← Адаб

Адаб · id 23802

المستطرف في كل فن مستظرف

شهاب الدين الأبشيهي

Полный текст (517 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

- سوء حظّي أنالني منك هجرا ... فعلى الحظ لا عليك العتاب - سبكناه ونحسبه لجينا ... فأبدى الكير عن خبث الحديد «١» - ستذكرني إذا جرّبت غيري ... وتعلم أنّني نعم الصديق (حرف الشين المعجمة) - شفيعي إليك الله لا ربّ غيره ... وليس إلى رد الشفيع سبيل - شكرتك قبل الخير إن كنت واثقا ... بأني بعد الخير لا شكّ شاكر (حرف الصاد المهملة) - صحّح لنا والده أولا ... وأنت في حل من الوالده (حرف الضاد المعجمة) - ضاقت ولو لم تضق لما انفرجت ... والسرّ مفتاح كل ميسور «٢» (حرف الطاء المهملة) - طويل عمر المعالي والندى أبدا ... قصير عمر الأعادي والمواعيد - طوبى لأعين قوم أنت بينهم ... القوم في نزهة من وجهك الحسن (حرف الظاء المشالة) - ظهرت خيانات الثقات وغيرهم ... حتّى اتّهمنا رؤية الأبصار - ظلمت أمرأ كلّفته غير خلقه ... وهل كانت الأخلاق إلا غرائز (حرف العين المهملة) : - علم الله كيف أنت فأعطا ... ك المحلّ الجليل من سلطانه - على المرء أن يسعى لما فيه نفعه ... وليس عليه أن يساعده الدهر - عسى فرج يأتي به الله إنّه ... له كل يوم في خليقته أمر - عتبت على عمرو فلما تركته ... وجربت أقواما بكيت على عمرو (حرف الغين المعجمة) - غنيّ بلا دين عن الخلق كلّهم ... وإنّ الغنى إلا عن الشيء لا به - غلام أتاه اللؤم من شطر نفسه ... ولم يأته من شطر أم ولا أب (حرف الفاء) - فلم أر كالأيام للمرء واعظا ... ولا كصروف الدهر للمرء هاديا - فنفسك أكرمها فإنك إن تهن ... عليك فلن تلقى لها الدهر مكرما - فصبر جميل إنّ في اليأس راحة ... إذا الغيث لم يمطر بلادك ماطره - فما أكثر الأصحاب حين تعدّهم ... ولكنهم في النائبات قليل - فإن كانت الأجسام منّا تباعدت ... فإن المدى بين القلوب قريب - فلو كان حمدا يخلد المرء لم يمت ... ولكن حمد المرء غير مخلّد - فإن تفق الأنام «٣» وأنت منهم ... فإن المسك بعض دم الغزال (حرف القاف) - قد يجمع المال غير آكله ... ويأكل المال غير من جمعه - قد زال ملك سليمان فعاوده ... والشمس تنحطّ في المجرى وترتفع - قد يدرك المتأنّي نجح حاجته ... وقد يكون مع المستعجل الزّلل - قد يدرك الشرف الفتى ورداؤه ... خلق وجيب قميصه مرقوع

стр. 37

(حرف الكاف) - كلوا اليوم من رزق الإله وأبشروا ... فإنّ على الخلّاق رزقكم غدا - كفى زاجرا للمرء أيام دهره ... تروح له بالواعظات وتغتدي - كنت من كربتي أفرّ إليهم ... فهم كربتي اليوم فأين الفرار - كانوا بني أم ففرق شملهم ... عدم العقول وخفة الأحلام - كلّ المصائب قد تمرّ على الفتى ... فتهون غير شماتة الأعداء - كأنّك من كل النفوس مركب ... فأنت إلى كل الأنام حبيب - كالكلب إن جاع لم يمنعك بصبصة ... وإن ينل شبعا ينبح من الأشر (حرف اللام) - لعمرك ما يدري الفتى كيف يتّقي ... إذا هو لم يجعل له الله واقيا - لعمري ما ضاقت بلاد بأهلها ... ولكنّ أخلاق الرجال تضيق - للموت فينا سهام وهي صائبة ... من فاته اليوم سهم لم يفته غدا - لو أن خفة عقله في رجله ... سبق الغزال ولم يفته الأرنب - لو كان ما بي في صخر لأنحله ... فكيف يحمله خلق من الطّين - لعمرك ما الأيام إلا معارة ... فما استطعت من معروفها فتزوّد - لكل امرىء حالان بؤس ونعمة ... وأعطفهم في النائبات أقاربه (حرف الميم) - من يحمد الناس يحمدوه ... والناس من عابهم يعاب - من لم يعدنا إذا مرضنا ... إن مات لم نشهد الجنازه - متى يبلغ البنيان يوما تمامه ... إذا كنت تبنيه وغيرك يهدم - من كان فوق محل الشمس رتبته ... فليس يرفعه شيء ولا يضع - من الناس من يغشى الأباعد نفعه ... ويشقى به حتى الممات أقاربه - ما كان في المخدع من أمركم ... فإنه في المسجد الجامع «١» - ما قام عمرو في الولا ... ية قائما حتى قعد «٢» (حرف النون) - نسوّد أعلاها وتأبى أصولها «٣» ... وليس إلى رد الشباب سبيل - نحن بنو الموتى فما بالنا ... نعاف ما لا بدّ من شربه - ندمت ندامة الكسعيّ لمّا ... رأت عيناه ما صنعت يداه «٤» (حرف الهاء) - هنّاكم الله بالدنيا ومتعكم ... بما تحب لكم منها ونرضاه - هل بالحوادث والأيام من عجب ... أم هل إلى رد ما قد فات من طلب - هب الدنيا تقاد إليك عفوا ... أليس مصير ذاك إلى الزوال - هنيئا لمن لا ذاق للدهر لوعة ... ولم تأخذ الأيام منه نصيبا - هم يحسدوني على موتي فواحزني ... حتى على الموت لا أخلو من الحسد

стр. 38

(حرف الواو) - ولم أر كالمعروف أمّا مذاقه ... فحلو وأمّا وجهه فجميل - وإذا خشيت من الأمور مقدرّا ... وهربت منه فنحوه تتوجّه - والرزق يخطىء باب عاقل قومه ... ويبيت بوّابا بباب الأحمق - ولا يغررك طول الحلم منّي ... فما أبدا تصادفني حليما - ولا خير فيمن لا يوطّن نفسه ... على نائبات الدهر حين تنوب - وإذا أتتك مذمتي من ناقص ... فهي الشهادة لي بأنّي كامل - وما للمرء خير في حياة ... إذا ما عدّ من سقط المتاع - وما المرء إلا كالهلال وضوئه ... يوافي تمام الشهر ثم يغيب - وقد تسلب الأيام حالات أهلها ... وتعدو على أسد الرجال الثعالب - ومن يأمن الدهر الخؤون فإنني ... برأي الذي لا يأمن الدهر أقتدي - وإذا افتقرت إلى الذخائر لم تجد ... ذخرا يكون كصالح الأعمال - ومن يكن الغراب له دليلا ... يمرّ به على جيف الكلاب - ومن يك مثلي ذا عيال ومقترا «١» ... من الزاد يطرح نفسه أيّ مطرح - ولربما منع الكريم وما به ... بخل ولكن سوء حظ الطالب - ولا بات يسقينا سوى الماء وحده ... وهذا جزا من بات ضيف الضفادع - ومن عاش في الدنيا فلا بدّ أن يرى ... من العيش ما يصفو وما يتكدر - ولو دامت الدولات دامت لغيرنا ... رعايا ولكن ما لهنّ دوام - وأحسن فإنّ المرء لا بدّ ميّت ... وأنّك مجزيّ بما كنت ساعيا - ولا ترينّ الناس إلّا تجملا ... وإن كنت صفر الكفّ والبطن طاويا - وما لا مرىء طول الخلود وإنّما ... يخلّده طول الثناء فيخلد - ولربّ نازلة يضيق بها الفتى ... ذرعا وعند الله منها المخرج - وكان رجائي أن أعود ممتّعا ... فصار رجائي أن أعود مسلّما - وتجلّدي «٢» للشامتين أريهم ... أنّي لريب الدهر لا أتضعضع - ولا بد من شكوى إلى ذي مروءة ... يواسيك أو يسليك أو يتوجع - وهوّن حزني عن خليلي أنّني ... إذا شئت لاقيت الذي مات صاحبه - ويوم علينا ويوم لنا ... ويوم نساء ويوم نسر (حرف اللام ألف) - لا تنظرنّ إلى الجهالة والحجى «٣» ... وانظر إلى الإقبال والإدبار - لا يسأل المرء عن خلائقه ... في وجهه شاهد من الخبر - لا يصبر الحر تحت ضيم ... وإنما يصبر الحمار - لا تنه عن خلق وتأتي مثله ... عار عليك إذا فعلت عظيم - لا يبالي الشتم عرض ... كلّه شتم وذمّ - لا تنظرنّ إلى امرىء ما أصله ... وانظر إلى أفعاله ثم احكم - لا يسكن المرء في أرض يهان بها ... إلا من العجز أو من قلّة الحيل - لا يقبلون الشكر ما لم ينعموا ... نعما يكون لها الثناء تبيعا

стр. 39

- لا أسأل الناس عمّا في ضمائرهم ... ما في ضميري لهم من ذاك يكفيني (حرف الياء المثناة التحتية) - يفرّ من المنية كلّ حي ... ولا ينجي من القدر الحذار «١» - يريك الرضا والغلّ حشو جفونه ... وقد تنطق العينان والفم ساكت «٢» - يهمهم للشعير إذا رآه ... ويعبس إن رأى وجه اللجام - يفارقني من لا أطيق فراقه ... ويصحبني في الناس من لا أريده - يزيد تفضّلا وأزيد شكرا ... وذلك دأبه أبدا ودأبي - يواسي الغراب الذئب في كل صيده ... وما صارت الغربان في سعف النخل - يهون علينا أن تصاب جسومنا ... وتسلم أعراض لنا وعقول - يغرّ الفتى مرّ الليالي سليمة ... وهنّ به عمّا قليل غوائر - يغيظني وهو على رسله ... والمرء في غيظ سواه حليم - يريك البشاشة عند اللقا ... ويبريك في السر بري القلم الفصل الخامس في الأمثال السائرة بين الرجال والنساء مرتبة على حروف المعجم (حرف الألف) - إن كنت ما تعمل جميل اعمل كما يعمل معك.- إذا أبغضك جارك، حوّل باب دارك.- إذا كان صاحبك عسل، لا تلحسه كله.- المستعجل والبطيء عند المعدية «٣» .- تلتقي ألف ذقن، ولا سلام عليكم.- ألف ذقن ولا ذقني.- إذا غاب عنك أصله، كانت دلائل نسبته فعله.- إذا وصلت وسلم الله بع بما قسم الله.- إذا كنت أعمى وأطروش شم رائحة النقوش.- إذا كان النبيذ دردي «٤» ، والعشيق كردي، والبقل فول حار، والعشاء بيسار «٥» إيش يكون الحال.- إذا كان القطن أحمر، والمغسل أعور، والدكة مخلعة، والنعش مكسر، اعلم أن الميت من أهل سقر، والوادي الأحمر.- إيش ينفع الضراط عند طلوع الروح، قال تقريف للحاضرين وتفريق للملائكة.- الفشر والنشر والعشا خبيزة.- أكل الدقة والنوم في الأزقة ولا دجاجة محمرة يعقبها مشقة. إيش أنت في الحارة يا منخل بلا طارة.- الرجم بالطوب ولا الهروب.- إذا وقعت يا فصيح لا تصيح.- أقرع يقول لأقرع امش بنا نزرع في بركة القرعان إيش ما يطلع يطلع النصف لي والربع لي والثمن لي والثمن الآخر لك.- والله العدو ما يبقى حبيب حتى يصير الحمار طبيب.- أقعد يا حمار حتى ينبت لك الشعير. أي موضع راح الحزين يلقى جنازة «٦» . قال الشاعر: - إن دام هذا السير يا مسعود ... لا جمل يبقى ولا قعود غيره: - إذا لم تكن لي والزمان شرم برم ... فلا خير فيك والزمان ترللّي «٧» غيره: - إذا أقبلت كادت تقاد بشعرة ... وإن أدبرت كادت تقدّ السلاسلا (حرف الباء الموحدة) بينما يتروى البخيل قضى الكريم حاجته.- بينما يسعد المعتر فرغ عمره.- بينما أصل قبره نسيت همّه. بينما يعدل المعتر حاله جاء الموت شاله.- بينما يخلص ربنا حقي اتفرقعت جوزة حلقي. بينما يقطع الجريد يفعل الله ما

стр. 40

يريد.- بينما يجيء الترياق من العراق يكون الملسوع مات.- بين حانة وبانة حلقت لحانا.- بدوي مقروح لقي التمر مطروح، أين يخلي ويروح.- بدال لحمتك وقلقاسك هات لك شد على راسك.- بدال اللحمة والباذنجان هات لك قميص يا عريان.- بدال لحمتك التلاتة هات لك شد يا شماتة.- بقى للكلب سرج وغاشية وغلمان وحاشية.- بقي للخرا مرا وصار يحلف بالطلاق «١» .- بعد الجوع والقلة بقي لك حمار وبغلة. (حرف التاء المثناة من فوق) - تموت الحدادي وعينها في الصيد.- تعالوا بنا نقتبح ونرجع غدا نصطلح.- تدحرج الخرا لعند البعر قال له: إيش أنت قال له بزم قردش.- ترك الفضول من حزم العقول.- تراب العمل ولا زعفران الباطلة.- تسكر وتخانق ما هو شيء موافق.- تجارة الأحمق على أهل بيته. - تضارب الريح مع الموج جاء الهم على النواتية «٢» .- تزاوروا ولا تجاوروا.- تبات نار تصبح رماد، لها رب يدبرها. (حرف الثاء المثلثة) - ثوب العيرة ما يدفي.- ثقيل واسمه صخر بن جبل.- ثور علّقوه أغمي عليه قال: حتى يطلع شيء يرشوه عليه.- ثور عاجز ما يدور ساقية ثقيلة- من أولاد الزنا مر العنا- ثوب عليه وثوب على الوتد، قال: أنا اليوم أحسن من كل من في البلد. (حرف الجيم) - جور القط ولا عدل الفار.- جمل موضع جمل يبرك.- جهد المقل دموعه.- جمل بحبه قال: وأين المحبة- جيت أصطاد صادوني.- جار له حق وجار ما له حق وجار لا صحبته عافية.- جارك مرآك إن لم ينظر وجهك نظر قفاك. جا «٣» كتاب من عند خاله قال كل من هو في حاله. جا «٤» كتاب من عند عمه قال كل من هو ملهي بهمه.- جاءوا ينعلوا خيل الباشا مدت أم قويق رجلها.- جوزوها له ما لها إلا له.- جوزوا مشكاح لريمة ما على الاثنين قيمة. (حرف الهاء المهملة) - حاجة لا تهمك وصّي عليها زوج أمك.- حوّل حبيبي ما عونه وقدرته مع كانونه.- حمار حنكوه بالتوت على باب الغيط يموت.- حلينا القلوع وأرسينا وأصبحنا على ما أمسينا.- حب وداري واكره وداري.- حدثتني ونصحتني عايرتني وجرصتني.- حط فليساتك في كمك واشتر أبوك وأمك.- حبة قرض تخرب أرض. (حرف الخاء المعجمة) - خديني وارغبي فيه أنا حصاد ملوخية وعند الخبز آكل مية وعند الشغل ما لي نية.- خبثت لي وصلحت لك. - خذ ذا الصبي فوق صبيانك تمام لأحزانك.- خزينة في جرة وملحه في صرة.- خبزه بلا إدام ويعزم على الجيران. (حرف الدال المهملة) - دار الظالم خراب ولو بعد حين.- درهم لك ودرهم عليك ودرهم لا لك ولا عليك.- دواء ما لا تشتهي النفوس تعجيل الفراق. (حرف الذال المعجمة) - ذا درب ما يسد ريح.- ذي ما هي رمانة إلا قلوب ملآنة.- ذا لي وذا أيدي عليه.- ذي مائدة ما يقعد عليها طفيلي.- ذا الخبز ما هو من دار العميان.- الولد خرا من ظرفه كل من شال رجليه حك أنفه- ذكروا مصر القاهرة قامت باب اللوق بحشايشها.- ذكروا المدن جاءت القرى تحجل. (حرف الراء المهملة) - راح ذاك الزمان بناسه، وجا هذا الزمان بفاسه، وكل من تكلم بالحق كسروا راسه.- رأوا حجّار راكب حيط قالوا: إلى أين يا حجّار قال: مسافر. قالوا: من كانت هذه المطية مطيته لا يشرق ولا يغرب- رأوا سكران يقرأ قالوا: غنّ تشاكل روحك.- رأوا شيخا يتهجّى قالوا: يختم على الصراط.- رأوا وردانة على سنداس قالوا: ما لذي الفسيقة إلا ذي البليطة.- رأوا على قبره مكتوب يا سعادة ساكنه قالوا أبصر من يزاحمه.- راكب بلاش ويناغش مراة الريس.- ركبتك وراي حطيت يدك في الخرج.- راح الجندي وخلى خلقه عندي.- رزق الكلاب على المجانين.- راسين في عمامة ما يكون.- راحت على جمل، وجاءت على قطة قال ما لذي الشيلة إلا ذي الحطة.

стр. 41

قال الشاعر: راح الذي كنا نعي ... ش بفضله بين الورى وبقي الذين حياتهم ... ووجودهم مثل الخرا (حرف الزاي المعجمة) - زقزوق على بركة يضحك وهو ضحكة.- زاوية بلا عيش بنيت ليش.- زوج القصيرة يحسبها صغيرة. زوجت بنتي أقعد في دارها جاتني وأربعة وراها «١» . قال الشاعر: زوجت بنتي تنستر ... ويمتلي بيتي قماش جا غزلها في أكلها ... ونيكها طلع بلاش - زنبور زن على حجر مسن، قال له: إيش تريد قال: ألحسك قال له: أنا ألحس البولاد.- زنبور زن على فلس جحش، قال له: إيش تطلب قال له: عسل. قال له: قصدت معدن يا دندن. (حرف السين المهملة) - سل المجرب ولا تنس الطبيب.- سمّوك مسحر قال فرغ رمضان.- سموك حبل قال وطولت.- سمّوك راجح قال إن شاء الله تجي الحق.- سبع وزر ولا انستر. (قال الشاعر) : سيغني الله عن بقراط دنّ ... ويأتي الله باللبن الحليب وقال آخر: سيغني الله عن زيد وعمرو ... ويأتي الله بالفرج القريب (حرف الشين المعجمة) - شره ووضيع ويغضب سريع.- شيء ما نابه وتقطعت ثيابه.- شعر يحلق وشعر ما يحلق.- شرب السموم القاتلة ولا الحاجة إلى السفل.- شمني ولا تدعكني.- شيء ما يجيء على القلب عنايته صعبة.- شرا العبد ولا تربيته.- شخت بغلة عامت زبلة.- ركبت خنفسة زمر زنبور قال: ما هذا الجوق الجليل إلا لمقطعات النيل. (حرف الصاد المهملة) - صام سنة وفطر على بصلة.- صبري على الحبيب ولا فقده.- صاحب يضر عدو مبين.- صباح الفوّال ولا صباح العطّار.- صباحك يا أعور قال ذي خناقة بايتة.- صباح الخير يا جاري قال: أنت في دارك وأنا في داري. (حرف الضاد المعجمة) - ضرب الحبيب كأكل الزبيب.- ضربتين في الرأس تعمي» .- ضرب وبكي وسبق يشتكي.- ضربة على كيس غيري كأنها في عدل حنا، ضمّنوا حدّاية لغراب قال: الكل يطيروا.- ضربوا بياع الكسبرة خري بياع التوم، قال: ذي داهية جات على الخضرية. (حرف الطاء المهملة) - طارت الطيور بأرزاقها.- طفيلي ويجلس في الصدر.- طفيلي ويقترح- طويل الكم خطار قليل الفرح في الدار.- طبق وجارية على صحن بسارية.- طبلوا جاكم عثمان يد من ورا ويد من قدام.- طعامك ما جاني ودخانك عماني.- طار طيرك وأخذه غيرك.- طول ما أعيش يكفيني رعي الحشيش.- طوّل الغيبة وجانا بالخيبة. (حرف الظاء المعجمة) - ظهرك عندي نصف الليل. (حرف العين المهملة) : - عنقود مدلّى في الهوا من لا يصل إليه يقول حامض ولا استوى.- عشق بداله لا أباله.- عاشق ما يسمع بكا صغير.- عاشق ما يسمع كلام مفارق.- عاشق مقل شيء ما زرع إيش جا يستغل.- عزومة حسبت عليك كل وبحلق عينيك.- عند المخاضة يبان القيليط.- عند الطعان يبان الفارس من الجبان.- عريان التينة وفي حزامه سكينة.- عريان وفي كمه ميزان. (حرف الغين المعجمة) - غابت السباع ولعبت الضباع.- غربة وكربة ما يحمل الحال.- غطّاس وقلقاس نحسين في قدرة.- غالي السوق ولا رخيص البيت. (حرف الفاء) - فرجة بلا كسر تعمي البصر.- فقير ونقير وكلامه كثير

