ليلا فرده وكتب إليه لو قبلت هديتك ليلا لقبلتها نهارا فَما آتانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ
«٢» .
وكان سبب فتح المعتصم عمورية أن امرأة من الثغر سبيت، فنادت وامحمداه وامعتصماه، فبلغه الخبر، فركب لوقته وتبعه الجيش فلما فتحها قال: لبيك أيتها المنادية.
وكان سعيد بن عمرو بن العاص ذا نخوة وهمة، قيل له في مرضه: إن المريض يستريح إلى الأنين وإلى شرح ما به إلى الطبيب، فقال: أما الأنين، فهو جزع وعار، والله لا يسمع الله مني أنينا، فأكون عنده جزوعا، وأما وصف ما بي إلى الطبيب، فو الله لا يحكم غير الله في نفسي إن شاء أمسكها، وإن شاء قبضها.
ومن كبر النفس ما روي عن قيس بن زهير أنه أصابته الفاقة واحتاج فكان يأكل الحنظل «٣» حتى قتله، ولم يخبر أحدا بحاجته.
ومن الشرف والرياسة حفظ الجوار، وحمى الذمار.
وكانت العرب ترى ذلك دينا تدعو إليه وحقا واجبا تحافظ عليه، وكان أبو سفيان بن حرب إذا نزل به جار قال: يا هذا إنك اخترتني جارا أو اخترت داري دارا، فجناية يدك عليّ دونك وإن جنت عليك يد، فاحتكم حكم الصبي على أهله.
وكان الفرزدق يجير من عاذ بقبر أبيه غالب بن صعصعة، فمن استجار بقبر أبيه فأجاره امرأة من بني جعفر بن كلاب خافت لما هجا الفرزدق بني جعفر أن يسميها وينسبها، فعاذت بقبر أبيه، فلم يذكر لها اسما ولا نسبا، ولكن قال:
عجوز تصلي الخمس عاذت بغالب ... فلا والذي عاذت به لا أضيرها «٤»
وقال مروان بن أبي حفصة:
هم يمنعون الجار حتى كأنّما ... لجارهم بين السماكين منزل «٥»
وقال ابن نباتة:
ولو يكون سواد الشعر في ذمم ... ما كان للشيب سلطان على القمم
وقيل: إن الحجاج أخذ يزيد بن المهلب بن أبي صفرة وعذبه واستأصل موجوده وسجنه، فتوصل يزيد بحسن تلطفه وأرغب السجان واستماله، وهرب هو والسجان، وقصد الشام إلى سليمان بن عبد الملك بن مروان، وكان الخليفة في ذلك الوقت الوليد بن عبد الملك، فلما وصل يزيد بن المهلب إلى سليمان بن عبد الملك أكرمه وأحسن إليه، وأقامه عنده، فكتب الحجاج إلى الوليد يعلمه أن يزيد هرب من السجن وأنه عند سليمان بن عبد الملك أخي أمير المؤمنين، وولي عهد المسلمين وأن أمير المؤمنين أعلى رأيا. فكتب الوليد إلى أخيه سليمان بذلك، فكتب سليمان إلى أخيه يقول: يا أمير المؤمنين إني ما أجرت يزيد بن المهلب إلا لأنه هو وأبوه وإخوته من صنائعنا قديما وحديثا، ولم أجر عدوا لأمير المؤمنين، وقد كان الحجاج فصده وعذبه وأغرمه أربعة آلاف ألف درهم ظلما، ثم طالبه بعدها بثلاثة آلاف ألف درهم وقد صار إلي واستجار بي، فأجرته وأنا أغرم عنه هذه الثلاثة آلاف ألف درهم، فإن رأى أمير المؤمنين، أن لا يخزيني في ضيفي فليفعل، فإنه أهل الفضل والكرم.
