← Адаб

Адаб · id 23802

المستطرف في كل فن مستظرف

شهاب الدين الأبشيهي

Полный текст (517 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

فقال هشام: صدقت. وذكر عنده سليمان أخوه، فقال: والله لأشكونه يوم القيامة إلى أمير المؤمنين عبد الملك، ولما ولي الخلافة قال: الحمد لله الذي أنقذني من النار بهذا المقام. قال النابغة: أي الرجال المهذب «١» ، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. الباب العاشر في التوكل على الله تعالى والرضا بما قسم والقناعة وذم الحرص والطمع وما أشبه ذلك وفيه فصول الفصل الأول في التوكل على الله تعالى قال الله تعالى: وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ «٢» . وقال تعالى: وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ «٣» . وقال تعالى: وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ «٤» . وعن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: «يدخل الجنة أقوام أفئدتهم مثل أفئدة الطير» . رواه مسلم قيل: معناه متوكلون، وقيل: قلوبهم رقيقة. وعن البراء بن عازب ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لو توكلتم على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدوا خماصا وتعود بطانا» «٥» . وأوحى الله تعالى إلى داود ﵇: يا داود من دعاني أجبته، ومن استغاثني أغثته، ومن استنصرني نصرته، ومن توكل عليّ كفيته، فأنا كافي المتوكلين وناصر المستنصرين، وغياث المستغيثين، ومجيب الداعين. وحكي أنه كان في زمن هارون الرشيد قد حصل للناس غلاء سعر، وضيق حال حتى اشتد الكرب على الناس اشتدادا عظيما، فأمر الخليفة هارون الرشيد الناس بكثرة الدعاء والبكاء، وأمر بكسر آلات الطرب، ففي بعض الأيام رؤي عبد يصفق ويرقص ويغني، فحمل إلى الخليفة هارون الرشيد، فسأله عن فعله ذلك من دون الناس، فقال: إن سيدي عنده خزانة بر، وأنا متوكل عليه أن يطعمني منها، فلهذا أنا إذا لا أبالي فأنا أرقص وأفرح، فعند ذلك قال الخليفة: إذا كان هذا قد توكل على مخلوق مثله، فالتوكل على الله أولى، فسلّم للناس أحوالهم، وأمرهم بالتوكل على الله تعالى. وحكي أن حاتما الأصم كان رجلا كثير العيال، وكان له أولاد ذكور وإناث، ولم يكن يملك حبة واحدة، وكان قدمه التوكل فجلس ذات ليلة مع أصحابه يتحدث معهم، فتعرضوا لذكر الحج، فداخل الشوق قلبه، ثم دخل على أولاده، فجلس معهم يحدثهم، ثم قال لهم: لو أذنتم لأبيكم أن يذهب إلى بيت ربه في هذا العام حاجا، ويدعو لكم ماذا عليكم لو فعلتم؟ فقالت زوجته وأولاده: أنت على هذه الحالة لا تملك شيئا ونحن على ما ترى من الفاقة، فكيف تريد ذلك ونحن بهذه الحالة؟ وكان له ابنة صغيرة فقالت: ماذا عليكم لو أذنتم له ولا يهمكم ذلك، دعوه يذهب حيث شاء، فإنه مناول للرزق، وليس برزاق، فذكّرتهم ذلك، فقالوا: صدقت والله هذه الصغيرة، يا أبانا انطلق حيث أحببت، فقام من وقته وساعته وأحرم بالحج، وخرج مسافرا، وأصبح أهل بيته يدخل عليهم جيرانهم يوبخونهم كيف أذنوا له بالحج، وتأسف على فراقه أصحابه وجيرانه، فجعل أولاده يلومون تلك الصغيرة ويقولون: لو سكتّ ما تكلمنا، فرفعت الصغيرة طرفها إلى السماء، وقالت: إلهي وسيدي ومولاي عودت القوم بفضلك وأنك لا تضيعهم فلا تخيبهم، ولا تخجلني معهم، فبينما هم على هذه الحالة إذ خرج أمير البلدة متصيدا، فانقطع عن عسكره وأصحابه، فحصل له عطش شديد، فاجتاز بيت الرجل الصالح حاتم الأصم، فاستسقى منهم ماء، وقرع الباب فقالوا: من أنت؟ قال: الأمير ببابكم يستسقيكم، فرفعت زوجة حاتم رأسها إلى السماء وقالت: إلهي وسيدي سبحانك البارحة بتنا جياعا، واليوم يقف الأمير على بابنا يستسقينا، ثم إنها أخذت كوزا جديدا وملأته ماء، وقالت للمتناول منها: اعذرونا، فأخذ الأمير الكوز وشرب منه، فاستطاب الشرب من ذلك الماء فقال: هذه الدار لأمير؟ فقالوا: لا والله بل لعبد من عباد الله الصالحين يعرف بحاتم الأصم. فقال الأمير: لقد سمعت به.

стр. 72

فقال الوزير: يا سيدي لقد سمعت أنه البارحة أحرم بالحج وسافر ولم يخلف لعياله شيئا، وأخبرت أنهم البارحة باتوا جياعا، فقال الأمير: ونحن أيضا قد ثقلنا عليهم اليوم، وليس من المروءة أن يثقل مثلنا على مثلهم، ثم حل الأمير منطقته من وسطه ورمى بها في الدار، ثم قال لأصحابه: من أحبني، فليلق منطقته، فحل جميع أصحابه مناطقهم ورموا بها إليهم، ثم انصرفوا، فقال الوزير: السلام عليكم أهل البيت، لآتينكم الساعة بثمن هذه المناطق، فلما أنزل الأمير رجع إليهم الوزير، ودفع إليهم ثمن المناطق مالا جزيلا واستردها منهم، فلما رأت الصبية الصغيرة ذلك بكت بكاء شديدا، فقالوا لها: ما هذا البكاء؟ إنما يجب أن تفرحي، فإن الله قد وسّع علينا، فقالت: يا أم، والله إنما بكائي كيف بتنا البارحة جياعا، فنظر إلينا مخلوق نظرة واحدة، فأغنانا بعد فقرنا، فالكريم الخالق إذا نظر إلينا لا يكلنا إلى أحد طرفة عين، اللهم انظر إلى أبينا، ودبره بأحسن التدبير، هذا ما كان من أمرهم. وأما ما كان من أمر حاتم أبيهم، فإنه لما خرج محرما ولحق بالقوم توجع أمير الركب، فطلبوا له طبيبا، فلم يجدوا، فقال: هل من عبد صالح، فدل على حاتم، فلما دخل عليه وكلمه دعا له فعوفي الأمير من وقته، فأمر له بما يركب، وما يأكل، وما يشرب، فنام تلك الليلة مفكرا في أمر عياله، فقيل له في منامه: يا حاتم من أصلح معاملته معنا أصلحنا معاملتنا معه، ثم أخبر بما كان من أمر عياله، فأكثر الثناء على الله تعالى، فلما قضى حجه ورجع تلقته أولاده، فعانق الصبية الصغيرة وبكى، ثم قال: صغار قوم كبار قوم آخرين. إن الله لا ينظر إلى أكبركم ولكن ينظر إلى أعرفكم به، فعليكم بمعرفته والاتكال عليه فإنه من توكل على الله فهو حسبه. ومن كلام الحكماء: من أيقن أن الرزق الذي قسم له لا يفوته تعجل الراحة، ومن علم أن الذي قضي عليه لم يكن ليخطئه فقد استراح من الجزع، ومن علم أن مولاه خير له من العبادة، فقصده كفاه همه وجمع شمله. وفي الحديث عن ابن عباس ﵄ قال: كنت عند النبي ﷺ يوما فقال: يا غلام إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت، فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن تنفعك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعت على أن تضرك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الصحف وجفت الأقلام. ورفع إلى الرشيد أن بدمشق رجلا من بني أمية عظيم المال والجاه كثير الخيل والجند، يخشى على المملكة منه، وكان الرشيد يومئذ بالكوفة. قال منارة خادم الرشيد: فاستدعاني الرشيد وقال: اركب الساعة إلى دمشق وخذ معك مائة غلام وائتني بفلان الأموي، وهذا كتابي إلى العامل لا توصله له إلا إذا امتنع عليك، فإذا أجاب فقيّده وعادله بعد أن تحصي جميع ما تراه وما يتكلم به، واذكر لي حاله ومآله، وقد أجلتك لذهابك ستا، ولمجيئك ستا، ولإقامتك يوما، أفهمت؟ قلت: نعم. قال: فسر على بركة الله، فخرجت أطوي المنازل ليلا ونهارا لا أنزل إلا للصلاة أو لقضاء حاجة حتى وصلت ليلة السابع باب دمشق، فلما فتح الباب دخلت قاصدا نحو دار الأموي، فإذا هي دار عظيمة هائلة، ونعمة طائلة، وخدم وحشم، وهيبة ظاهرة، وحشمة وافرة، ومصاطب متسعة، وغلمان فيها جلوس، فهجمت على الدار بغير إذن، فبهتوا وسألوا عني، فقيل لهم: إن هذا رسول أمير المؤمنين، فلما صرت في وسط الدار رأيت أقواما محتشمين، فظننت أن المطلوب فيهم، فسألت عنه، فقيل لي: هو في الحمام، فأكرموني، وأجلسوني، وأمروا بمن معي ومن صحبني إلى مكان آخر، وأنا أنتقد الدار، وأتأمل الأحوال، حتى أقبل الرجل من الحمام ومعه جماعة كثيرة من كهول وشبان وحفدة وغلمان، فسلم عليّ وسألني عن أمير المؤمنين، فأخبرته وأنه بعافية، فحمد الله تعالى، ثم أحضرت له أطباق الفاكهة فقال: تقدم يا منارة كل معنا، فتأملت تأملا كثيرا إذ لم يكنني، فقلت: ما آكل، فلم يعاودني. ورأيت ما لم أره إلا في دار الخلافة، ثم قدم الطعام، فو الله ما رأيت أحسن ترتيبا، ولا أعطر رائحة، ولا أكثر آنية منه، فقال: تقدم يا منارة، فكل. قلت: ليس لي به حاجة، فلم يعاودني. ونظرت إلى أصحابي فلم أجد أحدا منهم عندي، فحرت لكثرة حفدته، وعدم من عندي، فلما غسل يديه أحضر له البخور فتبخر، ثم قام فصلى الظهر، فأتم الركوع والسجود، وأكثر من الركوع بعدها، فلما فرغ استقبلني وقال: ما أقدمك يا منارة؟ فناولته كتاب أمير المؤمنين، فقبله ووضعه على رأسه، ثم فضّه وقرأه، فلما فرغ من قراءته استدعى جميع بنيه وخواص أصحابه وغلمانه وسائر عياله، فضاقت الدار بهم

стр. 73

على سعتها، فطار عقلي، وما شككت أنه يريد القبض عليّ، فقال: الطلاق يلزمه والحج والعتق والصدقة، وسائر أيمان البيعة لا يجتمع منكم اثنان في مكان واحد حتى ينكشف أمره، ثم أوصاهم على الحريم ثم استقبلني وقدم رجليه وقال: هات يا منارة قيودك، فدعوت الحداد فقيده وحمل حتى وضع في المحمل وركبت معه في المحمل، وسرنا، فلما صرنا في ظاهر دمشق ابتدأ يحدثني بانبساط ويقول: هذه الضيعة لي تعمل في كل سنة بكذا وكذا، وهذا البستان لي وفيه من غرائب الأشجار وطيب الثمار كذا وكذا، وهذه المزارع يحصل لي منها كل سنة كذا وكذا، فقلت: يا هذا ألست تعلم أن أمير المؤمنين أهمّه أمرك حتى أنفذني خلفك وهو بالكوفة ينتظرك، وأنت ذاهب إليه ما تدري ما تقدم عليه، وقد أخرجتك من منزلك ومن بين أهلك ونعمتك وحيدا فريدا، وأنت تحدثني حديثا غير مفيد ولا نافع لك ولا سألتك عنه، وكان شغلك بنفسك أولى بك: فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، لقد أخطأت فراستي فيك يا منارة ما ظننت أنك عند الخليفة بهذه المكانة إلا لوفور عقلك، فإذا أنت جاهل عامي لا تصلح لمخاطبة الخلفاء، أما خروجي على ما ذكرت فإني على ثقة من ربي الذي بيده ناصيتي وناصية أمير المؤمنين، فهو لا يضر ولا ينفع إلا بمشيئة الله تعالى، فإن كان قد قضي علي بأمر فلا حيلة لي بدفعه ولا قدرة لي على منعه، وإن لم يكن قد قدر علي بشيء فلو اجتمع أمير المؤمنين وسائر من على وجه الأرض على أن يضروني لم يستطيعوا ذلك إلا بإذن الله تعالى، وما لي ذنب فأخاف، وإنما هذا واش وشى عند أمير المؤمنين ببهتان «١» ، وأمير المؤمنين كامل العقل، فإذا اطّلع على براءتي فهو لا يستحل مضرتي، وعلي عهد الله لا كلمتك بعدها إلا جوابا. ثم أعرض عني وأقبل على التلاوة وما زال كذلك حتى وافينا الكوفة بكرة اليوم الثالث عشر، وإذا النجب قد استقبلتنا من عند أمير المؤمنين تكشف عن أخبارنا، فلما دخلت على الرشيد قبلت الأرض، فقال: هات يا منارة أخبرني من يوم خروجك عني إلى يوم قدومك عليّ، فابتدأت أحدثه بأموري كلها مفصلة والغضب يظهر في وجهه، فلما انتهيت إلى جمعه لأولاده وغلمانه، وخواصه وضيق الدار بهم، وتفقدي لأصحابي، فلم أجد منهم أحدا أسودّ وجهه، فلما ذكرت يمينه عليهم تلك الأيمان المغلظة تهلّل وجهه، فلما قلت إنه قدم رجليه أسفر وجهه واستبشر، فلما أخبرته بحديثي معه في ضياعه وبساتينه وما قلت له، وما قال لي فقال: هذا رجل محسود على نعمته، ومكذوب عليه، وقد أزعجناه وأرعبناه وشوشنا عليه وعلى أولاده وأهله، أخرج إليه، وانزع قيوده، وفكه وأدخله عليّ مكرما، ففعلت، فلما دخل قبّل الأرض، فرحب به أمير المؤمنين وأجلسه، واعتذر إليه، فتكلم بكلام صحيح، فقال له أمير المؤمنين: سل حوائجك، فقال: سرعة رجوعي إلى بلدي وجمع شملي بأهلي وولدي قال: هذا كائن، فسل غيره؟ قال: عدل أمير المؤمنين في عماله ما أحوجني إلى سؤال. قال: فخلع عليه أمير المؤمنين، ثم قال: يا منارة اركب الساعة معه حتى ترده إلى المكان الذي أخذته منه. قم في حفظ الله وودائعه ورعايته ولا تقطع أخبارك عنا وحوائجك، فانظر حسن توكله على خالقه، فإنه من توكل عليه كفاه ومن دعاه لبّاه، ومن سأله أعطاه ما تمناه. وروي أن هذه الكلمات وجدها كعب الأحبار مكتوبة في التوراة فكتبها وهي: يا ابن آدم لا تخافن من ذي سلطان ما دام سلطاني باقيا، وسلطاني لا ينفد أبدا، يا ابن آدم لا تخش من ضيق الرزق ما دامت خزائني ملآنة، وخزائني لا تنفد أبدا، يا ابن آدم لا تأنس بغيري، وأنا لك، فإن طلبتني وجدتني، وإن أنست بغيري فتّك وفاتك الخير كله، يا ابن آدم خلقتك لعبادتي، فلا تلعب، وقسمت رزقك فلا تتعب، وفي أكثر منه فلا تطمع، ومن أقل منه فلا تجزع، فإن أنت رضيت بما قسمته لك أرحت قلبك وبدنك، وكنت عندي محمودا، وإن لم ترض بما قسمته لك فوعزتي وجلالي لأسلطن عليك الدنيا تركض فيها ركض الوحوش في البر ولا ينالك منها إلا ما قد قسمته لك، وكنت عندي مذموما، يا ابن آدم خلقت السموات السبع والأرضين السبع، ولم أعي بخلقهن أيعينني رغيف أسوقه لك من غير تعب، يا ابن آدم أنا لك محب، فبحقي عليك كن لي محبا، يا ابن آدم لا تطالبني برزق غد كما لا أطالبك بعمل غد، فإني لم أنس من عصاني، فكيف من أطاعني وأنا على كل شيء قدير، وبكل شيء محيط. قال الشاعر: وما ثمّ إلّا الله في كلّ حالة ... فلا تتكل يوما على غير لطفه

стр. 74

فكم حالة تأتي ويكرهها الفتى ... وخيرته فيها على رغم أنفه ولمؤلفه رحمه الله تعالى: توكّل على الرحمن في الأمر كلّه ... فما خاب حقا من عليه توكّلا وكن واثقا بالله واصبر لحكمه ... تفز بالذي ترجوه منه تفضّلا الفصل الثاني في القناعة والرضا بما قسم الله تعالى جاء في تفسير قوله تعالى: مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً «١» . أن المراد بها القناعة. وقال ﷺ : «القناعة مال لا ينفذ» . وقيل: يا رسول الله ما القناعة؟ قال: «الأياس مما في أيدي الناس وإياكم والطمع فإنه الفقر الحاضر» . وكان سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه من القناعة بالجانب الأوفر، وإنه كان يشتهي الشيء فيدافعه سنة. قال الكندي: العبد حر ما قنع ... والحرّ عبد ما طمع وقال بشر بن الحارث: خرج فتى في طلب الرزق، فبينما هو يمشي فأعيا، فآوى إلى خراب يستريح فيه، فبينما هو يدير بصره إذ وقعت عيناه على أسطر مكتوبة على حائط، فتأملها فإذا هي: إني رأيتك قاعدا مستقبلي ... فعلمت أنك للهموم قرين هوّن عليك وكن بربّك واثقا ... فأخو التوكّل شأنه التهوين طرح الأذى عن نفسه في رزقه ... لمّا تيقن أنّه مضمون قال: فرجع الفتى إلى بيته، ولزم التوكل وقال: اللهم أدّبنا أنت. قال الجاحظ: إنما خالف الله تعالى بين طبائع الناس ليوفق بينهم في مصالحهم، ولولا ذلك لاختاروا كلهم الملك والسياسة والتجارة والفلاحة وفي ذلك بطلان المصالح، وذهب المعايش، فكل صنف من الناس مزين لهم ما هم فيه، فالحائك إذا رأى من صاحبه تقصيرا أو خلفا قال: ويلك يا حجّام والحجام إذا رأى مثل ذلك من صاحبه قال: ويلك يا حائك، فجعل الله تعالى الاختلاف سببا للائتلاف، فسبحانه من مدبر قادر حكيم، ألا ترى إلى البدوي في بيت من قطعة خيش معمد بعظام الجيف كلبه معه في بيته لباسه شملة من وبر أو شعر، ودواؤه بعر الإبل وطيبه القطران وبعر الظباء، وحليّ زوجته الودع، وثماره المقل، وصيده اليربوع «٢» وهو في مفازة «٣» لا يسمع فيها إلا صوت بومة، وعواء ذئب وهو قانع بذلك مفتخر به. وقال سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه: يا بني إذا طلبت الغنى، فاطلبه في القناعة، فإنها مال لا ينفذ، وإياك والطمع فإنه فقر حاضر، وعليك باليأس، فإنك لم تيأس من شيء إلا أغناك الله عنه. وأصاب داود الطائي فاقة كبيرة، فجاءه حماد بن أبي حنيفة ﵁ بأربعمائة درهم من تركة أبيه وقال: هي من مال رجل ما أقدم عليه أحد في زهده وورعه وطيب كسبه، فقال: لو كنت أقبل من أحد شيئا لقبلتها تعظيما للميت، وإكراما للحي، ولكني أحب أن أعيش في عز القناعة. وقال عيسى ﵊: اتخذوا البيوت منازل، والمساجد مساكن، وكلوا من بقل البرية، واشربوا من الماء القراح، واخرجوا من الدنيا بسلام. وأنشد المبرد: إن ضنّ زيد بما في بطن راحته ... فالأرض واسعة والرزق مبسوط إنّ الذي قدّر الأشيا بحكمته ... لم ينسني قاعدا والرحل محطوط قال عبد الواحد بن زيد: ما أحسب أن شيئا من الأعمال يتقدم الصبر إلا الرضا، ولا أعلم درجة أرفع من الرضا وهو رأس المحبة، قيل له: متى يكون العبد راضيا عن ربه؟ قال: إذا سرته المصيبة كما تسره النعمة.

