Полный текст (517 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
وقد قال الشاعر:
ولا شيء يدوم فكن حديثا ... جميل الذكر فالدنيا حديث
فانتهز فرصة العمر ومساعدة الدنيا ونفوذ الأمر وقدم لنفسك كما قدموا، تذكر بالصالحات كما ذكروا، وادّخر نفسك في القيامة كما ادّخروا، واعلم أن المأكول للبدن والموهوب للمعاد والمتروك للعدو، فاختر أي الثلاث شئت.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الباب الرابع والثلاثون في البخل والشح وذكر البخلاء وأخبارهم وما جاء عنهم
قال الله تعالى: الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ
«١» الآية.
وقال رسول الله ﷺ : «إيّاكم والشّحّ فإن الشح أهلك من كان قبلكم» وعنه ﷺ أنه قال: «البخل جامع لمساوىء القلوب وهو زمام يقاد به إلى كل سوء» . وقالت أم البنين أخت عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنهما: إن البخل لو كان قميصا ما لبسته أو كان طريقا ما سلكته.
وقيل: بخلاء العرب أربعة: الحطيئة وحميد الأرقط وأبو الأسود الدؤلي وخالد بن صفوان. فأما الحطيئة فمرّ به إنسان وهو على باب داره وبيده عصا، فقال: أنا ضيف فأشار إلى العصا وقال: لكعاب الضيفان أعددتها. وأما حميد الأرقط، فكان هجاء للضيفان فحّاشا عليهم، نزل به مرة أضياف، فأطعمهم تمرا، وهجاهم وذكر أنهم أكلوه بنواه. وأما أبو الأسود، فتصدّق على سائل بتمرة، فقال له: جعل الله نصيبك من الجنة مثلها. وكان يقول: لو أطعنا المساكين في أموالنا كنا أسوأ حالا منهم. وأما خالد بن صفوان، فكان يقول للدرهم إذا دخل عليه:
يا عيّار كم تعير وكم تطرف وتطير، لأطيلن حبسك. ثم يطرحه في الصندوق ويقفل عليه. وقيل له: لم لا تنفق، ومالك عريض؟ فقال: الدهر أعرض منه.
وأنشد بعضهم:
وهبني جمعت المال ثم خزنته ... وحانت وفاتي هل أزاد به عمرا
إذا خزّن المال البخيل فإنّه ... سيورثه غمّا ويعقبه وزرا «٢»
واستأذن حنظلة على صديق له بخيل، فقيل: هو محموم، فقال: كلوا بين يديه حتى يعرق. وكتب سهل بن هارون كتابا في مدح البخل وأهداه إلى الحسن بن سهل فوقع على ظهره، «قد جعلنا ثوابك عليه ما أمرت به فيه» «٣» .
وقال ابن أبي فنن:
ذريني وإتلافي لمالي فإنّني ... أحبّ من الأخلاق ما هو أجمل
وإنّ أحقّ الناس باللوم شاعر ... يلوم على البخل الرجال ويبخل
وكان عمر بن يزيد الأسدي بخيلا جدا، أصابه القولنج «٤» في بطنه فحقنه الطبيب بدهن كثير فانحل ما في بطنه في الطست، فقال لغلامه: اجمع الدهن الذي نزل من الحقنة وأسرج به. وكان المنصور شديد البخل جدا، مر به مسلم الحادي في طريقه إلى الحج، فحدا له يوما بقول الشاعر:
أغرّ بين الحاجبين نوره ... يزينه حياؤه وخيره «٥»
ومسكه يشوبه كافوره ... إذا تغذّى رفعت ستوره «٦»
فطرب حتى ضرب برجله المحمل ثم قال: يا ربيع أعطه نصف درهم، فقال مسلم: نصف درهم! يا أمير المؤمنين، والله لقد حدوت لهشام، فأمر لي بثلاثين ألف درهم. فقال: تأخذ من بيت مال المسلمين ثلاثين ألف درهم، يا ربيع: وكّل به من يستخلص منه هذا المال. قال
стр. 177
الربيع: فما زلت أمشي بينهما وأروضه حتى شرط مسلم على نفسه أن يحدو له في ذهابه وإيابه بغير مؤنة.
وكان أبو العتاهية، ومروان بن أبي حفصة بخيلين يضرب ببخلهما المثل، قال مروان: ما فرحت بشيء أشد مما فرحت بمائة ألف درهم وهبها لي المهدي، فوزنتها فرجحت درهما، فاشتريت به لحما. واشترى يوما لحما بدرهم، فلما وضعه في القدر دعاه صديقه، فرد اللحم على القصاب بنقصان دانقين، فجعل القصاب ينادي على اللحم ويقول: هذا لحم مروان، واجتاز يوما بأعرابية، فأضافته، فقال: إن وهب لي أمير المؤمنين مائة ألف درهم وهبت لك درهما، فوهبه سبعين ألف درهم، فوهبها أربعة دوانق.
ومن الموصوفين بالبخل: أهل مرو، يقال إن عادتهم إذا ترافقوا في سفر أن يشتري كل واحد منهم قطعة لحم ويشكها في خيط ويجمعون اللحم كله في قدر، ويمسك كل واحد منهم طرف خيطه، فإذا استوى جر كل منهم خيطه وأكل لحمه وتقاسموا المرق.
وقيل لبخيل: من أشجع الناس؟ قال: من سمع وقع أضراس الناس على طعامه ولم تنشق مرارته. وقيل لبعضهم: أما يكسوك محمد بن يحيى؟ فقال: والله لو كان له بيت مملوء إبرا، وجاء يعقوب ومعه الأنبياء شفعاء والملائكة ضمناء يستعير منه إبرة ليخيط بها قميص يوسف الذي قدّ من دبر «١» ، ما أعاره إياها، فكيف يكسوني؟ وقد نظم ذلك من قال:
لو أن دارك أنبتت لك واحتشت ... إبرا يضيق بها فناء المنزل
وأتاك يوسف يستعيرك إبرة ... ليخيط قدّ قميصه لم تفعل
وكان المتنبي بخيلا جدا مدحه إنسان بقصيدة، فقال له:
كم أمّلت منا على مدحك؟ قال: عشرة دنانير. قال له:
والله لو ندفت قطن الأرض بقوس السماء على جباه الملائكة ما دفعت لك دانقا.
وقال دعبل: كنا عند سهل بن هارون، فلم نبرح حتى كاد يموت من الجوع، فقال: ويلك يا غلام آتنا غداءنا، فأتي بقصعة فيها ديك مطبوخ تحته ثريد قليل، فتأمل الديك فرآه بغير رأس، فقال لغلامه: وأين الرأس؟ فقال:
رميته، فقال: والله إني لأكره من يرمي برجله، فكيف برأسه؟ ويحك أما علمت أن الرأس رئيس الأعضاء ومنه يصيح الديك ولولا صوته ما أريد، وفيه فرقه الذي يتبرك به وعينه التي يضرب بها المثل، فيقال: شراب كعين الديك، ودماغه عجيب لوجع الكلية، ولم نر عظما أهش تحت الأسنان من عظم رأسه، وهبك ظننت أني لا آكله، أما قلت عنده من يأكله. أنظر في أي مكان رميته فأتني به.
فقال: والله لا أدري أين رميته، فقال: ولكني أنا أعرف أين رميته. رميته في بطنك، الله حسبك.
وقيل: من الناس من يبخل بالطعام ويجود بالمال وبالعكس. قال بعضهم في أبي دلف:
أبو دلف يضيّع ألف ألف ... ويضرب بالحسام على الرّغيف
أبو دلف لمطبخه قتار ... ولكن دونه سلّ السيوف «٢»
واشتكى رجل مروزي صدره من سعال، فوصفوا له سويق اللوز فاستثقل النفقة، ورأى الصبر على الوجع أخف عليه من الدواء، فبينما هو يماطل الأيام ويدافع الآلام إذ أتاه بعض أصدقائه، فوصف له ماء النّخالة، وقال: إنه يجلو الصدر، فأمر بالنخالة فطبخت له وشرب من مائها، فجلا صدره ووجده يعصم «٣» ، فلما حضر غداؤه أمر به، فرفع إلى العشاء، وقال لامرأته: اطبخي لأهل بيتنا النخالة فإني وجدت ماءها يعصم ويجلو الصدور. فقالت: لقد جمع الله لك بهذه النخالة بين دواء وغذاء، فالحمد لله على هذه النعمة «٤» .
وعن خاقان بن صبح قال: دخلت على رجل من أهل خراسان ليلا فأتانا بمسرجة فيها فتيلة في غاية الرقة، وقد علق فيها عودا بخيط، فقلت له: ما بال هذا العود مربوطا؟
قال: قد شرب الدهن وإذا ضاع ولم نحفظه احتجنا إلى غيره، فلا نجد إلا عودا عطشانا، ونخشى أن يشرب الدهن.
قال: فبينما أنا أتعجب وأسأل الله العافية إذ دخل علينا شيخ من أهل مرو، فنظر إلى العود، فقال الرجل: يا فلان
стр. 178
لقد فررت من شيء ووقعت فيما هو شر منه، أما علمت أن الريح والشمس يأخذان من سائر الأشياء وينشفان هذا العود، لم لا اتخذت مكان هذا العود إبرة من حديد، فإن الحديد أملس وهو مع ذلك غير نشاف، والعود أيضا ربما يتعلق به شعرة من قطن الفتيلة فينقصها. فقال له الرجل الخراساني: أرشدك الله، ونفع بك، فلقد كنت في ذلك من المسرفين.
وقال الهيثم بن عدي: نزل على أبي حفصة الشاعر رجل من اليمامة، فأخلى له المنزل ثم هرب مخافة أن يلزمه قراه في هذه الليلة فخرج الضيف واشترى ما احتاج إليه، ثم رجع وكتب إليه:
يا أيها الخارج من بيته ... وهاربا من شدة الخوف
ضيفك قد جاء بزاد له ... فارجع وكن ضيفا على الضيف
واشترى رجل من البخلاء دارا وانتقل إليها، فوقف ببابه سائل فقال له: فتح الله عليك. ثم وقف ثان، فقال له مثل ذلك، ثم وقف ثالث، فقال له مثل ذلك، ثم التفت إلى ابنته، فقال لها: ما أكثر السّؤال في هذا المكان. قالت:
يا أبت ما دمت مستمسكا لهم بهذه الكلمة فما تبال كثروا أم قلوا. وألأم اللئام وأبخلهم حميد الأرقط الذي يقال له هجّاء الأضياف، وهو القائل في ضيف له يصف أكله بهذا البيت من قصيدة له:
ما بين لقمته الأولى إذا انحدرت ... وبين أخرى تليها قيد أظفور
وقال فيه أيضا:
تجهز كفّاه ويحدر حلقه ... إلى الزور ما ضمّت عليه الأنامل «١»
وأكل أعرابي مع أبي الأسود رطبا فأكثر، ومد أبو الأسود يده إلى رطبة ليأخذها فسبقه الأعرابي إليها فسقطت منه في التراب، فأخذها أبو الأسود وقال: لا أدعها للشيطان يأكلها، فقال الأعرابي: والله ولا لجبريل وميكائيل لو نزل من السماء ما تركها.
وقال أعرابي لنزيل نزل به: نزل بواد غير ممطور ورجل بك غير مسرور، فأقم بعدم أو ارحل بندم.
وللحمدوني:
رأيت أبا زرارة قال يوما ... لحاجبه وفي يده الحسام
لئن وضع الخوان ولاح شخص ... لاختطفن رأسك والسلام
فقال سوى أبيك فذاك شيخ ... بغيض ليس يردعه الكلام
فقام وقال من حنق إليه ... ببيت لم يرد فيه القيام
أبي وابنا أبي والكلب عندي ... بمنزلة إذا حضر الطعام
وقال له أبن لي يا ابن كلب ... على خبزي أصادر أو أضام
إذا حضر الطعام فلا حقوق ... علي لوالديّ ولا ذمام
فما في الأرض أقبح من خوان ... عليه الخبز يحضره الزحام
فأين هذا من القائل:
بخيل يرى في الجود عارا وإنما ... يرى المرء عارا أن يضنّ ويبخلا
إذا المرء أثرى ثم لم يرج نفعه ... صديق فلاقته المنية أوّلا
وقال آخر:
وآمرة بالبخل قلت لها اقصري ... فليس إليه ما حييت سبيل
أرى الناس إخوان الكريم وما أرى ... بخيلا له في العالمين خليل
وقالوا: إذا سألت لئيما شيئا فعاجله ولا تدعه يفكر، فإنه كلما فكّر ازداد بعدا وقال ربعي الهمداني:
جمعت صنوف المال من كلّ وجهة ... وما نلتها إلّا بكفّ كريم
وإني لأرجو أن أموت وتنقضي ... حياتي وما عندي يد للئيم
وأنشد الجاحظ لأبي الشمقمق:
ممّن تعلمت هذا ... أن لا تجود بشي
стр. 179
أما مررت بعبدة ... لعبد حاتم طي
ومما قالته الشعراء في البخلاء وطعامهم، فمن أهجى ما قيل فيهم بيت جرير في بني تغلب:
والتغلبي إذا تنحنح للقرى ... حكّ أسته وتمثّل الأمثالا
وله أيضا فيهم:
قوم إذا أكلوا أخفوا كلامهم ... واستوثقوا من رتاج الباب والدار
قوم إذا استنبح الضيفان كلبهم ... قالوا لأمّهم بولي على النار
فتمنع البول شحّا أن تجود به ... وما تبول لهم إلّا بمقدار
والخبز كالعنبر الهندي عندهم ... والقمح خمسون إردبّا بدينار
فأين هؤلاء من الذي قال فيه الشاعر:
أبلج بين حاجبيه نوره ... إذا تغدى رفعت ستوره
وقال بعضهم في بخيل:
أتانا بخيل بخبز له ... كمثل الدراهم في رقته
إذا ما تنفس حول الخوان ... تطاير في البيت من خفّته
وقال آخر:
تراهم خشية الأضياف خرسا ... يقيمون الصلاة بلا أذان
وقال آخر وقد بات عند بخيل:
فبتنا كأنّا بينهم أهل مأتم ... على ميّت مستودع بطن ملحد
يحدّث بعضا بعضنا بمصابه ... ويأمر بعضا بعضنا بالتجلد «١»
وقال آخر:
وجيرة لا ترى في الناس مثلهم ... إذا يكون لهم عيد وإفطار
إن يوقدوا يوسعونا من دخانهم ... وليس يبلغنا ما تطبخ النار
وقال آخر وأجاد:
فصدّق أيمانه إن قال مجتهدا ... لا والرغيف فذاك البرّ من قسمه
فإن هممت به فاعبث بخبزته ... فإنّ موقعها من لحمه ودمه
قد كان يعجبني لو أنّ غيرته ... على جرادقه «٢» كانت على حرمه
وقال آخر:
ذهب الكرام فلا كرام ... وبقي العضاريط اللّئام
من لا يقيل ولا يني ... ل ولا يشمّ له طعام
وقال آخر:
خليلي من كعب أعينا أخاكما ... على دهره إنّ الكريم معين
ولا تبخلا بخل ابن قزعة إنه ... مخافة أن يرجى نداء حزين
إذا جئته في حاجة سدّ بابه ... فلم تلقه إلّا وأنت كمين «٣»
وقال آخر:
له يومان يوم ندى ويومّ ... يسل السيف فيه من القراب «٤»
فأما جوده فعلى قحاب ... وأما سيفه فعلى الكلاب
وقال آخر:
زففت إلى نبهان من صفو فكرتي ... عروسا غدا بطن الكتاب لها صدرا
فقبّلها عشرا وهام بحبها ... فلما ذكرت المهر طلّقها عشرا
стр. 180
وقال آخر:
لو عبر البحر بأمواجه ... في ليلة مظلمة باردة
وكفّه مملوءة خردلا ... ما سقطت من كفّه واحدة «١»
وقال آخر:
يا قائما في داره قاعدا ... من غير معنى لا ولا فائدة
قد مات أضيافك من جوعهم ... فاقرأ عليهم سورة المائدة
وقال آخر:
نوالك دونه شوك القتاد ... وخبزك كالثريا في البعاد «٢»
فلو أبصرت ضيفا في منام ... لحرمت الرّقاد إلى العباد
وقال آخر:
لا تعجبنّ لخبز زلّ من يده ... فالكوكب النحس يسقي الأرض أحيانا
وقال ابن أبي حازم:
وقالوا قد مدحت فتى كريما ... فقلت وكيف لي بفتى كريم
بلوت ومرّ بي خمسون حولا ... وحسبك بالمجرب من عليم
فلا أحد يعدّ ليوم خير ... ولا أحد يجود على عديم «٣»
ومن رؤساء أهل البخل محمد بن الجهم، وهو الذي قال: وددت لو أن عشرة من الفقهاء وعشرة من الخطباء وعشرة من الشعراء وعشرة من الأدباء تواطأوا على ذمي واستسهلوا شتمي حتى ينتشر ذلك في الآفاق، فلا يمتد إلي أمل آمل ولا يبسط نحوي رجاء راج. وقال له أصحابه يوما إنّا نخشى أن نقعد عندك فوق مقدار شهوتك، فلو جعلت لنا علامة نعرف بها وقت استثقالك لمجالستنا، فقال: علامة ذلك أن أقول يا غلام هات الغداء.
وقال عمر بن ميمون مررت ببعض طرق الكوفة فإذا أنا برجل يخاصم جارا له، فقلت: ما بالكما؟ فقال أحدهما:
إن صديقا لي زارني فاشتهى رأسا فاشتريته وتغدينا وأخذت عظامه فوضعتها على باب داري أتجمل بها فجاء هذا فأخذها ووضعها على باب داره يوهم الناس أنه هو الذي اشترى الرأس.
قال رجل من البخلاء لأولاده: اشتروا لي لحما، فاشتروه، فأمر بطبخه فلما استوى أكله جميعه حتى لم يبق في يده إلا عظمة، وعيون أولاده ترمقه «٤» . فقال ما أعطي أحدا منكم هذه العظمة حتى يحسن وصف أكلها. فقال ولده الأكبر: أمشمشها يا أبت وأمصها حتى لا أدع للذر «٥» فيها مقيلا «٦» قال: لست بصاحبها.
فقال الأوسط: ألوكها يا أبت وألحسها حتى لا يدري أحد لعام هي أم لعامين. قال لست بصاحبها.
فقال الأصغر: يا أبت أمصها ثم أدقها وأسفها سفا.
قال: أنت صاحبها، وهي لك زادك الله معرفة وحزما.
ووقف أعرابي على باب أبي الأسود وهي يتغدى، فسلم فرد عليه ثم أقبل على الأكل ولم يعزم عليه، فقال له الأعرابي: أما أني قد مررت بأهلك، قال: كذلك كان طريقك. قال: وامرأتك حبلى، قال: كذلك كان عهدي بها. قال: قد ولدت، قال: كان لا بد لها أن تلد. قال:
ولدت غلامين. قال: كذلك كانت أمها. قال: مات أحدهما. قال: ما كانت تقوى على إرضاع اثنين. قال: ثم مات الآخر. قال: ما كان ليبقى بعد موت أخيه. وقال:
ماتت الأم. قال: حزنا على ولديها. قال: ما أطيب طعامك. قال: لأجل ذلك أكلته وحدي وو الله لا ذقته يا أعرابي.
وقيل: خرج أعرابي قد ولّاه الحجاج بعض النواحي فأقام بها مدة طويلة، فلما كان في بعض الأيام ورد عليه أعرابي من حيه فقدم إليه الطعام وكان إذ ذاك جائعا، فسأله عن أهله وقال: ما حال ابني عمير؟ قال: على ما تحب قد
стр. 181
ملأ الأرض والحي رجالا ونساء. قال: فما فعلت أم عمير؟ قال: صالحة أيضا. قال: فما حال الدار؟ قال:
عامرة بأهلها. قال: وكلبنا إيقاع؟ قال: قد ملأ الحي نبحا، قال: فما حال جملي زريق؟ قال: على ما يسرك.
قال: فالتفت إلى خادمه وقال: ارفع الطعام فرفعه ولم يشبع الأعرابي ثم أقبل عليه يسأله وقال: يا مبارك الناصية أعد علي ما ذكرت، قال: سل عما بدا لك، قال: فما حال كلبي إيقاع؟ قال: مات. قال: وما الذي أماته؟ قال:
اختنق بعظمة من عظام جملك زريق فمات. قال: أو مات جملي زريق؟ قال: نعم. قال: وما الذي أماته؟ قال: كثرة نقل الماء إلى قبر أم عمير. قال: أو ماتت أم عمير؟ قال:
نعم. قال: وما الذي أماتها؟ قال: كثرة بكائها على عمير.
قال: أو مات عمير؟ قال: نعم. قال: وما الذي أماته؟
قال: سقطت عليه الدار. قال: أو سقطت الدار؟ قال:
نعم. قال: فقام له بالعصا ضاربا فولى من بين يديه هاربا.
وحكى بعضهم قال: كنت في سفر فضلك عن الطريق فرأيت بيتا في الفلاة فأتيته، فإذا به أعرابية فلما رأتني قالت: من تكون؟ قلت: ضيف. قالت: أهلا ومرحبا بالضيف، إنزل على الرحب والسعة، قال: فنزلت فقدمت لي طعاما فأكلت، وماء فشربت، فبينما أنا على ذلك إذ أقبل صاحب البيت فقال: من هذا؟ فقالت: ضيف.
فقال: لا أهلا ولا مرحبا ما لنا وللضيف، فلما سمعت كلامه ركبت من ساعتي وسرت فلما كان من الغد رأيت بيتا في الفلاة فقصدته، فإذا فيه أعرابية فلما رأتني قالت:
من تكون؟ قلت: ضيف، قالت: لا أهلا ولا مرحبا بالضيف ما لنا وللضيف؟ فبينما هي تكلمني إذ أقبل صاحب البيت فلما رآني قال: من هذا؟ قالت: ضيف.
قال: مرحبا وأهلا بالضيف. ثم أتى بطعام حسن فأكلت وماء فشربت فتذكرت ما مر بي بالأمس فتبسمت، فقال:
مم تبسمك؟ فقصصت عليه ما اتفق لي مع تلك الأعرابية وبعلها وما سمعت منه ومن زوجته، فقال: لا تعجب إن تلك الأعرابية التي رأيتها هي أختي وإن بعلها أخو امرأتي هذه، فغلب على كلّ طبع أهله.
وحكايات هؤلاء وأمثالهم كثيرة وأخبارهم ونوادرهم شهيرة، وفيما ذكرته كفاية. وأسأل الله تعالى التوفيق والهداية إنه على ما يشاء قدير وبالإجابة جدير ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الباب الخامس والثلاثون في الطعام وآدابه والضيافة وآداب المضيف وأخبار الأكلة وما جاء عنهم وغير ذلك
أما إباحة الطيب من المطاعم
فقد قال الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ
«١» وقال تعالى: يَسْئَلُونَكَ ماذا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ وَما عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوارِحِ مُكَلِّبِينَ
«٢» وقال تعالى: قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا خالِصَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ
«٣» وقال رسول الله ﷺ : «محرّم الحلال كمحلّل الحرام» .
وقال ﵊: إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده في مأكله ومشربه. وكان الحسن رضي الله تعالى عنه يقول: ليس في اتخاذ الطعام سرف.