стр. 42

ويقول هاتوا عشا من يخني.- فوق الشراطة ملخ ودانه.- فارس خرا ويسوق في الوحل.- فارس خرا واسمه عنتر.- فارس خرا ويسابق الخيل.- فرد ضربة في الرأس تكفي.- فصدوا قرد ضرط قالوا به دم زايد.- فرغت الرعانة يا جانم. (حرف القاف) - قالوا للأعمى زوّق عصاتك قال هو أنا محب فيها.- قالوا للحمار اجتر قال مضغ المحال ما ينطلي.- قالوا للقرد شب أيادي ملاح وتمسك الماصول.- قالوا للقرد اطلب من ربك قال هو أنا عنده بوجه يبسط.- قالوا للجمل زمّر قال لا شفف ملمومة ولا أيادي مفرودة.- قالوا للدبة طرزي قالت: ذي خفة أيادي.- قالوا للكلاب احرثوا قالوا: ما جرت بهذا عادة.- قالوا للغراب ما لك تسرق الصابون قال الأذى طبعي.- قالوا لبقر الديوان إذا متم يكفنوكم في حرير قالوا اشتهينا نروح بجلودنا.- قالوا للغزالة احركي حركت ذنبها. (حرف الكاف) - كل من عودته بأكلك كلما نظرك جاع.- كشكار دايم ولا علامة مقطوعة «١» .- كل كرها واشرب كرها ولا تعاشر كرها.- كل هم كاوي عند همي ياوي.- كل شيء لا يشبه قانيه حرام.- كل مائة عصفور ما يجو حداية.- كل ألف مصة ما يجو بغصّة. كل ألف بوسة ما يجو بعبوسة.- كملت يا لحمان بالشعرة والصنان- كمل حبيبي كل المعاني أعرج وقيليط ومعجباني- كمل حبيبي وأكمل أعرج وقيليط وأحول وفيه عادة أخرى لمن يواصل يخرا- كأنه خان للغجر ولا يوحشه من غاب ولا يؤانسه من حضر- كأنه من طواحين الكشكار داير على رجل الفار. كأنه عصفور ينيك بلاش ويأوي في الأعشاش. (حرف اللام) - لولاك يا كمي ما أكلت يا فمي- لولاك يا لساني ما انسكيت يا قفاي «٢» - لولا الغيرة والحسد كانت عجوزة كفت بلد- لولا أختك ما صرت ابن عمتك- لو قليناها بلية ما جات هكذا- لو كان فيها خير ما رماها طير- لك وعليك ما يصعب عليك- لك أسوة بغيرك- لقمة بدقة ولا خروف بزقة- لقمة تحت حيطة ولا خروف بعيطة- لو سلم الكرم من حارسه طابت مغارسه- لو تقطع يده وتدليها من فيه صنعة ما يخليها- لو عمل لي من الذهب وليمة هو عندي بتلك العين القديمة- لو شال رأسه إلى السما كأنه عصيدة بما «٣» - لو نظر الجمل لصنمه كان كدمه- لولا الكشط والبراية ما كانت لأولاد الخرا كتاب. (حرف الميم) - محبة بلا حبة ما تساوي حبة- ما شلتك يا دمعتي إلا لشدتي- من عاشر غير جنسه دق الهم صدره- من قدم النحس تعب في تأخيره ومن عاشر الحداد احترق بناره- من عاشر الزبداني فاحت عليه روايحه. من ركب في غير سرجه وغرزه دخل الهوا إسته وهزه- من لا يحط يده لزنده ما يعرف حره من برده- ما رأيتك يا نور حتى ابيضت العيون- ما لي على فراقكم جلد إلا هجاجي من البلد- ما كفانا هم أبونا قام أبونا جاب أبوه، قال خذوا جدكم ربوه- من عدم نابه ونصابه وثيابه وشبابه كان الموت أولى به- من يكلم القبح يروح عرضه وينفضح. ما تنقدوهم كلهم زغليه ما فيهم من يعجب النقاد. (حرف النون) - نواية تسند الجرة قال وتسند الزير الكبير- نفسك أتلفت أي شيء أخلفت- نصف البلا ولا البلا كله- ناقص ونحّاس- ناموسة باتت على شجرة أصبحت تقول خاطرك قالت لها وأنت كنت على أي ورقة- نيتك مطيتك- نسيت يا فلاح ما كنت فيه، كعبك المشقق والوحل فيه- نيك حتى تبقى ديك. (حرف الهاء) - هانت الزلابية حتى أكلها بنو وائل- هان المسك وانتثر- هدية تعرّ قومها تخليتها ولا لومها- هدية الأحباب على ورق السداب- قال هو أعمى عن ورق الموز- هو عرس تأكل وتنسل- أهدوا هدية وأعينهم فيها يقولوا الله يردها- هاتوا ذا الغزل المخبل لذا القلب المدبل. (حرف الواو) - واحد نتفه وآخر لقفه وقال آخر يا قريب الفرج- واحد بيخطبوا له وهو قائم عليه قال أنا في حاجتك- واحد جائز رأى قرد يجرش ترمس قال ما لذي الفاكهة البدرية إلا ذي الصورة القمرية- واحد سموه عنبر وصنعته سرباتي، قال الذي كسبه في الاسم خسره في الصنعة- وحش ويكش ويقعد في الوش ويغني بلينا بكم- وقت أكل الدجاج ما

стр. 43

يفتكروني وفي وقت شيل التراب هات يدك- وإيش قام على تومه بفصل الحكومة- وقت الشوا واليخني ما قلت يا أخي الحقني ووقت ضرب الدرة قلت اصفعوه واصفعوني. (حرف اللام ألف) - لا تعيرني ولا أعيرك الدهر حيرني وحيرك «١» - لا أصل شريف ولا وجه ظريف- لا أخوك ولا ابن عمك تشقق ثوبك على إيش.- لا عاش بليق.- لا حراس ولا دراس.- لا عاش العار ولا بنى له دار.- لا ربح ثوابه ولا خلاه لأصحابه.- لا في الفراق نجد راحة ولا في الوصل.- لا تشكرن فتى حتى تجربه.- لا تفرح لمن يروح حتى تنظر من يجي.- لا يضر السحاب نبح الكلاب.- لا يغرك تظريفي الأصل في ريفي. (حرف الياء) - يا شب مليح ما أحسن وصفك لا في يدك ولا في طرفك.- يا ويل من ذاق الغنى بعد جوعة يموت وفي قلبه من الهم واجس.- يا طارق الباب بعد العشي لا تطرق الباب ما تم شي.- يا من ملّنا ما كان حلّنا، لسا ما لنا في العشرة سنة.- يهنيكم قدومه قد جاكم بشومه.- يا ليتنا انكسرنا ولا بك انتصرنا.- يا ويل من كان عشيه من بيت خيه.- يا طالب الشر بلا أصل تعال للصائم بعد العصر. [الفصل السادس فى] أمثال النساء (حرف الألف) - أحبك يا سواري مثل معصمي لا.- الذي في قلب أم حنين تحلم به في الليل.- إن كنتي حرة لا تضيعي نقابك بره.- إن لم تعملي وتفتخري وإلا انهري وانعفري.- إن كانت الداية أحن من الوالدة قال ذي داهيه عيارة.- الكلام لك يا جارة إلا أنت حمارة.- إيش تعمل الماشطة في الوجه المشؤوم.- إيش قام على الحزينة بالنقش والزينة.- إيش ينفع النفخ في الوجه الأصم.- أرملة عدس ومتزوجة عدس، أقعدي بعدسكي الاسم زوج والطعم الترمل. - العاقلة فينا تزني بيقطينا.- إذا كان زوجي راضي إيش فضول القاضي.- استعارت الرعنه شيء حسبته لها أخذت المقص ودارته لها.- اقعدي في عشك حتى يجي حد ينشك. (حرف الباء الموحدة) - بعد أن كنتي لي وحدي بقيت أسمع أخبارك.- بعد سنة وشهرين جابت بنت بشفرين.- بعد أن كان زوجها بقي طباخ في عرسها.- بعد مشيك في الحلقة بقالك سلالم وغرفة واسم ستيتة.- بعد أمي وأختي الكل جيراني.- بينما تتنقب الحولة انصرف القاضي.- بنت الخرا تزف لابن الخرا بدف.- باتت ناموسة على جميزة قالت صبحك الله بالخير قالت من درى بك قبلا.- بدال ما تمشي وتهزي كتفك رقعي فردة خفك.- بخرا «٢» وتزاحم بالبوس. بقي لأم سيسي برقع وللضفدعة زمارة.- بعد مشيك في الخلافي لبستي الصافي.- بعيد على الحزينة تستعمل الزينة. (حرف التاء) - تابت القحبة يوم وليلة قالت ما بقي في البلد حكام.- تضاربت المجنونة والحمقا حسبته الرعنة من حقا.- تضارب وتتعرى وتصيح يا قلة رجالي.- تأخذوا أبونا وتكابرونا.- ترتانة وبيبانة ومفاتيح الخزانة.- تباهت الرعنة بشعر بنت أختها.- تخلوني وإلا استحل بجارنا قالت إذا كان ذا قبلك خذيه بلا استحلال.- تتغمّى بالخرج ولا تخلي الغنج.- تقعد عيوشة في ديارتها ما لا حد حاجة في زيارتها. (حرف الثاء) - ثوب سيدي ثوب حبيبي، ثوب ستي ثوب قحبة. (حرف الجيم) - جارة بجارة والعداوة خسارة.- جاني عذولي ورتالي ما هي محبة إلا شماتة لي.- جارية وزبدية على باذنجانة مقلية.- جاتنا العدوة مكحلة قطران ما هي إلا غيرة وقلبها فرحان.- جاب ثيابه يغسلهم بلا صابونة معهم. (حرف الحاء المهملة) - حولة وتنتقب بنخ.- حزانى ما عندهم دقيق اشتروا لهم منخل رقيق.- حزانى ما عندهم خبز اشتروا لهم بعشرة ملوخية.- حزينة وواعية.- حبلة ومرضعة وعلى كتفها أربعة، وطلعت الجبل تجيب دوا للحبل.- حولة ونصرانية لا مليحة ولا أصل طيب.- حزينة ما لها مملوك سمت زنبورها خوش كلدم. حزينة مالها ملك اكترت لها بواب.- حزينة ما لها كاملية طلبت لها خف وشعرية. (حرف الخاء المعجمة) - خطبوها تعززت وكان زمان البوار.- خلت زوجها

стр. 44

مكروب وراحت تشوف المصلوب.- خذي قطيفة واكتمي سري قالت ما يطاوعني قلبي.- خلت ما يعنيها واتبعت حك رجليها. (حرف الدال المهملة) - دري زوجك بكتبتك تمي نهارك مع ليلتك.- دق من أسفل ولا تطلع ما أنت على القلب. (حرف الذال المعجمة) - ذكرت العجوز أطلالها. (حرف الراء) - رقصتي ما أحسنتي كان قعادك أجمل.- رعنا يضحكوا بها ومن تضحك تساعدهم.- رأوا جاموسة منقبة بحصير قالوا ما لذا الشكل الوضيع إلا دا القماش الرفيع- راحت تبيع ربعة غابت جمعة- راحت رجال الهيبة وبقيت رجال الخيبة- راحت رجال اللحم والقلقاس وبقيت رجال الخبز بالفسفاس- رأوا خنفسة على مكنسة قالوا ما لذي الوصيفة إلا ذا الحمار الأزعر. (حرف الزاي) - زمر بالزميميرة تبان لك العاقلة من المجينينه- زوجي ما حكم علي قام لي عشيقي بشمعة- زوجوا بنت نشادري لسرباتي قالوا قليلات الخرا تتدحرج لبعضها. (حرف السين المهملة) - سودا وتتنقش بسباخ سودا- منقبة قفل على خزانة- سألوها عن أبيها قالت جدي شعيب. (حرف الشين المعجمة) شدي قرطاسك من عند موسه قالوا دا شي ما فرحتي به وأنتي عروسة.- شامتة ومعزية. (حرف الصاد المهملة) - صارت القحبة واعظة- صارت القويقة شاعرة. (حرف الضاد المعجمة) - ضحك ابن سنة غمي على أمه قالت ما أخف دمه. (حرف الطاء المهملة) - طلعت تترحم نزلت تتوحم. (حرف الظاء المعجمة) : - ظريفة وعفيفة ولها نفس شريفة. (حرف العين المهملة) - عميا تحفف مجنونة وتقول حواجبك سود مقرونة- عاقلة وجابت طفلة وجاتها خطّار واشتروا لها قلقاس ذكر وحطب أخضر في نهار مطر وقالوا لها اطبخي- على قدر لمحة تقع الصلحة- عجوزة وجابت غلام إذا جنت لا تلام- عجوزة وخرفانة دي داهية كمانة. (حرف الغين المعجمة) - غيرك يقوم مقامك عليش قلبي أعذبه. (حرف الفاء) - فرحت حزينة خربت مدينة. (حرف القاف) قالوا للمغاني اتزوقوا قلبوا عصايبهم- قحبة ما كنست بيتها كنست المسجد، قالوا دي قحبة تطلب الثواب-. (حرف الكاف) - كل من تبعت هواها صارت سراويلها رداها- كبرتي يا برقوقة وبقي لك دبوقة- كانوا مغاني صاروا ملاهي- لا راحت ولا جات كما هي- كلي قليه وباتي هنيه- كأنها من الباسطية قماش على جريدة- كأنها حزمة فجل أصفر وعرقها أخضر- كأنها من عمايم اليهود صفرا طويلة رفيعة- كأنها من بيت الوالي ما يتحدث فيها سوى الحاشية- كأنها ضبة جعيدي مخلوعة ولا تاخذ شي. (حرف اللام) لو كان ما ينقش إلا السّمان بارت المواشط من زمان- للساعة ما حبلت جابت المرسين- لولا المعاير ما كانت الحراير. (حرف الميم) - ماشطة وتمشط بنتها- من افتكرنا بياسمينا ما نسينا. (حرف النون) - نواية تسند الجرة قال وتسند الزير الكبير. (حرف الهاء) - هش يا دبانا أنا حبلي من مولانا. (حرف الواو) - وجه لا يرى بالذهب يشترى. (حرف اللام ألف) - لا أنتي مليحة ولا تغني بإيش تدلي. (حرف الياء) - يعيش المدلل بلا مكلل- يا غزالة الأقمار أين كنتي

стр. 45

بالنهار- يا ما تحت النقاب والشعرية من كل بلية- يا من ملّنا ما كان حلّنا للساعة ما لنا في العشرة سنة. الباب السابع في البيان والبلاغة والفصاحة وذكر الفصحاء من الرجال والنساء وفيه فصول الفصل الأول في البيان والبلاغة أما البيان فقد قال الله تعالى: الرَّحْمنُ ١ عَلَّمَ الْقُرْآنَ ٢ خَلَقَ الْإِنْسانَ ٣ عَلَّمَهُ الْبَيانَ ٤ «١» وقال ﷺ : «إن من البيان لسحرا» . قال ابن المعتز: البيان ترجمان القلوب وصيقل العقول. وأما حده فقد قال الجاحظ: البيان اسم جامع لكل ما كشف لك عن المعنى. وأما البلاغة فإنها من حيث اللغة هي أن يقال: بلغت المكان إذا أشرفت عليه وإن لم تدخله. قال الله تعالى: فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ «٢» . وقال بعض المفسرين في قوله تعالى: أَمْ لَكُمْ أَيْمانٌ عَلَيْنا بالِغَةٌ «٣» . أي وثيقة كأنها قد بلغت النهاية. وقال اليوناني: البلاغة وضوح الدلالة، وانتهاز الفرصة، وحسن الإشارة. وقال الهندي: البلاغة تصحيح الأقسام، واختيار الكلام. وقال الكندي: يجب للبليغ أن يكون قليل اللفظ كثير المعاني. وقيل: إن معاوية سأل عمرو بن العاص من أبلغ الناس؟ فقال: أقلهم لفظا، وأسهلهم معنى، وأحسنهم بديهة. ولو لم يكن في ذلك الفخر الكامل لما خص به سيد العرب والعجم ﷺ وافتخر به حيث يقول: «نصرت بالرّعب وأوتيت جوامع الكلم» . وذلك أنه كان ﵊ يتلفظ باللفظ اليسير الدال على المعاني الكثيرة. وقيل: ثلاثة تدل على عقول أصحابها، الرسول على عقل المرسل، والهدية على عقل المهدي، والكتاب على عقل الكاتب. وقال أبو عبد الله وزير المهدي: البلاغة ما فهمته العامة ورضيت به الخاصة. وقال البحتري: خير الكلام ما قل وجل ودل ولم يمل. وقالوا: البلاغة ميدان لا يقطع إلا بسوابق الأذهان، ولا يسلك إلا ببصائر البيان. وقال الشاعر: لك البلاغة ميدان نشأت به ... وكلّنا بقصور عنك نعترف مهّد لي العذر في نظم بعثت به ... من عنده الدرّ لا يهدى له الصّدف وروي أن ليلى الأخيلية مدحت الحجاج فقال يا غلام: اذهب إلى فلان، فقل له يقطع لسانها، قال: فطلب حجاما فقالت: ثكلتك أمك إنما أمرك أن تقطع لساني بالصلة، فلولا تبصرها بأنحاء الكلام ومذاهب العرب والتوسعة في اللفظ ومعاني الخطاب لتم عليها جهل هذا الرجل. وقال الثعالبي: البليغ من يحول الكلام على حسب الأمالي، ويخيط الألفاظ على قدر المعاني. والكلام البليغ ما كان لفظه فحلا، ومعناه بكرا. وقال الإمام فخر الدين الرازي رحمة الله تعالى عليه في حد البلاغة: إنها بلوغ الرجل بعبارته كنه ما في قلبه مع الاحتراز عن الإيجاز المخل، والتطويل الممل، ولهذه الأصول شعب وفصول لا يحتمل كشفها هذا المجموع ويحصل الغرض بهذا القدر وبالله التوفيق إلى أقوم طريق. الفصل الثاني في الفصاحة قال الإمام فخر الدين الرازي رحمة الله تعالى عليه: إعلم أن الفصاحة خلوص الكلام من التعقيد، وأصلها من قولهم أفصح اللبن إذا أخذت عنه الرغوة. وأكثر البلغاء لا يكادون يفرقون بين البلاغة والفصاحة، بل يستعملونهما استعمال الشيئين المترادفين على معنى واحدة في تسوية الحكم بينهما. ويزعم بعضهم أن البلاغة في المعاني، والفصاحة في الألفاظ، ويستدل بقولهم معنى بليغ ولفظ فصيح. وقال يحيى بن خالد: ما رأيت رجلا قط إلا هبته حتى

стр. 46

يتكلم، فإن كان فصيحا عظم في صدري، وإن قصر سقط من عيني. وقد اختلف الناس في الفصاحة، فمنهم من قال: إنها راجعة إلى الألفاظ دون المعاني، ومنهم من قال: إنها لا تخص الألفاظ وحدها. واحتج من خص الفصاحة بالألفاظ بأن قال: نرى الناس يقولون هذا لفظ فصيح، وهذه الألفاظ فصيحة، ولا نرى قائلا يقول: هذا معنى فصيح، فدل على أن الفصاحة من صفات الألفاظ دون المعاني. وإن قلنا إنها تشمل اللفظ والمعنى لزم من ذلك تسمية المعنى بالفصيح، وذلك غير مألوف في كلام الناس، والذي أراه في ذلك أن الفصيح هو اللفظ الحسن المألوف في الاستعمال بشرط أن يكون معناه المفهوم منه صحيحا حسنا. ومن المستحسن في الألفاظ تباعد مخارج الحروف، فإذا كانت بعيدة المخارج جاءت الحروف متمكنة في مواضعها غير قلقة ولا مكدودة، والمعيب من ذلك كقول القائل: لو كنت كنت كتمت الحبّ كنت كما ... كنّا وكنت ولكن ذاك لم يكن وكقول بعضهم أيضا: ولا الضعف حتى يبلغ الضعف ضعفه ... ولا ضعف ضعف الضعف بل مثله ألف وكقول الآخر: وقبر حرب بمكان قفر ... وليس قرب قبر حرب قبر قيل: إن هذا البيت لا يمكن إنشاده في الغالب عشر مرات متوالية إلا ويغلط المنشد فيه لأن القرب في المخارج يحدث ثقلا في النطق به. وقيل: من عرف بفصاحة اللسان لحظته العيون بالوقار. وبالفصاحة والبيان استولى يوسف الصديق ﵊ على مصر وملك زمام الأمور وأطلعه ملكها على الخفي من أمره والمستور. قال الشاعر: لسان الفتى نصف ونصف فؤاده ... فلم يبق إلّا صورة اللّحم والدّم وسمع النبي ﷺ من عمه العباس كلاما فصيحا فقال: بارك الله لك يا عم في جمالك. أي فصاحتك. وعرضت على المتوكل جارية شاعرة، فقال أبو العيناء «١» يستجيزها: أحمد الله كثيرا. فقالت: حيت أنشاك ضريرا. فقال: يا أمير المؤمنين قد أحسنت في إساءتها فاشترها. وقال فيلسوف: كما أن الآنية تمتحن بأطيانها، فيعرف صحيحها من مكسورها، فكذلك الإنسان يعرف حاله من منطقه. وقال المبرد: قلت للمجنون: أجزني هذا البيت: أرى اليوم يوما قد تكاثف غيمه ... وإبراقه فاليوم لا شك ماطر فقال: وقد حجبت فيه السحائب شمسه ... كما حجبت ورد الخدود المحاجر وقال عبد الملك لرجل: حدثني، فقال: يا أمير المؤمنين افتتح، فإن الحديث يفتح بعضه بعضا. وقال الهيثم بن صالح لابنه: يا بني إذا أقللت من الكلام أكثرت من الصواب، قال: يا أبت فإن أنا أكثرت وأكثرت؟، يعني كلاما وصوابا، قال: يا بني، ما رأيت موعوظا أحق بأن يكون واعظا منك. وقال الشعبي: كنت أحدث عبد الملك بن مروان وهو يأكل فيحبس اللقمة فأقول: أجزها أصلحك الله، فإن الحديث من وراء ذلك، فيقول: والله لحديثك أحب إليّ منها. وقال ابن عيينة: الصمت منام العلم، والنطق يقظته، ولا منام إلا بتيقظ ولا يقظة إلا بمنام. قال ابن المبارك: وهذا اللسان بريد الفؤاد ... يدلّ الرجال على عقله ومر رجل بأبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه، ومعه ثوب، فقال له أبو بكر ﵁: أتبيعه؟ فقال: لا، رحمك الله، فقال أبو بكر: لو تستقيمون لقوّمت ألسنتكم، هلّا قلت: لا ورحمك الله. ومنه: ما حكي أن المأمون سأل يحيى بن أكثم عن

