Полный текст (517 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
بسره، فإذا حدث به أحدا قال: اكتمه عليّ.
قال الشاعر:
إذا المرء أفشى سرّه بلسانه ... ولام عليه غيره فهو أحمق
إذا ضاق صدر المرء عن سر نفسه ... فصدر الذي يستودع السر أضيق
وقال آخر:
إذا ما ضاق صدرك عن حديث ... وأفشته الرجال فمن تلوم
وإن عاتبت من أفشى حديثي ... وسري عنده فأنا الملوم
وقال صالح بن عبد القدوس: لا تودع سرك إلى طالبه، فالطالب للسر مذيع، ولا تودع مالك عند من يستدعيه، فالطالب للوديعة خائن. وقيل لأعرابي: ما بلغ من حفظك للسر؟ قال: أفرقه تحت شغاف قلبي ثم أجمعه وأنساه كأني لم أسمعه. وكان أحزم الناس من لا يفشي سره إلى صديقه مخافة أن يقع بينهما شر، فيفشيه عليه.
وقال حكيم: قلوب الأحرار قبور الأسرار، وقيل:
الطمأنينة إلى كل أحد قبل الاختبار حمق.
وقال بعضهم:
إذا ما غفرت الذنب يوما لصاحب ... فلست معيدا ما حييت له ذكرا
ولست إذا ما صاحب خان عهده ... وعندي له سرّ مذيعا له سرا
وأين هذا من قول القائل:
ولا تودع الأسرار أذني فإنّما ... تصبّنّ ماء في إناء مثلّم «١»
أو القائل:
ولا أكتم الأسرار لكن أذيعها ... ولا أدع الأسرار تعلو على قلبي
وإن قليل العقل من بات ليلة ... تقلّبه الأسرار جنبا إلى جنب
وقال آخر:
وإنك كلّما استودعت سرّا ... أنمّ من النسيم على الرياض
وقال إسحاق بن إبراهيم الموصلي:
أناس أمناهم فنّموا حديثنا ... فلما كتمنا السرّ عنهم تقوّلوا «٢»
ولله در المتنبي حيث قال:
وللسرّ مني موضع لا يناله ... نديم ولا يفضي إليه شراب «٣»
وقد اقتصرنا من ذلك على هذا القدر اليسير، وحسبنا الله ونعم الوكيل وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين والحمد لله رب العالمين.
الباب التاسع والثلاثون في الغدر والخيانة والسرقة والعداوة والبغضاء والحسد
وفيه فصول
الفصل الأول في الغدر والخيانة
قال رسول الله ﷺ : «أعجل الأشياء عقوبة البغي» . وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «المكر والخديعة والخيانة في النار» . وقال أبو بكر الصديق ﵁: ثلاث من كن فيه كنّ عليه. البغي والنكث والمكر.
قال الله تعالى: إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ
«٤» . وقال تعالى: فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ
«٥» وقال تعالى: وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ
«٦» . وكم أوقع القدر في المهالك من غادر، وضاقت عليه من موارد الهلكات فسيحات المصادر، وطوقه غدره طوق خزي، فهو على فكّه غير قادر، وأوقعه في خطة خسف وورطة
стр. 212
حتف، فما له من قوة ولا ناصر، ويشهد لصحة هذه الأسباب ما أحاطت به علوم ذوي الألباب من قصة ثعلبة بن حاطب الأنصاري، وتلخيص معناها أن ثعلبة هذا كان من أنصار النبي ﷺ فجاءه يوما وقال: يا رسول الله ادع الله أن يرزقني مالا، فقال له رسول الله ﷺ ويحك يا ثعلبة قليل تؤدي شكره خير من كثر لا تطيقه. ثم أتاه بعد ذلك مرة أخرى، فقال: يا رسول الله ادع الله أن يرزقني مالا، فقال رسول الله ﷺ : يا ثعلبة أما لك في رسول الله أسوة حسنة، والذي نفسي بيده لو أردت أن تسير الجبال معي ذهبا وفضة لسارت. ثم أتاه بعد ذلك مرة ثالثة، فقال: يا رسول الله ادع الله أن يرزقني مالا، والذي بعثك بالحق نبيا لئن رزقني الله مالا لأعطين كل ذي حق حقه. وعاهد الله تعالى على ذلك، فقال رسول الله ﷺ :
اللهم ارزق ثعلبة ما قال.
فاتخذ ثعلبة غنما فنمت كما ينمو الدود، فضاقت عليه المدينة، فتنحى عنها، ونزل واديا من أوديتها، وهي تنمو كما ينمو الدود، وكان ثعلبة لكثرة ملازمته للمسجد يقال له حمامة المسجد، فلما كثرت الغنم وتنحّى صار يصلي مع رسول الله ﷺ الظهر والعصر، ويصلي بقية الصلوات في غنمه، فكثرت ونمت حتى بعد عن المدينة، فصار لا يشهد إلا الجمعة، ثم كثرت ونمت فتباعد أيضا عن المدينة حتى صار لا يشهد جمعة ولا جماعة، فكان إذا كان يوم الجمعة خرج يتلقى الناس ويسألهم عن الأخبار، فذكره رسول الله ﷺ ذات يوم فقال: ما فعل ثعلبة؟ قالوا:
يا رسول الله اتخذ غنما ما يسعها واد، فقال رسول الله ﷺ يا ويح ثعلبة. فأنزل الله تعالى آية الصدقة، فبعث رسول الله ﷺ رجلين رجل من بني سليم، ورجل من جهينة وكتب لهما أنصاب «١» الصدقة، وكيف يأخذانها، وقال لهما: مرّا بثعلبة بن حاطب، وبرجل آخر من بني سليم، فخذا صدقاتهما. فخرجا حتى أتيا ثعلبة، فسألاه الصدقة، وأقرآه كتاب رسول الله ﷺ ، فقال: ما هذه إلا جزية، أو ما هذه إلا أخت الجزية؟ انطلقا حتى تفرغا، ثم عودا إليّ، فانطلقا، وسمع بهما السلمي، فنظر إلى خيار إبله، فعزلها للصدقة، ثم استقبلهما بها، فلما رأيا قالا: ما هذا؟ قال: خذاه، فإن نفسي به طيبة، فمرا على الناس وأخذا الصدقات، ثم رجعا إلى ثعلبة، فقال: أروني كتابكما، فقرأه، ثم قال: ما هذه إلا جزية، أو ما هذه إلا أخت الجزية؟ إذهبا حتى أرى رأيا. قال: فذهبا من عنده، وأقبلا على رسول الله ﷺ ، فلما رآهما قال قبل أن يتكلما: يا ويح ثعلبة، فأنزل الله تعالى: وَمِنْهُمْ مَنْ عاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتانا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ ٧٥ فَلَمَّا آتاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ ٧٦ فَأَعْقَبَهُمْ نِفاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِما أَخْلَفُوا اللَّهَ ما وَعَدُوهُ وَبِما كانُوا يَكْذِبُونَ ٧٧ أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْواهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ ٧٨
«٢» . وكان عند رسول الله ﷺ رجل من أقارب ثعلبة، فسمع ذلك، فخرج حتى أتاه، فقال:
ويحك يا ثعلبة قد أنزل الله فيك كذا وكذا، فخرج ثعلبة حتى أتى النبي ﷺ ، فسأله أن يقبل صدقته، فقال: إن الله تعالى منعني أن أقبل منك صدقة، فجعل ثعلبة يحثو التراب على رأسه ووجهه فقال رسول الله ﷺ : هذا عملك قد أمرتك، فلم تطعني، فلما أبى رسول الله ﷺ أن يقبل صدقته رجع إلى منزله، وقبض «٣» رسول الله ﷺ ولم يقبل منه شيئا، ثم أتى إلى أبي بكر الصديق ﵁ حين استخلف فقال: قد علمت منزلتي من رسول الله ﷺ وموضعي من الأنصار، فاقبل صدقتي، فقال أبو بكر ﵁: لم يقبلها رسول الله ﷺ منك، فلا أقبلها أنا، فقبض أبو بكر رضي الله تعالى عنه، ولم يقبلها، فلما ولي عمر ﵁ أتاه، فقال: يا أمير المؤمنين اقبل صدقتي، فلم يقبلها منه، وقال: لم يقبلها رسول الله ﷺ ولا أبو بكر ﵁، فأنا لا أقبلها؟ وقبض عمر ﵁، ولم يقبلها، ثم ولي عثمان بن عفان ﵁، فسأله أن يقبل صدقته، فقال له: لم يقبلها رسول الله ﷺ ولا أبو بكر ولا عمر ﵄، فأنا لا أقبلها. ثم هلك ثعلبة في خلافة عثمان ﵁.
فانظر إلى سوء عاقبة غدره كيف أذاقه وبال أمره «٤» ووسمه بسمة عار «٥» قضت عليه بخسره، وأعقبه نفاقا يخزيه يوم فاقته وفقره، فأي خزي أرجح من ترك الوفاء بالميثاق، وأي سوء أقبح من غدر يسوق إلى النفاق، وأي
стр. 213
عار أفضح من نقض العهد إذا عدت مساوىء الأخلاق، وكان يقال: لم يغدر غادر قط إلا لصغر همته عن الوفاء واتّضاع قدره عن احتمال المكاره في جنب نيل المكارم.
قال الشاعر:
غدرت بأمر كنت أنت جذبتنا ... إليه وبئس الشيمة الغدر بالعهد «١»
ولما حلف محمد الأمين للمأمون في بيت الله الحرام، وهما وليا عهد، طالبه جعفر بن يحيى أن يقول: خذلني الله إن خذلته، فقال ذلك ثلاث مرات، فقال الفضل بن الربيع: قال لي الأمين في ذلك الوقت عند خروجه من بيت الله: يا أبا العباس أجد نفسي أن أمري لا يتم، فقلت له: ولم ذلك، أعز الله الأمير؟ قال: لأني كنت أحلف وأنا أنوي الغدر وكان كذلك لم يتم أمره.
وورد في أخبار العرب أن الضيزن بن معاوية بن قضاعة، كان ملكا بين دجلة والفرات وكان له هناك قصر مشيد يعرف بالجوسق وبلغ ملكه الشام فأغار على مدينة سابور ذي الأكتاف، فأخذها وأخذ أخت سابور وقتل منهم خلقا كثيرا، ثم إن سابور جميع جيوشا وسار إلى ضيزن فأقام على الحصن أربع سنين لا يصل منه إلى شيء، ثم أن النضيرة بنت الضيزن عركت أي حاضت فخرجت من الربض وكانت من أجمل أهل دهرها، وكذلك كانوا يفعلون بنسائهم إذا حضن، وكان سابور من أجمل أهل زمانه، فرآها ورأته فعشقها وعشقته وأرسلت إليه تقول ما تجعل لي إن دللتك على ما تهدم به هذه المدينة وتقتل أبي؟ فقال: أحكّمك. فقالت: عليك بحمامة مطوقة ورقاء فاكتب عليها بحيض جارية ثم أطلقها فإنها تقعد على حائط المدينة فتتداعى المدينة كلها، وكان ذلك طلمسا لا يهدمها إلا هو، ففعل ذلك.
فقالت له: وأنا أسقي الحرس الخمر فإذا صرعوا فاقتلهم، ففعل ذلك، فتداعت المدينة وفتحها سابور عنوة وقتل الضيزن، واحتمل ابنته النضيرة وأعرس بها «٢» ، فلما دخل بها لم تزل ليلتها تتضرّر وتتململ في فراشها وهو من حرير محشو بريش النعام، فالتمس ما كان يؤذيها فإذا هو ورقة آس التصقت بعكنتها «٣» وأثرت فيها، وقيل: كان ينظر إلى مخ عظمها من صفاء بشرتها، ثم إن سابور بعد ذلك غدر بها وقتلها. قيل إنه أمر رجلا فركب فرسا جموحا وضفر غدائرها بذنبه، ثم استركضه فقطعها، قطعا قطعه الله ما أغدره.
وتقول العرب جزاني جزاء سنّمار، وهو أن أزدجرد بن سابور لما خاف على ولده بهرام وكان قبله لا يعيش له ولد سأل عن منزل صحيح مريء فدّل على ظهر الجزيرة، فدفع ابنه بهرام إلى النعمان وهو عامله على أرض العرب وأمره أن يبني له جوسقا فامتثل أمره، وبنى له جوسقا كأحسن ما يكون وكان الذي بنى الجوسق رجلا يقال له سنّمار، فلما فرغ من بنائه عجبوا من حسنه فقالوا: لو علمت أنكم توفوني أجرته لبنيته بناء يدور مع الشمس حيث درات، فقالوا وإنك لتبني أحسن من هذا ولم تبنه، ثم أمر به فطرح من أعلى الجوسق فتقطع، فكانت العرب تقول جزاني جزاء سنمار.
وممن غدر عبد الرحمن بن ملجم لعنه الله، غدر بعلي ﵁ وقتله. وعمرو بن جرموز غدر بالزبير بن العوام ﵁ وقتله، وأبو لؤلؤة غلام المغيرة بن شعبة لعنه الله، غدر بأمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ وقتله. وجعل المنصور العهد إلى عيسى بن موسى ثم غدر به وأخره وقدم المهدي عليه، فقال عيسى:
أينسى بنو العبّاس ذبّي عنهم ... بسيفي ونار الحرب زاد سعيرها
فتحت لهم شرق البلاد وغربها ... فذلّ معاديها وعزّ نصيرها
أقطّع أرحاما عليّ عزيزة ... وأبدي مكيدات لها وأثيرها
فلما وضعت الأمر في مستقره ... ولاحت له شمس تلألأ نورها
دفعت عن الأمر الذي أستحقّه ... وأوسق أوساقا من الغدر عيرها «٤»
وخرج قوم لصيد فطردوا ضبعة حتى ألجأوها إلى خباء أعرابي فأجارها وجعل يطعمها ويسقيها، فبينما هو نائم ذات يوم إذ وثبت عليه فبقرت بطنه وهربت، فجاء ابن عمه يطلبه، فوجده ملقى فتبعها حتى قتلها، وأنشد يقول:
ومن يصنع المعروف مع غير أهله ... يلاقي كما لاقى مجير أمّ عامر
стр. 214
أعدّ لها لما استجارت ببيته ... أحاليب ألبان اللقاح الدوائر
وأسمنها حتى إذا ما تمكّنت ... فرته بأنياب لها وأظافر
فقل لذوي المعروف هذا جزاء من ... يجود بمعروف على غير شاكر
وحكى بعضهم قال: دخلت البادية فإذا أنا بعجوز بين يديها شاة مقتولة وإلى جانبها جرو ذئب. فقالت: أتدري ما هذا؟ فقلت: لا، قالت: هذا جرو ذئب أخذناه صغيرا وأدخلناه بيتنا وربيناه، فلما كبر فعل بشاتي ما ترى، وأنشدت:
بقرت شويهتي وفجعت قومي ... وأنت لشاتنا ابن ربيب»
غذيت بدرها ونشأت معها ... فمن أنباك أنّ أباك ذيب
إذا كان الطباع طباع سوء ... فلا أدب يفيد ولا أديب
اللهم إنّا نعوذ بك من البغي وأهله، ومن الغادر وفعله، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الفصل الثاني في السرقة والسراق
قيل: مر عمر بن عبيد بجماعة وقوف فقال: ما هذا؟
قيل: السلطان يقطع سارقا، فقال: لا إله إلا الله سارق العلانية يقطع سارق السر.
وأمر الإسكندر بصلب سارق، فقال: أيها الملك إني فعلت ما فعلت، وأنا كاره. فقال: وتصلب أيضا وأنت كاره. وسرق مدني قميصا، فأعطاه لابنه يبيعه، فسرق منه، فجاء له، فقال: بكم بعته؟ قال: برأس المال. وقال أكتل السلمي، وكان لصا فاتكا:
وإنّي لأستحي من الله أن أرى ... أجرجر حبلي ليس فيه بعير
وأن أسأل المرء الدنيء بعيره ... وأجمال ربّي في البلاد كثير
قال الفرزدق:
وإنّ أبا الكرشاء ليس بسارق ... ولكن متى ما يسرق القوم يأكل
وكان لعمرو بن دويرة البجلي أخ قد كلف ببنت عم له، فتسور عليها الدار ذات ليلة، فأخذه أخوتها وأتوا به خالد بن عبد الله القسري، وجعلوه سارقا، فسأله خالد، فصدقهم ليدفع الفضيحة عن الجارية، فهمّ خالد بقطعه، فقال عمرو أخوه:
أخالد قد والله أوطئت عشوة ... وما العاشق المظلوم فينا بسارق «٢»
أقرّ بما لم يأته المرء إنّه ... رأى القطع خيرا من فضيحة عاشق
فعفا عنه خالد وزوجه الجارية.
الفصل الثالث فيما جاء في العداوة والبغضاء
قد ذكر الله العداوة والبغضاء في كتابه العزيز فقال تعالى: وَأَلْقَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ
«٣» . وقال تعالى: إِنَّ الشَّيْطانَ لِلْإِنْسانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ
«٤» . وقال تعالى: إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا
«٥» . وقال تعالى: إِنَّ مِنْ أَزْواجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ
«٦» .
وقال رسول الله ﷺ : «أعدى عدوك نفسك التي بين جنبيك» . وقال أبو بكر الصديق ﵁: العداوة تتوارث، وقال زياد بن عبد الله:
فلو أنّي بليت بهاشمي ... خؤولته بنو عبد المدان
صبرت على عداوته ولكن ... تعالوا فانظروا بمن ابتلاني
وبثّ رجل في وجه أبي عبيدة مكروها، فأنشأ يقول:
فلو أنّ لحمي إذ وهى لعبت به ... سباع كرام أو ضباع وأذؤب
لهوّن وجدي أو لسلّى مصيبتي ... ولكنما أودى بلحمي أكلب
وقيل لكسرى: أي الناس أحب إليك أن يكون عاقلا؟
стр. 215
قال: عدوي، قيل: كيف ذلك؟ قال: لأنه إذا كان عاقلا كنت منه في عافية وأمن. وقيل: كونوا من المرء الدغل «١» أخوف من الكاشح «٢» المعلن، فإن مداواة أهل العلل الظاهرة أهون من مداواة ما خفي وبطن. وقالوا: إياك أن تعادي من إذا شاء طرح ثيابه، ودخل مع الملك في لحافه.
وقال أبو العتاهية:
تنحّ عن القبيح ولا ترده ... ومن أوليته حسنا فزده
ستلقي من عدوك كلّ كيد ... إذا كان العدوّ ولم تكده
وكانت جليلة بنت مرة أخت جساس تحت كليب، فقتل أخوها زوجها وهي حبلى بهجرس بن كليب، فلما كبر وشب قال:
أصاب أبي خالي وما أنا بالذي ... أميل وأمري بين خالي ووالدي
وأورث جساس بن مرة غصة ... إذا ما اعترتني حرّها غير بارد
ثم قال بعد ذلك:
يا للرجال لقلب ماله جلد «٣» ... كيف العزاء وثاري عند جساس
ثم حمل على خاله فقتله وقال:
ألم ترني ثأرت أبي كليبا ... وقد يرجى المرشّح للدخول
غسلت العار عن جسم ابن بكر ... بجساس بن مرة ذي البتول
بيت:
سنّ العداوة آباء لنا سلفوا ... فلن تبيد وللآباء أبناء
ويقال: دار عدوك لأحد أمرين: إما لصداقة تؤمنك، أو لفرصة تمكنك.
وكتب سويد إلى مصعب:
فبلّغ مصعبا عني رسولي ... وهل تلقى النصيح بكل واد
تعلّم أنّ أكثر من تناجي ... وإن ضحكوا إليك هم الأعادي
ويقال: فلان كثير المراق مر المذاق. وقال الحجاج لخارجي: والله إني لأبغضك، قال: أدخل الله الجنة أشدنا بغضا لصاحبه. ولما أراد أنوشروان أن يقلّد ابنه هرمز ولاية العهد استشار عظماء مملكته، فأنكروا عليه، وقال بعضهم: إن أمه تركية وقد علمت في أخلاقهم ما علمت، فقال: إن الأبناء ينسبون إلى الآباء لا إلى الأمهات، وكانت أم قباذ تركية، وقد رأيتم من حسن سيرته ما رأيتم، فقيل: هو قصير وذلك يذهب ببهاء الملك، فقال: إن قصره من رجليه ولا يكاد يرى إلا جالسا أو راكبا، فلا يستبين ذلك فيه. فقيل: هو بغيض في الناس، فقال: أواه هلك ابني هرمز، فقد قيل: إذا كان في الإنسان خير واحد ولم يكن ذلك الخير المحبة إلى الناس فلا خير فيه، وإذا كان فيه عيب واحد ولم يكن ذلك العيب البغض في الناس فلا عيب فيه:
ولست براء عيب ذي الود كلّه ... ولا بغض ما فيه إذا كنت راضيا
فعين الرضا عن كل عيب كليلة ... كما أن عين السخط تبدي المساويا
وفي المعنى قيل:
وعين البغض تبرز كلّ عيب ... وعين الحب لا تجد العيوبا
وعن أبي حيان قال: قال لقمان: نقلت الصخور وحملت الحديد، فلم أر شيئا أثقل من الدّين، وأكلت الطيبات وعانقت الحسان، فلم أر شيئا ألذ من العافية. وأنا أقول لو نزحوا البحار وكنسوا القفار لوجدوها أهون من شماتة الأعداء خصوصا إذا كانوا مساهمين في نسب أو مجاورين في بلد. اللهم إنّا نعوذ بك من تتابع الإثم وسوء الفهم وشماتة ابن العم.
وقيل لأيوب ﵇: أي شيء كان عليك في بلائك أشد؟ قال: شماتة الأعداء.
وأنشد الجاحظ:
تقول العاذلات تسلّ عنها ... وداو عليل قلبك بالسلو «٤»
стр. 216
وكيف ونظرة منها اختلاسا ... ألذّ من الشماتة بالعدو
وقال ابن أبي جهينة المهلبي:
كل المصائب قد تمر على الفتى ... فتهون غير شماتة الأعداء
وقال الجاحظ: ما رأيت سنانا أنفذ من شماتة الأعداء.