فكتب إليه الوليد إنه لا بد أن ترسل إليّ يزيد مغلولا
стр. 143
مقيدا، فلما ورد ذلك على سليمان أحضر ولده أيوب فقيده ودعا يزيد بن المهلب فقيده، ثم شد قيد هذا إلى قيد هذا بسلسلة وغلهما جميعا بغلين وأرسلهما إلى أخيه الوليد، وكتب إليه: أما بعد، يا أمير المؤمنين فقد وجهت إليك يزيد وابن أخيك أيوب بن سليمان، ولقد هممت أن أكون ثالثهما، فإن هممت يا أمير المؤمنين بقتل يزيد، فبالله عليك إبدأ بأيوب من قبله، ثم اجعل يزيد ثانيا واجعلني إذا شئت ثالثا والسلام.
فلما دخل يزيد بن المهلب وأيوب بن سليمان في سلسلة واحدة أطرق الوليد استحياء وقال: لقد أسأنا إلى أبي أيوب إذ بلغنا به هذا المبلغ، فأخذ يزيد ليتكلم ويحتج لنفسه فقال له الوليد: ما يحتاج إلى كلام فقد قبلنا عذرك وعلمنا ظلم الحجاج. ثم إنه أحضر حدادا وأزال عنهما الحديد وأحسن إليهما ووصل أيوب ابن أخيه بثلاثين ألف درهم ووصل يزيد بن المهلب بعشرين ألف درهم وردهما إلى سليمان، وكتب كتابا إلى الحجاج يقول له: لا سبيل لك على يزيد بن المهلب فإياك أن تعاودني فيه بعد اليوم.
فسار يزيد إلى سليمان بن عبد الملك وأقام عنده في أعلى المراتب وأرفع المنازل.
وحكي: أن رجلا من الشيعة كان يسعى في فساد الدولة فجعل المهدي لمن دل عليه أو أتى به مائة ألف درهم، فأخذه رجل من بغداد فأيس من نفسه فمر به معن بن زائدة فقال له: يا أبا الوليد أجرني أجارك الله.
فقال معن للرجل: مالك وماله؟ فقال: إن أمير المؤمنين طالبه قال: خل سبيله، قال: لا أفعل، فأمر معن غلمانه فأخذوه غصبا وأردفه بعضهم خلفه. ومضى الرجل فأخبر أمير المؤمنين المهدي بالقصة، فأرسل خلف معن فأحضره فلما دخل عليه قال له: يا معن أتجير علي، قال: نعم يا أمير المؤمنين قتلت في يوم واحد في طاعتكم خمسة آلاف رجل هذا مع أيام كثيرة تقدمت فيها طاعتي أفما تروني أهلا أن تجيروا إلي رجلا واحدا استجار بي، فاستحيا المهدي وأطرق طويلا ثم رفع رأسه وقال: قد أجرنا من أجرت يا أبا الوليد، قال: إن رأى أمير المؤمنين أن يصل من استجار بي فيكون قد أجاره وحباه، قال: قد أمرت له بخمسين ألف درهم. فقال معن: يا أمير المؤمنين ينبغي أن تكون صلات الخلفاء على قدر جنايات الرعية وإن ذنب الرجل عظيم فإن رأى أمير المؤمنين أن يجزل صلته فليفعل، قال: قد أمرت له بمائة ألف درهم، فرجع معن إلى منزله ودعا بالرجل ودفع له المال ووعظه وقال له: لا تتعرض لمساخط الخلفاء.
وكان جعفر بن أبي طالب يقول لأبيه: يا أبت إني لأستحي أن أطعم طعاما وجيراني لا يقدرون على مثله، فكان أبوه يقول إني لأرجو أن يكون فيك خلف من عبد المطلب.
وسقط الجراد قريبا من بيت بعض العرب فجاء أهل الحي فقالوا: نريد جارك فقال: أما إذ جعلتموه جاري فوالله لا تصلون إليه، وأجاره حتى طار فسمّي مجير الجراد، وقيل هو أبو حنبل.