стр. 47

شيء، فقال: لا، وأيد الله أمير المؤمنين، فقال المأمون: ما أظرف هذه الواو وأحسن موقعها. وكان الصاحب يقول: هذه الواو أحسن من واوات الأصداغ. ويقال: اللسان سبع صغير الجرم عظيم الجرم «١» . وقال بعضهم شعرا: سحبان يقصر عن بحور بيانه ... عجزا ويغرق منه تحت عباب وكذاك قسّ ناطق بعكاظه ... يعيا لديه بحجة وجواب «٢» وقيل أنه حج مع ابن المنكدر شابان، فكانا إذا رأيا امرأة جميلة قالا: قد أبرقنا، وهما يظنان أن ابن المنكدر لا يفطن، فرأيا قبة فيها امرأة، فقالا: بارقة، وكانت قبيحة، فقال ابن المنكدر: بل صاعقة. وكان أصحاب أبي علي الثقفي إذا رأوا امرأة جميلة يقولون: حجّة، فعرضت لهم قبيحة، فقالوا: داحضة «٣» . وكتب إبراهيم بن المهدي: إياك والتتبع لوحشيّ الكلام طمعا في نيل البلاغة، فإن ذلك العناء الأكبر، وعليك بما سهل مع تجنبك الألفاظ السفل. ويقال: القول على حسب همة القائل يقع والسيف بقدر عضد الضارب يقطع. وقال الأحنف: سمعت كلام أبي بكر حتى مضى، وكلام عمر حتى مضى، وكلام عثمان حتى مضى، وكلام علي حتى مضى رضي الله تعالى عنهم، ولا والله ما رأيت فيهم أبلغ من عائشة. وقال معاوية رضي الله تعالى عنه: ما رأيت أبلغ من عائشة رضي الله تعالى عنها، ما أغلقت بابا فأرادت فتحه إلا فتحته، ولا فتحت بابا فأرادت إغلاقه إلا أغلقته. ومن غريب الكنايات الواردة على سبيل الرمز، وهو من الذكاء والفصاحة: ما حكي أن رجلا كان أسيرا في بني بكر بن وائل وعزموا على غزو قومه، فسألهم في رسول يرسله إلى قومه، فقالوا: لا ترسله إلا بحضرتنا لئلا تنذرهم وتحذرهم، فجاءوا بعبد أسود، فقال له: أتعقل ما أقوله لك، قال: نعم إني لعاقل، فأشار بيده إلى الليل، فقال: ما هذا؟ قال: الليل. قال: ما أراك إلا عاقلا، ثم ملأ كفيه من الرمل وقال: كم هذا؟ قال: لا أدري وإنه لكثير، فقال: أيما أكثر، النجوم أم النيران؟ قال: كلّ كثير، فقال: أبلغ قومي التحية، وقل لهم يكرموا فلانا يعني أسيرا كان في أيديهم من بكر بن وائل، فإن قومه لي مكرمون، وقل لهم إن العرفج قد دنا وشكت النساء، وأمرهم أن يعروا ناقتي الحمراء فقد أطالوا ركوبها، وأن يركبوا جملي الأصهب بأمارة ما أكلت معكم حيسا، واسألوا عن خبري أخي الحارث. فلما أدى العبد الرسالة إليهم قالوا: لقد جنّ الأعور، والله ما نعرف له ناقة حمراء ولا جملا أصهب، ثم دعوا بأخيه الحارث فقصوا عليه القصة، فقال: قد أنذركم، أما قوله: قد دنا العرفج، يريد أن الرجال قد استلأموا ولبسوا السلاح وأما قوله: شكت النساء أي أخذت الشكاء للسفر، وأما قوله: أعروا ناقتي الحمراء أي ارتحلوا عن الدهناء، واركبوا الجمل الأصهب، أي الجبل. وأما قوله: أكلت معكم حيسا، أي أن أخلاطا من الناس قد عزموا على غزوكم لأن الحيس يجمع التمر والسمن والأقط، فامتثلوا أمره وعرفوا لحن الكلام وعملوا به فنجوا. وأسرت طيء غلاما من العرب، فقدم أبوه ليفديه، فاشتطوا عليه، فقال أبوه: والذي جعل الفرقدين يمسيان ويصبحان على جبل طيء ما عندي غير ما بذلته ثم انصرف، وقال: لقد أعطيته كلاما إن كان فيه خير فهمه، فكأنه قال له: إلزم الفرقدين يعني في هروبك على جبل طيء، ففهم الإبن ما أراده أبوه وفعل ذلك فنجى. وكانت علية بنت المهدي تهوى غلاما خادما اسمه طل، فحلف الرشيد أن لا تكلمه ولا تذكرة في شعرها، فاطلع الرشيد يوما عليها وهي تقرأ في آخر سورة البقرة، فَإِنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ ، فالذي نهى عنه أمير المؤمنين. ومن ذلك قولهم: تركت فلانا يأمر وينهى وهو على شرف الموت، أي يأمر بالوصية وينهى عن النوح، ويقال: ما رأيت فلانا، أي ما ضربته في رئته، ولا كلّمته أي ما جرحته، فإن الكلوم الجراح، وما رأيت ربيعا، فالربيع حظ الأرض من الماء، والربيع النهر، وما رأيت كافرا ولا فاسقا، فالكافر السحاب والفاسق الذي تجرد من ثيابه، وما رأيت فلانا راكعا ولا ساجدا ولا مصلّيا، فالراكع العاثر الذي كبا لوجهه، والساجد المدمن النظر، والمصلّي الذي يجيء بعد السابق، وما أخذت لفلان دجاجة ولا فروجا،

стр. 48

فالدجاجة الكبة من الغزل، والفروجة الدراعة، وما أخذت لفلان بقرة ولا ثورا. فالبقرة العيال الكثيرة. يقال: جاء فلان يسوق بقرة، أي عياله، والثور القطعة الكبيرة من الأقط. وحكي أن معاوية رضي الله تعالى عنه بينما هو جالس في بعض مجالسه وعنده وجوه الناس فيهم الأحنف بن قيس إذ دخل رجل من أهل الشام، فقام خطيبا، وكان آخر كلامه أن لعن عليا رضي الله تعالى عنه ولعن لاعنه، فقال الأحنف: يا أمير المؤمنين إن هذا القائل لو يعلم أن رضاك في لعن المرسلين للعنهم، فاتق الله يا أمير المؤمنين ودع عنك عليا رضي الله تعالى عنه، فلقد لقي ربه، وأفرد في قبره، وخلا بعمله، وكان والله المبرور سيفه الطاهر ثوبه العظيمة مصيبته، فقال معاوية: يا أحنف لقد تكلمت بما تكلمت، وأيم الله لتصعدن على المنبر فتلعنه طوعا أو كرها، فقال له الأحنف: يا أمير المؤمنين إن تعفي فهو خير لك وإن تجبرني على ذلك، فو الله لا تجري شفتاي به أبدا، فقال: قم فاصعد، قال: أما والله لأنصفنك في القول، والفعل، قال: وما أنت قائل إن أنصفتني، قال: أصعد المنبر، فأحمد الله وأثني عليه، وأصلي على نبيه محمد ﷺ ثم أقول: أيها الناس، إن أمير المؤمنين معاوية أمرني أن ألعن عليا، ألا وإن معاوية وعليا اقتتلا فاختلفا، فادعى كل واحد منهما أنه مبغي عليه وعلى فئته، فإذا دعوت فأمنوا رحمكم الله، ثم أقول اللهم العن أنت وملائكتك وأنبياؤك وجميع خلقك الباغي منهما على صاحبه، والعن الفئة الباغية، اللهم العنهم لعنا كثيرا أمنوا رحمكم الله. يا معاوية لا أزيد على هذا ولا أنقص حرفا ولو كان فيه ذهاب روحي. فقال معاوية: إذا نعفيك يا أبا بحر. وقال معاوية لعقيل بن أبي طالب: إن عليا قد قطعك وأنا وصلتك ولا يرضيني منك إلا أن تلعنه على المنبر قال: أفعل، فصعد المنبر، ثم قال بعد أن حمد الله وأثنى عليه وصلى على نبيه ﷺ : أيها الناس إن معاوية بن أبي سفيان قد أمرني أن ألعن علي بن أبي طالب، فالعنوه فعليه لعنة الله، ثم نزل، فقال له معاوية: إنك لم تبين من لعنت منهما بيّنه، فقال: والله لا زدت حرفا ولا نقصت حرفا، والكلام إلى نية المتكلّم. ودخلت امرأة على هرون الرشيد وعنده جماعة من وجوه أصحابه، فقالت: يا أمير المؤمنين: أقر الله عينك، وفرحك بما آتاك، وأتم سعدك لقد حكمت فقسطت، فقال لها: من تكونين أيتها المرأة. فقالت: من آل برمك ممن قتلت رجالهم، وأخذت أموالهم، وسلبت نوالهم. فقال: أما الرجال فقد مضى فيهم أمر الله، ونفذ فيهم قدره، وأما المال فمردود إليك، ثم التفت إلى الحاضرين من أصحابه، فقال: أتدرون ما قالت هذه المرأة، فقالوا: ما نراها قالت إلا خيرا. قال: ما أظنكم فهمتم ذلك، أما قولها أقر الله عينك، أي أسكنها عن الحركة، وإذا سكنت العين عن الحركة عميت، وأما قولها: وفرّحك بما آتاك، فأخذته من قوله تعالى: حَتَّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً «١» وأما قولها: وأتم الله سعدك، فأخذته من قول الشاعر: إذا تمّ أمر بدا نقصه ... ترقّب زوالا إذا قيل، تم وأما قولها لقد حكمت فقسطت، فأخذته من قوله تعالى: أَمَّا الْقاسِطُونَ فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً ١٥ «٢» ، فتعجبوا من ذلك. وحكي: أن بعضهم دخل على عدوه من النصارى، فقال له: أطال الله بقاءك، وأقر عينك، وجعل يومي قبل يومك، والله إنه ليسرني ما يسرك، فأحسن إليه، وأجازه على دعائه، وأمر له بصلة، وكان ذلك دعاء عليه لأن معنى قوله: أطال الله بقاءك، حصول منفعة المسلمين به في أداء الجزية، وأما قوله: وأقر عينك، فمعناه سكن الله حركتها أي أعماها، وأما قوله: وجعل يومي قبل يومك، أي جعل الله يومي الذي أدخل فيه الجنة قبل يومك الذي تدخل فيه النار، وأما قوله: إنه ليسرني ما يسرك، فإن العافية تسره كما تسر الآخر. فانظر إلى الاشتراك وفائدته، ولولا الاشتراك ما تهيأ لمتستر مراد ولا سلم له في التخلص قياد. وكان حماد الراوية لا يقرأ القرآن، فكلفه بعض الخلفاء القراءة في المصحف، فصحف في نيف وعشرين موضعا من جملتها قوله تعالى: وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ ٦٨ «٣» بالغين المعجمة والسين المهملة «٤» . وقوله: وَما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ

стр. 49

لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيَّاهُ «١» بالباء الموحدة لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً «٢» بالباء الموحدة. وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ «٣» بالجيم والباء الموحدة هُمْ أَحْسَنُ أَثاثاً وَرِءْياً «٤» بالزاي وترك الهمزة عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشاءُ «٥» بالسين المهملة صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً «٦» بالنون والعين المهملة. سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي «٧» بإسقاط التاء. بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقاقٍ ٢ «٨» بالغين المعجمة والراء المهملة قرن الشقاق بالغرة، وهذا لا يقع إلا من الأذكياء. وحكي أن المأمون ولّى عاملا على بلاد، وكان يعرف منه الجور في حكمه، فأرسل إليه رجلا من أرباب دولته ليمتحنه، فلما قدم عليه أظهر له أنه قدم في تجارة لنفسه، ولم يعلمه أن أمير المؤمنين عنده علم منه، فأكرم نزله وأحسن إليه، وسأله أن يكتب كتابا إلى أمير المؤمنين المأمون يشكر سيرته عنده ليزداد فيه أمير المؤمنين رغبة، فكتب كتابا فيه بعد الثناء على أمير المؤمنين: أما بعد، فقد قدمنا على فلان، فوجدناه آخذا بالعزم، عاملا بالحزم، قد عدل بين رعيته، وساوى في أقضيته، أغنى القاصد، وأرضى الوارد، وأنزلهم منه منازل الأولاد، وأذهب ما بينهم من الضغائن والأحقاد، وعمّر منهم المساجد الدائرة، وأفرغهم من عمل الدنيا، وشغلهم بعمل الآخرة، وهم مع ذلك داعون لأمير المؤمنين يريدون النظر إلى وجهه والسلام. فكان معنى قوله: اخذا بالعزم، أي إذا عزم على ظلم أو جور، فعله في الحال، وقوله: قد عدل بين رعيته وساوى في أقضيته، أي أخذ كل ما معهم حتى ساوى بين الغني والفقير، وقوله: عمّر منهم المساجد الدائرة، وأفرغهم من عمل الدنيا، وشغلهم بعمل الآخرة، يعني أن الكل صاروا فقراء لا يملكون شيئا من الدنيا، ومعنى قوله: يريدون النظر إلى وجه أمير المؤمنين، أي ليشكوا حالهم وما نزل بهم. فلما جاء الكتاب إلى المأمون عزله عنهم لوقته، وولّى عليهم غيره. ومن ذلك ما حكي أن القاضي الفاضل كان له صديق خصيص «٩» به، وكان صديقه هذا قريبا من الملك الناصر صلاح الدين، وكان فيه فضيلة تامة، فوقع بينه وبين الملك أمر، فغضب عليه، وهمّ بقتله، فتسحب إلى بلاد التتر، وتوصل إلى أن صار وزيرا عندهم، وصار يعرف التتر كيف يتوصل إلى الملك الناصر بما يؤذيه، فلما بلغه ذلك نفر منه وقال للفاضل: اكتب إليه كتابا عرّفه فيه أنني أرضى عليه، واستعطفه غاية الاستعطاف إلى أن يحضر، فإذا حضر قتلته، واسترحت منه، فتحير الفاضل بين الاثنين، صديقه يعز عليه، والملك لا يمكنه مخالفته، فكتب إليه كتابا واستعطفه غاية الاستعطاف، ووعده بكل خير من الملك، فلما انتهى الكتاب ختمه بالحمدلة والصلاة والسلام على النبي ﷺ وكتب إن شاء الله تعالى كما جرت به العادة في الكتب، فشدد «إن» ثم أوقف الملك على الكتاب قبل ختمه، فقرأه في غاية الكمال وما فهم إن، وكان قصد الفاضل إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ «١٠» ، فلما وصل الكتاب إلى الرجل فهمه، وكتب جوابه بأنه سيحضر عاجلا، فلما أراد أن ينهي الكتاب، ويكتب إن شاء تعالى مد النون وجعل في آخرها ألفا وأراد بذلك إِنَّا لَنْ نَدْخُلَها أَبَداً ما دامُوا فِيها «١١» فلما وصل الكتاب إلى الفاضل فهم الإشارة، ثم أوقف الملك على الجواب بخطه، ففرح بذلك. وحكي: أن بعض الملوك طلع يوما إلى أعلى قصره يتفرج، فلاحت منه التفاتة، فرأى إمرأة على سطح دار إلى جانب قصره لم ير الراؤون أحسن منها، فالتفت إلى بعض جواريه، فقال لها: لمن هذه؟ فقالت: يا مولاي هذه زوجة غلامك فيروز، قال: فنزل الملك وقد خامره حبها، وشغف بها، فاستدعى بفيروز، وقال له: يا فيروز، قال: لبيك يا مولاي، قال: خذ هذا الكتاب وامض به إلى البلد الفلانية، وائتني بالجواب، فأخذ فيروز الكتاب، وتوجه إلى منزله، فوضع الكتاب تحت رأسه، وجهّز أمره، وبات ليلته، فلما أصبح ودع أهله وسار طالبا لحاجة الملك، ولم يعلم بما قد دبره الملك، وأما الملك فإنه لما توجه فيروز قام مسرعا وتوجه متخفيا إلى دار فيروز، فقرع الباب قرعا خفيفا، فقالت امرأة فيروز: من بالباب؟ قال: أنا

стр. 50

الملك سيد زوجك، ففتحت له، فدخل وجلس، فقالت له: أرى مولانا اليوم عندنا، فقال: زائر. فقالت: أعوذ بالله من هذه الزيارة. وما أظن فيها خيرا، فقال لها: ويحك إنني الملك سيد زوجك، وما أظنك عرفتني فقالت: بل عرفتك يا مولاي، ولقد علمت أنك الملك، ولكن سبقتك الأوائل في قولهم: سأترك ماءكم من غير ورد ... وذاك لكثرة الورّاد فيه «١» إذا سقط الذباب على طعام ... رفعت يدي ونفسي تشتهيه وتجتنب الأسود ورود ماء ... إذا كان الكلاب ولغن فيه «٢» ويرتجع الكريم خميص بطن ... ولا يرضى مساهمة السفيه «٣» وما أحسن يا مولاي قول الشاعر: قل للذي شفّه الغرام بنا ... وصاحب الغدر غير مصحوب والله لا قال قائل أبدا ... قد أكل الليث فضلة الذيب ثم قالت: أيها الملك تأتي إلى موضع شرب كلبك تشرب منه، قال: فاستحيا الملك من كلامها وخرج وتركها، فنسي نعله في الدار، هذا ما كان من الملك. وأما ما كان من فيروز، فإنه لما خرج وسار تفقد الكتاب، فلم يجده معه في رأسه، فتذكر أنه نسيه تحت فراشه، فرجع إلى داره، فوافق وصوله عقب خروج الملك من داره، فوجد نعل الملك في الدار، فطاش عقله، وعلم أن الملك لم يرسله في هذه السفرة إلا لأمر يفعله، فسكت ولم يبد كلاما، وأخذ الكتاب، وسار إلى حاجة الملك، فقضاها، ثم عاد إليه، فأنعم عليه بمائة دينار، فمضى فيروز إلى السوق، واشترى ما يليق بالنساء، وهيأ هدية حسنة وأتى إلى زوجته، فسلم عليها، وقال لها: قومي إلى زيارة بيت أبيك، قالت وما ذاك؟ قال: إن الملك أنعم علينا وأريد أن تظهري لأهلك ذلك. قالت: حبا وكرامة، ثم قامت من ساعتها، وتوجهت إلى بيت أبيها، ففرحوا بها، وبما جاءت به معها، فأقامت عند أهلها شهرا، فلم يذكرها زوجها ولا ألم بها، فأتى إليه أخوها، وقال له يا فيروز: إما أن تخبرنا بسبب غضبك، وإما أن تحاكمنا إلى الملك، فقال: إن شئتم الحكم، فافعلوا، فما تركت لها عليّ حقا، فطلبوه إلى الحكم، فأتى معهم. وكان القاضي إذ ذاك عند الملك جالسا إلى جانبه، فقال أخو الصبية: أيد الله مولانا قاضي القضاة إني أجّرت هذا الغلام بستانا سالم الحيطان ببئر ماء معين عامرة، وأشجار مثمرة، فأكل ثمره، وهدم حيطانه، وأخرب بئره، فالتفت القاضي إلى فيروز، وقال له: ما تقول يا غلام؟ فقال فيروز: أيها القاضي قد تسلمت هذا البستان وسلمته إليه أحسن ما كان، فقال القاضي: هل سلم إليك البستان كما كان؟ قال: نعم، ولكن أريد منه السبب لرده. قال القاضي: ما قولك؟ قال: والله يا مولاي ما رددت البستان كراهة فيه، وإنما جئت يوما من الأيام، فوجدت فيه أثر الأسد، فخفت أن يغتالني، فحرمت دخول البستان إكراما للأسد، قال: وكان الملك متكئا فاستوى جالسا، وقال: يا فيروز ارجع إلى بستانك آمنا مطمئنا، فو الله إن الأسد دخل البستان ولم يؤثر فيه أثرا، ولا التمس منه ورقا، ولا ثمرا ولا شيئا، ولم يلبث فيه غير لحظة يسيرة، وخرج من غير بأس، وو الله ما رأيت مثل بستانك، ولا أشد احترازا من حيطانه على شجره، قال: فرجع فيروز إلى داره، ورد زوجته، ولم يعلم القاضي ولا غيره بشيء من ذلك والله أعلم. وهذا كله مما يأتي به الإنسان من غرائب الكنايات الواردة على سبيل الرمز، ومنه ما يجده المتستر في أمره من الراحة في كتمان حاله مع لزوم الصدق، ورضا الخصم بما وافق مراده لأن في المعاريض مندوحة عن الكذب. كما روي في غزوة بدر أن النبي ﷺ كان سائرا بأصحابه يقصد بدرا، فلقيهم رجل من العرب فقال: ممن القوم؟ فقال له النبي ﷺ : من ماء. أخذ ذلك الرجل يفكر ويقول: من ماء من ماء يرددها لينظر أي العرب يقال لهم ماء، فسار النبي ﷺ بأصحابه لوجهته، وكان قصده أن يكتم أمره وقد صدق رسول الله ﷺ في قوله، فإن الله قال: فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ مِمَّ خُلِقَ ٥ خُلِقَ مِنْ ماءٍ دافِقٍ ٦ «٤» .