وقيل: لما قبض رسول الله ﷺ سمع بموته نساء من كندة وحضرموت، فخضبن أيديهن وضربن بالدفوف، فقال رجل منهم:
أبلغ أبا بكر إذا ما جئته ... أنّ البغايا من بني مرّام
أظهرن في موت النبي شماتة ... وخضبن أيديهن بالغلّام «١»
فاقطع هديت أكفهنّ بصارم ... كالبرق أومض في متون غمام
فكتب أبو بكر الصديق ﵁ إلى المهاجر عامله، فأخذهن وقطع أيديهن.
ويقال: فلان يتربص بك الدوائر ويتمنى لك الغوائل، ولا يؤمل صلاحا إلا في فسادك ولا رفعة إلا في سقوط حالك. وقال حكيم: لا تأمن عدوك وإن كان ضعيفا، فإن القناة قد تقتل، وإن عدمت السنان. قال الشاعر:
فلا تأمن عدوّك لو تراه ... أقلّ إذا نظرت من القراد «٢»
فإن الحرب ينشأ من جبان ... وإن النار تضرم من رماد
بيت مفرد:
فمن لم يكن منكم مسيئا فإنه ... يشدّ على كف المسيء فيجلب
وقال عبد الله بن سليمان بن وهب:
كفاية الله خير من توقّينا ... وعادة الله في الماضين تكفينا
كاد الأعادي فلا والله ما تركوا ... قولا وفعلا وتلقينا وتهجينا
ولم نزد نحن في سر وفي علن ... على مقالتنا يا ربّنا اكفينا
فكان ذاك وردّ الله حاسدنا ... بغيظه لم ينل تقديره فينا
الفصل الرابع في الحسد
قال الله تعالى: أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ
«٣» وقال رسول الله ﷺ : «استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان، فإن كل ذي نعمة محسود» . وقال علي ﵁: الحاسد مغتاظ على من لا ذنب له.
وقيل: الحسود غضبان على القدر. ويقال: ثلاثة لا يهنأ لصاحبها عيش. الحقد والحسد وسوء الخلق.
وقيل: بئس الشعار الحسد. وقيل لبعضهم: ما بال فلان يبغضك؟ قال: لأنه شقيقي في النسب، وجاري في البلد، وشريكي في الصناعة، فذكر جميع دواعي الحسد.
وقال أعرابي: الحسد داء منصف يفعل في الحاسد أكثر من فعله في المحسود، وهو مأخوذ من الحديث: «قاتل الله الحسد ما أعدله بدأ بصاحبه فقتله» .
وقال الفقيه أبو الليث السمرقندي، رحمة الله تعالى عليه: يصل إلى الحاسد خمس عقوبات قبل أن يصل حسده إلى المحسود، أولاها: غم لا ينقطع. الثانية:
مصيبة لا يؤجر عليها، الثالثة: مذمة لا يحمد عليها، الرابعة: سخط الرب، الخامسة: يغلق عنه باب التوفيق.
ومن ذلك ما حكي: أن رجلا من العرب دخل على المعتصم فقرّبه وأدناه وجعله نديمه، وصار يدخل على حريمه من غير استئذان. وكان له وزير حاسد فغار من البدوي وحسده، وقال في نفسه: إن لم أحتل على هذا البدوي في قتله أخذ بقلب أمير المؤمنين، وأبعدني منه، فصار يتلطف بالبدوي حتى أتى به إلى منزله، فطبخ له طعاما، وأكثر فيه من الثوم، فلما أكل البدوي منه قال له:
احذر أن تقترب من أمير المؤمنين، فيشم منك رائحة الثوم، فيتأذى من ذلك فإنه يكره رائحته، ثم ذهب الوزير إلى أمير المؤمنين، فخلا به وقال: يا أمير المؤمنين إن البدوي يقول عنك للناس إن أمير المؤمنين أبخر «٤» وهلكت من رائحة فمه. فلما دخل البدوي على أمير المؤمنين جعل كمه على فمه مخافة أن يشم منه رائحة الثوم، فلما رآه أمير المؤمنين وهو يستر فمه بكمه قال: إن
стр. 217
الذي قاله الوزير عن هذا البدوي صحيح، فكتب أمير المؤمنين كتابا إلى بعض عماله يقول فيه: إذا وصل إليك كتابي هذا، فاضرب رقبة حامله، ثم دعا البدوي ودفع إليه الكتاب، وقال له: امض به إلى فلان وائتني بالجواب.
فامتثل البدوي ما رسم به أمير المؤمنين وأخذ الكتاب وخرج به من عنده، فبينما هو بالباب إذ لقيه الوزير، فقال: أين تريد؟ قال: أتوجه بكتاب أمير المؤمنين إلى عامله فلان، فقال الوزير في نفسه: إن هذا البدوي يحصل له من هذا التقليد مال جزيل، فقال له: يا بدوي ما تقول فيمن يريحك من هذا التعب الذي يلحقك في سفرك، ويعطيك ألفي دينار؟ فقال: أنت الكبير، وأنت الحاكم، ومهما رأيته من الرأي إفعل. قال: أعطني الكتاب، فدفعه إليه، فأعطاه الوزير ألفي دينار، وسار بالكتاب إلى المكان الذي هو قاصده، فلما قرأ العامل الكتاب أمر بضرب رقبة الوزير. فبعد أيام تذكر الخليفة في أمر البدوي، وسأل عن الوزير، فأخبر بأن له أياما ما ظهر، وأن البدوي بالمدينة مقيم، فتعجب من ذلك وأمر بإحضار البدوي، فحضر، فسأله عن حاله، فأخبره بالقصة التي اتفقت له مع الوزير من أولها إلى آخرها، فقال له: أنت قلت عني للناس أني أبخر؟ فقال: معاذ الله يا أمير المؤمنين أن أتحدث بما ليس لي به علم، وإنما كان ذلك مكرا منه وحسدا، وأعلمه كيف دخل به إلى بيته وأطعمه الثوم وما جرى له معه.
فقال أمير المؤمنين: قاتل الله الحسد ما أعدله بدأ بصاحبه فقتله. ثم خلع على البدوي واتخذه وزيرا وراح الوزير بحسده.
وقال المغيرة شاعر آل المهلب:
آل المهلب قوم إن مدحتهم ... كانوا الأكارم آباء وأجدادا
إن العرانين تلقاها محسّدة ... ولا ترى للئام الناس حسّادا «١»
وقال عمر ﵁: يكفيك من الحاسد أنه يغتم وقت سرورك وقال مالك بن دينار: شهادة القراء مقبولة في كل شيء إلا شهادة بعضهم على بعض، فإنهم أشد تحاسدا من التيوس. وعن أنس رضي الله تعالى عنه رفعه:
«إن الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب» . وقال منصور الفقيه:
منافسة الفتى فيما يزول ... على نقصان همّته دليل
ومختار القليل أقل منه ... وكل فوائد الدنيا قليل
يقول الله : الحاسد عدو نعمتي متسخّط لفعلي غير راض بقسمتي التي قسمت لعبادي.
قال الشاعر:
أيا حاسدا لي على نعمتي ... أتدري على من أسأت الأدب
أسأت على الله في حكمه ... لأنك لم ترض لي ما وهب
فأخزاك ربّي بأن زادني ... وسدّ عليك وجوه الطلب
وقال الأصمعي: رأيت أعرابيا قد بلغ عمره مائة وعشرين سنة، فقلت له: ما أطول عمرك؟ فقال: تركت الحسد فبقيت. وقالوا: لا يخلو السيد من ودود يمدح وحسود يقدح. وقال ابن مسعود ﵁: ألا لا تعادوا نعم الله، قيل: ومن يعادي نعم الله؟ قال: الذين يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله. وقيل لعبد الله بن عروة: لم لزمت البدو، وتركت قومك؟
فقال: وهل بقي إلا حاسد على نعمة أو شامت على نكبة.
وقال الشاعر:
يا طالب العيش في أمن وفي دعة ... رغدا بلا قتر صفوا بلا رنق
خلّص فؤادك من غل ومن حسد ... فالغل في القلب مثل الغلّ في العنق
وقال آخر:
اصبر على حسد الحسو ... د فإن صبرك قاتله
كالنار تأكل بعضها ... إن لم تجد ما تأكله
وفي نوابغ الحكم: الحسد حسك من تعلق به هلك.
ولبعضهم:
إني حسدت فزاد الله في حسدي ... لا عاش من عاش يوما غير محسود
وقال نصار بن سيار:
إنّي نشأت وحسّادي ذوو عدد ... يا ذا المعارج لا تنقص لهم عددا
стр. 218
إن يحسدوني على ما بي لما بهم ... فمثل ما بي ممّا يجلب الحسدا
وكان عمر ﵁ يقول: نعوذ بالله من كل قدر وافق إرادة حاسد. وقيل لأرسطاطاليس: ما بال الحسود أشد غما؟ قال: لأنه أخذ بنصيبه من غموم الدنيا، ويضاف إلى ذلك غمه لسرور الناس. والله أعلم، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
الباب الأربعون في الشجاعة وثمرتها والحروب وتدبيرها وفضل الجهاد وشدة البأس والتحريض على القتال
وفيه فصلان
الفصل الأول في فضل الجهاد في سبيل الله وشدة البأس
قد أثنى الله تعالى على الصابرين في البأساء والضراء وحين البأس، ووصف المجاهدين فقال تعالى: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ ٤
«١» . وندب إلى جهاد الأعداء ووعد عليه أفضل الجزاء. والرأي في الحرب أمام الشجاعة. قال رسول الله ﷺ : «الحرب خدعة» . وقال ﷺ : «ما من قطرة أحب إلى الله تعالى من قطرة دم في سبيله أو قطرة دمع في جوف ليل من خشيته» . وسمع رجل عبد الله بن قيس ﵁ يقول: قال رسول الله ﷺ إن الجنة تحت ظلال السيوف، فقال: يا أبا موسى أنت سمعت رسول الله ﷺ يقوله، قال: نعم، فرجع إلى أصحابه، فقال: أقرأ عليكم السلام، ثم كسر جفن سيفه «٢» ، فألقاه، ثم مشى بسيفه إلى العدو، فضرب به حتى قتل.
وكتب أبو بكر الصديق ﵁ إلى خالد بن الوليد: إعلم أن عليك عيونا من الله ترعاك وتراك، فإذا لقيت العدو فاحرض على الموت توهب لك السلامة، ولا تغسل الشهداء من دمائهم، فإن دم الشهيد يكون له نورا يوم القيامة.
وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ حين انتهينا إلى خيبر، الله أكبر خربت خيبر، إنّا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين. وعنه رفعه: لغدوة في سبيل الله أو روحة خير من الدنيا وما فيها» .
وعن ابن مسعود رفعه: «إن أرواح الشهداء في حواصل طيور خضر لها قناديل معلقة بالعرش تسرح من الجنة حيث شاءت ثم تأوي إلى تلك القناديل» . وقيل: إن أنس بن النضر عم أنس بن مالك ﵁ لم يشهد بدرا، فلم يزل متحسرا يقول: أول مشهد شهده رسول الله ﷺ غيبت عنه، فلما كان يوم أحد قال: واها لريح الجنة دون أحد.
فقاتل حتى قتل، فوجد في بدنه بضع وثمانون ما بين ضربة وطعنة ورمية، فقالت أخته الربيع بنت النضر: فما عرفت أخي إلا ببنانه.
وعن فضالة بنت عبيد رفعه: «كل ميت يختم على عمله إلا المرابط فإنه ينمّي له عمله إلى يوم القيامة، ويؤمن من فتنة القبر. وعن سهل بن حنيف رفعه: «من سأل الله الشهادة بصدق بلغه الله منازل الشهداء وإن مات على فراشه» . فنسأل الله أن يرزقنا الشهادة، ويجعلنا من الذين أحسنوا فلهم الحسنى وزيادة.
الفصل الثاني في الشجاعة وثمرتها والحروب وتدبيرها
إعلم أن الشجاعة عماد الفضائل، ومن فقدها لم تكمل فيه فضيلة. ويعبر عنها بالصبر وقوة النفس.
قال الحكماء، وأصل الخير كله في ثبات القلب والشجاعة عند اللقاء على ثلاثة أوجه: الوجه الأول: إذا التقى الجمعان وتزاحف العسكران، وتكالحت الأحداق بالأحداق، برز من الصف إلى وسط المعترك يحمل ويكر وينادي: هل من مبارز. والثاني: إذا نشب القوم واختطوا ولم يدر أحد منهم من أين يأتيه، يكون رابط الجأش ساكن القلب حاضر اللب لم يخالطه الدهش ولا تأخذه الحيرة، فيتقلب تقلب المالك لأموره القائم على نفسه. والثالث:
إذا انهزم أصحابه يلزم الساقة «٣» ويضرب في وجوه القوم
стр. 219
ويحول بينهم وبين عدوهم، ويقوي قلوب أصحابه، ويرجّي الضعيف ويمدهم بالكلام الجميل، ويشجع نفوسهم، فمن وقع أقامه ومن وقف حمله ومن كبا به فرسه حماه، حتى ييأس العدو منهم، وهذا أحمدهم شجاعة. وعن هذا قالوا: إن المقاتل من وراء الفارين كالمستغفر من وراء الغافلين، ومن أكرم الكرم الدفاع عن الحرم.
وحكى سيدي أبو بكر الطرطوشي رحمة الله تعالى عليه في كتابه سراج الملوك قال: كان شيوخ الجند يحكون لنا في بلادنا، قالوا: دارت حرب بين المسلمين والكفار، ثم افترقوا، فوجدوا في المعترك قطعة خودة قدر الثلث بما حوته من الرأس، فقالوا: إنه لم ير قط ضربة أقوى منها ولم يسمع بمثلها في جاهلية ولا إسلام، فحملتها الروم وعلقتها في كنيسة لهم، فكانوا إذا عيّروا بانهزامهم يقولون: لقينا أقواما هذا ضربهم، فيرحل أبطال الروم إليها ليروها.
قالوا: ومن الحزم أن لا يحتقر الرجل عدوه وإن كان ذليلا، ولا يغفل عنه وإن كان حقيرا، فكم برغوث أسهر فيلا، ومنع الرقاد ملكا جليلا. قال الشاعر:
فلا تحقرنّ عدوا رماك ... وإن كان في ساعديه قصر
فإنّ السيوف تحز الرقاب ... وتعجز عمّا تنال الإبر
واعلموا أن الناس قد وضعوا في تدبير الحروب كتبا ورتبوا فيها ترتيبا، ولنصف منها أشياء نبدأ منها بما ذكره الله تعالى في القرآن العظيم. قال الله تعالى: وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ
«١» فقوله تعالى: مَا اسْتَطَعْتُمْ
مشتمل على كل ما هو مقدور البشر من العدة والآلة والحيلة. وفسّر النبيّ ﷺ القوة حين مر على أناس يرمون، فقال: «ألا إن القوة الرمي ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي» .
وأفضل العدة أن تقدم بين يدي اللقاء عملا صالحا من صدقة وصيام ورد المظالم وصلة الرحم ودعاء مخلص، وأمر بمعروف، ونهي عن منكر، وأمثال ذلك. والشأن كل الشأن في استجادة القواد، وانتخاب الأمراء، وأصحاب الألوية، فقد قالت حكماء العجم: أسد يقود ألف ثعلب خير من ثعلب يقود ألف أسد. فلا ينبغي أن يقدم الجيش إلا الرجل ذو البسالة والنجدة، والشجاعة والجرأة، ثابت الجأش، صارم القلب، صادق البأس، ممن قد توسط الحروب، ومارس الرجال ومارسوه، ونازل الأقران وقارع الأبطال عارفا بمواضع الفرص خبيرا بمواضع القلب والميمنة والميسرة من الحروب، فإنه إذا كان كذلك وصدر الكل عن رأيه كانوا جميعا كأنهم مثله، فإنه إن رأى لقراع الكتائب وجها وإلّا ردّ الغنم إلى الزريبة.
واعلم أن الحرب خدعة عند جميع العقلاء، وكان عظماء الترك يقولون: ينبغي للعاقل العظيم للقياد أن يكون فيه عدة أخلاق من البهائم، شجاعة الديك، وبحث الدجاجة، وقلب الأسد، وحملة الخنزير، وروغان الثعلب، وصبر الكلب على الجراح، وحراسة الكركي، وغارة الذئب، وسمن نغير، وهي دويبة تكون بخراسان تسمن على التعب والشقاء. وكان يقال: أشد خلق الله تعالى عشرة: الجبال، والحديد ينحت الجبال، والنار تأكل الحديد، والماء يطفىء النار، والسحاب يحمل الماء، والريح تصرف السحاب، والإنسان يتقي الريح بجناحيه، والسكر يصرع الإنسان، والنوم يذهب السكر، والهم يمنع النوم. فأشد خلق ربك الهم، اللهم إنا نعوذ بك من الهم والحزن.
ومن الحيل في الحرب أن يبث جواسيسه في عسكر عدوه ليستعلم أخبارهم، ويستميل قلوب رؤسائهم، وذوي الشجاعة منهم، فيدس إليهم، ويعدهم وعدا جميلا. ويقوي أطماعهم في نيل ما عنده من الهبات الفخيمة والولايات السنية، وإن رأى وجها عاجلهم بالهدايا وسامهم إما الغدر بصحبهم، وإما الاعتزال وقت اللقاء، ويكتب على السهام أخبارا مزورة، ويرمي بها في جيوشهم. واعلم أن الحيلة لا ترد القضاء والقدر، وأن الدول إذا زالت صارت حيلتها وبالا عليها، وإذا أذن الله تعالى في حلول البلاء كانت الآفة في الحيلة. وقال الحكماء: إذا نزل القضاء كان العطب في الحيلة.
ويغلب الضعف بإقبال دولته كما يغلب القوي ببقاء مدته، فمن الحزم المألوف عند سوّاس الحروب «٢» أن تكون حماة الرجال، وكماة الابطال في القلوب، فإنه إذا انكسر الجناحان كانت العيون ناظرة إلى القلب، فإذا كانت
стр. 220
رايته تخفق وطبوله تضرب كان حصنا للجناحين يأوي إليه كل منهزم، وإذا انكسر القلب تمزق الجناحان. مثال ذلك أن الطائر إذا انكسر أحد جناحيه ترجّى عودته ولو بعد حين، وإذا انكسر الرأس ذهب الجناحان.
وقلّ عسكر انكسر قلبه فأفلح أو تراجع، اللهم إلا أن تكون مكيدة من صاحب الجيش، فيخلي القلب قصدا وتعمدا، حتى إذا توسطه العدو، واشتغل بنهبه انطبق عليه الجناحان. فقد فعل ذلك رجال من أهل الحروب، ويقال: حبب إلى عدوك الفرار بأن لا تتبعهم إذا انهزموا.
ويقال: الشجاع محبب حتى إلى عدوه، والجبان مبغض حتى إلى أمه.
ولما أقبل كسرى بن هرمز إلى محاربة بهرام قال له صاحبه: أما تستعد؟ قال: عدتي ثبات قلبي، وإصابة رأيي، ونصل سيفي، ونصرة خالقي.
وخرج يزيد بن عبد الملك من بعض مقاصيره وعليه درع، وذلك في أيام قتال يزيد بن المهلب، فأنشده مسلمة قول الحطيئة:
قوم إذا حاربوا شدوا مآزرهم ... دون النساء ولو باتت بأطهار
فقال يزيد: إنما ذاك إذا حاربنا أكفاءنا، وأما مثل هذا ونظرائه فلا. فقام إليه مسلمة، فقبله بين عينيه.
وقيل: لما مات ملك الفرس أرادوا أن يملّكوا عليهم رجلا من آل ساسان، فوفد عليهم بهرام جور فقال:
اعمدوا إلى أسدين جائعين، فاطرحوا بينهما التاج، فمن أخذه فهو الملك. ففعلوا، فدنا منهما فأهويا نحوه، فأخذ برأس أحدهما، فأدناه من رأس الآخر، ثم نطحه به فقتلهما جميعا، وشد على التاج فأخذه ووضعه على رأسه، وملّكته الفرس عليهم.
وقيل: لم يكن في العجم أرمى «١» من الملك بهرام خرج يتصيد يوما، وهو مردف حظيّة «٢» له كان يعشقها، فعرضت له ظباء، فقال: في أي موضع تريدين أن أضع هذا السهم؟ فقالت: أريد أن تشبّه ذكرانها بالإناث وأناثها بالذكران، فرمى ظبيا ذكرا بنشابة ذات شعبتين فاقتلع قرنيه، ورمى ظبية بنشابتين أثبتهما في موضع القرنين، ثم سألته أن يجمع بين ظلف الظبي وأذنه بنشابة، رمى أصل الأذن ببندقة ثم أهوى الظبي برجله إلى أذنه ليحتك، فرماه بنشابة فوصل أذنه بظلفه.
ويقال: إن من أعظم المكايد في الحرب الكمين، وذلك أن الفارس لا يزال على حمية في الدفاع وحمي الذمار حتى يلتفت فيرى وراءه بندا منشورا، ويسمع صوت الطبل، فحينئذ يكون همه خلاص نفسه.
وعليك بانتخاب الفرسان واختيار الأبطال ولا تنس قول الشاعر:
والناس ألف منهم كواحد ... وواحد كالألف إن أمر عنى «٣»
بل قد جرب ذلك، فوجد الواحد خيرا من عشرة آلاف، وسأحكي لك من ذلك ما ترى فيه العجب:
فمن ذلك: لما التقى المستعين بن هود مع الطاغية بن روميل النصراني على مدينة وشقة من ثغور بلاد الأندلس، وكان العسكران كالمتكافئين، كل واحد منهما يقارب عشرين ألف مقاتل خيل ورجل «٤» . فحدث من حضر الوقعة من الأجناد قال: لما دنا اللقاء. قال الطاغية بن روميل لمن يثق بعقله وممارسته للحروب من رجاله:
استعلم لي من في عسكر المسلمين من الشجعان الذين نعرفهم كما يعرفوننا ومن غاب منهم ومن حضر، فذهب، ثم رجع، فقال له: فيهم فلان وفلان، فعد سبعة رجال.