والحكايات في معنى ذلك كثيرة والله أعلم وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الباب الثلاثون في الخير والصلاح وذكر السادة الصحابة وذكر الأولياء والصالحين رضي الله تعالى عنهم أجمعين
اعلم.. أن أفضل الخلق بعد رسول الله ﷺ أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي ﵃ أجمعين، وفضائلهم أكثر من أن تحصر وأشهر من أن تذكر، وإني والله أحبهم وأحب من يحبهم، وأسأل الله أن يميتني على محبة النبي محمد ﷺ ومحبتهم وأن يحشرنا في زمرتهم وتحت ألويتهم إنه على ما يشاء قدير وبالإجابة جدير.
شعر:
إني أحب أبا حفص «١» وشيعته ... كما أحبّ عتيقا صاحب الغار «٢»
وقد رضيت عليا قدوة علما ... وما رضيت بقتل الشيخ في الدار «٣»
كلّ الصحابة ساداتي ومعتقدي ... فهل عليّ بهذا القول من عار
стр. 144
وروي عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ من أصبح منكم اليوم صائما؟ فقال أبو بكر: أنا يا رسول الله. فقال رسول الله ﷺ فمن أطعم اليوم منكم مسكينا؟ فقال أبو بكر: أنا، قال فمن عاد منكم اليوم مريضا؟ قال أبو بكر: أنا. فقال رسول الله ﷺ : ما اجتمعن في أحد إلا دخل الجنة.
وقال ﷺ : لو كان بعدي نبي لكان عمر، وقال له النبي ﷺ : والذي بعثني بالحق بشيرا ما سلكت واديا إلا سلك الشيطان واديا غيره، ولما أسلم ﵁ قال: يا رسول الله ألسنا على الحق، قال: بلى، قال: والذي بعثك بالحق نبيا لا نعبد الله سرا بعد هذا اليوم.
ولما قدم عمر ﵁ الشام وقف على طور سيناء فأرسل البطريق عظيما لهم وقال: أنظر إلى ملك العرب فرآه على فرس وعليه جبة صوف مرقعة مستقبل الشمس بوجهه ومخلاته في قربوس السرج وعمر يدخل يده فيها ويخرج فلق خبز يابس يمسحها من التبن ويلوكها، فوصفه البطريق فقال: لا ترى بمحاربة هذا طاقة أعطوه ما شاء.
وأما أمير المؤمنين عثمان رضي الله تعالى عنه ففضائله كثيرة ومناقبه شهيرة فهو جامع القرآن، ومن استحيت منه ملائكة الرحمن ﵁.
وقال جميع بن عمير: دخلت على عائشة ﵂ فقلت لها: أخبريني من كان أحب الناس إلى رسول الله ﷺ قالت: فاطمة. قلت: إنما أسألك عن الرجال قالت: زوجها، فو الله لقد كان صواما قواما. ولقد سالت نفس رسول الله ﷺ في يده فردها إلى فيه، قلت:
فما حملك على ما كان فأرسلت خمارها على وجهها وبكت وقالت: أمر قضي عليّ.
وقال معاوية لضرار بن حمزة الكناني: صف لي عليا فاستعفى فألح عليه فقال: أما إذن فلا بد إنه والله كان بعيد المدى شديد القوى يتفجر العلم من جوانبه وتنطق الحكمة من نواحيه، يستوحش من الدنيا وزهرتها ويستأنس بالليل وظلمته، كان والله غزير العبرة طويل الفكرة يقلب كفه ويعاتب نفسه، يعجبه من اللباس ما قصر، ومن الطعام ما خشن، وكان والله يجيبنا إذا سألناه، ويأتينا إذا دعوناه، ونحن والله مع تقريبه لنا وقربه منا لا نكلمه هيبة له، يعظم أهل الدين ويحب المساكين، لا يطمع القويّ في باطله ولا ييأس الضعيف من عدله، فأشهد الله لقد رأيته في بعض مواقفه وقد أرخى الليل سدوله وغارت نجومه وقد مثل في محرابه قابضا على لحيته يتململ تململ الخائف ويبكي بكاء الحزين، فكأني الآن أسمعه يقول: يا دنيا إلي تعرضت أم إلي تشّوقت هيهات غرّي غيري لقد أبنتك ثلاثا لا رجعة لي فيك فعمرك قصير وعيشك حقير، وخطرك كبير، آه من قلة الزاد ووحشة الطريق، قال: فوكفت دموع معاوية حتى ما يملكها على لحيته وهو يمسحها وقد اختنق القوم بالبكاء، وقال: رحم الله أبا الحسن كان والله كذلك فكيف حزنك عليه يا ضرار؟ قال حزني عليه والله حزن من ذبح ولدها في حجرها فلا ترقأ عبرتها ولا تسكن حيرتها ثم قام فخرج.