وسئل الفضيل عمن يترك الطيبات من اللحم والخبيص «٤» للزهد، فقال: ما للزهد وأكل الخبيص؟ ليتك تأكل وتتقي الله إن الله لا يكره أن تأكل الحلال إذا اتقيت الحرام، انظر كيف برك بوالديك وصلتك للرحم وكيف عطفك على الجار وكيف رحمتك للمسلمين وكيف كظمك للغيظ وكيف عفوك عمن ظلمك وكيف إحسانك إلى من أساء إليك وكيف صبرك واحتمالك للأذى، أنت إلى إحكام هذا أحوج من ترك الخبيص.
وأما نعوت الأطعمة وما جاء في فيها
فقد نقل عن الرشيد أنه سأل أبا الحارث عن الفالوذج واللوزينج أيهما أطيب، فقال: يا أمير المؤمنين لا أقضي على غائب. فأحضرهما إليه، فجعل يأكل من هذا لقمة ومن هذا لقمة ثم قال: يا أمير المؤمنين كلّما أردت أن أقضي لأحدهما أتى الآخر بحجته.
стр. 182
واختلف الرشيد وأم جعفر في الفالوذج واللوزينج أيهما أطيب فحضر أبو يوسف القاضي فسأله الرشيد عن ذلك فقال: يا أمير المؤمنين لا يقضى على غائب فأحضرهما فأكل حتى اكتفى، فقال له الرشيد: احكم. قال: قد اصطلح الخصمان يا أمير المؤمنين. فضحك الرشيد وأمر له بألف دينار، فبلغ ذلك زبيدة فأمرت له بألف دينار إلا دينارا.
وسمع الحسن البصري رجلا يعيب الفالوذج فقال:
لباب البر بلعاب النحل بخالص السمن ما أظن عاقلا يعيبه. وقال الأصمعي: أول من صنع الفالوذج عبد الله بن جدعان. وأتي أعرابي بفالوذج فأكل منه لقمة فقيل له: هل تعرف هذا؟ فقال: هذا وحياتك الصراط المستقيم.
وكان أحب الطعام إلى رسول الله ﷺ اللحم. وعن أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ قال: سيد طعام أهل الدنيا وأهل الجنة اللحم. وكان ﷺ يقول: هو سيد الطعام في الدنيا والآخرة وهو يزيد في السمع ولو سألت ربي أن يطعمنيه كل يوم لفعل. وكان ﷺ يحب الدّبّاء «١» ويقول: يا عائشة إذا طبختي قدرا فأكثروا فيها من الدباء فأنها تشد القلب الحزين وهي شجرة أخي يونس.
وعنه ﷺ أنه قال: عليكم بالقرع فإنه يشد الفؤاد ويزيد في الدماغ، وعليكم بالعدس فإنه يرق القلب ويغزر الدمعة.
وعن أبي رافع قال: كان أبو هريرة رضي الله تعالى عنه يقول: أكل التمر أمان من القولنج وشرب العسل على الريق أمان من الفالج، وأكل السفرجل يحسن الولد وأكل الرمان يصلح الكبد والزبيب يشد العصب ويذهب بالنصب والوصب «٢» والكرفس يقوي المعدة ويطيب النكهة، وأطيب اللحم الكتف. وكان يديم أكل الهريسة»
وكان يأكل على سماط معاوية ويصلي خلف علي ويجلس وحده. فسئل عن ذلك فقال: طعام معاوية أدسم، والصلاة خلف علي أفضل، وهو أعلم والجلوس وحدي لي أسلم. وسميت المتوكلية بالمتوكل والمأمونية بالمأمون «٤» .
وقال الحسن بن سهل يوما على مائدة المأمون: الأرز يزيد في العمر فسأله المأمون عن ذلك فقال: يا أمير المؤمنين أن طب الهند صحيح وهم يقولون أن الأرز يري منامات حسنة، ومن رأى مناما حسنا كان في نهارين.
فاستحسن قوله ووصله.
وقال أبو صفوان: الأرز الأبيض بالسمن والسكر «٥» ليس من طعام أهل الدنيا. وقيل لأبي الحارث: ما تقول في الفالوذجة؟ قال: وددت لو أنها وملك الموت اعتلجا في صدري، والله لو أن موسى لقي فرعون بالفالوذجة لآمن ولكنه لقيه بعصا. وكانت العرب لا تعرف الألوان إنما كان طعامهم اللحم بطبخ بالماء والملح، حتى كان زمن معاوية رضي الله تعالى عنه فاتّخذ الألوان.
ويقال للمرقة المسخنة، بنت نارين وكان بعض المترفهين يقول: جنبوا مائدتي بنت نارين. وقالوا: كل طعام أعيد عليه التسخين مرتين فهو فاسد «٦» . وقيل إذا ألقي اللحم في العسل ثم أخرج بعد شهر طريا فإنه لا يتغير «٧» .
ويقال للسكباج سيد المرق وشيخ الأطعمة وزين الموائد. ويقال إذا طبخت اللحم بالخل فقد ألقيت عن معدتك ثلث المؤنة، ويقال للخبز ابن حبة. قال بعضهم:
في حبّة القلب مني ... زرعت حبّ ابن حبه
وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما رفعه: «أكرموا الخبز» قالوا: وما كرامته يا رسول الله؟ قال لا ينتظر به الأدام إذا وجدتم الخبز فكلوه حتى تؤتوا بغيره. وفي
стр. 183
الحديث: «من داوم على اللحم أربعين يوما قسا قلبه ومن تركه أربعين يوما ساء خلقه» ، وقيل: المائدة التي أنزلت على بني إسرائيل كان عليها كل البقول إلا الكرّاث، وسمكة عند رأسها خل وعند ذنبها ملح وسبعة أرغفة على كل واحد زيتون وحب رمان.
ودخل ابن قزعة يوما على عز الدولة وبين يديه طبق فيه موز فتأخر عن استدعائه، فقال ما بال مولانا ليس يدعوني إلى الفوز بأكل الموز؟ فقال: صفه حتى أطعمك منه فقال: ما الذي أصف من حسن لونه، فيه سبائك ذهبية كأنها حشيت زبدا وعسلا، أطيب الثمر كأنه مخ الشحم، سهل المقشرلين المكسر عذب المطعم بين الطعوم، سلس في الحلقوم، ثم مد يده وأكل.
وسمع رجلا يذم الزبد فقال له: ما الذي ذممت منه سواد لونه أم بشاعة طعمه أم صعوبة مدخله أم خشونة ملمسه؟
وقيل له: ما تقول في الباذنجان فقال: أذناب المحاجم وبطون العقارب وبزور الزقوم. قيل له أنه يحشى باللحم فيكون طيبا، فقال لو حشي بالتقوى والمغفرة ما أفلح.
وصنع الحجاج وليمة واحتفل فيها ثم قال لزاذان: هل عمل كسرى مثلها؟ فاستعفاه، فأقسم عليه فقال: أو لم عبد عند كسرى فأقام على رؤوس الناس ألف وصيفة، في يد كل واحد إبريق من ذهب. فقال الحجاج: أف والله ما تركت فارس لمن بعدها من الملوك شرفا.
وأهدى رجل إلى آخر فالوذجة زنخة وكتب إليه: إني اخترت لعملها السكر السوسي والعسل المارداني والزعفران الأصبهاني، فأجابه: والله العظيم ما عملت إلا قبل أن توجد أصبهان وقبل أن تفتح السوس وقبل أن يوحي ربك إلى النحل.
وقيل أن أبا جهنم بن عطية كان عينا لأبي مسلم الخولاني على المنصور، فأحس المنصور بذلك فطاوله الحديث يوما حتى عطش، فاستسقى فدعا له بقدح من سويق اللوز فيه السم فناوله إياه فشرب منه فما بلغ داره حتى مات، فقيل في ذلك:
تجنّب سويق اللوز لا تقربنّه ... فشرب سويق اللوز أردى أبا جهم
وقال أبو طالب المأموني:
فما حملت كفّ أمرىء متطعما ... ألذّ وأشهى من أصابع زينب
وأصابع زينب «١» ضرب من الحلوى يعمل ببغداد، يشبه أصابع النساء المنقوشة. ودخل السائب على علي رضي الله تعالى عنه في يوم شات، فناوله قدحا فيه عسل وسمن ولبن، فأباه «٢» فقال أما أنك لو شربته لم تزل دفئا شبعان سائر يومك.
وعن نافع بن أبي نعيم قال: كان أبو طالب يعطي عليا قدحا من اللبن يصبه على اللات، فكان علي يشرب اللبن ويبول على اللات.
وأما الزهد في المآكل:
فقد زهد فيه كثير من الأخيار مع القدرة عليه، ومنهم من لا يقدر عليه. قالت عائشة رضي الله تعالى عنها، والذي بعث محمدا ﷺ بالحق ما كان لنا منخل ولا أكل رسول الله ﷺ خبزا منخولا منذ بعثه الله تعالى إلى أن قبض، قيل: فكيف كنتم تأكلون الشعير؟ قالت: كنا نقول أف أف.
وعن جابر رضي الله تعالى عنه رفعه: نعم الأدم الخل وكفى بالمرء سرفا أن يتسخط ما قرب إليه. وقال عمر رضي الله تعالى عنه: ما اجتمع عند رسول الله ﷺ أدمان إلا أكل أحدهما وتصدق بالآخر. وقالت عائشة رضي الله تعالى عنها ما كان يجتمع لونان في لقمة في فم رسول الله ﷺ إن كان لحما لم يكن خبزا وإن كان خبزا لم يكن لحما.
وعن النبي ﷺ أنه قال: يا علي ابدأ بالملح واختم به فإن فيه شفاء من سبعين داء. وروي أن نبيا من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام شكا إلى الله الضعف فأمره أن يطبخ اللحم باللبن فإن القوة فيهما. وسنذكر فضل الزهد في المآكل والمشارب في باب مدح الفقراء إن شاء الله تعالى.
وأما ما جاء في آداب الأكل
فقد قال رسول الله ﷺ : «من قال عند مطعمه ومشربه بسم الله خير الأسماء بسم الله رب الأرض والسماء لم يضره ما أكل وما شرب» . وكان ﷺ إذا وضع بين يديه الطعام قال: بسم الله اللهم بارك لنا فيما رزقتنا وعليك خلفه.
стр. 184
وقال ﷺ : من أكل طعاما فقال: الحمد لله الذي أطعمني هذا ورزقنيه من غير حول مني ولا قوة، غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن لبس ثوبا فقال: الحمد لله الذي كساني هذا ورزقنيه من غير حول مني ولا قوة، غفر له ما تقدم من ذنبه.
وقالت عائشة رضي الله تعالى عنها: قال رسول الله ﷺ : إذا أكل أحدكم فليذكر اسم الله تعالى، فإن نسي في أوله فليقل بسم الله أوله وآخره. وفي حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، قال رسول الله ﷺ : إذا أكل أحدكم فليأكل بيمينه وإذا شرب فليشرب بيمينه، فإن الشيطان يأكل بشماله ويشرب، وقال ﷺ الأكل في السوق دناءة.
وعن أنس رضي الله تعالى عنه أن النبي ﷺ زجر عن الشرب قائما قال: فسألناه عن الأكل قائما فقال: هو شر من الشرب.
وأوصى رجل من خدم الملوك ابنه فقال إذا أكلت فضم شفتيك، ولا تلتفتن يمينا ولا شمالا ولا تلقمن بسكين ولا تجلس فوق من هو أشرف منك وأرفع منزلة، ولا تبصق في الأماكن النظيفة. ومن هذا ما رواه الزهري أن النبي ﷺ نهى عن النفخ في الطعام والشراب.
وقال علي رضي الله تعالى عنه: نهى رسول الله ﷺ أن يؤكل الطعام حارّا. وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: ما عاب النبي ﷺ طعاما قط إن اشتهاه أكله وإلا تركه. وقال عمر بن هبيرة: عليكم بمباكرة الغداء فإن مباكرته تطيب النكهة وتعين على المروءة، قيل وما إعانته على المروءة؟ قال: أن لا تتوق نفسك إلى طعام غيرك.
وعن النبي ﷺ قال: من أكل من سقط المائدة عاش في سعة وعوفي في ولده وولد ولده من الحمق، وعنه ﷺ :
من سقط شيئا من الطعام فأكله حرم الله جلده على النار.
وكان الحارث بن كلدة يقول: إذا تغدى أحدكم فلينم على غدائه، وإذا تعشى فليخط أربعين خطوة. وقيل: خير الغداء بواكره وخير العشاء سوافره «١» .
وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: نهى رسول الله ﷺ أن يتبع الرجل بصره لقمة أخيه. وقال الحجاج لأعرابي يوما على سماطه: أرفق بنفسك، فقال:
وأنت يا حجاج اغضض من بصرك. وقال معاوية لرجل على مائدته: خذ الشعرة من لقمتك فقال: وإنك تراعيني مراعاة من يرى الشعرة في لقمتي، لا أكلت لك طعاما أبدا. ووضع معاوية بين يدي الحسن بن علي رضي الله تعالى عنهما دجاجة، ففكها، فقال معاوية: هل بينك وبين أمها عداوة؟ فقال الحسن: فهل بينك وبين أمها قرابة؟ أراد معاوية أن الحسن يوقر مجلسه كما توقر مجالس الملوك، والحسن أعلم منه بالآداب والرسوم المستحسنة رضي الله تعالى عنهما.
وأحضر أعرابيّ على مائدة بعض الخلفاء فقدم جدي مشوي فجعل الأعرابي يسرع في أكله منه، فقال له الخليفة أراك تأكله بحرد كأن أمه نطحتك، فقال: أراك تشفق عليه كأن أمه أرضعتك.
وأما ما جاء في كثرة الأكل
فقد روي عن حذيفة رضي الله تعالى عنه عن النبي ﷺ :
من قل طعامه صح بطنه وصفا قلبه، ومن كثر طعامه سقم بطنه «٢» وقسا قلبه. وعنه ﷺ : لا تميتوا القلوب بكثرة الطعام والشراب فإن القلب كالزرع إذا كثر عليه الماء مات.
وقال ﷺ : ما زين الله رجلا بزينة أفضل من عفاف بطنه. وقال عمرو بن عبيد: ما رأيت الحسن ضاحكا إلا مرة واحدة، قال رجل من جلسائه ما آذاني طعام قط، فقال له آخر: أنت لو كانت في معدتك الحجارة لطحنتها.
وقال علي كرم الله وجهه: «البطنة «٣» تذهب الفطنة» .
وقال ابن المقفع: كانت ملوك الأعاجم إذا رأت الرجل نهما شرها أخرجوه من طبقة الجدّ إلى باب الهزل، ومن باب التعظيم إلى باب الاحتقار. وتقول العرب أقلل طعاما تحمد مناما، وكانت العرب تعير بعضها بكثرة الأكل وأنشدوا:
لست بأكّال كأكل العبد ... ولا بنوام كنوم الفهد
وأنشد الأصمعي لرجل من بني فهد:
إذا لم أزر إلا لآكل أكلة ... فلا رفعت كفي إلي طعامي
فما أكلة إن نلتها بغنيمة ... ولا جوعة إن جعتها بغرام «٤»
стр. 185
وقالت عائشة رضي الله تعالى عنها: أراد رسول الله ﷺ أن يشتري غلاما فألقى بين يديه تمرا فأكل فأكثر فقال ﷺ :
إن كثرة الأكل شؤم. وقالوا: الوحدة خير من الجليس السوء، والجليس السوء خير من الأكيل السوء. وشكا أبو العيناء إلى صديق له سوء الحال، فقال: أشكر، فإن الله قد رزقك الإسلام والعافية، قال: أجل، ولكن بينهما جوع يقلقل الكبد.
ودعت أبا الحارث حبيبة له، فحادثته ساعة، فجاع فطلب الأكل فقالت له: أمّا في وجهي ما يشغلك عن الأكل، قال: جعلت فداءك لو أن جميلا وبثينة قعدا ساعة لا يأكلان لبصق كل منهما في وجه صاحبه وافترقا.
وأما أخبار الأكلة
فقد قيل إن وهب بن جرير سأل ميسرة البراش عن أعجب ما أكل، فقال: أكلت مائة رغيف بمكوك بلح.
ومرّ ميسرة المذكور يوما بقوم وهو راكب حمارا، فدعوه للضيافة، فذبحوا له حماره وطبخوه، وقدموه له، فأكله كله، فلما أصبح طلب حماره ليركبه، فقيل له: هو في بطنك.
وقال المعتمر بن سليمان: قلت لهلال المازني: ما أكلة بلغتني عنك، قال: جعت مرة ومعي بعير لي، فنحرته وشويته وأكلته، ولم أبق منه إلا شيئا يسيرا حملته على ظهري، فلما كان الليل أردت أن أجامع أمة لي، فلم أقدر أن أصل إليها، فقالت كيف تصل إليّ وبيننا جمل، فقلت له: كم تكفيك هذه الأكلة، فقال: أربعة أيام.
وقال الأصمعي أن سليمان بن عبد الملك كان شرها نهما وكان من شرهه أنه إذا أتى بالسفود وعليه الدجاج السمين المشوي لا يصبر إلى أن يبرد، ولا أن يؤتى بمنديل، فيأخذ بكمه، فيأكل واحدة واحدة حتى يأتي عليها، فقال الرشيد: ويحك يا أصمعي ما أعلمك بأخبار الناس إني عرضت على جباب سليمان، فرأيت فيها آثار الدهن، فظننته طيبا حتى حدثتني، ثم أمر لي بجبة منها، فكنت إذا لبستها أقول هذه جبة سليمان بن عبد الملك.
وقال الشمردل وكيل عمرو بن العاص: قدم سليمان بن عبد الملك الطائف، فدخل هو وعمر بن عبد العزيز إليّ، وقال: يا شمردل: ما عندك ما تطعمني؟ قلت: عندي جدي كأعظم ما يكون سمنا، قال: عجّل به فأتيته به كأنه عكة سمن «١» ، فجعل يأكل منه ولا يدعو عمر حتى إذا لم يبق منه إلا فخذا قال: هلم يا أبا جعفر، فقال: إني صائم فأكله، ثم قال: يا شمردل: ويلك أما عندك شيء؟ قلت:
ست دجاجات كأنهن أفخاذ نعام، فأتيته بهن فأتى عليهن، ثم قال: يا شمردل أما عندك شيء؟ قلت: سويق كأنه قراضة الذهب، فأتيته به، فعبه حتى أتى عليه، ثم قال يا غلام: أفرغت من غذائنا؟ قال: نعم. قال: ما هو؟
قال: نيف وثلاثون قدرا، قال: ائتني بقدر قدر، فأتاه بها ومعه الرقاق، فأكل من كل قدر ثلثه، ثم مسح يده واستلقى على فراشه وأذن للناس فدخلوا، وصف الخوان، فقعد وأكل مع الناس. وكان هلال بن الأسعر يضع القمع على فيه ويصب اللبن أو النبيذ، وكان غليظا عتلا «٢» . وقال أعرابي لرجل رآه سمينا: أرى عليك قطيفة من نسج أضراسك.
وقال المحمر الأعرابي: كانت لي بنت تجلس على المائدة فتبرز كفّا كأنها صلفة «٣» في ذراع كأنه جمارة «٤» ، فلا تقع عينها على لقمة نفيسة إلا خصتني بها، فكبرت وزوجتها، وصرت أجلس على المائدة مع ابن لي فيبرز كفا كأنها كرنافة «٥» ، فوالله لن تسبق عيني إلى لقمة طيبة إلا سبقت يده إليها.
وقال مسلم بن قتيبة: عددت للحاج أربعة وثمانين رغيفا مع كل رغيف سمكة. ويقال: فلان يحاكي حوت يونس في جودة الالتقام، وعصا موسى في سرعة الالتهام.
وقيل لأبي مرة: أي الطعام أحب إليك؟ قال: لحم سمين وخبز سميد أضرب فيه ضرب ولي السوء في مال اليتيم. وقال صدقة بن عبيد المازني: أولم لي أبي لما تزوجت، فعمل عشر جفان ثريد من جزور، فكان أول من جاءنا هلال المازني، فقدمنا له جفنة مترعة، فأكلها، ثم أخرى، فأكلها، حتى أتى على الجميع، ثم أتى بقربة مملوءة من النبيذ، فوضع طرفها في شدقه وفرغها في جوفه، ثم قام فخرج واستأنفنا عمل الطعام. وكان عبيد الله بن زياد يأكل في كل يوم خمس أكلات، فخرج يوما يريد الكوفة، فقال له رجل من بني شيبان: الغداء أصلح الله الأمير، فنزل، فذبح له عشرين طائرا من الأوز، فأكلها، ثم قدم الطعام، فأكل، ثم أتي بزنبيلين في أحدهما تين، وفي الآخر بيض، فجعل يأكل من هذا تينة، ومن
стр. 186
هذا بيضة حتى أتى على ذلك جميعه، ثم رجع وهو جائع.
وكان ميسرة البراش يأكل الكبش العظيم ومائة رغيف، فذكر ذلك للمهدي، فقال: دعوت يوما بالفيل وأمرت، فألقي إليه رغيف رغيف، فأكل تسعة وتسعين، وألقي إليه تمام المائة، فلم يأكله.
وحدث الشيخ نبيه الدين الجوهري أنه سمع الشيخ الإمام عز الدين بن عبد السلام يقول: إن معاوية بن أبي سفيان كان يأكل في كل يوم مائة رطل بالدمشقي ولا يشبع. ونزل رجل بصومعة راهب، فقدم إليه الراهب أربعة أرغفة، وذهب ليحضر إليه العدس، فحمله وجاء، فوجده قد أكل الخبز، فذهب، فأتى بخبز فوجده قد أكل العدس، ففعل معه ذلك عشر مرات، فسأله الراهب: أين مقصدك؟ قال: إلى الأردن. قال: لماذا؟ قال: بلغني أن بها طبيبا حاذقا أسأله عما يصلح معدتي، فإني قليل الشهوة للطعام، فقال له الراهب: إن لي إليك حاجة، قال: وما هي؟ قال: إذا ذهبت وأصلحت معدتك، فلا تجعل رجوعك عليّ.
وأما المهازلة على الطعام:
فقد روي عن يحيى بن عبد الرحمن رضي الله تعالى عنه قال: قالت عائشة رضي الله تعالى عنها: كان عندي رسول الله ﷺ ، وسودة فصنعت حريرة، فجئت به، فقلت لسودة: كلي، فقالت: لا أحبه، فقلت: والله لتأكلين أو لألطخن وجهك، فقالت: ما أنا بذائقته، فأخذت من الصحفة شيئا، فلطخت به وجهها ورسول الله ﷺ جالس بيني وبينها، فتناولت من الصحفة شيئا، فلطخت به وجهها، وجعل رسول الله ﷺ يضحك.
واشترى غندر يوما سمكا وقال لأهله: أصلحوه، ونام، فأكل عياله السمك ولطخوا يده، فلما انتبه قال: قدّموا إليّ السمك، قالوا: قد أكلت. قال: لا، قالوا: شم يدك، ففعل، فقال: صدقتم، ولكن ما شبعت. ودخل الحمدوني على رجل وعنده أقوام بين أيديهم أطباق الحلوى ولا يمدون أيديهم، فقال: لقد ذكرتموني ضيف إبراهيم وقول الله تعالى: فَلَمَّا رَأى أَيْدِيَهُمْ لا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً
«١» ثم قال: كلوا رحمكم الله فضحكوا، وأكلوا. والحكايات في ذلك كثيرة.