فقال له: انظر من في عسكري من الرجال المعروفين بالشجاعة، ومن غاب منهم، فعدهم، فوجدهم ثمانية رجال لا يزيدون، فقام الطاغية ضاحكا مسرورا، وهو يقول: ما أبيضك من يوم. ثم ثارت الحرب بينهم، فلم تزل المضاربة بين الفريقين لم يول أحدهم دبره، ولا تزحزح عن مقامه، حتى فني أكثر العسكرين، ولم يفر واحد منهم، قال: فلما كان وقت العصر نظروا إلينا ساعة، ثم حملوا علينا جملة وداخلوا مداخلة، ففرقوا بيننا، وصرنا شطرين، وحالوا بيننا وبين أصحابنا، فكان ذلك سبب وهننا وضعفنا، ولم تقم الحرب إلا ساعة ونحن في خسارة معهم، فأشار مقدم العسكر على السلطان أن ينجو بنفسه، وانكسر عسكر المسلمين، وتفرق جمعهم، وملك العدو مدينة وشقة. فليعتبر ذو الحزم والبصيرة من جمع يحتوي على أربعين ألف مقاتل،
стр. 221
ولم يحضره من الشجعان المعدودين إلا خمسة عشر نفرا، وليعتبر بضمان العلج «١» بالظفر واستبشاره بالغنيمة لما زاد في أبطاله رجل واحد.
وحكى سيدي أبو بكر الطرطوشي رحمة الله تعالى عليه قال: سمعت أستاذنا القاضي أبا الوليد يحيى قال: بينما المنصور بن أبي عامر في بعض غزواته إذ وقف على نشز من الأرض مرتفع، فرأى جيوش المسلمين من بين يديه، ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله قد ملأوا السهل والجبل، فالتفت إلى مقدّم العسكر، وهو رجل يعرف بابن المضجعي، فقال له: كيف ترى هذا العسكر أيها الوزير؟
قال: أرى جمعا كثيرا وجيشا واسعا كبيرا، فقال له المنصور: ما ترى هل يكون في هذا الجيش ألف مقاتل من أهل الشجاعة والنجدة والبسالة؟ فسكت ابن المضجعي.
قال له المنصور: ما سكوتك، أليس في هذا الجيش ألف مقاتل؟ قال: لا.
فتعجب المنصور. ثم قال فهل فيهم خمسمائة مقاتل من الأبطال المعدوين؟ قال: لا، فحنق المنصور، ثم قال: أفيهم مائة رجل من الأبطال؟ قال: لا.
قال: أفيهم خمسون رجلا من الأبطال؟ قال: لا. قال:
فسبه المنصور، وأغلظ عليه، وأمر به، فأخرج على أسوأ حال، فلما توسطوا بلاد الروم اجتمعت الروم، وتصافّ الجمعان، فبرز علج من الروم بين الصفين شاكي السلاح «٢» ، وجعل يكر ويفر ويقول: هل من مبارز، فبرز إليه رجل من المسلمين، فتجاولا ساعة، فقتله العلج، ففرح المشركون، وصاحوا، واضطرب المسلمون لها، ثم جعل العلج يموج بين الصفين وينادي: هل من مبارز اثنين لواحد، فبرز إليه رجل من المسلمين، فتجاولا ساعة، فقتله العلج، وجعل يكر ويحمل، وينادي ويقول: هل من مبارز؟ ثلاثة لواحد، فبرز إليه رجل من المسلمين، فقتله العلج، فصاح المشركون، وذل المسلمون، وكادت أن تكون كسرة، فقيل للمنصور: مالها إلا ابن المضجعي؟ فبعث إليه، فحضر. فقال له المنصور: ألا ترى ما صنع هذا العلج الكلب منذ اليوم؟ فقال: لقد رأيته، فما الذي تريد؟ قال: أن تكفي المسلمين شره.
قال: الآن يكفى المسلمون شره إن شاء الله تعالى، ثم قصد إلى رجال يعرفهم، فاستقبله رجل من أهل الثغور على فرس قد تهرت أوراكها هزالا، وهو حامل قربة ماء بين يديه على الفرس، والرجل في حليته، ونفسه غير متصنع، فقال له ابن المضجعي: ألا ترى ما يصنع هذا العلج منذ اليوم قال: قد رأيته، فما الذي تريد؟ قال: أريد أن تكفي المسلمين شره. قال: حبا وكرامة.
ثم إنه وضع القربة بالأرض، وبرز إليه غير مكترث به، فتجاولا ساعة، فلم ير الناس إلا المسلم خارجا إليهم يركض ولا يدرون ما هناك، وإذا برأس العلج يلعب بها في يده، ثم ألقى الرأس بين يدي المنصور، فقال له ابن المضجعي: عن هؤلاء الرجال أخبرتك. قال: فرد ابن المضجعي إلى منزلته، وأكرمه ونصر الله جيوش المسلمين وعساكر الموحدين.
حكي أنه كان للعرب فارس يقال له: ابن فتحون، وكان أشجع العرب والعجم في زمانه، وكان المستعين يكرمه ويعظمه ويجري له في كل عطية خمسمائة دينار، وكانت جيوش الكفار تهابه، وتعرف منه الشجاعة، وتخشى لقاءه.
فيحكى أن الرومي كان إذا سقى فرسه ولم يشرب يقول له:
ويلك لم لا تشرب؟ هل رأيت ابن فتحون في الماء.
فحسده نظراؤه على كثرة العطاء، ومنزلته من السلطان، فوشوا به عند المستعين، فأبعده ومنعه من عطائه. ثم إن المستعين أنشأ غزوة إلى بلاد الروم، فتقابل المسلمون والمشركون صفوفا، ثم برز علج إلى وسط الميدان، ونادى وقال: هل من مبارز؟ فبرز إليه فارس من المسلمين، فتجاولا ساعة، فقتله الرومي، فصاح المشركون سرورا، وانكسرت نفوس المسلمين، وجعل الكلب الرومي يجول بين الصفين وينادي: هل من اثنين لواحد؟ فخرج إليه فارس من المسلمين، فقتله الرومي، فصاح الكفار سرورا، وانكسرت نفوس المسلمين، وجعل الكلب يجول بين الصفين وينادي ويقول: ثلاثة لواحد، فلم يجترىء أحد من المسلمين أن يخرج إليه. وبقي الناس في حيرة، فقيل للسلطان: ما لها إلا أبو الوليد بن فتحون، فدعاه، وتلطف به، وقال له: يا أبا الوليد: أما ترى ما يصنع هذا العلج؟ فقال: ها هو بعيني، قال: فما الحيلة فيه؟ قال: الساعة أكفي المسلمين شره، فلبس قميص كتان، واستوى على سرج فرسه بلا سلاح، وأخذ بيده سوطا طويلا، وفي طرفه عقدة معقودة، ثم برز إليه،
стр. 222
فتعجب منه النصراني، ثم حمل كل واحد منهما على صاحبه فلم تخط طعنة النصراني سرج ابن فتحون، وإذا ابن فتحون متعلق برقبة الفرس ونزل إلى الأرض لا شيء منه في السرج، ثم انقلب في سرجه وحمل على العلج وضربه بالسوط، فالتوى على عنقه، فجذبه بيده من السرج، فاقتلعه، وجاء به يجره حتى ألقاه بين يدي المستعين، فعلم المستعين أنه كان قد أخطأ في صنعه مع أبي الوليد بن فتحون، فاعتذر إليه. وأكرمه، وأحسن إليه، وبالغ في الإنعام عليه، ورده إلى أحسن أحواله، وكان من أعز الناس إليه.
وينبغي لقائد الجيش أن يخفي العلامة التي هو مشهور بها. فإن عدوه قد يستعلم حيلته وألوان خيله ورايته، ولا يلزم خيمته ليلا ولا نهارا، وليبدل زيه ويغيّر خيمته كي لا يلتمس عدوه غرة منه، وإذا سكن الحرب، فلا يمشي في النفر اليسير من قومه خارج عسكره، فإن عيون عدوه متجسسة عليه، وبهذا الوجه كسر المسلمون جيوش أفريقية عند فتحها، وذلك أن الحرب سكنت وسط النهار، فجعل مقدم العدو يمشي خارج عسكره يتميز عساكر المسلمين، فجاء الخبر إلى عبد الله بن أبي السرح وهو نائم في قبته، فخرج فيمن وثق به من رجاله، وحمل على العدو، فقتل الملك، وكان الفتح.
وبمثل هذا قهر ألب أرسلان ملك الترك، ملك الروم وقمعه وقتل رجاله وأباد جمعه. وكانت الروم قد جمعت جيوشا يقل أن يجمع لغيرهم من بعدهم مثلها، وكان قد بلغ عددهم ستمائة ألف، كتائب متواصلة، وعساكر مترادفة، وكراديس «١» يتلو بعضها بعضا، لا يدركهم الطرف ولا يحصيهم العدد، وقد استعدوا من الكراع والسلاح والمجانيق «٢» ، والآلات المعدة للحروب، وفتح الحصون بما لا يحصى، وكانوا قد قسموا بلاد المسلمين الشام والعراق، ومصر، وخراسان، وديار بكر، ولم يشكوا أن الدولة قد دارت لهم، وأن نجوم السعود قد خدمتهم، ثم استقبلوا بلاد المسلمين فتواترت أخبارهم إلى بلاد المسلمين، واضطربت لهم ممالك أهل الإسلام، فاحتشد للقائهم الملك ألب أرسلان، وهو الذي يسمى الملك العادل، وجمع جموعه بمدينة أصبهان، واستعد بما قدر عليه، ثم خرج يؤمهم «٣» ، فلم يزل العسكران يتدانيان إلى أن عادت طلائع المسلمين إلى المسلمين، وقالوا لألب أرسلان: غدا يتراءى الجمعان، فبات المسلمون ليلة الجمعة، والروم في عدد لا يحصيهم إلا الله الذي خلقهم، وما المسلمون فيهم إلا أكلة جائع، فبقي المسلمون وجلين لما دهمهم، فلما أصبحوا صباح يوم الجمعة نظر بعضهم إلى بعض، فهال المسلمين ما رأوا من كثرة العدو، فأمر ألب أرسلان أن يعد المسلمين، فبلغوا اثني عشر ألفا فكانوا كالشامة البيضاء في الثور الأسود، فجمع ذوي الرأي من أهل الحرب والتدبير والشفقة على المسلمين، والنظر في العواقب، واستشارهم في استخلاص أصوب الرأي، فتشاوروا برهة، ثم اجتمع رأيهم على اللقاء، فتوادع القوم وتحاللوا وناصحوا الإسلام وأهله، وتأهبوا أهبة اللقاء، وقالوا لألب أرسلان:
بسم الله نحمل عليهم.
فقال ألب أرسلان: يا معشر أهل الإسلام أمهلوا، فإن هذا يوم الجمعة، والمسلمون يخطبون المنابر، ويدعون لنا في شرق البلاد وغربها، فإذا زالت الشمس، وعلمنا أن المسلمين قد صلّوا، ودعوا الله أن ينصر دينه حملنا عليهم إذ ذاك، وكان ألب أرسلان قد عرف خيمة ملك الروم وعلامته وزيه وزينته وفرسه، ثم قال لرجاله: لا يتخلف أحد منكم أن يفعل كفعلي، ويتبع أثري، ويضرب بسيفه، ويرمي سهمه حيث أضرب بسيفي، وأرمي بسهمي، ثم حمل برجاله حملة رجل واحد إلى خيمة ملك الروم، فقتلوا من كان دونها، ووصلوا إلى الملك، فقتلوا من كان دونه، وجعلوا ينادون بلسان الروم قتل الملك قتل الملك، فسمعت الروم أن ملكهم قد قتل فتبددوا، وتمزقوا كل بمزق، وعمل السيف فيهم أياما، وأخذ المسلمون أموالهم، وغنائمهم، وأتوا بالملك أسيرا بين يدي ألب أرسلان والحبل في عنقه.
فقال له ألب أرسلان: ماذا كنت تصنع بي لو أسرتني؟
قال: وهل تشك أنني كنت أقتلك، فقال له ألب أرسلان:
أنت أقل في عيني من أن أقتلك اذهبوا به، فبيعوه لمن يزيد فيه، فكان يقاد والحبل في عنقه، وينادى عليه من يشتري ملك الروم، وما زالوا كذلك يطوفون به على الخيام، ومنازل المسلمين، وينادون عليه بالدراهم والفلوس، فلم
стр. 223
يدفع فيه أحد شيئا، حتى باعوه من إنسان بكلب، فأخذه الذي ينادي عليه، وأخذ الكلب، وأتى بهما إلى ألب أرسلان، وقال: قد طفت به جميع العسكر، وناديت عليه، فلم يبذل أحد فيه شيئا سوى رجل واحد دفع فيه هذا الكلب، فقال: قد أنصفك إن الكلب خير منه، ثم أمر ألب أرسلان بعد ذلك بإطلاقه وذهب إلى القسطنطينية، فعزلته الروم، وكحّلوه بالنار.
فانظر ماذا يأتي على الملوك إذا عرفوا في الحرب من الحيلة والمكيدة. اللهم انصر جيوش المسلمين وعساكر الموحدين، وأهلك الكفرة، والمشركين، وانصر المسلمين نصرا عزيزا برحمتك يا أرحم الراحمين، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين.
الباب الحادي والأربعون في ذكر أسماء الشجعان وذكر الأبطال وطبقاتهم وأخبارهم وذكر الجبناء وأخبارهم وذم الجبن
(الطبقة الأولى: الذين أدركوا الجاهلية والإسلام) :
حمزة بن عبد المطلب ﵁ عم رسول الله ﷺ ، أسد الله وأسد رسوله ﷺ . قتل في غزاة أحد، رماه وحشي مولى جبير بن مطعم بحربة فقتله.
وكان فارس قريش غير مدافع، وبطلها غير ممانع، وعظم قتله على النبي ﷺ ونذر أن يقتل به سبعين رجلا من قريش، وكبّر عليه في الصلاة سبعين تكبيرة.
أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ وكرم وجهه. آية من آيات الله، ومعجزة من معجزات رسول الله ﷺ ، ومؤيد بالتأييد الإلهي، كاشف الكروب ومجليها، ومثبت قواعد الإسلام ومرسيها، وهو المتقدم على ذوي الشجاعة كلهم بلا مرية ولا خلاف. روي عنه ﵁ أنه قال: والذي نفس ابن أبي طالب بيده لألف ضربة بالسيف أهون عليّ من موتة على فراش. وقال بعض العرب «١» ما لقينا كتيبة فيها علي بن أبي طالب ﵁ إلا أوصى بعضنا على بعض «٢» . وقال ﵁ لمعاوية: قد دعوت الناس إلى الحرب، فدع الناس جانبا واخرج إليّ ليعلم أينا المران على قلبه، والمغطّى على بصره، وأنا أبو الحسن قاتل جدك وخالك وأخيك شدخا «٣» يوم بدر، وذلك السيف معي، وبذلك القلب ألقى عدوي.
وقيل له كرم الله وجهه: إذا جالت الخيل، فأين نطلبك؟
قال: حيث تركتموني. وقيل له: كيف تقتل الأبطال؟ قال:
لأني كنت ألقى الرجل، فأقدر أني أقتله، ويقدر هو أني قتلته، فأكون أنا ونفسه عونا عليه.
وقال مصعب بن الزبير: كان علي ﵁ حذرا في الحروب شديد الروغان لا يكاد أحد يتمكن منه، وكانت درعه صدرا لا ظهر لها، فقيل له: أما تخاف أن تؤتى من قبل ظهرك، فقال: إذا مكّنت عدوي من ظهري، فلا أبقى الله عليه إن أبقى عليّ.
قتله عبد الرحمن بن ملجم المرادي لعنة الله تعالى عليه، غدره وهو في صلاة الصبح. وسبب ذلك أن عبد الرحمن بن ملجم لعنه الله تزوج بقطام بنت علقمة، وكانت خارجية، فقالت له: لا أقنع إلا بصداق «٤» أسميه وهو ثلاثة ألاف درهم، وعبد وأمة، وأن تقتل علي بن أبي طالب، فقال لها: لك ما سألت إلا علي بن أبي طالب، وكيف لي به؟ قالت: تغتاله، فإن سلمت أرحت الناس من شره، وأقمت مع أهلك، وإن أصبت دخلت الجنة. فقال:
ثلاثة آلاف وعبد وقينة ... وضرب علي بالحسام المخذّم
فلا مهر أغلى من علي وإن علا ... ولا فتك إلا دون فتك ابن ملجم
قيل أنه طعنه وهو داخل المسجد في الغلس «٥» ، وذلك في تاسع عشر رمضان المعظم سنة أربعين «٦» . كفن ﵁ في ثلاثة أثواب، ودفن في الرحبة مما يلي باب كندة من أبواب المسجد «٧» . قالوا: ولما ضربه ابن ملجم لعنه الله، ثار الحسن والحسين وعبد الله بن جعفر رضي
стр. 224
الله عنهم، فاحتضنوه، وقام المغيرة بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب، فأخذه، فأومأ علي ﵁ إلى المغيرة أن صلّ بالناس، فصلى بهم الفجر وأقبلت همدان، فدخلوا على علي، فقالوا يا أمير المؤمنين:
لا تقوم لهم قائمة إن شاء الله تعالى، فقال: لا تفعلوا إنما النفس بالنفس. قال: ثم إن الحسن ﵁ صلى الفجر وصعد المنبر، فأراد الكلام، فخنقته العبرة، ثم نطق، فقال: الحمد لله على ما أحببنا وكرهنا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ﷺ «وإني أحتسب عند الله مصابي بأفضل الآباء رسول الله القائل ﷺ من أصيب بمصيبة فليتسل بمصيبته فيّ، فإنها أعظم المصائب» ، والله الذي لا إله إلا هو الذي أنزل على عبده الفرقان، لقد قبض في هذه الليلة رجل ما سبقه الأولون بعد رسول الله ﷺ ولا يدركه الآخرون. فعند الله نحتسب ما دخل علينا وعلى جميع أمة محمد ﷺ . فو الله لا أقول اليوم إلا حقا، لقد دخلت مصيبة اليوم على جميع العباد والبلاد، والشجر، والدواب. ولقد قبض في الليلة التي رفع فيها عيسى بن مريم ﵉ إلى السماء، وقبض فيها موسى بن عمران، ويوشع بن نون ﵉ وأنزل فيها القرآن على محمد ﷺ ، ولقد كان رسول الله ﷺ يبعثه في السرية، ويسير جبريل عن يمينه وميكائيل عن يساره، فما يرجع حتى يفتح الله على يديه. وما ترك صفراء ولا بيضاء إلا سبعمائة درهم أراد أن يبتاع بها خادما لأهله، ألا أن أمور الله تعالى تجري على أحوالها، فما أحسنها من الله، وأسوأها من أنفسكم. ألا أن قريشا أعطت أزمّتها «١» شياطينها، فقادتها بأعنتها إلى النار، فمنهم من قاتل رسول الله ﷺ حتى أظهره الله تعالى عليه، ومنهم من أسرّ الضغينة حتى وجد على النفاق أعوانا. رفع الكتاب، وجف القلم، وأمور تقضى في كتاب قد خلا. ثم أطرق الحسن، فبكى الناس بكاء شديدا، ثم نزل، فجرد سيفه، ودعا بابن ملجم، فأقبل يخطر «٢» واضعا شعره على أذنيه حتى قام بين يديه، فقال: يا حسن إني ما عاهدت الله تعالى على عهد قط إلا وفيت به. عاهدت الله تعالى على أن أقتل أباك وقد قتلته، فإن تخلني أقتل معاوية، فإن أنا قتلته أضع يدي على يدك، وإن أقتل، فهو الذي تريد.
فقال الحسن ﵁: أما والله لا سبيل إلى بقائك، ثم قام إليه فضربه بالسيف، فاتقاه ابن ملجم بيد، ثم أسرع بالسيف فيه فقتله.
ومن الأبطال خالد بن الوليد بن المغيرة المخزومي ﵁. سيف الله وسيف رسوله ﷺ بطل مذكور، وفارس مشهور في الجاهلية والإسلام. قتل مالك بن نويرة، وقتل مسيلمة الكذاب لعنه الله. وكان الفتح لخالد يوم اليمامة، وهو الذي فتح دمشق، وأكثر بلاد الشام، وله وقائع عظيمة في الروم. أيّد الله بها الإسلام. مات على فراشه، وكان يقول: لقد شهدت كذا وكذا زحفا، وما في جسدي موضع شبر إلا وفيه أثر طعنة أو ضربة أو رمية.
وها أنا أموت على فراشي لا نامت عين الجبان «٣» . وكان ينشد ويرتجز ويقول:
لا ترعبونا بالسيوف المبرقه ... إنّ السّهام بالردى مفرّقه
والحرب دونها العقال مطلقه ... وخالد من دينه على ثقه
﵁.
الزبير بن العوام ﵁ حواري رسول الله ﷺ وابن عمته بطل شجاع لا يمارى، وشهم لا يحاول. قتله عمرو بن جرموز، إغتاله وهو في الصلاة.
عمرو بن معديكرب الزبيدي فارس من فرسان الجاهلية، وله مواقف مذكورة، ومواطن مشهورة، وأسلم ثم ارتد، ثم عاد إلى الإسلام، وشهد حروب الفرس، وكان له فيها أفعال عظيمة، وأحوال جسيمة، وكان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ إذا رآه قال:
الحمد لله الذي خلقنا وخلق عمرا. وروي عنه ﵁ أنه سأله يوما، فقال له: يا عمرو أي السلاح أفضل في الحرب؟ قال: فعن أيها تسأل؟ قال: ما تقول في السهام؟
قال: منها ما يخطىء ويصيب. قال: فما تقول في الرمح؟
قال: أخوك وربما خانك. قال: فما تقول في الترس؟
قال: هو الدائر، وعليه تدور الدوائر، قال: فما تقول في السيف؟ قال: ذلك العدة عند الشدة.