وقيل أول من سل سيفا في سبيل الله تعالى الزبير بن العوام ﵁، وذلك أنه صاح على أهل مكة ليلا صائح، فقال: قتل محمد، فخرج متجردا وسيفه معه صلتا فتلقاه رسول الله ﷺ فقال: ما لك يا زبير؟ قال: سمعت أنك قتلت، قال: فماذا أردت أن تصنع قال: أردت والله أن أستعرض على أهل مكة «١» . وروي: أحبط بسيفي من قدرت عليه فضمه رسول الله ﷺ وأعطاه إزارا له فاستتر به وقال له: أنت حواريي ودعا له.
قال الأوزاعي: كان للزبير ألف مملوك يؤدون الضريبة لا يدخل بيت ماله منها درهم بل كان يتصدق بها، وباع دارا له بستمائة ألف درهم فقيل له يا أبا عبد الله غبنت «٢» ، قال: كلا والله لم أغبن أشهدكم أنها في سبيل الله تعالى.
وهبط جبريل ﵇ على رسول الله ﷺ يوم أحد فقال من حملك على ظهره؟ وكان حمله على ظهره طلحة حتى استقل على الصخر، قال: طلحة، قال: أقرئه السلام وأعلمه أني لا أراه يوم القيامة في هول من أهوالها إلا استنقذته منه. من هذا الذي عن يمينك؟ قال: المقداد بن الأسود، قال: إن الله يحبه ويأمرك أن تحبه. من هذا الذي بين يديك يتقي عنك؟ قال: عمار بن ياسر قال: بشره بالجنة حرمت النار عليه. ومر أبو ذر على النبي ﷺ ومعه جبريل ﵇ في صورة دحية الكلبي فلم يسلم، فقال جبريل: هذا أبو ذر لو سلم لرددنا عليه فقال: أتعرفه يا جبريل؟ قال: والذي بعثك بالحق نبيا لهو في ملكوت السموات السبع أشهر منه في الأرض، قال: بم نال هذه المنزلة؟ قال: بزهده في هذه الحطام الفانية. وقال ابن عمر ﵄: سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن
стр. 145
الله ليدفع بالمسلم الصالح عن ألف بيت من جيرانه البلاء، ثمّ قرأ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ
«١» الآية.
وقال أبو بكر السفاح لأبي بكر الهذلي: بم بلغ الحسن ما بلغ قال: جمع كتاب الله تعالى وهو ابن اثنتي عشرة سنة لم يجاوز سورة إلى غيرها حتى يعرف تأويلها، ولم يقلب درهما قط في تجارة ولم يل عملا لسلطان ولم يأمر بشيء حتى يفعله ولم ينه عن شيء حتى يدعه، قال السفاح: بهذا بلغ.
وقال الجاحظ: كان الحسن يستثنى من كل غاية فيقال فلان أزهد الناس إلا الحسن وأفقه الناس إلا الحسن وأفصح الناس إلا الحسن وأخطب الناس إلا الحسن.
وقال بعضهم: كان عمر بن عبد العزيز أزهد من أويس لأن عمر ملك الدنيا فزهد فيها وأويس لم يملكها، فقيل:
لو ملكها لفعل كما فعل عمر فقال: ليس من لم يجرب كمن جرب.
وقال أنس في ثابت البناني: إن للخير مفاتيح وإن ثابتا من مفاتيح الخير. وكان حبيب الفارسي من أخيار الناس وهو الذي اشترى نفسه من ربه أربع مرات بأربعين ألفا، كان يخرج البدرة فيقول: يا رب اشتريت نفسي منك بهذه ثم يتصدق بها.