وأما الضيافة وإطعام الطعام:
فقد قال الله تعالى: هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْراهِيمَ
الْمُكْرَمِينَ ٢٤
«٢» وقال رسول الله ﷺ : «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه ولا يؤذ جاره» . وقال ﷺ : «من أكل وذو عينين ينظر إليه ولم يواسه ابتلي بداء لا دواء له» .
وقال الحسن: كنا نسمع أن إحدى مواجب الرحمة إطعام الأخ المسلم الجائع. وقيل لإبراهيم الخليل ﵊: بم اتخذك الله خليلا؟ قال: بثلاث: ما خيرت بين شيئين إلا اخترت الذي لله على غيره، ولا اهتممت بما تكفل لي به، ولا تغديت ولا تعشيت إلا مع ضيف.
ويقولون: ما خلا مضيف الخليل ﵊ إلى يومنا هذا ليلة واحدة من ضيف.
وكان الزهري إذا لم يأكل أحد من أصحابه من طعامه حلف لا يحدثه عشرة أيام. وقالوا: المائدة مرزوقة. أي من كان مضيافا وسع الله عليه، وقالوا: أول من سن القرى إبراهيم الخليل ﵊، وأول من ثرد الثريد وهشمه هاشم، وأول من أفطر جيرانه على طعامه في الإسلام عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما، وهو أول من وضع موائده على الطريق، وكان إذا خرج من بيته طعام لا يعود منه شيء، فإن لم يجد من يأكله تركه على الطريق.
وقيل لبعض الكرماء: كيف اكتسبت مكارم الأخلاق، والتأدب مع الأضياف؟ فقال: كانت الأسفار تحوجني إلى أن أفد على الناس، فما استحسنته من أخلاقهم اتبعته وما استقبحته اجتنبته.
وأما آداب المضيف
فهو أن يخدم أضيافه ويظهر لهم الغنى وبسط الوجه.
فقد قيل: البشاشة في الوجه خير من القرى، قالوا:
فكيف بمن يأتي بها وهو ضاحك؟ وقد ضمن الشيخ شمس الدين البديوي ﵀ هذا الكلام بأبيات، فقال:
إذا المرء وافى منزلا منك قاصدا ... قراك وأرمته لديك المسالك
فكن باسما في وجهه متهلّلا ... وقل مرحبا أهلا ويوم مبارك
وقدّم له ما تستطيع من القرى ... عجولا ولا تبخل بما هو هالك
فقد قيل بيت سالف متقدّم ... تداوله زيد وعمرو ومالك
стр. 187
بشاشة وجه المرء خير من القرى ... فكيف بمن يأتي به وهو ضاحك
وقالت العرب: تمام الضيافة الطلاقة عند أول وهلة وإطالة الحديث عند المؤاكلة، وقال حاتم الطائي:
سلي الطارق المعتّر يا أمّ مالك ... إذا ما أتاني بين ناري ومجزري «١»
أأبسط وجهي إنه أول القرى ... وأبذل معروفي له دون منكري
وقال آخر في عبد الله بن جعفر:
إنك يا ابن جعفر خير فتى ... وخيرهم لطارق إذا أتى «٢»
ولله در القائل:
الله يعلم أنّه ما سرّني ... شيء كطارقة الضيوف النزّل
ما زلت بالترحيب حتى خلتني ... ضيفا له والضيف ربّ المنزل
أخذه من قول الشاعر:
يا ضيفنا لو زرتنا لوجدتنا ... نحن الضيوف وأنت ربّ المنزل
وما أحسن ما قال سيف الدولة بن حمدان:
منزلنا رحب لمن زاره ... نحن سواء فيه والطارق
وكلّ ما فيه حلال له ... إلّا الذي حرّمه الخالق
وقال الأصمعي: سألت عيينة بن وهب الدارمي عن مكارم الأخلاق فقال: أو ما سمعت قول عاصم بن وائل:
وإنّا لنقري الضيف قبل نزوله ... ونشبعه بالبشر من وجه ضاحك
وقال بعض الكرام:
أضاحك ضيفي قبل أن أنزل رحله ... ويخصب عندي والمحلّ جديب
وما الخصب للأضياف أن تكثر القرى ... ولكنّما وجه الكريم خصيب
وقال آخر:
عودت نفسي إذا ما الضيف نبّهني ... عقر العشار على عسر وإيسار «٣»
ومن آداب الضيف أن يتفقد دابة ضيفه ويكرمها قبل إكرام الضيف قال الشاعر:
مطية الضيف عندي تلو صاحبها ... لن يأمن الضيف حتى تكرم الفرسا
وقال علي بن الحسين رضي الله تعالى عنها: من تمام المروءة خدمة الرجل ضيفه كما خدمهم أبونا إبراهيم الخليل صلوات الله وسلامه عليه بنفسه وأهله. أما سمعت قول الله ؟ وَامْرَأَتُهُ قائِمَةٌ
«٤» . ومن آداب المضيف أن يحدث أضيافه بما تميل إليه نفوسهم، ولا ينام قبلهم، ولا يشكو الزمان بحضورهم، ويبش عند قدومهم، ويتألم عند وداعهم، وأن لا يحدث بما يروعهم به.
كما حكى بعضهم قال: استدعاني إسحاق بن إبراهيم الظاهري إلى أكل هريسة في بكرة نهار فدخلت، فأحضرت لنا الهريسة فأكلنا، فإذا شعرة قد جاءت على لقمة غفل عنها طباخه، فاستدعى خادمه، فأسر إليه شيئا لم نعلمه، فعاد الخادم ومعه صينية مغطاة، فكشف عن الصينية، فإذا يد الطباخ مقطوعة تختلج، فتكدر علينا عيشنا وقمنا من عنده ونحن لا نعقل. فيجب على المضيف أن يراعي خواطر أضيافه كيفما أمكن ولا يغضب على أحد بحضورهم، ولا ينغص عيشهم بما يكرهونه، ولا يعبس بوجهه ولا يظهر نكدا، ولا ينهر أحدا ولا يشتمه بحضرتهم، بل يدخل على قلوبهم السرور بكل ما أمكن.
كما حكي عن بعض الكرام أنه دعا جماعة من أصحابه إلى بستانه وعمل لهم سماطا وكان له ولد جميل الطلعة، فكان الولد في أول النهار يخدم القوم ويأنسون به، ففي آخر النهار صعد إلى السطح، فسقط فمات لوقته، فحلف أبوه على أمه بالطلاق الثلاث أن لا تصرخ ولا تبكي إلى أن تصبح، فلما كان الليل سأله أضيافه عن ولده، فقال:
هو نائم، فلما أصبحوا وأرادوا الخروج قال لهم: إن رأيتم أن نصلي على ولدي، فإنه بالأمس سقط من على السطح، فمات لساعته، فقالوا له: لم لا أخبرتنا حين سألناك؟
стр. 188
فقال: ما ينبغي لعاقل أن ينغص على أضيافه في التذاذهم ولا يكدر عليهم في عيشهم، فتعجبوا من صبره وتجلده، ومكارم أخلاقه، ثم صلوا على الغلام وحضروا دفنه وبكوا عليه وانصرفوا.
وعلى المضيف أن يأمر غلمانه بحفظ نعال أضيافه وتفقد غلمانهم بما يكفيهم، ويسهل حجابه وقت الطعام ولا يمنع واردا.
وقيل لبعض الأمراء الكرام: لا بأس بالحجاب لئلا يدخل من لا يعرفه الأمير ويحترز عن العدو، فقال: إن عدوا يأكل طعامنا ولا ينخدع لا يمكّنه الله منا، الأليق بالكريم الرئيس أن يمنع حاجبه من الوقوف ببابه عند حضور الطعام، فإنه ذلك أول الشناعة عليه، وعليه أن يسهر مع أضيافه ويؤانسهم بلذيذ المحادثة وغريب الحكايات، وأن يستميل قلوبهم بالبذل لهم من غرائب الطرف إن كان من أهل ذلك، وأن يري أضيافه مكان الخلاء «١» ، فقد قيل عن ملك الهند أنه قال: إذا ضافك أحد فأره الكنيف «٢» فإني ابتليت به مرة، فوضعته في قلنسوتي. وقالوا لا بأس أن يدخل دار أخيه يستطعم للصداقة الوكيدة.
وقد قصد النبي ﷺ والشيخان منزل الهيثم بن التيهان وأبي أيوب الأنصاري، وكذلك كانت عادة السلف رضي الله تعالى عنهم. وكان لعون بن عبد الله المسعودي ثلاثمائة وستون صديقا، فكان يدور عليهم في السنة، ولا بأس أن يدخل الرجل بيت صديقه، فيأكل وهو غائب، فقد دخل رسول الله ﷺ دار بريرة ﵂، فأكل طعامها وهي غائبة.
وكان الحسن ﵁ يوما عند بقال، فجعل يأخذ من هذه الجونة «٣» تينة ومن هذه فستقة فيأكلها، فقال له هشام: ما بدا لك يا أبا سعيد في الورع؟ فقال له: يا لكع اتل عليّ آية الأكل، فتلا: وَلا عَلى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ
إلى قوله: أَوْ صَدِيقِكُمْ
«٤» فقال الصديق: من استروحت إليه النفس واطمأن إليه القلب، وعلى المضيف الكريم أن لا يتأخر عن أضيافه ولا يمنعه عن ذلك قلة ما في يده بل يحضر إليهم ما وجد. فقد جاء عن أنس وغيره من الصحابة رضي الله تعالى عنهم أنهم كانوا يقدمون الكسرة اليابسة وحشف التمر. ويقولون: ما ندري أيهما أعظم وزرا الذي يحتقر ما قدم إليه أو الذي يحتقر ما عنده أن يقدمه. وعن أنس ﵁، عن النبي ﷺ قال: «من ألقم أخاه لقمة حلوة صرف الله عنه مرارة الموقف» .
حكي عن الإمام الشافعي ﵁ أنه كان نازلا عند الزعفراني ببغداد، فكان الزعفراني يكتب في كل يوم رقعة بما يطبخ من الألوان ويدفعها إلى الجارية، فأخذها الشافعي منها يوما وألحق فيها لونا آخر، فعرف الزعفراني ذلك، فأعتق الجارية سرورا بذلك، وكانت سنّة السلف ﵃ أن يقدموا جملة الألوان دفعة ليأكل كل شخص ما يشتهي. ومن السنّة أن يشيع المضيف الضيف إلى باب الدار، وعلى المضيف إذا قدم الطعام إلى أضيافه أن لا ينتظر من يحضر من عشيرته، فقد قيل: ثلاثة تضني:
سراج لا يضيء ورسول بطيء ومائدة ينتظر لها من يجيء، ونزل الإمام الشافعي ﵁ بالإمام مالك ﵁، فصب بنفسه الماء على يديه وقال له: لا يرعك ما رأيت مني، فخدمة الضيف على المضيف فرض:
أعرض طعامك وابذله لمن أكلا ... واحلف على من أبى واشكر لمن فعلا
ولا تكن سابري العرض محتشما ... من القليل فلست الدهر محتفلا
ومن البلاء من يعزم على الضيف، فيعتذر له، فيمسك عنه بمجرد الاعتذار، كأنه تخلص من ورطة، وقيل لبعض البخلاء: ما الفرج بعد الشدة؟ قال: أن يعتذر الضيف بالصوم. ومن البخلاء من يعجبه طعامه ويصف زبادية ويشتهي أن تبقى على حالها، ومنهم من يحضر طعامه فإذا رآه ضيوفه أمر بأن يرفع منها أطيبها وأشهاها إلى النفوس، ويعتذر أن في أصحابه من يحضر بالغداة عنده.
وحكي عن بعض البخلاء أنه استأذن عليه ضيف وبين يديه خبز وزبدية فيها عسل نحل، فرفع الخبز وأراد أن يرفع العسل، فدخل الضيف من قبل أن يرفعه، فظن البخيل أن ضيفه لا يأكل العسل بلا خبز، فقال له: ترى أن تأكل عسلا بلا خبز، قال: نعم، وجعل يلعق العسل لعقة بعد لعقة، فقال له البخيل: مهلا يا أخي والله أنه يحرق القلب، قال: نعم صدقت، ولكنه قلبك.
وحكي عن بعضهم أنه قال: غلب عليّ الجوع مرة،
стр. 189
فقلت: أمضي إلى دار فلان لأتغدى عنده، فجئت إلى باب بيته، فوجدت غلامه، فقلت له: أين سيدك؟ فقال، والله لا قلت لك عليه إلا أن أعطيتني كسرة، قال: فرجعت هاربا.
ومن البخل تقديم الشيء اليسير وتفخيمه.
حكي عن بعض البخلاء أنه حلف يوما على صديقه، وأحضر له خبزا وجبنا وقال له: لا تستقل الجبن، فإن الرطل منه بثلاثة دراهم، فقال له ضيفه: أنا أجعله بدرهم ونصف، قال: وكيف ذلك؟ قال: آكل لقمة بجبن ولقمة بلا جبن، فأين هؤلاء من الذي يقول:
قالت أما ترحل تبغي الغنى ... قلت فمن للطارق المعتم
قالت فهل عندك شيء له ... قلت نعم جهد الفتى المعدم
فكم وحق الله من ليلة ... قد أطعم الضيف ولم أطعم
إنّ الغنى بالنفس يا هذه ... ليس الغنى بالمال والدرهم
وقال بعض البخلاء:
سرى نحونا يبغي القرى طاوي الحشى ... لقد علمت فيه الظنون الكواذب
فبات له منّا إلى الصّبح شاتم ... يعدد تطفيل الضيوف وضارب
فشتان ما بين القائلين.
وأما آداب الضيف
فهو أن يبادر إلى موافقة المضيف في أمور منها: أكل الطعام، ولا يعتذر بشبع بل يأكل كيف أمكن. فقد حكي أنه ورد على بعض الأعراب ضيف، فدخل به إلى بيته وقدم له الطعام، فقال الضيف لست بجائع، وإنما أحتاج إلى مكان أبيت فيه، فقال الأعرابي: إذا كان هذا، فكن ضيف غيري، فإني لا أرى أن تمدحني في البلاد وتهجوني فيما بيني وبينك.
وحكي عن بعض التجار قال: استدعاني أبو حفص محمد بن القاسم الكرخي لأعرض عليه قماشا من تجارتي، فبينما أنا بين يديه، وإذا بأطباق الفاكهة قد حضرت فقمت من مجلسه، فقال: يا فلان. ما هذا الخلق العامي؟ اجلس، فجلست وتحققت كرمه وجعلت آكل الكمثراة في لقمة والتفاحة في لقمة، ثم قدم الطعام وكنت جائعا فأكلت جيدا ثم انصرفت، فلم أشعر في اليوم الثاني إلا وقد جاءني غلامه ببغلته، فاستدعاني إليه، فقال:
يا فلان إني قليل الأكل بطيء الهضم، ولقد طابت لي مؤاكلتك بالأمس، فأريد أن لا تنقطع بعدها عني، قال، فكنت متى انقطعت حضر غلامه في طلبي، فحصل له بقربي منه مال كثير وجاه عريض.
ومن آداب الضيف أيضا أن لا يسأل صاحب المنزل عن شيء من داره سوى القبلة، وموضع قضاء الحاجة، وأن لا يتطلع إلى ناحية الحريم وأن لا يخالفه إذا أجلسه في مكان وأكرمه به، وأن لا يمتنع من غسل يديه. وإذا رأى صاحب المنزل قد تحرك بحركة فلا يمنعه منها. فقد نقل في بعض المجاميع أن بعض الكرماء كان عربيدا على أضيافه سيىء الخلق بهم، فبلغ ذلك بعض الأذكياء، فقال: الذي يظهر لي من هذا الرجل أنه كريم الأخلاق، وما أظن سوء أخلاقه إلا لسوء أدب الأضياف، ولا بد أن أتطفل عليه لأرى حقيقة أمره، قال: فقصدته وسلمت عليه، فقال: هل لك أن تكون ضيفي. قلت: نعم، فسار بين يدي إلى أن جاء إلى باب داره، فأذن لي، فدخلت، فأجلسني في صدر مجلسه، فجلست حيث أجلسني، وأعطاني مسندا، فاستندت إليه، فأخرج لي شطرنجا، وقال: أتتقن شيئا؟ قلت: نعم. فلعبت معه، فلما حضر الطعام جعل يقدم لي ما استطابه، وأنا آكل، فلما فرغنا قدم طستا وإبريقا وأراد أن يسكب الماء على يدي، فلم أمنعه من ذلك، وأراد الخروج من بين يدي بعد أن قدم نعلي، فلم أرده عن ذلك، فلما أراد الرجوع. قلت: يا سيدي أنشدك الله إلا فرجت عني كربة؟ قال: وما هي؟
فأخبرته الخبر، فقال: والله ما يحوجني لذلك إلا سوء أدبهم، يصل الضيف إلى داري، فأجلسه في الصدر، فيأبى ذلك، ثم أقدم إليه الطعام، فلا أتحفه بشيء مستظرف إلا رده عليّ، ثم أريد أن أصب الماء على يديه عند الغسل، فيحلف بالطلاق الثلاث ما تفعل، ثم أريد أن أشيعه، فلا يمكنني من ذلك، فأقول في نفسي لا يحكم الإنسان على نفسه حتى في بيته، فعند ذلك أشتمه وألعنه وأضربه.
وفي معنى ذلك يقول بعضهم:
لا ينبغي للضيف أن يعترض ... إن كان ذا حزم وطبع لطيف
فالأمر للإنسان في بيته ... إن شاء أن ينصف أو أن يحيف
стр. 190
ومما يعاب على الضيف أمور منها كثرة الأكل المفرط، إلا أن يكون بدويا، فإنها عادته، ومنها أن يتتبع طريق الشرهين كمن يتخذ معه خريطة مشمعة يقلب فيها الزبادي والأمراق والحلوى وغير ذلك، ومنها أن يأخذ معه ولده الصغير ويعلمه أن يبكي وقت الانصراف من الطعام ليعطى على اسم ولده الصغير.
ومنها قبح المؤاكلة، وقد عد فيها عيوب كثيرة، فمنها:
المتشاوف والعداد والجراف والرشاف والنفاض والقراض والبهات واللتات والعوام والقسام والمخلل والمزبد والمرنخ والمرشش والمفتش والمنشف والملبب والصباغ والنفاخ والحامي والمجنح والشطرنجي والمهندس والمتمني والفضولي.
فأما المتشاوف: فهو الذي يستحكم جوعه قبل فراغ الطعام، فلا تراه إلا متطلعا لناحية الباب يظن أن ما دخل هو الطعام.
وأما العداد، فهو الذي يستغرق في عد الزبادي ويعد على أصابعه، ويشير إليه، وينسى نفسه.
والجراف: هو الذي يجعل اللقم في جانب الزبدية ويجرف بها إلى الجانب الآخر.
والرشّاف: هو الذي يجعل اللقمة في فيه ويرتشفها، فيسمع لها حين البلع حس لا يخفى على جلسائه، وهو يلتذ بذلك.
والنفّاض: هو الذي يقرض اللقمة بأطراف أسنانه حتى يهذبها ويضعها في الطعام بعد ذلك.
والبهات: هو الذي يبهت في وجوه الآكلين حتى يبهتهم، ويأخذ اللحم من بين أيديهم.
واللتات: هو الذي يلت اللقمة بأطراف أصابعه قبل وضعها في الطعام.
والعوام: هو الذي يميل ذراعيه يمنة ويسرة لأخذ الزبادي.
والقسام: هو الذي يأكل نصف اللقمة ويعيد باقيها في الطعام من فيه.
والمخلل: هو الذي يخلل أسنانه بأظفاره، والمزبد: هو الذي يحمل معه الطعام.
والمرنخ: هو الذي يرنخ اللقمة في الأمراق، فلا يبلغ الأولى حتى تلين الثانية.
والمرشش: هو الذي يفسخ الدجاج بغير خبرة فيرش على مؤاكليه.
والمفتش: هو الذي يفتش على اللحم بأصابعه. والمنشف: هو الذي ينشف يديه من الدهن باللقم ثم يأكلها.
والملبب: هو الذي يملأ الطعام لبابا.
والصباغ: هو الذي ينقل الطعام من زبدية إلى زبدية ليبرده.
والنفاخ: هو الذي ينفخ في الطعام.
والحامي: هو الذي يجعل اللحم بين يديه فيحميه من مؤاكليه.
والمجنح: هو الذي يزاحم مؤاكليه بجناحيه حتى يفسح له في المجلس، فلا يشق عليه الأكل.
والشطرنجي: هو الذي يرفع زبدية ويضع زبدية أخرى مكانها.
والمهندس: هو الذي يقول لمن يضع الزبادي ضع هذه هنا وهذه ههنا، حتى يأتي قدامه ما يحب.
والمتمني: هو الذي يقول: ليتني لم يكن معي من يأكل.
والفضولي: هو الذي يقول لصاحب المنزل عند فراغ الطعام، إن كان قد بقي عندك في القدور شيء، فأطعم الناس، فإن فيهم من لم يأكل.
ومن الأضياف من لا يلذ له حديث إلا وقت غسل يديه، فيبقى الغلام واقفا والإبريق في يده والناس ينتظرونه.
ومنهم من يغسل يديه بالأشنان مرة واحدة، فإذا اجتمع الوسخ والزفر تسوك بهما. ومنهم من يدخل الدار فيبتدىء بالهندسة أولا، فيقول كان ينبغي أن يكون باب المجلس من ههنا، والإيوان كان ينبغي أن يكون من ههنا، وينتقل من الهندسة إلى ترتيب المجلس، فينقل الفاكهة من موضعها إلى موضع آخر، وإن كان قد استحكم جوعه استعفى من الطعام، وذهل عن بقية الأضياف وشدة جوعهم. ومنهم من يخرج فيطوف على أصدقاء صاحب الدعوة، فيتألم عن انقطاعهم ويستوحش من غيبتهم ويسلطهم على عرض صاحبهم.
ولقد حكي عن مغن غير مجيد أنه لم يبطل ولا ليلة واحدة، وما ذاك إلا أنه كان إذا سئل أين كنت قال: كنت عند الناس، وطذا قيل له: أين أكلت؟ قال: أكلت في بطني، وإذا قيل له: أين شربت؟ قال: شربت في فمي.
ومنهم من يفهم عن صاحب الدعوة أنه يقول لغلامه اشتر كذا، فيقول، والله العظيم أو الطلاق الثلاث يلزمه ما يشتري شيئا فأذوقه، فيعجز صاحب المنزل ويخجله إذا لم
стр. 191
يكن في بيته شيء موجود، وليت شعري إذا كان لا يأكل فلأي شيء حضر.
ومنهم من يرى صاحب البيت قد أسرّ إلى صديقه شيئا، فيقول: ما الذي قال المولى لصاحبنا، وهو لا يريد أن يعلمه، ومنهم من يستعجل صاحب المنزل بالأكل ويشكو الجوع ويظن أن ذلك بسط مكارم أخلاق، وإنما ذلك يكون في بيته لا في بيوت الناس.
ومنهم من يقول لصاحب الدعوة: من يغني لنا، فيقول فلان، فيقول له: غلطت لم لا دعوت فلانا.