стр. 51

وكما روي عن أبي بكر الصديق ﵁ أنه قال للكافر الذي سأله عن رسول الله ﷺ وقت ذهابهما إلى الغار: هو رجل يهديني السبيل، وقد صدق فيما قال ﵁، فقد هداه الله وهدانا السبيل، ولا سبيل أوضح ولا أقوم من الإسلام. وكما حكي عن الإمام الشافعي ﵁ أنه لما سأله بعض المعتزلة بحضرة الرشيد ما تقول في القرآن؟ فقال الشافعي: إياي تعني، قال: نعم. قال: مخلوق، فرضي خصمه منه بذلك، ولم يرد الشافعي إلا نفسه. وكما حكي عن ابن الجوزي رحمه الله تعالى أنه سئل وهو على المنبر وتحته جماعة من مماليك الخليفة وخاصته، وهم فريقان قوم سنية وقوم شيعة، فقيل له: من أفضل الخلق بعد رسول الله ﷺ أبو بكر أم علي ﵄، فقال: أفضلهما بعده من كانت ابنته تحته، فأرضى الفريقين ولم يرد إلا أبا بكر ﵁ لأن الضمير في ابنته يعود إلى أبي بكر ﵁، وهي عائشة ﵂، وكانت تحت رسول الله ﷺ ، والشيعة ظنوا أن الضمير في ابنته يعود إلى رسول الله ﷺ وهي فاطمة ﵂، وكانت تحت علي ﵁، فهذه منه جيدة حسنة وكلمة باتت جفون الفريقين منها وسنة، والله أعلم. الفصل الثالث في ذكر الفصحاء من الرجال دخل الحسن بن الفضل على بعض الخلفاء وعنده كثير من أهل العلم، فأحب الحسن أن يتكلم، فزجره وقال: يا صبي تتكلم في هذا المقام؟ فقال: يا أمير المؤمنين إن كنت صبيا، فلست بأصغر من هدهد سليمان ولا أنت بأكبر من سليمان ﵇ حين قال: أَحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ » ، ثم قال: ألم تر أن الله فهم الحكم سليمان ولو كان الأمر بالكبر لكان داود أولى. ولما أفضت الخلافة إلى عمر بن عبد العزيز، أتته الوفود، فإذا فيهم وفد الحجاز، فنظر إلى صبي صغير السن، وقد أراد أن يتكلم فقال: ليتكلم من هو أسن منك، فإنه أحق بالكلام منك، فقال الصبي: يا أمير المؤمنين لو كان القول كما تقول لكان في مجلسك هذا من هو أحق به منك، قال: صدقت، فتكلم، فقال: يا أمير المؤمنين: إنا قدمنا عليك من بلد تحمد الله الذي منّ علينا بك، ما قدمنا عليك رغبة منا ولا رهبة منك، أما عدم الرغبة، فقد أمنا بك في منازلنا، وأما عدم الرهبة، فقد أمنا جورك بعدلك، فنحن وفد الشكر والسلام. فقال له عمر ﵁: عظني يا غلام. فقال: يا أمير المؤمنين إن أناسا غرّهم حلم الله وثناء الناس عليهم، فلا تكن ممن يغره حلم الله وثناء الناس عليه، فتزل قدمك وتكون من الذين قال الله فيهم وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قالُوا سَمِعْنا وَهُمْ لا يَسْمَعُونَ ٢١ «٢» . فنظر عمر في سن الغلام فإذا له اثنتا عشرة سنة، فأنشدهم عمر رضي الله تعالى عنه: تعلّم فليس المرء يولد عالما ... وليس أخو علم كمن هو جاهل فإنّ كبير القوم لا علم عنده ... صغير إذا التفّت عليه المحافل وحكي: أن البادية قحطت في أيام هشام، فقدمت عليه العرب، فهابوا أن يكلموه، وكان فيهم درواس بن حبيب، وهو ابن ست عشرة سنة، له ذؤابة، وعليه شملتان، فوقعت عليه عين هشام، فقال لحاجبه: ما شاء أحد أن يدخل عليّ إلا دخل، حتى الصبيان، فوثب درواس حتى وقف بين يديه مطرقا فقال: يا أمير المؤمنين إن للكلام نشرا وطيا، وإنه لا يعرف ما في طيه إلا بنشره، فإن أذن لي أمير المؤمنين أن أنشره نشرته، فأعجبه كلامه، وقال له: انشره لله درك، فقال: يا أمير المؤمنين إنه أصابتنا سنون ثلاث، سنة أذابت الشحم وسنة أكلت اللحم، وسنة دقت العظم، وفي أيديكم فضول مال، فإن كانت لله ففرقوها على عباده، وإن كانت لهم، فعلام تحبسونها عنهم، وإن كانت لكم، فتصدقوا بها عليهم، فإن الله يجزي المتصدقين، فقال هشام: ما ترك الغلام لنا في واحدة من الثلاث عذرا، فأمر للبوادي بمائة ألف دينار، وله بمائة ألف درهم، ثم قال له: ألك حاجة؟ قال: ما لي حاجة في خاصة نفسي دون عامة المسلمين، فخرج من عنده وهو من أجلّ القوم. وقيل: إن سعد بن ضمرة الأسدي لم يزل يغير على النعمان بن المنذر يستلب أمواله حتى عيل صبره «٣» ، فبعث إليه يقول إن لك عندي ألف ناقة على أنك تدخل في طاعتي، فوفد عليه وكان صغير الجثة، اقتحمته عينه

стр. 52

وتنقصه «١» ، فقال: مهلا أيها الملك إن الرجال ليسوا بعظم أجسامهم، وإنما المرء بأصغريه قلبه ولسانه، إن نطق نطق ببيان، وإن صال صال بجنان «٢» ، ثم أنشأ يقول: يا أيّها الملك المرجوّ نائله ... إنّي لمن معشر شمّ الذرى زهر «٣» فلا تغرّنّك الأجسام إنّ لنا ... أحلام عاد وإن كنّا إلى قصر فكم طويل إذا أبصرت جثته ... تقول هذا غداة الروع ذو ظفر «٤» فإن ألمّ به أمر فأفظعه ... رأيته خاذلا بالأهل والزّمر «٥» فقال: صدقت، فهل لك علم بالأمور، قال: إني لأنقض منها المفتول، وأبرم منها المحلول، وأجيلها حتى تجول، ثم أنظر فيها إلى ما تؤول، وليس للدهر بصاحب من لا ينظر في العواقب. قال: فتعجب النعمان من فصاحته وعقله، ثم أمر له بألف ناقة وقال له: يا سعد إن أقمت واسيناك، وإن رحلت وصلناك، فقال: قرب الملك أحب إليّ من الدنيا وما فيها، فأنعم عليه وأدناه، وجعله من أخص ندمائه. وحكي: أن هرقل ملك الروم كتب إلى معاوية بن أبي سفيان ﵁ يسأله عن الشيء ولا شيء، وعن دين لا يقبل الله غيره، وعن مفتاح الصلاة، وعن غرس الجنة، وعن صلاة كل شيء، وعن أربعة فيهم الروح، ولم يركضوا في أصلاب الرجال وأرحام النساء، وعن رجل لا أب له، وعن رجل لا أم له، وعن قبر جرى بصاحبه، وعن قوس قزح ما هو، وعن بقعة طلعت عليها الشمس مرة واحدة ولم تطلع عليها قبلها ولا بعدها، وعن ظاعن ظعن مرة واحدة، ولم يظعن قبلها ولا بعدها، وعن شجرة نبتت من غير ماء، وعن شيء تنفس ولا روح له، وعن اليوم وأمس وغد وبعد غد، وعن البرق والرعد وصوته، وعن المحو الذي في القمر. فقيل لمعاوية لست هناك ومتى أخطأت في شيء من ذلك سقطت من عينه، فاكتب إلى ابن عباس يخبرك عن هذه المسائل، فكتب إليه، فأجابه، أما الشيء فالماء، قال الله تعالى: وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍ «٦» . وأما لا شيء فإنها الدنيا تبيد وتفنى، وأما دين لا يقبل الله غيره، فلا إله إلا الله، وأما مفتاح الصلاة، فالله أكبر، وأما غرس الجنة، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وأما صلاة كل شيء، فسبحان الله وبحمده، وأما الأربعة الذين فيهم الروح، ولم يركضوا في أصلاب الرجال وأرحام النساء، فآدم وحواء وناقة صالح وكبش إسماعيل، وأما الرجل الذي لا أب له فالمسيح، وأما الرجل الذي لا أم له، فآدم ﵇، وأما القبر الذي جرى بصاحبه، فحوت يونس ﵇ سار به في البحر. وأما قوس قزح فأمان من الله لعباده من الغرق، وأما البقعة التي طلعت عليها الشمس مرة واحدة، فبطن البحر حين انفلق لبني إسرائيل، وأما الظاعن الذي ظعن مرة ولم يظعن قبلها ولا بعدها، فجبل طور سيناء كان بينه وبين الأرض المقدسة أربع ليال، فلما عصت بنو إسرائيل أطاره الله تعالى بجناحين، فنادى مناد إن قبلتم التوراة كشفته عنكم ولا ألقيته عليكم، فأخذوا التوراة معذرين، فرده الله تعالى إلى موضعه، فلذلك قوله تعالى: وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ واقِعٌ بِهِمْ «٧» الآية. وأما الشجرة التي نبتت من غير ماء، فشجرة اليقطين التي أنبتها الله تعالى على يونس ﵇، وأما الشيء الذي يتنفس بلا روح، فالصبح. قال الله تعالى: وَالصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ ١٨ «٨» . وأما اليوم، فعمل، وأمس فمثل، وغد فأجل، وبعد غد فأمل. وأما البرق فمخاريق بأيدي الملائكة تضرب بها السحاب، وأما الرعد، فاسم الملك الذي يسوق السحاب وصوته زجره، وأما المحو الذي في القمر، فقول الله تعالى: وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً «٩» . ولولا ذلك المحو لم يعرف الليل من النهار، ولا النهار من الليل. ودعا بعض البلغاء لصديق له، فقال: تمم الله عليك ما أنت فيه، وحقق ظنك فيما ترجوه، وتفضل عليك بما لم تحتسبه.

стр. 53

وحكي: أن الحجاج سأل يوما الغضبان بن القبعثري عن مسائل يمتحنه فيها من جملتها أن قال له: من أكرم الناس؟ قال: أفقههم في الدين وأصدقهم لليمين، وأبذلهم للمسلمين، وأكرمهم للمهانين، وأطعمهم للمساكين. قال: فمن ألأم الناس؟ قال: المعطي على الهوان، المقتر على الإخوان، الكثير الألوان. قال: فمن شر الناس؟ قال: أطولهم جفوة، وأدومهم صبوة، وأكثرهم خلوة، وأشدهم قسوة. قال: فمن أشجع الناس؟ قال: أضربهم بالسيف. وأقراهم للضيف. وأتركهم للحيف. قال: فمن أجبن الناس؟ قال: المتأخر عن الصفوف المنقبض عن الزحوف، المرتعش عند الوقوف، المحب ظلال السقوف الكاره لضرب السيوف. قال: فمن أثقل الناس؟ قال: المتفنن في الملام، الضنين بالسلام، المهذار في الكلام، المقبقب على الطعام. قال: فمن خير الناس؟ قال: أكثرهم إحسانا وأقومهم ميزانا، وأدومهم غفرانا، وأوسعهم ميدانا. قال: لله أبوك، فكيف يعرف الرجل الغريب، أحسيب هو أم غير حسيب؟ قال: أصلح الله الأمير إن الرجل الحسيب يدلك أدبه وعقله وشمائله وعزة نفسه وكثرة احتماله وبشاشته وحسن مداورته على أصله، فالعاقل البصير بالأحساب يعرف شمائله، والنذل الجاهل يجهله، فمثله كمثل الدرة إذا وقعت عند من لا يعرفها ازدراها، وإذا نظر إليها العقلاء عرفوها وأكرموها، فهي عندهم لمعرفتهم بها حسنة نفيسة. فقال الحجاج: لله أبوك، فما العاقل والجاهل؟ قال: أصلح الله الأمير، العاقل الذي لا يتكلم هذرا، ولا ينظر شزرا، ولا يضمر غدرا، ولا يطلب عذرا، والجاهل هو المهذر في كلامه، المنان بطعامه، الضنين بسلامه المتطاول على إمامه، الفاحش على غلامه. قال: لله أبوك، فما الحازم الكيس؟ قال: المقبل على شأنه، التارك لما لا يعنيه، قال: العاجز؟ قال: المعجب بآرائه الملتفت إلى ورائه. قال: هل عندك من النساء خير؟ قال: أصلح الله الأمير إني بشأنهن خبير إن شاء الله تعالى. إن النساء من أمهات الأولاد بمنزلة الأضلاع إن عدلتها انكسرت، ولهن جوهر لا يصلح إلا على المداراة، فمن داراهن انتفع بهن وقرت عينه، ومن شاورهن كدرن عيشه، وتكدرت عليه حياته، وتنغصت لذاته، فأكرمهن أعفهن، وأفخر أحسابهن العفة، فإذا زلن عنها فهن أنتن من الجيفة. فقال له الحجاج: يا غضبان إني موجهك إلى ابن الأشعث وافد، فماذا أنت قائل له؟ قال: أصلح الله الأمير أقول ما يرديه ويؤذيه ويضنيه، فقال: إني أظنك لا تقول له ما قلت وكأني بصوت جلا جلك تجلجل في قصري هذا، قال: كلا أصلح الله الأمير سأحدد له لساني، وأجريه في ميداني، قال: فعند ذلك أمره بالمسير إلى كرمان، فلما توجه إلى ابن الأشعث وهو على كرمان بعث الحجاج عينا عليه أي جاسوسا، وكان يفعل ذلك مع جميع رسله، فلما قدم الغضبان على ابن الأشعث قال له: إن الحجاج قد همّ بخلعك وعزلك، فخذ حذرك، وتغدّ به قبل أن يتعشى بك، فأخذ حذره عند ذلك، ثم أمر للغضبان بجائزة سنية، وخلع فاخرة، فأخذها وانصرف راجعا، فأتى إلى رملة كرمان في شدة الحر القيظ وهي رملة شديد الرمضاء، فضرب قبته فيها، وحط عن رواحله فبينما هو كذلك إذا بأعرابي من بني بكر بن وائل قد أقبل على بعير قاصدا نحوه وقد اشتد الحر وحميت الغزالة وقت الظهيرة، وقد ظمىء ظمأ شديدا، فقال: السلام عليك ورحمة الله وبركاته. فقال الغضبان: هذه سنة وردها فريضة قد فاز قائلها وخسر تاركها، ما حاجتك يا أعرابي؟ قال: أصابتني الرمضاء وشدة الحر والظمأ، فيممت قبتك أرجو بركتها. قال الغضبان: فهلا تيممت قبة أكبر من هذه وأعظم. قال: أيتهن تعني؟ قال: قبة الأمير بن الأشعث. قال: تلك لا يوصل إليها. قال: إن هذه أمنع منها. فقال الأعرابي: ما اسمك يا عبد الله؟. قال: آخذ، فقال: وما تعطي؟ قال: أكره أن يكون لي إسمان. قال: بالله من أين أنت؟

стр. 54

قال: من الأرض. قال: فأين تريد؟ قال: أمشي في مناكبها. فقال الأعرابي وهو يرفع رجلا ويضع أخرى من شدة الحر: أتقرض الشعر؟ قال: إنما يقرض الفأر. فقال: أفتسجع؟ قال: إنما تسجع الحمامة. فقال: يا هذا ائذن لي أن أدخل قبتك. قال: خلفك أوسع لك. فقال: قد أحرقني حر الشمس. قال: ما لي عليها من سلطان. فقال: الرمضاء أحرقت قدمي. قال: بل عليها تبرد. فقال: إني لا أريد طعامك، ولا شرابك. قال: لا تتعرض لما لا تصل إليه، ولو تلفت روحك. فقال الأعرابي: سبحان الله. قال: نعم من قبل أن تطلع أضراسك. فقال الأعرابي: هل عندك غير هذا؟ قال: بلى. هراوة أضرب بها رأسك. فاستغاث الأعرابي يا جار بني كعب. قال الغضبان: بئس الشيخ أنت، فو الله ما ظلمك أحد فتستغيث. فقال الأعرابي: ما رأيت رجلا أقسى منك أتيتك مستغيثا فحجبتني وطردتني، هلا أدخلتني قبتك وطارحتني القريض؟ قال: ما لي بمحادثتك من حاجة. فقال الأعرابي: بالله ما اسمك، ومن أنت؟ فقال: الغضبان بن القبعثري. فقال: اسمان منكران خلقا من غضب. قال: قف متوكئا على باب قبتي برجلك هذه العوجاء. فقال: قطعها الله إن لم تكن خيرا من رجلك هذه الشنعاء. قال الغضبان: لو كنت حاكما لجرت في حكومتك لأن رجلي في الظل قاعدة ورجلك في الرمضاء قائمة. فقال الأعرابي: إني لأظنك حروريا. قال: اللهم اجعلني ممن يتحرى الخير ويريده، فقال: إني لأظن عنصرك فاسدا. قال: ما أقدرني على إصلاحه. فقال الأعرابي: لا أرضاك الله ولا حياك ثم ولى، وهو يقول: لا بارك الله في قوم تسودهم ... إني اظنّك والرحمن شيطانا أتيت قبّته أرجو ضيافته ... فأظهر الشيخ ذو القرنين حرمانا فلما قدم الغضبان على الحجاج وقد بلّغه الجاسوس ما جرى بينه وبين ابن الأشعث وبين الأعرابي قال له الحجاج: يا غضبان كيف وجدت أرض كرمان؟ قال: أصلح الله الأمير أرض يابسة الجيش، بها ضعاف هؤلاء إن كثروا جاعوا، وإن قلوا ضاعوا. فقال له الحجاج: ألست صاحب الكلمة التي بلغتني أنك قلت لابن الأشعث تغدّ بالحجاج قبل أن يتعشى بك، فو الله لأحبسنك عن الوساد، ولأنزلنك عن الجياد، ولأشهرنك في البلاد. قال: الأمان أيها الأمير، فوالله ما ضرت من قيلت فيه ولا نفعت من قيلت له. فقال له: ألم أقل لك كأني بصوت جلاجلك تجلجل في قصري هذا، اذهبوا به إلى السجن، فذهبوا به، فقيد وسجن، فمكث ما شاء الله، ثم إن الحجاج ابتنى الخضراء بواسط فأعجب بها، فقال لمن حوله: كيف ترون قبتي هذه وبناءها؟ فقالوا: أيها الأمير إنها حصينة مباركة منيعة، نضرة بهجة، قليل عيبها، كثير خيرها. قال: لم لم تخبروني بنصح؟ قالوا: لا يصفها لك إلا الغضبان، فبعث إلى الغضبان، فأحضره، وقال له: كيف ترى قبتي هذه وبناءها؟ قال: أصلح الله الأمير بنيتها في غير بلدك لا لك ولا لولدك لا تدوم لك، ولا يسكنها وارثك، ولا تبقى لك، وما أنت لها بباق. فقال الحجاج: قد صدق الغضبان ردوه إلى السجن، فلما حملوه قال: سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هذا وَما كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ «١» ، فقال: أنزلوه، فلما أنزلوه قال: رَبِ

стр. 55

أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبارَكاً وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ «١» فقال: اضربوا به الأرض، فلما ضربوا به الأرض قال: مِنْها خَلَقْناكُمْ وَفِيها نُعِيدُكُمْ وَمِنْها نُخْرِجُكُمْ تارَةً أُخْرى ٥٥ «٢» فقال: جروه، فأقبلوا يجرونه وهو يقول: بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها وَمُرْساها إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ٤١ «٣» فقال الحجاج: ويلكم اتركوه فقد غلبني دهاء وخبثا، ثم عفا عنه، وأنعم عليه، وخلى سبيله. وحدث الزبير قال: دخل محمد بن عبد الملك بن صالح على المأمون، وقد كانت ضياعهم أخذت، فقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين. محمد بن عبد الملك بين يديك سليل نعمتك وغصن من أغصان دوحتك، أتأذن له في الكلام، فقال: تكلم. قال: الحمد لله رب العالمين ولا إله إلا الله رب العرش العظيم، وصلى الله والملائكة على محمد خاتم النبيين، ونستمتع الله لحياطة ديننا ودنيانا، ورعاية أدنانا وأقصانا ببقائك يا أمير المؤمنين، ونسأل الله أن يمد في عمرك من أعمارنا، وأن يقيك الأذى بأسماعنا وأبصارنا، فإن الحق لا تعفو آثاره، ولا ينهدم مناره، ولا ينبت حبله، ولا يزول ما دمت بين الله وبين عباده، والأمين على بلاده يا أمير المؤمنين. هذا المقام مقام العائذ بظلك، الهارب إلى كنفك، الفقير إلى رحمتك وعدلك من تعاود النوائب وسهام المصائب وكلب الدهر، وذهاب النعمة، وفي نظر أمير المؤمنين ما يفرج كربة المكروب، ويبرد غليل القلوب، وقد نفذ أمر أمير المؤمنين في الضياع التي أفادناها نعم آبائه الطيبين، ونوافل أسلافه الطاهرين الراشدين، وقد قمت مقامي هذا متوسلا إليك بآبائك الطيبين وبالرشيد خير الهداة الراشدين، والمهدي ناصر المسلمين، والمنصور منكل الظالمين، ومحمد خير المحمدين بعد خاتم النبيين مزدلفا إليك بالطاعة التي أفرع عليها غصني واحتنكت بها سني، وريّش بها جناحي، متعوذا من شماتة الأعداء وحلول البلاء، ومقارفة الشدة بعد الرخاء، يا أمير المؤمنين قد مضى جدك المنصور وعمك صالح بن علي جدي وبينهما من الرضاع والنسب ما علمه أمير المؤمنين، وعرفه، وقد أثبت الله الحق في نصابه، وأقره في داره، وأربابه، يا أمير المؤمنين إن الدهر ذو اغتيال، وقد يقلب حالا بعد حال فارحم يا أمير المؤمنين الصبية الصغار، والعجائز الكبار الذين سقاهم الدهر كدرا بعد صفو، ومرا بعد حلو، وهبنا نعم آبائك اللاتي غذتنا صغارا وكبارا وشبابا وأشياخا وأمشاجا في الأصلاب، ونطفا في الأرحام، وقدمنا في القرابة حيث قدمنا الله منك في الرحم، فإن رقابنا قد ذلت لسخطك، ووجوهنا قد عنت لطاعتك، فأقلنا عثرتنا يا أمير المؤمنين، إن الله قد سهل بك الوعور وجلا بك الديجور وملأ من خوفك القلوب والصدور، بك يرع الفاسق ويقمع بك المنافق، فارتبط نعم الله عندك بالعفو والإحسان فإن كل راع مسؤول عن رعيته، وإن النعم لا ينقطع المزيد فيها حتى ينقطع الشكر عليها، يا أمير المؤمنين إنه لا عفو أعظم من عفو إمام قادر عن مذنب عاثر، وقد قال الله جل ثناؤه، وتعالت قدرته: وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ «٤» أحاط الله أمير المؤمنين بستره الواقي ومنعه الكافي ثم أنشد يقول: أمير المؤمنين أتاك ركب ... لهم قربى وليس لهم تلاد «٥» هم الصدر المقدّم من قريش ... وأنت الرأس تتبعك العباد لقد طابت بك الدنيا ولذّت ... وأرجو أن يطيب بك المعاد فكيف تنالكم لحظات عين ... وكيف يقلّ سؤددك البلاد قال: فاستحسن المأمون كلامه وأمر له بالحلل الفاخرة والجوائز السنية، وأمر برد ضياعه وقرب منزلته وأدناه، ودفع إليه من المال ما أغناه. ومن حكايات الفصحاء ونوادر البلغاء ما حكي أن عبد الملك بن مروان جلس يوما وعنده جماعة من خواصه وأهل مسامرته، فقال: أيكم يأتيني بحروف المعجم في بدنه وله عليّ ما يتمناه، فقام إليه سويد بن غفلة، فقال: أنا لها يا أمير المؤمنين، قال: هات. فقال: نعم يا أمير المؤمنين. أنف بطن ترقوة ثغر جمجمة حلق خد دماغ ذكر رقبة زند ساق شفة صدر ضلع طحال ظهر عين غبب فم قفا كف لسان منخر نغنوغ هامة، وجه يد، وهذه آخر حروف المعجم، والسلام على أمير المؤمنين.