وقيل: إنه نزل يوم القادسية على النهر، فقال لأصحابه:
إنني عابر على هذا الجسر قال: فإن أسرعتم مقدار جزر الجزور وجدتموني وسيفي بيدي أقاتل به تلقاء وجهي،
стр. 225
وقد عرفني القوم، وأنا قائم بينهم. وإن بطأتم وجدتموني قتيلا بينهم. ثم انغمس فحمل على القوم، فقال بعضهم لبعض: يا بني زبيد علام تدعون صاحبكم، والله ما نظن أنكم تدركونه حيا، فحملوا فانتهوا إليه، وقد صرع عن فرسه «١» ، وقد أخذ برجل فرس رجل من العجم، فأمسكها والفارس يضرب فرسه، فلم تقدر أن تتحرك، فلما رآنا أدركناه رمى الرجل نفسه وخلى فرسه، فركبه عمرو وقال:
أنا أبو ثور كدتم والله تفقدونني. فقالوا: أين فرسك؟
فقال: رمي بنشابة، فغار وشب فصرعني. ويروى أنه حمل يوم القادسية على رستم وهو الذي كان قدمه يزدجرد ملك الفرس يوم القادسية على قتال المسلمين، فاستقبله عمرو وكان رستم على فيل، فضرب عمرو الفيل، فقطع عرقوبه، فسقط رستم وسقط الفيل عليه مع خرج كان فيه أربعون ألف دينار، فقتل رستم وانهزمت العجم. وقتل عمرو بنهاوند في وقعة الفرس بعد أن عمّر حتى ضعف.
وكان من الشعراء المعدودين، وفيه يقول العباس بن مرداس:
إذا مات عمرو قلت للخيل أوطئي ... زبيدا فقد أودى بنجدتها عمرو
ومنهم طلحة الأسدي ﵁، كان من أكبر الشجعان جاهلية وإسلاما، ثم ارتد وتنبأ، وجمع جمعا عظيما ففل خالد بن الوليد جمعه وكان يتكهن، ثم عاد إلى الإسلام، وشهد حرب القادسية وغيرها من الفتوح.
والمقداد بن الأسود ﵁ كان من أشجع الفرسان شديد البأس قوي الجنان رابط الجأش، وله في الشجعان اسم مشهور ووصف مذكور يعجز الواصف عن وصف صفاته ﵁ وأرضاه.
وسعد بن أبي وقاص الزهري الأنصاري ﵁ كان فارسا بطلا راميا، وهو أول من رمى في سبيل الله بسهم، ولما قتل عثمان بن عفان ﵁ اعتزل، ولم يشهد الحرب بعده ومات حتف أنفه.
أبو دجانة الأنصاري ﵁ الذي خرج يتبختر بين الصفين، فقال ﵊: إنها لمشية يبغضها الله تعالى إلا في هذا الموضع.
والمثنى بن حارثة الشيباني ﵁ هو أول من فتح حرب الفرس. وأبو عبيد بن مسعود الثقفي ﵁، قاتل القوم يوم قس الناطف في حرب القادسية.
وعمار بن ياسر ﵁. صاحب رسول الله ﷺ الذي قال فيه رسول الله ﷺ : الحق يدور مع عمّار حيث دار، وأخبر أنه تقتله الفئة الباغية، فقتل بصفين مع علي ﵁.
هاشم بن عتبة ﵁ من أكابر الشجعان، صاحب راية علي ﵁ بصفين، مالك بن الحارث النخعي الأشتر ﵁، مات مسموما في شربة من عسل، فقال معاوية: إن لله جنودا منها العسل. القعقاع بن عمرو طاعن الفيل في عشية القادسية ﵁.
(الطبقة الثانية) :
عبد الله بن الزبير بن العوام ﵁، قاتل جرجير ملك إفريقية الذي كان يرى أنه أشجع أهل عصره. قال عمر ابن عبد العزيز لابن أبي مليكة: صف لي عبد الله بن الزبير، فقال: والله ما رأيت جلدا قط ركب على لحم ولا لحما على عصب ولا عصبا على عظم مثل جلده، ولحمه وعصبه، ولا رأيت نفسا بين جنبين مثل نفس ركبت بين جنبيه. ولقد قام يوما إلى الصلاة، فمر حجر من حجارة المنجنيق بين لحييه وصدره، فو الله ما خشع له بصره ولا قطع له قراءته، ولا ركع دون الركوع الذي كان يركع. قتله الحجاج بعد أن حوصر بمكة، وأسلمه أصحابه وعشيرته وصلبه الحجاج، ألا إلى الله تصير الأمور.
أبو هاشم محمد بن علي بن أبي طالب، ابن الحنفية ﵁، كان أبوه يلقيه في الوقائع ويتقي به العظائم، وهو شديد البأس، ثابت الجنان. قيل له يوما:
ما بال أمير المؤمنين علي كرم الله وجهك يقحمك الحروب «٢» دون الحسن والحسين ﵄؟
فقال: لأنهما كانا عينيه وكنت أنا يديه، فكان يتّقي عينيه بيديه. وقيل: إن أباه عليا ﵁ اشترى درعا فاستطالها، فأراد أن يقطع منها، فقال له محمد: يا أبت علّم موضع القطع، فعلم على موضع منها، فقبض محمد بيده اليمنى على ذيلها، وبالأخرى على موضع العلامة، ثم جذبها، فقطعها من الموضع الذي حدّه أبوه. وكان عبد الله بن الزبير مع تقدمه في الشجاعة يحسده على قوته، وإذا حدّث بهذا الحديث غضب. مات حتف أنفه «٣» بشعب رضوى «٤» .
стр. 226
عبد الله بن حازم السلمي ﵁ والي خراسان شجيع مضر وفارسها في عصره، قتله وكيع بن أبي سويد بخراسان في الفتنة. وكيع بن أبي سويد قاتل عبد الله بن حازم المتقدم ذكره، شجاع فاتك أهوج ولي خراسان.
قيل: لما قتل عبد الله بن حازم، ولم يتم أمره لهوجه مات حتف أنفه.
مصعب بن الزبير بن العوام شجاع بطل جواد، جاد بماله وبنفسه، قتله عبيد الله بن زياد في الحروب التي كانت بينه وبين عبد الملك بن مروان. عمير بن الحباب السلمي فارس الإسلام قتله بنو تغلب في الحرب التي كانت بينهم وبين قيس. مسلمة بن عبد الملك بن مروان، فحل بني أمية وفارسها ووالي حروبها، قيل أنه جلس يوما ليقضي بين الناس بمصر، فكلمته امرأة، فلم يقبل عليها، فقالت:
ما رأيت أقل حياء من هذا قط، فكشف عن ساقه فإذا فيها أثر تسع طعنات. فقال لها: هل ترين أثر هذا الطعن، والله لو أخّرت رجلي قيد شبر ما أصابتني واحدة منهن، وما منعني من تأخيرها إلا الحياء، وأنت تنحليني قلّته «١» .
المعتصم بطل شجاع، فارس صنديد لم يكن في بني العباس أشجع منه ولا أشد قلبا. قال ابن أبي داود: كان المعتصم يقول لي: يا أبا عبد الله عض على ساعدي بأكثر قوتك، فأقول والله يا أمير المؤمنين ما تطيب نفسي بذلك، فيقول: إنه لا يضرني، فأروم ذلك، فإذا هو لا تعمل فيه الأسنّة، فكيف تعمل فيه الأسنان. ويقال أنه طعنه بعض الخوارج، وعليه درع، فأقام المعتصم ظهره فقصم الرمح نصفين. وكان يشد يده على كتابة الدينار فيمحوها، ويأخذ عمود الحديد فيلويه حتى يصير طوقا في العنق.
إبراهيم بن الأشتر النخعي كان من الشجعان المعدودين، حارب عبيد الله بن زياد وهو في أربعة آلاف، وعبيد الله في سبعين ألفا، فظهر به وقتله بيده وهزم جيشه. عبد الله بن الحر الجعفي، شجاع شاعر فاتك له وقائع عظيمة هائلة، وأخباره في الشجاعة مشهورة.
جحدر بن ربيعة العكلي، كان بطلا شجاعا فاتكا مغيرا شاعرا، قهر أهل اليمامة، وأبادهم، فبلغ ذلك الحجاج بن يوسف، فكتب إلى عامله يوبخه بتغلب جحدر عليه، ويأمر بالتجرد له حتى يقتله، أو يحمله إليه أسيرا، فوجّه العامل إليه فتية من بني حنظلة، وجعل لهم جعلا عظيما إن هم قتلوا جحدرا أو أتوا به أسيرا، فتوجه الفتية في طلبه حتى إذا كانوا قريبا منه أرسلوا يقولون له أنهم يريدون الانقطاع إليه والارتفاق به، فوثق بذلك منهم، وسكن إلى قولهم، فبينما هو معهم يوما إذ وثبوا عليه فشدوه وثاقا، وقدموا به على العامل، فوجه به إلى الحجاج معهم، فلما قدموا به عليه ومثل بين يديه قال له: أنت جحدر؟ قال:
نعم، أصلح الله الأمير. قال: ما جرأك على ما بلغني عنك؟ قال: أصلح الله الأمير: كلب الزمان «٢» ، وجفوة السلطان وجرأة الجنان. قال: وما بلغ من أمرك؟ قال: لو ابتلاني «٣» الأمير، وجعلني مع الفرسان لرأى مني ما يعجبه، قال: فتعجب الحجاج من ثبات عقله، ومنطقه، ثم قال: يا جحدر إني قاذف بك في حاجر فيه أسد عظيم، فإن قتلك كفانا مؤنتك، وإن قتلته عفونا عنك. قال:
أصلح الله الأمير قرب الفرج إن شاء الله تعالى، فأمر به، فصفدوه بالحديد، ثم كتب إلى عامله أن يرتاد له أسدا ويحمله إليه، فتحيل العامل وارتاد له أسدا كان كاسرا خبيثا قد أفنى عامة المواشي، فتحيلوا حتى أخذوه وصيروه في تابوت وسحبوه على عجل، فلما قدموا به على الحجاج أمر به فألقي في الحاجر ولم يطعم شيئا ثلاثة أيام حتى جاع واستكلب، ثم أمر بجحدر أن ينزلوه إليه، فأعطوه سيفا وأنزلوه إليه مقيدا، وأشرف الحجاج والناس حوله ينظرون إلى الأسد ما هو صانع بجحدر، فلما نظر الأسد إلى جحدر نهض ووثب وتمطّى وزعق زعقة دويت منها الجبال، وارتاعت أهل الأرض، فشد عليه جحدر، وهو ينشد ويقول:
ليث وليث في مجال ضنك ... كلاهما ذو قوة وسفك
وصولة وبطشة وفتك ... إن يكشف الله قناع الشكّ
فأنت لي في قبضتي وملكي ثم دنا منه وضربه بسيفه ففلق هامته، فكبّر الناس وأعجب الحجاج ذلك، وقال: لله درك ما أنجبك، ثم أمر به، فأخرج من الحاجر وفك عنه قيوده وقال له: اختر إما أن تقيم معنا فنكرمك، ونقرب من منزلتك وإما أن نأذن لك، فتلحق ببلادك وأهلك على أن تضمن لنا أن لا تحدث بها حدثا، ولا تؤذي بها أحدا، قال: بل أختار
стр. 227
صحبتك أيها الأمير، فجعله من سمّاره وخواصه، ثم لم يلبث أن ولاه على اليمامة. وكان من أمره ما كان.
المهلب بن أبي صفرة كان من الشجعان، ومن الأبطال المعدودة، وأولاده كلهم أنجاد أبطال إلا أن المغيرة من بينهم كان أشد تمكنا، وكان المهلب يقول: ما شهد معي المغيرة حربا إلا رأيت البشرى في وجهه. وحمل عليه بعض الشجعان، وفي يديه شجرة، فلما رآها نكس رأسه على قربوس السرج، وحمل من تحتها فبراها بسيفه. وكان المهلب يقول: أشجع الناس ثلاثة: ابن الكلبية «١» ، وأحمر قريش، وراكب البغلة، فابن الكلبية «٢» مصعب بن الزبير، وأحمر قريش عمر بن عبيد الله بن معمر ما لقي خيلا قط إلا فرّقها. وراكب البغلة عباد بن الحصين ما كان قط في كربة إلا فرجها وهو من الإسلام. وكان للمهلب في الحروب مكايد مشهورة ووقائعه أبادت الخوارج بعد أن كانوا قد استولوا على المسلمين، وكان سيدا كريما، مات حتف أنفه، وكذلك ابنه المغيرة، وفيه يقول زياد الأعجم:
مات المغيرة بعد طول تعرّض ... للقتل بين أسنّة وصفائح
وكان في الخوارج فوارس مشهورة لا تثبت لهم الرجال، وذكرهم يطول، ويخرج عما أردناه. فمنهم: أبو بلال مرداس خرج في أربعين فهزم ألفين. وشبيب الخارجي الذي غرق في الفرات، نذرت امرأته غزالة أن تصلي في جامع الكوفة ركعتين تقرأ في الأولى البقرة وفي الثانية آل عمران، فعبر بها جسر الفرات وأدخلها الجامع، ووقف على بابه يحميها حتى وفت بنذرها، والحجاج في الكوفة في خمسين ألفا. ومنهم قطري بن الفجاءة كان رأس الخوارج، وخاطبوه بأمير المؤمنين، وعظموه وبجلوه، وأشعاره في الشجاعة تدل على مكانه منها، قتل في بعض وقائع الخوارج.
(الطبقة الثالثة) :
معن بن زائدة الشيباني قتله الخوارج بسجستان في أيام المهدي. الوليد بن طريف الشيباني قتله يزيد بن مزيد.
عمرو بن حنيف كان من الفرسان المعدودة، نقل عنه أنه كان يتصيد، فتتبع حمار وحش وما زال يركض إلى أن حاذاه، فجمع رجليه ووثب من على فرسه وصار على ظهر حمار الوحش، وصار يحز عنقه بسيف أو سكين في يده حتى قتله.
أبو دلف القاسم بن عيسى العجلي فارس بطل شاعر نديم جامع لما تفرق في غيره، طعن فارسين رديفين، فأنفذ الرمح من ظهريهما، وحمل برمحه أربعة نفر، وفيه يقول بكر بن النطاح:
قالوا وينظم فارسين بطعنة ... يوم اللقاء ولا يراه جليلا
لا تعجبوا لو كان مدّ قناته ... ميلا إذا نظم الفوارس ميلا «٣»
وسأله يوما رجل شيئا، فقال له: أتسأل وجدّك القائل:
ومن يفتقر منّا يعش بحسامه ... ومن يفتقر من سائر الناس يسأل
وإنّا لنلهو بالسيوف كما لهت ... فتاة بعقد أو سحاب قرنفل
فخرج الرجل، فجرد سيفه، فلم يصادفه في طريقه إلا وكيل لأبي دلف ومعه مال جزيل، فاستلبه منه وقتله، فبلغ الخبر أبا دلف فقال: دعوه، فإني علّمته على نفسي.
بكر بن النطاح بطل شجاع فارس فاتك له أشعار مشهورة، وأخبار مذكورة.
ومما جاء في مدح السيف:
قال رسول الله ﷺ : «الخير في السيف والخير مع السيف والخير بالسيف» . وكان صمصام عمرو أشهر سيوف العرب، وممن تمثل به نهشل، فقال:
أخ ماجد ما خانني يوم مشهد ... كما سيف عمرو لم تخنه مضاربه
ولما وهبه عمرو لخالد بن سعيد بن العاص عامل رسول الله ﷺ على اليمن قال:
خليلي لم أخنه ولم يخنّي ... إذا ما صاب أوساط العظام
خليلي لم أهبه من قلاه ... ولكنّ المواهب للكرام
حبوت به كريما من قريش ... فسّر به وصين عن اللئام
وودّعت الصّفي صفيّ نفسي ... على الصمصام أضعاف السلام
стр. 228
ولم يزل في آل سعيد حتى اشتراه خالد بن عبد الله القسري بمال جزيل لهشام، وكان قد كتب إليه فيه، فلم يزل عند بني مروان، ثم طلبه السفاح والمنصور والمهدي، فلم يجدوه، فجد الهادي في طلبه حتى ظفر به، وكان مكتوبا عليه هذا البيت:
ذكر على ذكر يصول بصارم ... ذكر يمان في يمين يماني
وقال ابن الرومي:
لم أر شيئا حاضرا نفعه ... للمرء كالدرهم والسيف «١»
يقضي له الدرهم حاجاته ... والسيف يحميه من الحيف «٢»
وقال زيد بن علي ﵄:
السيف يعرف عزمي عند هزّته ... والرمح بي خبر والله لي وزر «٣»
إنّا لنأمل ما كانت أوائلنا ... من قبل تأمله إن ساعد القدر
وقال عبد الله بن طاهر:
يبيت ضجيعي السيف طورا وتارة ... يعض بهامات الرجال مضاربه
أخو ثقة أرضاه في الروع صاحبا ... وفوق رضاه إنني أنا صاحبه
وليس أخو العلياء إلا فتى له ... بها كلف ما تستقر ركائبه
وقدم عروة بن الزبير على عبد الملك بن مروان بعد قتل أخيه عبد الله، فطلب منه سيف الزبير، وقال له: رده عليّ، فإنه السيف الذي أعطاه رسول الله ﷺ له يوم حنين، فقال له عبد الملك: أو تعرفه؟ قال: نعم. قال:
بماذا؟ قال: أعرفه بما لا تعرف به سيف أبيك «٤» . أعرفه بقول الشاعر:
ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم ... بهنّ فلول من قراع الكتائب «٥»
وقال الأجدع الهمداني:
لقد علمت نسوان همدان أنّني ... لهنّ غداة الروع غير خذول
وأبذل في الهيجاء وجهي وإنّني ... له في سوى الهيجاء غير بذول
وقال آخر:
عشرون ألف فتى ما منهم أحد ... إلّا كألف فتى مقدامة بطل
راحت مزاودهم مملوءة أملا ... ففرّغوها وأوكوها من الأجل «٦»
ومن أخبار الشجعان ما حكاه الفضل بن يزيد:
قال: نزل علينا بنو ثعلب في بعض السنين، وكنت مشغوفا بأخبار العرب أن أسمعها وأجمعها، فبينما أنا أدور في بعض أحيائهم إذا أنا بامرأة واقفة في فناء خبائها، وهي آخذة بيد غلام قلّما رأيت مثله في حسنه وجماله، له ذؤابتان كالسبج «٧» المنظوم، وهي تعاتبه بلسان رطب وكلام عذب تحن إليه الأسماع وترتاح له القلوب، وأكثر ما أسمع منها أي بني، وهو يبتسم في وجهها قد غلب عليه الحياء والخجل، كأنه جارية بكر لا يرد جوابا.
فاستحسنت ما رأيت، واستحليت ما سمعت، فدنوت منه وسلمت، فرد عليّ السلام، فوقفت أنظر إليها.
فقالت: يا حضري ما حاجتك؟ فقلت: الاستكثار مما أسمع والاستمتاع بما أرى من هذا الغلام.