ومنهم من يسأل صاحب البيت، كيف قوته في النكاح، فيقول له: أنا رجل كبير قد ضعفت قوتي وشهوتي، أو يقول ما لي قوة طائلة في ذلك، فيقول: أنا والله كلما مر عليّ عام تزايدت شهوتي وكثر لهذا الفن تشوّفي «١» ، ويعلن بذلك حتى تسمعه صاحبة البيت.
ومنهم من يشكو حاله مع أهل بيته ويذكر نفقته عليهن وكسوته لهن وكثرة إنعامه وإحسانه إليهن، وما عليه زوجته من سوء الأخلاق وكبر النفس، لتستقل زوجة صاحب البيت ما هي فيه مع زوجها، وربما كان ذلك سببا لفراقها منه.
ومنهم من تعجبه نفسه ويستحسن لباسه، ويستطيب رائحته، وإذا سمع الغناء تواجد، وأظهر الطرب، وحرك رأسه، ويقوم قائما يتمايل حتى يرى أهل الرجل أنه لطيف الشكل بديع الحركات، ويظن في نفسه أنه يعشق وأن رسول صاحبة البيت لا يبطىء عنه.
ومنهم من يقال له: إلعب الشطرنج، فيأباه ويشتغل بالدندنة، فيقع في الفضول. ومنهم من يتأمر على غلمان صاحب البيت ويهين أولاده، ويظن أنه يدل عليهم «٢» .
ومنهم من يقول له صاحب البيت كل، فيقول: ما آكل إلا أنا ورفيقي. ومنهم من يسمع السائل على الباب، فيتصدق عليه من مال صاحب البيت بغير إذنه أو يقول للسائل فتح الله عليك.
ومنهم من يدعو الناس لصاحب الوليمة بغير إذنه ويقلده بذلك المنن وأكثر الناس واقع في ذلك.
نسأل الله تعالى أن يلهمنا رشدنا وأن يعيذنا من شرور أنفسنا بمنه وكرمه إنه جواد كريم رؤوف رحيم، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الباب السادس والثلاثون في العفو والحلم والصفح وكظم الغيظ والاعتذار وقبول المعذرة والعتاب وما أشبه ذلك
قد ندب الله نبيه ﷺ إلى الصفح والعفو بقوله تعالى: فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ
«٣» . قيل: هو الرضا بلا عتب. وقال تعالى: خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ ١٩٩
«٤» . وقال تعالى: وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ
«٥» وقال تعالى: وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ
«٦» إِنَّ ذلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ
» .
وعن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : «رأيت قصورا مشرفة على الجنة، فقلت:
يا جبريل لمن هذه؟ قال: للكاظمين الغيظ والعافين عن الناس» .
وقال معاذ بن جبل ﵁: لما بعثني رسول الله ﷺ إلى اليمن قال: ما زال جبريل ﵇ يوصيني بالعفو، فلولا علمي بالله لظننت أنه يوصيني بترك الحدود.
وقال الحسن بن أبي الحسن إذا كان يوم القيامة نادى مناد، من كان له على الله أجر فليقم، فلا يقوم إلا العافون عن الناس، وتلا قوله تعالى: فَمَنْ عَفا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ
«٨» .
وقال علي كرم الله وجهه: أولى الناس بالعفو أقدرهم على العقوبة. وكان المأمون رحمه الله تعالى يحب العفو ويؤثره، ويقول: لقد حبب إليّ العفو حتى أني أخاف أن لا أثاب عليه، وكان يقول: لو علم أهل الجرائم لذتي في العوف لارتكبوها، وقال: لو علم الناس حبي للعفو لما
стр. 192
تقربوا إليّ إلا بالجنايات.
وقال علي كرم الله وجهه: إذا قدرت على عدوك، فاجعل العفو عنه شكرا للقدرة عليه، وقال رضي الله تعالى عنه: أقيلوا ذوي المروءات عثراتهم، فما يعثر منهم عاثرا إلا ويده بيد الله يرفعه، وقال ﵁: إن أول عوض الحليم عن حلمه، إن الناس أنصار له على الجاهل.
وقال المنتصر: لذة العفو يلحقها حمد العاقبة، ولذة التشفي «١» يلحقها ذم الندم.
وقال ابن المعتز: لا تشن وجه العفو بالتقريع به «٢» .
وقيل: ما عفا عن الذنب من قرّع به. وقال رجل لرجل سبه: إياك أعني، فقال له، وعنك أعرض.
وكان الأحنف رحمه الله تعالى كثير العفو والحلم وكان يقول: ما آذاني أحد إلا أخذت في أمره بإحدى ثلاث: إن كان فوقي عرفت له فضله، وإن كان مثلي تفضلت عليه، وإن كان دوني أكرمت نفسي عنه. وكان مشهورا بين الناس بالحلم وبذلك ساد عشيرته، وكان يقول: وجدت الاحتمال أنصر لي من الرجال. وقيل له: ممن تعلمت الحلم؟ فقال: من قيس بن عاصم. كنا نختلف إليه في الحلم كما يختلف إلى الفقهاء في الفقه، ولقد حضرت عنده يوما، وقد أتوه بأخ له قد قتل ابنه، فجاءوا به مكتوفا، فقال: ذعرتم أخي أطلقوه، وأحملوا إلى أم ولدي ديته، فإنها ليست من قومنا، ثم أنشأ يقول:
أقول للنفس تصبيرا وتعزية ... إحدى يديّ أصابتني ولم ترد
كلاهما خلف من فقد صاحبه ... هذا أخي حين أدعوه وذا ولدي
وقيل: من عادة الكريم إذا قدر غفر، وإذا رأى زلة ستر. وقالوا: ليس من عادة الكرام سرعة الغضب والانتقام. وقيل: من انتقم فقد شفى غيظه، وأخذ حقه، فلم يجب شكره، ولم يحمد في العالمين ذكره. والعرب تقول: لا سؤدد مع الانتقام، والذي يجب على العاقل إذا أمكنه الله تعالى أن لا يجعل العقوبة شيمته «٣» ، وإن كان ولا بد من الانتقام، فليرفق في انتقامه إلا أن يكون حدا من حدود الله تعالى.
وقال المنصور لجان عجز عن العذر: ما هذا الوجوم وعهدي بك خطيبا لسنا؟ فقال: يا أمير المؤمنين، ليس هذا موقف مباهاة، ولكنه موقف توبة، والتوبة بالاستكانة والخضوع، فرق له وعفا عنه.
وسعي إلى المنصور برجل من ولد الأشتر النخعي، ذكر له عنه أنه يميل إلى بني علي والتعصب لهم، فأمر بإحضاره، فلما مثل بين يديه قال: يا أمير المؤمنين، ذنبي أعظم من نقمتك، وعفوك أعظم من ذنبي، ثم قال:
فهبني مسيئا كالذي قلت ظالما ... فعفوا جميلا كي يكون لك الفضل
فإن لم أكن للعفو منك لسوء ما ... أتيت به أهلا فأنت له أهل
فعفا عنه، وأمر له بصلة.
وأحضر إلى المأمون رجل قد أذنب ذنبا، فقال له: أنت الذي فعلت كذا وكذا؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين أنا ذاك الذي أسرف على نفسه واتكل على عفوك، فعفا عنه وخلى سبيله.
وأحضر إلى الهادي رجل من أصحاب عبد الله بن مالك، فوبخه على ذنب، فقال: يا أمير المؤمنين، إن إقراراي يلزمني ذنبا لم أفعله، ويلحق بي جرما لم أقف عليه، وإنكاري رد عليك، ومعارضة لك، ولكني أقول:
فإن كنت تبغي بالعقاب تشفيّا ... فلا تزهدن عند التجاوز في الأجر
فقال: لله درك من معتذر بحق أو باطل، ما أمضى لسانك، وأثبت جنانك وعفا عنه وخلى سبيله.
وركب يوما عمرو بن العاص ﵁ بغلة له شهباء، ومر على قوم فقال بعضهم: من يقوم للأمير، فيسأله عن أمه وله عشرة آلاف؟ فقال واحد منهم: أنا، فقام وأخذ بعنان بغلته، وقال: أصلح الله الأمير، أنت أكرم الناس خيلا، فلم ركبت دابة أشهابّ وجهها؟ فقال:
إني لا أمل دابتي حتى تملني، ولا أمل رفيقي حتى يملني.
فقال: أصلح الله الأمير، أما العاص فقد عرفناه وعلمنا شرفه، فمن الأم؟ قال: على الخبير سقطت. أمي النابغة بنت حرملة بن عزة سبتها رماح العرب، فأتي بها سوق عكاظ، فبيعت، فاشتراها عبد الله بن جدعان، ووهبها للعاص بن وائل، فولدت، وأنجبت، فإن كان قد جعل لك جعل، فارجع وخذه، وأرسل عنان الدابة. وقيل: إن أمه كانت بغيا عند عبد الله بن جدعان، فوطئها في طهر واحد أبو لهب وأمية بن خلف، وأبو سفيان بن حرب،
стр. 193
والعاص بن وائل، فولدت عمرا، فادعاه كلهم، فحكمت فيه أمه، فقالت: هو للعاص، لأن العاص هو الذي كان ينفق عليها. وقالوا: كان أشبه بأبي سفيان.
وكان الواثق يتشبه بالمأمون في أخلاقه وحلمه، وكان يقال له: المأمون الصغير. نقل عنه أنه دخلت عليه ابنة مروان بن محمد، فقالت: السلام عليك يا أمير المؤمنين، فقال: لست به، فقالت: السلام عليك أيها الأمير، فقال لها، وعليك السلام ورحمة الله وبركاته، فقالت: ليسعنا عدلكم، فقال: إذا لا يبقى على وجه الأرض منكم أحد لأنكم حاربتم علي بن أبي طالب ﵁ وكرم وجهه، ومنعتم حقه، وسممتم الحسن ﵁، ونقضتم شرطه، وقتلتم الحسين ﵁، وسبيتم أهله، ولعنتم علي بن أبي طالب ﵁ على منابركم وضربتم علي بن عبد الله ظلما بسياطكم، فعدلنا لا يبقي منكم أحدا، فقالت: فليسعنا عفوكم، قال: أما هذا، فنعم، وأمر برد أموالها عليها، وبالغ في الإحسان إليها.
وكان معاوية ﵁ يعرف بالحلم، وله فيه أخبار مشهورة وآثار مذكورة، وكان يقول: إني لآنف أن يكون في الأرض جهل لا يسعه حلمي، وذنب لا يسعه عفوي، وحاجة لا يسعها جودي، وهذه مروءة عالية المرتبة. وقال له رجل يوما: ما أشبه أستك بإست أمك، فقال: ذاك الذي أعجب أبا سفيان منها.
وكتب معاوية إلى عقيل بن أبي طالب ﵁ يعتذر إليه من شيء جرى بينهما، يقول: من معاوية بن أبي سفيان إلى عقيل بن أبي طالب أما بعد، يا بني عبد المطلب، فأنتم والله فروع قصي ولباب عبد مناف وصفوة هاشم، فأين أخلاقكم الراسية وعقولكم الكاسية؟
وقد والله أساء أمير المؤمنين ما كان جرى، ولن يعود لمثله إلى أن يغيّب في الثرى، فكتب إليه عقيل يقول:
صدقت وقلت حقّا غير أني ... أرى أن لا أراك ولا تراني
ولست أقول سوء في صديقي ... ولكنّي أصد إذا جفاني
فركب إليه معاوية ﵁، وناشده في الصفح عنه، واستعطفه حتى رجع.
وحكي عنه ﵁ أنه لما ولي الخلافة، وانتظمت إليه الأمور وامتلأت منه الصدور، وأذعن لأمره الجمهور، وساعده في مراده القدر المقدور، استحضر ليلة خواص أصحابه وذاكرهم وقائع أيام صفين، ومن كان يتولى كبر الكريهة من المعروفين، فانهمكوا في القول الصحيح والمريض وآل حديثهم إلى من كان يجتهد في إيقاد نار الحرب عليهم بزيادة التحريض، فقالوا: امرأة من أهل الكوفة تسمى الزرقاء بنت عدي كانت تتعمد الوقوف بين الصفوف وترفع صوتها صارخة: يا أصحاب علي، تسمعهم كلاما كالصوارم، مستحثة لهم بقول لو سمعه الجبان لقاتل، والمدبر لقابل، والمسلم لحارب، والفار لكرّ، والمتزلزل لاستقر.
فقال لهم معاوية رضي الله عنكم. أيكم يحفظ كلامها؟
فقالوا: كلنا نحفظه، قال: فما تشيرون عليّ فيها؟ قالوا:
نشير بقتلها، فإنها أهل لذلك. فقال لهم معاوية ﵁: بئسما أشرتم، وقبحا لما قلتم. أيحسن أن يشتهر عني أنني بعدما ظفرت وقدرت قتلت امرأة قد وفت لصاحبها، إني إذا للئيم، لا والله لا فعلت ذلك أبدا. ثم دعا بكاتبه فكتب كتابا إلى واليه بالكوفة أن أنفذ إليّ الزرقاء بنت عدي مع نفر من عشيرتها وفرسان من قومها، ومهّد لها وطاء لينا ومركبا ذلولا، فلما ورد عليه الكتاب ركب إليها وقرأ عليها، فقالت بعد قراءة الكتاب: ما أنا بزائغة عن الطاعة، فحملها في هودج، وجعل غشاءه خزا مبطنا، ثم أحسن صحبتها، فلما قدمت على معاوية قال لها:
مرحبا وأهلا خير مقدم قدمه وافد، كيف حالك يا خالة، وكيف رأيت سيرك؟ قالت: خير مسير، فقال: هل تعلمين لم بعثت إليك؟ قالت: لا يعلم الغيب إلا الله . قال: ألست راكبة الجمل الأحمر يوم صفين، وأنت بين الصفوف توقدين نار الحرب، وتحرضين على القتال؟ قالت: نعم، قال: فما حملك على ذلك؟ قالت يا أمير المؤمنين: إنه قد مات الرأس وبتر الذنب، والدهر ذو غير «١» ومن تفكر أبصر، والأمر يحدث بعده الأمر. فقال:
صدقت، فهل تعرفين كلامك، وتحفظين ما قلت؟ قالت:
لا والله، قال: لله أبوك، فلقد سمعتك تقولين: أيها الناس إن المصباح لا يضيء في الشمس، وأن الكواكب لا تضيء مع القمر، وأن البغل لا يسبق الفرس، ولا يقطع الحديد إلا بالحديد، ألا من استرشدنا أرشدناه، ومن سألنا أخبرناه إن الحق كان يطلب ضالة فأصابها، فصبرا يا معشر المهاجرين والأنصار، فكأنكم وقد التأم شمل الشتات،
стр. 194
وظهرت كلمة العدل وغلب الحق باطله، فإنه لا يستوي المحق والمبطل، فمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون، فالنزال النزال، والصبر الصبر، ألا وإن خضاب النساء الحناء، وخضاب الرجال الدماء، والصبر خير الأمور عاقبة، ائتوا الحرب غير ناكصين، فهذا يوم له ما بعده. يا زرقاء. أليس هذا قولك وتحريضك؟
قالت: لقد كان ذلك، قال: لقد شاركت عليا في كل دم سفكه، فقالت: أحسن الله بشارتك يا أمير المؤمنين، وأدام سلامتك. مثلك من يبشر بخير ويسر جليسه، فقال معاوية:
أوقد سرك ذلك؟ قالت: نعم، والله لقد سرني قولك وأنى لي بتصديقه، فقال لها معاوية: والله لوفاؤكم له بعد موته أعجب إليّ من حبكم له في حياته، فاذكري حوائجك تقض.
فقالت يا أمير المؤمنين إني آليت على نفسي أن لا أسأل أحدا بعد علي حاجة، فقال: قد أشار عليّ بعض من عرفك بقتلك، فقالت: لؤم من المشير، ولو أطعته لشاركته، قال: كلا بل نعفو عنك ونحسن إليك ونرعاك، فقالت: يا أمير المؤمنين كرم منك، ومثلك من قدر فعفا، وتجاوز عمن أساء وأعطى من غير مسألة، قال: فأعطاها كسوة ودراهم، وأقطعها ضيعة تغل كل سنة عشرة آلاف درهم، وأعادها إلى وطنها سالمة، وكتب إلى والي الكوفة بالوصية بها وبعشيرتها.
وقيل: كان لعبد الله بن الزبير ﵄ أرض وكان له فيها عبيد يعملون فيها، وإلى جانبها أرض لمعاوية وفيها أيضا عبيد يعملون فيها، فدخل عبيد معاوية في أرض عبد الله بن الزبير، فكتب عبد الله كتابا إلى معاوية يقول له فيه أما بعد، يا معاوية: إن عبيدك قد دخلوا في أرضي، فانههم عن ذلك، وإلا كان لي ولك شأن، والسلام. فلما وقف معاوية على كتابه، وقرأه دفعه إلى ولده يزيد، فلما قرأه قال له معاوية: يا بني ما ترى؟ قال:
أرى أن تبعث إليه جيشا يكون أوله عنده وآخره عندك يأتونك برأسه. فقال: بل غير ذلك خير منه يا بني، ثم أخذ ورقة، وكتب فيها جواب كتاب عبد الله بن الزبير، يقول فيه: أما بعد، فقد وقفت على كتاب ولد حواري رسول الله ﷺ ، وساءني ما ساءه، والدنيا بأسره هينة عندي في جنب رضاه، نزلت عن أرضي لك فأضفها إلى أرضك بما فيها من العبيد والأموال والسلام. فلما وقف عبد الله بن الزبير ﵄ على كتاب معاوية ﵁، كتب إليه: قد وقفت على كتاب أمير المؤمنين أطال الله بقاءه، ولا أعدمه الرأي الذي أحله من قريش هذا المحل والسلام.
فلما وقف معاوية على كتاب عبد الله بن الزبير، وقرأه رمى به إلى ابنه يزيد، فلما قرأه تهلل وجهه، وأسفر، فقال له أبوه: يا بني من عفا ساد، ومن حلم عظم، ومن تجاوز استمال إليه القلوب، فإذا ابتليت بشيء من هذه الأدواء فداوه بمثل هذا الدواء.
ولما دخل الفيل من دمشق واجتمع الناس لرؤيته صعد معاوية في مكان مرتفع ينظر إليه، فبينما هو كذلك إذ نظر في بعض الحجر من قصره رجلا مع بعض حرمه، فأتى الحجرة ودق الباب، فلم يكن من فتحه بد، فوقعت عينه على الرجل، فقال له: يا هذا في قصري، وتحت جناحي تهتك حرمتي، وأنت في قبضتي، ما حملك على هذا؟
قال: فبهت «١» الرجل، وقال: حلمك أوقعني، فقال له معاوية، فإن عفوت عنك تسترها عليّ، قال: نعم. فعفا عنه وخلّى سبيله. وهذا من الحلم الواسع أن يطلب الستر من الجاني، وهو عروض قول الشاعر:
إذا مرضتم أتيناكم نعودكم ... وتذنبون فنأتيكم ونعتذر
وحكي عن الربيع مولى الخليفة المنصور قال: ما رأيت رجلا أربط جأشا، وأثبت جنانا من رجل سعي به إلى المنصور، أن عنده ودائع وأموالا لبني أمية، فأمرني بإحضاره، فأحضرته إليه، فقال له المنصور: قد رفع إلينا خبر الودائع، والأموال التي عندك لبني أمية، فأخرج لنا منها، وأحضرها، ولا تكتم منها شيئا، فقال يا أمير المؤمنين، وأنت وارث بني أمية، قال: لا، قال: فوصي لهم في أموالهم ورباعهم؟ قال: لا، قال: فما مسألتك عما في يدي من ذلك؟ قال: فأطرق المنصور، وتفكر ساعة، ثم رفع رأسه وقال: إن بني أمية ظلموا المسلمين فيها، وأنا وكيل المسلمين في حقوقهم، وأريد أن آخذ ما ظلموا المسلمين فيه، فاجعله في بيت أموالهم. فقال: يا أمير المؤمنين، فيحتاج إلى إقامة بيّنة عادلة أن ما في يدي لبني أمية مما خانوه وظلموه، فإن بني أمية قد كانت لهم أموال غير أموال المسلمين. قال: فأطرق المنصور ساعة، ثم رفع رأسه وقال: يا ربيع: ما أرى الشيخ إلا قد صدق، وما يجب عليه شيء، وما يسعنا إلا أن نعفو عما قيل عنه، ثم قال: هل لك من حاجة؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين أن
стр. 195
تجمع بيني وبين من سعى بي إليك، فو الله الذي لا إله إلا هو ما في يدي لبني أمية مال ولا وديعة، ولكنني لما مثلت بين يديك وسألتني عما سألتني عنه قابلت بين هذا القول الذي ذكرته الآن، وبين ذلك القول الذي ذكرته أولا، فرأيت ذلك أقرب إلى الخلاص والنجاة. فقال: يا ربيع اجمع بينه وبين من سعى به، فجمعت بينهما، فلما رآه قال: هذا غلامي اختلس لي ثلاثة آلاف دينار من مالي وأبق مني وخاف من طلبي له، فسعى بي عند أمير المؤمنين. قال: فشدد المنصور على الغلام وخوفه، فأقر بأنه غلامه، وأنه أخذ المال الذي ذكره وسعى به كذبا عليه وخوفا من أن يقع في يده، فقال له المنصور: سألتك أيها الشيخ أن تعفو عنه، فقال: قد عفوت عنه، وأعتقته ووهبته الثلاثة آلاف التي أخذها وثلاثة آلاف أخرى أدفعها إليه.
فقال له المنصور: ما على ما فعلت من مزيد؟ قال: بلى يا أمير المؤمنين إن هذا كله لقليل في مقابلة كلامك لي وعفوك عني، ثم انصرف. قال الربيع: فكان المنصور يتعجب منه، وكلما ذكره يقول: ما رأيت مثل هذا الشيخ يا ربيع.
وغضب الرشيد على حميد الطوسي، فدعا له بالنطع «١» والسيف فبكى، فقال له: ما يبكيك؟ فقال، والله يا أمير المؤمنين: ما أفزع من الموت لأنه لا بد منه، وإنما بكيت أسفا على خروجي من الدنيا، وأمير المؤمنين ساخط عليّ، فضحك وعفى عنه، وقال: إن الكريم إذا خادعته انخدع.
وأمر زياد بضرب عنق رجل، فقال: أيها الأمير إن لي بك حرمة، قال: وما هي؟ قال: إني جارك بالبصرة، قال: ومن أبوك؟ قال: يا مولاي إني نسيت اسم نفسي، فكيف لا أنسى اسم أبي؟ فرد زياد كمه على فمه، وضحك وعفا عنه.
وأمر الحجاج بقتل رجل فقال: أسألك بالذي أنت غدا بين يديه أذل موقفا مني بين يديك إلا عفوت عني، فعفا عنه. ولما ضرب الحجاج رقاب أصحاب ابن الأشعث أتي برجل من بني تميم، فقال: والله يا حجاج لئن كنا أسأنا في الذنب ما أحسنت في العفو، فقال الحجاج: أف لهذه الجيف! أما كان فيهم من يحسن الكلام مثل هذا؟ وعفا عنه وخلّى سبيله.