стр. 75

وكان عبد الله بن مرزوق من ندماء المهدي، فسكر يوما ففاتته الصلاة فجاءته جارية له بجمرة، فوضعتها على رجله، فانتبه مذعورا فقالت له: إذا لم تصبر على نار الدنيا، فكيف تصبر على نار الآخرة. فقام فصلّى الصلوات، وتصدق بما يملكه وذهب يبيع البقل، فدخل عليه فضيل وابن عيينة، فإذا تحت رأسه لبنة وما تحت جنبه شيء، فقالا له: إنه لم يدع أحد شيئا إلا عوضه الله منه بديلا، فما عوضك عما تركت له؟ قال: الرضا بما أنا فيه. وقال الثوري: ما وضع أحد يده في قصعة غيره إلا ذلّ له، وقال الفضيل: من رضي بما قسم الله له بارك الله له فيه. وكان عيسى ﵊ يقول: الشمس في الشتاء جلالي، ونور القمر سراجي، وبقل البرية فاكهتي، وشعر الغنم لباسي، أبيت حيث يدركني الليل ليس لي ولد يموت، ولا بيت يخرب، أنا الذي كببت الدنيا على وجهها. (بيت مفرد) ؛ إنّ القناعة من يحلل بساحتها ... لم يلق في ظلّها همّا يؤرّقه «١» وقال عيسى ﵊: أنظروا إلى الطير تغدو وتروح ليس معها شيء من أرزاقها، لا تحرث، ولا تحصد، والله يرزقها، فإن زعمتم أنكم أكبر بطونا من الطير، فهذه الوحوش والبقر والحمر لا تحرث ولا تحصد والله يرزقها. وقيل: وفد عروة بن أذينة على هشام بن عبد الملك، فشكا إليه خلّته «٢» ، فقال له القائل: لقد علمت وما الإسراف من خلقي ... أنّ الذي هو رزقي سوف يأتيني أسعى إليه فيعييني تطلّبه ... ولو قعدت أتاني ليس يعييني وقد جئت من الحجاز إلى الشام في طلب الرزق فقال: يا أمير المؤمنين لقد وعظت فأبلغت، وخرج، فركب ناقته وكرّ إلى الحجاز راجعا، فلما كان من الليل نام هشام على فراشه، فذكر عروة، فقال في نفسه رجل قرشي قال حكمة ووفد علي، فجبهته ورددته خائبا، فلما أصبح وجه إليه بألفي دينار، فقرع عليه الرسول باب داره بالمدينة، وأعطاه المال، فقال: أبلغ أمير المؤمنين مني السلام وقل له: كيف رأيت قولي سعيت، فأكديت، فرجعت، فأتاني رزقي في منزلي. ولما ولي عبد الله بن عامر العراق قصده صديقان له أنصاري وثقفي، فلما سارا تخلف الأنصاري وقال: الذي أعطى ابن عامر العراق قادر على أن يعطيني، فوفد الثقفي وقال: أحوز الحظين، فلما دخل على عبد الله بن عامر قال له: ما فعل زميلك الأنصاري؟ قال: رجع إلى أهله، فأمر للثقفي بأربعة آلاف دينار [وللأنصاري بمثلها] فخرج الثقفي وهو يقول: فو الله ما حرص الحريص بنافع ... فيغني ولا زهد القنوع بضائر خرجنا جميعا من مساقط روسنا ... على ثقة منا بجود ابن عامر فلما أنخنا الناجعات ببابه ... تخلف عني اليثربيّ ابن جابر وقال ستكفيني عطية قادر ... على ما يشاء اليوم للخلق قاهر فإن الذي أعطى العراق ابن عامر ... لربّي الذي أرجو لسدّ مفاقري فقلت خلالي وجهه ولعله ... سيجعل لي حظّ الفتى المتزاور فلما رآني سال عنه صبابة ... إليه كما حنت ظؤار الأباعر «٣» فأبت وقد أيقنت أن ليس نافعا ... ولا ضائرا شيء خلاف المقادر قيل: أوحى الله تعالى إلى موسى صلوات الله وسلامه عليه: أتدري لم رزقت الأحمق؟ قال: لا يا رب. قال: ليعلم العاقل أن طلب الرزق ليس بالاحتيال. ولبعض العرب: ولا تجزع إذا أعسرت يوما ... فقد أيسرت في الزمن الطويل ولا تظنن بربّك ظنّ سوء ... فإنّ الله أولى بالجميل

стр. 76

وإنّ العسر يتبعه يسار ... وقول الله أصدق كلّ قيل فلو أن العقول تسوق رزقا ... لكان المال عند ذوي العقول وأوحى الله تعالى إلى يوسف ﵊: أنظر إلى الأرض فنظر إليها، فانفجرت، فرأى دودة على صخرة، ومعها الطعام، فقال له: أتراني لم أغفل عنها، وأغفل عنك، وأنت نبي وابن نبي. ودخل علي بن أبي طالب ﵁ المسجد وقال لرجل كان واقفا على باب المسجد: أمسك عليّ بغلتي، فأخذ الرجل لجامها، ومضى وترك البغلة، فخرج علي وفي يده درهمان ليكافىء بها الرجل على إمساكه بغلته فوجد البغلة واقفة بغير لجام، فركبها ومضى، ودفع لغلامه درهمين يشتري بهما لجاما، فوجد الغلام اللجام في السوق قد باعه السارق بدرهمين فقال علي ﵁: أن العبد ليحرم نفسه الرزق الحلال بترك الصبر ولا يزداد على ما قدر له. وقيل لراهب: من أين تأكل؟ فأشار إلى فيه وقال: الذي خلق هذه الرحى يأتيها بالطحين. وقال سليم بن المهاجر الجيلي: كسوت جميل الصبر وجهي فصانه ... به الله عن غشيان كلّ بخيل فما عشت لم آت البخيل ولم أقم ... على بابه يوما مقام ذليل وإنّ قليلا يستر الوجه أن يرى ... إلى الناس مبذولا لغير قليل وصلّى معروف الكرخي خلف إمام، فلما فرغ من صلاته قال الإمام لمعروف: من أين تأكل؟ قال: أصبر حتى أعيد صلاتي التي صليتها خلفك. قال: ولم؟ قال: لأن من شك في رزقه شك في خالقه. وقال أبو حازم: ما لم يكتب لي لو ركبت الريح ما أدركته. وقال عمر بن أبي عمر اليوناني: غلا السعر في بغداد من بعد رخصة ... وإنّي في الحالين بالله واثق فلست أخاف الضيق والله واسع ... غناه ولا الحرمان، والله رازق وقال القهستاني: غنيّ بلا دنيا عن الخلق كلّهم ... وأنّ الغنى الأعلى عن الشيء لا به وقال منصور الفقيه: الموت أسهل عندي ... بين القنا والأسنّة والخيل تجري سراعا ... مقطّعات الأعنّة من أن يكون لنذل ... عليّ فضل ومنّة وأنشد أعرابي: أيا مالك لا تسأل الناس والتمس ... بكفّيك فضل الله فالله أوسع ولو تسأل الناس التراب لأوشكوا ... إذا قيل هاتوا أن يملّوا ويمنعوا وقال رجل لرسول الله ﷺ أوصني قال: عليك باليأس مما في أيدي الناس، وإياك والطمع فإنه فقر حاضر. وقيل: إذا وجدت الشيء في السوق، فلا تطلبه من صديقك. وقيل لأعرابية: من أين معاشكم؟ قالت: لو لم نعش إلا من حيث نعلم لم نعش. وقال أعرابي: أحسن الأحوال حال يغبطك بها من دونك ولا يحقرك معها من فوقك. وقال المعري: إذا كنت تبغي العيش فابغ توسّطا ... فعند التناهي يقصر المتطاول توقّى البدور النقص وهي أهلّة ... ويدركها النقصان وهي كوامل وقال آخر: اقنع بأيسر رزق أنت نائله ... واحذر ولا تتعرض للإرادات فما صفا البحر إلّا وهو منتقص ... ولا تعكّر إلا في الزيادات وقال أعرابي: استظهر على الدهر بخفة الظهر. قال هشام بن إبراهيم البصري: وكم ملك جانبته عن كراهة ... لإغلاق باب أو لتشديد حاجب

стр. 77

ولي في غنى نفسي مراد ومذهب ... إذا انصرفت عنّي وجوه المذاهب وقيل: ينبغي أن يكون المرء في دنياه كالمدعو إلى الوليمة أن أتته صحفة تناولها، وإن لم تأته لم يرصدها ولم يطلبها. وقال شقيق بن إبراهيم البلخي: قال لي إبراهيم بن أدهم رحمه الله تعالى: أخبرني عما أنت عليه. قلت: إن رزقت أكلت، وإن منعت صبرت. قال: هكذا تعمل كلاب بلخ؟ فقلت: كيف تعمل أنت؟ قال: إن رزقت آثرت، وإن منعت شكرت. وقال بعضهم: هي القناعة فالزمها تعش ملكا ... لو لم يكن منك إلا راحة البدن وانظر لمن ملك الدنيا بأجمعها ... هل راح منها بغير القطن والكفن (وقال آخر) : وإنّ القناعة كنز الغنى ... فصرت بأذيالها ممتسك فلا ذا يراني على بابه ... ولا ذا يراني له منهمك فصرت غنيّا بلا درهم ... أمرّ على الناس شبه الملك جاء فتح الموصلي إلى أهله بعد العتمة، فلم يجد عندهم شيئا للعشاء ووجدهم بغير سراج، فجلس ليلته يبكي من الفرح ويقول: بأي يد كانت مني تركت مثلي على هذه الحالة. والله تعالى أعلم. الفصل الثالث في ذم الحرص والطمع وطول الأمل قال الله تعالى: أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ ١ حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقابِرَ ٢ «١» . وروي أن النبي ﷺ قرأ: أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ ١ حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقابِرَ ٢ «٢» قال: يقول ابن آدم مالي، وهل لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، ولبست فأبليت، وتصدقت فأمضيت. وروى عروة بن الزبير عن عائشة ﵂، أن النبي ﷺ قال: «يا عائشة إن أردت اللحوق بي، فليكفك من الدنيا كزاد الراكب، وإياك ومجالسة الأغنياء، ولا تستخلقي ثوبا حتى ترقعيه» «٣» . وروي عن رسول الله ﷺ أنه قال: «صلاح أول هذه الأمة بالزهد واليقين، وهلاك آخره هذه الأمة بالبخل والأمل» . وقيل: الحرص ينقص من قدر الإنسان ولا يزيد في رزقه، وقيل لحكيم: ما بال الشيخ أحرص على الدنيا من الشاب؟ قال: لأنه ذاق من طعم الدنيا ما لم يذقه الشاب. وما أحسن ما قال بعضهم: إذا طاوعت حرصك كنت عبدا ... لكلّ دنيئة تدعى إليها وقال آخر وأجاد: قد شاب رأسي ورأس الدهر لم يشب ... إن الحريص على الدنيا لفي تعب وقيل للإسكندر: ما سرور الدنيا؟ قال: الرضا بما رزقت منها. قيل: فما غمها؟ قال: الحرص عليها. وقال الحسن: لو رأيت الأجل ومروره لنسيت الأمل وغروره. وقال أبو سعيد الخدري ﵁: إشترى أسامة بن زيد وليدة بمائة دينار إلى شهر، فسمعت رسول الله ﷺ يقول: ألا تعجبون من أسامة اشترى إلى شهر؟ إن أسامة لطويل الأمل. وقال ابن عباس ﵄: كان نبي الله ﷺ يخرج فيبول ثم يمسح بالتراب، فأقول: إن الماء منك قريب، فيقول: ما يدريني لعلي ما أبلغه. وعن أبي هريرة ﵁ يرفعه: لا يزال الكبير شابا في اثنين، حب المال وطول الأمل. وقيل لمحمد بن واسع: كيف تجدك؟ قال: قصير الأجل، طويل الأمل، مسيء العمل، وقيل: من جرى في عنان أمله كان عاثرا بأجله، لو ظهرت الآجال لافتضحت الآمال. ولقد أحسن أبو العباس أحمد بن مروان في قوله:

стр. 78

وذي حرص تراه يلمّ وفرا ... لوارثه ويدفع عن حماه ككلب الصيد يمسك وهو طاو ... فريسته ليأكلها سواه ولقد أحسن من قال في الجناس الحقيقي: إذا ما نازعتك النفس حرصا ... فأمسكها عن الشهوات أمسك ولا تحرص ليوم أنت فيه ... وعدّ فرزق يومك رزق أمسك ومن كلام الحكماء: إياكم وطول الأمل، فإن من ألهاه أمله أخزاه عمله. قال عبد الصمد بن المعدل: ولي أمل قد قطعت به الليالي ... أراني قد فنيت به وداما قال الحسن: إياكم وهذه الأماني، فإنه لم يعط أحد بالأمنية خيرا قط في الدنيا ولا في الآخرة. وقال قس بن ساعدة: وما قد تولى فهو لا شك فائت ... فهل ينفعنّي ليتني ولعلّني وقال آخر: ولا تتعلّل بالأماني فإنّها ... عطايا أحاديث النفوس الكواذب وقال آخر وأجاد: الله أصدق والآمال كاذبة ... وجلّ هذي المنى في الصّدر وسواس (وقال آخر) : شطّ المزار بسعدى «١» وانتهى الأمل ... فلا خيال ولا رسم ولا طلل «٢» إلّا رجاء فما ندري أندركه ... أم يستمرّ فيأتي دونه الأجل وقال أبو العتاهية: لقد لعبت وجدّ الموت في طلبي ... وأن في الموت لي شغلا عن اللعب ولو سمت فكرتي فيما خلقت له ... ما اشتدّ حرصي على الدنيا ولا طلبي وله أيضا: تعالى الله يا سلم بن عمرو ... أذلّ الحرص أعناق الرجال هب الدنيا تقاد إليك عفوا ... أليس مصير ذلك للزوال وقد ضمّنت البيت الأخير فقلت: أيا من عاش في الدنيا طويلا ... وأفنى العمر في قيل وقال وأتعب نفسه فيما سيفنى ... وجمّع من حرام أو حلال هب الدنيا تقاد إليك عفوا ... أليس مصير ذلك للزوال ومما جاء في الطمع وذمه: قال علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: أكثر مصارع العقول تحت بروق المطامع، وقال ﵁: ما الخمر صرفا بأذهب لعقول الرجال من الطمع. وفي الحديث: «إياك والطمع فإنه الفقر الحاضر» . وقال فيلسوف: العبيد ثلاثة: عبد رقّ، وعبد شهوة، وعبد طمع «٣» . وقال بعضهم: من أراد أن يعيش حرا أيام حياته فلا يسكن قلبه الطمع. وقيل: اجتمع كعب وعبد الله بن سلّام فقال له كعب: يا ابن سلّام من أرباب العلم؟ قال: الذين يعملون به، قال: فما أذهب العلم عن قلوب العلماء بعد أن علموه، قال: الطمع وشره النفس، وطلب الحوائج إلى الناس. واجتمع الفضل وسفيان وابن كريمة اليربوعي، فتواصوا ثم افترقوا وهم مجمعون على أن أفضل الأعمال الحلم عند الغضب، والصبر عند الطمع. وقيل: لما خلق الله آدم ﵇ عجن بطينته ثلاثة أشياء: الحرص، والطمع، والحسد فهي تجري في أولاده

стр. 79

إلى يوم القيامة، فالعاقل يخفيها، والجاهل يبديها، ومعناه أن الله تعالى خلق شهوتها فيه. قال إسماعيل بن قطري القراطيسي: حسبي بعلمي إن نفع ... ما الذلّ إلّا في الطمع من راقب الله نزع ... عن سوء ما كان صنع «١» ما طار طير وارتفع ... إلا كما طار وقع وقال سابق البربري: يخادع ريب الدهر عن نفسه الفتى ... سفاها وريب الدهر عنها يخادعه ويطمع في سوف ويهلك دونها ... وكم من حريص أهلكته مطامعه وقيل لأشعب: ما بلغ من طمعك؟ قال: أرى دخان جاري فأفت خبزي، وقال أيضا: ما رأيت رجلين يتسارّان في جنازة إلا قدرت أن الميت أوصى لي بشيء من ماله، وما زفت عروس إلا كنست بيتي رجاء أن يغلطوا فيدخلوا بها إليّ. قال بعضهم: لا تغضبنّ على امرىء ... لك مانع ما في يديه واغضب على الطّمع الذي است ... دعاك تطلب ما لديه والله أعلم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. الباب الحادي عشر في المشورة والنصيحة والتجارب والنظر في العواقب قال الله تعالى لنبيه ﷺ : وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ «٢» . واختلف أهل التأويل في أمره بالمشاورة مع ما أمده الله تعالى من التوفيق على ثلاثة أوجه: أحدها أنه أمره بها في الحرب ليستقر له الرأي الصحيح، فيعمل عليه، وهذا قول الحسن. ثانيها: أنه أمره بالمشاورة لما علم فيها من الفضل، وهذا قول الضحاك. ثالثها: أنه أمره بمشاورتهم ليستن به المسلمون وإن كان في غنية عن مشورتهم، وهذا قول سفيان. وقال ابن عيينة: كان رسول الله ﷺ إذا أراد أمرا شاور فيه الرجال، وكيف يحتاج إلى مشاورة المخلوقين من الخالق مدبر أمره، ولكنه تعليم منه ليشاور الرجل الناس، وإن كان عالما. وقال ﵊: «ما خاب من استخار، ولا ندم من استشار، ولا افتقر من اقتصد» . وقال ﵊: «من أعجب برأيه ضلّ، ومن استغنى بعقله زلّ» . وكان يقال: ما استنبط الصواب بمثل المشاورة. وقال حكيم: المشورة موكل بها التوفيق لصواب الرأي. وقال الحسن: الناس ثلاثة، فرجل رجل، ورجل نصف رجل، ورجل لا رجل. فأما الرجل الرجل فذو الرأي والمشورة، وأما الرجل الذي هو نصف رجل، فالذي له رأي ولا يشاور، وأما الرجل الذي ليس برجل، فالذي ليس له رأي ولا يشاور. وقال المنصور لولده: خذ عني اثنتين: لا تقل في غير تفكير، ولا تعمل بغير تدبير. وقال الفضل: المشورة فيها بركة وإني لأستشير حتى هذه الحبشية الأعجمية. وقال أعرابي: لا مال أوفر من العقل، ولا فقر أعظم من الجهل، ولا ظهر أقوى من المشورة. وقيل: من بدأ بالاستخارة، وثنّى بالاستشارة، فحقيق أن لا يخيب رأيه. وقيل: الرأي السديد أحمى من البطل الشديد. قال أبو القاسم النهروندي: وما ألف مطرور السّنان «٣» مسدّد ... يعارض يوم الروع رأيا مسددا وقال علي ﵁: خاطر من استغنى برأيه. وسمع محمد بن داود وزير المأمون قول القائل: إذا كنت ذا رأي فكن ذا عزيمة ... فإن فساد الرأي أن يتردّدا

стр. 80

فأضاف إليه قوله: وإن كنت ذا عزم فانفذه عاجلا ... فإن فساد العزم أن يتقيّدا ولمحمد بن إدريس الطائي: ذهب الصواب برأيه فكأنّما ... آراؤه اشتقت من التأييد فإذا دجا خطب تبلّج رأيه ... صبحا من التوفيق والتسديد «١» ولمحمد الوراق: إنّ البيب إذا تفرّق أمره ... فتق الأمور مناظرا ومشاورا وأخو الجهالة يستبدّ برأيه ... فتراه يعتسف الأمور مخاطرا وقال الرشيد حين بدا له تقديم الأمين على المأمون في العهد: لقد بان وجه الرأي لي غير أنّني ... عدلت عن الأمر الذي كان أحزما «٢» فكيف يردّ الدرّ في الضرع بعدما ... توزّع حتى صار نهبا مقسّما أخاف التواء الأمر بعد استوائه ... وأن ينقض الحبل الذي كان أبرما وقال آخر: خليليّ ليس الرأي في جنب واحد ... أشيرا عليّ اليوم ما تريان ووصف رجل عضد الدولة فقال له: وجه فيه ألف عين، وفم فيه ألف لسان، وصدر فيه ألف قلب. وقال أزدشير بن بابك: أربعة تحتاج إلى أربعة. الحسب إلى الأدب، والسرور إلى الأمن، والقرابة إلى المودة، والعقل إلى التجربة. وقال: لا تستحقر الرأي الجزيل من الرجل الحقير، فإن الدرّة لا يستهان بها لهوان غائصها. وقال جعفر بن محمد: لا تكونن أول مشير، وإياك والرأي الخطير، وتجنب ارتجال الكلام، ولا تشيرن على مستبد برأيه، ولا على متلون، ولا على لحوح. وقيل: ينبغي أن يكون المستشار صحيح العلم، مهذب الرأي، فليس كل عالم يعرف الرأي الصائب، وكم ناقد في شيء ضعيف في غيره. قال أبو الأسود الدؤلي: وما كلّ ذي نصح بمؤتيك نصحه ... وما كلّ مؤت نصحه بلبيب ولكن إذا ما استجمعا عند واحد ... فحقّ له من طاعة بنصيب وكان اليونان والفرس لا يجمعون وزراءهم على أمر يستشيرونهم فيه وإنما يستشيرون الواحد منهم من غير أن يعلم الآخر به لمعان شتى، منها: لئلا يقع بين المستشارين منافسة، فتذهب إصابة الرأي، لأن من طباع المشتركين في الأمر التنافس والطعن من بعضهم في بعض. وربما سبق أحدهم بالرأي الصواب فحسدوه وعارضوه. وفي اجتماعهم أيضا للمشورة تعريض السر للإذاعة، فإذا كان كذلك وأذيع السر لم يقدر الملك على مقابلة من أذاعه للإبهام «٣» . فإن عاقب الكل عاقبهم بذنب واحد، وإن عفا عنهم ألحق الجاني بمن لا ذنب له. وقيل: إذا أشار عليك صاحبك برأي ولم تحمد عاقبته فلا تجعلن ذلك عليه لوما وعتابا بأن تقول: أنت فعلت، وأنت أمرتني، ولولا أنت، فهذا كله ضجر ولوم وخفة «٤» . وقال أفلاطون: إذا استشارك عدوك، فجرّد له النصيحة «٥» لأنه بالاستشارة قد خرج عن عداوتك إلى موالاتك. وقيل: من بذل نصحه واجتهاده لمن لا يشكره فهو كمن بذر في السباخ «٦» . قال الشاعر يمدح من له رأي وبصيرة: بصير بأعقاب الأمور كأنّما ... يخاطبه من كل أمر عواقبه «٧»