فقالت يا حضري: إن شئت سقت إليك من خبره ما هو أحسن من منظره. فقلت: قد شئت يرحمك الله. فقالت:
حملته والرزق عسر، والعيش نكد حملا خفيفا حتى مضت له تسعة أشهر، وشاء الله أن أضعه، فوضعته خلقا سويا، فوربك ما هو إلا أن صار ثالث أبويه حتى أفضل الله ، وأعطى وأتى من الرزق بما كفى وأغنى، ثم أرضعته حولين كاملين، فلما استتم الرضاع نقلته من خرق المهد إلى فراش أبيه، فربي كأنه شبل أسد أقيه برد الشتاء، وحر الهجير، حتى إذا مضت له خمس
стр. 229
سنين أسلمته إلى المؤدب، فحفّظه القرآن، فتلاه، وعلّمه الشعر فرواه، ورغب في مفاخر قومه وآبائه وأجداده، فلما أن بلغ الحلم واشتد عظمه وكمل خلقه حملته على عتاق الخيل فتفرّس «١» وتمرّس «٢» ولبس السلاح ومشى بين بويتات الحي الخيلاء، فأخذ في قرى الضيف وإطعام الطعام، وأنا عليه وجلة أشفق عليه من العيون أن تصيبه، فاتفق أن نزلنا بمنهل «٣» من المناهل بين أحياء العرب، فخرج فتيان الحي في طلب ثأر لهم، وشاء الله تعالى أن أصابته وعكة شغلته عن الخروج، حتى إذا أمعن القوم، ولم يبق في الحي غيره، ونحن آمنون وادعون، ما هو إلا أن أدبر الليل وأسفر الصباح حتى طلعت علينا غرر الجياد وطلائع العدو، فما هو إلا هنيهة حتى أحرزوا الأموال دون أهلها، وهو يسألني عن الصوت، وأنا أستر عنه الخبر إشفاقا عليه وضنّا به، حتى إذا علت الأصوات وبرزت المخدرات «٤» رمى دثاره «٥» وثار كما يثور الأسد، وأمر بإسراج فرسه، ولبس لأمة حربه، وأخذ رمحه بيده ولحق حماة القوم، فطعن أدناهم منه فرمى به، ولحق أبعدهم منه فقتله، فانصرفت وجوه الفرسان، فرأوه صبيا صغيرا لا مدد وراءه فحملوا عليه، فأقبل يؤم البيوت. ونحن ندعو الله له بالسلامة، حتى إذا مدّهم وراءه وامتدوا في أثره عطف عليهم، ففرق شملهم وشتت جمعهم، وقلل كثرتهم ومزقهم كل ممزق، ومرق كما يمرق السهم، وناداهم: خلوا عن المال، فو الله لا رجعت إلا به، أو لأهلكن دونه، فانصرفت إليه الأقران، وتمايلت نحوه الفرسان، وتميزت له الفتيان، وحملوا عليه وقد رفعوا إليه الأسنّة، وعطفوا عليه بالأعنّة، فوثب عليهم وهو يهدر كما يهدر الفحل من وراء الإبل، وجعل لا يحمل على ناحية إلا حطمها، ولا كتيبة إلا مزقها حتى لم يبق من القوم إلا من نجا به فرسه، ثم ساق المال، وأقبل به، فكبّر القوم عند رؤيته، وفرح الناس بسلامته، فو الله ما رأينا قط يوما كان أسمح صباحا وأحسن رواحا من ذلك اليوم، ولقد سمعته يقول في وجوه فتيان الحي هذه الأبيات:
تأمّلن فعلي هل رأيتنّ مثله ... إذا حشرجت نفس الجبان من الكرب «٦»
وضاقت عليه الأرض حتى كأنّه ... من الخوف مسلوب العزيمة والقلب
ألم أعط كلا حقّه ونصيبه ... من السمهري اللدن والمرهف العضب «٧»
أنا ابن أبي هند بن قيس بن مالك ... سليل المعالي والمكارم والسّيب «٨»
أبى لي أن أعطي الظلامة مرهف ... وطرف قويّ الظهر والجوف والجنب
وعزم صحيح لو ضربت بحدّه ال ... جبال الرواسي لانحططن إلى الترب
وعرض نقي أتّقي أن أعيبه ... وبيت شريف في ذرى ثعلب الغلب
فإن لم أقاتل دونكنّ وأحتمي ... لكن وأحميكنّ بالطعن والضرب
فلا صدّق اللاتي مشين إلى أبي ... يهنّينه بالفارس البطل الندب «٩»
وقال الشاعر:
آراؤهم ووجوههم وسيوفهم ... في الحادثات إذا دجون نجوم «١٠»
منها معالم للهدى ومصابح ... تجلو الدجى والأخريات رجوم «١١»
وقال آخر:
فوارس قوّالون للخيل أقدمي ... وليس على غير الرؤوس مجال
بأيديهم سمر العوالي كأنّما ... تشيب على أطرافهن ذبال
وقال آخر:
قوم إذا اقتحموا العجاج رأيتهم ... شمسا وخلت وجوههم أقمارا
стр. 230
لا يعدلون برفدهم عن سائل ... عدل الزمان عليهم أو جارا
وإذا الصريخ دعاهم لملمّة ... بذلوا النفوس وفارقوا الأعمارا «١»
ذكر الجبن والجبناء وأخبارهم وما جاء عنهم
قد استعاذ سيدنا رسول الله ﷺ من الجبن، فقال:
«اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، وأعوذ بك من العجز والكسل، وأعوذ بك من الجبن والبخل، وأعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال» . نعوذ بالله مما استعاذ منه سيد الخلق رسول الله ﷺ ويكفيك أن يقال في وصف الجبان، إن أحس بعصفور طار فؤاده، وإن طنت بعوضة طال سهاده، يفزع من صرير الباب، ويفلق من طنين الذباب، إن نظر إليه شزرا أغمي عليه شهرا يحسب خفوق الرياح قعقعة الرماح، قال الشاعر:
إذا صوّت العصفور طار فؤاده ... وليث حديد الناب عند الثرائد «٢»
وكان حسان بن ثابت ﵁ من الجبناء، روي عن ابن الزبير أنه قال: كان حسان في قاع أطم «٣» مع النساء يوم الخندق، فأتاهم في ذلك اليوم يهودي يطوف بالحصن، فقالت صفية بنت عبد المطلب ﵂:
يا حسان إن هذا اليهودي كما ترى يطوف بالحصن، وإني والله ما آمنه أن يدل على عوراتنا من وراءه من اليهود، فانزل إليه فاقتله. فقال: يغفر الله لك يا بنت عبد المطلب، لقد عرفت ما أنا بصاحب هذا، قال:
فاعتجرت صفية «٤» ، ثم أخذت عمودا ونزلت من الحصن، فضربته بالعمود حتى قتلته، ورجعت إلى الحصن، فقالت: يا حسان قم إليه فاسلبه، فإنه ما منعني من سلبه إلا أنه رجل، فقال: ما لي بسلبه من حاجة.
وقيل: كان لفتى من قريش جارية مليحة الوجه حسنة الأدب، وكان يحبها حبا شديدا، فأصابته إضاقة وفاقة، فاحتاج إلى ثمنها، فحملها إلى العراق، وكان ذلك في زمن الحجاج بن يوسف، فابتاعها منه الحجاج فوقعت منه بمنزلة، فقدم عليه فتى من ثقيف من أقاربه، فأنزله قريبا منه، وأحسن إليه، فدخل على الحجاج، والجارية تكبسه «٥» ، وكان الفتى جميلا، فجعلت الجارية تسارقه النظر، ففطن الحجاج بها، فوهبها له، فأخذها وانصرف، فباتت معه ليلتها وهربت بغلس فأصبح لا يدري أين هي، وبلغ الحجاج ذلك، فأمر مناديا أن ينادي برئت الذمة ممن رأى وصيفة من صفتها كذا وكذا، أو لم يحضرها، فلم يلبث أن أتي له بها، فقال لها الحجاج: يا عدوة الله كنت عندي من أحب الناس إليّ، فاخترت ابن عمي شابا حسن الوجه، ورأيتك تسارقينه النظر، فعلمت أنك شغفت به، فوهبتك له، فهربت من ليلتك.
فقالت: يا سيدي، اسمع قصتي، ثم اصنع بي ما شئت. قال: هاتي ولا تخفي شيئا. قالت: كنت للفتى القرشي، فاحتاج إلى ثمني، فحملني إلى الكوفة، فلما قربنا منها دنا مني فوقع عليّ، فسمع زئير الأسد، فوثب واخترط سيفه وحمل عليه، وضربه، فقتله، وأتى برأسه، ثم أقبل عليّ وما برد ما عنده، ثم قضى حاجته، وإن ابن عمك هذا الذي اخترته لي لما أظلم الليل قام إليّ، فلما علا بطني وقعت فأرة من السقف، فضرط، ثم غشي عليه، فمكث زمانا طويلا وأنا أرش عليه الماء، وهو لا يفيق، فخفت أن يموت، فتتهمني به، فهربت فزعا منك. فما ملك الحجاج نفسه من شدة الضحك، وقال:
ويحك اكتمي هذا ولا تعلمي به أحدا. قالت: على أن لا تردني إليه. قال: لك ذلك.
وحدّث جار لأبي حنيفة النميري قال: كان لأبي حنيفة سيف ليس بينه وبين العصا فرق، وكان يسميه لعاب المنية فأشرفت عليه ذات ليلة وقد انتضاه، وهو واقف على باب بيته، وقد سمع حسا في داره، وهو يقول: أيها المغتر بنا المجترىء علينا، بئس والله ما اخترت لنفسك خير قليل، وسيف صقيل، وهو لعاب المنية الذي سمعت به. أخرج بالعفو عنك قبل أن أدخل بالعقوبة عليك، ثم فتح الباب على وجل، فإذا كلب قد خرج، فقال: الحمد لله الذي مسخك كلبا وكفانا حربا.
وخرج المعتصم يوما إلى بعض متصيداته، فظهر له أسد، فقال لرجل من أصحابه أعجبه قوامه وسلاحه وتمام خلقه. أفيك خير يا رجل؟ قال: لا، فضحك المعتصم، وقال: قبّح الله الجبان.
стр. 231
ورأى الإسكندر سميّا له لا يزال ينهزم، فقال له يا رجل: إما أن تغير فعلك، وإما أن تغير إسمك.
ووقع في بعض العساكر ضجة، فوثب خراساني إلى دابته ليلجمها، فصيّر اللجام في الذنب من الدهش، وقال يخاطب الفرس: هب جبهتك عرضت، فناصيتك كيف طالت.
وخرج أسلم بن زرعة الكلابي في ألفين لمحاربة أبي بلال مرداس، وكان مرداس في أربعين، فانهزم أسلم منه، فلاموه على ذلك، وذمه ابن أبي زياد، فقال: لأن يذمني ابن أبي زياد حيا أحب إليّ من أن يمدحني ميتا. وكان أسلم بعد ذلك إذا خرج إلى السوق ومر بصبيان صاحوا به أبو بلال وراءك، فكبر ذلك عليه، فشكاهم إلى ابن أبي زياد، فأمر صاحب الشرطة أن يكفهم عنه. وفي ذلك يقول بعضهم شعرا:
يقول جبان القوم في حال سكره ... وقد شرب الصهباء هل من مبارز
وأين الخيول الأعوجيات في الوغى ... أنازل منهم كلّ ليث مناهز «١»
ففي السكر قيس وابن معدي وعامر ... وفي الصحو تلقاه كبعض العجائز
هذا ما انتهى إلينا من هذا الباب، والحمد لله الكريم الوهاب، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه الطاهرين، والحمد لله رب العالمين.
الباب الثاني والأربعون في المدح والثناء وشكر النعمة والمكافأة
وفيه فصول
الفصل الأول في المدح والثناء
المدح وصف الممدوح بأخلاق يمدح عليها صاحبها، يكون نعتا حميدا، وهذا يصح من المولى في حق عبده، فقد قال الله تعالى في حق نبيه أيوب ﵊:
إِنَّا وَجَدْناهُ صابِراً نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ
«٢» . وقال تعالى لنبيه محمد ﷺ : وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ٤
«٣» وقال تعالى:
قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ١ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ ٢
«٤» .
إلى آخر الآية، فعلى هذا يجوز مدح الإنسان بما فيه من الأخلاق الحميدة. وأما قوله ﷺ : «إذا رأيتم المادحين فاحثوا في وجوههم التراب» «٥» ! فقد قال العتبي: هو المدح الباطل والكذب، وأما مدح الرجل بما فيه فلا بأس به.
وقد مدح أبو طالب والعباس وحسان وكعب وغيرهم رسول الله ﷺ ولم يبلغنا أنه حثا في وجه مادح ترابا، وقد مدح هو ﷺ المهاجرين والأنصار ﵁.
وفي حثو التراب معنيان: أحدهما التغليظ في الرد عليه، والثاني كأنه يقال له: بكفّيك التراب. وكان أبو بكر الصديق ﵁ إذا مدح قال: اللهم أنت أعلم بي من نفسي، وأنا أعلم بنفسي منهم، اللهم اجعلني خيرا مما يحسبون، واغفر لي ما لا يعلمون ولا تؤاخذني بما يقولون.
ومدح سارية الديلي رسول الله ﷺ وهو سارية الذي أمره عمر ﵁ على السرية، وناداه في خطبته بقوله: يا سارية الجبل، فمن مدحه في رسول الله ﷺ قوله:
فما حملت من ناقة فوق ظهرها ... أبر وأوفى ذمة من محمد
وهو أصدق بيت قالته العرب.
ومن أحسن ما مدحه به حسان ﵁ قوله:
وأحسن منك لم تر قطّ عيني ... وأجمل منك لم تلد النساء
خلقت مبرّأ من كل عيب ... كأنك قد خلقت كما تشاء
ومن أحسن ما مدحه به عبد الله بن رواحة الأنصاري ﵁ قوله:
لو لم تكن فيه آيات مبيّنة ... كانت بديهته تنبيك بالخبر
стр. 232
ولما حججت وزرته ﷺ ، تطفلت على جنابه المعظم وامتدحته بأبيات مطولة، وأنشدتها بين يديه بالحجرة الشريفة تجاه الصندوق الشريف وأنا مكشوف الرأس، وأبكي من جملتها:
يا سيد السادات جئتك قاصدا ... أرجو رضاك وأحتمي بحماكا
والله يا خير الخلائق إنّ لي ... قلبا مشوقا لا يروم سواكا
ووحق جاهك إنني بك مغرم ... والله يعلم إنني أهواكا
أنت الذي لولاك ما خلق امرؤ ... كلّا ولا خلق الورى لولاكا
أنت الذي من نورك البدر اكتسى ... والشمس مشرقة بنور بهاكا
أنت الذي لمّا رفعت إلى السما ... بك قد سمت وتزينت لسراكا «١»
أنت الذي ناداك ربك مرحبا ... ولقد دعاك لقربه وحباكا «٢»
أنت الذي فينا سألت شفاعة ... ناداك ربك لم تكن لسواكا
أنت الذي لمّا توسل آدم ... من ذنبه بك فاز وهو أباك
وبك الخليل دعا فعادت ناره ... بردا وقد خمدت بنور سناكا «٣»
ودعاك أيوب لضر مسّه ... فأزيل عنه الضر حين دعاكا
وبك المسيح أتى بشيرا مخبرا ... بصفات حسنك مادحا لعلاكا
وكذاك موسى لم يزل متوسّلا ... بك في القيامة مرتج لنداكا
والأنبياء وكلّ خلق في الورى ... والرسل والأملاك تحت لواكا
لك معجرات أعجزت كل الورى ... وفضائل جلّت فليس تحاكى «٤»
نطق الذراع بسمّه لك معلنا ... والضب قد لبّاك حين أتاكا
والذئب جاءك والغزالة قد أتت ... بك تستجير وتحتمي بحماكا
وكذا الوحوش أتت إليك وسلّمت ... وشكا البعير إليك حين رآكا
ودعوت أشجارا أتتك مطيعة ... وسعت إليك مجيبة لنداكا
والماء فاض براحتيك وسبّحت ... صمّ الحصى بالفضل في يمناكا
وعليك ظلّلت الغمامة في الورى ... والجذع حنّ إلى كريم لقاكا «٥»
وكذاك لا أثر لمشيك في الثرى ... والصخر قد غاصت به قدماكا
وشفيت ذا العاهات من أمراضه ... وملأت كلّ الأرض من جدواكا «٦»
ورددت عين قتادة بعد العمى ... وابن الحصين شفيته بشفاكا
وكذا حبيب وابن عفرا عندما ... جرحا شفيتهما بلمس يداكا
وعلي من رمد به داويته ... في خيبر فشفي بطيب لماكا «٧»
وسألت ربّك في ابن جابر بعدما ... قد مات أحياه وقد أرضاكا
ومسست شاة لأمّ معبد بعدما ... نشفت فدرّت من شفا رقياكا
ودعوت عام المحل ربّك معلنا ... فانهلّ قطر السحب عند دعاكا
ودعوت كلّ الخلق فانقادوا إلى ... دعواك طوعا سامعين نداكا
وخفضت دين الكفر يا علم الهدى ... ورفعت دينك فاستقام هناكا
стр. 233
أعداك عادوا في القليب بجهلهم ... صرعى وقد حرموا الرضا بجفاكا «١»
في يوم بدر قد أتتك ملائك ... من عند ربّك قاتلت أعداكا
والفتح جاءك يوم فتحك مكة ... والنصر في الأحزاب قد وافاكا
هود ويونس من بهاك تجمّلا ... وجمال يوسف من ضياء سناكا
قد فقت يا طه جميع الأنبيا ... نورا فسبحان الذي سوّاكا
والله يا ياسين مثلك لم يكن ... في العالمين وحق من نبّاكا «٢»
عن وصفك الشعراء يا مدثر ... عجزوا وكلّوا عن صفات علاكا «٣»
إنجيل عيسى قد أتى بك مخبرا ... وأتى الكتاب لنا بمدح حلاكا
ماذا يقول المادحون وما عسى ... أن يجمع الكتّاب من معناكا
والله لو أنّ البحار مدادهم ... والعشب أقلام جعلن لذاكا
لم تقدر الثقلان تجمع ذرة ... أبدا وما اسطاعوا له إدراكا
لي فيك قلب مغرم يا سيدي ... وحشاشة محشوة بهواكا
فإذا سكتّ ففيك صمتي كلّه ... وإذا نطقت فمادح علياكا
وإذا سمعت فعنك قولا طيبا ... وإذا نظرت فلا أرى إلّاكا
يا مالكي كن شافعي من فاقتي ... إنّي فقير في الورى لغناكا
يا أكرم الثقلين يا كنز الورى ... جد لي بجودك وارضني برضاكا
أنا طامع في الجود منك ولم يكن ... لابن الخطيب من الأنام سواكا
فعساك تشفع فيه عند حسابه ... فلقد غدا مستمسكا بعراكا «٤»
ولأنت أكرم شافع ومشفع ... ومن التجا لحماك نال وفاكا
فاجعل قراي شفاعة لي في غد ... فعسى أرى في الحشر تحت لواكا
صلّى عليك الله يا خير الورى ... ما حنّ مشتاق إلى مثواكا
وعلى صحابتك الكرام جميعهم ... والتابعين وكل من والاكا
وماذا عسى أن يقول المادحون في وصف من مدحه الله تعالى وأثنى عليه، وقد قال ﷺ : «أنا سيد ولد آدم، ولا فخر» ، والله لو أن البحار مداد، والأشجار أقلام، وجميع الخلائق كتّاب لما استطاعوا أن يجمعوا النزر اليسير من بعض صفاته، ولكلّوا عن الإتيان ببعض بعض وصف معجزاته ﷺ .
ومدح رجل هشام بن عبد الملك، فقال له: يا هذا إنه قد نهي عن مدح الرجل في وجهه، فقال: ما مدحتك، ولكن ذكّرتك نعم الله عليك لتجدد لها شكرا، فقال له هشام: هذا أحسن من المدح، ووصله وأكرمه.
وكتب رجل إلى عبد الله بن يحيى بن خاقان: رأيت نفسي فيما أتعاطى من مدحك كالمخبر عن ضوء النهار الباهر، والقمر الزاهر، وأيقنت أني حيث انتهي من القول منسوب إلى العجز مقصر عن الغاية، فانصرفت عن الثناء عليك إلى الدعاء لك، ووكلت الإخبار عنك إلى علم الناس بك.
وقال الحارث بن ربيعة في رجل من آل المهلب:
فتى دهره شطران فيما ينوبه ... ففي بأسه شطر وفي جوده شطر
فلا من بغاة الخير في عينه قذى ... ولا من زئير الحرب في أذنه وقر «٥»
وقال أعرابي لرجل: لا يذمّ بلد أنت تأويه، ولا يشتكى زمان أنت فيه. وكان الحجاج يستثقل زياد بن عمرو العكلي، فلما قدم على عبد الملك بن مروان قال: يا أمير
стр. 234
المؤمنين، إن الحجاج سيفك الذي لا ينبو، وسهمك الذي لا يطيش، وخادمك الذي لا تأخذه فيك لومة لائم. فلم يكن بعد ذلك على قلب الحجاج أخفّ منه.
وقال رجل آخر: أنت بستان الدنيا، فقال له: وأنت النهر الذي يسقى منه ذلك البستان. وقال رجل لأبي عمرو الزاهد صاحب كتاب الياقوتة في اللغة: أنت والله عين الدنيا، فقال له: وأنت والله نور تلك العين. وقال القاسم بن أمية بن أبي الصلت الثقفي:
قوم إذا نزل الغريب بدارهم ... تركوه ربّ صواهل وقيان «١»
وإذا دعوتهم ليوم كريهة ... سدّوا شعاع الشمس بالفرسان
وقال أوس بن حاتم الطائي:
فإن تنكحي مارية الخير حاتما ... فما مثله فينا ولا في الأعاجم
فتى لا يزال الدهر أكبر همّه ... فكاك أسير أو معونة غارم
وقال ابن حمدون في آل المهلب:
آل المهلب معشر أمجاد ... ورثوا المكارم والوفاء فسادوا
شاد المهلب ما بنى آباؤه ... وأتى بنوه ما بناه فشادوا
وكذاك من طابت مغارس نبته ... وبنى له الآباء والأجداد
وكان الفرزدق هجّاء لعمر بن هبيرة، فلما سجن ونقب له السجن وسار هو وبنوه تحت الأرض، قال الفرزدق:
ولما رأيت الأرض قد سدّ ظهرها ... ولم يبق إلّا بطنها لك مخرجا
دعوت الذي ناداه يونس بعدما ... ثوى في ثلاث مظلمات ففرجا
فقال ابن هبيرة: ما رأيت أشرف من الفرزدق هجاني أميرا ومدحني أسيرا.
وقال سري بن عبد الرحمن الرفّاء في خالد بن حاتم:
يا واحد العرب الذي دانت له ... قحطان قاطبة وساد نزارا
إني لأرجو إن لقيتك سالما ... أن لا أعالج بعدك الأسفارا «٢»
وقال كعب بن مالك الأنصاري في آل هاشم:
يا آل هاشم الإله حباكم ... ما ليس يبلغه اللسان المفصل
قوم لأصلهم السيادة كلّها ... قدما وفرعهم النبي المرسل
وقال الحسين بن دعبل الخزاعي:
ملك الأمور بجوده وحسامه ... شرفا يقود عدوّه بزمامه
فأطاع أمر الجود في أمواله ... وأطاع أمر الله في أحكامه
وقال آخر:
يلقى السيوف بصدره وبنحره ... ويقيم هامته مقام المغفر «٣»
ويقول للطرف اصطبر لسني القنا ... فعقرت ركن المجد إن لم تعقر «٤»
وإذا تراءى شخص ضيف مقبل ... متسربل أثواب محل أغبر
أومى إلى الكوماء هذا طارق ... نحرتني الأعداء إن لم تنحر «٥»
وقال شاعر بني تميم:
إذا لبسوا عمائمهم طووها ... على كرم وإن سفروا أناروا
يبيع ويشتري لهم سواهم ... ولكن بالطعان هم تجار
إذا ما كنت جار بني تميم ... فأنت لأكرم الثقلين جار
وقالت امرأة، من بني نمير، وقد حضرتها الوفاة، وأهلها مجتمعون: من ذا الذي يقول:
стр. 235
لعمري ما رماح بني نمير ... بطائشة الصدور ولا قصار
قالوا: زياد الأعجم. قالت: أشهدكم أن له الثلث من مالي، وكان مالا كثيرا.
وأثنى رجل على رجل، فقال: هو أفصح أهل زمانه إذا حدّث، وأحسنهم استماعا إذا حدّث وأمسكهم عن الملاحاة إذا خولف، يعطي صديقه النافلة ولا يسأله الفريضة، له نفس عن الفحشاء محصورة وعلى المعالي مقصورة كالذهب الإبريز الذي يعز كل أوان والشمس المنيرة التي لا تخفى بكل مكان، هو النجم المضيء للحيران، والمنهل البارد العذب للعطشان.