стр. 56

فقام بعض أصحاب عبد الملك، وقال: يا أمير المؤمنين أنا أقولها من جسد الإنسان مرتين، فضحك عبد الملك وقال لسويد: أسمعت ما قال: قال: أصلح الله الأمير أنا أقولها ثلاثا، فقال: هات ولك ما تتمناه، فابتدأ يقول: أنف أسنان أذن، بطن بنصر بزة، ترقوة تمرة تينة، ثغر ثنايا ثدي، جمجمة جنب جبهة، حلق حنك حاجب، خد خنصر خاصرة، دبر دماغ درادير، ذقن ذكر ذراع، رقبة رأس ركبة، زند زردمة زب، فهناك ضحك عبد الملك حتى استلقى على قفاه، ساق سرة سبابة، شفة شفر شارب، صدر صدع صلعة، ضلع ضفيرة ضرس، طحال طرة طرف، ظهر ظفر ظلم، عين عنق عاتق، غبب غلصمة غنة، فم فك فؤاد، قلب قفا قدم، كف كتف كعب لسان لحية لوح، منخر مرفق منكب، نغنوغ ناب نن، هامة هيئة هيف وجه وجنة ورك، يمين يسار يافوخ. ثم نهض مسرعا، فقبل الأرض بين يدي أمير المؤمنين قال: فعندها ضحك عبد الملك وقال: والله ما تزيدنا عليها شيئا أعطوه ما يتمناه، ثم أجازه وأنعم عليه، وبالغ في الإحسان إليه. وكان الحجاج بن يوسف الثقفي من الفصحاء، وكان على عتوه وإسرافه جوادا، وكان إذا ضحك واستغرق في الضحك أتبع ذلك الاستغفار مرات، وكان يطعم على ألف خوان، وكان يطوف على الموائد ويقول: يا أهل الشام مزقوا الخبز لئلا يعود إليكم ثانيا، وكان يجلس على كل مائدة عشرة رجال، وذلك في كل يوم وكان يقول: أرى الناس يتخلفون عن طعامي، فقيل له: إنهم يكرهون الحضور قبل أن يدعوا، فقال: قد جعلت رسولي إليهم كل يوم الشمس إذا طلعت وعند المساء إذا غربت. حكي عن عبد الملك بن عمير أنه قال: لما بلغ أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان اضطراب أهل العراق جمع أهل بيته وأولي النجدة من جنده، وقال: أيها الناس، إن العراق كدر ماؤها، وكثر غوغاؤها، وأملولح عذبها، وعظم خطبها، وظهر ضرامها، وعسر إخماد نيرانها فهل من ممهد لهم بسيف قاطع، وذهن جامع، وقلب ذكي، وأنف حمي، فيخمد نيرانها، ويردع غيلانها، وينصف مظلومها، ويداوي الجرح حتى يندمل فتصفو البلاد، وتأمن العباد، فسكت القوم، ولم يتكلم أحد. فقام الحجاج وقال: يا أمير المؤمنين أنا للعراق. قال: ومن أنت لله أبوك؟ قال: أنا الليث الضمضام، والهزبر الهشام، أنا الحجاج بن يوسف. قال: ومن أين؟ قال: من ثقيف كهوف الضيوف ومستعمل السيوف. قال: أجلس لا أم لك، فلست هناك. ثم قال: ما لي أرى الرؤوس مطرقة والألسن معتقلة، فلم يجبه أحد، فقام إليه الحجاج وقال: أنا مجندل الفساق، ومطفىء نار النفاق، قال: ومن أنت؟ قال: أنا قاصم الظلمة، ومعدن الحكمة الحجاج بن يوسف معدن العفو والعقوبة، آفة الكفر والريبة، قال إليك عني، وذاك، فلست هناك. ثم قال: من للعراق؟ فسكت القوم، وقام الحجاج وقال: أنا للعراق، فقال: إذن أظنك صاحبها والظافر بغنائمها وإن لكل شيء يا ابن يوسف آية وعلامة. فما آيتك وما علامتك؟ قال: العقوبة والعفو، والاقتدار والبسط، والازورار والإدناء، والابعاد والجفاء، والبر والتأهب، والحزم وخوض غمرات الحروب بجنان غير هيوب، فمن جادلني قطعته، ومن نازعني قصمته، ومن خالفني نزعته، ومن دنا مني أكرمته، ومن طلب الأمان أعطيته، ومن سارع إلى الطاعة بجلته، فهذه آيتي وعلامتي، وما عليك يا أمير المؤمنين أن تبلوني، فإن كنت للأعناق قطاعا، وللأموال جماعا، وللأرواح نزاعا، ولك في الأشياء نفاعا. وإلا فليستبدل بي أمير المؤمنين، فإن الناس كثير، ولكن من يقوم بهذا الأمر قليل. فقال عبد الملك: أنت لها، فما الذي تحتاج إليه؟ قال: قليل من الجند والمال، فدعا عبد الملك صاحب جنده فقال: هيىء له من الجند شهوته وألزمهم طاعته، وحذرهم مخالفته، ثم دعا الخازن، فأمره بمثل ذلك، فخرج الحجاج قاصدا نحو العراق. قال عبد الملك بن عمير: فبينما نحن في المسجد الجامع بالكوفة إذا أتانا آت فقال: هذا الحجاج قدم أميرا على العراق، فتطاولت الأعناق نحوه وأفرجوا له عن صحن المسجد، فإذا نحن به يمشي وعليه عمامة حمراء متلثما بها، ثم صعد المنبر، فلم يتكلم كلمة واحدة، ولا نطق بحرف حتى غص المسجد بأهله، وأهل الكوفة يومئذ ذوو حالة حسنة وهيئة جميلة، فكان الواحد منهم يدخل المسجد ومعه العشرون والثلاثون من أهل بيته ومواليه وأتباعه عليهم الخز والديباج قال: وكان في المسجد يومئذ عمير بن صابىء التميمي، فلما رأى الحجاج على المنبر قال لصاحب له: أحصبه لكم؟ قال: اكفف حتى نسمع ما يقول، فأبى ابن صابىء وقال: لعن الله بني أمية حيث يولون ويستعملون مثل هذا

стр. 57

على العراق، وضيع الله العراق حيث يكون هذا أميرها، فوالله لو دام هذا أميرا كما هو ما كان بشيء، والحجاج ساكت ينظر يمينا وشمالا، فلما رأى المسجد قد غص بأهله قال: هل اجتمعتم؟ فلم يرد عليه أحد شيئا، فقال: إني لا أعرف قدر اجتماعكم، فهل اجتمعتم؟ فقال رجل من القوم: قد اجتمعنا أصلح الله الأمير، فكشف عن لثامه، ونهض قائما فكان أول شيء نطق به أن قال: والله إني لأرى رؤوسا قد أينعت وحان قطافها وإني لصاحبها، وإني لأرى الدماء ترقرق بين العمائم واللحى، والله يا أهل العراق إن أمير المؤمنين نثر كنانة بين يديه فعجم عيدانها، فوجدني أمرّها عودا، وأصلبها مكسرا، فرماكم بي لأنكم طالما أثرتم الفتنة، واضطجعتم في مراقد الضلال، والله لأنكلن بكم في البلاد، ولأجعلنكم مثلا في كل واد، ولأضربنكم ضرب غرائب الإبل، وإني يا أهل العراق لا أعد إلّا وفيت، ولا أعزم إلا أمضيت، فإياي وهذه الزرافات والجماعات، وقيل وقال، وكان ويكون، يا أهل العراق: إنما أنتم أهل قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان، فكفرت بأنعم الله، فأتاها وعيد القرى من ربها، فاستوثقوا واستقيموا، واعملوا، ولا تميلوا، وتابعوا، وبايعوا، واجتمعوا، واستمعوا، فليس مني الإهدار والإكثار إنما هو هذا السيف، ثم لا ينسلخ الشتاء من الصيف حتى يذل الله لأمير المؤمنين صعبكم، ويقيم له أودكم؛ ثم إني وجدت الصدق مع البر ووجدت البر في الجنة، ووجدت الكذب مع الفجور، ووجدت الفجور في النار، وقد وجهني أمير المؤمنين إليكم، وأمرني أن أنفق فيكم وأوجهكم لمحاربة عدوكم مع المهلب بن أبي صفرة، وإني أقسم بالله لا أجد رجلا يتخلف بعد أخذ عطائه بثلاثة أيام إلا ضربت عنقه، يا غلام: اقرأ كتاب أمير المؤمنين. فقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله عبد الملك بن مروان إلى من بالكوفة من المسلمين سلام عليكم، فلم يرد أحد شيئا. فقال الحجاج: اكفف يا غلام، ثم أقبل على الناس فقال: أيسلم عليكم أمير المؤمنين فلا تردون شيئا عليه؟ هذا أدبكم الذي تأدبتم به، أما والله لأؤدبنكم أدبا غير هذا الأدب، اقرأ يا غلام، فقرأ حتى بلغ قوله: سلام عليكم فلم يبق أحد إلا قال: وعلى أمير المؤمنين السلام، ثم نزل بعدما فرغ من خطبته وقراءته، ووضع للناس عطاياهم، فجعلوا يأخذونها حتى أتاه شيخ يرعش، فقال: أيها الأمير إني على الضعف كما ترى، ولي ابن هو أقوى مني على الأسفار، أفتقبله بديلا مني؟ فقال: نقبله أيها الشيخ، فلما ولى قال له قائل: أتدري من هذا أيها الأمير؟ قال: لا. قال: هذا ابن صابىء الذي يقول: هممت ولم أفعل وكدت وليتني ... تركت على عثمان تبكي حلائله «١» ولقد دخل هذا الشيخ على عثمان ﵁ وهو مقتول، فوطىء في بطنه، فكسر ضلعين من أضلاعه، فقال الحجاج: ردوه فلمّا ردوه قال له الحجاج: أنت الفاعل بأمير المؤمنين عثمان ما فعلت يوم قتل في الدار؟ إن في قتلك أيها الشيخ إصلاحا للمسلمين. يا سياف أضرب عنقه، فضرب عنقه، وكان من أمره بعد ذلك ما عرف وسطر. ومن حكايات الحجاج ما حكي أنه لما أسرف في قتل أسرى دير الجماجم، وأعطى الأموال، بلغ ذلك أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان، فشق عليه، وكتب إليه، أما بعد، فقد بلغني عنك إسراف في الدماء، وتبذير في العطاء، وقد حكمت عليك في الدماء في الخطأ بالدية، وفي العمد بالقود، وفي الأموال أن تردها إلى مواضعها، ثم تعمل فيها برأيي، فإنما هو مال الله تعالى، ونحن أمناؤه، فإن كنت أردت الناس لي فما أغناني عنهم، وإن كنت أردتهم لنفسك فما أغناك عنهم، وسيأتيك عني أمران: لين وشدة، فلا يؤمننك إلا الطاعة، ولا يوحشنك إلا المعصية، وإذا أعطاك الله الظفر، فلا تقتلن جانحا، ولا أسيرا، وكتب في أسفل الكتاب: إذا أنت لم تترك أمورا كرهتها ... وتطلب رضائي بالذي أنا طالبه فإن تر منّي غفلة قرشية ... فيا ربما قد غصّ بالماء شاربه «٢» وأن تر منّي وثبة أموية ... فهذا وهذا كلّ ذا أنا صاحبه

стр. 58

فلا تأمننّي والحوادث جمة ... فإنك تجزي بالذي أنت كاسبه فلا تعد ما يأتيك منّي وإن تعد ... يقمن به يوما عليك نوادبه «١» فلا تمنعنّ الناس حقا علمته ... ولا تعطين ما ليس للناس واجبه فإنك إن تعطي الحقوق فإنّما ... النّوافل شيء لا يثيبك واهبه «٢» فلما ورد الكتاب على الحجاج كتب إلى أمير المؤمنين أما بعد، فقد ورد كتاب أمير المؤمنين بذكر إسرافي وتبذيري في الأموال. ولعمري ما بلغت في عقوبة أهل المعصية، ولا قضيت حقوق أهل الطاعة، فإن كان قتلي العصاة إسرافا وإعطائي المطيعين تبذيرا، فليمض لي أمير المؤمنين ما سلف والله ما أصبت القوم خطأ فأوديهم ولا ظلمتهم عمدا فأقاديهم ولا قتلت إلا لك، ولا أعطيت إلا فيك، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته، وكتب في أسفل الكتاب: إذا أنا لا أبغي رضاك وأتّقي ... أذاك فليلي لا توارى كواكبه وما لامرىء بعد الخليفة جنّة ... تقيه من الأمر الذي هو راكبه إذا قارف الحجاج فيك خطيئة ... لقامت عليه بالصباح نوادبه إذا أنا لم أدن الشفيق لنصحه ... واقص الذي تسري إليّ عقاربه وأعط المواسي في البلاء عطية ... لردّ الذي ضاقت عليّ مذاهبه فمن يتّقي بؤسي ويرجو مودتي ... ويخشى غدا والدهر جم نوائبه وأمري إليك اليوم ما قلت قلته ... وما لم تقله لم أقل ما يقاربه ومهما أردت اليوم مني أردته ... وما لم ترده اليوم إنّي مجانبه وقف بي على حدّ الرضا لا أجوزه ... مدى الدهر حتى يرجع الدرّ حالبه «٣» وإلّا فدعني والأمور فإنّني ... شفيق رفيق أحكمته تجاربه فلما انتهى الكتاب إلى عبد الملك قال: خاف أبو محمد صولتي ولن يعاود لأمر كرهته إن شاء الله تعالى، فمن يلومني على محبته، يا غلام أكتب إليه: الشاهد يرى ما لا يرى الغائب وأنت أعلى عينا بما هناك. وفي مروج الذهب للمسعودي: أن أم الحجاج وهي الفارعة بنت همام، ولدته مشوها لا دبر له، فثقب له دبر وأبى أن يقبل الثدي وأعياهم أمره، فيقال: إن الشيطان تصور لهم في صورة الحارث بن كلدة حكيم العرب، فسألهم عن ذلك، فأخبره مخبر من أهله، فقال لهم: اذبحوا له تيسا وألعقوه من دمه، وأولغوه فيه، ثم أطلوا به وجهه، ففعلوا ذلك، فقبل الثدي، فلأجل ذلك كان لا يصبر عن سفك الدماء، وكان يخبر عن نفسه أن أكبر لذاته سفك الدماء وارتكاب أمور لا يقدر غيره عليها، وكانت أمه متزوجة قبل أبيه الحارث بن كلدة، فدخل عليها يوما في السحر، فوجدها تخلل أسنانها فطلقها، فسألته لم فعل؟ فقال لها: إن كنت باكرت الغداء فأنت شرهة، وإن كان بقايا طعام بفيك، فأنت قذرة، فقالت: كل ذلك لم يكن، وإنما تخللت من شظايا السواك، فقال: قضي الأمر، فتزوجها بعده يوسف بن عقيل الثقفي فأولدها الحجاج. وقيل إن الحجاج تقلد الإمارة وهو ابن عشرين سنة، ومات وله ثلاث وخمسون سنة، وكان من عنف السياسة، وثقل الوطأة، وظلم الرعية، والإسراف في القتل على ما لا يبلغه وصف، أحصي من قتله الحجاج بأمره سوى من قتله في حروبه فكانوا مائة ألف وعشرين ألفا، ووجد في سجنه خمسون ألف رجل، وثلاثون ألف امرأة، لم يجب على أحد منهم قطع ولا قتل، وكان يحبس الرجال والنساء في موضع واحد، ولم يكن لحبسه سقف يستر الناس من الحر والبرد. وقيل للشعبي، أكان الحجاج مؤمنا؟ قال: نعم بالطاغوت، وقال: لو جاءت كل أمة بخبيثها وفاسقها

стр. 59

وجئنا بالحجاج وحده لزدنا عليهم والله أعلم. وقد مضى القول في ذكر الفصحاء من الرجال وحكاياتهم وما أعان الله تعالى عليه واستحضرته من أخبارهم، وأنا قائل إن شاء الله تعالى ما استحضرته من ذكر فصحاء النساء وأخبارهن وحكاياتهن والله المستعان. [الفصل الرابع فى] ذكر فصحاء النساء وحكاياتهن حكي عن أبي عبد الله النميري أنه قال: كنت يوما مع المأمون وكان بالكوفة، فركب للصيد ومعه سرية من العسكر، فبينما هو سائر إذ لاحت له طريدة، فأطلق عنان جواده وكان على سابق من الخيل، فأشرف على نهر ماء من الفرات، فإذا هو بجارية عربية خماسية القد، قاعدة النهد، كأنها القمر ليلة تمامه، وبيدها قربة قد ملأتها وحملتها على كتفها، وصعدت من حافة النهر، فانحل وكاؤها «١» فصاحت برفيع صوتها: يا أبت أدرك فاها قد غلبني فوها لا طاقة لي بفيها. قال: فعجب المأمون من فصاحتها ورمت الجارية القربة من يدها، فقال لها المأمون: يا جارية من أي العرب أنت؟ قالت: أنا من بني كلاب، قال: وما الذي حملك أن تكوني من الكلاب؟ فقالت: والله لست من الكلاب وإنما أنا من قوم كرام غير لئام يقرون الضيف «٢» ، ويضربون بالسيف، ثم قالت: يا فتى من أي الناس أنت؟ فقال: أو عندك علم بالأنساب؟ قالت: نعم. قال لها: أنا من مضر الحمراء «٣» ، قالت: من أي مضر؟ قال: من أكرمها نسبا، وأعظمها حسبا، وخيرها أما وأبا، وممن تهابه مضر كلها قالت: أظنك من كنانة، قال: أنا من كنانة، قالت: فمن أي كنانة؟ قال: من أكرمها مولدا وأشرفها محتدا وأطولها في المكرمات يدا، ممن تهابه كنانة وتخافه، فقالت: إذن أنت من قريش، قال: أنا من قريش، قالت: من أي قريش؟ قال: من أجملها ذكرا وأعظمها فخرا، ممن تهابه قريش كلها وتخشاه، قالت: أنت والله من بني هاشم، قال: أنا من بني هاشم، قالت: من أي هاشم؟ قال: من أعلاها منزلة، وأشرفها قبيلة، ممن تهابه هاشم وتخافه، فعند ذلك قبلت الأرض، وقالت السلام عليك يا أمير المؤمنين، وخليفة رب العالمين. قال: فعجب المأمون وطرب طربا عظيما وقال: والله لأتزوجن بهذه الجارية لأنها من أكبر الغنائم، ووقف حتى تلاحقته العساكر، فنزل هناك، وأنفذ خلف أبيها وخطبها منه، فزوجه بها وأخذها وعاد مسرورا، وهي والدة ولده العباس والله أعلم. وحكي أن هند ابنة النعمان «٤» كانت أحسن أهل زمانها، فوصف للحجاج حسنها، فأنفذ إليها يخطبها، وبذل لها مالا جزيلا، وتزوج بها، وشرط لها عليه بعد الصداق مائتي ألف درهم ودخل بها، ثم إنها انحدرت معه إلى بلد أبيها المعرة وكانت هند فصيحة أديبة، فأقام بها الحجاج بالمعرة مدة طويلة، ثم إن الحجاج رحل بها إلى العراق فأقامت معه ما شاء الله، ثم دخل عليها في بعض الأيام وهي تنظر في المرآة وتقول: وما هند إلّا مهرة عربية ... سليلة أفراس تحلّلها بغل فإن ولدت فحلا فلله درّها ... وإن ولدت بغلا فجاء به البغل فانصرف الحجاج راجعا ولم يدخل عليها، ولم تكن علمت به، فأراد الحجاج طلاقها، فأنفذ إليها عبد الله بن طاهر، وأنفذ لها معه مائتي ألف درهم، وهي التي كانت لها عليه، وقال: يا ابن طاهر طلقها بكلمتين، ولا تزد عليهما، فدخل عبد الله بن طاهر عليها، فقال لها: يقول لك أبو محمد الحجاج كنت فبنت، وهذه المائتا ألف درهم التي كانت لك قبله، فقالت: إعلم يا ابن طاهر أنا والله كنا فما حمدنا، وبنا فما ندمنا، وهذه المائتا ألف درهم التي جئت بها بشارة لك بخلاصي من كلب بني ثقيف. ثم بعد ذلك بلغ أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان خبرها ووصف له جمالها، فأرسل إليها يخطبها، فأرسلت إليه كتابا تقول فيه بعد الثناء عليه: إعلم يا أمير المؤمنين، أن الإناء ولغ فيه الكلب فلما قرأ عبد الملك الكتاب ضحك من قولها، وكتب إليها يقول: إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعا إحداهن بالتراب، فاغسلي الإناء يحل الاستعمال، فلما قرأت كتاب أمير المؤمنين لم

стр. 60

يمكنها المخالفة، فكتبت إليه بعد الثناء عليه، يا أمير المؤمنين، والله لا أحل العقد إلا بشرط، فإن قلت ما هو الشرط؟ قلت: أن يقود الحجاج محملي من المعرة إلى بلدك التي أنت فيها، ويكون ماشيا حافيا بحليته التي كان فيها أولا، فلما قرأ عبد الملك ذلك الكتاب ضحك ضحكا شديدا، وأنفذ إلى الحجاج وأمره بذلك، فلما قرأ الحجاج رسالة أمير المؤمنين أجاب وامتثل الأمر ولم يخالف، وأنفذ إلى هند يأمرها بالتجهز، فتجهزت، وسار الحجاج في موكبه حتى وصل المعرة بلد هند، فركبت هند في محمل الزفاف، وركب حولها جواريها وخدمها، وأخذ الحجاج بزمام البعير يقوده ويسير بها فجعلت هند تتواغد عليه وتضحك مع الهيفاء دايتها، ثم إنها قالت للهيفاء: يا دابة إكشفي لي سجف المحمل «١» ، فكشفته، فوقع وجهها في وجه الحجاج، فضحكت عليه، فأنشأ يقول: فإن تضحكي مني فيا طول ليلة ... تركتك فيها كالقباء المفرّج فأجابته هند تقول: وما نبالي إذا أرواحنا سلمت ... بما فقدناه من مال ومن نشب فالمال مكتسب والعز مرتجع ... إذا النفوس وقاها الله من عطب ولم تزل كذلك تضحك وتلعب إلى أن قربت من بلد الخليفة، فرمت بدينار على الأرض، ونادت: يا جمّال إنه قد سقط منا درهم، فارفعه إلينا، فنظر الحجاج إلى الأرض، فلم يجد إلا دينارا، فقال: إنما هو دينار، فقالت: بل هو درهم قال: بل دينار، فقالت: الحمد لله سقط منا درهم، فعوضنا الله دينارا، فخجل الحجاج وسكت، ولم يرد جوابا، ثم دخل بها على عبد الملك بن مروان، فتزوج بها، وكان من أمرها ما كان، وقد وجدت في بعض النسخ ما هو أوسع من هذا ولكن اقتصرت على القليل منه إذ فيه الغرض والله أعلم. وقيل: إن جارية عرضت على الرشيد ليشتريها، فتأملها وقال لمولاها: خذ جاريتك، فلولا كلف بوجهها وخنس بأنفها لاشتريتها، فلما سمعت الجارية مقالة أمير المؤمنين قالت مبادرة: يا أمير المؤمنين اسمع مني ما أقول، فقال: قولي، فأنشدت تقول: ما سلم الظبي على حسنه ... كلا ولا البدر الذي يوصف الظبي فيه خنس بيّن ... والبدر فيه كلف يعرف قال: فعجب من فصاحتها وأمر بشرائها. وقيل: عرضت على المأمون جارية بارعة الجمال فائقة في الكمال، غير أنها كانت تعرج برجلها، فقال لمولاها: خذ بيدها وارجع، فلولا عرج بها لاشتريتها فقالت الجارية: يا أمير المؤمنين إنه في وقت حاجتك لا يكون بحيث تراه، فأعجبه سرعة جوابها وأمر بشرائها. ومن ذلك ما حكي أن كريم الملك كان من ظرفاء الكتاب، فعبر يوما تحت جوسق ببستان، فرأى جارية ذات وجه زاهر، وكمال باهر، لا يستطيع أحد وصفها، فلما نظر إليها ذهل عقله، وطار لبه، فعاد إلى منزله وأرسل إليها هدية نفيسة مع عجوز كانت تخدمه، وكانت الجارية عزباء. وكتب إليها رقعة يعرّض إليها بالزيارة في جوسقها، فلما قرأت الرقعة قبلت الهدية، ثم أرسلت إليه مع العجوز عنبرا، وجعلت فيه زر ذهب، وربطت ذلك على منديل، وقالت للعجوز: هذا جواب رقعته، فلما رأى كريم الملك ذلك لم يفهم معناه، وتحير في أمره، وكانت له ابنة صغيرة السن، فلما رأت أباها متحيرا في ذلك قالت له: يا أبت أنا علمت معناه قال: وما هو لله درك؟ قالت: أهدت لك العنبر في جوفه ... زر من التبر خفي اللّحام فالزر والعنبر معناهما ... زر هكذا مختفيا في الظلام قال، فعجب من فطنتها وفصاحتها واستحسن ذلك منها. وحكي إن طائفة من بني تميم كانوا يكسرون أول الفعل، فمرت فتاة منهم جميلة الصورة على جماعة، فناداها شخص منهم وأراد أن يوقعها فيما ينسب إليهم من كسر الفعل، فقال: لأي شيء يا بني تميم ما تكتنون؟ فقالت: ولم لا نكتني وكسرت الفعل، فضحك عليها، وقال أفعل إن شاء الله، فخجلت من قوله وتغير وجهها،