стр. 81

وقال ابن المعتز: المشورة راحة لك، وتعب على غيرك. وقال الأحنف: لا تشاور الجائع حتى يشبع، ولا العطشان حتى يروى، ولا الأسير حتى يطلق، ولا المقل حتى يجد «١» . ولما أراد نوح بن مريم قاضي مروان أن يزوج ابنته استشار جارا له مجوسيا، فقال: سبحان الله! الناس يستفتونك وأنك تستفتيني. قال: لا بد أن تشير عليّ. قال: إن رئيس الفرس كسرى كان يختار المال، ورئيس الروم قيصر كان يختار الجمال، ورئيس العرب كان يختار الحسب، ورئيسكم محمد كان يختار الدين، فانظر لنفسك بمن تقتدي. وكان يقال: من أعطى أربعا لم يمنع أربعا، من أعطى الشكر لم يمنع المزيد، ومن أعطى التوبة لم يمنع القبول، ومن أعطى الاستخارة لم يمنع الخيرة، ومن أعطى المشورة لم يمنع الصواب. وقيل: إذا استخار الرجل ربه واستشار صحبه وأجهد رأيه فقد قضى ما عليه، ويقضي الله تعالى في أمره ما يحب. وقال بعضهم: خمير الرأي خير من فطيره «٢» ، وتقديمه خير من تأخيره. وقالت الحكماء: لا تشاور معلما، ولا راعي غنم، ولا كثير القعود مع النساء، ولا صاحب حاجة يريد قضاءها، ولا خائفا، ولا حاقنا «٣» . وقيل: سبعة لا ينبغي لصاحب أن يشاورهم. جاهل، وعدو وحسود، ومراء، وجبان، وبخيل، وذو هوى، فإن الجاهل يضل، والعدو يريد الهلاك، والحسود يتمنّى زوال النعمة، والمرائي واقف مع رضا الناس، والجبان من رأيه الهرب، والبخيل حريص على جمع المال فلا رأي له في غيره، وذو الهوى أسير هواه فلا يقدر على مخالفته. وحكي أن رجلا من أهل يثرب يعرف بالأسلمي قال: ركبني دين أثقل كاهلي، وطالبني به مستحقوه، واشتدت حاجتي إلى ما لا بد منه، وضاقت عليّ الأرض، ولم أهتد إلى ما أصنع، فشاورت من أثق به من ذوي المودة والرأي، فأشار عليّ بقصد المهلب بن أبي صفرة بالعراق، فقلت له: تمنعني المشقة وبعد الشقة وتيه المهلب، ثم إني عدلت عن ذلك المشير إلى استشارة غيره، فلا والله ما زادني على ما ذكره الصديق الأول، فرأيت أن قبول المشورة خير من مخالفتها، فركبت ناقتي وصحبت رفقة في الطريق، وقصدت العراق، فلما وصلت دخلت على المهلب، فسلمت عليه وقلت له: أصلح الله الأمير إني قطعت إليك الدهناء «٤» ، وضربت أكباد الإبل من يثرب، فإنه أشار عليّ بعض ذوي الحجى والرأي بقصدك لقضاء حاجتي، فقال: هل أتيتنا بوسيلة أو بقرابة وعشيرة، فقلت: لا. ولكني رأيتك أهلا لقضاء حاجتي، فإن قمت بها فأهل لذلك أنت، وأن يحل دونها حائل لم أذم يومك، ولم أيأس من غدك، فقال المهلب لحاجبه: اذهب به وادفع إليه ما في خزانة مالنا الساعة، فأخذني معه، فوجدت في خزانته ثمانين ألف درهم، فدفعها إليّ، فلما رأيت ذلك لم أملك نفسي فرحا وسرورا، ثم عاد الحاجب بي إليه مسرعا، فقال: هل ما وصلك يقوم بقضاء حاجتك؟ فقلت: نعم أيها الأمير وزيادة، فقال: الحمد لله على نجح سعيك، واجتنائك جني مشورتك، وتحقق ظن من أشار عليك بقصدنا، قال الأسلمي: فلما سمعت كلامه وقد أحرزت صلته أنشدته وأنا واقف بين يديه: يا من على الجود صاغ الله راحته ... فليس يحسن غير البذل والجود عمّت عطاياك أهل الأرض قاطبة ... فأنت والجود منحوتان من عود من استشار فباب النجح منفتح ... لديه فيما ابتغاه غير مردود ثم عدت إلى المدينة فقضيت ديني، ووسعت على أهلي، وجازيت المشير عليّ، وعاهدت الله تعالى أن لا أترك الاستشارة في جميع أموري ما عشت. وحكي عن الخليفة المنصور أنه كان صدر من عمه عبد الله بن علي بن عبد الله بن العباس أمور مؤلمة لا تحتملها حراسة الخلافة ولا تتجاوز عنها سياسة الملك، فحبسه عنده، ثم بلغه عن ابن عمه عيسى بن موسى بن علي، وكان واليا على الكوفة ما أفسد عقيدته

стр. 82

فيه، وأوحشه منه، وصرف وجه ميله إليه عنه، فتألم المنصور من ذلك وساء ظنه، وتأرق جفنه، وقلّ أمنه، وتزايد خوفه، وحزنه، فأدته فكرته إلى أمر دبره وكتمه عن جميع حاشيته وستره، واستحضر ابن عمه عيسى بن موسى وأجراه على عادة إكرامه، ثم أخرج من كان بحضرته وأقبل على عيسى وقال له: يا ابن العم إني مطلعك على أمر لا أجد غيرك من أهله، ولا أرى سواك مساعدا لي على حمل ثقله، فهل أنت في موضع ظني بك، وعامل ما فيه بقاء نعمتك التي هي منوطة ببقاء ملكي، فقال له عيسى بن موسى: أنا عبد أمير المؤمنين ونفسي طوع أمره ونهيه، فقال: إن عمي وعمك عبد الله قد فسدت بطانته، واعتمد على ما بعضه يبيح دمه، وفي قتله صلاح ملكنا، فخذه إليك واقتله سرا، ثم سلمه إليه، وعزم المنصور على الحج مضمرا أن ابن عمه عيسى إذا قتل عمه عبد الله ألزمه القصاص، وسلمه إلى أعمامه أخوة عبد الله ليقتلوه به قصاصا، فيكون قد استراح من الاثنين عبد الله وعيسى. قال عيسى: فلما أخذت عمي وفكرت في قتله رأيت من الرأي أن أشاور في قضيته من له رأي عسى أن أصيب الصواب في ذلك، فأحضرت يونس ابن قرة الكاتب، وكان لي حسن ظن في رأيه، وعقيدة صالحة في معروفه، فقلت له: إن أمير المؤمنين دفع إليّ عمه عبد الله وأمرني بقتله وإخفاء أمره، فما رأيك في ذلك وما تشير به؟ فقال لي يونس: أيها الأمير احفظ نفسك يحفظ عمك وعم أمير المؤمنين، فإني أرى لك أن تدخله في مكان داخل دارك وتكتم أمره عن كل أحد ممن عندك، وتتولى بنفسك حمل طعامه وشرابه إليه، وتجعل دونه مغالق وأبوابا، وأظهر لأمير المؤمنين أنك قتلته وأنفذت أمره فيه، وانتهيت إلى العمل بطاعته، فكأني به إذا تحقق منك أنك فعلت ما أمرك به، وقتلت عمه أمرك بإحضاره على رؤوس الأشهاد، فإن اعترفت أنك قتلته بأمره أنكر أمره لك وآخذك بقتله وقتلك. قال عيسى بن موسى: فقبلت مشورة يونس وعملت بها، وأظهرت لأمير المؤمنين أني أنفذت أمره، ثم حج المنصور، فلما قدم من حجه وقد استقر في نفسه أنني قد قتلت عمه عبد الله دسّ إليّ عمومته أخوة عبد الله، وحثهم على أن يسألوه في أخيهم، ويستوهبوه منه، فجاءوا إليه وقد جلس والناس بين يديه على مراتبهم، فسألوه في عبد الله فقال: نعم إن حقوقكم تقتضي إسعافكم بحاجتكم كيف وفيها صلة رحم وإحسان إلى من هو في مقام الوالد، ثم أمر بإحضار عيسى بن موسى، فأحضر لوقته فقال: يا عيسى كنت دفعت إليك قبل خروجي إلى الحج عمي عبد الله ليكون عندك في منزلك إلى حين رجوعي، فقال عيسى: قد فعلت يا أمير المؤمنين. فقال المنصور: وقد سألني فيه عمومتك وقد رأيت الصفح عنه وقضاء حاجتهم وصلة الرحم بإجابة سؤالهم فيه، فائتنا به الساعة. قال عيسى: فقلت يا أمير المؤمنين ألم تأمرني بقتله والمبادرة إلى ذلك؟ قال: كذبت لم آمرك بذلك ولو أردت قتله لأسلمته إلى من هو بصدد ذلك، ثم أظهر الغيظ، وقال لعمومته: قد أقر بقتل أخيكم مدعيا أنني أمرته بقتله، وقد كذب عليّ. قالوا: يا أمير المؤمنين فادفعه إلينا لنقتله به ونقتص منه، فقال: شأنكم به. قال عيسى: فأخذوني إلى الرحبة واجتمع الناس عليّ، فقام واحد من عمومتي إلي وسل سيفه ليضربني به، فقلت له: يا عم أفاعل أنت؟ قال: أي والله كيف لا أقتلك وقد قتلت أخي فقال لهم: لا تعجلوا وردوني إلى أمير المؤمنين فردوني إليه فقلت: يا أمير المؤمنين إنما أردت قتلي بقتله، والذي دبرته علي عصمني الله تعالى من فعله، وهذا عمك باق حي سوي، فإن أمرتني بدفعه إليهم دفعته الساعة. فأطرق المنصور، وعلم أن ريح فكره صادفت إعصارا وأن انفراده بتدبيره قارف خسارا، ثم رفع رأسه وقال: ائتنا به، فمضى عيسى وأحضر عبد الله، فلما رآه المنصور قال لعمومته: اتركوه عندي وانصرفوا حتى أرى فيه رأيا. قال عيسى: فتركته وانصرفت وانصرف إخوته، فسلمت روحي، وزالت كربتي، وكان ذلك ببركة الاستشارة بيونس وقبول مشورته والعمل بها، ثم إن المنصور أسكن عبد الله في بيت أساسه قد بني على الملح ثم أرسل الماء حوله ليلا فذاب الملح وسقط البيت، فمات عبد الله، ودفن بمقابر باب الشام، وسلم عيسى من هذه المكيدة ومن سهام مراميها البعيدة. ومما جاء في النصيحة: إعلموا أن النصيحة للمسلمين وللخلائق أجمعين من سنن المرسلين، قال الله تعالى إخبارا عن نوح ﵊: وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ٣٤ «١» . وقال شعيب ﵇:

стр. 83

وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسى عَلى قَوْمٍ كافِرِينَ «١» . وقال صالح ﵇: وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلكِنْ لا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ «٢» . وروي عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «إن الدين النصيحة إن الدين النصيحة إن الدين النصيحة» . قالوا: لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين ولعامتهم. فالنصح لله هو وصفه بما هو أهله وتنزيهه عما ليس له بأهل، والقيام بتعظيمه، والخضوع له ظاهرا وباطنا، والرغبة في محابه والبعد عن مساخطه، وموالاة من أطاعه، ومعاداة من عصاه، والجهاد في رد العصاة إلى طاعته قولا وفعلا. والنصيحة لكتابه إقامته في التلاوة، وتحسينه عند القراءة. وتفهم ما فيه، والذب عنه من تأويل المحدثين وطعن الطاعنين، وتعليم ما فيه للخلائق أجمعين. قال الله تعالى: كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ «٣» . والنصيحة للرسول ﵇ إحياء سنته بالطلب لها وإحياء طريقته في بث الدعوى، وتأليف الكلمة، والتخلق بالأخلاق الطاهرة، والنصيحة للأئمة معاونتهم على ما كلفوا القيام به بتنبيههم عند الغفلة، وإرشادهم عند الهفوة، وتعليمهم ما جهلوا، وتحذيرهم ممن يريد بهم السوء، وإعلامهم بأخلاق عمالهم وسيرتهم في الرعية، وسد خلتهم عند الحاجة، ورد القلوب النافرة إليهم. والنصيحة العامة للمسلمين الشفقة عليهم، وتوقير كبيرهم والرحمة لصغيرهم وتفريج كربهم وتوقي ما يشغل خواطرهم، ويفتح باب الوسواس عليهم. واعلم أن جرعة النصيحة مرّة لا يقبلها إلا أولو العزم. وقال ميمون بن مهران: قال لي عمر بن عبد العزيز ﵁: قل لي في وجهي ما أكره، فإن الرجل لا ينصح أخاه حتى يقول له في وجهه ما يكره. وفي منثور الحكم: ودّك من نصحك وقلاك من مشى في هواك «٤» . وقال أبو الدرداء ﵁: إن شئتم لأنصحن لكم إن أحب عباد الله إلى الله الذين يحببون الله تعالى إلى عباده ويعملون في الأرض نصحا. ولورقة بن نوفل: لقد نصحت لأقوام وقلت لهم ... إنّي النذير فلا يغرركم أحد لا شيء مما ترى تبقى بشاشته ... إلا الإله ويردى «٥» المال والولد لم تغن عن هرمز يوما ذخائره ... والخلد قد حاولت عاد فما خلدوا وقال بعض الخلفاء لجرير بن يزيد: إني قد أعددتك لأمر. قال: يا أمير المؤمنين. إن الله تعالى قد أعد لك مني قلبا معقودا بنصحيتك، ويدا مبسوطة لطاعتك، وسيفا مجردا على عدوك. وأنشد الأصمعي: النصح أرخص ما باع الرجال فلا ... تردد على ناصح نصحا ولا تلم إنّ النصائح لا تخفى مناهلها ... على الرجال ذوي الألباب والفهم «٦» ولمعاذ بن مسلم: نصحتك والنصيحة إن تعدّت ... هوى المنصوح عزّ لها القبول «٧» فخالفت الذي لك فيه حظ ... فنالك دون ما أمّلت غول وقيل: أشار فيروز بن حصين على يزيد بن المهلب أن لا يضع يده في يد الحجاج فلم يقبل منه، وسار إليه، فحبسه وحبس أهله فقال فيروز: أمرتك أمرا حازما فعصيتني ... فأصبحت مسلوب الإمارة نادما أمرتك بالحجاج إذ أنت قادر ... فنفسك أولي اللوم إن كنت لائما فما أنا الباكي عليك صبابة ... وما أنا بالدّاعي لترجع سالما ويقال: من اصفرّ وجهه من النصيحة، اسودّ لونه من الفضيحة.

стр. 84

وقال طرفة: ولا ترفدنّ النصح «١» من ليس أهله «٢» وكن حين تستغني برأيك غانيا وإنّ امرأ يوما تولّى برأيه ... فدعه يصيب الرشد أو يك غاويا وفي مثله قال بعضهم: من الناس من أن يستشرك فتجتهد ... له الرأي يستغششك ما لم تتابعه فلا تمنحن الرأي من ليس أهله ... فلا أنت محمود ولا الرأي نافعه والله أعلم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. الباب الثاني عشر في الوصايا الحسنة والمواعظ المستحسنة وما أشبه ذلك قال الله تعالى: ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ «٣» وقال الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ٩٠ «٤» . وقال تعالى: وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ «٥» . وقال تعالى: وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ «٦» . وقال تعالى: يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ «٧» . والآيات في ذلك كثيرة مشهورة وفوائدها جمة منشورة. وروينا في صحيح مسلم عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان» . وقال شيخنا محيى الدين النووي رحمة الله تعالى عليه في قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ «٨» . إن هذه الآية الكريمة مما يغتر بها أكثر الجاهلين ويحملونها على غير وجهها بل الصواب في معناها أنكم إذا فعلتم ما أمرتم به لا يضركم ضلالة من ضل. ومن جملة ما أمروا به الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والآية مرتبة في المعنى على قوله تعالى: ما عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ «٩» . وقال محمد بن تمام: الموعظة جند من جنود الله تعالى، ومثلها مثل الطين يضرب به على الحائط إن استمسك نفع وإن وقع أثر. ومن كلام عليّ رضي الله تعالى عنه: لا تكونن ممن لا تنفعه الموعظة إلا إذا بالغت في إيلامه، فإن العاقل يتعظ بالأدب، والبهائم لا تتعظ إلا بالضرب. وأنشد الجاحظ: وليس يزجركم ما توعظون به ... والبهم يزجرها الراعي فتنزجر وكتب رجل إلى صديق له: أما بعد، فعظ الناس بفعلك ولا تعظهم بقولك «١٠» ، واستح من الله بقدر قربه منك، وخفه بقدر قدرته عليك والسلام. وقيل: من كان له من نفسه واعظ كان له من الله حافظ، وقال لقمان: الموعظة تشق على السفيه كما يشق صعود الوعر على الشيخ الكبير. قيل: أوحى الله تعالى إلى داود ﵇: إنك إن أتيتني بعبد آبق «١١» كتبتك عندي حميدا، ومن كتبته عندي حميدا لم أعذبه بعدها أبدا. وقال الرشيد لمنصور بن عمار: عظني وأوجز، فقال: يا أمير المؤمنين: هل أحد أحب إليك من نفسك، قال:

стр. 85

لا. قال: إن أردت أن لا تسيء إلى من تحب فافعل. وقال النبي ﷺ في بعض خطبه: أيها الناس الأيام تطوى، والأعمار تفنى، والأبدان في الثرى تبلى، وأن الليل والنهار يتراكضان تراكض البريد «١» ، ويقربان كل بعيد، ويخلقان كل جديد، وفي ذلك عباد الله ما ألهى عن الشهوات ورغب في الباقيات الصالحات. ولما لقي ميمون بن مهران الحسن البصري قال له: لقد كنت أحب أن ألقاك فعظني، فقرأ الحسن البصري: أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ «٢» . أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْناهُمْ سِنِينَ ٢٠٥ ثُمَّ جاءَهُمْ ما كانُوا يُوعَدُونَ ٢٠٦ ما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يُمَتَّعُونَ ٢٠٧ «٣» . فقال: عليك السلام أبا سعيد لقد وعظتني أحسن موعظة. ولما ضرب ابن ملجم لعنه الله عليا ﵁، دخل منزله فاعترته غشية ثم أفاق، فدعا الحسن والحسين رضي الله تعالى عنهما وقال: أوصيكما بتقوى الله تعالى، والرغبة في الآخرة، والزهد في الدنيا، ولا تأسفا على شيء فاتكما منها، فإنكما عنها راحلان. افعلا الخير وكونا للظالم خصما، وللمظلوم عونا، ثم دعا محمدا ولده «٤» وقال له: أما سمعت ما أوصيت به أخويك، قال: بلى. قال: فإني أوصيك به، وعليك ببر أخويك وتوقيرهما، ومعرفة فضلهما، ولا تقطع أمرا دونهما، ثم أقبل عليهما وقال: أوصيكما به خيرا، فإنه أخوكما وابن أبيكما وأنتما تعلمان أن أباه كان يحبه، فأحباه، ثم قال: يا بني أوصيكم بتقوى الله في الغيب والشهادة، وكلمة الحق في الرضا والغضب، والقصد في الغنى والفقر، والعدل في الصديق والعدو، والعمل في النشاط والكسل، والرضا عن الله في الشدة والرخاء، يا بني ما شرّ بعده الجنة بشر، ولا خير بعده النار بخير، وكل نعيم دون الجنة حقير، وكل بلاء دون النار عافية، يا بني من أبصر عيب نفسه اشتغل عن عيب غيره، ومن رضي بما قسم الله له لم يحزن على ما فاته، ومن سل سيف البغي قتل به، ومن حفر لأخيه بئرا وقع فيها، ومن هتك حجاب أخيه هتكت عورات بنيه، ومن نسي خطيئته استعظم خطيئة غيره، ومن أعجب برأيه ضل، ومن استغنى بعقله زل، ومن تكبر على الناس ذل، ومن خالط الأنذال احتقر، ومن دخل مداخل السوءاتهم، ومن جالس العلماء وقر، ومن مزح استخف به، ومن أكثر من شيء عرف به، ومن كثر كلامه كثر خطؤه وقل حياؤه، ومن قل حياؤه قل ورعه، ومن قل ورعه مات قلبه، ومن مات قلبه دخل النار، يا بني الأدب ميزان الرجل، وحسن الخلق خير قرين «٥» ، يا بني العافية عشرة أجزاء: تسعة منها في الصمت إلا عن ذكر الله تعالى، وواحدة في ترك مجالسة السفهاء، يا بني زينة الفقر الصبر، وزينة الغنى الشكر. يا بني لا شرف أعلى من الإسلام ولا كرم أعز من التقوى ولا شفيع أنجح من التوبة، ولا لباس أجمل من العافية. يا بني الحرص مفتاح التعب ومطية النّصب. ولما حضرت هشام بن عبد الملك الوفاة، نظر إلى أهله يبكون حوله فقال: جاد لكم هشام بالدنيا، وجدتم له بالبكاء، وترك لكم جميع ما جمع، وتركتم عليه ما حمل، ما أعظم منقلب هشام إن لم يغفر الله له. وقال الأوزاعي للمنصور في بعض كلامه: يا أمير المؤمنين أما علمت أنه كان بيد رسول الله ﷺ جريدة يابسة يستاك بها «٦» ويردع بها المنافقين، فأتاه جبريل ﵇. فقال: يا محمد ما هذه الجريدة التي بيدك؟ اقذفها لا تمتلأ قلوبهم رعبا، فكيف بمن سفك دماء المسلمين، وانتهب أموالهم، يا أمير المؤمنين: إن المغفور له ما تقدم من ذنبه، وما تأخر دعا إلى القصاص من نفسه بخدشة خدشها أعرابيا من غير تعمد. يا أمير المؤمنين: لو أن ذنوبا «٧» من النار صبّ، ووضع على الأرض لأحرقها، فكيف بمن يتجرعه، ولو أن ثوبا من النار وضع على الأرض لأحرقها، فكيف بمن يتقمصه «٨» ، ولو أن حلقة من سلاسل جهنم وضعت على جبل لذاب، فكيف بمن يتسلسل بها، ويرد فضلها على عاتقه. وروى زياد عن مالك بن أنس رضي الله تعالى عنه قال: لما بعث أبو جعفر إلى مالك بن أنس وابن طاوس قال: دخلنا عليه وهو جالس على فرش، وبين يديه أنطاع قد