وكان إبراهيم بن المهدي يقول: والله ما عفا عني المأمون تقربا إلى الله تعالى، ولا صلة الرحم، ولكن له سوق في العفو يكره أن تكسد بقتلي «٢» . وسئل الفضل عن الفتوة، فقال: الصفح عن عثرات الأخوان. وفي بعض الكتب المنزلة. إن كثرة العفو زيادة في العمر. وأصله قوله تعالى: وَأَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ
«٣» . وقال يزيد بن مزيد: أرسل إليّ الرشيد ليلا يدعوني، فأوجست منه خيفة، فقال لي: أنت القائل: أنا ركن الدولة والثائر لها، والضارب أعناق بغاتها؟ لا أم لك، أي ركن، وأي ثائر أنت؟ قلت يا أمير المؤمنين: ما قلت هذا، إنما قلت:
أنا عبد الدولة، والثائر لها، فأطرق وجعل ينحلّ غضبه عن وجهه، ثم ضحك، فقلت أحسن من هذا قولي:
خلافة الله في هارون ثابتة ... وفي بنيه إلى أن ينفخ الصّور
فقال: يا فضل أعطه مائتي ألف درهم قبل أن يصبح.
وأمر مصعب بن الزبير بقتل رجل، فقال: ما أقبح بي أن أقوم يوم القيامة إلى صورتك هذه الحسنة، ووجهك هذا الذي يستضاء به، فأتعلق بأطواقك وأقول: أي رب سل مصعبا لم قتلني؟ فقال: أطلقوه، فلما أطلقوه، قال: أيها الأمير اجعل ما وهبت لي من حياتك في خفض عيش.
قال قد أمرت لك بمائة ألف درهم، فقال:
أيا المذنب الخطّاء والعفو واسع ... ولو لم يكن ذنب لما عرف العفو
وتغيظ عبد الملك بن مروان على رجل، فقال: والله لئن أمكنني الله منه لأفعلن به كذا وكذا، فلما صار بين يديه قال رجاء بن حيوة: يا أمير المؤمنين قد صنع الله ما أحببت، فاصنع ما أحب الله، فعفا عنه وأمر له بصلة.
وقال الحسن: إن أفضل رداء تردّى به الإنسان الحلم.
وهو والله عليك أحسن من برد الحبر. وفيه قال أبو تمام:
رفيق حواشي الحلم لو أن حلمه ... بكفيّك ما ماريت في أنه برد «٤»
ويقال: الحليم سليم، والسفيه كليم. وقال محمد بن عجلان: ما شيء أشد على الشيطان من عالم معه حلم، إن تكلم تكلم بعلم، وإن سكت سكت بحلم، يقول
стр. 196
الشيطان: سكوته عليّ أشد من كلامه.
شعر:
إذا كنت تبغي شيمة غير شيمة ... طبعت عليها لم تطعك الضرائب
وعن علي بن الحسين رضي الله تعالى عنهما: أقرب ما يكون العبد من غضب الله إذا غضب. وفي التوراة:
اذكرني إذا غضبت أذكرك إذا غضبت، فلا أمحقك فيما أمحق، وإذا ظلمت فاصبر، وارض بنصرتي، فإن نصرتي لك خير من نصرتك لنفسك.
وكان ابن عون إذا غضب على إنسان قال له: بارك الله فيك، وكانت له ناقة كريمة، فضربها الغلام فأندر عينها «١» . فقالوا: إن غضب ابن عون، فإنه يغضب اليوم، فقال للغلام: غفر الله لك.
وقال رجل لرسول الله ﷺ : أي شيء أشد؟ قال:
غضب الله. قال: فما يباعدني من غضب الله؟ قال: أن لا تغضب ويقال: من أطاع الغضب أضاع الأرب.
قال أبو العتاهية:
ولم أر في الأعداء حين اختبرتهم ... عدوا لعقل المرء أعدى من الغضب
وقال أبو هريرة ﵁: ليس الشديد بالصرعة «٢» إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب. وقال ابن مسعود ﵁: كفى بالمرء إثما أن يقال له: اتق الله فيغضب، ويقول: عليك نفسك.
وكتب عمر بن عبد العزيز ﵁ إلى عامل من عماله: أن لا تعاقب عند غضبك، وإذا غضبت على رجل، فاحبسه، فإذا سكن غضبك فأخرجه، فعاقبه على قدر ذنبه، ولا تجاوز به خمسة عشر سوطا. وقيل لابن المبارك رحمه الله تعالى: اجمع لنا حسن الخلق في كلمة واحدة. قال: ترك الغضب.
وقال المعتمر بن سليمان: كان رجل ممن كان قبلكم يغضب، ويشتد غضبه، فكتب ثلاث صحائف، فأعطى كل صحيفة رجلا. وقال للأول: إذا اشتد غضبي، فقم إليّ بهذه الصحيفة وناولنيها، وقال للثاني: إذا سكن بعض غضبي فناولنيها، وقال للثالث: إذا ذهب غضبي، فناولنيها. وكان في الأول: «اقصر، فما أنت وهذا الغضب، إنك لست بإله إنما أنت بشر يوشك أن يأكل بعضك بعضا» . وفي الثانية: «ارحم من في الأرض يرحمك من في السماء» . وفي الثالثة: «احمل عباد الله على كتاب الله، فإنه لا يصلحهم إلا ذاك» . روي أنه أنوشروان.
وكان الشعبي أولع شيء بهذا البيت:
ليست الأحلام في حال الرضا ... إنما الأحلام في حال الغضب
وعن معاذ بن جبل، عن أنس ﵄، عن النبي ﷺ : «من كظم غيظه وهو قادر على أن ينفذه، دعاه الله على رؤوس الخلائق يوم القيامة حتى يخيره في أي الحور شاء» ، وروي: ملأه الله أمنا وإيمانا.
وقال ابن السماك: أذنب غلام لامرأة من قريش، فأخذت السوط، ومضت خلفه حتى إذا قاربته رمت بالسوط وقالت: ما تركت التقوى أحدا يشفي غيظه. وقال أبو ذر لغلامه: لم أرسلت الشاة على علف الفرس؟ قال:
أردت أن أغيظك، قال: لأجمعن مع الغيظ أجرا أنت حر لوجه الله تعالى. واستأذن رهط من اليهود على رسول الله ﷺ ، فأذن لهم، فقالوا: السام عليك يا محمد، فقالت عائشة رضي الله تعالى عنها: بل السام عليكم، واللعنة، فقال: يا عائشة: إن الله يحب الرفق في الأمر كله، فقالت: ألم تسمع ما قالوا، قال: قد قلت:
وعليكم.
ورفع إلى عبد الملك بن مروان أعرابي يقال له حمزة، سرق، وقامت عليه البينة، فهمّ عبد الملك بقطع يده، فكتب إليه حمزة من السجن يقول (شعر) :
يدي يا أمير المؤمنين أعيذها ... بعفوك أن تلقى مقاما يشينها
فلا خير في الدنيا وكانت خبيثة ... إذا ما شمال فارقتها يمينها
قال: فأبى عبد الملك إلا قطعه، فدخلت عليه أم حمزة وقالت: يا أمير المؤمنين بني وكاسبي وواحدي، فقال لها عبد الملك: بئس الكاسب لك، هذا حد من حدود الله تعالى، فقالت يا أمير المؤمنين: اجعله أحد ذنوبك التي تستغفر الله منها، فقال عبد الملك: ادفعوه إليها، وخلى سبيله (شعر) :
إذا ما طاش حلمك عن عدو ... وهان عليك هجران الصديق «٣»
стр. 197
فلست إذا أخا عفو وصفح ... ولا لأخ على عهد وثيق
إذا زلّ الرفيق وأنت ممّن ... بلا رفق بقيت بلا رفيق
إذا أنت أتّخذت أخا جديدا ... لما أنكرت من خلق عتيق
فما تدري لعلك مستجير ... من الرمضاء فرّ إلى الحريق «١»
فكم من سالك لطريق أمن ... أتاه ما يحاذر في الطريق
وشتم رجل رجلا فقال له: يا هذا لا تغرق في شتمنا ودع للصلح موضعا «٢» ، فإني أبيت مشاتمة الرجال صغيرا، فلن أجيئها كبيرا، وإني لا أكافىء من عصى الله فيّ بأكثر من أن أطيع الله فيه.
وحكي عن جعفر الصادق ﵁: أن غلاما له وقف يصب الماء على يديه، فوقع الإبريق من يد الغلام في الطست، فطار الرشاش في وجهه، فنظر جعفر إليه نظر مغضب، فقال يا مولاي: وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ
«٣» قال:
قد كظمت غيظي، قال: وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ
«٤» قال: قد عفوت عنك، قال: وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ
«٥» قال: إذهب، فأنت حر لوجه الله تعالى.
وقيل: لما قدم نصر بن منيع بين يدي الخليفة، وكان قد أمر بضرب عنقه، قال: يا أمير المؤمنين، اسمع مني كلمات أقولها. قال: قل، فأنشأ يقول:
زعموا بأن الصقر صادف مرة ... عصفور برّ ساقه التقدير
فتكلم العصفور تحت جناحه ... والصقر منقضّ عليه يطير
إنّي لمثلك لا أتمّم لقمة ... ولئن شويت فإنني لحقير
فتهاون الصقر المدلّ بصيده ... كرما وأفلت ذلك العصفور
قال فعفا عنه وخلى سبيله.
قال الشاعر:
أقرر بذنبك ثم اطلب تجاوزهم ... عنه فإن جحود الذنب ذنبان «٦»
وقال بعضهم:
يستوجب العفو الفتى إذا اعترف ... وتاب عمّا قد جناه واقترف
لقوله قل للذين كفروا ... إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف
وقال آخر:
إذا ذكرت أياديك التي سلفت ... مع قبح فعلي وزلّاتي ومجترمي
أكاد أقتل نفسي ثم يدركني ... علمي بأنك مجبول على الكرم
وروي أن عمر رضي الله تعالى عنه رأى سكران، فأراد أن يأخذه ليعزره، فشتمه السكران، فرجع عنه، فقيل له يا أمير المؤمنين: لما شتمك تركته، قال: إنما تركته لأنه أغضبني، فلو عزرته لكنت قد انتصرت لنفسي، فلا أحب أن أضرب مسلما لحمية نفسي.
وغضب المنصور على رجل من الكتّاب، فأمر بضرب عنقه، فأنشأ يقول:
وإنّا الكاتبونا وإن أسأنا ... فهبنا للكرام الكاتبينا
فعفا عنه وخلى سبيله وأكرمه.
وقال الرشيد لأعرابي: بم بلغ فيكم هشام بن عروة هذه المنزلة؟ قال: بحلمه عن سفيهنا، وعفوه عن مسيئنا، وحمله عن ضعيفنا. لا منّان إذا وهب، ولا حقود إذا غضب، رحب الجنان سمح البنان، ماضي اللسان، قال:
فأومأ الرشيد إلى كلب صيد كان بين يديه، وقال: والله لو كانت هذه في هذا الكلب لاستحق بها السؤدد.
وقيل لمعن بن زائدة: المؤاخذة بالذنب من السؤدد؟
قال: لا، ولكن أحسن ما يكون الصفح عمّن عظم جرمه، وقلّ شفعاؤه، ولم يجد ناصرا «٧» .
стр. 198
وقال محمود الوراق:
سألزم نفسي الصفح عن كلّ مذنب ... وإن عظمت منه عليّ الجرائم
فما الناس إلا واحد من ثلاثة ... شريف ومشروف ومثل مقاوم
فأما الذي فوقي فأعرف قدره ... وأتبع فيه الحقّ والحق لازم
وأما الذي دوني فإن قال صنت عن ... إجابته نفسي وإن لام لائم
وأما الذي مثلي فإن زلّ أو هفا ... تفضّلت إنّ الحرّ بالفضل حاكم
وقال الأحنف بن قيس لابنه: يا بني إذا أردت أن تؤاخي رجلا فأغضبه، فإن أنصفك، وإلا فاحذره «١» .
قال الشاعر:
إذا كنت مختصا لنفسك صاحبا ... فمن قبل أن تلقاه بالودّ أغضبه
فإن كان في حال القطيعة منصفا ... وإلا فقد جرّبته فتجنّبه
ومن أمثال العرب: إحلم تسد.
قال الشاعر:
لن يبلغ المجد أقوام وإن شرفوا ... حتى يذلّوا وإن عزّوا لأقوام
ويشتموا فترى الألوان مسفرة «٢» ... لا صفح ذل ولكن صفح إكرام
وقال آخر:
وجهل رددناه بفضل حلومنا «٣» ... ولو أننا شئنا رددناه بالجهل
وقال الأحنف: إياكم ورأي الأوغاد، قالوا: وما رأي الأوغاد؟ قال: الذين يرون الصفح والعفو عارا.
وقال رجل لأبي بكر الصديق ﵁: لأسبنك سبا يدخل معك قبرك، فقال: معك والله يدخل لا معي.
وقيل: إن الأحنف سبّه رجل وهو يماشيه في الطريق، فلما قرب من المنزل وقف الأحنف وقال له: يا هذا إن كان قد بقي معك شيء، فهات، وقله ههنا، فإني أخاف أن يسمعك فتيان الحي فيؤذوك، ونحن لا نحب الانتصار لأنفسنا.
وقال لقمان لابنه: يا بني ثلاثة لا يعرفون إلا عند ثلاثة:
لا يعرف الحليم إلا عند الغضب، ولا الشجاع إلا عند الحرب، ولا أخوك إلا عند الحاجة إليه.
ومن أشعر بيت قيل في الحلم قول كعب بن زهير:
إذا أنت لم تعرض عن الجهل والخنا «٤» ... أصبت حليما أو أصابك جاهل
وقال آخر:
وإذا بغى باغ عليك بجهله ... فاقتله بالمعروف لا بالمنكر
وقال آخر:
قل ما بدا لك من صدق ومن كذب ... حلمي أصم وأذني غير صماء
ويروى في بعض الأخبار، أن ملكا من الملوك أمر أن يصنع له طعام، وأحضر قوما من خاصته فلما مد السماط «٥» أقبل الخادم وعلى كفه صحن فيه طعام، فلما قرب من الملك أدركته الهيبة فعثر فوقع من مرق الصحن شيء يسير على طرف ثوب الملك، فأمر بضرب عنقه، فلما رأى الخادم العزيمة على ذلك عمد بالصحن فصب جميع ما كان فيه على رأس الملك، فقال له: ويحك ما هذا؟ فقال: أيها الملك إنما صنعت هذا شحا على عرضك، لئلا يقول الناس إذا سمعوا ذنبي الذي به تقتلني:
قتله في ذنب خفيف لم يضره وأخطأ فيه العبد، ولم يقصده، فتنسب إلى الظلم والجور. فصنعت هذا الذنب العظيم لتعذر في قتلي وترفع عنك الملامة. قال: فأطرق الملك مليا ثم رفع رأسه إليه وقال: يا قبيح الفعل يا حسن الاعتذار، قد وهبنا قبيح فعلك وعظيم ذنبك لحسن اعتذارك، إذهب فأنت حر لوجه الله تعالى.
وحكي عن أمير المؤمنين المأمون وهو المشهود له بالاتفاق على علمه، والمشهور في الآفاق بعفوه وحلمه،
стр. 199
أنه لما خرج عمه إبراهيم المهدي عليه وبايعه العباسيون بالخلافة ببغداد وخلعوا المأمون، وكان المأمون إذ ذاك بخراسان فلما بلغه الخبر قصد العراق فلما بلغ بغداد اختفى إبراهيم بن المهدي وعاد العباسيون وغيرهم إلى طاعة المأمون ولم يزل المأمون متطلبا «١» لابراهيم حتى أخذه وهو متنقب «٢» مع نسوة، فحبس ثم أحضر حتى وقف بين يدي المأمون فقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته.
فقال المأمون: لا سلم الله عليك ولا قرب دارك، استغواك «٣» الشيطان حتى حدثتك نفسك بما تنقطع دونه الأوهام «٤» . فقال له إبراهيم: مهلا يا أمير المؤمنين فإنّ ولي الثأر محكّم في القصاص والعفو أقرب للتقوى، ولك من رسول الله ﷺ شرف القرابة وعدل السياسة وقد جعلك الله فوق كل ذي ذنب كما جعل كل ذي ذنب دونك، فإن أخذت فبحقك وإن عفوت فبفضلك، والفضل أولى بك يا أمير المؤمنين ثم قال هذه الأبيات:
ذنبي إليك عظيم ... وأنت أعظم منه
فخذ بحقّك أو لا ... فاصفح بعفوك عنه
إن لم أكن في فعالي ... من الكرام فكنه
فلما سمع المأمون كلامه وشعره ظهرت الدموع في عينيه وقال: يا إبراهيم الندم توبة وعفو الله تعالى أعظم ما تحاول وأكثر مما تأمل، ولقد حبب إلي العفو حتى خفت أن لا أؤجر عليه، لا تثريب «٥» عليك اليوم. ثم أمر بفك قيوده وإدخاله الحمام وإزالة شعثه «٦» وخلع عليه ورد أمواله جميعها إليه فقال فيه مخاطبا:
رددت مالي ولم تبخل عليّ به ... وقبل ردّك مالي قد حقنت دمي
فإن جحدتك ما أوليت من كرم ... إنّي لباللؤم أولى منك بالكرم
وكتب عبد الملك بن مروان إلى الحجاج يأمره أن يبعث إليه برأس عباد بن أسلم البكري، فقال له عباد: أيها الأمير أنشدك الله لا تقتلني، فو الله إني لأعول أربعا وعشرين امرأة ما لهن كاسب غيري. فرق لهن واستحضرهن وإذا واحدة منهن كالبدر، فقال له الحجاج: ما أنت منه؟
قالت: أنا بنته فاسمع يا حجاج مني ما أقول ثم قالت:
أحجاج إمّا أن تمنّ بتركه ... علينا وإما أن تقتّلنا معا
أحجاج لا تفجع به إن قتلته ... ثمانا وعشرا واثنتين وأربعا
أحجاج لا تترك عليه بناته ... وخالاته يندبنه الدهر أجمعا
فبكى الحجاج ورق له واستوهبه من أمير المؤمنين عبد الملك وأمر له بصلة.
ولما قدم عيينة بن حصن على ابن أخيه الحر بن قيس، وكان من النفر الذين يدنيهم عمر ﵁، وكان القراء أصحاب مجلس عمر ومشاورته كهولا كانوا أو شبانا. فقال عيينة لابن أخيه: يا ابن أخي لك وجه عند هذا الأمير»
فاستأذن لي عليه، فاستأذن، فأذن له عمر فلما دخل قال: هيه يا ابن الخطاب فو الله ما تعطينا الجزل «٨» ولا تحكم فينا بالعدل، فغضب عمر حتى هم أن يوقع به، فقال له الحر: يا أمير المؤمنين إن الله قال لنبيه ﵊: خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ ١٩٩
«٩» وإن هذا من الجاهلين فو الله ما جاوزها عمر ﵁ حين تلاها عليه، وكان وقافا عند كتاب الله تعالى.
وحكي أن رجلا زوّر ورقة عن خط الفضل بن الربيع، تتضمن أنه أطلق له ألف دينار ثم جاء بها إلى وكيل الفضل، فلما وقف الوكيل عليها لم يشك أنها خط الفضل فشرع في أن يزن له الألف دينار، وإذا بالفضل قد حضر ليتحدث مع وكيله في تلك الساعة في أمر مهم فلما جلس أخبره الوكيل بأمر الرجل وأوقفه على الورقة فنظر الفضل
стр. 200
فيها ثم نظر في وجه الرجل فرآه كاد يموت من الوجل «١» والخجل فأطرق الفضل «٢» ، بوجهه ثم قال للوكيل:
أتدري لم أتيتك في هذا الوقت؟ قال: لا، قال: جئت لأستنهضك حتى تعجل لهذا الرجل إعطاء المبلغ الذي في هذه الورقة.
فأسرع عند ذلك الوكيل في وزن المال وناوله الرجل فقبضه وصار متحيرا في أمره فالتفت إليه الفضل وقال له:
طب نفسا وامض إلى سبيلك آمنا على نفسك فقبل الرجل يده وقال له سترتني سترك الله في الدنيا والآخرة، ثم أخذ المال ومضى.
فيجب على الإنسان أن يتأسى بهذه الأخلاق الجميلة والأفعال الجليلة ويقتفي سنة نبيه ﵊، فقد كان أكثر الناس حلما وأحسنهم خلقا وأكرمهم خلقا وأكثرهم تجاوزا وصفحا وأبرهم للمعتر عليه نجحا، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه أجمعين والحمد لله رب العالمين.
وأما ما جاء في العتاب فقد قيل العتاب خير من الحقد ولا يكون العتاب إلا على زلة. وقد مدحه قوم فقالوا: العتاب حدائق المتحابين ودليل على بقاء المودة وقد قال أبو الحسن بن منقذ شعرا:
أسطو عليه وقلبي لو تمكّن من ... يديّ غلّهما غيظا إلى عنقي «٣»
وأستعير له من سطوتي حنقا ... وأين ذل الهوى من عزة الحنق «٤»
وذمه بعضهم، قال إياس بن معاوية: خرجت في سفر ومعي رجل من الأعراب فلما كان في بعض المناهل «٥» لقيه ابن عم فتعانقا وتعاتبا وإلى جانبهما شيخ من الحي فقال لهما: أنعما عيشا إن المعاتبة تبعث التجني والتجني يبعث المخاصمة والمخاصمة تبعث العداوة ولا خير في شيء ثمرته العداوة.
قال الشاعر:
فدع ذكر العتاب فربّ شرّ ... طويل هاج أوّله العتاب
وقيل: العتاب من حركات الشوق، وإنما يكون هذا بين المتحابين. قال الشاعر:
علامة ما بين المحبين في الهوى ... عتابهم في كل حقّ وباطل
وكتب بعضهم يعاتب صديقه على تغير حاله معه يقول:
عرضنا أنفسا عزّت علينا ... عليكم فاستخف بها الهوان
ولو أنّا رفعناها لعزّت ... ولكن كل معروض مهان
وقال آخر يعاتب صديقه:
وكنت إذا ما جئت أدنيت مجلسي ... ووجهك من تلك البشاشة يقطر
فمن لي بالعين التي كنت مرّة ... إليّ بها في سالف الدهر تنظر
وقال أبو الحسن بن منقذ:
أخلاقك الغرّ السجايا «٦» ما لها ... حملت قذى الواشين وهي سلاف «٧»
ومرآة رأيك في عبيدك ما لها ... صدئت وأنت الجوهر الشفاف
وقال آخر يعاتب صديقه على كتاب أرسله إليه وفيه حط عليه:
اقرأ كتابك واعتبره قريبا ... فكفى بنفسك لي عليك حسيبا
أكذا يكون خطاب إخوان الصفا ... إن أرسلوا جعلوا الخطاب خطوبا
ما كان عذري أن أجبت بمثله ... أو كنت بالعتب العنيف مجيبا
لكنني خفت انتقاص مودّتي ... فيعد إحساني إليك ذنوبا
وقال آخر:
أراك إذا ما قلت قولا قبلته ... وليس لأقوالي لديك قبول
وما ذاك إلا أنّ ظنّك سيىء ... بأهل الوفا والظن فيك جميل
стр. 201
فكن قائلا قول الحماسي تائها ... بنفسك عجبا وهو منك قليل
وننكر إن شئنا على الناس قولهم ... ولا ينكرون القول حين نقول
وكان لمحمد بن الحسن بن سهل صديق فنالته إضاقة «١» ثم ولي عملا فأثرى فقصده محمد مسلما فرأى منه تغيرا فكتب إليه:
لئن كانت الدنيا أنالتك ثروة ... فأصبحت ذا يسر وقد كنت ذا عسر
فقد كشف الإثراء منك خلائقا ... من اللؤم كانت تحت ثوب من الفقر
وقال آخر في المعنى:
دعوت الله أن تسمو وتعلو ... علوّ النجم في أفق السماء
فلما أن سموت بعدت عنّي ... فكان إذا على نفسي دعائي
وكان ابن عرادة السعدي مع سلم بن زياد بخراسان وكان له مكرما وابن عرادة يتجنى عليه ففارقه وصاحب غيره ثم ندم ورجع إليه وقال:
عتبت على سلم فلمّا فقدته ... وصاحبت أقواما بكيت على سلم
رجعت إليه بعد تجريب غيره ... فكان كبرء بعد طول من السقم
وقال مسلم بن الوليد:
ويرجعني إليك إذا نأت بي ... ديارك عنك تجربة الرجال
وقال أبو الحسن القابسي:
إذا أنا عاتبت الملوم فإنّما ... أخطّ بأقلامي على الماء أحرفا «٢»
وهبه ارعوى بعد العتاب ألم تكن ... مودته طبعا فصارت تكلفا «٣»
وقال أبو الدرداء ﵁: معاتبة الصديق أهون من فقده. وما أحسن ما قيل في العتاب:
وفي العتاب حياة بين أقوام ... وهو المحكّ لذي لبس وإبهام «٤»
فما ثم شيء أحسن من معاتبة الأحباب ولا ألذ من مخاطبة ذوي الألباب والله أعلم وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم.