стр. 61

وأرادت أن توقعه كما أوقعها، فقالت له: هل تحسن شيئا من العروض؟ قال: نعم. قالت قطع لي: حولوا عنا كنيستكم ... يا بني حمالة الحطب فقطعه، فوقف على عن ثم ابتدأ بالنون والألف مع بقية الحروف فضحكت عليه، وأضحكت أصحابه، فقال: ويحك لم تبرحي حتى أخذت ثأرك. وحكي إن شاعرا كان له عدو، فبينما هو سائر ذات يوم في بعض الطرق إذا هو بعدوه، فعلم الشاعر أن عدوه قاتله لامحالة، فقال له يا هذا: أنا أعلم أن المنية قد حضرت، ولكن سألتك الله إذا أنت قتلتني أمض إلى داري وقف بالباب وقل: «ألا أيها البنتان إن أباكما» . فقال: سمعا وطاعة، ثم إنه قتله، فلما فرغ من قتله أتى إلى داره، ووقف بالباب وقال: ألا أيها البنتان إن أباكما. وكان للشاعر ابنتان فلما سمعتا قول الرجل: ألا أيها البنتان إن أباكما. أجابتا بفم واحد: قتيل خذا بالثأر ممن أتاكما- ثم تعلقتا بالرجل، ورفعتاه إلى الحاكم فاستقرره فأقر بقتله فقتله «١» ، والله أعلم. وقيل: بينما كثير عزة مار بالطريق يوما إذا هو بعجوز عمياء على قارعة الطريق تمشي، فقال لها تنحي عن الطريق، فقالت له: ويحك ومن تكون؟ قال: أنا كثير عزة «٢» . قالت: قبحك الله، وهل مثلك يتنحى له عن الطريق، قال: ولم؟ قالت: ألست القائل: وما روضة بالحسن طيبة الثرى ... يمج الندى جثجاثها وعرارها «٣» بأطيب من أردان عزة موهنا ... إذا أوقدت بالمجمر اللّدن نارها «٤» ويحك يا هذا! لو تبخر بالمجمر اللدن مثلي ومثل أمك لطاب ريحها، لم لا قلت مثل سيدك أمرىء القيس: وكنت إذا ما جئت بالليل طارقا ... وجدت بها طيبا وإن لم تطيب فقطعته ولم يرد جوابا. وقيل: أتى الحجاج بامرأة من الخوارج، فقال لأصحابه: ما تقولون فيها؟ قالوا: عاجلها بالقتل أيها الأمير. فقالت الخارجية «٥» : لقد كان وزراء صاحبك خيرا من وزرائك يا حجاج. قال: ومن هو صاحبي؟ قالت: فرعون استشارهم في موسى ﵇ فقالوا: أرجه وأخاه. وأتي بأخرى من الخوارج، فجعل يكلمها وهي لا تنظر إليه، فقيل لها: الأمير بكلمك، وأنت لا تنظرين إليه، فقالت: إني لأستحي أن أنظر إلى من لا ينظر الله إليه. وحكى ابن الجوزي في كتابه المنتظم في مناقب عمر بن الخطاب ﵁ قال: لما ولي عمر ﵁ الخلافة بلغه أن أصدقة أزواج النبي ﷺ خمسمائة درهم، وأن فاطمة ﵂ كان صداقها على علي بن أبي طالب كرم الله وجهه أربعمائة درهم، فأدى اجتهاد أمير المؤمنين عمر ﵁ أن لا يزيد أحد على صداق البضعة النبوية فاطمة ﵂، فصعد المنبر وحمد الله تعالى وأثنى عليه وقال: أيها الناس لا تزيدوا في مهور النساء على أربعمائة درهم، فمن زاد ألقيت زيادته في بيت مال المسلمين، فهاب الناس أن يكلموه، فقامت امرأة في يدها طول، فقالت له: كيف يحل لك هذا، والله تعالى يقول: وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً «٦» فقال عمر ﵁: امرأة أصابت ورجل أخطأ. وقيل: جاءت امرأة إلى أمير المؤمنين عمر ﵁، فقالت: يا أمير المؤمنين إن زوجي يصوم النهار، ويقوم الليل، فقال لها: نعم الرجل زوجك، وكان في مجلسه رجل يسمى كعبا، فقال: يا أمير المؤمنين: إن هذه المرأة تشكو زوجها في أمر مباعدته إياها عن فراشه، فقال له: كما فهمت كلامها احكم بينهما، فقال كعب: عليّ بزوجها، فأحضر، فقال له: إن هذه المرأة تشكوك، قال: أفي أمر طعام أم شراب؟ قال: بل في أمر مباعدتك إياها عن فراشك، فأنشدت المرأة تقول: يا أيّها القاضي الحكيم أنشده ... ألهى خليلي عن فراشي مسجده نهاره وليله لا يرقده ... فلست في أمر النساء أحمده

стр. 62

فأنشأ الزوج يقول: زهّدني في فرشها وفي الحلل ... أنّي امرؤ أذهلني ما قد نزل في سورة النمل وفي السبع الطول ... وفي كتاب الله تخويف يجل فقال له القاضي: إنّ لها عليك حقّا لم يزل ... في أربع نصيبها لمن عقل فعاطها ذاك ودع عنك العلل ثم قال: إن الله تعالى أحل لك من النساء مثنى وثلاث ورباع، فلك ثلاثة أيام بلياليهن ولها يوم وليلة، فقال عمر ﵁: لا أدري من أيكم أعجب أمن كلامها أم من حكمك بينهما، إذهب فقد وليتك البصرة. حكاية المتكلمة بالقرآن قال عبد الله بن المبارك رحمه الله تعالى: خرجت حاجا إلى بيت الله الحرام وزيارة قبر نبيه ﵊، فبينما أنا في بعض الطريق إذا أنا بسواد على الطريق، فتميزت ذاك، فإذا هي عجوز عليها درع من صوف وخمار من صوف، فقلت: السلام عليك ورحمة الله وبركاته، فقالت: سَلامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ ٥٨ «١» ، قال: فقلت لها: يرحمك الله ما تصنعين في هذا المكان؟ قالت: مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هادِيَ لَهُ «٢» ، فعلمت أنها ضالة عن الطريق، فقلت لها: أين تريدين؟ قالت: سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى «٣» ، فعلمت أنها قد قضت حجها، وهي تريد بيت المقدس، فقلت لها: أنت منذ كم في هذا الموضع؟ قالت: ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا «٤» ، فقلت: ما أرى معك طعاما تأكلين؟ قالت: هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ «٥» فقلت: فبأي شيء تتوضئين؟ قالت: فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً «٦» ، فقلت لها: إن معي طعاما، فهل لك في الأكل؟ قالت: ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ «٧» ، فقلت: ليس هذا شهر رمضان. قالت: وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَإِنَّ اللَّهَ شاكِرٌ عَلِيمٌ «٨» ، فقلت: قد أبيح لنا الإفطار في السفر. قالت: وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ «٩» ، فقلت: لم لا تكلميني مثل ما أكلمك؟ قالت: ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ١٨ «١٠» ، فقلت: فمن أي الناس أنت؟ قالت: وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا ٣٦ «١١» فقلت: قد أخطأت فاجعليني في حل، قالت: لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ «١٢» فقلت: فهل لك أن أحملك على ناقتي هذه فتدركي القافلة، قالت: وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ «١٣» قال: فانخت ناقتي، قالت: قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ «١٤» فغضضت بصري عنها وقلت لها: اركبي، فلما أرادت أن تركب نفرت الناقة فمزقت ثيابها فقالت: وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ «١٥» فقلت لها: اصبري حتى أعقلها، قالت: فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ «١٦» فعقلت الناقة وقلت لها: اركبي فلما ركبت قالت: سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هذا وَما كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ ١٣ وَإِنَّا إِلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ ١٤ «١٧» قال: فأخذت بزمام الناقة، وجعلت أسعى وأصيح فقالت: وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ «١٨» فجعلت أمشي رويدا رويدا وأترنم بالشعر، فقالت: فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ «١٩» فقلت لها: لقد أوتيت خيرا كثيرا، قالت: وَما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ «٢٠» فلما مشيت بها قليلا قلت: ألك زوج؟ قالت: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ «٢١» فسكت، ولم أكلمها حتى أدركت بها القافلة، فقلت لها: هذه القافلة فمن لك

стр. 63

فيها؟ فقالت: الْمالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَياةِ الدُّنْيا «١» فعلمت أن لها أولاد فقلت: وما شأنهم في الحج؟ قالت: وَعَلاماتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ ١٦ «٢» فعلمت أنهم أدلاء الركب، فقصدت بها القباب والعمارات فقلت: هذه القباب فمن لك فيها؟ قالت: وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلًا «٣» وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيماً «٤» يا يَحْيى خُذِ الْكِتابَ بِقُوَّةٍ «٥» فناديت يا إبراهيم يا موسى يا يحيى فإذا أنا بشبان كأنهم الأقمار قد أقبلوا، فلما استقر بهم الجلوس قالت: فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّها أَزْكى طَعاماً فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ «٦» فمضى أحدهم فاشترى طعاما فقدموه بين يدي فقالت: كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِما أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخالِيَةِ ٢٤ «٧» فقلت: الآن طعامكم علي حرام حتى تخبروني بأمرها، فقالوا: هذه أمنا لها منذ أربعين سنة لم تتكلم إلا بالقرآن مخافة أن تزل فيسخط عليها الرحمن، فسبحان القادر على ما يشاء، فقلت: ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ «٨» والله أعلم بالصواب وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. الباب الثامن في الأجوبة المسكتة والمستحسنة ورشقات اللسان وما جرى مجرى ذلك قيل: أن معن بن زائدة دخل على المنصور، فقال له: هيه يا معن تعطي مروان بن أبي حفصة مائة ألف على قوله: معن بن زائدة الذي زادت به ... شرفا على شرف بنو شيبان فقال كلا يا أمير المؤمنين إنما أعطيته على قوله: ما زلت يوم الهاشمية معلنا ... بالسيف دون خليفة الرحمن فمنعت حوزته وكنت وقاءه ... من وقع كلّ مهند وسنان «٩» فقال: أحسنت والله يا معن وأمر له بالجوائز والخلع. ووفد ابن أبي محجن على معاوية، فقام خطيبا فأحسن، فحسده معاوية وأراد أن يوقعه، فقال له: أنت الذي أوصاك أبوك بقوله: إذا متّ فادفني إلى جنب كرمة ... تروّي عظامي بعد موتي عروقها ولا تدفنني في الفلاة فإنني ... أخاف إذا ما متّ أن لا أذوقها وقال: بل أنا الذي يقول أبي: لا تسأل الناس ما مالي وكثرته ... وسائل الناس ما جودي وما خلقي أعطي الحسام غداة الروع حصّته ... وعامل الرمح أرويه من العلق «١٠» وأطعن الطعنة النجلاء عن عرض ... وأكتم السرّ فيه ضربة العنق ويعلم الناس أنّي من سراتهم ... إذا سما بصر الرعديد بالفرق «١١» فقال له معاوية: أحسنت والله يا ابن أبي محجن، وأمر له بصلة وجائزة. وقيل: أخذ عبد الملك بن مروان بعض أصحاب شبيب الخارجي «١٢» ، فقال له: ألست القائل: ومنّا شريد والبطين وقعنب ... ومنا أمير المؤمنين شبيب فقال: يا أمير المؤمنين إنما قلت ومنا يا أمير المؤمنين شبيب، وأردت بذلك مناداة لك. فكان ذلك سببا لنجاته. ودخل شريك بن الأعور على معاوية وكان دميما، فقال

стр. 64

له معاوية: إنك لدميم والجميل خير من الدميم وإنك لشريك وما لله من شريك، وإن أباك لأعور والصحيح خير من الأعور، فكيف سدت قومك؟ فقال له: إنك معاوية وما معاوية إلا كلبة عوت فاستعوت لها الكلاب، وإنك لابن صخر، والسهل خير من الصخر، وإنك لابن حرب والسلم خير من الحرب، وإنك لابن أمية وما أمية إلا أمة صغّرت، فكيف صرت أمير المؤمنين؟ ثم خرج وهو يقول: أيشتمني معاوية بن حرب ... وسيفي صارم ومعي لساني وحولي من ذوي يزن ليوث ... ضراغمة تهشّ إلى الطّعان «١» يعير بالدمامة من سفاه ... وربات الحجال من الغواني ودخل يزيد بن أبي مسلم صاحب شرطة الحجاج على سليمان بن عبد الملك بعد موت الحجاج، فقال له سليمان: قبّح الله رجلا أجرّك رسنه، وأولاك أمانته. فقال: يا أمير المؤمنين رأيتني والأمر لك وهو عني مدبر، فلو رأيتني وهو علي مقبل لاستكبرت مني ما استصغرت، واستعظمت مني ما استعظمت. فقال سليمان: أترى الحجاج استقرّ في جهنم! فقال: يا أمير المؤمنين لا تقل ذلك، فإن الحجاج وطّأ لكم المنابر، وأذل لكم الجبابرة، وهو يجيء يوم القيامة عن يمين أبيك وشمال أخيك، فحيثما كانا كان. وقال يهودي لعلي بن أبي طالب ﵁: ما لكم لم تلبثوا بعد نبيكم إلا خمس عشرة سنة حتى تقاتلتم، فقال علي كرم الله وجهه: ولم أنتم لم تجف أقدامكم من البلل حتى قلتم يا موسى أجعل لنا إلها كما لهم آلهة. ووجد الحجاج على منبره مكتوبا قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحابِ النَّارِ «٢» ، فكتب تحته قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ «٣» . ودخل عقيل على معاوية وقد كف بصره، فأجلسه معه على سريره ثم قال له: أنتم معشر بني هاشم تصابون في أبصاركم، فقال له عقيل: وأنتم معشر بني أمية تصابون في بصائركم. وقيل: اجتمعت بنو هاشم يوما عند معاوية فأقبل عليهم وقال: يا بني هاشم إن خيري لكم لممنوح، وإن بابي لكم لمفتوح فلا يقطع خيري عنكم، ولا يرد بابي دونكم، ولما نظرت في أمري وأمركم رأيت أمرا مختلفا، إنكم ترون أنكم أحق بما في يدي مني، وإذا أعطيتكم عطية فيها قضاء حقوقكم قلتم: أعطانا دون حقنا، وقصّر بنا عن قدرنا، فصرت كالمسلوب والمسلوب لا حمد له، هذا مع إنصاف قائلكم وإسعاف سائلكم، قال: فأقبل عليه ابن عباس ﵄ فقال: والله ما منحتنا شيئا حتى سألناه، ولا فتحت لنا بابا حتى قرعناه، ولئن قطعت عنا خيرك فخير الله أوسع منك، ولئن أغلقت دوننا بابا لنكففن أنفسنا عنك، وأما هذا المال فليس لك منه إلا ما للرجل من المسلمين ولولا حقنا في هذا المال لم يأتك منا زائر يحمله خف، ولا حافر «٤» أكفاك أم أزيدك؟ قال: كفاني يا ابن عباس. وقال معاوية يومها: أيها الناس إن الله حبا قريش بثلاث فقال لنبيه ﷺ : وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ٢١٤ «٥» ونحن عشيرته الأقربون، وقال تعالى: وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ «٦» . ونحن قومه، وقال: لِإِيلافِ قُرَيْشٍ ١ إِيلافِهِمْ «٧» . ونحن قريش، فأجابه رجل من الأنصار فقال: على رسلك يا معاوية فإن الله تعالى يقول: وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُ «٨» . وأنتم قومه. وقال تعالى: وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ ٥٧ «٩» وأنتم قومه وقال تعالى: وَقالَ الرَّسُولُ يا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً ٣٠ «١٠» وأنتم قومه ثلاثة بثلاثة ولو زدتنا لزدناك. وقال معاوية أيضا لرجل من اليمن: ما كان أجهل قومك حين ملكوا عليهم امرأة! فقال: أجهل من قومي قومك الذين قالوا حين دعاهم رسول الله ﷺ : اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ «١١» . ولم يقولوا: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فاهدنا إليه.

стр. 65

وقال يوما لجارية بن قدامة: ما كان أهونك على قومك إذ سمّوك جارية! فقال: ما كان أهونك على قومك إذ سموك معاوية وهي الأنثى من الكلاب! قال: اسكت لا أم لك. قال: لي أم ولدتني، أما والله إن القلوب التي أبغضناك بها لبين جوانحنا، والسيوف التي قاتلناك بها لفي أيدينا، وإنك لم تهلكنا قسوة، ولم تملكنا عنوة، ولكنك أعطيتنا عهدا وميثاقا، وأعطيناك سمعا وطاعة، فإن وفيت لنا وفينا لك، وإن نزعت إلى غير ذلك فإنّا تركنا وراءنا رجالا شدادا، وأسنة حدادا، فقال معاوية: لا أكثر الله في الناس مثلك يا جارية، فقال له: قل معروفا فإن شر الدعاء محيط بأهله. وخطب معاوية يوما فقال: إن الله تعالى يقول: وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ وَما نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ ٢١ «١» فعلام تلوموني إذا قصرت في عطاياكم؟ فقال له الأحنف: وإنا والله لا نلومك على ما في خزائن الله ولكن على ما أنزله الله لنا من خزائنه فجعلته في خزائنك وحلت بيننا وبينه. وقيل: دخل مجنون الطاق يوما إلى الحمام وكان بغير مئزر فرآه أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه وكان في الحمام فغمض عينيه فقال المجنون: متى أعماك الله؟ قال: حين هتك سترك. ومن ذلك ما حكي أن الحجاج خرج يوما متنزها فلما فرغ من نزهته صرف عنه أصحابه، وانفرد بنفسه، فإذا هو بشيخ من بني عجل فقال له: من أين أيها الشيخ؟ قال: من هذه القرية، قال: كيف ترون عمالكم؟ قال: شرّ عمال، يظلمون الناس، ويستحلون أموالهم. قال: فكيف قولك في الحجاج؟ قال: ذاك ما ولي العراق شر منه، قبّحه الله، وقبّح من استعمله، قال: أتعرف من أنا؟ قال: لا، قال: أنا الحجاج، قال: جعلت فداك أو تعرف من أنا؟ قال: لا. قال: فلان بن فلان مجنون بني عجل أصرع في كل يوم مرتين، قال: فضحك الحجاج منه وأمر له بصلة. وقال رجل لصاحب منزل: أصلح خشب هذا السقف فإنه يقرقع. قال: لا تخف فإنه يسبّح. قال: إني أخاف أن تدركه رقة فيسجد. وقالت عجوز لزوجها: أما تستحي أن تزني ولك حلال طيب؟ قال: أما حلال فنعم، وأما طيّب فلا. وقال مالك لوزيره: ما خير ما يرزقه العبد؟ قال: عقل يعيش به، قال: فإن عدمه، قال: أدب يتحلّى به، قال: فإن عدمه؟ قال: مال يستره، قال: فإن عدمه؟ قال: فصاعقة تحرقه وتريح منه العباد والبلاد. وتنبأ رجل في زمن المنصور فقال له المنصور: أنت نبي سفلة؟ فقال: جعلت فداك كل نبي يبعث إلى شكله. ومن الأجوبة المسكتة المستحسنة: ما ذكر أن إبراهيم مغني الرشيد غنّى يوما بين يديه فقال له: أحسنت أحسن الله إليك، فقال له: يا أمير المؤمنين إنما يحسن الله إلي بك، فأمر له بمائة ألف درهم. وقال رجل لبعض العلوية: أنت بستان، فقال العلوي: وأنت النهر الذي يسقى منه البستان. وذبحت عائشة رضي الله تعالى عنها شاة وتصدقت بها وأفضلت منها كتفا، فقال لها النبي ﷺ : «ما عندك منها؟ فقالت: ما بقي منها إلا كتف، فقال: كلها إلا كتفا» «٢» . وقال عبد الله بن يحيى لأبي العيناء: كيف الحال؟ قال: أنت الحال. فانظر كيف أنت لنا، فأمر له بمال جزيل وأحسن صلته. وكان عمرو بن سعد بن سالم في حرس المأمون ليلة فخرج المأمون يتفقد الحرس، فقال لعمرو: من أنت؟ قال: عمرو عمرك الله بن سعد أسعدك الله بن سالم سلّمك الله. قال: أنت تكلأنا «٣» الليلة؟ قال: الله يكلأك يا أمير المؤمنين وهو خير حافظا وهو أرحم الراحمين فقال المأمون: إن أخا الهيجاء من يسعى معك ... ومن يضرّ نفسه لينفعك ومن إذا ريب الزمان صدعك ... شتت فيك شمله ليجمعك ودفع إليه أربعة آلاف دينار. قال عمرو: وددت لو أن الأبيات طالت. وقال المعتصم للفتح بن خاقان وهو صبي صغير: أرأيت يا فتح أحسن من هذا الفص، لفص كان في يده؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين: اليد التي هو فيها أحسن منه، فأعجبه جوابه وأمر له بصلة وكسوة. وقيل إن رجلا سأل العباس ﵁: أأنت أكبر أم