стр. 86

بسطت، وجلادون بأيديهم السيوف يضربون الأعناق، فأومأ إلينا أن اجلسا فجلسنا، فأطرق زمانا طويلا ثم رفع رأسه والتفت إلى ابن طاوس وقال: حدثني عن أبيك. قال: سمعت أبي يقول: قال رسول الله ﷺ : «إن أشد الناس عذابا يوم القيامة رجل أشركه الله تعالى في ملكه، فأدخل عليه الجور في حكمه» . فأمسك أبو جعفر ساعة حتى اسود ما بيننا وبينه قال مالك: فضممت ثيابي مخافة أن ينالها شيء من دم ابن طاوس، ثم قال: يا ابن طاوس ناولني هذه الدواة. فأمسك عنه، فقال: ما يمنعك أن تناولنيها، قال: أخاف أن تكتب بها معصية، فأكون شريكك فيها. فلما سمع ذلك قال: قوما عني. فقال ابن طاوس: ذلك ما كنا نبغي. قال مالك: فما زلت أعرف لابن طاوس فضله من ذلك اليوم. وروي أن عمر بن الخطاب ﵁، قال لكعب الأحبار: يا كعب خوّفنا. قال: أو ليس فيكم كتاب الله وسنة نبيه ﷺ ؟ قال: بلى يا كعب، ولكن خوفنا. فقال: يا أمير المؤمنين اعمل، فإنك لو وافيت يوم القيامة بعمل سبعين نبيا، لازدريت عملهم مما ترى، فنكس عمر ﵁ رأسه، وأطرق مليا، ثم رفع رأسه، وقال: يا كعب خوّفنا. فقال: يا أمير المؤمنين: لو فتح من جهنم قدر منخر ثور بالمشرق ورجل بالمغرب لغلى دماغه، حتى يسيل من حرها، فنكس عمر رأسه ثم أفاق، فقال: يا كعب زدنا، فقال: يا أمير المؤمنين إن جهنم لتزفر زفرة يوم القيامة، فلا يبقى ملك مقرب ولا نبي مرسل إلا جثا على ركبتيه يقول: يا رب لا أسألك اليوم إلا نفسي. وقال سيدي الشيخ أبو بكر الطرطوشي رحمه الله تعالى عليه: دخلت على الأفضل بن أمير الجيوش، وهو أمير على مصر، فقلت: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فرد السلام على نحو ما سلمت ردا جميلا، وأكرمني إكراما جزيلا، وأمرني بدخول مجلسه، وأمرني بالجلوس فيه. فقلت: أيها الملك إن الله تعالى قد أحلك محلا عليا شامخا، وأنزلك منزلا شريفا باذخا، وملكك طائفة من ملكه، وأشركك في حكمه، ولم يرض أن يكون أمر أحد فوق أمرك، فلا ترض أن يكون أحد أولى بالشكر منك، وليس الشكر باللسان، وإنما هو بالفعال والإحسان. قال الله تعالى: اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْراً «١» ، واعلم أن هذا الذي أصبحت فيه من الملك إنما صار إليك بموت من كان قبلك، وهو خارج عنك بمثل ما صار إليك، فاتق الله فيما خولك من هذه الأمة، فإن الله تعالى سائلك عن الفتيل والنقير والقطمير. قال الله تعالى: فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ٩٢ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ ٩٣ «٢» ، وقال تعالى: وَإِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنا بِها وَكَفى بِنا حاسِبِينَ «٣» ، واعلم أيها الملك أن الله تعالى قد آتى ملك الدنيا بحذافيرها سليمان بن داود ﵇، فسخر له الإنس والجن والشياطين والطير والوحش والبهائم، وسخر له الريح تجري بأمره رخاء حيث أصاب، ثم رفع عنه حساب ذلك أجمع فقال له: هذا عَطاؤُنا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسابٍ «٤» ، فو الله ما عدها نعمة كما عددتموها، ولا حسبها كرامة كما حسبتموها، بل خاف أن تكون استدراجا من الله تعالى، ومكرا به. فقال: هذا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ «٥» . فافتح الباب، وسهل الحجاب، وانصر المظلوم، وأغث الملهوف، أعانك الله على نصر المظلوم، وجعلك كهفا للملهوف وأمانا للخائف. ثم أتممت المجلس بأن قلت قد جبت البلاد شرقا وغربا، فما اخترت مملكة وارتحت إليها، ولذّت لي الإقامة فيها غير هذه المملكة، ثم أنشدته: والناس أكيس من أن يحمدوا رجلا ... حتى يروا عنده آثار إحسان «٦» وقال الفضل بن الربيع: حج هارون الرشيد سنة من السنين، فبينما أنا نائم ذات ليلة إذ سمعت قرع الباب، فقلت: من هذا؟ فقال: أجب أمير المؤمنين، فخرجت مسرعا، فقلت، يا أمير المؤمنين لو أرسلت إلي أتيتك، فقال: ويحك قد حاك في نفسي شيء لا يخرجه إلا عالم، فانظر لي رجلا أسأله عنه، فقلت ههنا سفيان بن عيينة، فقال امض بنا إليه، فأتيناه، فقرعت عليه الباب، فقال: من هذا؟ فقلت: أجب أمير المؤمنين، فخرج مسرعا، فقال: يا أمير المؤمنين لو أرسلت إليّ أتيتك، فقال: جد لما جئنا له، فحادثه ساعة، ثم قال له: أعليك دين؟ قال: نعم. فقال: يا أبا العباس اقض دينه ثم انصرفنا. فقال: ما أغنى عني صاحبك شيئا، فانظر لي رجلا

стр. 87

أسأله، فقلت: ههنا عبد الرزاق بن همام، فقال: امض بنا إليه، فأتيناه، فقرعت عليه الباب فقال: من هذا؟ قلت: أجب أمير المؤمنين، فخرج مسرعا، فقال: يا أمير المؤمنين لو أرسلت إلي أتيتك، فقال جد لما جئنا به، فحادثه ساعة، ثم قال له: أعليك دين؟ قال: نعم. فقال: يا أبا العباس اقض دينه، ثم انصرفنا. فقال ما أغنى عني صاحبك شيئا، فانظر لي رجلا أسأله. فقلت: ههنا الفضيل بن عياض، فقال، امض بنا إليه، فأتيناه، فإذا هو قائم يصلي في غرفته يتلو آية من كتاب الله تعالى وهو يرددها، فقرعت عليه الباب، فقال: من هذا؟ فقلت: أجب أمير المؤمنين، فقال: ما لي ولأمير المؤمنين، فقلت: سبحان الله! أما تجب عليك طاعته؟ ففتح الباب ثم ارتقى إلى أعلى الغرفة، فأطفأ السراج ثم التجأ إلى زاوية من زوايا الغرفة، فجعلنا نجول عليه بأيدينا، فسبقت كف الرشيد كفي إليه، فقال: أواه من كف ما ألينها إن نجت غدا من عذاب الله تعالى؟ فقلت في نفسي: ليكلمنه الليلة بكلام نقي من قلب نقي، فقال: جد لما جئنا له رحمك الله تعالى، فقال: وفيم جئت حملت على نفسك، وجميع من معك حملوا عليك، حتى لو سألتهم أن يتحملوا عنك شقصا «١» من ذنب ما فعلوا ولكان أشدهم حبا لك أشدهم هربا منك. ثم قال: إن عمر بن عبد العزيز ﵁ لما ولي الخلافة دعا سالم بن عبد الله ومحمد بن كعب القرظي، ورجاء بن حيوة، فقال لهم: إني قد ابتليت بهذا البلاء، فأشيروا عليّ. فعدّ الخلافة بلاء، وعددتها أنت وأصحابك نعمة. فقال سالم بن عبد الله: إن أردت النجاة غدا من عذاب الله، فصم عن الدنيا، وليكن إفطارك فيها على الموت. وقال محمد بن كعب: إن أردت النجاة غدا من عذاب الله تعالى، فليكن كبير المسلمين عندك أبا، وأوسطهم عندك أخا، وأصغرهم عندك ولدا، فبر أباك، وارحم أخاك، وتحنن على ولدك. وقال رجاء بن حيوة: إن أردت النجاة غدا من عذاب الله تعالى، فأحب للمسلمين ما تحب لنفسك، واكره لهم ما تكره لنفسك، ثم متى شئت مت. وإني لأقول هذا، وإني لأخاف عليك أشد الخوف يوم تزل الأقدام، فهل معك رحمك الله مثل هؤلاء القوم من يأمرك بمثل هذا. فبكى هارون الرشيد بكاء شديدا حتى غشي عليه، فقلت له: ارفق يا أمير المؤمنين، فقال: يا ابن الربيع قتلته أنت وأصحابك، وأرفق به أنا، ثم أفاق هارون الرشيد، فقال: زدني. فقال: يا أمير المؤمنين بلغني أن عاملا لعمر بن عبد العزيز ﵁ شكا إليه سهرا، فكتب له عمر يقول: يا أخي اذكر سهر أهل النار في النار وخلود الأبدان، فإن ذلك يطرد بك إلى ربك نائما ويقظان، وإياك أن تزل قدمك عن هذا السبيل، فيكون آخر العهد بك ومنقطع الرجاء منك، فلما قرأ كتابه طوى البلاد حتى قدم عليه، فقال له عمر: ما أقدمك؟ فقال له: لقد خلعت قلبي بكتابك لا وليت ولاية أبدا حتى ألقى الله . فبكي هارون بكاء شديدا، ثم قال: زدني. قال يا أمير المؤمنين: إن العباس عم النبي ﷺ جاء إليه، فقال يا رسول الله أمّرني إمارة، فقال له النبي ﷺ يا عباس: نفس تحييها خير من إمارة لا تحصيها. إن الإمارة حسرة وندامة يوم القيامة، فإن استطعت أن لا تكون أميرا فافعل. فبكى هارون الرشيد بكاء شديدا، ثم قال: زدني يرحمك الله. فقال: يا حسن الوجه أنت الذي يسألك الله عن هذا الخلق يوم القيامة، فإن استطعت أن تقي هذا الوجه من النار فافعل، وإياك أن تصبح وتمسي وفي قلبك غش لرعيتك، فإن النبي ﷺ قال: من أصبح لهم غاشا لم يرح رائحة الجنة، فبكى هارون الرشيد بكاء شديدا، ثم قال له: أعليك دين؟ قال: نعم دين لربي يحاسبني عليه، فالويل لي إن ناقشني. والويل إن سألني، والويل لي إن لم يلهمني حجتي، قال هارون: إنما أعني دين العباد. قال: إن ربي لم يأمرني بهذا، أو إنما أمرني أن أصدق وعده وأطيع أمره. قال تعالى: وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ٥٦ ما أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ ٥٧ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ ٥٨ «٢» . فقال له هارون: هذه ألف دينار، فخذها وأنفقها على عيالك وتقوّ بها على عبادة ربك، فقال: سبحان الله أنا دللتك على سبيل الرشاد تكافئني أنت بمثل هذا سلمك الله ووفقك، ثم صمت، فلم يكلمنا، فخرجنا

стр. 88

من عنده، فقال لي هارون إذا دللتني على رجل فدلني على مثل هذا، فإن هذا سيد المسلمين اليوم. واعلم أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر له شروط وصفات، قال سليمان الخواص: من وعظ أخاه فيما بينه وبينه، فهي نصيحة، ومن وعظه على رؤوس الأشهاد فإنما بكّته. وقالت أم الدرداء رضي الله تعالى عنها: من وعظ أخاه سرا فقد سره وزانه، ومن وعظه علانية فقد ساءه وشانه، ويقال: من وعظ أخاه سرا فقد نصحه وسره، ومن وعظه جهرا فضحه وضرّه. وعن عبد العزيز بن أبي داود قال: كان الرجل إذا رأى من أخيه شيئا أمره في ستر، ونهاه في ستر، فيؤجر في ستره ويؤجر في أمره، ويؤجر في نهيه. وعن عمر رضي الله تعالى عنه: إذا رأيتم أخاكم ذا زلة فقوموه وسددوه، وادعوا الله أن يرجع به إلى التوبة، فيتوب عليه، ولا تكونوا أعوانا للشيطان على أخيكم. وبالله التوفيق إلى أقوم طريق، وحسبنا الله ونعم الوكيل، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. الباب الثالث عشر في الصمت وصون اللسان والنهي عن الغيبة والسعي بالنميمة ومدح العزلة وذم الشهرة وفيه فصول الفصل الأول في الصمت وصون اللسان قال الله تعالى: ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ١٨ «١» ، وقال تعالى: إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ ١٤ «٢» . واعلم أنه ينبغي للعاقل المكلف أن يحفظ لسانه عن جميع الكلام إلا كلاما تظهر المصلحة فيه، ومتى استوى الكلام وتركه في المصلحة فالسنة الإمساك عنه، لأنه قد يجر الكلام والمباح إلى حرام أو مكروه بل هذا كثير وغالب في العادة والسلامة لا يعادلها شيء، وروينا في صحيحي البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، عن النبي ﷺ أنه قال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليقل خيرا أو ليصمت» . قال الشافعي رضي الله تعالى عنه في الكلام: إذا أراد أحدكم الكلام فعليه أن يفكر في كلامه فإن ظهرت المصلحة تكلم، وإن شك لم يتكلم حتى تظهر. وروينا في صحيحيهما عن أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه قال: قلت يا رسول الله: أي المسلمين أفضل؟ قال: «من سلم الناس من لسانه ويده» . وروينا في كتاب الترمذي عن عقبة بن عامر رضي الله تعالى عنه قال: قلت يا رسول الله: ما النجاة؟ قال: «أمسك عليك لسانك وليسعك بيتك وابك على خطيئتك» . قال الترمذي حديث حسن. وروينا في كتاب الترمذي، وابن ماجة، عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه» . والأحاديث الصحيحة في ذلك كثيرة، وفيما أشرت كفاية لمن وفقه الله تعالى. وأمّا الآثار عن السلف وغيرهم في هذا الباب فكثيرة لا تحصر لكن ننبه على شيء منها. فمما جاء من ذلك ما بلغنا أن قس بن ساعدة، وأكثم بن صيفي اجتمعا، فقال أحدهما لصاحبه: كم وجدت في ابن آدم من العيوب؟ فقال: هي أكثر من أن تحصر، وقد وجدت خصلة إن استعملها الإنسان سترت العيوب كلها. قال: وما هي؟ قال: حفظ اللسان. وقال الإمام الشافعي ﵁ لصاحبه الربيع: يا ربيع لا تتكلم فيما لا يعنيك، فإنك إذا تكلمت بالكلمة ملكتك ولم تملكها، وقال بعضهم: مثل اللسان مثل السبع، إن لم توثقه عدا عليك ولحقك شره. ومما أنشدوه في هذا الباب: إحفظ لسانك أيّها الإنسان ... لا يلدغنّك إنّه ثعبان كم في المقابر من قتيل لسانه ... كانت تهاب لقاءه الشجعان وقال الفارسي:

стр. 89

لعمرك إن في ذنبي لشغلا ... لنفسي عن ذنوب بني أميه على ربي حسابهم إليه ... تناهى علم ذلك لا إليه وقال علي ﵁: إذا تم العقل نقص الكلام. وقال أعرابي: رب منطق صدع جمعا «١» وسكوت شعب صدعا «٢» ، وقال وهب بن الورد: بلغنا أن الحكمة عشرة أجزاء: تسعة منها في الصمت، والعاشر في عزلة الناس، وقال علي بن هشام رحمة الله تعالى عليه: لعمرك إنّ الحلم زين لأهله ... وما الحلم إلّا عادة وتحلّم إذا لم يكن صمت الفتى عن ندامة ... وعيّ فإن الصمت أولى وأسلم وقال ابن عيينة: من حرم الخير فليصمت، فإن حرمهما فالموت خير له، وعن رسول الله ﷺ أنه قال لأبي ذر ﵁: «عليك بالصمت إلا من خير، فإنه مطردة للشيطان، وعون على أمر دينك» . ومن كلام الحكماء: من نطق في غير خير فقد لغا «٣» ، ومن نظر في غير اعتبار فقد سها، ومن سكت في غير فكر فقد لها، وقيل: لو قرأت صحيفتك لأغمدت صفيحتك «٤» ولو رأيت ما في ميزانك لختمت على لسانك. ولمّا خرج يونس عليك السلام من بطن الحوت طال صمته، فقيل له: ألا تتكلم؟ فقال: الكلام صيرني في بطن الحوت. وقال حكيم: إذا أعجبك الكلام فاصمت، وإذا أعجبك الصمت فتكلم. وكان يقال: من السكوت ما هو أبلغ من الكلام لأن السفيه إذا سكت عنه كان في اغتنام «٥» . وقيل لرجل: بم سادكم الأحنف، فو الله ما كان بأكبركم سنا، ولا بأكثركم مالا؟ فقال: بقوة سلطانه على لسانه. وقيل: الكلمة أسيرة في وثاق الرجل، فإذا تكلم بها صار في وثاقها. وقيل: اجتمع أربعة ملوك، فتكلموا، فقال ملك الفرس: ما ندمت على ما لم أقل مرة، وندمت على ما قلت مرارا، وقال قيصر: أنا على رد ما لم أقل أقدر مني على رد ما قلت، وقال ملك الصين: ما لم أتكلم بكلمة ملكتها، فإذا تكلمت بها ملكتني، وقال ملك الهند: العجيب ممن يتكلم بكلمة إن رفعت ضرت وإن لم ترفع لم تنفع. وكان بهرام جالسا ذات ليلة تحت شجرة، فسمع منها صوت طائر، فرماه، فأصابه، فقال: ما أحسن حفظ اللسان بالطائر والإنسان. لو حفظ هذا لسانه ما هلك. وقال علي رضي الله تعالى عنه: بكثرة الصمت تكون الهيبة. وقال عمرو بن العاص ﵁: الكلام كالدواء إن أقللت منه نفع، وإن أكثرت منه قتل. وقال لقمان لولده: يا بني إذا افتخر الناس بحسن كلامهم، فافتخر أنت بحسن صمتك، يقول اللسان كل صباح وكل مساء للجوارح كيف أنتن، فيقلن بخير إن تركتنا. قال الشاعر: احفظ لسانك لا تقول فتبتلي ... إن البلاء موكّل بالمنطق الفصل الثاني في تحريم الغيبة اعلم أن الغيبة من أقبح القبائح وأكثرها انتشارا في الناس حتى لا يسلم منها إلا القليل من الناس وهي ذكرك الإنسان بما يكره ولو بما فيه سواء كان في دينه أو بدنه أو نفسه أو خلقه أو خلقه أو ماله أو ولده أو والده أو زوجته أو خادمه أو عمامته أو ثوبه أو مشيته أو حركته أو بشاشته أو خلاعته أو غير ذلك مما يتعلق به سواء ذكرته بلفظك أو بكتابك أو رمزت إليه بعينك أو يدك أو رأسك أو نحو ذلك. فأما الدّين فكقولك سارق، خائن، ظالم، متهاون بالصلاة، متساهل في النجاسات، ليس بارا بوالديه، قليل الأدب، لا يضع الزكاة مواضعها، ولا يجتنب الغيبة. وأما البدن فكقولك: أعمى، أو أعرج، أو أعمش، أو قصيرا، أو طويلا، أو أسود، أو أصفر. وأما غيرهما فكقولك: فلان قليل الأدب، متهاون بالناس لا يرى لأحد عليه حقا، كثير النوم، كثير الأكل وما أشبه ذلك، أو كقولك فلان أبوه نجار أو إسكاف أو حداد أو حائك، تريد تنقيصه بذلك أو فلان سيء الخلق متكبر، مراء، معجب، عجول، جبار، ونحو ذلك. أو فلان

стр. 90

واسع الكم، طويل الذيل، وسخ الثوب، ونحو ذلك. وقد روينا في صحيح مسلم وسنن أبي داود والترمذي والنسائي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ قال: «أتدرون ما الغيبة؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: ذكرك أخاك بما يكره» قيل: وإن كان في أخي ما أقول؟ قال: «إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته وإن لم يكن فيه فقد بهته» قال الترمذي حديث حسن صحيح. وروينا في سنن أبي داود والترمذي عن عائشة ﵂ قالت: قلت للنبي ﷺ : حسبك من صفية كذا وكذا. قال بعض الرواة تعني قصيرة. فقال: «لقد قلت كلمة لو مزجت بماء البحر لمزجته» أي خالطته مخالطة يتغير بها طعمه وريحه لكثرة نتنها. وروينا في سنن أبي داود عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «لما عرج بي إلى السماء مررت بقوم لهم أظفار من نحاس يخمشون بها وجوههم وصدورهم، فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم» . وروي عن جابر ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «إياكم والغيبة فإن الغيبة أشد من الزنا، ثم قال رسول الله ﷺ إن الرجل ليزني فيتوب، فيتوب الله عليه وإن صاحب الغيبة لا يغفر له حتى يغفر له صاحبها» . وعن أنس رضي الله تعالى عنه قال: من اغتاب المسلمين وأكل لحومهم بغير حق وسعى بهم إلى السلطان، جيء به يوم القيامة مزرقة عيناه ينادي بالويل والثبور ويعرف أهله ولا يعرفونه. وقال معاوية بن قرة: أفضل النس عند الله أسلمهم صدرا وأقلهم غيبة، وقال الأحنف: فيّ خصلتان: لا أغتاب جليسي إذا غاب عني، ولا أدخل في أمر قوم لا يدخلوني فيه. وقيل للربيع بن خيثم: ما نراك تعيب أحدا فقال: لست عن نفسي راضيا فأتفرغ لذم الناس وأنشد: لنفسي أبكي لست أبكي لغيرها ... لنفسي من نفسي عن الناس شاغل وقال كثيّر عزة: وسعى إليّ بعيب عزّة نسوة ... جعل الإله خدودهنّ نعالها وقال محمد بن حزم: أول من عمل الصابون سليمان وأول من عمل السويق «١» ذو القرنين وأول من عمل الحيس «٢» يوسف، وأول من عمل خبز الجرادق «٣» نمروذ، وأول من كتب في القراطيس الحجاج، وأول من اغتاب إبليس لعنه الله اغتاب آدم ﵇. وأوحى الله تعالى إلى موسى ﵊: أن المغتاب إذا تاب فهو آخر من يدخل الجنة، وإن أصر فهو أول من يدخل النار. ويقال: لا تأمن من كذب لك أن يكذب عليك، ومن اغتاب عندك غيرك، أن يغتابك عند غيرك. وقيل للحسن البصري رضي الله تعالى عنه: إن فلانا اغتابك، فأهدى إليه طبقا من رطب فأتاه الرجل وقال له: اغتبتك فأهديت إلي، فقال الحسن: أهديت إلي حسناتك فأردت أن أكافئك. وعن ابن المبارك رحمه الله تعالى قال: لو كنت مغتابا أحدا لاغتبت والدي لأنهما أحق بحسناتي، وإذا حاكى إنسان إنسانا بأن يمشي متعارجا أو متطأطئا أو غير ذلك من الهيئات، يريد تنقيصه بذلك فهو حرام، وبعض المتفقهين والمتعبدين يعرضون بالغيبة تعريضا تفهم به كما تفهم بالتصريح، فيقال لأحدهم كيف حال فلان فيقول الله يصلحنا، الله يغفر لنا، الله يصلحه، نسأل الله العافية، نحمد الله الذي لم يبتلنا بالدخول على الظلمة، نعوذ بالله من الكبر، يعافينا الله من قلة الحياء، الله يتوب علينا ... وما أشبه ذلك مما يفهم تنقيصه فكل ذلك غيبة محرمة. واعلم أنه كما يحرم على المغتاب ذكر الغيبة كذلك يحرم على السامع استماعها، فيجب على من يستمع إنسانا يبتدىء بغيبة أن ينهاه إن لم يخف ضررا، فإن خافه وجب عليه الإنكار بقلبه ومفارقة ذلك المجلس إن تمكن من مفارقته، فإن قال بلسانه أسكت وقلبه يشتهي سماع ذلك، قال بعض العلماء، إن ذلك نفاق. قال الله تعالى: وَإِذا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آياتِنا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ «٤» ومما أنشدوه في هذا المعنى: وسمعك صن عن سماع القبيح ... كصون اللسان عن النطق به