الباب السابع والثلاثون في الوفاء بالوعد وحفظ العهد ورعاية الذمم
أرجح دليل يتمسك به الإنسان كتاب الله تعالى الذي من تمسك به هداه ومن استدل به أرشده هداه، قال الله تعالى:
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ
«٥» . وقال جل ذكره وتقدس اسمه: الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلا يَنْقُضُونَ الْمِيثاقَ ٢٠
«٦» . وقال جل وعلا: وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذا عاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها
«٧» . وقال تعالى: وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْؤُلًا
«٨» .
والآيات في ذلك كثيرة ومن أشدها قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ ٢ كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ ٣
«٩» .
وروي في صحيحي البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «آية المنافق ثلاث، إذا حدّث كذب وإذا وعد أخلف وإذا ائتمن خان» . فالوفاء من شيم النفوس الشريفة والأخلاق الكريمة والخلال الحميدة، يعظم صاحبه في العيون وتصدق فيه خطرات الظنون، ويقال الوعد والإنجاز محاسنه، والوعد سحابه
стр. 202
والإنجاز مطره. وقال عمر بن الخطاب ﵁:
لكل شيء رأس ورأس المعروف تعجيله.
وأنشدوا:
إذا قلت في شيء نعم فأتمّه ... فإنّ نعم دين على الحرّ واجب
وإلّا فقل لا، تسترح وترح بها ... لئلّا يقول الناس أنّك كاذب «١»
وقال آخر:
لا كلّف الله نفسا فوق طاقتها ... ولا تجود يد إلّا بما تجد
فلا تعد عدة إلّا وفيت بها ... واحذر خلاف مقال للذي تعد
وقال أعرابي: وعد الكريم نقد وتعجيل ووعد اللئيم مطل وتعليل.
وقال أعرابي أيضا: العذر الجميل خير من المطل الطويل. ومدح بشار خالد بن برمك فأمر له بعشرين ألفا فأبطأت عليه فقال لقائده «٢» : أقمني حيث يمر فأقامه فمر فأخذ بلجام بغلته وأنشأ يقول:
أظلت علينا منك يوما سحابة ... أضاء لها برق وأبطا رشاشها «٣»
فلا غيمها يجلى فييأس طابع ... ولا غيثها يأتي فتروي عطاشها
فقال: لا تبرح حتى تؤتى بها.
وقال صالح اللخمي:
لئن جمع الآفات فالبخل شرّها ... وشرّ من البخل المواعيد والمطل
ولا خير في وعد إذا كان كاذبا ... ولا خير في قول إذا لم يكن فعل
وقيل ماتت للهذلي أم ولد، فأمر المنصور الربيع أن يعزيه ويقول له: إن أمير المؤمنين موجّه إليك جارية نفيسة لها أدب وظرف يسليك بها، وأمر لك معها بفرس وكسوة وصلة. فلم يزل الهذلي يتوقع وعد أمير المؤمنين ونسيه المنصور، فحج المنصور ومعه الهذلي فقال المنصور وهو بالمدينة: إني أحب أن أطوف الليلة المدينة فاطلب لي من يطوف بي. فقال الهذلي: أنا لها يا أمير المؤمنين فطاف به حتى وصل بيت عاتكة، فقال: يا أمير المؤمنين وهذا بيت عاتكة الذي يقول فيه الأحوص:
يا بيت عاتكة الذي أتعزل ... حذر العدا وبه الفؤاد موكّلّ
إني لأمنحك الصدود وإنّني ... قسما إليك مع الصدود لأميل
فكره المنصور ذكر بيت عاتكة من غير أن يسأله عنه فلما رجع المنصور أمرّ القصيدة على قلبه «٤» فإذا فيها:
وأراك تفعل ما تقول وبعضهم ... مذق اللسان «٥» يقول ما لا يفعل
فذكر المنصور الوعد الذي كان وعد به الهذلي فأنجزه له واعتذر إليه.
وقال الشاعر:
تعجيل وعد المرء أكرومة ... تنشر عنه أطيب الذكر
والحرّ لا يمطل معروفه ... ولا يليق المطل بالحرّ
وقال آخر:
ولقد وعدت وأنت أكرم واعد ... لا خير في وعد بغير تمام
أنعم عليّ بما وعدت تكرّما ... فالمطل يذهب بهجة الإنعام
وقال آخر:
لعبدك وعد قد تقدم ذكره ... فأوله حمد وآخره شكر
وقد جمعت فيك المكارم كلها ... فما لك عن تأخير مكرمة عذر
وقال آخر:
وميعاد الكريم «٦» عليه دين ... فلا تزد الكريم على السلام
стр. 203
يذكره سلامك ما عليه ... ويغنيك السلام عن الكلام
وقال آخر:
شكاك لساني ثم أمسكت نصفه ... فنصف لساني بامتداحك ينطق
فإن لم تنجز ما وعدت تركتني ... وباقي لساني بالمذمة مطلق
وقال آخر:
باتت لوعدك عيني غير راقدة ... والليل حي الدياجي منبت السحر
هذا وقد بت من وعد على ثقة ... فكيف لو بت من هجر على حذر
وقال آخر:
نذكر بالرّقاع إذا نسينا ... ويأبى الله أن تنسى الكرام
وأما الوفاء بالعهد ورعاية الذمم
فقد نقل فيه من عجائب الوقائع وغرائب البدائع ما يطرب السامع ويشنف المسامع، كقضية الطائي وشريك نديم النعمان بن المنذر، وتلخيص معناها أن النعمان كان قد جعل له يومين يوم بؤس من صادفه فيه قتله وأرداه «١» ، ويوم نعيم من لقيه فيه أحسن إليه وأغناه.
وكان هذا الطائي قد رماه حادث دهره بسهام فاقته وفقره، فأخرجته الفاقة من محل استقراره ليرتاد شيئا لصبيته وصغاره، فبينما هو كذلك إذ صادفه النعمان في يوم بؤسه فلما رآه الطائي علم أنه مقتول وأن دمه مطلول «٢» ، فقال: حيا الله الملك إن لي صبية صغارا وأهلا جياعا وقد أرقت ماء وجهي في حصول شيء من البلغة «٣» لهم، وقد أقدمني سوء الحظ على الملك في هذا اليوم العبوس وقد قربت من مقر الصبية والأهل وهم على شفا تلف من الطوى، ولن يتفاوت الحال في قتلي بين أول النهار وآخره، فإن رأى الملك أن يأذن لي في أن أوصل إليهم هذا القوت وأوصي بهم أهل المروءة من الحي لئلا يهلكوا ضياعا ثم أعود إلى الملك وأسلم نفسي لنفاذ أمره.
فلما سمع النعمان صورة مقاله وفهم حقيقة حاله ورأى تلهفه على ضياع أطفاله رقّ له ورثى لحاله، غير أنه قال له: لا آذن لك حتى يضمنك رجل معنا فإن لم ترجع قتلناه، وكان شريك بن عدي بن شرحبيل نديم النعمان معه فالتفت الطائي إلى شريك وقال له:
يا شريك بن عدي ... ما من الموت انهزام
من لأطفال ضعاف ... عدموا طعم الطعام
بين جوع وانتظار ... وافتقار وسقام
يا أخا كلّ كريم ... أنت من قوم كرام
يا أخا النعمان جد لي ... بضمان والتزام
ولك الله بأنيّ ... راجع قبل الظلام
فقال شريك بن عدي: أصلح الله الملك، عليّ ضمانه فمر الطائي مسرعا وصار النعمان يقول لشريك: إن صدر النهار قد ولّى ولم يرجع، وشريك يقول: ليس للملك علي سبيل حتى يأتي المساء. فلما قرب المساء قال النعمان لشريك: قد جاء وقتك قم فتأهب للقتل. فقال شريك: هذا شخص قد لاح مقبلا وأرجو أن يكون الطائي فإن لم يكن فأمر الملك ممتثل.
قال فبينما هم كذلك وإذا بالطائي قد اشتد عدوه في سيره مسرعا حتى وصل. فقال: خشيت أن ينقضي النهار قبل وصولي. ثم وقف قائما وقال: أيها الملك مر بأمرك فأطرق النعمان ثم رفع رأسه وقال: والله ما رأيت أعجب منكما أما أنت يا طائي فما تركت لأحد في الوفاء مقاما يقوم فيه ولا ذكرا يفتخر به، وأما أنت يا شريك فما تركت لكريم سماحة يذكر بها في الكرماء. فلا أكون أنا ألأم الثلاثة ألا وإني قد رفعت يوم بؤسي عن الناس ونقضت عادتي كرامة لوفاء الطائي وكرم شريك.
فقال الطائي:
ولقد دعتني للخلاف عشيرتي ... فعددت قولهم ومن الإضلال
إني امرؤ مني الوفاء سجية ... وفعال كلّ مهذب مفضال
стр. 204
فقال له النعمان: ما حملك على الوفاء وفيه إتلاف نفسك؟ فقال ديني فمن لا وفاء فيه لا دين له. فأحسن إليه النعمان ووصله بما أغناه وأعاده مكرما إلى أهله وأناله ما تمناه.
ومن ذلك..
ما حكي أن الخليفة المأمون لما ولّى عبد الله بن طاهر بن الحسين مصر والشام وأطلق حكمه، دخل على المأمون بعض إخوانه يوما فقال: يا أمير المؤمنين إن عبد الله بن طاهر يميل إلى ولد أبي طالب وهواه مع العلويين وكذلك كان أبوه قبله، فحصل عند المأمون شيء من كلام أخيه من جهة عبد الله بن طاهر فتشوش فكره وضاق صدره، فاستحضر شخصا وجعله في زي الزهاد والنساك الغزاة ودسه إلى عبد الله بن طاهر، وقال له:
امض إلى مصر وخالط أهلها وداخل كبراءها واستملهم إلى القاسم بن محمد العلوي. واذكر مناقبه، ثم بعد ذلك اجتمع ببعض بطانة «١» عبد الله بن طاهر ثم اجتمع بعبد الله بن طاهر بعد ذلك وادعه إلى القاسم بن محمد العلوي واكشف باطنه وابحث عن دفين نيّته، وائتني بما تسمع.
ففعل ذلك الرجل ما أمره به المأمون وتوجه إلى مصر ودعا جماعة من أهلها، ثم كتب ورقة لطيفة ودفعها إلى عبد الله بن طاهر وقت ركوبه، فلما نزل من الركوب وجلس في مجلسه خرج الحاجب إليه وأدخله على عبد الله بن طاهر وهو جالس وحده فقال له: لقد فهمت ما قصدت فهات ما عندك، فقال: ولي الأمان؟ قال: نعم.
فأظهر له ما أراده ودعاه إلى القاسم بن محمد، فقال له عبد الله: أو تنصفني فيما أقوله لك؟ قال: نعم. قال: فهل يجب شكر الناس بعضهم لبعض عند الإحسان والمنة؟
قال: نعم، قال: فيجب عليّ وأنا في هذه الحالة التي تراها من الحكم والنعمة والولاية ولي خاتم في المشرق وخاتم في المغرب، وأمري فيما بينهما مطاع وقولي مقبول، ثم إني التفت يمينا وشمالا فأرى نعمة هذا الرجل غامرة وإحسانه فائضا عليّ، أفتدعوني إلى الكفر بهذه النعمة وتقول أغدر وجانب الوفاء. والله لو دعوتني إلى الجنة عيانا لما غدرت، ولما نكثت بيعته وتركت الوفاء له، فسكت الرجل، فقال له عبد الله: والله ما أخاف إلا على نفسك، فارحل من هذا البلد. فلمّا يئس الرجل منه وكشف باطنه وسمع كلامه رجع إلى المأمون، فأخبره بصورة الحال، فسره ذلك، وزاد في إحسانه إليك، وضاعف إنعامه عليه.
ومما يعد من محاسن الشيم ومكارم أخلاق أهل الكرم ويحث على الوفاء بالعهود ورعاية الذمم ما رواه حمزة بن الحسين الفقيه في تاريخه. قال: قال لي أبو الفتح المنطيقي، كنا جلوسا عند كافور الأخشيدي، وهو يومئذ صاحب مصر والشام، وله من البسطة والمكنة، ونفوذ الأمر وعلو القدر وشهرة الذكر ما يتجاوز الوصف والحصر، فحضرت المائدة والطعام، فلما أكلنا نام وانصرفنا، ولما انتبه من نومه طلب جماعة منا، وقال أمضوا الساعة إلى عقبة النجارين، وسلوا عن شيخ منجم أعور كان يقعد هناك، فطن كان حيا، فأحضروه، وإن كان قد توفي فسلوا عن أولاده، واكشفوا أمرهم. قال: فميضنا إلى هناك، وسألنا عنه، فوجدناه قد مات، وترك بنتين إحداهما متزوجة، والأخرى عاتق «٢» .
فرجعنا إلى كافور وأخبرناه بذلك، فسيّر في الحال واشترى لكل واحدة منهما دارا وأعطاهما مالا جزيلا وكسوة فاخرة، وزوّج العاتق، وأجرى على كل واحدة منهما رزقا وأظهر أنهما من المتعلقين به لرعاية أمورهما، فلما فعل ذلك وبالغ فيه ضحك وقال: أتعلمون سبب هذا؟ قلنا لا، فقال: اعلموا أني مررت يوما بوالدهما المنجم، وأنا في ملك ابن عباس الكاتب، وأنا بحالة رثّة، فوقفت عليه، فنظر إليّ واستجلبني وقال: أنت تصير إلى رجل جليل القدر، وتبلغ منه مبلغا كبيرا، وتنال خيرا، ثم طلب مني شيئا، فأعطيته درهمين كانا معي، ولم يكن معي غيرهما، فرمى بهما إليّ وقال: أبشرك بهذه البشارة وتعطيني درهمين؟ ثم قال: وأزيدك أنت والله تملك هذا البلد وأكثر منه، فاذكرني إذا صرت إلى الذي وعدتك به ولا تنس. فقلت له: نعم، فقال: عاهدني أنك تفي لي ولا يشغلك ذلك عن افتقادي، فعاهدته، ولم يأخذ مني الدرهمين.
ثم إني شغلت عنه بما تجدد لي من الأمور والأحوال وصرت إلى هذه المنزلة ونسيت ذلك، فلما أكلنا اليوم ونمت رأيته في المنام قد دخل عليّ، وقال لي: أين الوفاء بالعهد الذي بيني وبينك، وإتمام وعدك؟ لا تغدر، فيغدر بك، فاستيقظت وفعلت ما رأيتم، ثم زاد في إحسانه إلى
стр. 205
بنات المنجم وفاء لوالدهما بما وعده، والله أعلم.
ومما أسفرت عنه وجوه الأوراق وأخبرت به الثقات في الآفاق، وظهرت روايته بالشام والعراق وضرب به الأمثال في الوفاء بالاتفاق، حديث السموأل بن عاديا، وتلخيص معناه، أن أمرأ القيس الكندي لما أراد المضي إلى قيصر ملك الروم أودع عند السموأل دروعا وسلاحا وأمتعة تساوي من المال جملة كثيرة، فلما مات امرؤ القيس أرسل ملك كندة يطلب الدروع والأسلحة المودعة عند السموأل، فقال السموأل: لا أدفعها إلا لمستحقها وأبى أن يدفع إليه منها شيئا. فعاوده، فأبى وقال: لا أغدر بذمتي ولا أخون أمانتي ولا أترك الوفاء والواجب عليّ. فقصده ذلك الملك من كندة بعسكره، فدخل السموأل في حصنه وامتنع به، فحاصره ذلك الملك. وكان ولد السموأل خارج الحصن، فظفر به ذلك الملك، فأخذه أسيرا ثم طاف حول الحصن وصاح بالسموأل، فأشرف عليه من أعلى الحصن، فلما رآه قال له: إن ولدك قد أسرته، وها هو معي، فإن سلمت إليّ الدروع والسلاح التي لامرىء القيس عندك رحلت عنك وسلمت إليك ولدك، وإن امتنعت من ذلك ذبحت ولدك وأنت تنظر، فاختر أيهما شئت. فقال له السموأل: ما كنت لأخفر ذمامي وأبطل وفائي. فاصنع ما شئت، فذبح ولده وهو ينظر، ثم لما عجز عن الحصن رجع خائبا. واحتسب السموأل ذبح ولده وصبر محافظة على وفائه، فلما جاء الموسم وحضر ورثة امرىء القيس سلّم إليهم الدروع والسلاح، ورأى حفظ ذمامه ورعاية وفائه أحب إليه من حياة ولده وبقائه، فسارت الأمثال في الوفاء تضرب بالسموأل، وإذا مدحوا أهل الوفاء في الأنام ذكروا السموأل في الأول. وكم أعلى الوفاء رتبة من اعتقله بيديه وأغلى قيمة من جعله نصب عينيه، واستنطق الأفواه لفاعله بالثناء عليه، واستنطق الأيدي المقبوضة عنه بالإحسان إليه.
ومما وضع في بطون الدفاتر واستحسنته عيون البصائر ونقلته الأصاغر عن الأكابر وتداولته الألسنة من الأوائل والأواخر، ما رواه خادم أمير المؤمنين المأمون، قال:
طلبني أمير المؤمنين ليلة، وقد مضى من الليل ثلثه فقال لي: خذ معك فلانا وفلانا وسمّاهما: أحدهما علي بن محمد، والآخر دينار الخادم، واذهب مسرعا لما أقوله لك، فإنه قد بلغني أن شيخا يحضر ليلا إلى دور البرامكة، وينشد شعرا ويذكرهم ذكرا كثيرا ويندبهم ويبكي عليهم، ثم ينصرف، فامض الآن أنت وعلي ودينار حتى تروا هذه الخرابات، فاستتروا خلف بعض الجدران، فإذا رأيتم الشيخ قد جاء وبكى وندب وأنشد شيئا، فائتوني به. قال:
فأخذتهما ومضينا حتى أتينا الخرابات، وإذا نحن بغلام قد أتى ومعه بساط وكرسي حديد، وإذا شيخ وسيم له جمال وعليه مهابة ووقار قد أقبل، فجلس على الكرسي وجعل يبكي وينتحب ويقول:
ولما رأيت السيف جندل جعفرا ... ونادى مناد للخليفة في يحيى
بكيت على الدنيا وزاد تأسفي ... عليهم وقلت الآن لا تنفع الدنيا
مع أبيات أطالها ورددها، فلما فرغ قبضنا عليه، وقلنا له: أجب أمير المؤمنين، ففزع فزعا شديدا، وقال:
دعوني حتى أوصي وصية، فإني لا أوقن بعدها بحياة. ثم تقدم إلى بعض الدكاكين، فاستفتح، وأخذ ورقة، وكتب فيها وصية ودفعها إلى غلامه، ثم سرنا به، فلما مثل بين يدي أمير المؤمنين زجره، وقال له: من أنت، وبماذا استوجبت البرامكة منك ما تفعله في خرائب دورهم وما تقوله فيها؟ قال الخادم: ونحن وقوف نسمع، فقال:
يا أمير المؤمنين إن للبرامكة عندي أياد خطيرة، أفتأذن لي أن أحدثك حديثي معهم؟ قال: قل. قال: يا أمير المؤمنين أنا المنذر بن المغيرة من أولاد الملوك، وقد زالت عني نعمتي كما تزول عن الرجال، فلما ركبني الدين، واحتجت إلى بيع مسقط رأسي ورؤوس أهلي، أشاروا عليّ بالخروج إلى البرامكة، فخرجت من دمشق ومعي نيف وثلاثون امرأة وصبيا وصبية، وليس معنا ما يباع ولا ما يوهب حتى دخلنا بغداد ونزلنا في بعض المساجد، فدعوت بثويبات لي كنت قد أعددتها لأستمنح بها الناس، فلبستها وخرجت وتركتهم جياعا لا شيء عندهم، ودخلت شوارع بغداد أسأل عن دور البرامكة، فإذا أنا بمسجد مزخرف وفيه مائة شيخ بأحسن زي وزينة وعلى الباب خادمان، فطمعت في القوم وولجت المسجد وجلست بين أيديهم وأنا أقدم وأؤخر والعرق يسيل مني لأنها لم تكن صناعتي «١» ، وإذا بخادم قد أقبل فدعا القوم، فقاموا وأنا معهم، فدخلوا دار يحيى بن خالد، ودخلت معهم، وإذا بيحيى جالس على دكة له في وسط بستان، فسلمنا، وهو يعدنا مائة وواحد وبين يديه عشرة من ولده،
стр. 206
وإذا غلام أمرد «١» عذاراره خداه «٢» قد أقبل من بعض المقاصير بين يديه مائة خادم ممنطقون في وسط كل خادم منطقة من ذهب يقرب وزنها من ألف مثقال، ومع كل خادم مجمرة من ذهب في كل مجمرة قطعة من عود كهيئة الفهر «٣» ، قد قرن بها مثلها من العنبر السلطاني، فوضعوه بين يدي الغلام إلى جنب يحيى، ثم قال يحيى للقاضي:
تكلم وزوج بنتي عائشة من ابن عمي هذا. فخطب القاضي، وزوّجه، وشهد أولئك الجماعة، وأقبلوا علينا بالنثار «٤» ببنادق المسك والعنبر، فالتقطت، والله يا أمير المؤمنين ملء كمي، ونظرت، فإذا نحن في المكان ما بين يحيى والمشايخ وولده والغلام مائة وإثنا عشر رجلا، فخرج إلينا مائة وإثنا عشر خادما مع كل خادم صينية من فضة عليها ألف دينار، فوضعوا بين يدي كل رجل منا صينية، فرأيت القاضي والمشايخ يصبون الدنانير في أكمامهم ويجعلون الصواني تحت آباطهم، ويقوم الأول فالأول، حتى بقيت وحدي بين يدي يحيى لا أجسر على أخذ الصينينة، فغمزني الخادم، فجسرت وأخذتها، وجعلت الذهب في كمي، وأخذت الصينية في يدي وقمت، وجعلت ألتفت إلى ورائي مخافة أن أمنع من الذهاب بها، فبينما أنا كذلك في صحن الدار ويحيى يلحظني إذ قال للخادم ائتني بذلك الرجل. فرددت إليه، فأمر بصب الدنانير والصينية وما كان في كمي، ثم أمرني بالجلوس، فجلست فقال لي: ممن الرجل؟ فقصصت عليه قصتي، فقال للخادم ائتني بولدي موسى، فأتي به، فقال له: يا بني هذا رجل غريب، فخذه إليك واحفظه بنفسك وبنعمتك. فقبض موسى على يدي وأدخلني إلى دار من دوره، فأكرمني غاية الإكرام، وأقمت عنده يومي وليلتي في ألذ عيش، وأتم سرور، فلما أصبح دعا بأخيه العباس وقال: إن الوزير قد أمرني بالعطف على هذا الرجل، وقد علمت اشتغالي في دار أمير المؤمنين فاقبضه إليك، وأكرمه، ففعل ذلك وأكرمني غاية الإكرام، فلما كان من الغد تسلمني أخوه أحمد، ثم لم أزل في أيدي القوم يتداولوني عشرة أيام لا أعرف خبر عيالي وصبياني أفي الأموات هم أم في الأحياء. فلما كان اليوم الحادي عشر جاءني خادم ومعه جماعة من الخدم، فقالوا لي:
قم، فاخرج إلى عيالك بسلام. فقلت: واويلاه سلبت الدنانير والصينية، وأخرج إلى عيالي في هذه الحالة. إنّا لله وإنّا إليه راجعون فرفع الستر الأول، ثم الثاني، ثم الثالث، ثم الرابع، فلما رفع الخادم الستر الأخير قال لي: مهما كان لك من الحوائج، فارفعها إلي فإني مأمور بقضاء جميع ما تأمرني به، فلما رفع الستر رأيت حجرة كالشمس حسنا ونورا واستقبلني منها رائحة الند والعود ونفحات المسك، وإذا بصبياني وعيالي يتقلبون في الحرير والديباج، وحمل إلي ألف ألف درهم وعشرة آلاف دينار ومنشورين بضيعتين، وتلك الصينية التي كنت أخذتها بما فيها من الدنانير والبنادق، وأقمت يا أمير المؤمنين مع البرامكة في دورهم ثلاث عشرة سنة لا يعلم الناس أمن البرامكة أنا أم رجل غريب اصطنعوني، فلما جاءتهم البلية، ونزل بهم من أمير المؤمنين الرشيد ما نزل، أجحفني عمرو بن مسعدة وألزمني في هاتين الضيعتين من الخراج ما لا يفي دخلهما به، فلما تحامل عليّ الدهر كنت في أواخر الليل أقصد خرابات القوم، فأندبهم وأذكر حسن صنيعهم إليّ وأشكرهم على إحسانهم.