стр. 66

رسول الله ﷺ ؟ فقال: رسول الله ﷺ أكبر وأنا ولدت قبله. وقال معاوية لسعيد بن مرة الكندي: أأنت سعيد؟ قال: أمير المؤمنين السعيد وأنا ابن مرة، وقال المأمون للسيد بن أنس: أأنت السيد؟ قال: أمير المؤمنين السيد وأنا ابن أنس. قال الحجاج للمهلب وهو يماشيه: أأنا أطول أم أنت؟ قال: الأمير أطول، وأنا أبسط قامة، أراد الطول وهو الفضل. والأجوبة بهذا المعنى كثيرة لو تتبعتها لعجزت عنها ولكني اقتصرت على هذا وأوجزت، وفيما ذكرته من ذلك كفاية وأسأل الله تعالى العون والعناية. الباب التاسع في ذكر الخطب والخطباء والشعر والشعراء وسرقاتهم وكبوات الجياد وهفوات الأمجاد قيل: خطب المأمون فقال: اتقوا الله عباد الله وأنتم في مهل، بادروا الأجل ولا يغرّنكم الأمل، فكأني بالموت قد نزل، فشغلت المرء شواغله، وتولت عنه فواصله، وهيئت أكفانه، وبكاه جيرانه، وصار إلى التراب الخالي بجسده البالي، فهو في التراب عفير، وإلى ما قدم فقير. وقال الشعبي: ما سمعت أحدا يخطب إلا تمنيت أن يسكت مخافة أن يخطىء ما خلا زيادا فإنه لا يزداد إكثارا إلا ازداد إحسانا. وخطب علي ﵁ فقال في خطبته: عباد الله الموت الموت ليس منه فوت، إن أقمتم أخذكم، وإن فررتم منه أدرككم، الموت معقود بنواصيكم، فالنجا النجا والوحا الوحا، فإن وراءكم طالبا حثيثا وهو القبر، ألا وإن القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار، ألا وإنه يتكلم في كل يوم ثلاث كلمات فيقول: أنا بيت الظلمة، أنا بيت الوحشة، أنا بيت الديدان ألا وإن وراء ذلك اليوم يوما أشد منه يوما يشيب فيه الصغير، ويسكر فيه الكبير تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها وَتَرَى النَّاسَ سُكارى وَما هُمْ بِسُكارى وَلكِنَّ عَذابَ اللَّهِ شَدِيدٌ «١» . ألا وإن وراء ذلك اليوم يوما أشد منه؛ فيه نار تتسعر، حرّها شديد وقعرها بعيد، وحليها حديد، وماؤها صديد، ليس لله فيها رحمة، قال: فبكى المسلمون بكاء شديدا، ثم قال: ألا وإن وراء ذلك اليوم وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ «٢» أدخلنا الله وإياكم دار النعيم، وأجارنا وإياكم من العذاب الأليم. وخطب الحجاج بن يوسف فقال في بعض خطبه: إن إبراهيم بن عبد الله بن الحسن ﵁ خطب بالبصرة فقال: أيها الناس كل كلام في غير ذكر فهو لغو، وكل صمت في غير فكر فهو سهو، والدنيا حلم والآخرة يقظة، والموت متوسط بينهما، ونحن في أضغاث أحلام. قيل: اجتمع الناس عند معاوية وقام الخطباء لبيعة يزيد، وأظهر قوم الكراهة، فقام رجل من الخطباء من عذرة يقال له يزيد بن المقنع فاخترط من سيفه شبرا ثم قال: أمير المؤمنين هذا وأشار إلى معاوية، ثم قال: فإن يهلك، فهذا وأشار إلى يزيد، ثم قال: فمن أبى فهذا، وأشار إلى سيفه، فقال له معاوية: أنت سيد الخطباء. فصل في ذكر الشعر والشعراء وسرقاتهم قيل: ما استدعي شارد الشعر بمثل الماء الجاري والشرف العالي، والمكان الخضر الخالي. وقيل: أمسك على النابغة الجعدي أربعين يوما فلم ينطق بالشعر، ثم أن بني جعدة غزوا، فظفروا، فاستخفه الطرب والفرح، فرام الشعر، فذلّ له ما استصعب عليه، فقال له قومه: والله لنحن بإطلاق لسان شاعرنا أسرّ منا بالظفر بعدونا. وقال أبو نؤاس: ما قلت الشعر حتى رويت لستين امرأة منهن الخنساء وليلى، فما ظنك بالرجال؟ وقال: الرجال الشعراء أمراء الكلام يتصرفون فيه كيف شاءوا، جائز لهم فيه ما لا يجوز لغيرهم من إطلاق المعنى وتقييده، ومن تسهيل اللفظ وتعقيده. وقيل: وفد زياد بن عبد الله على معاوية فقال له: أقرأت القرآن؟ قال نعم. قال: أقرضت القريض؟ قال: نعم.

стр. 67

قال: أرويت الشعر؟ قال: لا. فكتب إلى عبد الله: أبا زياد بارك الله لك في ابنك فأروه الشعر، فقد وجدته كاملا، وإني سمعت عمر بن الخطاب ﵁ يقول: أرووا الشعر فإنه يدل على محاسن الأخلاق، ويقي مساويها، وتعلموا الأنساب فربّ رحم مجهولة قد وصفت بعريان النسب، وتعلموا من النجوم ما يدلكم على سبلكم في البر والبحر، ولقد هممت بالهرب يوم صفين، فما ثبتني إلا قول القائل: أقول لها إذا جشأت وجاشت ... مكانك تحمدي أو تستريحي «١» وقيل: لم ير قط أعلم بالشعر والشعراء من خلف الأحمر، كان يعمل الشعر على ألسنة الفحول من القدماء، فلا يتميز عن مقولهم، ثم تنسك، فكان يختم القرآن كل يوم وليلة، وبذل له بعض الملوك مالا جزيلا على أن يتكلم في بيت من الشعر شكّوا فيه فأبى. وكان الحسن بن علي ﵁ يعطي الشعراء، فقيل له في ذلك، فقال: خير مالك ما وقيت به عرضك. وقال أبو الزناد: ما رأيت أروى للشعر من عروة قلت له: ما أرواك يا أبا عبد الله؟ فقال: وما روايتي مع رواية عائشة ﵂ ما كان ينزل بها شيء إلا أنشدت فيه شعرا. وكان رسول الله ﷺ يتمثل بقول القائل: كفى الإسلام والشيب للمرء ناهيا، ولم ينطق به موزونا، فقال أبو بكر الصديق ﵁: أشهد أنك رسول الله حقا وتلا قوله تعالى: وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَما يَنْبَغِي «٢» . ولنذكر نبذة من سرقات الشعراء وسقطاتهم: فمن ذلك قول قيس بن الخطيم وهو شاعر الأوس وشجاعها «٣» : وما المال والأخلاق إلّا معارة ... فما اسطعت من معروفها فتزوّد وكيف يخفى ما أخذه مع اشتهار قصيدة طرفة بن العبد وهي معلقة على الكعبة يقول فيها: لعمرك ما الأيام إلّا معارة ... فما استطعت من معروفها فتزود ومن ذلك قول عبدة بن الطيب: فما كان قيس هلكه هلك واحد ... ولكنه بنيان قوم تهدّما أخذه من قول امرىء القيس: فلو أنها نفسي تموت شريتها ... ولكنها نفس تساقط أنفسا ويقال من سرق شيئا واسترقّه، فقد استحقه، وهو أن يسرق الشاعر المعنى دون اللفظ. فمن السرقة الفاحشة قول كثير في عبد الملك بن مروان: إذا ما أراد الغزو لم يثن همه ... حصان عليها عقد در يزينها «٤» أخذه من قول الحطيئة ولم يغير سوى الروي: إذا ما أراد الغزو لم يثن همه ... حصان عليها لؤلؤ وشنوف «٥» وجرير على سعة تبحره وقدرته على غرر الشعر وابتكار الكلام نقل قوله: فلو كان الخلود بفضل قوم ... على قوم لكان لنا الخلود من قول زهير وهو شعر مشهور يحفظه الصبيان وترويه النسوان وهو: فلو كان حمد يخلد المرء لم يمت ... ولكنّ حمد المرء غير مخلد وقد قال الشماخ: وأمر ترجّي النفس ليس بنافع ... وآخر تخشى ضيره لا يضيرها وهو مأخوذ من قول الآخر: ترجّي النفوس الشيء لا تستطيعه ... وتخشى من الأشياء ما لا يضيرها وأبو تمام مع قوته وقدرته على الكلام يقول: وأحسن من نور تفتّحه الصبا ... بياض العطايا في سواد المطالب

стр. 68

أخذه من قول الأخطل: رأيت بياضا في سواد كأنه ... بياض العطايا في سواد المطالب ومن سقطات الشعراء: ما قيل: أن أبا العتاهية كان مع تقدمه في الشعر كثير السقط، روي أنه لقي محمد بن مبادر بمكة، فمازحه وضاحكه، ثم إنه دخل على الرشيد فقال: يا أمير المؤمنين هذا شاعر البصرة يقول قصيدة في كل سنة، وأنا أقول في كل سنة مائتي قصيدة، فأدخله الرشيد إليه وقال: ما هذا الذي يقول أبو العتاهية، فقال: يا أمير المؤمنين لو كنت أقول كما يقول: ألا يا عتبة الساعة ... أموت الساعة الساعة لقلت كثيرا ولكني أقول: ابن عبد الحميد يوم توفى ... هدّ ركنا ما كان بالمهدود ما درى نعشه ولا حاملوه ... ما على النعش من عفاف وجود فأعجب الرشيد قوله وأمر له بعشرة آلاف درهم، فكاد أبو العتاهية يموت غما وأسفا. وكان بشّار بن برد يسمونه أبا المحدثين، ويسلمون إليه في الفضيلة والسبق، وبعض أهل اللغة يستشهد بشعره ومع ذلك قال: إنما عظم سليمى حبتي ... قصب السكر لا عظم الحمل وإذا أدنيت منها بصلا ... غلب المسك على ريح البصل هذا مع قوله: إذا قامت لمشيتها تثنّت ... كأن عظامها من خيزران ومع قوله في الفخر: كأنّ مثار النقع «١» فوق رؤوسنا ... وأسيافنا ليل تهاوى كواكبه ومع قوله أيضا: إذا أنت لم تشرب مرارا على القذى ... ظمئت وأي الناس تصفو مشاربه وأبو الطيب المتنبي في فضله المشهور وأخذه بزمام الكلام، وقوته على رقائق المعاني وعلى ما في شعره من الحكم والأمثال السائرة يقول: وضاقت الأرض حتى صار هاربهم ... إذا رأى غير شيء ظنّه رجلا وغير شيء معناه المعدوم، والمعدوم لا يرى فهذا سقط فاحش. ومما يستهجن من قوله وتكاد أن تمجه الأسماع قوله: تقلقلت بالهمّ الذي قلقل الحشا ... قلاقل عيش كلّهن قلاقل وقوله وقد جمع بين قبح اللفظ وبرودة المعنى: إن كان مثلك كان أو هو كائن ... فبرئت حينئذ من الإسلام ومن معانيه المسروقة قوله: ونهب نفوس أهل النهب أولى ... بأهل المجد من نهب القماش أخذه من قول أبي تمام: إن الأسود أسود الغاب همتها ... يوم الكريهة في المسلوب لا السلب قال أبو عبد الله الزبيري: اجتمع راوية جرير، وراوية كثير، وراوية جميل، وراوية الأحوص، وراوية نصيب، فافتخر كل منهم وقال: صاحبي أشعر، فحكموا السيدة سكينة بنت الحسين رضي الله تعالى عنهما بينهم لعقلها وتبصرها بالشعر، فخرجوا حتى استأذنوا عليها، وذكروا لها أمرهم فقالت لراوية جرير أليس صاحبك الذي يقول: طرقتك صائدة القلوب وليس ذا ... وقت الزيارة فارجعي بسلام وأي ساعة أحلى من الزيارة بالطروق! قبح الله صاحبك وقبح شعره فهلا قال: فادخلي بسلام. ثم قالت لراوية كثير أليس صاحبك الذي يقول: يقرّ بعيني ما يقرّ بعينها ... وأحسن شيء ما به العين قرت وليس شيء أقر بعينها من النكاح، أيحب صاحبك أن ينكح! قبح الله صاحبك وقبح شعره.

стр. 69

ثم قالت لراوية جميل أليس صاحبك الذي يقول: فلو تركت عقلي معي ما طلبتها ... ولكن طلابيها لما فات من عقلي فما أراه هوي، وإنما طلب عقله. قبح الله صاحبك وقبح شعره. ثم قالت لراوية نصيب أليس صاحبك الذي يقول: أهيم بدعد ما حييت فإن أمت ... فوا حزني من ذا يهيم بها بعدي فما له همة إلا من يتعشقها بعده. قبحه الله وقبح شعره هلّا قال: أهيم بدعد ما حييت فإن أمت ... فلا صلحت دعد لذي خلّة بعدي ثم قالت لراوية الأحوص أليس صاحبك الذي يقول: من عاشقين تواعدا وتراسلا ... ليلا إذا نجم الثريا حلّقا باتا بأنعم ليلة وألذها ... حتى إذا وضح الصباح تفرقا قبحه الله وقبح شعره. هلا قال: تعانقا. فلم تثن على واحد منهم، وأحجم رواتهم عن جوابها ﵂. وروى ابن الكلبي قال: لما أفضت الخلافة إلى عمر بن عبد العزيز وفدت إليه الشعراء كما كانت تفد على الخلفاء من قبله، فأقاموا ببابه أياما لا يؤذن لهم في الدخول حتى قدم عدي بن أرطأة عليه وكان منه بمكانة فتعرض له جرير وقال: يا أيّها الرجل المزجي مطيّته «١» ... هذا زمانك إنّي قد خلا زمني أبلغ خليفتنا إن كنت لاقيه ... أنّي لدى الباب كالمشدود في قرن «٢» لا تنس حاجتنا لاقيت مغفرة ... قد طال مكثي عن أهلي وعن وطني فقال: نعم يا أبا عبد الله، فلما دخل على عمر بن عبد العزيز ﵁ قال: يا أمير المؤمنين، الشعراء ببابك، وألسنتهم مسمومة، وسهامهم صائبة، فقال عمر ﵁: مالي وللشعراء، فقال: يا أمير المؤمنين إن رسول الله ﷺ مدح فأعطى، وفيه أسوة لكل مسلم، قال: صدقت، فمن بالباب منهم؟ قال: ابن عمك عمر بن أبي ربيعة القرشي قال: لا قرب الله قرابته ولا حيّا وجهه، أليس هو القائل: ألا ليتني في يوم تدنو منيتي ... شممت الذي ما بين عينيك والفم وليت طهوري كان ريقك كله ... وليت حنوطي من مشاشك والدم ويا ليت سلمى في القبور ضجيعتي ... هنالك إن في جنّة أو جهنّم فليته عدو الله تمنى لقاءها في الدنيا، ثم يعمل عملا صالحا، والله لا يدخل عليّ أبدا، فمن بالباب غيره ممن ذكرت؟ قال جميل بن معمر العذري قال: أليس هو القائل: ألا ليتنا نحيا جميعا فإن نمت ... يوافي لدى الموتى ضريحي ضريحها فما أنا في طول الحياة براغب ... إذا قيل قد سوّي عليها صفيحها «٣» أظلّ نهاري لا أراها وتلتقي ... مع الليل روحي في المنام وروحها والله لا يدخل عليّ أبدا، فمن بالباب غيره ممن ذكرت؟ قال: كثير عزة قال: أليس هو القائل: رهبان مدين والذين عهدتهم ... يبكون من حذر الفراق قعودا لو يسمعون كما سمعت حديثها ... خروا لعزّة ركّعا وسجودا أبعده الله، فوالله لا يدخل عليّ أبدا، فمن بالباب غيره ممن ذكرت؟ قال: الأحوص الأنصاري قال: أبعده الله، والله لا يدخل عليّ أبدا، أليس هو القائل، وقد أفسد على رجل من أهل المدينة جاريته حتى هرب بها منه: الله بيني وبين سيّدها ... يفرّ منّي بها وأتبعه فمن بالباب غيره ممن ذكرت؟ قال: همام بن غالب الفرزدق. قال: أليس هو القائل يفتخر بالزنا في قوله: هما دلّياني من ثمانين قامة ... كما انقضّ باز ليّن الريش كاسره

стр. 70

فلما استوت رجلاي في الأرض قالتا ... أحيّ فيرجى أم قتيل نحاذره فقلت ارفعوا الأجراس لا يفطنوا بنا ... وولّيت في أعقاب ليل أبادره والله لا دخل عليّ أبدا، فمن بالباب غيره ممن ذكرت؟ قال: الأخطل التغلبي. قال: أليس هو القائل: ولست بصائم رمضان عمري ... ولست بآكل لحم الأضاحي ولست بزاجر عيسا بكورا ... إلى أطلال مكّة بالنّجاح ولست بقائم كالعبد يدعو ... قبيل الصبح حيّ على الفلاح ولكنّي سأشربها شمولا ... وأسجد عند منبلج الصباح «١» أبعده الله عني، فو الله لا دخل عليّ أبدا، ولا وطىء لي بساطا، وهو كافر، فمن بالباب غيره من الشعراء ممن ذكرت؟ قال: جرير. قال: أليس هو القائل: طرقتك صائدة القلوب وليس ذا ... وقت الزيارة فارجعي بسلام فإن كان ولا بد، فهذا، فأذن له قال عدي بن أرطأة: فخرجت فقلت: أدخل يا جرير، فدخل وهو يقول: إنّ الذي بعث النبي محمدا ... جعل الخلافة في الإمام العادل وسع الخلائق عدله ووقاره ... حتى ارعووا وأقام ميل المائل «٢» إني لأرجو منه نفعا عاجلا ... والنفس مولعة بحبّ العاجل والله أنزل في الكتاب فريضة ... لابن السبيل وللفقير العائل فلما مثل بين يديه قال: يا جرير اتق الله ولا تقل إلا حقا، فأنشأ يقول: كم باليمامة من شعثاء أرملة ... ومن يتيم ضعيف الصوت والنظر ممّن بعدلك يكفى فقد والده ... كالفرخ في العشّ لم يدرج ولم يطر أأذكر الجهد والبلوى التي نزلت ... أم قد كفاني ما بلّغت من خبري إنّا لنرجو إذا ما الغيث أخلفنا ... من الخليفة ما نرجو من المطر إن الخلافة جاءته على قدر ... كما أتى ربّه موسى على قدر هذي الأرامل قد قضّيت حاجتها ... فمن لحاجة هذا الأرمل الذكر الخير مادمت حيّا لا يفارقنا ... بوركت يا عمر الخيرات من عمر فقال: والله يا جرير لقد وافيت الأمر، ولا أملك إلا ثلاثين دينارا فعشرة أخذها عبد الله ابني، وعشرة أخذتها أم عبد الله، ثم قال لخادمه: ادفع إليه العشرة الثالثة، فقال: والله يا أمير المؤمنين أنها لأحب مال اكتسبته، ثم خرج فقال له الشعراء: ما وراءك يا جرير؟ فقال: ورائي ما يسوءكم خرجت من عند أمير يعطي الفقراء ويمنع الشعراء، وإنني عنه لراض، ثم أنشأ يقول: رأيت رقى الجنّ لا تستفزه ... وقد كان شيطاني من الجن راقيا ومما جاء في كبوات الجياد وهفوات الأمجاد قال الأحنف الشريف: من عدت سقطاته، قلت عثراته، وقالوا: كل صارم ينبو، وكل جواد يكبو، وكان الأحنف بن قيس حليما سيدا يضرب به المثل، وقد عدت له سقطة وهو أن عمرو بن الأهتم دس إليه رجلا يسفهه فقال: يا أبا بحر ما كان أبوك في قومه؟ قال: كان أوسطهم وسيدهم، ولم يتخلف عنهم، فرجع إليه ثانيا، ففطن أنه من قبل عمرو بن الأهتم، فقال: ما كان أبوك؟ قال: كانت له فتوة ومروءة، ومكارم أخلاق، ولم يكن أهتم سلّاجا. وقال سعيد بن المسيب: ما فاتني الأذان في مسجد رسول الله ﷺ منذ أربعين سنة، ثم قام يريد الصلاة فوجد الناس قد خرجوا من المسجد. وقال قتادة: ما نسيت شيئا قط، ثم قال: يا غلام ناولني نعلي. قال: النعل في رجلك. وكان هشام بن عبد الملك من رجال بني أمية ودهاتهم، وقد عدت له سقطات منها: أن الحادي حدا به يوما فقال: إني عليك أيها النجيّ ... أكرم من يمشي به المطيّ

стр. 71

فقال هشام: صدقت. وذكر عنده سليمان أخوه، فقال: والله لأشكونه يوم القيامة إلى أمير المؤمنين عبد الملك، ولما ولي الخلافة قال: الحمد لله الذي أنقذني من النار بهذا المقام. قال النابغة: أي الرجال المهذب «١» ، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. الباب العاشر في التوكل على الله تعالى والرضا بما قسم والقناعة وذم الحرص والطمع وما أشبه ذلك وفيه فصول الفصل الأول في التوكل على الله تعالى قال الله تعالى: وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ «٢» . وقال تعالى: وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ «٣» . وقال تعالى: وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ «٤» . وعن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: «يدخل الجنة أقوام أفئدتهم مثل أفئدة الطير» . رواه مسلم قيل: معناه متوكلون، وقيل: قلوبهم رقيقة. وعن البراء بن عازب ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لو توكلتم على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدوا خماصا وتعود بطانا» «٥» . وأوحى الله تعالى إلى داود ﵇: يا داود من دعاني أجبته، ومن استغاثني أغثته، ومن استنصرني نصرته، ومن توكل عليّ كفيته، فأنا كافي المتوكلين وناصر المستنصرين، وغياث المستغيثين، ومجيب الداعين. وحكي أنه كان في زمن هارون الرشيد قد حصل للناس غلاء سعر، وضيق حال حتى اشتد الكرب على الناس اشتدادا عظيما، فأمر الخليفة هارون الرشيد الناس بكثرة الدعاء والبكاء، وأمر بكسر آلات الطرب، ففي بعض الأيام رؤي عبد يصفق ويرقص ويغني، فحمل إلى الخليفة هارون الرشيد، فسأله عن فعله ذلك من دون الناس، فقال: إن سيدي عنده خزانة بر، وأنا متوكل عليه أن يطعمني منها، فلهذا أنا إذا لا أبالي فأنا أرقص وأفرح، فعند ذلك قال الخليفة: إذا كان هذا قد توكل على مخلوق مثله، فالتوكل على الله أولى، فسلّم للناس أحوالهم، وأمرهم بالتوكل على الله تعالى. وحكي أن حاتما الأصم كان رجلا كثير العيال، وكان له أولاد ذكور وإناث، ولم يكن يملك حبة واحدة، وكان قدمه التوكل فجلس ذات ليلة مع أصحابه يتحدث معهم، فتعرضوا لذكر الحج، فداخل الشوق قلبه، ثم دخل على أولاده، فجلس معهم يحدثهم، ثم قال لهم: لو أذنتم لأبيكم أن يذهب إلى بيت ربه في هذا العام حاجا، ويدعو لكم ماذا عليكم لو فعلتم؟ فقالت زوجته وأولاده: أنت على هذه الحالة لا تملك شيئا ونحن على ما ترى من الفاقة، فكيف تريد ذلك ونحن بهذه الحالة؟ وكان له ابنة صغيرة فقالت: ماذا عليكم لو أذنتم له ولا يهمكم ذلك، دعوه يذهب حيث شاء، فإنه مناول للرزق، وليس برزاق، فذكّرتهم ذلك، فقالوا: صدقت والله هذه الصغيرة، يا أبانا انطلق حيث أحببت، فقام من وقته وساعته وأحرم بالحج، وخرج مسافرا، وأصبح أهل بيته يدخل عليهم جيرانهم يوبخونهم كيف أذنوا له بالحج، وتأسف على فراقه أصحابه وجيرانه، فجعل أولاده يلومون تلك الصغيرة ويقولون: لو سكتّ ما تكلمنا، فرفعت الصغيرة طرفها إلى السماء، وقالت: إلهي وسيدي ومولاي عودت القوم بفضلك وأنك لا تضيعهم فلا تخيبهم، ولا تخجلني معهم، فبينما هم على هذه الحالة إذ خرج أمير البلدة متصيدا، فانقطع عن عسكره وأصحابه، فحصل له عطش شديد، فاجتاز بيت الرجل الصالح حاتم الأصم، فاستسقى منهم ماء، وقرع الباب فقالوا: من أنت؟ قال: الأمير ببابكم يستسقيكم، فرفعت زوجة حاتم رأسها إلى السماء وقالت: إلهي وسيدي سبحانك البارحة بتنا جياعا، واليوم يقف الأمير على بابنا يستسقينا، ثم إنها أخذت كوزا جديدا وملأته ماء، وقالت للمتناول منها: اعذرونا، فأخذ الأمير الكوز وشرب منه، فاستطاب الشرب من ذلك الماء فقال: هذه الدار لأمير؟ فقالوا: لا والله بل لعبد من عباد الله الصالحين يعرف بحاتم الأصم. فقال الأمير: لقد سمعت به.