стр. 91

فإنك عند سماع القبيح ... شريك لقائله فانتبه وكم أزعج الحرص من طالب ... فوافى المنيّة في مطلبه الفصل الثالث في تحريم السعاية بالنميمة قال الله تعالى: وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ ١٠ هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ ١١ «١» الآية. وحسبك بالنمام خسة ورذيلة، سقوطه وضعته والهماز المغتاب الذي يأكل لحوم الناس، الطاعن فيهم. وقال الحسن البصري، هو الذي يغمز بأخيه في المجلس وهو الهمزة اللمزة. وقال علي والحسن البصري ﵄: العتل الفاحش السيىء الخلق، قال ابن عباس ﵄: العتل: الفاتك الشديد المنافق، وقال عبيد بن عمير: العتل: الأكول الشروب القوي الشديد، يوضع في الميزان فلا يزن شعيرة. وقال الكلبي: هو الشديد في كفره. وقيل: العتل: الشديد الخصومة بالباطل، والزنيم هو الذي لا يعرف من أبوه. قال الشاعر: زنيم ليس يعرف من أبوه ... بغيّ الأم ذو حسب لئيم وروينا في صحيحي البخاري ومسلم عن حذيفة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «لا يدخل الجنة نمام» . وروي أن النبي ﷺ مر بقبرين فقال: «إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير أما أحدهما فكان يمشي بالنميمة، وأما الآخر فكان لا يستنزه من بوله» . قال الإمام أبو حامد الغزالي رحمة الله تعالى عليه: «النميمة إنما تطلق في الغالب على من ينم قول الغير إلى المقول فيه كقوله فلان يقول فيك كذا، فينبغي للإنسان أن يسكت عن كل ما رآه من أحوال الناس إلا ما في حكايته فائدة لمسلم أو دفع معصية، وينبغي لمن حملت إليه النميمة وقيل له قال فيك فلان كذا أن لا يصدق من نم إليه لأن النمام فاسق، وهو مردود الخبر، وأن ينهاه عن ذلك وينصحه ويقبح فعله ويبغضه في الله تعالى، فإنه بغيض عند الله والبغض في الله واجب، وأن لا يظن بالمنقول عنه السوء، لقول الله تعالى: اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ «٢» . وسعى رجل إلى بلال بن أبي بردة برجل وكان أمير البصرة، فقال له انصرف حتى أكشف عنك، فكشف عنه فإذا هو ابن بغي يعني ولد زنا. قال أبو موسى الأشعري ﵁: «لا ينم على الناس إلا ولد بغي» . وروي أن النبي ﷺ قال: «ألا أخبركم بشراركم، قالوا: بلى يا رسول الله، قال: شراركم المشاءون بالنميمة، المفسدون بين الأحبة والباغون العيوب» . وروى أبو هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «ملعون ذو الوجهين ملعون ذو اللسانين ملعون كل شغاز، ملعون كل قتات، ملعون كل نمام، ملعون كل منان» . والشغاز المحرش بين الناس يلقي بينهم العداوة، والقتات: النمام، والمنان: الذي يعمل الخير ويمن به. وأما السعاية إلى السلطان وإلى كل ذي قدرة فهي المهلكة والحالقة التي تجمع الخصال الذميمة، من الغيبة وشؤم النميمة والتغرير بالنفوس والأموال في النوازل والأحوال، وتسلب العزيز عزه وتحط المسكين عن مكانته والسيد عن مرتبته، فكم دم أراقه سعي ساع، وكم حريم استبيح بنميمة نمام، وكم من صفيين تباعدا وكم من متواصلين تقاطعا، وكم من محبين افترقا، وكم من إلفين تهاجرا وكم من زوجين تطالقا. ليتق الله ربه ، رجل ساعدته الأيام وتراخت عنه الأقدار أن يصغي لساع أو يستمع لنمام. ووجد في حكم القدماء أبغض الناس إلى الله المثلث. قال الأصمعي: «هو الرجل يسعى بأخيه إلى الأمام فيهلك نفسه وأخاه وإمامه» . وقال بعض الحكماء: «احذروا أعداء العقول ولصوص المودات وهم السعاة والنمامون، إذا سرق اللصوص المتاع سرقوا هم المودات. وفي المثل السائر «من أطاع الواشي ضيّع الصديق» ، وقد تقطع الشجرة فتنبت، ويقطع اللحم السيف فيندمل، واللسان لا يندمل جرحه. ودفع إنسان رقعة إلى الصاحب بن عباد يحثه فيها على أخذ مال يتيم وكان مالا كثيرا، فكتب إليه على ظهرها: النميمة قبيحة وإن كانت صحيحة، والميت ﵀ واليتيم جبره الله والساعي لعنه الله ولا حول ولا قوة إلا بالله» . وروينا في كتاب أبي داود والترمذي عن ابن مسعود

стр. 92

رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يبلغني أحد من أصحابي عن أحد شيئا فإني أحب أن أخرج إليكم وأنا سليم الصدر» . ومن الناس من يتلون ألوانا ويكون بوجهين ولسانين، فيأتي هؤلاء بوجه وهؤلاء بوجه، وذو الوجهين لا يكون عند الله وجيها. قال صالح بن عبد القدوس رحمه الله تعالى: قل للذي لست أدري من تلوّنه ... أناصح أم على غش يناجيني إني لأكثر مما سمتني عجبا ... يدّ تشحّ وأخرى منك تأسوني تغتابني عند أقوام وتمدحني ... في آخرين وكلّ عنك يأتيني هذان شيئان قد نافيت بينهما ... فاكفف لسانك عن شتمي وتزييني وقيل: «لإلف «١» لحوح جموح خير من واحد متلون» . وكان يشبه المتلون بأبي براقش، وأبي قلمون، فأبو براقش طائر منقط بألوان النقوش يتلون في اليوم ألوانا وأبو قلمون ضرب من ثياب الحرير ينسج بالروم يتلون ألوانا. ويقال للطائش الذي لا ثبات معه أبو رياح، تشبيها بمثال فارس من نحاس بمدينة حمص على عمود حديد فوق قبة بباب الجامع يدور مع الريح ويمناه ممدودة وأصابعها مضمومة إلا السبابة، فإذا أشكل عليهم مهب الريح عرفوه به، فإنه يدور بأضعف نسيم يصيبه، والذي يعمله الصبيان من قرطاس على قصبة، يسمى أبا رياح، أيضا، ويقال: أخلاق الملوك مثل في المتلون. قال بعضهم: ويوم كأخلاق الملوك تلونا ... فصحو وتغييم وطلّ ووابل «٢» أشبهه إياك من صفاته ... دنوّ وإعراض ومنع ونائل وكلم معاوية الأحنف في شيء بلغه عنه، فأنكره الأحنف، فقال له معاوية: بلّغني عنك الثقة، فقال له الأحنف: إن الثقة لا يبلغ مكروها. وكان الفضل بن سهل يبغض السعاية «٣» ، وإذا أتاه ساع يقول له: «إن صدقتنا أبغضناك، وإن كذبتنا عاقبناك، وإن استقلتنا أقلناك» . وكتب في جواب كتاب ساع: «نحن نرى أن قبول السعاية شر من السعاية لأن السعاية دلالة والقبول إجازة، وليس من دل على شيء وأخبر به كمن قبله وأجازه، فاتقوا الساعي فإنه لو كان في سعايته صادقا لكان في صدقه لئيما إذ لم يحفظ الحرمة ولم يستر العورة. وقيل: من سعى بالنميمة حذره الغريب ومقته القريب. وقال المأمون: النميمة لا تقرب مودة إلا أفسدتها، ولا عداوة إلا جددتها، ولا جماعة إلا بددتها، ثم لا بد لمن عرف بها ونسب إليها، أن يجتنب ويخاف من معرفته ولا يوثق بمكانه. وأنشد بعضهم: من نمّ في الناس لم تؤمن عقاربه ... على الصديق ولم تؤمن أفاعيه كالسّيل بالليل لا يدري به أحد ... من أين جاء ولا من أين يأتيه الويل للعهد منه كيف ينقضه ... والويل للودّ منه كيف يفنيه وقال آخر: يسعى عليك كما يسعى إليك فلا ... تأمن غوائل ذي وجهين كيّاد وقال صالح بن عبد القدوس رحمه الله تعالى: من يخبّرك بشتم عن أخ ... فهو الشاتم لا من شتمك ذاك شيء لم يواجهك به ... إنما اللوم على من أعلمك وقال آخر: إن يعلموا الخير أخفوه وإن علموا ... شرا أذاعوا وإن لم يعلموا كذبوا وقال آخر: إن يسمعوا ريبة طاروا بها فرحا ... منّي وما سمعوا من صالح دفنوا «٤» صم إذا سمعوا خيرا ذكرت به ... وإن ذكرت بسوء عندهم أذنوا «٥»

стр. 93

وقال الحسن: ستر ما عاينت أحسن من إشاعة ما ظننت. وقال عبد الرحمن بن عوف رضي الله تعالى عنه: من سمع بفاحشة فأفشاها فهو كالذي أتاها. ومما جاء في النهي عن اللعن ما روينا في صحيح البخاري ومسلم عن ثابت بن الضحاك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لعن المؤمن كقتله» «١» . وروينا في صحيح مسلم أيضا عن أبي الدرداء ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يكون اللعانون شفعاء ولا شهداء يوم القيامة» . وروينا في سنن أبي داود، عن أبي الدرداء ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن العبد إذا لعن شيئا صعدت اللعنة إلى السماء، فتغلق أبواب السماء دونها ثم تهبط إلى الأرض، فتغلق أبوابها دونها، ثم تأخذ يمينا وشمالا فإذا لم تجد مساغا رجعت إلى الذي لعن إن كان أهلا لذلك، وإلا رجعت إلى قائلها» . ويجوز لعن أصحاب الأوصاف المذمومة على العموم كقوله: لعن الله الظالمين، لعن الله الكافرين، لعن الله اليهود، والنصارى، لعن الله الفاسقين، لعن الله المصورين ونحو ذلك. وثبت في الأحاديث الصحيحة أن رسول الله ﷺ قال: لعن الله الواصلة والمستوصلة «٢» ، وأنه قال: لعن الله آكل الربا، وأنه قال: لعن الله المصوّرين، وأنه قال: لعن الله من لعن والديه، وأنه قال: لعن الله من ذبح لغير الله، وأنه قال: لعن الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، وأنه قال: لعن الله المتشبهين من الرجال والنساء، والمتشبهات من النساء بالرجال، وجميع هذه الألفاظ في البخاري ومسلم، بعضها فيهما، وبعضها في أحدهما، والله أعلم. ومما جاء في العزلة ومدح الخمول وذم الشهرة قال رسول الله ﷺ : «الخمول نعمة، وكل يتبرأ والظهور «٣» نقمة وكل يتمنى» . وقال بعضهم: تلحّف بالخمول «٤» تعش سليما ... وجالس كل ذي أدب كريم وقال جعفر بن الفراء: من أخمل النفس أحياها وروّحها ... ولم يبت طاويا منها على ضجر إن الرياح إذا اشتدت عواصفها ... فليس ترمي سوى العالي من الشجر وقال أعرابي: رب وحدة أنفع من جليس ووحشة أنفع من أنيس «٥» . وكان أبو معاوية الضرير يقول: فيّ خصلتان، ما يسرني بهما رد بصري: قلة الإعجاب بنفسي، وخلو قلبي من اجتماع الناس إليّ. وقال عمر ﵁: خذوا حظكم من العزلة. وصعد حسان على أطم «٦» من آطام المدينة ونادى بأعلى صوته يا صباحاه، فاجتمعت الخزرج، فقالوا ما عندك؟ قال: قلت: بيت شعر، فأحببت أن تسمعوه قالوا: هات يا حسان. فقال: وإنّ امرءا أمسى وأصبح سالما ... من الناس إلا ما جنى لسعيد ولما بنى سعد بن أبي وقاص ﵁ منزله بالعقيق قيل له: تركت منازل إخوانك وأسواق الناس ونزلت بالعقيق، فقال: رأيت أسواقهم لاغية ومجالسهم لاهية، فوجدت الاعتزال فيما هنالك عافية. وقيل لعروة أخي مرداس: ألا تحدثنا ببعض ما عندك من العلم، فقال: أكره أن يميل قلبي باجتماعكم إلى حب الرياسة، فأخسر الدارين. وقال سفيان بن عيينة: دخلنا على الفضل في مرضه نعوده، فقال: ما جاء بكم، والله لو لم تجيئوا لكان أحب إليّ، ثم قال: نعم الشيء المرض لولا العبادة. وقيل للفضل: إن ابنك يقول: وددت لو أني بالمكان الذي أرى الناس فيه، ولا يروني، فقال: ويح ابني لم لا أتمها، فقال: لا أراهم ولا يروني. وقال علي رضي الله تعالى عنه: طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس، وطوبى لمن لزم بيته، وأكل قوته، واشتغل بطاعته، وبكى على خطيئته، فكان من نفسه في

стр. 94

شغل، والناس منه في راحة. وقال سفيان: الزهد في الدنيا هو الزهد في الناس. وقيل لراهب في صومعته: ألا تنزل، فقال: من مشى على وجه الأرض عثر «١» . والكلام في مثل هذا كثير، وقد اكتفينا بهذا وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. الباب الرابع عشر في الملك والسلطان وطاعة ولاة أمور الإسلام وما يجب للسلطان على الرعية وما يجب لهم عليه روي عن الحسن أنه قال للحجاج: سمعت ابن عباس ﵄ يقول قال رسول الله ﷺ : «وقّروا السلاطين وبجّلوهم، فإنهم عز الله وظله في الأرض إذا كانوا عدولا» ، فقال الحجاج: ألم نكن فيهم إذا كانوا عدولا؟ قال: قلت: بلى. وعن عمر رضي الله تعالى عنه قال: قلت للنبي ﷺ : أخبرني عن هذا السلطان الذي ذلّت له الرقاب وخضعت له الأجساد ما هو؟ قال: ظل الله في الأرض، فإذا أحسن فله الأجر وعليكم الشكر، وإذا أساء فعليه الإصر «٢» وعليكم الصبر. وعنه ﵊: أيما راع استرعى رعيته، ولم يحطها بالأمانة والنصيحة من ورائها إلا ضاقت عليه رحمة الله تعالى التي وسعت كل شيء. وقال مالك بن دينار رضي الله تعالى عنه: وجدت في بعض الكتب: يقول الله تعالى: أنا ملك الملوك، رقاب الملوك بيدي، فمن أطاعني جعلتهم عليه رحمة، ومن عصاني جعلتهم عليه نقمة، لا تشغلوا ألسنتكم بسب الملوك، ولكن توبوا إلى الله يعطفهم عليكم. وقال جعفر بن محمد رحمة الله تعالى عليه: كفّارة عمل السلطان الإحسان إلى الإخوان. وقال كسرى لسيرين: ما أحسن هذا الملك لو دام، فقال: لو دام لأحد ما انتقل إلينا. ومر طارق السرطي بابن شبرمة في موكبه فقال: أراها وإن كانت تحبّ فإنّها ... سحابة صيف عن قليل تقشّع «٣» وجلس الإسكندر يوما فما رفع إليه حاجة فقال: لا أعد هذا اليوم من أيام ملكي. وقال الجاحظ: ليس شيء ألذ ولا أسر من عز الأمر والنهي، ومن الظفر بالأعداء، ومن تقليد المن أعناق الرجال لأن هذه الأمور تصيب الروح، وحظ الذهن وقسمة النفس. وقيل: الملك خليفة الله في عباده، ولن يستقيم أمر خلافته مع مخالفته. وقال الحجاج: سلطان تخافه الرعية خير من سلطان يخافها. وقال أردشير لابنه: يا بني: الملك والدين أخوان لا غنى لأحدهما عن الآخر، فالدين أس والملك حارس، وما لم يكن له أس فمهدوم، وما لم يكن له حارس فضائع. قيل: لما دنت وفاة هرمز وامرأته حامل، عقد التاج على بطنها وأمر الوزراء بتدبير المملكة حتى يولد له ولد، فتملك، وأغار العرب على نواحي فارس في صباه، فلما أدرك ركب، وانتخب من أهل النجدة فرسانا وأغار على العرب، فانتهكهم بالقتل، ثم خلع أكتاف سبعين ألفا، فقيل له: ذو الأكتاف، وأمر العرب حينئذ بإرخاء الشعور ولبس المصبغات، وأن يسكنوا بيوت الشعر، وأن لا يركبوا الخيل إلا عراة «٤» . وقيل: من أخلاق الملوك حب التفرد. كان أردشير إذا وضع التاج على رأسه لم يضع أحد على رأسه قضيب ريحان، وإذا لبس حلة لم ير أحد مثلها، وإذا تختم بخاتم كان حراما على أهل المملكة أن يتختموا بمثله. وكان سعيد بن العاص بمكة إذا اعتمّ لم يعتم أحد بمثل عمامته ما دامت على رأسه. وكان الحجاج إذا وضع على رأسه عمامة لم يجترىء أحد من خلق الله أن يدخل عليه بمثلها. وكان عبد الملك إذا لبس الخف الأصفر لم يلبس

стр. 95

أحد مثله حتى ينزعه. وأخبرني من سافر إلى اليمن أنه لا يأكل الأوز بها أحد غير الملك. وقيل: من حق الملك أن يفحص عن أسرار الرعية فحص المرضعة عن ابنها، وكان أردشير متى شاء قال لأرفع أهل مملكته وأوضعهم: كان عندك في هذه الليلة كيت وكيت، حتى كان يقال يأتيه ملك من السماء، وما ذاك إلا بتفحصه وتيقظه. وكان علم عمر ﵁ بمن نأى عنه كعلمه بمن بات معه على وساد واحد. ولقد اقتفى معاوية أثره. وتعرّف إلى زياد رجل «١» ، فقال: أتتعرف إليّ وأنا أعرف بك من أبيك وأمك، وأعرف هذا البرد الذي عليك؟ ففزع الرجل حتى ارتعد من كلامه. وعن بعض العباسيين قال: كلمت المأمون رحمة الله تعالى في امرأة خطبتها، وسألته النظر إليها، فقال: يا أبا فلان من قصتها وحليتها وفعلها وشأنها كيت وكيت، فو الله ما زال يصفها ويصف أحوالها حتى أبهتني «٢» . ومما جاء في طاعة ولاة أمور الإسلام: أمر الله تعالى بذلك في كتابه العزيز على لسان نبيه الكريم فقال تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ «٣» . وروينا في صحيح البخاري عن جابر بن عبد الله الأنصاري ﵄ قال: بايعت رسول الله ﷺ على شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة والسمع والطاعة، والنصح لكل مسلم. وسئل كعب الأحبار عن السلطان، فقال: ظل الله في أرضه، من ناصحه اهتدى، ومن غشّه ضل. وعن حذيفة بن اليمان ﵁، لا تسبوا السلطان فإنه ظل الله في الأرض، به يقوم الحق ويظهر الدين، وبه يدفع الله الظلم ويهلك الفاسقين. وقال عمر بن عبد العزيز لمؤدبه، كيف كانت طاعتي لك؟ قال: أحسن طاعة. قال: فأطعني كما كنت أطيعك، خذ من شاربك حتى تبدو شفتاك، ومن ثوبك حتى تبدو عقباك «٤» . وعن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن أطاع أميري فقد أطاعني «٥» ، ومن عصى أميري فقد عصاني. وقد ورد في الأحاديث الصحيحة أن النبي ﷺ أمر بالسمع والطاعة لولي الأمر ومناصحته ومحبته والدعاء له. ولو تتبعت ذلك لطال الكلام، لكن اعلم أرشدني الله وإياك إلى الاتباع، وجنبنا الزيغ والابتداع، أن من قواعد الشريعة المطهرة والملة الحنيفية المحرزة أن طاعة الأئمة فرض على كل الرعية، وأن طاعة السلطان تؤلف شمل الدين وتنظم أمور المسلمين، وأن عصيان السلطان يهدم أركان الملة، وأن أرفع منازل السعادة طاعة السلطان، وأن طاعته عصمة من كل فتنة، وبطاعة السلطان تقام الحدود وتؤدى الفروض، وتحقن الدماء، وتؤمن السبل، وما أحسن ما قالت العلماء: إن طاعة السلطان هدى لمن استضاء بنورها وإن الخارج عن طاعة السلطان منقطع العصمة بريء من الذمة، وإن طاعة السلطان حبل الله المتين ودينه القويم، وإن الخروج منها خروج من أنس الطاعة إلى وحشة المعصية، ومن غش السلطان ضلّ وزلّ، ومن أخلص له المحبة والنصح حل من الدين والدنيا في أرفع محل، وإن طاعة السلطان واجبة أمر الله تعالى بها في كتابه العظيم المنزل على نبيه الكريم. وقد اقتصر في ذلك على ما أوردناه واكتفينا بما بيناه، ونسأل الله تعالى أن يلهمنا رشدنا وأن يعيذنا من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، وأن يصلح شأننا إنه قريب مجيب، وحسبنا الله ونعم الوكيل، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم أجمعين. الباب الخامس عشر فيما يجب على من صحب السلطان والتحذير من صحبته أما صحبة السلطان: فقد قال ابن عباس ﵄، قال لي أبي: يا بني إني أرى أمير المؤمنين يستخليك ويستشيرك «٦» ويقدمك على الأكابر من أصحاب