فقال المأمون: عليّ بعمرو بن مسعدة، فلما أتي به قال: يا عمرو: أتعرف هذا الرجل؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين هو بعض صنائع البرامكة، قال: كم ألزمته في ضيعته؟ قال: كذا وكذا، قال: رد له كل ما أستأديته منه في مدته، ووقع له بهما ليكونا له ولعقبه من بعده، قال:
فعلا نحيب الرجل وبكاؤه، فلما رأى المأمون كثرة بكائه قال: يا هذا قد أحسنا إليك، فلم تبكي؟ قال: يا أمير المؤمنين وهذا أيضا من صنائع البرامكة، إذ لو لم آت خراباتهم، فأبكيهم وأندبهم حتى اتصل خبري بأمير المؤمنين، ففعل ما فعل، فمن أين كنت أصل إلى أمير المؤمنين.
قال إبراهيم بن ميمون، فلقد رأيت المأمون قد دمعت عيناه، وظهر عليه حزنه وقال: لعمري هذا من صنائع البرامكة، فعليهم فابك، وإياهم فاشكر، ولهم فأوف ولإحسانهم فاذكر.
وقيل: إذا أردت أن تعرف وفاء الرجل، ودوام عهده، فانظر إلى حنينه إلى أوطانه وتشوقه إلى إخوانه وكثرة بكائه على ما مضى من زمانه قال الشاعر:
стр. 207
سقى الله أطلال الوفاء بكفّه ... فقد درست أعلامه ومنازله «١»
وقال آخر:
أشدد يديك بمن بلوت وفاءه ... إنّ الوفاء من الرجال عزيز
وقال مالك بن عمارة اللخمي: كنت جالسا في ظل الكعبة أيام الموسم عند عبد الملك بن مروان، وقبيصة بن ذؤيب، وعروة بن الزبير، وكنا نخوض في الفقه مرة، وفي المذاكرة مرة، وفي أشعار العرب، وأمثال الناس مرة، فكنت لا أجد عند أحد ما أجده عند عبد الملك بن مروان من الاتساع في المعرفة والتصرف في فنون العلم، وحسن استماعه إذا حدّث، وحلاوة لفظه إذا حدّث، فخلوت معه ليلة، فقلت له: والله إني لمسرور بك لما شاهدته من كثرة تصرفك وحسن حديثك، وإقبالك على جليسك، فقال: إن تعش قليلا، فسترى العيون طامحة إليّ، والأعناق نحوي متطاولة، فإذا صار الأمر إليّ، فلعلك أن تنقل إلي ركابك «٢» ، فلأملأن يديك. فلما أفضت إليه الخلافة، توجهت إليه، فوافيته «٣» يوم الجمعة، وهو يخطب على المنبر، فلما رآني أعرض عني، فقلت:
لعله لم يعرفني، أو عرفني وأظهر لي نكره، فلما قضيت الصلاة ودخل بيته لم ألبث أن خرج الحاجب، فقال: أين مالك بن عمارة؟ فقمت، فأخذ بيدي، وأدخلني عليه، فمد إلي يده وقال: إنك تراءيت لي في موضع لا يجوز فيه إلا ما رأيت، فأما الآن، فمرحبا وأهلا، كيف كنت بعدي؟ فأخبرته، فقال: أتذكر ما كنت قلت لك؟ قلت:
نعم، فقال: والله ما هو بميراث وعيناه، ولا أثر رويناه، ولكني أخبرك بخصال مني سمت بها نفسي إلى الموضع الذي ترى. ما خنت ذا ودّ قط، ولا شمتّ بمصيبة عدوّ قط، ولا أعرضت عن محدث حتى ينتهي حديثه، ولا قصدت كبيرة من محارم الله تعالى متلذذا بها، فكنت أؤمل بهذه أن يرفع الله تعالى منزلتي وقد فعل.
ثم دعا بغلام، فقال له يا غلام: بوئه منزلا «٤» في الدار، فأخذ الغلام بيدي، وأفرد لي منزلا حسنا، فكنت في ألذ حال، وأنعم بال، وكان يسمع كلامي وأسمع كلامه، ثم أدخل عليه في وقت عشائه، وغدائه، فيرفع منزلتي ويقبل عليّ ويحادثني، ويسألني مرة عن العراق ومرة عن الحجاز حتى مضت لي عشرون ليلة، فتغديت يوما عنده، فلما تفرق الناس نهضت قائما، فقال: على رسلك «٥» ، فقعدت، فقال: أي الأمرين أحب إليك المقام عندنا مع النصفة لك في المعاشرة، أو الرجوع إلى أهلك ولك الكرامة، فقلت يا أمير المؤمنين: فارقت أهلي وولدي على أني أزور أمير المؤمنين، وأعود إليهم، فإن أمرني أمير المؤمنين اخترت رؤيته على الأهل والولد، فقال:
لا، بل أرى لك الرجوع إليهم والخيار لك بعد في زيارتنا، وقد أمرنا لك بعشرين ألف دينار، وكسوناك وحملناك.
أتراني قد ملأت يديك؟ فلا خير فيمن ينسى إذا وعد وعدا، وزرنا إذا شئت، صحبتك السلامة.
ومن ذلك: ما روي عن أبي بكار الأعمى، وكان قد انقطع إلى آل برمك، قال مسرور الكبير: لما أمرني الرشيد بقتل جعفر بن يحيى دخلت عليه، فوجدت عنده أبا بكار الأعمى يغنيه ويقول:
فلا تحزن فكل فتى سيأتي ... عليه الموت يطرق أو يغادي «٦»
فقلت: في هذا والله قد أتيتك، ثم أمسكت بيد جعفر وأقمته، وضربت عنقه، فقال أبو بكار: ناشدتك الله إلا ما ألحقتني به، فقلت له: ما الذي حملك على هذا؟ فقال:
أغناني عن الناس، فقلت: حتى استأمر الرشيد، ثم أحضرت الرأس إلى الرشيد، وأخبرته بخبر أبي بكار، فقال: هذا رجل فيه مصطنع اضممه إليك، وانظر ما كان يجري عليه جعفر فادفعه إليه. وكان يحيى بن خالد إذا أكّد في يمينه قال: لا والذي جعل الوفاء أعز ما يرى.
قال أبو فراس بن حمدان الشاعر:
بمن يتّقي الإنسان فيما ينوبه ... ومن أين للحرّ الكريم صحاب
وقد صار هذا الناس إلّا أقلهم ... ذئابا على أجسادهن ثياب
وسأل المنصور بعض بطانة هشام عن تدبيره في الحروب، فقال: كان رحمه الله تعالى يفعل كذا وكذا، فقال المنصور: عليك لعنة الله تطأ بساطي وتترحم على
стр. 208
عدوي؟ فقال: إن نعمة عدوك لقلادة في عنقي لا ينزعها إلا غاسلي، فقال له المنصور ارجع يا شيخ، فإني أشهد أنك لوفي حافظ للخير، ثم أمر له بمال، فأخذه، ثم قال:
والله لولا جلالة أمير المؤمنين وإمضاء طاعته ما لبست لأحد بعد هشام نعمة، فقال له المنصور: لله درك، فلو لم يكن في قومك غيرك لكنت قد أبقيت لهم مجدا مخلدا.
وخرج سليمان بن عبد الملك، ومعه يزيد بن المهلب في بعض جبابين الشام، فإذا امرأة جالسة على قبر تبكي، قال سليمان: فرفعت البرقع عن وجهها، فحكت شمسا عن متون غمامة، فوقفنا متحيرين ننظر إليها، فقال لها يزيد بن المهلب: يا أمة الله: هل لك في أمير المؤمنين بعلا؟ فنظرت إلينا، ثم أنشأت تقول:
فإن تسألاني عن هواي فإنه ... يحول بهذا القبر يا فتيان
وإني لأستحييه والترب بيننا ... كما كنت أستحييه وهو يراني
ومن ذلك: ما روي عن نائلة بنت القرافصة بن الأحوص الكلبي زوج عثمان ﵄، أن عثمان لما قتل أصابتها ضربة على يدها، وخطبها معاوية، فردته، وقالت: ما يعجب الرجل مني؟ قالوا: ثناياك «١» ، فكسرت ثناياها، وبعثت بها إلى معاوية، فكان ذلك مما رغّب قريشا في نكاح نساء بني كلب.
ولما أحس مصعب بن الزبير بالقتل دفع إلى مولاه زياد فص ياقوت قيمته ألف ألف، وقال له: إنج بهذا فأخذه زياد ودقه بين حجرين، وقال: والله لا ينتفع به أحد بعدك.
ولما قدم هدبة بن الجشرم للقتل بحضرة مروان بن الحكم، قالت زوجته: إن لهدبة عندي وديعة، فامهله حتى آتيك بها، فقال: أسرعي، فإن الناس قد كثروا، وكان مروان قد جلس لهم بارزا عن داره، فمضت إلى السوق، وأتت إلى قصاب، فقالت: أعطني شفرتك، وخذ هذين الدرهمين، وأنا أردها عليك، فأخذتها وقربت من حائط وأرسلت ملحفها على وجهها، ثم جدعت أنفها من أصله، وقطعت شفتيها وردت الشفرة إلى القصاب. ثم أقبلت حتى دخلت بين الناس، فقالت: أتراني يا هدبة متزوجة بعد ما ترى، فقال: الآن طابت نفسي بالموت، فجزاك الله من حليلة وفية خيرا.
ولنجعل لهذا الباب من القضايا ختاما هو أوجزها كلاما، وأحسنها نظاما، وأبينها حكما وإحكاما، وهي قضية جمعت الأمرين: وفاء وغدرا، وعرفا ونكرا، وخيرا وشرا، ونفعا وضرا، واشتملت على حال شخصين أحدهما وفى بعهده ففاز ونجا وحاز من مقترحات مناه ما أمل ورجا، وغدر الآخر، فلم يجد له من جزاء غدره إلى النجاة فرجا، ولم يلق له من ضيق الغدر مخرجا. وهو ما ذكره عبد الله بن عبد الكريم، وكان مطلعا على أحوال أحمد بن طولون عارفا بأموره عالما بوروده وصدوره، فقال ما معناه:
إن أحمد بن طولون وجد عند سقايته طفلا مطروحا، فالتقطه ورباه وسماه أحمد وشهره باليتيم، فلما كبر ونشأ كان أكثر الناس ذكاء وفطنة، وأحسنهم زيا وصورة، فصار يرعاه ويعلمه حتى تهذب وتمرن، فلما حضرت أحمد بن طولون الوفاة أوصى ولده أبا الجيش خمارويه به، فأخذه إليه، فلما مات أحمد بن طولون أحضره الأمير أبو الجيش إليه، وقال له: أنت عندي بمكانة أرعاك بها، ولكن عادتي إني آخذ العهد على كل من أصرفه في شيء أنه لا يخونني فعاهده، ثم حكمه في أمواله وقدمه في أشغاله، فصار أحمد اليتيم مستحوذا على المقام حاكما على جميع الحاشية الخاص والعام، والأمير أبو الجيش بن طولون يحسن إليه، فلما رأى خدمته متصفة بالنصح ومساعيه متسمة بالنجح ركن إليه، واعتمد في أمور بيوته عليه، فقال له يوما: يا أحمد أمض إلى الحجرة الفلانية ففي المجلس حيث أجلس سبحة جوهر، فائتني بها، فمضى أحمد، فلما دخل الحجرة وجد جارية من مغنيات الأمير وحظاياه مع شاب من الفراشين ممن هو من الأمير بمحل قريب، فلما رأياه خرج الفتى وجاءت الجارية إلى أحمد وعرضت نفسها عليه، ودعته إلى قضاء وطره، فقال لها: معاذ الله أن أخون الأمير وقد أحسن إليّ وأخذ العهد عليّ، ثم تركها، وأخذ السبحة وانصرف إلى الأمير وسلمها إليه. وبقيت الجارية شديدة الخوف من أحمد بعدما أخذ السبحة، وخرج من الحجرة لئلا يذكرها للأمير، فأقامت أياما لم تجد من الأمير ما غيّره عليها. ثم اتفق أن الأمير اشترى جارية وقدمها على حظاياه، وغمرها بعطاياه، واشتغل بها عمن سواها، وأعرض لشغفه بها عن كل من عنده حتى كاد لا يذكر جارية غيرها، ولا يراها، وكان أولا مشغولا بتلك الجارية الخاسرة الخائنة الخائبة الغادرة العائبة العاهرة الفاسقة الفاجرة، فلما أعرض عنها اشتغالا بالجارية
стр. 209
الجديدة الممجدة السعيدة الحامدة المحمودة الوصيفة الموصوفة الأليفة المألوفة العارفة المعروفة، وصرف لبهجة محاسنها وكثرة آدابها وجهه من ملاعبة أترابها، وشغلته بعذوبة رضابها عن ارتشاف رضاب أضرابها، وكانت تلك الجارية الأولى لحسنها متأمرة على تأميره لا تخاف من وليه ولا نصيره، فكبر عليها إعراضه عنها، ونسبت ذلك إلى أحمد اليتيم لاطلاعه على ما كان منها، فدخلت على الأمير وقد ارتدت من الكآبة بجلباب نكرها، وأعلنت بالبكاء بين يديه لإتمام كيدها ومكرها، وقالت:
إن أحمد اليتيم راودني عن نفسي.
فلمّا سمع الأمير ذلك استشاط غيظا وغضبا، وهمّ في الحال بقتله، ثم عاوده حاكم عقله، فتأنى في فعله، واستحضر خادما يعتمد عليه، وقال له: إذا أرسلت إليك إنسانا ومعه طبق من ذهب، وقلت لك على لسانه املأ هذا الطبق مسكا، فاقتل ذلك الإنسان واجعل رأسه في الطبق، وأحضره مغطى، ثم إن الأمير أبا الجيش جلس لشربه، وأحضر عنده ندماءه الخواص، وأدناهم لمجلس قربه، وأحمد اليتيم واقف بين يديه آمن في سربه لم يخطر بخاطره شيء، ولا هجس هاجس في قلبه، فلما مثل بين يدي الأمير، وأخذ منه الشراب شرع في التدبير، فقال يا أحمد: خذ هذا الطبق وامض به إلى فلان الخادم، وقل له يقول لك أمير المؤمنين املأ هذا الطبق مسكا.
فأخذه أحمد اليتيم ومضى، فاجتاز في طريقه بالمغنين وبقية الندماء، والخواص، فقاموا إليه وسألوه الجلوس معهم، فقال: أنا ماض في حاجة للأمير أمرني بإحضارها في هذا الطبق، فقالوا له: أرسل من ينوب عنك في إحضارها وخذها أنت وأدخل بها على الأمير، فأدار عينيه، فرأى الفتى الفراش الذي كان مع الجارية، فأعطاه الطبق، وقال له: إمض إلى فلان الخادم وقل له يقول لك الأمير إملأ هذا الطبق مسكا، فمضى ذلك الفراش إلى الخادم، فذكر له ذلك، فقتله، وقطع رأسه وغطاه وجعله في الطبق، وأقبل به، فناوله لأحمد اليتيم، فأخذه وليس عنده علم من باطن الأمر، فلما دخل به على الأمير كشفه وتأمله وقال: ما هذا؟ فقص عليه خبره وقعوده مع المغنين وبقية الندماء وسؤالهم له الجلوس معهم، وما كان من إنفاذ الطبق، وإرساله مع الفراش، وأنه لا علم عنده غير ما ذكره. قال: أتعرف لهذا الفراش خبر يستوجب به ما جرى عليه؟
فقال: أيها الأمير: إن الذي تم عليه بما ارتكبه من الخيانة، وقد كنت رأيت الإعراض عن إعلام الأمير بذلك، وأخذ أحمد يحدثه بما شاهده وما جرى له من حديث الجارية من أوله إلى آخره، لما أنفذه لإحضار السبحة الجوهر، فدعا الأمير أبو الجيش بتلك الجارية واستقررها، فأقرت بصحة ما ذكره أحمد، فأعطاه إياها، وأمره بقتلها، ففعل، وازدادت مكانة أحمد عنده، وعلت منزلته لديه وضاعف إحسانه إليه، وجعل أزمة جميع ما يتعلق به بيديه.
فانظر رحمك الله إلى آثار الوفاء كيف تحمي من المعاطب، وتنجي من قبضة التلف بعد إمضاء القواضب، ويفضي بصاحبه إلى ارتقاء غوارب المراتب، فهذا الغلام لما وفى لمولاه بعهده، وهو بشر مثله، وليس في الحقيقة بعبده، واطلع الله على صدق نيته وقصده دفع عنه هذه القتلة الشنيعة بلطف من عنده، فإذا كان العبد مع خالقه ورازقه وافيا في طاعته بعقده كيف لا يفيض عليه من ألطاف مواهب بره ورفده ويفتح له من أنواع رحمته وأقسام نعمته ما لا ممسك له من بعده، وقالوا: ليس شيء أوفى من القمرية إذا مات ذكرها لم تقرب آخر بعده ولا تزال تنوح عليه إلى أن تموت. والله أعلم بالصواب، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين والحمد لله رب العالمين.
الباب الثامن والثلاثون في كتمان السر وتحصينه وذم إفشائه
قال الله تعالى حكاية عن يعقوب صلوات الله وسلامه عليه: يا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى إِخْوَتِكَ
«١» الآية، فلما أفشى يوسف ﵇ رؤياه بمشهد امرأة يعقوب أخبرت إخوته، فحل به ما حل. ومن شواهد الكتاب العزيز في السر قوله تعالى؛ فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى ١٠
«٢» . وقوله تعالى: وَما هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ ٢٤
«٣» . أي بمتهم.
وفي الحديث: «استعينوا على قضاء حوائجكم
стр. 210
بالكتمان، فإن كل ذي نعمة محسود» . وقال علي ﵁ وكرم وجهه: سرك أسيرك فإذا تكلمت به صرت أسيره، واعلم أن أمناء الأسرار أقل وجودا من أمناء الأموال، وحفظ الأموال أيسر من كتمان الأسرار، لأن إحراز الأموال منيعة بالأبواب والأفعال، وإحراز الأسرار بارزة يذيعها لسان ناطق ويشيعها كلام سابق. وحمل الأسرار أثقل من حمل الأموال فإن الرجل يستقل بالحمل الثقيل، فيحمله ويمشي به، ولا يستطيع كتم السر. وإن الرجل يكون سره في قلبه، فيلحقه من القلق والكرب ما لا يلحقه من حمل الأثقال، فإذا أذاعه استراح قلبه، وسكن خاطره، وكأنما ألقى عن نفسه حملا ثقيلا. وقال عمر بن عبد العزيز ﵁: القلوب أوعية والشفاه أقفالها، والألسن مفاتيحها، فليحفظ كل إنسان مفتاح سره. ومن عجائب الأمور أن الأموال كلما كثرت خزائنها كان أوثق لها، وأما الأسرار فإنها كلما كثرت خزائنها كان أضيع لها، وكم من إظهار سر أراق دم صاحبه ومنعه من بلوغ مآربه ولو كتمه أمن سطواته. وقال أنوشروان: من حصن سره، فله بتحصينه خصلتان، الظفر بحاجته، والسلامة من السطوات. وقيل: كلما كثرت خزان الأسرار، زادت ضياعا. وقيل: انفرد بسرك لا تودعه حازما فيزل، ولا جاهلا فيخون.
وقال كعب بن سعد الغنوي:
ولست بمبد للرجال سريرتي ... ولا أنا عن أسرارهم بسؤول «١»
وقال أبو مسلم صاحب الدولة:
أدركت بالحزم والكتمان ما عجزت ... عنه ملوك بني مروان إذ جهدوا
ما زلت أسعى عليهم في ديارهم ... والقوم في غفلة بالشام قد رقدوا
حتى ضربتهم بالسيف فانتبهوا ... من نومة لم ينمها قبلهم أحد
ومن رعا غنما في أرض مسبعة ... ونام عنها تولّى رعيها الأسد «٢»
وأسرّ رجل إلى صديقه حديثا، ثم قال له أفهمت؟ قال:
بل جهلت. ثم قال له: أحفظت؟ قال: بل نسيت. وقيل لبعضهم: كيف كتمانك للسر؟ قال: أجحد المخبر، وأحلف للمستخبر. وقال المهلب: أدنى أخلاق الشريف كتمان السر وأعلى أخلاقه نسيان ما أسرّ إليه.