стр. 72

فقال الوزير: يا سيدي لقد سمعت أنه البارحة أحرم بالحج وسافر ولم يخلف لعياله شيئا، وأخبرت أنهم البارحة باتوا جياعا، فقال الأمير: ونحن أيضا قد ثقلنا عليهم اليوم، وليس من المروءة أن يثقل مثلنا على مثلهم، ثم حل الأمير منطقته من وسطه ورمى بها في الدار، ثم قال لأصحابه: من أحبني، فليلق منطقته، فحل جميع أصحابه مناطقهم ورموا بها إليهم، ثم انصرفوا، فقال الوزير: السلام عليكم أهل البيت، لآتينكم الساعة بثمن هذه المناطق، فلما أنزل الأمير رجع إليهم الوزير، ودفع إليهم ثمن المناطق مالا جزيلا واستردها منهم، فلما رأت الصبية الصغيرة ذلك بكت بكاء شديدا، فقالوا لها: ما هذا البكاء؟ إنما يجب أن تفرحي، فإن الله قد وسّع علينا، فقالت: يا أم، والله إنما بكائي كيف بتنا البارحة جياعا، فنظر إلينا مخلوق نظرة واحدة، فأغنانا بعد فقرنا، فالكريم الخالق إذا نظر إلينا لا يكلنا إلى أحد طرفة عين، اللهم انظر إلى أبينا، ودبره بأحسن التدبير، هذا ما كان من أمرهم. وأما ما كان من أمر حاتم أبيهم، فإنه لما خرج محرما ولحق بالقوم توجع أمير الركب، فطلبوا له طبيبا، فلم يجدوا، فقال: هل من عبد صالح، فدل على حاتم، فلما دخل عليه وكلمه دعا له فعوفي الأمير من وقته، فأمر له بما يركب، وما يأكل، وما يشرب، فنام تلك الليلة مفكرا في أمر عياله، فقيل له في منامه: يا حاتم من أصلح معاملته معنا أصلحنا معاملتنا معه، ثم أخبر بما كان من أمر عياله، فأكثر الثناء على الله تعالى، فلما قضى حجه ورجع تلقته أولاده، فعانق الصبية الصغيرة وبكى، ثم قال: صغار قوم كبار قوم آخرين. إن الله لا ينظر إلى أكبركم ولكن ينظر إلى أعرفكم به، فعليكم بمعرفته والاتكال عليه فإنه من توكل على الله فهو حسبه. ومن كلام الحكماء: من أيقن أن الرزق الذي قسم له لا يفوته تعجل الراحة، ومن علم أن الذي قضي عليه لم يكن ليخطئه فقد استراح من الجزع، ومن علم أن مولاه خير له من العبادة، فقصده كفاه همه وجمع شمله. وفي الحديث عن ابن عباس ﵄ قال: كنت عند النبي ﷺ يوما فقال: يا غلام إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت، فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن تنفعك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعت على أن تضرك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الصحف وجفت الأقلام. ورفع إلى الرشيد أن بدمشق رجلا من بني أمية عظيم المال والجاه كثير الخيل والجند، يخشى على المملكة منه، وكان الرشيد يومئذ بالكوفة. قال منارة خادم الرشيد: فاستدعاني الرشيد وقال: اركب الساعة إلى دمشق وخذ معك مائة غلام وائتني بفلان الأموي، وهذا كتابي إلى العامل لا توصله له إلا إذا امتنع عليك، فإذا أجاب فقيّده وعادله بعد أن تحصي جميع ما تراه وما يتكلم به، واذكر لي حاله ومآله، وقد أجلتك لذهابك ستا، ولمجيئك ستا، ولإقامتك يوما، أفهمت؟ قلت: نعم. قال: فسر على بركة الله، فخرجت أطوي المنازل ليلا ونهارا لا أنزل إلا للصلاة أو لقضاء حاجة حتى وصلت ليلة السابع باب دمشق، فلما فتح الباب دخلت قاصدا نحو دار الأموي، فإذا هي دار عظيمة هائلة، ونعمة طائلة، وخدم وحشم، وهيبة ظاهرة، وحشمة وافرة، ومصاطب متسعة، وغلمان فيها جلوس، فهجمت على الدار بغير إذن، فبهتوا وسألوا عني، فقيل لهم: إن هذا رسول أمير المؤمنين، فلما صرت في وسط الدار رأيت أقواما محتشمين، فظننت أن المطلوب فيهم، فسألت عنه، فقيل لي: هو في الحمام، فأكرموني، وأجلسوني، وأمروا بمن معي ومن صحبني إلى مكان آخر، وأنا أنتقد الدار، وأتأمل الأحوال، حتى أقبل الرجل من الحمام ومعه جماعة كثيرة من كهول وشبان وحفدة وغلمان، فسلم عليّ وسألني عن أمير المؤمنين، فأخبرته وأنه بعافية، فحمد الله تعالى، ثم أحضرت له أطباق الفاكهة فقال: تقدم يا منارة كل معنا، فتأملت تأملا كثيرا إذ لم يكنني، فقلت: ما آكل، فلم يعاودني. ورأيت ما لم أره إلا في دار الخلافة، ثم قدم الطعام، فو الله ما رأيت أحسن ترتيبا، ولا أعطر رائحة، ولا أكثر آنية منه، فقال: تقدم يا منارة، فكل. قلت: ليس لي به حاجة، فلم يعاودني. ونظرت إلى أصحابي فلم أجد أحدا منهم عندي، فحرت لكثرة حفدته، وعدم من عندي، فلما غسل يديه أحضر له البخور فتبخر، ثم قام فصلى الظهر، فأتم الركوع والسجود، وأكثر من الركوع بعدها، فلما فرغ استقبلني وقال: ما أقدمك يا منارة؟ فناولته كتاب أمير المؤمنين، فقبله ووضعه على رأسه، ثم فضّه وقرأه، فلما فرغ من قراءته استدعى جميع بنيه وخواص أصحابه وغلمانه وسائر عياله، فضاقت الدار بهم

стр. 73

على سعتها، فطار عقلي، وما شككت أنه يريد القبض عليّ، فقال: الطلاق يلزمه والحج والعتق والصدقة، وسائر أيمان البيعة لا يجتمع منكم اثنان في مكان واحد حتى ينكشف أمره، ثم أوصاهم على الحريم ثم استقبلني وقدم رجليه وقال: هات يا منارة قيودك، فدعوت الحداد فقيده وحمل حتى وضع في المحمل وركبت معه في المحمل، وسرنا، فلما صرنا في ظاهر دمشق ابتدأ يحدثني بانبساط ويقول: هذه الضيعة لي تعمل في كل سنة بكذا وكذا، وهذا البستان لي وفيه من غرائب الأشجار وطيب الثمار كذا وكذا، وهذه المزارع يحصل لي منها كل سنة كذا وكذا، فقلت: يا هذا ألست تعلم أن أمير المؤمنين أهمّه أمرك حتى أنفذني خلفك وهو بالكوفة ينتظرك، وأنت ذاهب إليه ما تدري ما تقدم عليه، وقد أخرجتك من منزلك ومن بين أهلك ونعمتك وحيدا فريدا، وأنت تحدثني حديثا غير مفيد ولا نافع لك ولا سألتك عنه، وكان شغلك بنفسك أولى بك: فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، لقد أخطأت فراستي فيك يا منارة ما ظننت أنك عند الخليفة بهذه المكانة إلا لوفور عقلك، فإذا أنت جاهل عامي لا تصلح لمخاطبة الخلفاء، أما خروجي على ما ذكرت فإني على ثقة من ربي الذي بيده ناصيتي وناصية أمير المؤمنين، فهو لا يضر ولا ينفع إلا بمشيئة الله تعالى، فإن كان قد قضي علي بأمر فلا حيلة لي بدفعه ولا قدرة لي على منعه، وإن لم يكن قد قدر علي بشيء فلو اجتمع أمير المؤمنين وسائر من على وجه الأرض على أن يضروني لم يستطيعوا ذلك إلا بإذن الله تعالى، وما لي ذنب فأخاف، وإنما هذا واش وشى عند أمير المؤمنين ببهتان «١» ، وأمير المؤمنين كامل العقل، فإذا اطّلع على براءتي فهو لا يستحل مضرتي، وعلي عهد الله لا كلمتك بعدها إلا جوابا. ثم أعرض عني وأقبل على التلاوة وما زال كذلك حتى وافينا الكوفة بكرة اليوم الثالث عشر، وإذا النجب قد استقبلتنا من عند أمير المؤمنين تكشف عن أخبارنا، فلما دخلت على الرشيد قبلت الأرض، فقال: هات يا منارة أخبرني من يوم خروجك عني إلى يوم قدومك عليّ، فابتدأت أحدثه بأموري كلها مفصلة والغضب يظهر في وجهه، فلما انتهيت إلى جمعه لأولاده وغلمانه، وخواصه وضيق الدار بهم، وتفقدي لأصحابي، فلم أجد منهم أحدا أسودّ وجهه، فلما ذكرت يمينه عليهم تلك الأيمان المغلظة تهلّل وجهه، فلما قلت إنه قدم رجليه أسفر وجهه واستبشر، فلما أخبرته بحديثي معه في ضياعه وبساتينه وما قلت له، وما قال لي فقال: هذا رجل محسود على نعمته، ومكذوب عليه، وقد أزعجناه وأرعبناه وشوشنا عليه وعلى أولاده وأهله، أخرج إليه، وانزع قيوده، وفكه وأدخله عليّ مكرما، ففعلت، فلما دخل قبّل الأرض، فرحب به أمير المؤمنين وأجلسه، واعتذر إليه، فتكلم بكلام صحيح، فقال له أمير المؤمنين: سل حوائجك، فقال: سرعة رجوعي إلى بلدي وجمع شملي بأهلي وولدي قال: هذا كائن، فسل غيره؟ قال: عدل أمير المؤمنين في عماله ما أحوجني إلى سؤال. قال: فخلع عليه أمير المؤمنين، ثم قال: يا منارة اركب الساعة معه حتى ترده إلى المكان الذي أخذته منه. قم في حفظ الله وودائعه ورعايته ولا تقطع أخبارك عنا وحوائجك، فانظر حسن توكله على خالقه، فإنه من توكل عليه كفاه ومن دعاه لبّاه، ومن سأله أعطاه ما تمناه. وروي أن هذه الكلمات وجدها كعب الأحبار مكتوبة في التوراة فكتبها وهي: يا ابن آدم لا تخافن من ذي سلطان ما دام سلطاني باقيا، وسلطاني لا ينفد أبدا، يا ابن آدم لا تخش من ضيق الرزق ما دامت خزائني ملآنة، وخزائني لا تنفد أبدا، يا ابن آدم لا تأنس بغيري، وأنا لك، فإن طلبتني وجدتني، وإن أنست بغيري فتّك وفاتك الخير كله، يا ابن آدم خلقتك لعبادتي، فلا تلعب، وقسمت رزقك فلا تتعب، وفي أكثر منه فلا تطمع، ومن أقل منه فلا تجزع، فإن أنت رضيت بما قسمته لك أرحت قلبك وبدنك، وكنت عندي محمودا، وإن لم ترض بما قسمته لك فوعزتي وجلالي لأسلطن عليك الدنيا تركض فيها ركض الوحوش في البر ولا ينالك منها إلا ما قد قسمته لك، وكنت عندي مذموما، يا ابن آدم خلقت السموات السبع والأرضين السبع، ولم أعي بخلقهن أيعينني رغيف أسوقه لك من غير تعب، يا ابن آدم أنا لك محب، فبحقي عليك كن لي محبا، يا ابن آدم لا تطالبني برزق غد كما لا أطالبك بعمل غد، فإني لم أنس من عصاني، فكيف من أطاعني وأنا على كل شيء قدير، وبكل شيء محيط. قال الشاعر: وما ثمّ إلّا الله في كلّ حالة ... فلا تتكل يوما على غير لطفه

стр. 74

فكم حالة تأتي ويكرهها الفتى ... وخيرته فيها على رغم أنفه ولمؤلفه رحمه الله تعالى: توكّل على الرحمن في الأمر كلّه ... فما خاب حقا من عليه توكّلا وكن واثقا بالله واصبر لحكمه ... تفز بالذي ترجوه منه تفضّلا الفصل الثاني في القناعة والرضا بما قسم الله تعالى جاء في تفسير قوله تعالى: مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً «١» . أن المراد بها القناعة. وقال ﷺ : «القناعة مال لا ينفذ» . وقيل: يا رسول الله ما القناعة؟ قال: «الأياس مما في أيدي الناس وإياكم والطمع فإنه الفقر الحاضر» . وكان سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه من القناعة بالجانب الأوفر، وإنه كان يشتهي الشيء فيدافعه سنة. قال الكندي: العبد حر ما قنع ... والحرّ عبد ما طمع وقال بشر بن الحارث: خرج فتى في طلب الرزق، فبينما هو يمشي فأعيا، فآوى إلى خراب يستريح فيه، فبينما هو يدير بصره إذ وقعت عيناه على أسطر مكتوبة على حائط، فتأملها فإذا هي: إني رأيتك قاعدا مستقبلي ... فعلمت أنك للهموم قرين هوّن عليك وكن بربّك واثقا ... فأخو التوكّل شأنه التهوين طرح الأذى عن نفسه في رزقه ... لمّا تيقن أنّه مضمون قال: فرجع الفتى إلى بيته، ولزم التوكل وقال: اللهم أدّبنا أنت. قال الجاحظ: إنما خالف الله تعالى بين طبائع الناس ليوفق بينهم في مصالحهم، ولولا ذلك لاختاروا كلهم الملك والسياسة والتجارة والفلاحة وفي ذلك بطلان المصالح، وذهب المعايش، فكل صنف من الناس مزين لهم ما هم فيه، فالحائك إذا رأى من صاحبه تقصيرا أو خلفا قال: ويلك يا حجّام والحجام إذا رأى مثل ذلك من صاحبه قال: ويلك يا حائك، فجعل الله تعالى الاختلاف سببا للائتلاف، فسبحانه من مدبر قادر حكيم، ألا ترى إلى البدوي في بيت من قطعة خيش معمد بعظام الجيف كلبه معه في بيته لباسه شملة من وبر أو شعر، ودواؤه بعر الإبل وطيبه القطران وبعر الظباء، وحليّ زوجته الودع، وثماره المقل، وصيده اليربوع «٢» وهو في مفازة «٣» لا يسمع فيها إلا صوت بومة، وعواء ذئب وهو قانع بذلك مفتخر به. وقال سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه: يا بني إذا طلبت الغنى، فاطلبه في القناعة، فإنها مال لا ينفذ، وإياك والطمع فإنه فقر حاضر، وعليك باليأس، فإنك لم تيأس من شيء إلا أغناك الله عنه. وأصاب داود الطائي فاقة كبيرة، فجاءه حماد بن أبي حنيفة ﵁ بأربعمائة درهم من تركة أبيه وقال: هي من مال رجل ما أقدم عليه أحد في زهده وورعه وطيب كسبه، فقال: لو كنت أقبل من أحد شيئا لقبلتها تعظيما للميت، وإكراما للحي، ولكني أحب أن أعيش في عز القناعة. وقال عيسى ﵊: اتخذوا البيوت منازل، والمساجد مساكن، وكلوا من بقل البرية، واشربوا من الماء القراح، واخرجوا من الدنيا بسلام. وأنشد المبرد: إن ضنّ زيد بما في بطن راحته ... فالأرض واسعة والرزق مبسوط إنّ الذي قدّر الأشيا بحكمته ... لم ينسني قاعدا والرحل محطوط قال عبد الواحد بن زيد: ما أحسب أن شيئا من الأعمال يتقدم الصبر إلا الرضا، ولا أعلم درجة أرفع من الرضا وهو رأس المحبة، قيل له: متى يكون العبد راضيا عن ربه؟ قال: إذا سرته المصيبة كما تسره النعمة.

стр. 75

وكان عبد الله بن مرزوق من ندماء المهدي، فسكر يوما ففاتته الصلاة فجاءته جارية له بجمرة، فوضعتها على رجله، فانتبه مذعورا فقالت له: إذا لم تصبر على نار الدنيا، فكيف تصبر على نار الآخرة. فقام فصلّى الصلوات، وتصدق بما يملكه وذهب يبيع البقل، فدخل عليه فضيل وابن عيينة، فإذا تحت رأسه لبنة وما تحت جنبه شيء، فقالا له: إنه لم يدع أحد شيئا إلا عوضه الله منه بديلا، فما عوضك عما تركت له؟ قال: الرضا بما أنا فيه. وقال الثوري: ما وضع أحد يده في قصعة غيره إلا ذلّ له، وقال الفضيل: من رضي بما قسم الله له بارك الله له فيه. وكان عيسى ﵊ يقول: الشمس في الشتاء جلالي، ونور القمر سراجي، وبقل البرية فاكهتي، وشعر الغنم لباسي، أبيت حيث يدركني الليل ليس لي ولد يموت، ولا بيت يخرب، أنا الذي كببت الدنيا على وجهها. (بيت مفرد) ؛ إنّ القناعة من يحلل بساحتها ... لم يلق في ظلّها همّا يؤرّقه «١» وقال عيسى ﵊: أنظروا إلى الطير تغدو وتروح ليس معها شيء من أرزاقها، لا تحرث، ولا تحصد، والله يرزقها، فإن زعمتم أنكم أكبر بطونا من الطير، فهذه الوحوش والبقر والحمر لا تحرث ولا تحصد والله يرزقها. وقيل: وفد عروة بن أذينة على هشام بن عبد الملك، فشكا إليه خلّته «٢» ، فقال له القائل: لقد علمت وما الإسراف من خلقي ... أنّ الذي هو رزقي سوف يأتيني أسعى إليه فيعييني تطلّبه ... ولو قعدت أتاني ليس يعييني وقد جئت من الحجاز إلى الشام في طلب الرزق فقال: يا أمير المؤمنين لقد وعظت فأبلغت، وخرج، فركب ناقته وكرّ إلى الحجاز راجعا، فلما كان من الليل نام هشام على فراشه، فذكر عروة، فقال في نفسه رجل قرشي قال حكمة ووفد علي، فجبهته ورددته خائبا، فلما أصبح وجه إليه بألفي دينار، فقرع عليه الرسول باب داره بالمدينة، وأعطاه المال، فقال: أبلغ أمير المؤمنين مني السلام وقل له: كيف رأيت قولي سعيت، فأكديت، فرجعت، فأتاني رزقي في منزلي. ولما ولي عبد الله بن عامر العراق قصده صديقان له أنصاري وثقفي، فلما سارا تخلف الأنصاري وقال: الذي أعطى ابن عامر العراق قادر على أن يعطيني، فوفد الثقفي وقال: أحوز الحظين، فلما دخل على عبد الله بن عامر قال له: ما فعل زميلك الأنصاري؟ قال: رجع إلى أهله، فأمر للثقفي بأربعة آلاف دينار [وللأنصاري بمثلها] فخرج الثقفي وهو يقول: فو الله ما حرص الحريص بنافع ... فيغني ولا زهد القنوع بضائر خرجنا جميعا من مساقط روسنا ... على ثقة منا بجود ابن عامر فلما أنخنا الناجعات ببابه ... تخلف عني اليثربيّ ابن جابر وقال ستكفيني عطية قادر ... على ما يشاء اليوم للخلق قاهر فإن الذي أعطى العراق ابن عامر ... لربّي الذي أرجو لسدّ مفاقري فقلت خلالي وجهه ولعله ... سيجعل لي حظّ الفتى المتزاور فلما رآني سال عنه صبابة ... إليه كما حنت ظؤار الأباعر «٣» فأبت وقد أيقنت أن ليس نافعا ... ولا ضائرا شيء خلاف المقادر قيل: أوحى الله تعالى إلى موسى صلوات الله وسلامه عليه: أتدري لم رزقت الأحمق؟ قال: لا يا رب. قال: ليعلم العاقل أن طلب الرزق ليس بالاحتيال. ولبعض العرب: ولا تجزع إذا أعسرت يوما ... فقد أيسرت في الزمن الطويل ولا تظنن بربّك ظنّ سوء ... فإنّ الله أولى بالجميل
следующие страницы →