وكان أيوب السختياني من أزهد الناس وأورعهم، ذكر عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى فقال: رحم الله أيوب لقد شهدت منه مقاما عند منبر النبي ﷺ لا أذكر ذلك المقام إلا اقشعر جلدي.
وقال سفيان الثوري: جهدت جهدي على أن أكون في السنة ثلاثة أيام على ما عليه ابن المبارك فلم أقدر.
وكان الخليل بن أحمد النحوي من أزهد الناس وأعلاهم نفسا وكان الملوك يقصدونه ويبذلون له الأموال فلا يقبل منها شيئا، وكان يحج سنة ويغزو سنة حتى مات ﵀.
وقال ابن خارجة: جالست ابن عون عشرين سنة فما أظن الملكين كتبا عليه شيئا، وروى أنه غسل كرز بن وبرة فلم يوجد على جسده مثقال لحم.
وعن محمد بن الحسن «٢» قال: كان أبو حنيفة واحد زمانه، لو انشقت عنه الأرض لانشقت عن جبل من الجبال في العلم والكرم والزهد والورع.
وحج وكيع بن الجراح أربعين حجة ورابط في عبادان أربعين ليلة وختم بها القرآن أربعين ختمة وتصدق بأربعين ألفا وروى أربعة آلاف حديث، وما رؤي واضعا جنبه قط.
ووقف عمر بن عبد العزيز على عطاء بن أبي رباح وهو أسود مفلفل الشعر، يفتي الناس في الحلال والحرام فتمثل يقول: تلك المكارم لا قعبان من لبن «٣» .
ومن مشايخ الرسالة رضوان الله عليهم أجمعين سيدي أبو عبد الله محمد بن إسماعيل المغربي أستاذ إبراهيم بن شيبان، كان عجيب الشأن لم يأكل مما وصلت إليه أيدي بني آدم سنين كثيرة وكان أكله من أصول العشب شيئا تعود أكله.
ومنهم سيدي فتح بن شحرف بن داود: يكنى أبا نصر من الزاهدين الورعين، لم يأكل الخبز ثلاثين سنة، قال أحمد بن عبد الجبار: سمعت أبي يقول: صحبت فتح بن شحرف ثلاثين سنة فلم أره رفع رأسه إلى السماء، ثم رفعها يوما فقال: طال شوقي إليك فعجّل قدومي عليك.
وقال محمد بن جعفر: سمعت إنسانا يقول غسلنا فتح بن شحرف فرأينا مكتوبا على فخذه لا إله إلا الله فتوهمناه مكتوبا وإذا هو عرق داخل الجلد، ومات ببغداد فصلّي عليه ثلاثا وثلاثين مرة أقل قوم كانوا يصلون عليه كانوا نحو من خمسة وعشرين ألفا إلى ثلاثين ألفا.
ومنهم سيدي فتح بن سعيد الموصلي: يكنى أبا نصر من أقران بشر الحافي وسري السقطي كبير الشأن في باب الورع والمجاهدات. قال إبراهيم بن نوح الموصلي:
رجع فتح الموصلي إلى أهله بعد صلاة العتمة وكان صائما فقال: عشوني فقالوا: ما عندنا شيء نعشيك به، فقال: ما بالكم جلوس في الظلمة؟ فقالوا: ما عندنا شيء نسرج به، فجعل يبكي من الفرح ويقول: إلهي مثلي يترك بلا عشاء ولا سراج بأي يد كانت مني، فما زال يبكي إلى الصباح.
وقال فتح: رأيت بالبادية غلاما لم يبلغ الحلم وهو يمشي وحده ويحرك شفتيه فسلمت عليه فرد علي السلام، فقلت: إلى أين؟ فقال: إلى بيت ربي فقلت:
بماذا تحرك شفتيك؟ قال أتلو كلام ربي، فقلت: إنه لم يجر عليك قلم التكليف؟ قال: رأيت الموت يأخذ من هو
следующие страницы →