ومن أحسن ما قيل في كتمان السر قول الشاعر:
ولها سرائر في الضمير طويتها ... نسي الضمير بأنّها في طيّه
وقد أجازه الشيخ شمس الدين البدوي فقال:
إنّي كتمت حديث ليلى لم أبح ... يوما بظاهره ولا بخفيّه
وحفظت عهد ودادها متمسّكا ... في حبّها برشاده أو غيّه
ولها سرائر في الضمير طويتها ... نسي الضمير بأنّها في طيّه
وقيل: كتمان الأسرار يدل على جواهر الرجال، وكما أنه لا خير في آنية لا تمسك ما فيها، فكذلك لا خير في إنسان لا يمسك سره.
قال الشاعر:
ومستودعي سرّا كتمت مكانه ... عن الحسّ خوفا أن ينمّ به الحس «٣»
وخفّفت عنه من هوى النفس شهوة ... فأودعته من حيث لا يبلغ الحس
وقال قيس بن الحطيم:
أجود بمكنون التلاد وإنّني ... بسري عمّن يسألنّي ضنين
وإن ضيّع الأقوام سري فإنّني ... كتوم لأسرار العشير أمين
وقال جعفر بن عثمان:
يا ذا الذي أودعني سرّه ... لا ترج أن تسمعه منّي
لم أجره قطّ على فكرتي ... كأنه لم يجر في أذني
وكان عمر بن الخطاب ﵁ يقول: ما أفشيت سري إلى أحد قط، فأفشاه، فلمته إذ كان صدري به أضيق. وقال الأحنف بن قيس: يضيق صدر الرجل
стр. 211
بسره، فإذا حدث به أحدا قال: اكتمه عليّ.
قال الشاعر:
إذا المرء أفشى سرّه بلسانه ... ولام عليه غيره فهو أحمق
إذا ضاق صدر المرء عن سر نفسه ... فصدر الذي يستودع السر أضيق
وقال آخر:
إذا ما ضاق صدرك عن حديث ... وأفشته الرجال فمن تلوم
وإن عاتبت من أفشى حديثي ... وسري عنده فأنا الملوم
وقال صالح بن عبد القدوس: لا تودع سرك إلى طالبه، فالطالب للسر مذيع، ولا تودع مالك عند من يستدعيه، فالطالب للوديعة خائن. وقيل لأعرابي: ما بلغ من حفظك للسر؟ قال: أفرقه تحت شغاف قلبي ثم أجمعه وأنساه كأني لم أسمعه. وكان أحزم الناس من لا يفشي سره إلى صديقه مخافة أن يقع بينهما شر، فيفشيه عليه.
وقال حكيم: قلوب الأحرار قبور الأسرار، وقيل:
الطمأنينة إلى كل أحد قبل الاختبار حمق.
وقال بعضهم:
إذا ما غفرت الذنب يوما لصاحب ... فلست معيدا ما حييت له ذكرا
ولست إذا ما صاحب خان عهده ... وعندي له سرّ مذيعا له سرا
وأين هذا من قول القائل:
ولا تودع الأسرار أذني فإنّما ... تصبّنّ ماء في إناء مثلّم «١»
أو القائل:
ولا أكتم الأسرار لكن أذيعها ... ولا أدع الأسرار تعلو على قلبي
وإن قليل العقل من بات ليلة ... تقلّبه الأسرار جنبا إلى جنب
وقال آخر:
وإنك كلّما استودعت سرّا ... أنمّ من النسيم على الرياض
وقال إسحاق بن إبراهيم الموصلي:
أناس أمناهم فنّموا حديثنا ... فلما كتمنا السرّ عنهم تقوّلوا «٢»
ولله در المتنبي حيث قال:
وللسرّ مني موضع لا يناله ... نديم ولا يفضي إليه شراب «٣»
وقد اقتصرنا من ذلك على هذا القدر اليسير، وحسبنا الله ونعم الوكيل وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين والحمد لله رب العالمين.
الباب التاسع والثلاثون في الغدر والخيانة والسرقة والعداوة والبغضاء والحسد
وفيه فصول
الفصل الأول في الغدر والخيانة
قال رسول الله ﷺ : «أعجل الأشياء عقوبة البغي» . وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «المكر والخديعة والخيانة في النار» . وقال أبو بكر الصديق ﵁: ثلاث من كن فيه كنّ عليه. البغي والنكث والمكر.
قال الله تعالى: إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ
«٤» . وقال تعالى: فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ
«٥» وقال تعالى: وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ
«٦» . وكم أوقع القدر في المهالك من غادر، وضاقت عليه من موارد الهلكات فسيحات المصادر، وطوقه غدره طوق خزي، فهو على فكّه غير قادر، وأوقعه في خطة خسف وورطة
стр. 212
حتف، فما له من قوة ولا ناصر، ويشهد لصحة هذه الأسباب ما أحاطت به علوم ذوي الألباب من قصة ثعلبة بن حاطب الأنصاري، وتلخيص معناها أن ثعلبة هذا كان من أنصار النبي ﷺ فجاءه يوما وقال: يا رسول الله ادع الله أن يرزقني مالا، فقال له رسول الله ﷺ ويحك يا ثعلبة قليل تؤدي شكره خير من كثر لا تطيقه. ثم أتاه بعد ذلك مرة أخرى، فقال: يا رسول الله ادع الله أن يرزقني مالا، فقال رسول الله ﷺ : يا ثعلبة أما لك في رسول الله أسوة حسنة، والذي نفسي بيده لو أردت أن تسير الجبال معي ذهبا وفضة لسارت. ثم أتاه بعد ذلك مرة ثالثة، فقال: يا رسول الله ادع الله أن يرزقني مالا، والذي بعثك بالحق نبيا لئن رزقني الله مالا لأعطين كل ذي حق حقه. وعاهد الله تعالى على ذلك، فقال رسول الله ﷺ :
اللهم ارزق ثعلبة ما قال.
فاتخذ ثعلبة غنما فنمت كما ينمو الدود، فضاقت عليه المدينة، فتنحى عنها، ونزل واديا من أوديتها، وهي تنمو كما ينمو الدود، وكان ثعلبة لكثرة ملازمته للمسجد يقال له حمامة المسجد، فلما كثرت الغنم وتنحّى صار يصلي مع رسول الله ﷺ الظهر والعصر، ويصلي بقية الصلوات في غنمه، فكثرت ونمت حتى بعد عن المدينة، فصار لا يشهد إلا الجمعة، ثم كثرت ونمت فتباعد أيضا عن المدينة حتى صار لا يشهد جمعة ولا جماعة، فكان إذا كان يوم الجمعة خرج يتلقى الناس ويسألهم عن الأخبار، فذكره رسول الله ﷺ ذات يوم فقال: ما فعل ثعلبة؟ قالوا:
يا رسول الله اتخذ غنما ما يسعها واد، فقال رسول الله ﷺ يا ويح ثعلبة. فأنزل الله تعالى آية الصدقة، فبعث رسول الله ﷺ رجلين رجل من بني سليم، ورجل من جهينة وكتب لهما أنصاب «١» الصدقة، وكيف يأخذانها، وقال لهما: مرّا بثعلبة بن حاطب، وبرجل آخر من بني سليم، فخذا صدقاتهما. فخرجا حتى أتيا ثعلبة، فسألاه الصدقة، وأقرآه كتاب رسول الله ﷺ ، فقال: ما هذه إلا جزية، أو ما هذه إلا أخت الجزية؟ انطلقا حتى تفرغا، ثم عودا إليّ، فانطلقا، وسمع بهما السلمي، فنظر إلى خيار إبله، فعزلها للصدقة، ثم استقبلهما بها، فلما رأيا قالا: ما هذا؟ قال: خذاه، فإن نفسي به طيبة، فمرا على الناس وأخذا الصدقات، ثم رجعا إلى ثعلبة، فقال: أروني كتابكما، فقرأه، ثم قال: ما هذه إلا جزية، أو ما هذه إلا أخت الجزية؟ إذهبا حتى أرى رأيا. قال: فذهبا من عنده، وأقبلا على رسول الله ﷺ ، فلما رآهما قال قبل أن يتكلما: يا ويح ثعلبة، فأنزل الله تعالى: وَمِنْهُمْ مَنْ عاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتانا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ ٧٥ فَلَمَّا آتاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ ٧٦ فَأَعْقَبَهُمْ نِفاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِما أَخْلَفُوا اللَّهَ ما وَعَدُوهُ وَبِما كانُوا يَكْذِبُونَ ٧٧ أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْواهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ ٧٨
«٢» . وكان عند رسول الله ﷺ رجل من أقارب ثعلبة، فسمع ذلك، فخرج حتى أتاه، فقال:
ويحك يا ثعلبة قد أنزل الله فيك كذا وكذا، فخرج ثعلبة حتى أتى النبي ﷺ ، فسأله أن يقبل صدقته، فقال: إن الله تعالى منعني أن أقبل منك صدقة، فجعل ثعلبة يحثو التراب على رأسه ووجهه فقال رسول الله ﷺ : هذا عملك قد أمرتك، فلم تطعني، فلما أبى رسول الله ﷺ أن يقبل صدقته رجع إلى منزله، وقبض «٣» رسول الله ﷺ ولم يقبل منه شيئا، ثم أتى إلى أبي بكر الصديق ﵁ حين استخلف فقال: قد علمت منزلتي من رسول الله ﷺ وموضعي من الأنصار، فاقبل صدقتي، فقال أبو بكر ﵁: لم يقبلها رسول الله ﷺ منك، فلا أقبلها أنا، فقبض أبو بكر رضي الله تعالى عنه، ولم يقبلها، فلما ولي عمر ﵁ أتاه، فقال: يا أمير المؤمنين اقبل صدقتي، فلم يقبلها منه، وقال: لم يقبلها رسول الله ﷺ ولا أبو بكر ﵁، فأنا لا أقبلها؟ وقبض عمر ﵁، ولم يقبلها، ثم ولي عثمان بن عفان ﵁، فسأله أن يقبل صدقته، فقال له: لم يقبلها رسول الله ﷺ ولا أبو بكر ولا عمر ﵄، فأنا لا أقبلها. ثم هلك ثعلبة في خلافة عثمان ﵁.
فانظر إلى سوء عاقبة غدره كيف أذاقه وبال أمره «٤» ووسمه بسمة عار «٥» قضت عليه بخسره، وأعقبه نفاقا يخزيه يوم فاقته وفقره، فأي خزي أرجح من ترك الوفاء بالميثاق، وأي سوء أقبح من غدر يسوق إلى النفاق، وأي
стр. 213
عار أفضح من نقض العهد إذا عدت مساوىء الأخلاق، وكان يقال: لم يغدر غادر قط إلا لصغر همته عن الوفاء واتّضاع قدره عن احتمال المكاره في جنب نيل المكارم.
قال الشاعر:
غدرت بأمر كنت أنت جذبتنا ... إليه وبئس الشيمة الغدر بالعهد «١»
ولما حلف محمد الأمين للمأمون في بيت الله الحرام، وهما وليا عهد، طالبه جعفر بن يحيى أن يقول: خذلني الله إن خذلته، فقال ذلك ثلاث مرات، فقال الفضل بن الربيع: قال لي الأمين في ذلك الوقت عند خروجه من بيت الله: يا أبا العباس أجد نفسي أن أمري لا يتم، فقلت له: ولم ذلك، أعز الله الأمير؟ قال: لأني كنت أحلف وأنا أنوي الغدر وكان كذلك لم يتم أمره.
وورد في أخبار العرب أن الضيزن بن معاوية بن قضاعة، كان ملكا بين دجلة والفرات وكان له هناك قصر مشيد يعرف بالجوسق وبلغ ملكه الشام فأغار على مدينة سابور ذي الأكتاف، فأخذها وأخذ أخت سابور وقتل منهم خلقا كثيرا، ثم إن سابور جميع جيوشا وسار إلى ضيزن فأقام على الحصن أربع سنين لا يصل منه إلى شيء، ثم أن النضيرة بنت الضيزن عركت أي حاضت فخرجت من الربض وكانت من أجمل أهل دهرها، وكذلك كانوا يفعلون بنسائهم إذا حضن، وكان سابور من أجمل أهل زمانه، فرآها ورأته فعشقها وعشقته وأرسلت إليه تقول ما تجعل لي إن دللتك على ما تهدم به هذه المدينة وتقتل أبي؟ فقال: أحكّمك. فقالت: عليك بحمامة مطوقة ورقاء فاكتب عليها بحيض جارية ثم أطلقها فإنها تقعد على حائط المدينة فتتداعى المدينة كلها، وكان ذلك طلمسا لا يهدمها إلا هو، ففعل ذلك.
فقالت له: وأنا أسقي الحرس الخمر فإذا صرعوا فاقتلهم، ففعل ذلك، فتداعت المدينة وفتحها سابور عنوة وقتل الضيزن، واحتمل ابنته النضيرة وأعرس بها «٢» ، فلما دخل بها لم تزل ليلتها تتضرّر وتتململ في فراشها وهو من حرير محشو بريش النعام، فالتمس ما كان يؤذيها فإذا هو ورقة آس التصقت بعكنتها «٣» وأثرت فيها، وقيل: كان ينظر إلى مخ عظمها من صفاء بشرتها، ثم إن سابور بعد ذلك غدر بها وقتلها. قيل إنه أمر رجلا فركب فرسا جموحا وضفر غدائرها بذنبه، ثم استركضه فقطعها، قطعا قطعه الله ما أغدره.
وتقول العرب جزاني جزاء سنّمار، وهو أن أزدجرد بن سابور لما خاف على ولده بهرام وكان قبله لا يعيش له ولد سأل عن منزل صحيح مريء فدّل على ظهر الجزيرة، فدفع ابنه بهرام إلى النعمان وهو عامله على أرض العرب وأمره أن يبني له جوسقا فامتثل أمره، وبنى له جوسقا كأحسن ما يكون وكان الذي بنى الجوسق رجلا يقال له سنّمار، فلما فرغ من بنائه عجبوا من حسنه فقالوا: لو علمت أنكم توفوني أجرته لبنيته بناء يدور مع الشمس حيث درات، فقالوا وإنك لتبني أحسن من هذا ولم تبنه، ثم أمر به فطرح من أعلى الجوسق فتقطع، فكانت العرب تقول جزاني جزاء سنمار.
وممن غدر عبد الرحمن بن ملجم لعنه الله، غدر بعلي ﵁ وقتله. وعمرو بن جرموز غدر بالزبير بن العوام ﵁ وقتله، وأبو لؤلؤة غلام المغيرة بن شعبة لعنه الله، غدر بأمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ وقتله. وجعل المنصور العهد إلى عيسى بن موسى ثم غدر به وأخره وقدم المهدي عليه، فقال عيسى:
أينسى بنو العبّاس ذبّي عنهم ... بسيفي ونار الحرب زاد سعيرها
فتحت لهم شرق البلاد وغربها ... فذلّ معاديها وعزّ نصيرها
أقطّع أرحاما عليّ عزيزة ... وأبدي مكيدات لها وأثيرها
فلما وضعت الأمر في مستقره ... ولاحت له شمس تلألأ نورها
دفعت عن الأمر الذي أستحقّه ... وأوسق أوساقا من الغدر عيرها «٤»
وخرج قوم لصيد فطردوا ضبعة حتى ألجأوها إلى خباء أعرابي فأجارها وجعل يطعمها ويسقيها، فبينما هو نائم ذات يوم إذ وثبت عليه فبقرت بطنه وهربت، فجاء ابن عمه يطلبه، فوجده ملقى فتبعها حتى قتلها، وأنشد يقول:
ومن يصنع المعروف مع غير أهله ... يلاقي كما لاقى مجير أمّ عامر
стр. 214
أعدّ لها لما استجارت ببيته ... أحاليب ألبان اللقاح الدوائر
وأسمنها حتى إذا ما تمكّنت ... فرته بأنياب لها وأظافر
فقل لذوي المعروف هذا جزاء من ... يجود بمعروف على غير شاكر
وحكى بعضهم قال: دخلت البادية فإذا أنا بعجوز بين يديها شاة مقتولة وإلى جانبها جرو ذئب. فقالت: أتدري ما هذا؟ فقلت: لا، قالت: هذا جرو ذئب أخذناه صغيرا وأدخلناه بيتنا وربيناه، فلما كبر فعل بشاتي ما ترى، وأنشدت:
بقرت شويهتي وفجعت قومي ... وأنت لشاتنا ابن ربيب»
غذيت بدرها ونشأت معها ... فمن أنباك أنّ أباك ذيب
إذا كان الطباع طباع سوء ... فلا أدب يفيد ولا أديب
اللهم إنّا نعوذ بك من البغي وأهله، ومن الغادر وفعله، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الفصل الثاني في السرقة والسراق
قيل: مر عمر بن عبيد بجماعة وقوف فقال: ما هذا؟
قيل: السلطان يقطع سارقا، فقال: لا إله إلا الله سارق العلانية يقطع سارق السر.
وأمر الإسكندر بصلب سارق، فقال: أيها الملك إني فعلت ما فعلت، وأنا كاره. فقال: وتصلب أيضا وأنت كاره. وسرق مدني قميصا، فأعطاه لابنه يبيعه، فسرق منه، فجاء له، فقال: بكم بعته؟ قال: برأس المال. وقال أكتل السلمي، وكان لصا فاتكا:
وإنّي لأستحي من الله أن أرى ... أجرجر حبلي ليس فيه بعير
وأن أسأل المرء الدنيء بعيره ... وأجمال ربّي في البلاد كثير
قال الفرزدق:
وإنّ أبا الكرشاء ليس بسارق ... ولكن متى ما يسرق القوم يأكل
وكان لعمرو بن دويرة البجلي أخ قد كلف ببنت عم له، فتسور عليها الدار ذات ليلة، فأخذه أخوتها وأتوا به خالد بن عبد الله القسري، وجعلوه سارقا، فسأله خالد، فصدقهم ليدفع الفضيحة عن الجارية، فهمّ خالد بقطعه، فقال عمرو أخوه:
أخالد قد والله أوطئت عشوة ... وما العاشق المظلوم فينا بسارق «٢»
أقرّ بما لم يأته المرء إنّه ... رأى القطع خيرا من فضيحة عاشق
فعفا عنه خالد وزوجه الجارية.
الفصل الثالث فيما جاء في العداوة والبغضاء
قد ذكر الله العداوة والبغضاء في كتابه العزيز فقال تعالى: وَأَلْقَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ
«٣» . وقال تعالى: إِنَّ الشَّيْطانَ لِلْإِنْسانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ
«٤» . وقال تعالى: إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا
«٥» . وقال تعالى: إِنَّ مِنْ أَزْواجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ
«٦» .
وقال رسول الله ﷺ : «أعدى عدوك نفسك التي بين جنبيك» . وقال أبو بكر الصديق ﵁: العداوة تتوارث، وقال زياد بن عبد الله:
فلو أنّي بليت بهاشمي ... خؤولته بنو عبد المدان
صبرت على عداوته ولكن ... تعالوا فانظروا بمن ابتلاني
وبثّ رجل في وجه أبي عبيدة مكروها، فأنشأ يقول:
فلو أنّ لحمي إذ وهى لعبت به ... سباع كرام أو ضباع وأذؤب
لهوّن وجدي أو لسلّى مصيبتي ... ولكنما أودى بلحمي أكلب
وقيل لكسرى: أي الناس أحب إليك أن يكون عاقلا؟
стр. 215
قال: عدوي، قيل: كيف ذلك؟ قال: لأنه إذا كان عاقلا كنت منه في عافية وأمن. وقيل: كونوا من المرء الدغل «١» أخوف من الكاشح «٢» المعلن، فإن مداواة أهل العلل الظاهرة أهون من مداواة ما خفي وبطن. وقالوا: إياك أن تعادي من إذا شاء طرح ثيابه، ودخل مع الملك في لحافه.
وقال أبو العتاهية:
تنحّ عن القبيح ولا ترده ... ومن أوليته حسنا فزده
ستلقي من عدوك كلّ كيد ... إذا كان العدوّ ولم تكده
وكانت جليلة بنت مرة أخت جساس تحت كليب، فقتل أخوها زوجها وهي حبلى بهجرس بن كليب، فلما كبر وشب قال:
أصاب أبي خالي وما أنا بالذي ... أميل وأمري بين خالي ووالدي
وأورث جساس بن مرة غصة ... إذا ما اعترتني حرّها غير بارد
ثم قال بعد ذلك:
يا للرجال لقلب ماله جلد «٣» ... كيف العزاء وثاري عند جساس
ثم حمل على خاله فقتله وقال:
ألم ترني ثأرت أبي كليبا ... وقد يرجى المرشّح للدخول
غسلت العار عن جسم ابن بكر ... بجساس بن مرة ذي البتول
بيت:
سنّ العداوة آباء لنا سلفوا ... فلن تبيد وللآباء أبناء
ويقال: دار عدوك لأحد أمرين: إما لصداقة تؤمنك، أو لفرصة تمكنك.
وكتب سويد إلى مصعب:
فبلّغ مصعبا عني رسولي ... وهل تلقى النصيح بكل واد
تعلّم أنّ أكثر من تناجي ... وإن ضحكوا إليك هم الأعادي
ويقال: فلان كثير المراق مر المذاق. وقال الحجاج لخارجي: والله إني لأبغضك، قال: أدخل الله الجنة أشدنا بغضا لصاحبه. ولما أراد أنوشروان أن يقلّد ابنه هرمز ولاية العهد استشار عظماء مملكته، فأنكروا عليه، وقال بعضهم: إن أمه تركية وقد علمت في أخلاقهم ما علمت، فقال: إن الأبناء ينسبون إلى الآباء لا إلى الأمهات، وكانت أم قباذ تركية، وقد رأيتم من حسن سيرته ما رأيتم، فقيل: هو قصير وذلك يذهب ببهاء الملك، فقال: إن قصره من رجليه ولا يكاد يرى إلا جالسا أو راكبا، فلا يستبين ذلك فيه. فقيل: هو بغيض في الناس، فقال: أواه هلك ابني هرمز، فقد قيل: إذا كان في الإنسان خير واحد ولم يكن ذلك الخير المحبة إلى الناس فلا خير فيه، وإذا كان فيه عيب واحد ولم يكن ذلك العيب البغض في الناس فلا عيب فيه:
ولست براء عيب ذي الود كلّه ... ولا بغض ما فيه إذا كنت راضيا
فعين الرضا عن كل عيب كليلة ... كما أن عين السخط تبدي المساويا
وفي المعنى قيل:
وعين البغض تبرز كلّ عيب ... وعين الحب لا تجد العيوبا
وعن أبي حيان قال: قال لقمان: نقلت الصخور وحملت الحديد، فلم أر شيئا أثقل من الدّين، وأكلت الطيبات وعانقت الحسان، فلم أر شيئا ألذ من العافية. وأنا أقول لو نزحوا البحار وكنسوا القفار لوجدوها أهون من شماتة الأعداء خصوصا إذا كانوا مساهمين في نسب أو مجاورين في بلد. اللهم إنّا نعوذ بك من تتابع الإثم وسوء الفهم وشماتة ابن العم.
وقيل لأيوب ﵇: أي شيء كان عليك في بلائك أشد؟ قال: شماتة الأعداء.
وأنشد الجاحظ:
تقول العاذلات تسلّ عنها ... وداو عليل قلبك بالسلو «٤»
следующие страницы →