стр. 96

محمد ﷺ ، وإني أوصيك بخلال ثلاث: لا تفشين له سرا، ولا تجرين عليه كذبا، ولا تغتابن عنده أحدا، قال الشعبي رحمه الله تعالى: قلت لابن عباس كل واحدة منهن «١» خير من ألف، فقال: أي والله، ومن عشرة آلاف. وقال بعض الحكماء: إذا زادك السلطان تأنيسا فزده إجلالا، وإذا جعلك أخا، فاجعله أبا، وإذا زادك إحسانا، فزده فعل العبد مع سيده، وإذا ابتليت بالدخول على السلطان مع الناس، فأخذوا في الثناء عليه، فعليك بالدعاء له ولا تكثر في الدعاء له عند كل كلمة، فإن ذلك تنبيه بالوحشة والغربة. وقال مسلم بن عمر لمن خدم السلطان: لا تغتر بالسلطان إذا أدناك ولا تتغير منه إذا أقصاك. وروي أن بعض الملوك استصحب حكيما، فقال له: أصحبك على ثلاث خصال، قال: وما هن؟ قال: لا تهتك لي سترا، ولا تشتم لي عرضا، ولا تقبل فيّ قول قائل حتى تستشيرني، قال: هذا لك. فماذا لي عليك؟ قال: لا أفشي لك سرا، ولا أدخر عنك نصيحة، ولا أوثر عليك أحدا، قال: نعم الصاحب للمستصحب أنت. وقال بزرجمهر: إذا خدمت ملكا من الملوك، فلا تطعه في معصية خالقك، فإن إحسانه إليك فوق إحسان الملك، وإيقاعه بك أغلظ من إيقاعه. وقالوا: إصحب الملوك بالهيبة لهم والوقار لأنهم إنما احتجبوا عن الناس لقيام الهيبة وإن طال أنسك بهم تزدد غما. وقالوا: علّم السلطان وكأنك تتعلم منه، وأشر عليه وكأنك تستشيره، وإذا أحلّك السلطان من نفسه بحيث يسمع منك، ويثق بك، فإياك والدخول بينه وبين بطانته «٢» ، فإنك لا تدري متى يتغير منك، فيكونون عونا عليك، وإياك أن تعادي من إذا شاء أن يطرح ثيابه، ويدخل مع الملك في ثيابه فعل. وفي الأمثال القديمة: احذروا زمارة المخدة «٣» وفيه قيل: ليس الشفيع الذي يأتيك مؤتزرا ... مثل الشفيع الذي يأتيك عريانا وقال يحيى بن خالد: إذا صحبت السلطان فداره مداراة المرأة العاقلة لصحبة الزوج الأحمق. وأما ما جاء في التحذير من صحبة السلطان: فقد اتفقت حكماء العرب والعجم على النهي عن صحبة السلطان، قال في كتاب كليلة ودمنة: ثلاثة لا يسلم عليها إلا القليل: صحبة السلطان وإئتمان النساء على الأسرار، وشرب السم على التجربة. وكان يقال: قد خاطر بنفسه من ركب البحر، وأعظم منه خطرا من صحب السلطان. وكان بعض الحكماء يقول: أحق الأمور بالتثبت فيها أمور السلطان، فإن من صحب السلطان بغير عقل، فقد لبس الشعار «٤» الغرور. وفي حكم الهند: صحبة السلطان على ما فيها من العز والثروة عظيمة الخطر. وقيل للعتابي: لم لا تصحب السلطان على ما فيك من الأدب، قال: لأني رأيته يعطي عشرة آلاف في غير شيء، ويرمي من السور في غير شيء، ولا أدري أي الرجلين أكون. وقال معاوية لرجل من قريش: إياك والسلطان فإنه يغضب غضب الصبي، ويبطش بطش الأسد. وقال ميمون بن مهران: قال لي عمر بن عبد العزيز: يا ميمون احفظ عني أربعا: لا تصحبن السلطان، وإن أمرته بالمعروف ونهيته عن المنكر، ولا تخلون بامرأة، وإن أقرأتها القرآن، ولا تصل من قطع رحمه، فإنه لك أقطع، ولا تتكلم بكلام اليوم تعتذر منه غدا. وكم رأينا، وبلغنا ممن صحب السلطان من أهل الفضل والعقل والعلم والدين ليصلحه ففسد هو به، فكان كما قيل: عدوى البليد إلى الجليد سريعة ... والجمر يوضع في الرماد فيخمد ومثل من صحب السلطان ليصلحه، مثل من ذهب ليقيم حائطا مائلا، فاعتمد عليه ليقيمه، فخر الحائط عليه فأهلكه. قال الشاعر:

стр. 97

ومعاشر السلطان شبه سفينة ... في البحر ترجف دائما من خوفه إن أدخلت من مائه في جوفها ... يغتالها مع مائها في جوفه وفي كتاب كليلة ودمنة: لا يسعد من ابتلي بصحبة الملوك، فإنهم لا عهد لهم ولا وفاء ولا قريب ولا حميم، ولا يرغبون فيك إلا أن يطعموا فيما عندك، فيقربوك عند ذلك، فإذا قضوا حاجتهم منك تركوك ورفضوك، ولا ود للسلطان ولا إخاء، والذنب عنده لا يغفر. وقالت الحكماء: صاحب السلطان كراكب الأسد يخافه الناس وهو لمركوبه أخوف. وقال محمد بن واسع، والله لسف التراب ولقضم العظم خير من الدنو من أبواب السلاطين. وقال محمد بن السمّاك: الذباب على العذرة خير من العابر على أبواب الملوك. وقيل: من صحب السلطان قبل أن يتأدب، فقد غرر بنفسه. وقال ابن المعتز: من شارك السلطان في عز الدنيا شاركه في ذل الآخرة، وعنه: إذا زادك السلطان تأنيسا وإكراما فزده تهيبا واحتشاما. وقال أبو علي الصغاني: إياك والملوك، فإن من والاهم أخذوا ماله ومن عاداهم أخذوا رأسه. وقيل: مكتوب على باب قرية من قرى بلخ اسمها بهار، أبواب الملوك تحتاج إلى ثلاثة: عقل، وصبر، ومال، وتحته مكتوب: كذب عدو الله من كان له واحد منها لم يقرب باب السلطان. وقال حسان بن ربيع الحميري: لا تثقن بالملك فإنه ملول، ولا بالمرأة فإنها خؤون ولا بالدابة فإنها شرود. وقال عبيد بن عمير: ما ازداد رجل من السلطان قربا إلا ازداد من الله بعدا، ولا كثرت أتباعه إلا كثرت شياطينه، ولا كثر ماله إلا كثر حسابه. وقال ابن المبارك ﵀: أرى الملوك بأدنى الدّين قد قنعوا ... ولا أراهم رضوا في العيش بالدّون فاستغن بالدين عن دنيا الملوك كما اس ... تغنى الملوك بدنياهم عن الدّين وقال بعضهم في ولاة بني مروان: إذا ما قطعتم ليلكم بمدامكم «١» ... وأفنيتمو أيامكم بمنام «٢» فمن ذا الذي يغشاكم في ملمّة ... ومن ذا الذي يغشاكم بسلام رضيتم من الدنيا بأيسر بلغة «٣» ... بلثم غلام أو بشرب مدام ولم تعلموا أنّ اللسان موكّل ... بمدح كرام أو بذمّ لئام نهت الحكماء عن خدمة الملوك فقالوا: إن الملوك يستعظمون في الثواب رد الجواب، ويستقلون في العقاب ضرب الرقاب، وقيل: شر الملوك من أمنه الجريء وخافه البريء. والله أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وحسبنا الله ونعم الوكيل نعم المولى ونعم النصير وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. الباب السادس عشر في ذكر الوزراء وصفاتهم وأحوالهم وما أشبه ذلك قال الله تعالى حاكيا عن موسى ﵇: وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي ٢٩ «٤» . فلو كان السلطان يستغني عن الوزراء لكان أحق الناس بذلك كليم الله موسى بن عمران ﵇. ثم ذكر حكمة الوزارة، فقال: اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي ٣١ وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي ٣٢ «٥» دلت هذه الآية على أن الوزارة تشد قواعد المملكة، وأن يفوض إليه السلطان إذا استكملت فيه الخصال المحمودة، ثم قال: كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً ٣٣ وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً ٣٤ «٦» . دلت هذه الآية على أن بصحبة العلماء والصالحين أهل الخبرة والمعرفة، تنتظم أمور الدنيا والآخرة، وكما يحتاج أشجع الناس إلى السلاح، وأفره الخيل إلى السوط، وأحدّ الشفار إلى المسن، كذلك يحتاج أجل الملوك وأعظمهم وأعلمهم إلى الوزير.

стр. 98

وروى أبو سعيد الخدري ﵁ قال: ما بعث الله من نبي ولا استخلف من خليفة إلا كانت له بطانتان: بطانة تأمره بالمعروف وتحضّه عليه، وبطانة تأمره بالشر وتحضّه عليه، والمعصوم من عصمه الله. وقال وهب بن منبه، قال موسى لفرعون: آمن ولك الجنة ولك ملكك. قال: حتى أشاور هامان، فشاوره في ذلك، فقال له هامان: بينما أنت إله تعبد إذ صرت تعبد. فأنف واستكبر، وكان من أمره ما كان. وعلى هذا النمط كان وزير الحجاج يزيد بن مسلم لا يألوه خبالا. ولبئس القرناء شر قرين لشر خدين، وأشرف منازل الآدميين النبوة ثم الخلافة ثم الوزارة، وفي الأمثال: نعم الظهير الوزير. وأول ما يظهر نبل السلطان وقوة تمييزه وجودة عقله في انتخاب الوزراء واستنقاء الجلساء ومحادثة العقلاء، فهذه ثلاث خلال تدل على كماله، وبهذه الخلال يجمل في الخلق ذكره، وترسخ في النفوس عظمته، والمرء موسوم بقرينه، وكان يقال حلية الملوك وزينتهم وزراؤهم. وفي كتاب كليلة ودمنة: لا يصلح السلطان إلا بالوزراء والأعوان. وقال شريح بن عبيد: لم يكن في بني إسرائيل ملك إلا معه رجل حكيم إذا رآه غضبان كتب إليه صحائف، وفي كل صحيفة: إرحم المسكين واخش الموت، واذكر الآخرة، فكلما غضب الملك ناوله الحكيم صحيفة حتى يسكن غضبه، ومثل الملك الخير والوزير السوء الذي يمنع الناس خيره ولا يمكنهم من الدنو منه، كالماء الصافي فيه التمساح، فلا يستطيع المرء دخوله، وإن كان سابحا وإلى الماء محتاجا، ومثل السلطان كمثل الطبيب، ومثل الرعية كمثل المرضى، ومثل الوزير كمثل السفير بين المرضى والأطباء، فإذا كذب السفير بطل التدبير. وكما أن السفير إذا أراد أن يقتل أحدا من المرضى وصف للطبيب نقيض دائه، فإذا سقاه الطبيب على صفة السفير هلك العليل، كذلك الوزير ينقل إلى الملك ما ليس في الرجل، فيقتله الملك، فمن ههنا شرط في الوزير أن يكون صدوقا في لسانه، عدلا في دينه، مأمونا في أخلاقه، بصيرا بأمور الرعية، وتكون بطانة الوزير أيضا من أهل الأمانة والبصيرة، وليحذر الملك أن يولّي الوزارة لئيما، فاللئيم إذا ارتفع جفا أقاربه وأنكر معارفه، واستخف بالأشراف وتكبر على ذوي الفضل. ودخل بعض الوزراء على بعض الخلفاء وكان الوزير من أهل العقل والأدب، فوجد عنده رجلا ذميا كان الخليفة يميل إليه ويقربه، فقال الوزير منشدا: يا ملكا طاعته لازمه ... وحبّه مفترض واجب إن الذي شرّفت من أجله ... يزعم هذا أنّه كاذب وأشار إلى الذمي، فاسأله يا أمير المؤمنين عن ذلك، فسأله، فلم يجد بدا من أن يقول هو صادق، فاعترف بالإسلام. وكان بعض الملوك قد كتب ثلاث رقاع، وقال لوزيره إذا رأيتني غضبان، فادفع إليّ رقعة بعد رقعة، وكان في الأولى إنك لست بإله، وإنك ستموت، وتعود إلى التراب، فيأكل بعضك بعضا، وفي الثانية: ارحم من في الأرض يرحمك من في السماء، وفي الثالثة: اقض بين الناس بحكم الله، فإنهم لا يصلحهم إلا ذلك. ولمّا كانت أمور المملكة عائدة إلى الوزراء، وأزمّة «١» الملوك في أكف الوزراء سبق فيهم من العقلاء المثل السائر، فقالوا: لا تغتر بمودة الأمير إذا غشك الوزير، وإذا أحبك الوزير، فنم لا تخش الأمير، ومثل السلطان كالدار والوزير بابها، فمن أتى الدار من بابها ولج ومن أتاها من غير بابها انزعج. وموقع الوزارة من المملكة كموقع المرآة من البصر، فكما أن من لم ينظر في المرآة لا يرى محاسن وجهه وعيوبه، كذلك السلطان إذا لم يكن له وزير لا يعلم محاسن دولته وعيوبها. ومن شروط الوزير أن يكون كثير الرحمة للخلق رؤوفا بهم ... واعلم أنه ليس للوزير أن يكتم عن السلطان نصيحة، وإن استقلّها، وموضع الوزير من المملكة كموضع العينين من الرأس، وكما أن المرآة لا تريك وجهك إلا بصفاء جوهرها وجودة صقلها ونقائها من الصدأ، كذلك السلطان لا يكمل أمره إلا بجودة عقل الوزير، وصحة فهمه، ونقاء قلبه. والله تعالى أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب، وحسبنا الله ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين، والحمد لله رب العالمين.

стр. 99

الباب السابع عشر في ذكر الحجاب والولاية وما فيها من الغرر والخطر أما الحجّاب: فقد قيل: لا شيء أضيع للمملكة وأهلك للرعية من شدة الحجّاب. وقيل: إذا سهل الحجّاب أحجمت الرعية عن الظلم، وإذ عظم الحجّاب هجمت على الظلم. وقال ميمون بن مهران، كنت عند عمر بن عبد العزيز، فقال لحاجبه: من بالباب؟ فقال: رجل أناخ ناقته الآن، يزعم أنه ابن بلال مؤذن رسول الله ﷺ ، فأذن له أن يدخل، فلما دخل قال: حدثني أبي أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: من ولي شيئا من أمور المسلمين ثم حجبهم عنه حجبه الله عنه يوم القيامة، فقال عمر لحاجبه: إلزم بيتك، فما رؤي على بابه بعد ذلك حاجب. وكان خالد بن عبد الله القشيري يقول لحاجبه: إذا أخذت مجلسي فلا تحجبن عني أحدا. فإن الوالي لا يحتجب إلا لثلاث: عيب يكره أن يطلع عليه أحد، أو ريبة يخاف منها أن تظهر، أو بخل يكره معه أن يسأل شيئا. وكانت العجم تقول: لا شيء أضيع للمملكة من شدة حجّاب الملك، ولا شيء أهيب للرعية وأكف لهم عن الظلم من سهولته. وقيل لبعض الحكماء: ما الجرح الذي لا يندمل؟ قال: حاجة الكريم إلى اللئيم، ثم يرده بغير قضائها. قيل: فما الذي هو أشد منه؟ قال: وقوف الشريف بباب الدنيء ثم لا يؤذن له. ووقف عبد الله بن العباس العلوي على باب المأمون يوما، فنظر إليه الحاجب ثم أطرق، فقال عبد الله لقوم معه: إنه لو أذن لنا لدخلنا، ولو صرفنا لانصرفنا، ولو اعتذر إلينا لقبلنا، وأما النظرة بعد النظرة والتوقف بعد التعرف فلا أفهم معناه، ثم تمثل بهذا البيت. وما عن رضى كان الحمار مطيتي ... ولكنّ من يمشي سيرضى بما ركب ثم انصرف، فبلغ ذلك المأمون، فضرب الحاجب ضربا شديدا، وأمر لعبد الله بصلة جزيلة وعشر دواب. قال الشاعر: رأيت أناسا يسرعون تبادرا ... إذا فتح البواب بابك أصبعا ونحن جلوس ساكتون رزانة ... وحلما إلى أن يفتح الباب أجمعا ووقف رجل خراساني بباب أبي دلف العجلي حينا فلم يؤذن له فكتب رقعة وتلطف في وصولها إليه وفيها: إذا كان الكريم له حجاب ... فما فضل الكريم على اللئيم «١» فأجابه أبو دلف بقوله: إذا كان الكريم قليل مال ... ولم يعذر تعلّل بالحجاب وأبواب الملوك محجّبات ... فلا تستنكرنّ حجاب بابي ومن محاسن النظم في ذم الاحتجاب قول بعضهم: سأهجركم حتى يلين حجابكم ... على أنه لا بدّ سوف يلين خذوا حذركم من صفوة الدهر إنها ... وإن لم تكن خانت فسوف تخون «٢» وقال آخر: ماذا على بوّاب داركم الذي ... لم يعطنا إذنا ولا يستأذن لو ردّنا ردا جميلا عنكم ... أو كان يدفع بالتي هي أحسن وقال آخر: أمرت بالتّسهيل في الإذن لي ... ولم ير الحاجب أن يأذنا فلن تراني بعدها عائدا ... ولن تراه بعد مستأذنا «٣» وقال آخر: ولقد رأيت بباب دارك جفوة ... فيها لحسن صنيعك التكدير «٤»

стр. 100

ما بال دارك حين تدخل جنّة ... وبباب دارك منكر ونكير وقال آخر: إذا جئت ألقى عند بابك حاجبا ... محيّاه من فرط الجهالة حالك ومن عجب مغناك جنّة قاصد ... وحاجبها من دون رضوان مالك «١» وقال آخر: سأترك بابا أنت تملك إذنه ... ولو كنت أعمى عن جميع المسالك فلو كنت بوّاب الجنان تركتها ... وحوّلت رجلي مسرعا نحو مالك «٢» وقال آخر: ماذا يفيدك أن تكون محجّبا ... والعبد بالباب الكريم يلوذ ما أنت إلّا في الحصار معي فلا ... تتعب فكلّ محاصر مأخوذ وقال أبو تمام: سأترك هذا الباب ما دام إذنه ... على ما أرى حتى يلين قليلا فما خاب من لم يأته متعمّدا ... ولا فاز من قد نال منه وصولا إذا لم نجد للإذن عندك موضعا ... وجدنا إلى ترك المجيء سبيلا واستأذن رجل على أمير، فقال للحاجب: قل له إن الكرى قد خطب إلي نفسي وإنما هي هجعة وأهب، فخرج الحاجب، فقال له الرجل: ما الذي قال لك؟ قال: قال كلاما لا أفهمه وهو يريد أن لا يأذن لك. وقال علي بن أبي طالب ﵁: إنما أمهل فرعون مع دعواه الألوهية لسهولة إذنه وبذل طعامه. وقال عمرو بن مرة الجهني لمعاوية سمعت رسول الله ﷺ يقول: ما من أمير يغلق بابه دون ذوي الحاجة والخلة «٣» والمسألة إلا أغلق الله أبواب السموات دون حاجته وخلته ومسألته، وجاء النامي الشاعر لبعض الأمراء فحجبه، فقال: سأصبر إن جفوت فكم صبرنا ... لمثلك من أمير أو وزير رجوناهم فلما أخلفونا ... تمادت فيهم غير الدهور فبتنا بالسلامة وهي غنم ... وباتوا في المحابس والقبور ولمّا لم ننل منهم سرورا ... رأينا فيهم كلّ السرور وأنشدوا في ذلك أيضا: قل للذين تحجبوا عن راغب ... بمنازل من دونها الحجّاب إن حال عن لقياكم بوابكم ... فالله ليس لبابه بواب واستأذن سعد بن مالك «٤» على معاوية، فحجبه، فهتف بالبكاء، فأتى الناس وفيهم كعب «٥» فقال: وما يبكيك يا سعد؟ فقال: وما لي لا أبكي وقد ذهب الأعلام من أصحاب رسول الله ﷺ ومعاوية يلعب بهذه الأمة؟ فقال كعب: لا تبك، فإن في الجنة قصرا من ذهب يقال له عدن أهله الصدّيقون والشهداء، وأنا أرجو أن تكون من أهله. واستأذن بعضهم على خليفة كريم وحاجبه لئيم، فحجبه فقال: في كلّ يوم لي ببابك وقفة ... أطوي إليه سائر الأبواب «٦» وإذا حضرت رغبت عنك فإنه ... ذنب عقوبته على البوّاب «٧» وأما ذكر الولايات وما فيها من الخطر العظيم: فقد قال الله تعالى لداود ﵇: يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ بِما نَسُوا يَوْمَ الْحِسابِ «٨» .