وقال الحسن بن هانىء «١» :
إذا نحن أثنينا عليك بصالح ... فأنت كما نثني وفوق الذي نثني
وإن جرت الألفاظ يوما بمدحه ... لغيرك إنسانا فأنت الذي نعني
وله في الفضل بن الربيع:
لقد نزلت أبا العباس منزلة ... ما إن ترى خلفها الأبصار مطّرحا
وكلت بالدهر عينا غير غافلة ... بجود كفك تأسو كلّ ما جرحا
وقال زياد الأعجم في محمد بن القاسم الثقفي:
إنّ المنابر أصبحت مختالة ... بمحمد بن القاسم بن محمد
قاد الجيوش لسبع عشرة حجّة ... يا قرب سورة سؤدد من مولد «٢»
ومن بدائع مدائح المتنبي قوله:
ليت المدائح تستوفي مناقبه ... فما كليب وأهل الأعصر الأول
خذ ما تراه ودع شيئا سمعت به ... في طلعة البدر ما يغنيك عن زحل
وقد وجدت مكان القول ذا سعة ... فإن وجدت لسانا قائلا فقل
ومدح أبو العتاهية عمرو بن العلاء، فأعطاه سبعين ألفا وخلع عليه خلعا سنية حتى أنه لم يستطع أن يقوم، فغار الشعراء منه، فجمعهم وقال: يا لله العجب ما أشد حسد بعضكم لبعض إن أحدكم يأتينا ليمدحنا فيتغزل في قصيدته بخمسين بيتا، فما يبلغنا حتى يذهب رونق شعره، وقد تشبب أبو العتاهية بأبيات يسيرة ثم قال:
إني أمنت من الزمان وصرفه ... لما علقت من الأمير حبالا
لو يستطيع الناس من إجلاله ... جعلوا له حرّ الوجوه نعالا
إن المطايا تشتكيك لأنّها ... قطعت إليك سباسبا ورمالا «٣»
فإذا وردن بنا وردن خفائفا ... وإذا صدرن بنا صدرن ثقالا «٤»
ووفد أبو نواس على الخصيب بمصر، فأذن له وعنده الشعراء، فأنشد الشعراء أشعارهم، فلما فرغوا قال أبو نواس: أنشد أيها الأمير قصيدة هي كعصا موسى تلقف ما صنعوا. قال: أنشدها، فأنشده قصيدته التي منها قوله:
إذا لم تزر أرض الخصيب ركابنا ... فأي فتى بعد الخصيب نزور
فتى يشتري حسن الثناء بماله ... ويعلم أن الدائرات تدور
فما فاته جود ولا ضلّ دونه ... ولكن يسير الجود حيث يسير
فاهتز الخصيب لها طربا، وأمر له بألف دينار ووصيف ووصيفة.
وحكي: أن أبا دلف سار يوما مع أخيه معقل، فرأيا امرأتين تتماشيان فقالت إحداهما للأخرى: هذا أبو دلف؟
قالت: نعم الذي يقول فيه الشاعر:
إنما الدنيا أبو دلف ... بين باديه ومحتضره «٥»
стр. 236
فإذا ولّى أبو دلف ... ولت الدنيا على أثره
فبكى أبو دلف حتى جرت دموعه، فقال له معقل: ما لك يا أخي تبكي؟ فقال: لأني لم أقض حق الذي قال هذا. قال: أولم تعطه مائة ألف درهم؟ قال: والله ما في نفسي حسرة إلا لكوني لم أعطه مائة ألف دينار. ويقال:
هذه المدحة، فأين المنحة؟
قال بعضهم:
إذا ما المدح صار بلا نوال ... من الممدوح كان هو الهجاء
وامتدح محمد بن سلطان المعروف بابن جيوش، محمد بن نصر صاحب حلب، فأجازه بألف دينار، ثم مات محمد بن نصر، وقام ولده نصر مقامه، فقصده محمد بن سلطان بقصيدة مدحه بها منها:
تباعدت عنكم حرمة لا زهادة ... وسرت إليكم حين مسّني الضرّ
فجاء أبو نصر بألف تصرّمت ... وإنّي عليم أنّ سيخلفها نصر
فلما فرغ من إنشادها، قال نصر: والله لو قال:
سيضعفها نصر لأضعفتها له، وأعطاه ألف دينار في طبق فضة.
ومدح بعض الشعراء وقيل: هو البديع الهمداني إنسانا فقال:
يكاد يحكيه صوب الغيث منسكبا ... لو كان طلق المحيا يمطر الذهبا «١»
والدهر لو لم يخن والشمس لو نطقت ... والليث لو لم يصد والبحر لو عذبا
وقال آخر:
أخو كرم يفضي الورى من بساطه ... إلى روض مجد بالسماح مجوّد
وكم لجباه الراغبين لديه من ... مجال سجود في مجالس جود
ويقال: فلان رقيق الجود ودخيله، وزميل الكرم ونزيله، وغرّة الدهر وتحجيله، مواهبه الأنواء، وصدره الدهناء. عونه موقوف على اللهيف، وغوثه مبذول للضعيف، يطفو جوده على موجوده، وهمته على قدرته، ينابيع الجود تتفجر من أنامله، وربيع السماح يضحك عن فواضله. إن طلبت كريما في جوده متّ قبل وجوده، أو ماجدا في أخلاقه متّ ولم تلاقه «٢» ، باسل تعود الأقدام حيث تزل الأقدام، وشجاع يرى الإحجام عارا لا تمحوه الأيام، له خلق لو مازح البحر لنفى ملوحته «٣» . وصفّى كدورته. خلق كنسيم الأشجار على صفحات الأنهار، وأطيب من زمن الورد في الأيام، وأبهج من نور البدر في الظلام، خلق يجمع الأهواء المتفرقة على محبته ويؤلف الآراء المتشتتة في مودته، هو ملح الأرض إذا فسدت وعمارة الدنيا إذا خربت، يحل دقائق الأشكال، ويزيل جلائل الإشكال. البيان أصغر صفاته والبلاغة عنوان خطراته، كأنما أوحي التوفيق إلى صدره وحبس الصواب بين طبعه وفكره، فهو يبعث بالكلام ويقوده بألين زمام حتى كأن الألفاظ تتحاسد في التسابق إلى خواطره، والمعاني تتغاير في الامتثال لأوامره، يوجز فلا يخل ويطنب فلا يمل، كلامه يشتد مرة حتى تقول الصخر أو أيبس ويلين تارة حتى تقول الماء أو أسلس، فهو إذا أنشا وشّى وإذا عبّر جبّر، وإذا أوجز أعجز، تاهت به الأيام وباهت في يمينه الأقلام، له أدب لو تصور شخصا لكان بالقلوب مختصا.
قال الشاعر:
له خلق على الأيام يصفو ... كما تصفو على الزمن العقار «٤»
وقال آخر:
لو كان يحوي الروض ناضر خلقه ... ما كان يذبل نوره بشتائه «٥»
أو قابل الأفلاك طالع سعده ... ما صار نحس في نجوم سمائه
وقال آخر:
стр. 237
ووجهك بدر في الغياهب مشرق ... وكفّك في شهب السنين غمام «١»
عجيب لبدر لا يزال أمامه ... سحاب ولا يغشاه منه ظلام
وأعجب من هذا غمام إذا سطا ... تلظّى مكان البرق منه حسام
وقال الحسين بن مطير الأسدي:
له يوم بؤس فيه للناس أبؤس ... ويوم نعيم فيه للناس أنعم
فيمطر يوم الجود من كفّه النّدى ... ويمطر يوم البؤس من كفّه الدم
فلو أنّ يوم البؤس خلّى عقابه ... على الناس لم يصبح على الأرض مجرم
ولو أنّ يوم الجود خلّى يمينه ... عن المال لم يصبح على الأرض معدم
وللشيخ جمال الدين بن نباتة:
والله ما عجبي لقدرك إنه ... قدر على باغي مداه بعيد «٢»
إلّا لكونك لست تشكو وحشة ... في هذه الدنيا وأنت وحيد «٣»
ولصفي الدين الحلّي:
أثني فتثنيني صفاتك مظهرا ... عيّا وكم أعيت صفاتك خاطبا
لو أنّني والخلق جمعا ألسن ... نثني عليك لما قضينا الواجبا
وللشيخ برهان الدين القيراطي:
أوصافكم تجري أحاديثها ... مجرى النجوم الزّهر في الأفق
كما أحاديث الندى عنكم ... تسنّدها الركبان من طرق «٤»
وللشيخ جمال الدين بن نباتة:
روت عنك أخبار المعالي محاسنا ... كفت بلسان الحال عن ألسن الحمد
فوجهك عن بشر وكفّك عن عطا ... وخلقك عن نبل ورأيك عن سعد
وقال غيره:
من زار بابك لم تبرح جوارحه ... تروي أحاديث ما أوليت من منن
فالعين عن قرة والكفّ عن صلة ... والقلب عن جابر والسمع عن حسن
ولأبي فراس بن حمدان:
لئن خلق الأنام لحب كأس ... ومزمار وطنبور «٥» وعود
فلم يخلق بنو حمدان إلّا ... لمجد أو لبأس أو لجود
وقال آخر:
إنّ الهبات التي جاد الكرام بها ... مطروقة وندى كفّيك مبتكر «٦»
ما زلت تسبق حتى قال حاسدكم ... له طريق إلى العلياء مقتصر
ولمحمد بن مناذر في آل برمك:
أتانا بنو الأملاك من آل برمك ... فيا طيب أخبار وأحسن منظر
لهم رحلة في كل عام إلى الندا ... وأخرى إلى البيت العتيق المنوّر
إذا نزلوا بطحاء مكة أشرقت ... بيحيى وبالفضل بن يحيى وجعفر
فما خلقت إلّا لجود أكفهم ... وأقدامهم إلّا لسعي مظفّر
إذا رام يحيى الأمر ذلّت صعابه ... وناهيك من داع له ومدبّر
ولما عزل إبراهيم بن المنذر عن صدقات البصرة تلقاه مجنون وأنشد:
стр. 238
ليت شعري أي قوم أجدبوا ... فأغيثوا بك من بعد العجف «١»
نظر الله لهم من بيننا ... وحرمناك بذنب قد سلف
يا أبا إسحاق سر في دعة «٢» ... وامض مصحوبا فما منك خلف
إنما أنت ربيع باكر ... حيثما صرّفه الله انصرف
وقال آخر:
لو كان يقعد فوق الشمس وارتفعوا ... قوم لقيل اقعدوا يا آل عباس
ثم ارتقوا في شعاع الشمس وارتفعوا ... إلى السماء فأنتم سادة الناس
وللحسين بن مطير الأسدي في المهدي:
لو يعبد الناس يا مهدي أفضلهم ... ما كان في الناس إلا أنت معبود
أضحت يمينك من جود مصورة ... لا بل يمينك منها صوّر الجود
لو أنّ من نوره مثقال خردلة ... في السود طرّا إذن لابيضت السود
وقال آخر:
أوليتني نعما وفضلا زائدا ... وبررتني حتى رأيتك والدا «٣»
أقسمت لو جاز السجود لمنعم ... ما كنت إلا راكعا لك ساجدا
وقال آخر:
ثناؤك في الدنيا من المسك أعطر ... وحظك في الدنيا جزيل موقر «٤»
وكفك بحر والأنامل أنهر ... رعى الله كفّا فيه بحر وأنهر
أعيذك بالرحمن من كل حاسد ... فلا زالت الحساد تغبى وتصغر «٥»
لساني قصير في مديحك سيدي ... لأنّي فقير والفقير مقصّر
الفصل الثاني من هذا الباب في شكر النعمة
أما الشكر الواجب على جميع الخلائق فشكر القلب، وهو أن يعلم العبد أن النعمة من الله ، وأن لا نعمة على الخلق من أهل السموات والأرض إلا وبدايتها من الله تعالى حتى يكون الشكر لله عن نفسك، وعن غيرك والدليل على أن الشكر محله القلب وهو المعرفة. قوله تعالى: وَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ
«٦» .
أيقنوا أنها من الله.
وقيل: الشكر معرفة العجز عن الشكر وقد روي أن داود ﵇ قال: إلهي كيف أشكرك وشكري لك نعمة من عندك، فأوحى الله تعالى إليه: الآن قد شكرتني. وفي هذا يقال الشكر على الشكر أتم الشكر.
ولمحمود الوراق:
إذا كان شكري نعمة الله نعمة ... عليّ له في مثلها يجب الشكر
فكيف بلوغ الشكر إلّا بفضله ... وإن طالت الأيام واتصل العمر
إذا مسّ بالسرّاء عمّ سرورها ... وإن مسّ بالضراء أعقبها الأجر
فما منهما إلّا له فيه نعمة ... تضيق بها الأوهام والسر والجهر
وفي مناجاة موسى ﵇: إلهي خلقت آدم بيدك، وفعلت وفعلت، فكيف أشكرك؟ فقال: إعلم إن ذلك مني، فكانت معرفته بذلك شكره لي. وأما شكر اللسان، فقد قال الله تعالى: وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ ١١
«٧» .
ويروى عن النعمان بن بشير ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : «من لم يشكر القليل لم يشكر الكثير، ومن لم يشكر الناس لم يشكر الله، والتحدث بالنعم شكر» .
وقال عمر بن عبد العزيز ﵁: تذكروا النعم، فإن ذكرها شكر. وأما الشكر الذي في الجوارح، فقد قال الله تعالى: اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْراً
«٨» الآية، فجعل العمل شكرا.
стр. 239
وروي أن النبي ﷺ قام حتى تورمت قدماه، فقيل له:
يا رسول الله: أتفعل هذا بنفسك وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: أفلا أكون عبدا لله شكورا.
وقال أبو هارون: دخلت على أبي حازم، فقلت له:
يرحمك الله ما شكر العينين: قال: إذا رأيت بهما خيرا ذكرته، وإذا رأيت بهما شرا سترته، قلت: فما شكر الأذنين؟ قال: إذا سمعت بهما خيرا حفظته، وإذا سمعت بهما شرا نسيته.
وفي حكمة إدريس ﵊: لن يستطيع أحد أن يشكر الله على نعمة بمثل الإنعام على خلقه ليكون صانعا إلى الخلق مثل ما صنع الخالق إليه، فإذا أردت أن تحرس دوام النعمة من الله تعالى عليك، فأدم مواساة الفقراء. وقد وعد الله تعالى عباده بالزيادة على الشكر، فقال تعالى: لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ
«١» . وقد جعل لعباده علامة يعرف بها الشاكر، فمن لم يظهر عليه المزيد علمنا أنه لم يشكر، فإذا رأينا الغني يشكر الله تعالى بلسانه، وماله في نقصان علمنا أنه قد أخلّ بالشكر، إما أنه لا يزكي ماله أو يزكيه لغير أهله، أو يؤخره عن وقته، أو يمنع حقا واجبا عليه من كسوة عريان، أو إطعام جائع أو شبه ذلك، فيدخل في قول النبي ﷺ : «لو صدق السائل ما أفلح من رده» .
قال الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ
«٢» . وإذا غيروا ما بهم من الطاعات غيّر الله ما بهم من الإحسان.
وقال بعض الحكماء من أعطي أربعا لم يمنع من أربع، من أعطي الشكر لا يمنع المزيد، ومن أعطي التوبة لا يمنع القبول، ومن أعطي الاستخارة لم يمنع الخيرة، ومن أعطي المشورة لم يمنع الصواب.
وقال المغيرة بن شعبة: أشكر من أنعم عليك وأنعم على من شكرك، فإنه لا بقاء للنعم إذا كفرت، ولا زوال لها إذا شكرت.
وكان الحسن يقول: ابن آدم متى تنفك «٣» من شكر النعمة وأنت مرتهن بها «٤» ، كلما شكرت نعمة تجد ذلك بالشكر أعظم منها عليك، فأنت لا تنفك بالشكر من نعمة إلا إلى ما هو أعظم منها «٥» .
وروي أن عثمان بن عفان ﵁ دعي إلى أقوام ليأخذهم على ريبة، فافترقوا قبل أن يأخذهم عثمان، فأعتق رقبة شكرا لله تعالى إذ لم يجر على يديه فضيحة مسلم.
ويروى أن نملة قالت لسليمان بن داود ﵉:
يا نبي الله أنا على قدري أشكر لله منك، وكان راكبا على فرس ذلول «٦» فخرّ ساجدا لله تعالى، ثم قال: لولا أني أبجلك لسألتك عن أن تنزع مني ما أعطيتني.
وقال صدقة بن يسار: بينما داود ﵇ في محرابه إذ مرت به دودة، فتفكر في خلقها، وقال: ما يعبأ الله بخلق هذه، فأنطقها الله تعالى له، فقال له: يا داود تعجبك نفسك، وأنا على قدر ما آتاني الله تعالى أذكر لله وأشكر له منك على ما آتاك.
وقال علي ﵁: احذروا إنفار النعم «٧» فما كل شارد مردود. وعنه ﵇: إذا وصلت إليكم أطراف النعم فلا تنفروا اتصالها بقلة الشكر. وقيل: إذا قصرت يداك عن المكافأة، فليطل لسانك بالشكر. وقال حكيم:
الشكر ثلاث منازل: ضمير القلب، ونشر اللسان «٨» ومكافأة اليد. قال الشاعر:
أفادتكم النعماء مني ثلاثة ... يدي ولساني والضمير المحجّبا
وقال ابن عائشة: كان يقال ما أنعم الله على عبد نعمة، فظلم بها إلا كان له حقا على الله تعالى أن يزيلها عنه، وأنشد أبو العباس بن عمارة في المعنى:
أعارك ماله لتقوم فيه ... بواجبه وتقضي بعض حقه
فلم تقصد لطاعته ولكن ... قويت على معاصيه برزقه
وقال آخر:
ولو أنّ لي في كل منبت شعرة ... لسانا يطيل الشكر كنت مقصّرا
стр. 240
وقال محمد بن حبيب الراوية: إذا قل الشكر خسر المن. وروي: إذا جحدت الصنيعة خسر الامتنان. وسئل بعض الحكماء: ما أضيع الأشياء؟ قال: مطر الجود في أرض سبخة لا يجف ثراها «١» ، ولا ينبت مرعاها، وسراج يوقد في الشمس «٢» ، وجارية حسناء تزف إلى أعمى «٣» ، وصنيعة تسدى إلى من لا يشكرها.
وقال عبد الأعلى بن حماد: دخلت على المتوكل، فقال: يا أبا يحيى: قد هممنا أن نصلك بخير فتدافعته الأمور، فقلت: يا أمير المؤمنين بلغني عن جعفر بن محمد الصادق أنه قال: من لم يشكر الهمة لم يشكر النعمة. وأنشدته:
لأشكرن لك معروفا هممت به ... فإنّ همّك بالمعروف معروف
ولا ألومك إن لم يمضه قدر ... فالشرّ بالقدر المحتوم مصروف
وقال أبو فراس بن حمدان:
وما نعمة مكفورة قد صنعتها ... إلى غير ذي شكر تمانعني أخرى
سآتي جميلا ما حييت فإنّني ... إذا لم أفد شكرا أفدت به أجرا
وقال عمر بن الخطاب ﵁: من امتطى الشكر بلغ به المزيد. وقيل: من جعل الحمد خاتمة النعمة جعله الله فاتحة للمزيد. وقال ابن السماك: النعمة من الله تعالى على عبده مجهولة، فإذا فقدت عرفت. وقيل: من لم يشكر على النعمة فقد استدعى زوالها. وكان يقال: إذا كانت النعمة وسيمة، فاجعل الشكر لها تميمة.
وقال حكيم: لا تصطنعوا ثلاثة، اللئيم فإنه بمنزلة الأرض السبخة، والفاحش فإنه يرى أن الذي صنعت إليه إنما هو لمخافة فحشه، والأحمق فإنه لا يعرف قدر ما أسديت إليه. وإذا اصطنعت الكريم فازرع المعروف واحصد الشكر. ودخل أبو نخيلة على السفاح لينشده، فقال: ما عسيت أن تقول بعد قولك لمسلمة:
أمسلمة يا فخر كلّ خليفة ... ويا فارس الدنيا ويا جبل الأرض
شكرتك إنّ الشكر دين على الفتى ... وما كلّ من أوليته نعمة يقضي
وأحييت لي ذكري وما كان خاملا ... ولكنّ بعض الذكر أنبه من بعض
وسمعه الرشيد فقال: هكذا يكون شعر الأشراف مدح صاحبه، ولم يضع نفسه.
وعن نصر بن سيار عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄، عن النبي ﷺ أنه قال: «من أنعم على رجل نعمة فلم يشكر له فدعا عليه استجيب له» . ثم قال نصر:
اللهم إني أنعمت على بني سام فلم يشكروا، اللهم اقتلهم، فقتلوا كلهم.
وعن علي بن الحسين ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن المؤمن ليشبع من الطعام، فيحمد الله تعالى، فيعطيه من الأجر ما يعطي الصائم القائم، إن الله شاكر يحب الشاكرين» .
وعن محمد بن علي: ما أنعم الله على عبد نعمة، فعلم أنها من الله إلا كتب الله له شكرها قبل أن يحمده عليها، ولا أذنب عبد ذنبا فعلم أن الله قد أطلع عليه إن شاء غفر له وإن شاء أخذه قبل أن يستغفره إلا غفر الله له قبل أن يستغفره.
وأولى رجل رجلا أعرابيا خيرا، فقال: لا أبلاك الله ببلاء يعجز عنه صبرك، وأنعم عليك نعمة يعجز عنها شكرك.
وأنشد بعضهم وأجاد:
سأشكر لا أنّي أجازيك منعما ... بشكري ولكن كي يزاد لك الشكر
وأذكر أياما لديّ اصطنعتها ... وآخر ما يبقى على الشاكر الذكر
وقال آخر:
أوليتني نعما أبوح بشكرها ... وكفيتني كلّ الأمور بأسرها
فلأشكرنّك ما حييت وإن أمت ... فلتشكرنّك أعظمي في قبرها
وقال آخر:
أيا ربّ قد أحسنت عودا وبدأة ... إليّ فلم ينهض بإحسانك الشكر
فمن كان ذا عذر لديك وحجة ... فعذري إقراري بأن ليس لي عذر
стр. 241
وقال محمود الوراق:
إلهي لك الحمد الذي أنت أهله ... على نعم ما كنت قط لها أهلا
إن زدت تقصيرا تزدني تفضّلا ... كأنّي بالتقصير أستوجب الفضلا
وقد أحسن نصيب في وصف الثناء والشكر بقوله:
فعاجوا وأثنوا بالذي أنت أهله ... ولو سكنوا أثنت عليك الحقائب «١»
وقال رجل من غطفان:
الشكر أفضل ما حاولت ملتمسا ... به الزيادة عند الله والناس
وقيل: أشكر المنعم عليك وأنعم على الشاكر لك تستوجب من ربك الزيادة ومن أخيك المناصحة.