стр. 101

جاء في التفسير: إن من اتباع الهوى أن يحضر الخصمان بين يديك فتود أن يكون الحق للذي في قلبك محبة خاصة، وبهذا سلب سليمان بن داود ملكه. قال ابن عباس ﵄: كان الذي أصاب سليمان بن داود ﵉ أن ناسا من أهل جرادة امرأته، وكانت من أكرم نسائه عليه، تحاكموا إليه مع غيرهم، فأحب أن يكون الحق لأهل جرادة فيقضي لهم، فعوقب بسبب ذلك حيث لم يكن هواه فيهم واحدا. وروي عن عبد الرحمن بن سمرة ﵁ قال: قال لي رسول الله ﷺ : يا عبد الرحمن لا تسأل الإمارة، فإنك إن أعطيتها من غير مسألة أعنت عليها، وإن أعطيتها عن مسألة وكلت إليه. وقال معقل بن يسار ﵁، سمعت النبي ﷺ يقول: ما من عبد يسترعيه الله رعية، فلم يحطها بنصيحته إلا لم يجد رائحة الجنة. وفي الحديث: «من ولي من أمور المسلمين شيئا ثم لم يحطهم بنصيحته كما يحوط أهل بيته، فليتبوأ مقعده من النار. وروي أن عمر بن الخطاب ﵁ بعث إلى عاصم يستعمله على الصدقة، فأبى، وقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: إذا كان يوم القيامة يؤتى بالوالي فيقف على جسر جهنم، فيأمر الله تعالى الجسر فينتفض انتفاضة فيزول كل عضو منه عن مكانه، ثم يأمر الله تعالى بالعظام، فترجع إلى أماكنها، فإن كان لله مطيعا أخذ بيده، وأعطاه كفلين من رحمته، وإن كان لله عاصيا انخرق به الجسر فهوى به في نار جهنم مقدار سبعين خريفا، فقال عمر ﵁ سمعت من النبي ﷺ ما لم أسمع قال: نعم. وكان سلمان وأبو ذر حاضرين، فقال سلمان: أي والله يا عمر ومع السبعين سبعون خريفا في واد يلتهب التهابا، فضرب عمر ﵁ بيده على جبهته وقال: إنا لله وإنا إليه راجعون: من يأخذها بما فيها، فقال سلمان من أرغم الله أنفه وألصق خده بالأرض. وروى أبو داود في السنن قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله إن أبي عريف على الماء، وإني أسألك أن تجعل لي العرافة من بعده، فقال النبي ﷺ العرفاء في النار. وروى أبو سعيد الخدري ﵁. قال: قال رسول الله ﷺ إن أشد الناس عذابا يوم القيامة الإمام الجائر. وقالت عائشة ﵂ سمعت رسول الله ﷺ يقول: يؤتى بالقاضي العدل يوم القيامة، فيلقى من شدة الحساب ما يود أنه لم يقض بين اثنين في تمرة. وقال الحسن البصري: إن النبي ﷺ دعا عبد الرحمن بن سمرة يستعمله، فقال: يا رسول الله خر لي، فقال: أقعد في بيتك. وقال أبو هريرة ﵁: ما من أمير يؤمر على عشرة إلا جيء به يوم القيامة مغلولا، أنجاه عمله أو أهلكه. وقال طاوس لسليمان بن عبد الملك: هل تدري يا أمير المؤمنين من أشد الناس عذابا يوم القيامة؟ قال سليمان: قل. فقال طاوس: أشد الناس عذابا يوم القيامة رجل أشركه الله في ملكه فجار في حكمه، فاستلقى سليمان على سريره وهو يبكي، فما زال يبكي حتى قام عنه جلساؤه. وقال ابن سيرين: جاء صبيان إلى أبي عبيدة السلماني يتخيرون إليه في ألواحهم، فلم ينظر إليها، وقال: هذا حكم، لا أتولى حكما أبدا. وقال أبو بكر بن أبي مريم: حجّ قوم، فمات صاحب لهم بأرض فلاة، فلم يجدوا ماء، فأتاهم رجل فقالوا له: دلنا على الماء. فقال: احلفوا لي ثلاثا وثلاثين يمينا أنه لم يكن صرّافا ولا مكاسا «١» ولا عريفا، ويروى ولا عرافا، ولا بريدا، وأنا أدلكم على الماء، فحلفوا له ثلاثا وثلاثين يمينا كما تقدم، فحلفوا له، فأعانهم على غسله، ثم قالوا له: تقدم فصلّ عليه، فقال: لا، حتى تحلفوا لي ثلاثا وثلاثين يمينا كما تقدم، فحلفوا له فصلى عليه، ثم التفتوا فلم يجدوا أحدا، فكانوا يرون أنه الخضر ﵇. وقال أبو ذر ﵁، قال لي رسول الله ﷺ : يا أبا ذر إني أحب لك ما أحب لنفسي، وإني أراك ضعيفا، فلا تتأمرن على اثنين ولا تلينّ مال يتيم. ومن غريب ما اتفق وعجيب ما سبق: ما حكي أن ملكا من ملوك الفرس يقال له أردشير، وكان ذا مملكة متسعة وجند كثير، وكان ذا بأس شديد، قد وصف له بنت ملك بحر الأردن بالجمال البارع، وأن هذه البنت بكر ذات خدر، فسيّر أردشير من يخطبها من أبيها، فامتنع من إجابته، ولم يرض بذلك، فعظم ذلك على أردشير، وأقسم بالأيمان المغلظة ليغزون الملك أبا البنت، وليقتلنه

стр. 102

هو وابنته شر قتلة، وليمثلن بهما أخبث مثلة. فسار إليه أردشير في جيوشه، فقاتله، فقتله أردشير وقتل سائر خواصه، ثم سأل عن ابنته المخطوبة، فبرزت إليه جارية من القصر من أجمل النساء وأكمل البنات حسنا وجمالا وقدرا واعتدالا، فبهت أردشير من رؤيته إياها، فقالت له: أيها الملك إنني ابنة الملك الفلاني ملك المدينة الفلانية، وأن الملك الذي قتلته أنت قد غزا بلدنا وقتل أبي وقتل سائر أصحابه قبل أن تقتله أنت، وأنه أسرني في جملة الأسارى وأتى بي في هذا القصر، فلما رأتني ابنته التي أرسلت تخطبها أحبتني، وسألت أباها أن يتركني عندها لتأنس بي، فتركني لها، فكنت أنا وهي كأننا روحان في جسد واحد، فلما أرسلت تخطبها خاف أبوها عليها منك فأرسلها إلى بعض الجزائر في البحر الملح عند بعض أقاربه من الملوك. فقال أردشير: وددت لو أني ظفرت بها فكنت أقتلها شر قتلة، ثم أنه تأمل الجارية فرآها فائقة في الجمال، فمالت نفسه إليها، فأخذها للتسري، وقال هذه أجنبية من الملك ولا أحنث في يميني بأخذها، ثم إنه واقعها وأزال بكارتها، فحملت منه، فلما ظهر عليها الحمل، اتفق أنها تحدثت معه يوما، وقد رأته منشرح الصدر، فقالت له: أنت غلبت أبي وأنا غلبتك، فقال لها: ومن أبوك؟ فقالت له: هو ملك بحر الأردن، وأنا ابنته التي خطبتها منه، وإنني سمعت أنك أقسمت لتقتلني فتحيلت عليك بما سمعت، والآن هذا ولدك في بطني، فلا يتهيأ لك قتلي. فعظم ذلك على أردشير إذ قهرته امرأة وتحيلت عليه حتى تخلصت من يديه، فانتهرها، وخرج من عندها مغضبا، وعوّل على قتلها، ثم ذكر لوزيره ما اتفق له معها، فلما رأى الوزير عزمه قويا على قتلها خشي أن تتحدث الملوك عنه بمثل هذا، وأنه لا يقبل فيها شفاعة شافع، فقال أيها الملك: إن الرأي هو الذي خطر لك والمصلحة هي التي رأيتها أنت، وقتل هذه الجارية في هذا الوقت أولى وهو عين الصواب لأنه أحق من أن يقال أن امرأة قهرت رأي الملك وحنّثته في يمينه «١» لأجل شهوة النفس، ثم قال أيها الملك: إن صورتها مرحومة وحمل الملك معها، وهي أولى بالستر، ولا أرى في قتلها أستر ولا أهون عليها من الغرق، فقال لها الملك: نعم ما رأيت خذها غرقها، فأخذها الوزير ثم خرج بها ليلا إلى بحر الأردن ومعه ضوء ورجال وأعوان، فتحيّل إلى أن طرح شيئا في البحر أوهم من كان معه أنها الجارية، ثم إنه أخفاها عنده، فلما أصبح جاء إلى الملك، فأخبره أنه غرّقها، فشكره على ما فعل. ثم إن الوزير ناول الملك حقا «٢» مختوما وقال أيها الملك إني نظرت مولدي، فرأيت أجلي قد دنا على ما يقتضيه حساب حكماء الفرس في النجوم، وإن لي أولادا وعندي مال قد ادخرته من نعمتك، فخذه إذا أنا مت إن رأيت، وهذا الحق فيه جوهر أسأل الملك أن يقسمه بين أولادي بالسوية فإنه إرثي الذي قد ورثته من أبي وليس عندي شيء مما اكتسبته منه إلا هذا الجوهر. فقال له الملك: يطول الرب في عمرك ومالك لك ولأولادك سواء كنت حيا أو ميتا. فألح عليه الوزير أن يجعل الحق عنده وديعة فأخذه الملك وأودعه عنده في صندوق، ثم مضت أشهر الجارية، فوضعت ولدا ذكرا جميلا حسن الخلقة مثل فلقة القمر، فلاحظ الوزير جانب الأدب في تسميته، فرأى أنه إن اخترع له إسما وسماه به، وظهر لوالده بعد ذلك، فيكون قد أساء الأدب، وإن هو تركه بلا إسم لم يتهيأ له ذلك، فسماه شاه بور ومعنى شاه بور بالفارسية ابن ملك، فإن شاه ملك، وبور ابن، ولغتهم مبنية على تأخير المتقدم وتقديم المتأخر، وهذه تسمية ليس فيها مؤاخذة. ولم يزل الوزير يلاطف الجارية والولد إلى أن بلغ الولد حد التعليم، فعلمه كل ما يصلح لأولاد الملوك من الخط والحكمة والفروسية، وهو يوهم أنه مملوك له اسمه شاه بور، إلى ان راهق البلوغ. هذا كله وأردشير ليس له ولد، وقد طعن في السن وأقعده الهرم، فمرض وأشرف على الموت، فقال للوزير: أيها الوزير: قد هرم جسمي وضعفت قوتي وإني أرى أني ميت لا محالة، وهذا الملك يأخذه من بعدي من قضي له به. فقال الوزير: لو شاء الله أن يكون للملك ولد كان قد ولي بعده الملك، ثم ذكره بأمر بنت ملك بحر الأردن وبحملها، فقال الملك: لقد ندمت على تغريقها. ولو كنت أبقيتها حتى تضع، فلعل حملها يكون ذكرا. فلما شاهد الوزير من الملك الرضا، قال: أيها الملك إنها عندي حية ولقد ولدت وضعت ولدا ذكرا من أحسن

стр. 103

الغلمان خلقا وخلقا، فقال الملك: أحق ما تقول: فأقسم الوزير أن نعم، ثم قال: أيها الملك إن في الولد روحانية تشهد بأبوة الأب وفي الوالد روحانية تشهد ببنوة الإبن، لا يكاد ذلك ينخرم أبدا «١» ، وإنني آتي بهذا الغلام بين عشرين غلاما في سنه وهيئته ولباسه، وكلهم ذوو آباء معروفين خلا هو. وإني أعطي كل واحد منهم صولجانا وكرة وآمرهم أن يلعبوا بين يديك في مجلسك هذا، ويتأمل الملك صورهم، وخلقتهم وشمائلهم، فكل من مالت إليه نفسه وروحانيته فهو هو، فقال الملك: نعم التدبير الذي قلت. فأحضرهم الوزير على هذه الصورة ولعبوا بين يدي الملك، فكان الصبي منهم إذا ضرب الكرة وقربت من مجلس الملك تمنعه الهيبة أن يتقدم ليأخذها إلا شاه بور، فإنه كان إذا ضربها، وجاءت عند مرتبة أبيه تقدم، فأخذها ولا تأخذه الهيبة منه، فلاحظ أردشير ذلك منه مرارا، فقال أيها الغلام ما اسمك؟ قال: شاه بور، فقال له: صدقت أنت ابني حقا، ثم ضمه إليه وقبله بين عينيه. فقال له الوزير: هذا هو ابنك أيها الملك، ثم أحضر بقية الصبيان ومعهم عدول فأثبت لكل صبي منهم والدا بحضرة الملك، فتحقق الصدق في ذلك، ثم جاءت الجارية وقد تضاعف حسنها وجمالها، فقبلت يد الملك، فرضي عنها. فقال الوزير: أيها الملك قد دعت الضرورة في هذا الوقت إلى إحضار الحق المختوم، فأمر الملك بإحضاره، ثم أخذه الوزير وفك ختمه وفتحه فإذا فيه ذكر الوزير وأنثياه مقطوعة مصانه فيه من قبل أن يتسلم الجارية من الملك، وأحضر عدولا من الحكماء وهم الذين كانوا فعلوا به ذلك، فشهدوا عند الملك بأن هذا الفعل فعلناه به من قبل أن يتسلم الجارية بليلة واحدة، قال: فدهش الملك أردشي روبهت لما أبداه هذا الوزير من قوة النفس في الخدمة، وشدة مناصحته، فزاد سروره وتضاعف فرحه لصيانة الجارية وإثبات نسب الولد ولحوقه به، ثم إن الملك عوفي من مرضه الذي كان به وصح جسمه، ولم يزل يتقلب في نعمه وهو مسرور بابنه إلى أن حضرته الوفاة، ورجع الملك إلى ابنه شاه بور بعد موت أبيه، وصار ذلك الوزير يخدم ابن الملك أردشير وشاه بور يحفظ مقامه ويرعى منزلته حتى توفاه الله تعالى، والله تعالى أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب وحسبنا الله ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين. الباب الثامن عشر فيما جاء في القضاء وذكر القضاة وقبول الرشوة والهدية على الحكم وما يتعلق بالديون وذكر القصاص والمتصوفة وفيه فصول الفصل الأول فيما جاء في القضاء وذكر القضاة وأحوالهم وما يجب عليهم قال الله تعالى: يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ بِما نَسُوا يَوْمَ الْحِسابِ «٢» . وقال تعالى: فَاحْكُمْ بَيْنَنا بِالْحَقِّ وَلا تُشْطِطْ «٣» . وقال تعالى: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ «٤» . وقال رسول الله ﷺ : من حكم بين اثنين تحاكما إليه وارتضياه، فلم يقض بينهما بالحق، فعليه لعنة الله. وعن أبي حازم، قال: دخل عمر على أبي بكر رضوان الله عليهما، فسلّم عليه، فلم يرد عليه، فقال عمر لعبد الرحمن بن عوف: أخاف أن يكون وجد عليّ «٥» خليفة رسول الله ﷺ ، فكلم عبد الرحمن أبا بكر، فقال: أتاني، وبين يدي خصمان قد فرغت لهما قلبي وسمعي وبصري، وعلمت أن الله سائلي عنهما وعما قالا وقلت. وادعى رجل على عليّ عند عمر ﵄ وعليّ جالس، فالتفت عمر إليه وقال: يا أبا الحسن

стр. 104

قم فاجلس مع خصمك، فتناظرا، وانصرف الرجل، ورجع عليّ إلى مجلسه، فتبين لعمر التغير في وجه عليّ، فقال يا أبا الحسن ما لي أراك متغيرا، أكرهت ما كان؟ قال: نعم. قال: وما ذاك؟ قال: كنيتني بحضرة خصمي. هلا قلت يا علي قم، فاجلس مع خصمك، فأخذ عمر برأس علي ﵄، فقبله بين عينيه، ثم قال بأبي أنتم بكم هدانا الله وبكم أخرجنا من الظلمات إلى النور. وعن أبي حنيفة ﵁: القاضي كالغريق في البحر الأخضر «١» إلى متى يسبح وإن كان سابحا. وأراد عمر بن هبيرة أن يولي أبا حنيفة القضاء، فأبى، فحلف ليضربنه بالسياط، وليسجننه، فضربه حتى انتفخ وجه أبي حنيفة ورأسه من الضرب، فقال: الضرب بالسياط في الدنيا أهون عليّ من الضرب بمقامع الحديد في الآخرة. وعن عبد الملك بن عمير عن رجل من أهل اليمن قال: أقبل سيل باليمن في خلافة أبي بكر الصديق ﵁، فكتب إلينا، لا تحركوه حتى يقدم إليكم كتابي، ثم فتح، فإذا برجل على سرير عليه سبعون حلة منسوجة بالذهب وفي يده اليمنى لوح مكتوب فيه هذان البيتان: إذا خان الأمير وكاتباه ... وقاضي الأرض داهن في القضاء «٢» فويل ثم ويل ثم ويل ... لقاضي الأرض من قاضي السماء وإذا عند رأسه سيف أشد خضرة من البقلة مكتوب عليه هذا سيف عاد بن إرم. عن ابن أبي أوفى عن النبي ﷺ أنه قال: «إن الله مع القاضي ما لم يجر، فإذا جار برىء الله منه ولزمه الشيطان. وقال محمد بن حريث: بلغني أن نصر بن علي راودوه على القضاء بالبصرة، واجتمع الناس إليه فكان لا يجيبهم فلما ألحوا عليه دخل بيته ونام على ظهره وألقى ملاءة على وجهه وقال: اللهم إن كنت تعلم أني لهذا الأمر كاره فاقبضني إليك، فقبض. وعن أنس ﵁ عن النبي ﷺ القضاة جسور للناس يمرون على ظهورهم يوم القيامة. وقال حفص بن غياث لرجل كان يسأله عن مسائل القضاء: لعلك تريد أن تكون قاضيا، لأن يدخل الرجل أصبعه في عينيه فيقلعهما ويرمي بهما خير له من أن يكون قاضيا. وقيل أول من أظهر الجور من القضاة بلال بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري، كان أمير البصرة وقاضيا فيها وكان يقول إن الرجلين يتقدمان إلي فأجد أحدهما أخف على قلبي من الآخر فأقضي له. وتقدم المأمون بين يدي القاضي يحيى بن أكثم مع رجل ادعى عليه بثلاثين ألف دينار، فطرح للمأمون مصلّى يجلس عليه فقال له يحيى: لا تأخذ على خصمك شرف المجلس، ولم يكن للرجل بينة، فأراد أن يحلف المأمون فدفع إليه المأمون ثلاثين ألف دينار وقال: والله ما دفعت لك هذا المال إلا خشية أن تقول العامة أني تناولتك من جهة القدرة ثم أمر ليحيى بمال وأجزل عطاءه. وقدم خادم من وجوه خدم المعتضد بالله إلى أبي يوسف بن يعقوب في حكم فارتفع الخادم على خصمه في المجلس فزجره الحاجب عن ذلك فلم يقبل، فقال أبو يوسف: قم، أتؤمر أن تقف بمساواة خصمك في المجلس فتمتنع، يا غلام ائتني بعمرو بن أبي عمرو النخّاس «٣» فإنه إن قدم عليّ الساعة أمرته ببيع هذا العبد وحمل ثمنه إلى أمير المؤمنين، ثم إن الحاجب أخذ بيده حتى أوقفه بمساواة خصمه فلما انقضى الحكم رجع الخادم إلى المعتضد وبكى بين يديه وأخبره بالقصة، فقال له: لو باعك لأجزت بيعه ولم أردك إلى ملكي، فليست منزلتك عندي تزن رتبة المساواة بين الخصمين في الحكم فإن ذلك عمود السلطان وقوام الأديان. والله تعالى أعلم. وقال العكلي يمدح بعض القضاة: رفضت وعطلت الحكومة قبله ... في آخرين وملّها روّاضها حتى إذا ما قام ألّف بينها ... بالحق حتى جمّعت أوفاضها «٤» وفي ضد ذلك قول بعضهم: أبكي وأندب ملّة الإسلام ... إذ صرت تقعد مقعد الحكّام إنّ الحوادث ما علمت كبيرة ... وأراك بعض حوادث الأيام

стр. 105

وتقدمت إمرأة إلى قاض، فقال لها: جامعك شهودك، فسكتت، فقال كاتبه: إن القاضي يقول لك جاء شهودك معك، قالت: نعم، هلا قلت مثل ما قال كاتبك كبر سنّك وقلّ عقلك وعظمت لحيتك حتى غطت على لبك، ما رأيت ميتا يقضي بين الأحياء غيرك. وقيل: المضروب بهم المثل في الجهل وتحريف الأحكام، قاضي منى وقاضي كسكر وقاضي أيدج، وهو الذي قال فيه أبو إسحاق الصابي: يا ربّ علج أعلج ... مثل البعير الأهوج «١» رأيته مطلعا ... من خلف باب مرتج «٢» وخلفه عذيبة ... تذهب طورا وتجي «٣» فقلت من هذا ترى ... فقيل قاضي أيدج وقاضي شلبة وهو الذي قال فيه أبو الحسن الجوهري: رأيت رأسا كدبّه ... ولحية كالمذبة «٤» فقلت من أنت قل لي ... فقال قاضي شلبه وتقدمت امرأة جميلة إلى الشعبي فادّعت عنده فقضى لها، فقال هذيل الأشجعي: فتن الشعبيّ لما ... رفع الطرف إليها فتنته ببنان ... كيف لو رأى معصميها ومشت مشيا رويدا ... ثم هزت منكبيها فقضى جورا على الخصم ... ولم يقض عليها فتناشدها الناس وتداولوها حتى بلغت الشعبي فضرب الأشجعي ثلاثين سوطا. وحكى ابن أبي ليلى قال: انصرف الشعبي يوما من مجلس القضاء ونحن معه فمررنا بخادمة تغسل الثياب وهي تقول: فتن الشعبي لما. وأعادته ولم تعرف بقية البيت فلقنها الشعبي وقال: رفع الطرف إليها. ثم قال أبعده الله أما أنا فما قضيت إلا بالحق. وأنشد بعضهم في أمين الحكم: تتماوتنّ إذا مشيت تخشّعا ... حتّى تصيب وديعة ليتيم الفصل الثاني في الرشوة والهدية على الحكم وما جاء في الديون أما الرشوة، فقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: لعن الله الراشي والمرتشي. وقال عمر بن الخطاب ﵁ لا تولوا اليهود ولا النصارى فإنهم يقبلون الرشا ولا يحل في دين الله الرشا، قال الشهيدي: وأصحابنا اليوم أقبل للرشا منهم. وفي نوابغ الحكم: «إن البراطيل تنصر الأباطيل» . وعن ابن مسعود ﵁ قال: من شفع شفاعة ليرد بها حقا أو يدفع بها ظلما، فأهدي له فقبل فذلك السحت «٥» ، فقيل له، ما كنا نرى السحت إلا الأخذ على الحكم، قال: الأخذ على الحكم كفر. وأنشد المبرد رحمه الله تعالى: وكنت إذا خاصمت خصما كببته ... على الوجه حتى خاصمتني الدراهم فلما تنازعنا الحكومة غلّبت ... عليّ وقالت: قم فإنك ظالم وأما الدين وما جاء فيه نعوذ بالله من غلبة الدين وقدر الرجال فقد روي عن أبي أمامة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: من تداين بدين وفي نفسه وفاؤه ثم مات، تجاوز الله عنه وأرضى غريمه بما شاء. ومن تداين بدين وليس في نفسه وفاؤه ثم مات، اقتص الله لغريمه منه يوم القيامة. رواه الحاكم.

стр. 106

وروي عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا أتي له بجنازة لم يسأل عن شيء من عمل الرجل، ويسأل عن دينه فإن قيل عليه دين كف عن الصلاة عليه، وإن قيل ليس عليه دين صلّى عليه، فأتي بجنازة، فلما قام ليكبر ﷺ قال: هل على صاحبكم من دين؟ فقالوا: ديناران يا رسول الله، فعدل النبي ﷺ عنه وقال: صلوا على صاحبكم، فقال علي كرم الله وجهه: هما عليّ يا رسول الله وهو بريء منهما، فتقدم رسول الله ﷺ فصلّى عليه، ثم قال لعلي ﵁: جزاك الله عنه خيرا، فك الله رهانك كما فككت رهان أخيك، إنه ليس من ميت يموت وعليه دين إلا وهو مرتهن بدينه، ومن فك رهان ميت فك الله رهانه يوم القيامة. وقال بعض الحكماء: الدين هم بالليل وذل بالنهار، وهو غل «١» جعله الله في أرضه، فإذا أراد الله أن يذل عبدا جعله طوقا في عنقه. وجاء سعد بن أبي وقاص ﵁ يتقاضى دينا له على رجل، فقالوا: خرج إلى الغزو، فقال أشهد أن رسول الله ﷺ قال: لو أن رجلا قتل في سبيل الله، ثم أحيي، ثم قتل لم يدخل الجنة حتى يقضي دينه. وعن الزهري قال: لم يكن رسول الله ﷺ يصلي على أحد عليه دين، ثم قال بعد: «أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم من مات وعليه دين فعليّ قضاؤه» ثم صلى عليهم. وعن جابر: لا همّ إلا هم الدين ولا وجع إلا وجع العين. وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: من تزوج امرأة بصداق ينوي أن لا يؤديه إليها، فهو زان، ومن استدان دينا ينوي أن لا يقضيه فهو سارق، وقال حبيب بن ثابت: ما احتجت إلى شيء أستقرضه إلا استقرضته من نفسي، أراد أنه يصبر إلى أن تمكن الميسرة، ونظيره قول القائل: وإذا غلا شيء عليّ تركته ... فيكون أرخص ما يكون إذا غلا وقال بعضهم أيضا: لقد كان القريض سمير قلبي ... فألهتني القروض عن القريض وقال غيلان بن مرة التميمي: وإني لأقضي الدّين بالدين بعدما ... يرى طالبي بالدين أن لست قاضيا فأجابه ثعلبة بن عمير: إذا ما قضيت الدين بالدين لم يكن ... قضاء ولكن ذاك غرم على غرم واستقرض من الأصمعي خليل له فقال: حبا وكرامة، ولكن سكّن قلبي برهن يساوي ضعف ما تطلبه، فقال: يا أبا سعيد أما تثق بي؟ قال: بلى، وإن خليل الله كان واثقا بربه، وقد قال له: وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي «٢» ، اللهم أوف عنّا دين الدنيا بالميسرة، ودين الآخرة بالمغفرة، برحمتك يا أرحم الراحمين. الفصل الثالث في ذكر القصّاص والمتصوفة وما جاء في الرياء ونحو ذلك أما ما جاء في ذكر القصاص والمتصوفة: فقد روي عن خباب بن الأرت قال: قال رسول الله ﷺ أن بني إسرائيل لما قصّوا هلكوا. وروي أن كعبا كان يقص، فلما سمع الحديث ترك القصص. وقال ابن عمر ﵄: لم يقص أحد على عهد رسول الله ﷺ ولا عهد أبي بكر وعمر وعثمان وعلي ﵃ وإنما كان القصص حين كانت الفتنة. وقال ابن المبارك: سألت الثوري، من الناس؟ قال العلماء، قلت: فمن الأشراف؟ قال: المتقون، قلت: فمن الملوك؟ قال: الزهاد، قلت: فمن الغوغاء؟ قال: القصّاص الذين يستأصلون أموال الناس بالكلام، قلت: فمن السفهاء؟ قال: الظلمة. قيل: وهب رجل لقاص خاتما بلا فص، فقال وهب الله لك في الجنة غرفة بلا سقف. وقال قيس بن جبير النهشلي، الصعقة التي عند القصاص من الشيطان. وقيل لعائشة ﵂: إن أقواما إذا سمعوا القرآن صعقوا، فقالت: القرآن أكرم وأعظم من أن تذهب منه عقول الرجال. وسئل ابن سيرين عن أقوام يصعقون عند سماع القرآن، فقال: ميعاد ما بيننا وبينهم أن يجلسوا على حائط، فيقرأ عليهم القرآن من أوله إلى آخره فإن صعقوا، فهو كما قالوا. وكان بمرو قاص يبكي بمواعظه، فإذا طال مجلسه بالبكاء أخرج من كمه طنبورا صغيرا فيحركه ويقول: مع هذا الغم الطويل يحتاج إلى فرح ساعة. وقال بعضهم: قلت لصوفي بعني جبتك، فقال: إذا باع

стр. 107

الصياد شبكته فبأي شيء يصيد. وسئل بعض العلماء عن المتصوفة، فقال: أكلة رقصة، ووعظ عيسى ﵇ بني إسرائيل، فأقبلوا يمزقون الثياب، فقال: ما ذنب الثياب، أقبلوا على القلوب فعاتبوها. وأما ما جاء في الرياء: فقد قال الله تعالى: يُراؤُنَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا «١» . وعن معاذ بن جبل ﵁ قال: قال لي رسول الله ﷺ : «يا معاذ احذر أن يرى عليك آثار المحسنين، وأنت تخلو من ذلك فتحشر مع المرائين» . وقيل: لو أن رجلا عمل عملا من البر فكتمه ثم أحب أن يعلم الناس أنه كتمه، فهو من أقبح الرياء. وقيل: كل ورع يحب صاحبه أن يعلمه غير الله، فليس من الله في شيء. وعن شداد بن أوس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر» ، قالوا: ما الشرك الأصغر يا رسول الله؟ قال: «الرياء» «٢» . وقيل: بينما عابد يمشي ومعه غمامة على رأسه تظله، فجاء رجل يريد أن يستظل معه، فمنعه. وقال إن أقمت معي لم يعلم الناس أن الغمامة تظلني، فقال له الرجل قد علم الناس أنني لست ممن تظله الغمامة، فحولها الله تعالى إلى ذلك الرجل. وقال عبد الأعلى السلمي يوما: الناس يزعمون أني مراء وكنت أمس والله صائما ولا أخبرت بذلك أحدا. اللهم أصلح فساد قلوبنا واستر فضائحنا برحمتك يا أرحم الراحمين، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. الباب التاسع عشر في العدل والإحسان والإنصاف وغير ذلك إعلم أرشدك الله أن الله تعالى أمر بالعدل، ثم علم أنه ليس كل النفوس تصلح على العدل بل تطلب الإحسان وهو فوق العدل فقال تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى «٣» الآية. فلو وسع الخلائق العدل ما قرن الله به الإحسان. والعدل ميزان الله تعالى في الأرض الذي يؤخذ به للضعيف من القوي والمحق من المبطل. واعلم أن عدل الملك يوجب محبته، وجوره يوجب الافتراق عنه، وأفضل الأزمنة ثوابا أيام العدل. وروينا من طريق أبي نعيم عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «لعمل الإمام العادل في رعيته يوما واحدا أفضل من عمل العابد في أهله مائة عام أو خمسين عاما» «٤» . وروي عن النبي ﷺ أنه قال: «عدل ساعة خير من عبادة سبعين سنة» . وروينا في سنن أبي داود من حديث أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ أنه قال: «ثلاثة لا ترد دعوتهم: الإمام العادل، والصائم حتى يفطر، ودعوة المظلوم تحمل على الغمام وتفتح لها أبواب السماء» . وعن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال لكعب الأحبار: أخبرني عن جنة عدن، قال: يا أمير المؤمنين لا يسكنها إلا نبي أو صديق أو شهيد أو إمام عادل، فقال عمر: والله ما أنا نبي، وقد صدقت رسول الله ﷺ وأما الإمام العادل، فإني أرجو أن لا أجور، وأما الشهادة فأنّى لي بها. قال الحسن: فجعله الله صديقا شهيدا حكما عدلا. وسأل الإسكندر حكماء أهل بابل: إيما أبلغ عندكم؟ الشجاعة أو العدل، قالوا إذا استعملنا العدل استغنينا به عن الشجاعة. ويقال: عدل السلطان أنفع من خصب الزمان. وقيل: إذا رغب السلطان عن العدل رغبت الرعية عن طاعته. وكتب بعض عمال عمر بن عبد العزيز ﵁ يشكو إليه من خراب مدينته ويسأله مالا يرمّها به «٥» ، فكتب إليه عمر قد فهمت كتابك، فإذا قرأت كتابي، فحصن مدينتك بالعدل، ونق طرقها من الظلم، فإنه مرمتها والسلام. ويقال: إن الحاصل من خراج سواد العراق في

стр. 108

زمن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ كان مائة ألف ألف وسبعة وثلاثين ألف ألف، فلم يزل يتناقص حتى صار في زمن الحجاج ثمانية عشر ألف ألف. فلما ولي عمر بن عبد العزيز ﵁ ارتفع في السنة الأولى إلى ثلاثين ألف ألف، وفي الثانية إلى ستين ألف ألف، وقيل أكثر. وقال: إن عشت لأبلغنه إلى ما كان في أيام أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁، فمات في تلك السنة. ومن كلام كسرى: لا ملك إلا بالجند، ولا جند إلا بالمال، ولا مال إلا بالبلاد ولا بلاد إلا بالرعايا، ولا رعايا إلا بالعدل. ولما مات سلمة بن سعيد كان عليه ديون للناس ولأمير المؤمنين المنصور، فكتب المنصور لعامله استوف لأمير المؤمنين حقه، وفرق ما بقي بين الغرماء، فلم يلتفت إلى كتابه، وضرب للمنصور بسهم من المال، كما ضرب لأحد الغرماء، ثم كتب للمنصور: إني رأيت أمير المؤمنين كأحد الغرماء، فكتب إليه المنصور: ملئت الأرض بك عدلا. وكان أحمد بن طولون والي مصر متحليا بالعدل مع تجبره وسفكه للدماء، وكان يجلس للمظالم وينصف المظلوم من الظالم. حكي أن ولده العباس استدعى بمغنية وهو يصطبح يوما، فلقيها بعض صالحي مصر ومعها غلام يحمل عودها فكسره، فدخل العباس إليه وخبره بذلك، فأمره بإحضار ذلك الرجل الصالح، فلما أحضر إليه قال: أنت الذي كسرت العود، قال: نعم. قال: أفعلمت لمن هو؟ قال: نعم هو لابنك العباس، قال: أفما أكرمته لي، قال أكرمه لك بمعصية الله ، والله تعالى يقول: وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ «١» . ورسول الله ﷺ يقول: لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. فأطرق أحمد بن طولون عند ذلك، ثم قال: كل منكر رأيته فغيره وأنا من ورائك «٢» . ووقف يهودي لعبد الملك بن مروان فقال: يا أمير المؤمنين إن بعض خاصتك ظلمني فأنصفني منه وأذقني حلاوة العدل، فأعرض عنه، فوقف له ثانيا، فلم يلتفت إليه، فوقف له مرة ثالثة، وقال يا أمير المؤمنين إنا نجد في التوراة المنزّلة على كليم الله موسى صلوات الله وسلامه عليه: إن الإمام لا يكون شريكا في ظلم أحد حتى يرفع إليه فإذا رفع إليه ذلك ولم يزله، فقد شاركه في الظلم والجور. فلما سمع عبد الملك كلامه فزع وبعث في الحال إلى من ظلمه، فعزله وأخذ لليهودي حقه منه. وروي أن رجلا من العقلاء غصبه بعض الولاة ضيعة له، فأتى إلى المنصور، فقال له: أصلحك الله يا أمير المؤمنين أأذكر لك حاجتي أم أضرب لك قبلها مثلا؟ فقال: بل اضرب المثل. فقال: إن الطفل الصغير إذا نابه أمر يكرهه فإنما يفزع إلى أمه إذ لا يعرف غيرها وظنا منه أن لا ناصر له غيرها، فإذا ترعرع واشتد كان فراره إلى أبيه، فإذا بلغ وصار رجلا وحدث به أمر شكاه إلى الوالي لعلمه أنه أقوى من أبيه، فإذا زاد عقله شكاه إلى السلطان لعلمه أنه أقوى مما سواه، فإن لم ينصفه السلطان شكاه إلى الله تعالى لعلمه أنه أقوى من السلطان، وقد نزلت بي نازلة، وليس أحد فوقك أقوى منك إلا الله تعالى، فإن أنصفتني وإلا رفعت أمري إلى الله تعالى في الموسم، فإني متوجه إلى بيته وحرمه. فقال المنصور: بل ننصفك، وأمر أن يكتب إلى واليه بردّ ضيعته إليه. وكان الإسكندر يقول: «يا عباد الله إنما إلهكم الله الذي في السماء الذي نصر نوحا بعد حين، الذي يسقيكم الغيث عند الحاجة، وإليه مفزعكم «٣» عند الكرب، والله لا يبلغني أن الله تعالى أحب شيئا إلا أحببته واستعملته إلى يوم أجلي، ولا أبغض شيئا إلا أبغضته وهجرته إلى يوم أجلي، وقد أنبئت أن الله تعالى يحب العدل في عباده ويبغض الجور من بعضهم على بعض، فويل للظالم من سيفي وسوطي، ومن ظهر منه العدل من عمالي، فليتكىء في مجلسي كيف شاء، وليتمن على ما شاء فلن تخطئه أمنيته، والله تعالى المجازي كلا بعمله «٤» . ويقال: إذا لم يعمر الملك ملكه بالإنصاف خرب ملكه بالعصيان. وقيل: مات بعض الأكاسرة فوجدوا له سفطا، ففتح، فوجد فيه حبة رمان كأكبر ما يكون من النوى معها رقعة مكتوب فيها: هذه من حب رمان عمل في خراجه بالعدل.

стр. 109

وقيل: تظلّم أهل الكوفة من واليهم، فشكوه إلى المأمون، فقال ما علمت في عمالي أعدل ولا أقوم بأمر الرعية وأعود بالرفق عليهم منه، فقال رجل منهم: يا أمير المؤمنين ما أحد أولى بالعدل والإنصاف منك، فإن كان بهذه الصفة فعلى أمير المؤمنين أن يوليه بلدا بلدا حتى يلحق كل بلد من عدله مثل الذي لحقنا ويأخذ بقسطه منه كما أخذنا، وإذا فعل ذلك لم يصبنا منه أكثر من ثلاث سنين، فضحك المأمون من قوله وعزله عنهم. وقدم المنصور البصرة قبل الخلافة، فنزل بواصل بن عطاء «١» وقال: بلغني أبيات عن سليم بن يزيد العدوي في العدل، فقم بنا إليه، فأشرف عليهم من غرفة، فقال لواصل من هذا الذي معك؟ قال: عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس ﵃، فقال: رحب على رحب، وقرب على قرب، فقال: أنه يحب أن يسمع أبياتك في العدل، فقال: سمعا وطاعة، وأنشد يقول: حتى متى لا نرى عدلا نسرّ به ... ولا نرى لولاة الحق أعوانا مستمسكين بحق قائمين به ... إذا تلوّن أهل الجور ألوانا يا للرجال لداء لا دواء له ... وقائد ذي عمىّ يقتاد عميانا فقال المنصور: وددت لو أني رأيت يوم عدل «٢» ثم مت. وقيل: لما ولي عمر بن عبد العزيز أخذ في رد المظالم، فابتدأ بأهل بيته، فاجتمعوا إلى عمة له كان يكرمها وسألوها أن تكلمه، فقال لها: إن رسول الله ﷺ سلك طريقا، فلما قبض سلك أصحابه ذلك الطريق الذي سلكه رسول الله ﷺ ، فلما قضي الأمر إلى معاوية جره يمينا وشمالا، وأيم الله لئن مدّ في عمري لأردنه إلى ذلك الطريق الذي سلكه رسول الله ﷺ وأصحابه. فقالت له: يا ابن أخي إني أخاف عليك منهم يوما عصيبا، فقال كل يوم أخافه دون يوم القيامة، فلا أمننيه الله. وقال وهب بن منبه: إذا هم الوالي بالجور أو عمل به أدخل الله النقص في أهل مملكته في الأسواق والزروع والضروع «٣» وكل شيء، وإذا همّ بالخير والعدل أو عمل به أدخل الله البركة في أهل مملكته كذلك. قال الوليد بن هشام: إن الرعية لتصلح بصلاح الوالي وتفسد بفساده. وقال ابن عباس ﵄: أن ملكا من الملوك خرج يسير في مملكته متنكرا، فنزل على رجل له بقرة تحلب قدر ثلاث بقرات، فتعجب الملك من ذلك وحدثته نفسه بأخذها، فلما كان من الغد حلبت له النصف مما حلبت بالأمس، فقال له الملك: ما بال حلبها نقص أرعت في غير مرعاها بالأمس؟ فقال: لا ولكن أظن أن ملكنا رآها أو وصله خبرها فهمّ بأخذها، فنقص لبنها، فإن الملك إذا ظلم أو همّ بالظلم ذهبت البركة. فتاب الملك وعاهد ربه في نفسه أن لا يأخذها ولا يحسد أحدا من الرعية، فلما كان من الغد حلبت عادتها. ومن المشهور بأرض المغرب أن السلطان بلغه أن امرأة لها حديقة فيها القصب الحلو وأن كل قصبة منها تعصر قدحا، فعزم الملك على أخذها منها، ثم أتاها وسألها عن ذلك، فقالت: نعم، ثم إنها عصرت قصبة، فلم يخرج منها نصف قدح، فقال لها: أين الذي كان يقال؟ فقالت: هو الذي بلغك إلا أن يكون السلطان قد عزم على أخذها مني، فارتفعت البركة منها، فتاب الملك وأخلص لله النية وعاهد الله أن لا يأخذها منها أبدا، ثم أمرها فعصرت قصبة منها فجات ملء قدح. وحكى سيدي أبو بكر الطرطوشي ﵀ في كتابه «سراج الملوك» قال: حدثني بعض الشيوخ ممن كان يروي الأخبار بمصر قال: كان بصعيد مصر نخلة تحمل عشرة أرادب ولم يكن في ذلك الزمان نخلة تحمل نصف ذلك، فغصبها السلطان، فلم تحمل شيئا في ذلك العام، ولا تمرة واحدة. وقال لي شيخ من أشياخ الصعيد: أعرف هذه النخلة وقد شاهدتها وهي تحمل عشرة أرادب وستين ويبة وكان صاحبها يبيعها في سني الغلاء كل ويبة بدينار. وحكي أيضا رحمه الله تعالى قال: شهدت في الإسكندرية والصيد مطلق للرعية السمك يطفو على الماء لكثرته، وكانت الأطفال تصيده بالخرق من جانب البحر، ثم حجزه الوالي ومنع الناس من صيده، فذهب السمك حتى لا يكاد يوجد إلى يومنا هذا، وهكذا تتعدى سرائر الملوك وعزائمهم ومكنون ضمائرهم إلى الرعية إن خيرا

стр. 110

فخير وإن شرا فشر. وروى أصحاب التواريخ في كتبهم قالوا كان الناس إذا أصبحوا في زمان الحجاج يتساءلون إذا تلاقوا من قتل البارحة ومن صلب ومن جلد ومن قطع وما أشبه ذلك، وكان الوليد بن هشام صاحب ضياع واتخاذ مصانع فكان الناس يتساءلون في زمانه عن البنيان والمصانع والضياع وشق الأنهار وغرس الأشجار، ولما ولي سليمان بن عبد الملك وكان صاحب طعام ونكاح كان الناس يتحدثون ويتساءلون في الأطعمة الرفيعة ويتغالون في المناكح والسراري ويعمرون مجالستهم بذكر ذلك، ولما ولي عمر ابن عبد العزيز ﵁ كان الناس يتساءلون كم تحفظ من القرآن وكم وردك كل ليلة وكم يحفظ فلان وكم يختم وكم يصوم من الشهر وما أشبه ذلك «١» . فينبغي للإمام أن يكون على طريقة الصحابة والسلف ﵃ ويقتدي بهم في الأقوال والأفعال فمن خالف ذلك فهو لا محالة هالك وليس فوق السلطان العادل منزلة إلا نبي مرسل أو ملك مقرب. وقد قيل إن مثله كمثل الرياح التي يرسلها الله تعالى بشرا بين يدي رحمته فيسوق بها السحاب ويجعلها لقاحا للثمرات وروحا للعباد. ولو تتبعت ما جاء في العدل والإنصاف وفضل الإمام العادل لألّفت في ذلك مجموعا جامعا لهذا المعنى ولكن اقتصرت على ما ذكرته مخافة أن يمله الناظر ويسأمه السامع، وبالله التوفيق إلى أقوم طريق وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. الباب العشرون في الظلم وشؤمه وسوء عواقبه وذكر الظلمة وأحوالهم وغير ذلك قال الله تعالى: أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ «٢» وقال تعالى: وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ «٣» قيل: هذا تسلية للمظلوم ووعيد للظالم وقال تعالى: إِنَّا أَعْتَدْنا لِلظَّالِمِينَ ناراً أَحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها «٤» وقال تعالى: وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ «٥» . وقال رسول الله ﷺ : «من مشى مع ظالم ليعينه وهو يعلم أنه ظالم خرج من الإسلام» . وقال أيضا ﷺ : «رحم الله عبدا كان لأخيه قبله مظلمة في عرض أو مال فأتاه فتحلله منها قبل أن يأتي يوم القيامة وليس معه دينار ولا درهم» . وقال أيضا: ﷺ «من اقتطع حق امرىء مسلم أوجب الله له النار وحرم عليه الجنة» ، فقال له رجل: يا رسول الله ولو كان شيئا يسيرا، قال: «ولو كان قضيبا من أراك» . وعن حذيفة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «أوحى الله تعالى إلي يا أخا المرسلين يا أخا المنذرين أنذر قومك فلا يدخلوا بيتا من بيوتي ولأحد من عبادي عند أحد منهم مظلمة، فإني ألعنه ما دام قائما يصلي بين يدي حتى يرد تلك الظلامة إلى أهلها فأكون سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويكون من أوليائي وأصفيائي ويكون جاري مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين في الجنة» . وعن علي ﵁ عن النبي ﷺ : «إياك ودعوة المظلوم فإنما يسأل الله تعالى حقه» ، وعنه ﷺ أنه قال: «ما من عبد ظلم فشخص ببصره إلى السماء «٦» إلا قال الله لبيك عبدي حقا لأنصرنك ولو بعد حين» ، وعنه أيضا أنه قال: ألا إن الظلم ثلاثة فظلم لا يغفر وظلم لا يترك وظلم مغفور لا يطلب، فأما الظلم الذي لا يغفر فالشرك بالله والعياذ بالله تعالى، قال الله تعالى إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ «٧» وأما الظلم الذي لا يترك فظلم العباد بعضهم بعضا «٨» ، وأما الظلم المغفور الذي لا يطلب فظلم العبد نفسه. ومر رجل برجل قد صلبه الحجاج فقال: يا رب إن
следующие страницы →