الفصل الثالث من هذا الباب في المكافأة
قال رسول الله ﷺ : «من أسدى إليكم معروفا فكافئوه فإن لم تقدروا فادعوا له» . ولما قدم وفد النجاشي على رسول الله ﷺ ، قام يخدمهم بنفسه، فقيل له يا رسول الله: لو تركتنا كفيناك، فقال: كانوا لأصحابي مكرمين «٢» . وقيل: أتى رجل من الأنصار إلى عمر بن الخطاب ﵁ فقال:
أذكر صنيعي إذ فاجأك ذو سفه ... يوم السقيفة والصّدّيق مشغول
فقال عمر بأعلى صوته: ادن مني، فدنا منه، فأخذ بذراعه حتى استشرفه الناس «٣» وقال: ألا إن هذا ردّ عني سفيها من قومه يوم السقيفة ثم حمله على نجيب وزاد في عطائه، وولاه صدقة قومه وقرأ: هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلَّا الْإِحْسانُ ٦٠
«٤» ، وقال رجل لسعيد بن العاص، وهو أمير الكوفة: لي يد عندك بيضاء. قال: وما هي؟ قال:
كبت بك فرسك «٥» ، فتقدمت إليك قبل غلمانك، فأخذت بعضدك وأركبتك، وأسقيتك ماء، قال: فأين كنت إلى الآن؟ قال: حجبت عن الوصول إليك، قال: قد أمرنا لك بمائتي ألف درهم، وبما يملكه الحاجب إذ حجبك عنا.
وقال قطري بن الفجاءة الخارجي: وكان قد أسره الحجاج ثم منّ عليه، فأطلقه، فقيل له: عاود قتال عدو الله، فقال: هيهات شدّ يدا مطلقها وأرقّ رقبة معتقها، ثم قال:
أأقاتل الحجاج عن سلطانه ... بيد تقر بأنّها مولاته
ماذا أقول إذا وقفت إزاءه ... في الصف واحتجّت له فعلاته
أأقول جار عليّ؟ لا إنّي إذا ... لأحق من جارت عليه ولاته
وتحدّث الأقوام أنّ صنائعا ... غرست لديّ فحنظلت نخلاته «٦»
واجتاز الشافعي رحمه الله تعالى بمصر في سوق الحدادين، فسقط سوطه، فقام إنسان، فأخذه ومسحه وناوله إياه، فقال لغلامه: كم معك؟ قال: عشرة دنانير، قال: ادفعها إليه واعتذر له.
واستنشد عبد الملك عامر الشعبي، فأنشده لغير ما شاعر حتى أنشد لحسان:
من سرّه شرف الحياة فلم يزل ... في عصبة من صالحي الأنصار
البائعين نفوسهم لنبيّهم ... بالمشرفيّ وبالقنا الخطّار «٧»
الناظرين بأعين محمرّة ... كالجمر غير كليلة الأبصار «٨»
فقام أنصاري، فقال: يا أمير المؤمنين: استوجب عامر الصلة على ستون من الإبل كما أعطينا حسان يوم قالها، فقال عبد الملك: وله عندي ستون ألفا، وستون من الإبل.
وعن علي كرم الله وجهه: أحسنوا في عقب غيركم تحفظوا في عقبكم. وقال المدائني: رأيت رجلا يطوف بين الصفا والمروة على بغلة، ثم رأيته ماشيا في سفر،
стр. 242
فسألته عن ذلك فقال: ركبت حيث يمشي الناس، فكان حقا على الله أن يرجلني حيث يركب الناس.
ومما جاء في المكافأة ما حكي عن الحسن بن سهل قال: كنت يوما عند يحيى بن خالد البرمكي وقد خلا في مجلسه لإحكام أمر من أمور الرشيد، فبينما نحن جلوس إذ دخل عليه جماعة من أصحاب الحوائج، فقضاها لهم، ثم توجهوا لشأنهم، فكان آخرهم قياما أحمد بن أبي خالد الأحول، فنظر يحيى إليه والتفت إلى الفضل ابنه، وقال: يا بني إن لأبيك مع أبي هذا الفتى حديثا، فإذا فرغت من شغلي هذا، فاذكرني أحدثك به، فلما فرغ من شغله، وطعم «١» قال له ابنه الفضل: أعزك الله يا أبي، أمرتني أن أذكرك حديث أبي خالد الأحول، قال: نعم يا بني. لما قدم أبوك من العراق أيام المهدي كان فقيرا لا يملك شيئا، فاشتد بي الأمر إلى أن قال لي من في منزلي: إنا قد كتمنا حالنا وزاد ضررنا ولنا اليوم ثلاثة أيام ما عندنا شيء نقتات به، قال:
فبكيت يا بني لذلك بكاء شديدا، وبقيت ولهان وحيران مطرقا مفكرا، ثم تذكرت منديلا كان عندي، فقلت لهم:
ما حال المنديل؟ فقالوا: هو باق عندنا، فقلت ادفعوه لي، فأخذته، ودفعته إلى بعض أصحابي وقلت له: بعه بما تيسر، فباعه بسبعة عشر درهما، فدفعتها إلى أهلي، وقلت: أنفقوها إلى أن يرزق الله غيرها.
ثم بكرت من الغد إلى باب أبي خالد وهو يومئذ وزير المهدي، فإذا الناس وقوف على داره ينتظرون خروجه، فخرج عليهم راكبا، فلما رآني سلم عليّ، وقال: كيف حالك؟ فقلت: يا أبا خالد ما حال رجل يبيع من منزله بالأمس منديلا بسبعة عشر درهما، فنظر إليّ نظرا شديدا، وما أجابني جوابا.
فرجعت إلى أهلي كسير القلب، وأخبرتهم بما اتفق لي مع أبي خالد، فقالوا: بئس والله ما فعلت. توجهت إلى رجل كان يرتضيك لأمر جليل، فكشفت له سرك وأطلعته على مكنون أمرك، فأزريت عنده بنفسك وصغرت عنده منزلتك بعد أن كنت عنده جليلا، فما يراك بعد اليوم إلا بهذه العين.
فقلت: قد قضي الأمر الآن بما لا يمكن استدراكه، فلما كان من الغد بكرت إلى باب الخليفة، فلما بلغت الباب استقبلني رجل، فقال لي: قد ذكرت الساعة بباب أمير المؤمنين، فلم ألتفت لقوله، فاستقبلني آخر، فقال لي، كمقالة الأول، ثم استقبلني حاجب أبي خالد، فقال لي: أين تكون قد أمرني أبو خالد بإجلاسك إلى أن يخرج من عند أمير المؤمنين. فجلست حتى خرج، فلما رآني دعاني، وأمر لي بمركب، فركبت وسرت معه إلى منزله، فلما نزل قال: عليّ بفلان وفلان الحنّاطين «٢» ، فأحضرا، فقال لهما: ألم تشتريا مني غلات السواد بثمانية عشر ألف ألف درهم؟ قالا: نعم، قال: ألم أشترط عليكما شركة رجل معكما؟ قالا: بلى، قال: هو هذا الرجل الذي اشترطت شركته لكما، ثم قال لي: قم معهما، فلما خرجنا قالا لي: ادخل معنا بعض المساجد حتى نكلمك في أمر يكون لك فيه الربح الهنيء، فدخلنا مسجدا، فقالا لي: إنك تحتاج في هذا الأمر إلى وكلاء وأمناء وكيالين وأعوان ومؤن لم تقدر منها على شيء، فهل لك أن تبيعنا شركتك بمال نعجله، فتنتفع به، ويسقط عنك التعب والكلف؟ فقلت لهما: وكم تبذلان لي؟ فقالا: مائة ألف درهم، فقلت لا أفعل، فما زالا يزيداني وأنا لا أرضى إلى أن قالا لي: ثلاثمائة ألف درهم ولا زيادة عندنا على هذا، فقلت: حتى أشاور أبا خالد. قالا: ذلك لك. فرجعت إليه وأخبرته، فدعا بهما، وقال لهما: هل وافقتماه على ما ذكر؟ قال: نعم. قالا: اذهبا، فاقبضاه المال الساعة.
ثم قال لي: أصلح أمرك وتهيأ فقد قلدتك العمل.
فأصلحت شأني وقلدني ما وعدني به، فما زلت في زيادة حتى صار أمري إلى ما صار. ثم قال لولده الفضل: يا بني فما تقول في ابن من فعل بأبيك هذا الفعل، وما جزاؤه؟
قال: حق لعمري وجب عليك له، فقال: والله يا ولدي ما أجد له مكافأة غير أني أعزل نفسي وأوليه، ففعل ذلك ﵁، وهكذا تكون المكافأة.
ومن ذلك ما حكي عن العباس صاحب شرطة المأمون قال: دخلت يوما مجلس أمير المؤمنين ببغداد وبين يديه رجل مكبل بالحديد، فلما رآني قال له: عباس، قلت لبيك يا أمير المؤمنين، قال: خذ هذا إليك فاستوثق منه، واحتفظ به، وبكر به إليّ في غد واحترز عليه كل الاحتراز.
قال العباس: فدعوت جماعة، فحملوه ولم يقدر أن يتحرك فقلت في نفسي مع هذه الوصية التي أوصاني بها أمير المؤمنين من الاحتفاظ به ما يجب إلا أن يكون معي في بيتي، فأمرتهم، فتركوه في مجلس لي في داري، ثم
стр. 243
أخذت أسأله عن قضيته، وعن حاله، ومن أين هو، فقال:
أنا من دمشق، فقلت جزى الله دمشق وأهلها خيرا، فمن أنت من أهلها؟ قال: وعمن تسأل؟ قلت: أتعرف فلانا؟
قال: ومن أين تعرف ذلك الرجل؟ فقلت: وقع لي معه قضية. فقال: ما كنت بالذي أعرفك خبره حتى تعرفني قضيتك معه.
فقال: ويحك كنت مع بعض الولاة بدمشق، فبغى أهلها وخرجوا علينا حتى أن الوالي تدلى في زنبيل من قصر الحجاج، وهرب هو وأصحابه، وهربت في جملة القوم، فبينما أنا هارب في بعض الدروب، وإذا بجماعة يعدون خلفي، فما زلت أعدو أمامهم حتى فتهم، فمررت بهذا الرجل الذي ذكرته لك، وهو جالس على باب داره، فقلت: أغثني أغاثك الله، قال: لا بأس عليك أدخل الدار، فدخلت، فقالت زوجته: أدخل تلك المقصورة فدخلتها، ووقف الرجل على باب الدار، فما شعرت إلا وقد دخل والرجال معه يقولون هو والله عندك، فقال:
دونكم الدار، ففتشوها حتى لم يبق سوى تلك المقصورة وامرأته فيها، فقالوا: هو ههنا، فصاحت بهم المرأة ونهرتهم فانصرفوا، وخرج الرجل وجلس على باب داره ساعة وأنا قائم أرجف ما تحملني رجلاي من شدة الخوف، فقالت المرأة: اجلس لا بأس عليك، فجلست، فلم ألبث حتى دخل الرجل، فقال: لا تخف قد صرف الله عنك شرهم، وصرت إلى الأمن والدعة إن شاء الله تعالى.
فقلت له: جزاك الله خيرا.
فما زال يعاشرني أحسن معاشرة وأجملها، وأفرد لي مكانا في داره، ولم يحوجني إلى شيء، ولم يفتر عن تفقد أحوالي، فأقمت عنده أربعة أشهر في أرغد عيش وأهنئه إلى أن سكنت الفتنة وهدأت وزال أثرها، فقلت له: أتأذن لي في الخروج حتى أتفقد حال غلماني، فلعلي أقف منهم على خبر، فأخذ عليّ المواثيق بالرجوع إليه، فخرجت وطلبت غلماني، فلم أر لهم أثرا، فرجعت إليه، وأعلمته الخبر، وهو مع هذا كله لا يعرفني، ولا يسألني، ولا يعرف اسمي، ولا يخاطبني إلا بالكنية، فقال: علام تعزم؟ فقلت: عزمت على التوجه إلى بغداد، فقال: القافلة بعد ثلاثة أيام تخرج، وها أنا أقد أعلمتك. فقلت له: إنك تفضلت عليّ هذه المدة، ولك عليّ عهد الله أني لا أنسى لك هذا الفضل، ولأوفينك مهما استطعت، قال: فدعا غلاما له أسود، وقال له: أسرج الفرس الفلاني، ثم جهز آلة السفر، فقلت في نفسي: أظن أنه يريد أن يخرج إلى ضيعة أو ناحية من النواحي، فأقاموا يومهم ذلك في كد وتعب.
فلما كان يوم خروج القافلة جاءني السحر، وقال لي:
يا فلان قم فإن القافلة تخرج الساعة، وأكره أن تنفرد عنها، فقلت في نفسي: كيف أصنع، وليس معي ما أتزود به ولا ما أكري به مركوبا «١» ، ثم قمت، فإذا هو وامرأته يحملان بقجة من أفخر الملابس وخفين جديدين وآلة السفر، ثم جاءني بسيف، ومنطقة، فشدهما في وسطي، ثم قدم بغلا، فحمل عليه صندوقين وفوقها فرش، ودفع إلي نسخة ما في الصندوقين، وفيهما خمسة آلاف درهم، وقدم إلي الفرس الذي كان جهزه، وقال: اركب، وهذا الغلام الأسود يخدمك ويسوس مركوبك. وأقبل هو وامرأته يعتذران إلي من التقصير في أمري، وركب معي يشيعني، وانصرفت إلى بغداد، وأنا أتوقع خبره لأفي بعهدي له في مجازاته ومكافأته، وأشغلت مع أمير المؤمنين، فلم أتفرغ أن أرسل إليه من يكشف خبره، فلهذا أنا أسأل عنه.
فلما سمع الرجل الحديث قال: لقد أمكنك الله تعالى من الوفاء، ومكافأته على فعله ومجازاته على صنيعه بلا كلفة عليك، ولا مؤنة تلزمك، فقلت: وكيف ذلك؟ قال:
أنا ذلك الرجل، وإنما الضر الذي أنا فيه غيّر عليك حالي، وما كنت تعرفه مني، ثم لم يزل يذكر لي تفاصيل الأسباب حتى أثبت معرفته. فما تمالكت أن قمت وقبّلت رأسه، ثم قلت له: فما الذي أصارك إلى ما أرى؟
فقال: هاجت بدمشق فتنة مثل الفتنة التي كانت في أيامك، فنسبت إليّ، وبعث أمير المؤمنين بجيوش فأصلحوا البلد، وأخذت أنا وضربت إلى أن أشرفت على الموت، وقيدت وبعث بي إلى أمير المؤمنين، وأمري عنده عظيم وخطبي لديه جسيم، وهو قاتلي لا محالة، وقد أخرجت من عند أهلي بلا وصية، وقد تبعني من غلماني من ينصرف إلى أهلي بخبري، وهو نازل عند فلان، فإن رأيت أن تجعل من مكافأتك لي أن ترسل من يحضره لي حتى أوصيه بما أريد، فإن أنت فعلت ذلك، فقد جاوزت حد المكافأة وقمت لي بوفاء عهدك.
قال العباس: قلت: يصنع الله خيرا. ثم أحضر حدادا في الليل فك قيوده، وأزال ما كان فيه من الأنكال «٢» وأدخله حمام داره، وألبسه من الثياب ما احتاج إليه، ثم
стр. 244
سيّر من أحضر إليه غلامه، فلما رآه جعل يبكي ويوصيه، فاستدعى العباس نائبه، وقال: عليّ بالفرس الفلاني، والفرس الفلاني والبغل الفلاني، والبغلة الفلانية حتى عد عشرة ثم عشرة من الصناديق ومن الكسوة كذا وكذا، ومن الطعام كذا وكذا قال ذلك الرجل: وأحضر لي بدرة عشرة آلاف درهم، وكيسا فيه خمسة آلاف دينار، وقال لنائبه في الشرطة: خذ هذا الرجل وشيّعه إلى حد الأنبار «١» . فقلت له: إن ذنبي عند أمير المؤمنين عظيم، وخطبي جسيم.
وإن أنت احتججت بأني هربت بعث أمير المؤمنين في طلبي كل من على بابه فأرد وأقتل. فقال لي: أنج بنفسك ودعني أدبر أمري، فقلت: والله ما أبرح من بغداد حتى أعلم ما يكون من خبرك، فإن احتجت إلى حضوري حضرت، فقال لصاحب الشرطة: إن كان الأمر على ما يقول فليكن في موضع كذا، فإن أنا سلمت في غداة غد أعلمته، وإن أنا قتلت، فقد وقيته بنفسي كما وقاني بنفسه، وأنشدك الله أن لا يذهب من ماله درهم، وتجتهد في إخراجه من بغداد.
قال الرجل: فأخذني صاحب الشرطة وصيرني في مكان أثق به، وتفرغ العباس لنفسه، وتحنط وجهّز له كفنا. قال العباس: فلم أفرغ من صلاة الصبح إلا وأرسل المأمون في طلبي ويقولون: يقول لك أمير المؤمنين هات الرجل معك وقم. قال: فتوجهت إلى دار أمير المؤمنين، فإذا هو جالس وعليه ثيابه وهو ينتظرنا. قال: أين الرجل؟
فسكت، فقال: ويحك أين الرجل؟ فقلت: يا أمير المؤمنين، إسمع مني، فقال: لله عليّ عهد لئن ذكرت إنه هرب لأضربنّ عنقك. فقلت: لا والله يا أمير المؤمنين ما هرب. ولكن اسمع حديثي وحديثه، ثم شأنك ما تريد أن تفعله في أمري قال: قل.
فقلت: يا أمير المؤمنين كان من حديثي معه كيت وكيت وقصصت عليه القصة جميعها وعرفته أنني أريد أن أفي له وأكافئه على ما فعله معي، وقلت: أنا وسيدي ومولاي أمير المؤمنين بين أمرين: إما أن يصفح عني، فأكون قد وفيت وكافأت، وإما أن يقتلني فأقيه بنفسي. وقد تحنطت وها كفني يا أمير المؤمنين، فلما سمع المأمون الحديث قال: ويلك لا جزاك الله عن نفسك خيرا إنه فعل بك ما فعل من غير معرفة، وتكافئه بعد المعرفة، والعهد بهذا لا غير. هلّا عرفتني خبره فكنا نكافئه عنك ولا نقصر في وفائك له، فقلت: يا أمير المؤمنين إنه ههنا قد حلف أن لا يبرح حتى يعرف سلامتي، فإن احتجت إلى حضوره حضر. فقال المأمون، وهذه منه أعظم من الأولى إذهب الآن إليه، فطيّب نفسه وسكّن ورعه وائتني به حتى أتولّى مكافأته.
قال العباس: فأتيت إليه، وقلت له: ليزل خوفك، إن أمير المؤمنين قال كيت وكيت. فقال الحمد لله الذي لا يحمد على السراء والضراء سواه، ثم قام، فصلى ركعتين ثم ركب وجئنا، فلما مثل بين يدي أمير المؤمنين أقبل عليه وأدناه من مجلسه، وحدثه حتى حضر الغداء، وأكل معه وخلع عليه، وعرض عليه أعمال دمشق، فاستعفى، فأمر له المأمون بعشرة أفراس بسروجها ولجمها وعشرة أبغال بآلاتها وعشر بدر وعشرة آلاف دينار، وعشرة مماليك بدوابهم، وكتب إلى عامله بدمشق بالوصية به، وإطلاق خراجه، وأمره بمكاتبته بأحوال دمشق، فصارت كتبه تصل إلى المأمون، وكلما وصلت خريطة البريد وفيها كتابه يقول لي: يا عباس هذا كتاب صديقك.
والله تعالى أعلم.
ومن عجائب هذا الأسلوب وغرائبه:
ما أورده محمد بن القاسم الأنباري رحمه الله تعالى، أن سوارا صاحب رحبة سوار وهو من المشهورين، قال:
انصرفت يوما من دار الخليفة المهدي، فلما دخلت منزلي دعوت بالطعام، فلم تقبله نفسي، فأمرت به، فرفع، ثم دعوت جارية كنت أحبها وأحب حديثها وأشتغل بها فلم تطب نفسي، فدخل وقت القائلة «٢» ، فلم يأخذني النوم، فنهضت وأمرت ببغلة، فأسرجت وأحضرت فركبتها، فلما خرجت من المنزل استقبلني وكيل لي ومعه مال، فقلت:
ما هذا؟ فقال: ألفا درهم جبيتها من مستغّلك الجديد، قلت: أمسكها معك واتبعني.
فأطلقت رأس البغلة حتى عبرت الجسر، ثم مضيت في شارع دار الرقيق حتى انتهيت إلى الصحراء، ثم رجعت إلى باب الأنبار، وانتهيت إلى باب دار نظيف عليه شجرة، وعلى الباب خادم، فعطشت، فقلت للخادم: أعندك ماء تسقينيه؟ قال: نعم، ثم دخل وأحضر قلة نظيفة طيبة الرائحة عليها منديل فناولني، فشربت، وحضر وقت العصر، فدخلت مسجدا على الباب فصليت فيه، فلما
стр. 245
قضيت صلاتي إذ أنا بأعمى يلتمس، فقلت: ما تريد يا هذا؟ قال: إياك أريد. قلت: فما حاجتك؟ فجاء حتى جلس إلى جانبي، وقال: شممت منك رائحة طيبة، فظننت أنك من أهل النعيم فأردت أن أحدثك بشيء، فقلت: قل.
قال: ألا ترى إلى باب هذا القصر؟ قلت: نعم، قال:
هذا قصر كان لأبي، فباعه، وخرج إلى خراسان وخرجت معه فزالت عنا النعم التي كنا فيها، وعميت، فقدمت هذه المدينة، فأتيت صاحب هذا الدار لأسأله شيئا يصلني به وأتوصل إلى سوار، فإنه كان صديقا لأبي، فقلت: ومن أبوك؟ قال: فلان بن فلان، فعرفته، فإذا هو كان من أصدق الناس إليّ، فقلت له: يا هذا إن الله تعالى قد أتاك بسوار، منعه من الطعام والنوم والقرار، حتى جاء به، فأقعده بين يديك، ثم دعوت الوكيل، فأخذت الدراهم منه، فدفعتها إليه، وقلت له: إذا كان الغد فسر إلى منزلي.
ثم مضيت، وقلت: ما أحدّث أمير المؤمنين بشيء أظرف من هذا، فأتيته، فاستأذنت عليه فأذن لي، فلما دخلت عليه حدثته بما جرى لي فأعجبه ذلك وأمر لي بألفي دينار، فأحضرت، فقال: إدفعها إلى الأعمى، فنهضت لأقوم، فقال: إجلس، فجلست، فقال: أعليك دين؟ قلت: نعم. قال: كم دينك؟ قلت: خمسون ألفا، فحادثني ساعة، وقال امض إلى منزلك، فمضيت إلى منزلي فإذا بخادم معه خمسون ألفا، وقال: يقول لك أمير المؤمنين اقض بها دينك. قال: فقبضت منه ذلك، فلما كان من الغد أبطأ علي الأعمى، وأتاني رسول المهدي يدعوني فجئته، فقال: قد فكرت البارحة في أمرك، فقلت: يقضي دينه، ثم يحتاج إلى القرض أيضا، وقد أمرت لك بخمسين ألفا أخرى، قال: فقبضتها وانصرفت، فجاءني الأعمى، فدفعت إليه الألفي دينار، وقلت له: قد رزقك الله تعالى بكرمه، وكافأك على إحسان أبيك، وكافأني على إسداء المعروف إليك، ثم أعطيته شيئا آخر من مالي، فأخذه وانصرف. والله أعلم.
ومما هو أوضح حسنا وأرجح معنى ما حكاه القاضي يحيى بن أكثم رحمة الله عليه قال:
دخلت يوما على الخليفة هارون الرشيد ولد المهدي وهو مطرق مفكّر، فقال لي: أتعرف قائل هذا البيت؟:
الخير أبقى وإن طال الزمان به ... والشر أخبث ما أوعيت من زاد
فقلت يا أمير المؤمنين: إن لهذا البيت شأنا مع عبيد بن الأبرص فقال: عليّ بعبيد، فلما حضر بين يديه قال له:
أخبرني عن قضية هذا البيت، فقال: يا أمير المؤمنين، كنت في بعض السنين حاجا، فلما توسطت البادية في يوم شديد الحر سمعت ضجة عظيمة في القافلة ألحقت أولها بآخرها، فسألت عن القصة، فقال لي رجل من القوم:
تقدم تر ما بالناس، فتقدمت إلى أول القافلة، فإذا أنا بشجاع «١» أسود فاغر فاه كالجذع وهو يخور كما يخور الثور ويرغو كرغاء البعير، فهالني أمره وبقيت لا أهتدي إلى ما أصنع في أمره، فعدلنا عن طريقه إلى ناحية أخرى، فعارضنا ثانيا، فعلمت أنه لسبب ولم يجسر أحد من القوم أن يقربه، فقلت: أفدي هذا العالم بنفسي وأتقرب إلى الله تعالى بخلاص هذه القافلة من هذا، فأخذت قربة من الماء، فتقلدتها وسللت سيفي وتقدمت. فلما رآني قربت منه سكن، وبقيت متوقعا منه وثبة يبتلعني فيها، فلما رأى القربة فتح فاه، فجعلت فم القربة فيه، وصببت الماء كما يصب في الإناء، فلما فرغت القربة تسيب في الرمل ومضى، فتعجبت من تعرضه لنا وانصرافه عنّا من غير سوء لحقنا منه. ومضينا لحجنا ثم عدنا في طريقنا ذلك وحططنا في منزلنا ذلك في ليلة مظلمة مدلهمة، فأخذت شيئا من الماء وعدلت إلى ناحية عن الطريق، فقضيت حاجتي ثم توضأت وصليت، وجلست أذكر الله تعالى، فأخذتني عيني «٢» ، فنمت مكاني، فلما استيقظت من النوم لم أجد للقافلة حسا، وقد ارتحلوا وبقيت منفردا لم أر أحدا، ولم أهتد إلى ما أفعله، وأخذتني حيرة وجعلت أضطرب وإذا بصوت هاتف أسمع صوته ولا أرى شخصه يقول:
يا أيها الشخص المضلّ مركبه ... ما عنده من ذي رشاد يصحبه
دونك هذا البكر «٣» منّا تركبه ... وبكرك الميمون حقّا تجنبه «٤»
حتى إذا ما الليل زال غيهبه «٥» ... عند الصباح في الفلا تسيبه «٦»
стр. 246
فنظرت، فإذا أنا ببكر قائم عندي، وبكري إلى جانبي، فأنخته وركبته وجنّبت بكري، فلما سرت قدر عشرة أميال لاحت لي القافلة، وانفجر الفجر، ووقف البكر، فعلمت أنه قد حان نزولي فتحولت إلى بكري وقلت:
يا أيها البكر قد أنجيت من كرب ... ومن هموم تضلّ المدلج الهادي «١»
ألا تخبّرني بالله خالقنا ... من ذا الذي جاد بالمعروف في الوادي
وارجع حميدا فقد بلّغتنا مننا ... بوركت من ذي سنام رائح غادي
فالتفت البكر إليّ وهو يقول:
أنا الشجاع الذي ألفيتني رمضا ... والله يكشف ضرّ الحائر الصادي «٢»
فجدت بالماء لما ضنّ حامله ... تكرّما منك لم تمنن بإنكاد
فالخير أبقى وإن طال الزمان به ... والشرّ أخبث ما أوعيت من زاد
هذا جزاؤك مني لا أمنّ به ... فاذهب حميدا رعاك الخالق الهادي
فعجب الرشيد من قوله وأمر بالقصة والأبيات، فكتبت عنه، وقال: لا يضيع المعروف أين وضع، والله أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
الباب الثالث والاربعون في الهجاء ومقدماته
القصد من الهجاء الوقوف على ملحه وما فيه من ألفاظ فصيحة ومعان بديعة، لا التشفي بالأعراض والوقوع فيها.
وليس الهجاء دليلا على إساءة المهجو ولا صدق الشاعر فيما رماه به، فما كل مذموم بذميم، وقد يهجى الإنسان بهتانا وظلما أو عبثا أو ارهابا.
قال المتوكل لأبي العيناء: كم تمدح الناس وتذمهم، قال: ما أحسنوا وأساءوا. وقد رضي الله تعالى على عبد من عبيده فمدحه، فقال: نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ
«٣» ، وغضب على آخر، فقال: مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ ١٢ عُتُلٍّ بَعْدَ ذلِكَ زَنِيمٍ ١٣
«٤» قيل الزنيم: الملصق بالقوم وليس منهم.
وقال دعبل في المأمون بعد البيعة له وقتل الأمين.
إنّي من القوم الذين همو همو ... قتلوا أخاك وشرفّوك بمقعد
شادوا لذكرك بعد طول خموله ... واستنقذوك من الحضيض الأوهد «٥»
فقال المأمون: ما أبهته «٦» ليت شعري متى كنت خاملا، وفي حجر الخلافة ربيت وبدرّهما غذيت.
ولما قتل جعفر بن يحيى بكى عليه أبو نواس، فقيل له:
أتبكي على جعفر وأنت هجوته؟ فقال: كان ذلك لركوب الهوى، وقد بلغه والله أني قلت:
ولست وإن أطنبت «٧» في وصف جعفر ... بأول إنسان خري في ثيابه
فكتب: يدفع إليه عشرة آلاف درهم يغسل بها ثيابه.
ومن العبث بالهجو ما روي أن الحطيئة همّ بهجاء، فلم يجد من يستحقه فقال:
أبت شفتاي اليوم إلّا تكلّما ... بسوء فلا أدري لمن أنا قائله
أرى بي وجها قبّح الله خلقه ... فقبّح من وجه وقبّح حامله
وعبث بأمه فقال:
تنحّي فاجلسي عنّا بعيدا ... أراح الله منك العالمينا
أغربالا إذا استودعت سرّا ... وكانونا على المتحدّثينا
حياتك ما علمت حياة سوء ... وموتك قد يسر الصالحينا
وقال رجل: ما أبالي أهجيت أم مدحت، فقال له الأحنف: أرحت نفسك من تعب الكرام. وأنا أقول: إنما يخشى من الهجو من يخاف على عرضه وأما من لا يخاف
стр. 247
على عرضه فقد يستوي عنده المدح والذم وبئس الرجل ذاك. وكان الرجل من نمير إذا قيل له: ممن الرجل؟
يقول: من نمير وأمال بها عنقه، فلما هجاهم جرير بقوله:
فغض الطرف إنك من نمير ... فلا كعبا بلغت ولا كلابا
صار إذا قيل لأحدهم: ممن الرجل: يقول من بني عامر، وما لقيت قبيلة من العرب بهجو ما لقيت نمير بهجو جرير.
وهجا ابن سام رجلا فقال:
يا طلوع الرقيب من غير إلف ... يا غريما أتى على ميعاد
يا ركودا في وقت غيم وصيف ... يا وجوه التّجار يوم كساد
وقصد ابن عيينة قبيصة المهلبي، واستماحه «١» . فلم يسمح له بشيء «٢» ، فانصرف مغضبا، فوجه إليه داود بن يزيد بن حاتم، فترضاه، وأحسن إليه، فقال في ذلك:
داود محمود وأنت مذّمم ... عجبا لذاك وأنتما من عود
ولربّ عود قد يشقّ لمسجد ... نصفا وباقيه لحشّ «٣» يهودي
فالحشّ أنت له وذاك بمسجد ... كم بين موضع مسلح «٤» وسجود
هذا جزاؤك يا قبيص لأنّه ... جادت يداه وأنت قبل حديد
وله هجاء في خالد:
أبوك لنا غيث يغيث بوبله ... وأنت جراد لست تبقي ولا تذر
له أثر في المكرمات يسرنا ... وأنت تعفّي دائما ذلك الأثر «٥»
وقال المبرد في حقه: لم يجتمع لأحد من المحدثين في بيت واحد هجاء رجل ومدح أبيه إلّا له. ولما قعد حماد عجرد لتأديب ولد الأمين، قال بشار بن برد:
قل للأمين جزاك الله صالحه ... لا يجمع الله بين السخل والذيب «٦»
السخل يعلم أن الذئب آكله ... والذئب يعلم ما بالسخل من طيب
فشاعت الأبيات، فأمر الأمين بإخراج حماد.
وقال رجل لأخيه لأبويه «٧» : لأهجونك هجاء يدخل معك في قبرك، قال: كيف تهجوني وأبوك أبي، وأمك أمي؟ قال أقول:
بني أمية هبّوا طال نومكمو ... إنّ الخليفة يعقوب بن داود
ضاعت خلافتكم يا قوم فالتمسوا ... خليفة الله بين الماء والعود
فدخل يعقوب على المهدي، فأخبره أن بشارا هجاه، فاغتاظ المهدي وانحدر إلى البصرة لينظر في أمرها، فسمع أذانا في ضحى النهار فقال: انظروا ما هذا، وإذا به بشار وهو سكران، فقال له: يا زنديق عجب أن يكون هذا من غيرك، ثم أمر به فضربه سبعين سوطا حتى أتلفه بها وألقي في سفينة، فقال: عين الشمقمق تراني حيث يقول:
إن بشار بن برد ... تيس أعمى في سفينة
فلما مات ألقيت جثته في الماء، فحمله الماء، فأخرجه إلى الدجلة، فجاء بعض أهله، فحملوه إلى البصرة، وأخرجت جنازته، فما تبعه أحد، وتباشر عامة الناس بموته لما كان يلحقهم من الأذى منه.
وخاصم أبو دلامة رجلا، فارتفعا إلى عافية القاضي، فلما رآه أبو دلامة أنشد يقول:
لقد خاصمتني دهاة الرجال ... وخاصمتها سنّة وافيه
فما أدحض الله لي حجّة ... ولا خيبّ الله لي قافيه
ومن خفت من جوره في القضاء ... فلست أخافك يا عافيه
стр. 248
فقال عافية: لأشكونك إلى أمير المؤمنين ولأعلمنه أنك هجوتني. قال له أبو دلامة: إذا والله يعزلك. قال: ولم؟
قال: لأنك لا تعرف الهجاء من المدح، قال: فبلغ ذلك المنصور، فضحك وأمر له بجائزة.
ودخل أبو دلامة على المهدي وعنده إسماعيل بن علي، وعيسى بن موسى والعباس بن محمد، وجماعة من بني هاشم، فقال له المهدي: والله لئن لم تهج واحدا ممن في هذا البيت لأقطعن لسانك. فنظر إلى القوم وتحير في أمره، وجعل ينظر إلى كل واحد، فيغمزه بأن عليه رضاه، قال أبو دلامة، فازددت حيرة، فما رأيت أسلم لي من أن أهجو نفسي، فقلت:
ألا أبلغ لديك أبا دلامة ... فلست من الكرام ولا كرامه
جمعت دمامة وجمعت لؤما ... كذاك اللؤم تتبعه الدمامه
إذا لبس العمامة قلت قردا ... وخنزيرا إذا نزع العمامه
فضحك القوم ولم يبق منهم أحدا إلا أجازه.
وقال ابن الأعرابي: إن أهجى بيت قاله المحدثون قول محمد بن وهب في محمد بن هاشم:
لم تند كفاك من بذل النوال كما ... لم يند سيفك مذ قلّدته بدم «١»
وهجا بعضهم القمر، فقال: يهدم العمر ويوجب أجرة المنزل «٢» ويشجب الألوان، ويقرض الكتان، ويضل الساري ويعين السارق ويفضح العاشق.
ولابن منقذ في أبي طليب المصري وقد احترقت داره:
أنظر إلى الأيام كيف تسوقنا ... قسرا إلى الأقدار بالأقدار
ما أوقد ابن طليب قط بداره ... نارا وكان خرابها بالنّار «٣»
وكان للوجيه بن صورة المصري دلال الكتب، دار بمصر موصوفة بالحسن فاحترقت، فقال فيها ابن المنجم:
أقول وقد عاينت دار ابن صورة ... وللنّار فيها وهجة تتضرّم
فما هو إلا كافر طال عمره ... فجاءته لمّا استبطأته جهنّم
وقد أحسن الأديب كمال الدين علي بن محمد بن المبارك الشهير بابن الأعمى في ذم دار كان يسكنها حيث قال:
دار سكنت بها أقلّ صفاتها ... أن تكثر الحشرات في جنباتها
الخير عنها نازح متباعد ... والشر دان من جميع جهاتها
من بعض ما فيها البعوض عدمته ... كم أعدم الأجفان طيب سناتها «٤»
وتبيت تسعدها براغيث متى ... غنّت لها رقصت على نغماتها
رقص بتنقيط ولكن قافه ... قد قدّمت فيه على أخواتها
وبها ذباب كالضباب يسد عين ... الشمس ما طربي سوى غنّاتها
أين الصوارم والقنا من فتكها ... فينا وأين الأسد من وثباتها
وبها من الخطّاف ما هو معجز ... أبصارنا عن وصف كيفياتها
وبها خفافيش تطير نهارها ... مع ليلها ليست على عاداتها «٥»
وبها من الجرذان ما قد قصّرت ... عنه العتاق الجرد في حملاتها «٦»
وبها خنافس كالطنافس أفرشت ... في أرضها وعلت على جنباتها
لو شمّ أهل الحرب منتن فسوها ... أردى الكماة الصيد عن صهواتها «٧»
وبنات وردان وأشكال لها ... مما يفوت العين كنه ذواتها
стр. 249
أبدا تمص دماءنا فكأنها ... حجّامة لبدت على كاساتها
وبها من النمل السليماني ما ... قد قلّ ذرّ الشمس عن ذراتها
ما راعني شيء سوى وزغانها ... فتعوذوا بالله من لدغاتها «١»
سجعت على أوكارها فظننتها ... ورق الحمام سجعن في شجراتها
وبها زنابير تظن عقاربا ... حر السموم أخف من زفراتها
وبها عقارب كالأقارب رتّع ... فينا حمانا الله لدغ حماتها
كيف السبيل إلى النجاة ولا نجاة ... ولا حياة لمن رأى حيّاتها
منسوجة بالعنكبوت سماؤها ... والأرض قد نسجت على آفاتها
فضجيجها كالرعد في جنباتها ... وترابها كالرمل في خشناتها
والبوم عاكفة على أرجائها ... والدود يبحث في ثرى عرصاتها «٢»
والجنّ تأتيها إذا جنّ الدّجى ... تحكي الخيول الجرد في حملاتها
والنار جزء من تلهّب حرها ... وجهنم تعزى إلى لفحاتها
شاهدت مكتوبا على أرجائها ... ورأيت مسطورا على جنباتها
لا تقربوا منها وخافوها ولا ... تلقوا بأيديكم إلى هلكاتها
أبدا يقول الداخلون ببابها ... يا ربّ نجّ الناس من آفاتها
قالوا إذا ندب الغراب منازلا ... يتفرّق السّكان من ساحاتها
وبدارنا ألفا غراب ناعق ... كذب الرواة فأين صدق رواتها
صبرا لعلّ الله يعقب راحة ... للنفس إذ غلبت على شهواتها
دار تبيت الجنّ تحرس نفسها ... فيها وتندب باختلاف لغاتها
كم بت فيها مفردا والعين من ... شوق الصباح تسح من عبراتها «٣»
وأقول يا ربّ السموات العلا ... يا رازقا للوحش في فلواتها
أسكنتني بجهنّم الدنيا ففي ... أخراي هب لي الخلد في جناتها
واجمع بمن أهواه شملي عاجلا ... يا جامع الأرواح بعد شتاتها
ولبعضهم في بلّان «٤» :
أشكوا إلى الله بلانا «٥» بليت به ... مسّت أنامله ظهري فأدماني
فلا يدلّك تدليكا بمعرفة ... ولا يسرّح تسريحا بإحسان
وللشيخ شمس الدين البدوي في بلّان أيضا:
وبلان له ظهر يباهي ... به حدّ الشفار المرهفات
هرى جسمي فألبسه نجيعا ... على حلل الستور السابلات
ورام يلين أعضائي برفق ... فأيبسها وكسر فوقحاتي «٦»
ولم أنظر له أبدا حميلا ... وذلك من عظيم المهلكات
وأعمى مقلتي بصنان إبط ... يفوح به على كل الجهات «٧»
فلا تجعل إلهي مثل هذا ... يغسّلني إذا حانت وفاتي
ولبعضهم في حمام:
وحمّام دخلناه لأمر ... حكى سقرا وفيها المجرمونا
стр. 250
فيصطرخوا يقولوا أخرجونا ... فإن عدنا فإنا ظالمونا
وللشريف أبي يعلى الهاشمي البغدادي في نظام الملك يهدده بالهجاء يقول:
أيجمل يا نظام الملك أنّي ... أعاود من ذراك كما قدمت
وأصدر عن حياضك «١» وهي نهب ... بأفواه السقاة وما وردت «٢»
يدل على فعالك سوء حالي ... ويخبر عن نوالك إن كتمت «٣»
إذا استخبرت ماذا نلت منه ... وقد عمّ الورى كرما سكتّ
وممن عرض بالهجو في شعره الخوارزمي قال في أبي جعفر:
أبا جعفر لست بالمنصف ... ومثلك إن قال قولا يفي
فإن أنت أنجزت لي ما وعدت ... وإلا هجيت وأدخلت في
وقد علم الناس ما بعد في ... فغط الحديث ولا تكشف
ومدح السراج الورّاق إنسانا فلم يجزه فكتب يعرض له بالهجاء ويهدده، يقول:
أعد مدحي عليّ وخذ سواه ... فقد أتعبتني يا مستريح
ولا تغضب إذا أنشدت يوما ... سواه وقيل لي هذا صحيح «٤»
وله أيضا يقول:
أعد مدحا كذبت عليك فيه ... وقد عوفيت بالحرمان عنه
ولكنّي سأصدق فيك قولا ... فلا يصعب عليك الحقّ منه
وقال بعضهم في حجّاج قدموا ولم يهدوا إليه شيئا:
مضوا ليحجّوا والوجوه كأنّها ... تكاد لفرط البشر أن توضح السّبلا
وعادوا كأنّ القار فوق وجوههم «٥» ... فلا مرحبا بالقادمين ولا سهلا
وجاءوا وما جادوا بعود أراكة «٦» ... ولا وضعوا في كف طفل لنا نقلا «٧»
وقال آخر:
إذا رمت هجوا في فلان تصدني ... خلائق قبح عنه لا تتزحزح
تجاوز قدر الهجو حتى كأنّه ... بأقبح ما يهجى به المرء يمدح
وهجا بعضهم امرأة فقال:
لها جسم برغوث وساق بعوضة ... ووجه كوجه القرد بل هو أقبح
تبرّق عينيها إذا ما رأيتها ... وتعبس في وجه الضجيع وتكلح
لها منظر كالنار تحسب أنها ... إذا ضحكت في أوجه الناس تلفح
إذا عاين الشيطان صورة وجهها ... تعوّذ منها حين يمسي ويصبح
ولبعضهم في عظيم أنف:
لك وجه وفيه قطعة أنف ... كجدار قد دعّموه ببغله
وهو كالقبر في المثال ولكن ... جعلوا نصفه على غير قبله
وفيه أيضا:
رأينا للزكي جدار أنف ... يضاهي في تشامخه الجبالا
تصدّى للهلال لكي يراه ... فلولا عظمه لرأى الهلالا
ولصفي الدين الحلي:
следующие страницы →