← Адаб

Адаб · id 23802

المستطرف في كل فن مستظرف

شهاب الدين الأبشيهي

Полный текст (517 стр.). Показаны 491–517 · переход к 496.

стр. 491

إذا ما مات بعضك فابك بعضا ... فإنّ البعض من بعض قريب وحكي ... أن ربيعة رمدت عينه فأرسل إلى امرأة كان يحبها ثم أنشد يقول: عينا ربيعة رمداوان فاحتسبي ... بنظرة منك تشفيه من الرّمد إن تكتحل بك عيناه فلا رمد ... على ربيعة يخشى آخر الأمد وعن عبد الرحمن بن قيس عن النبي ﷺ أنه قال: داء الأنبياء الفالج واللقوة. قال الجاحظ: ومن المفاليج سيدنا إدريس عليه الصلاة السلام، وأكثر ما يعتري المتوسطين من الناس لأن الشاب كثير الحرارة والشيخ كثير اليبس. وقيل: إن إبان بن عثمان كان أفلج حتى صار مثلا، فكانت الناس تقول: لا رماك الله بفالج ابن عثمان، وكان معاوية ألوق، وعبد الملك بن مروان أبخر، وحسان أعمى، وابن سيرين أصم، وممن فلج ابن أبي دؤاد قاضي قضاة المعتصم كان من الشرف والكرم بمنزلة عظيمة قد ضرب المثل بفالجه، قال الشاعر في رجل ضرب غلامه: أتضرب مثله بالسّوط عشرا ... ضربت بفالج ابن أبي دؤاد وشجة عبد الحميد كانت مثلا في الحسن، وهو عبد الحميد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهم، وكان بارعا في الحسن والجمال فزادته حسنا إلى حسنه حتى أن النساء كن يخططن في وجوههن شجة عبد الحميد. وكان يقال لعمر بن عبد العزيز أشج بني أمية، وكان عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه يقول: إن من ولدي رجلا بوجهه أثر في جبهته، قال أصبغ: الله أكبر هذا أشج بني أمية يملأ الأرض عدلا. وقال أعور لأبي الأسود: ما الشيء ونصف الشيء ولا شيء فقال: أما الشيء فالبصير كأنا، وأما لا شيء فالأعمى، وأما نصف الشيء فأنت يا أعور. اللهم اكفنا شر العاهات برحمتك ومنك وكرمك آمين. الفصل الثالث من هذا الباب في التداوي من الأمراض والطب قال رسول الله ﷺ : تداووا فإن الذي أنزل الداء أنزل الدواء. وقال ﷺ : ما أنزل الله داء إلا وله دواء عرفه من عرفه وجهله من جهله. وسئل رسول الله ﷺ عن الدواء والرقى هل يردان شيئا من قضاء الله تعالى: قال: هما من قدر الله تعالى. وقال عبد الله بن عكرمة: عجيب لمن يحتمي من الطعام خوف الداء، ولا يحتمي من الذنوب خوف النار. وقيل: إن الربيع بن خيثم لما مرض قالوا له: ألا ندعوا لك طبيبا، فقال لهم: إن مرضي من الطبيب وإنه متى أراد عافاني، ولا حاجة لي بطبيبكم، وأنشد: فأصبحت لا أدعو طبيبا لطبه ... ولكنني أدعوك يا منزل القطر وعاد الفرزدق مريضا فقال: يا طالب الطب من داء تخوفه ... إنّ الطبيب الذي أبلاك بالداء فهو الطبيب الذي يرجى لعافية ... لا من يذيب لك الترياق بالماء قال: ولما مرض بشر الحافي رحمه الله تعالى قالوا: أندعوا لك طبيبا؟ فقال: إني بعين الطبيب يفعل بي ما يريد، فألح عليه أهله وقالوا: لا بد أن ندفع ماءك إلى الطبيب، فقال لأخته: ادفعي إليهم الماء في قارورة. وكان بالقرب منهم رجل ذمي وكان حاذقا في الطب، فأتوه بمائه في القارورة فلما رآه قال: حرّكوه فحرّكوه ثم قال: ضعوه ثم قال ارفعوه، فقالوا له: ما بهذا وصفت لنا، قال: بم وصفت لكم؟ قالوا: بالحذق والمعرفة، قال: هو كما تقولون غير أن هذا الماء إن كان ماء نصراني فهو راهب. قد فتتت كبده العبادة، وإن كان مسلما فهو ماء بشر الحافي فإنه أوحد أهل زمانه في السلوك مع الله تعالى، قالوا: هو ماء بشر الحافي. فأسلم النصراني وقطع زناره فلما رجعوا إلى بشر قال لهم: أسلم الطبيب، فقالوا: ومن أعلمك؟ قال: لما خرجتم من عندي هتف لي هاتف وقال: يا بشر ببركة مائك أسلم الطبيب وصار من أهل الجنة. وفلج الربيع بن خيثم فقيل له: هلا تداويت؟ فقال: قد عرفت أن الدواء حق، ولكن عاد وثمود وقرون بين ذلك كثير، كانت فيهم الأوجاع كثيرة والأطباء أكثر فلم يبق المداوي ولا المداوى وقد أبادهم الموت. ثم قال هذا المفرد: هلك المداوي والمدواى والذي ... جلب الدواء وباعه والمشتري وقيل لجالينوس حين نهكته العلة: أما تتعالج؟ فقال: إذا كان الداء من السماء بطل الدواء من الأرض، وإذا نزل

стр. 492

قضاء الرب بطل حذر المربوب. ومرّ قوم بماء من مياه العرب فوصف لهم ثلاث بنات مطببات وهن من أجل الناس، فأحبوا أن يروهن فحكوا ساق أحدهم حتى أدموها ثم قصدوهن فقالوا: هذا جريح مريض فهل من طبيب؟ فخرجت صغراهن وهي كأنها الشمس الطالعة فلما رأت جرحه قالت: ليس هو بمريض بل خدشه عود بالت عليه حية فإذا طلعت الشمس مات، فكان الأمر كما قالت. وقيل: دواء كل مريض بعقاقير أرضه فإن الطبيعة تتطلع لهوائها. وقالوا: من قدم إلى أرض غير أرضه وأخذ من ترابها وجعله في مائها وشربه، لم يمرض فيها وعوفي من وبائها. واحتمى أحمد بن المعدل لعلة أصابته فبرىء؛ فقال: الحمية طالع الصحة لأهل الدنيا تبرئهم من المرض، ولأهل الآخرة تبرئهم من النار. وقيل: إن الأبدان المعتادة بالحمية آفتها التخليط، والمعتادة بالتخليط آفتها الحمية، لأن الحكماء تقول: عودوا كل جسد بما اعتاد. وكان كسرى أنو شروان يمسك عما تميل إليه شهوته ولا ينهمك عليه، ويقول: تركنا ما نحبه لنستغني عن العلاج بما نكرهه. وقال لقمان: لا تطيلوا الجلوس على الخلاء فإنه يورث الباسور. وكانت هذه الحكمة مكتوبة على أبواب الحشوش أي الكنف. وقيل: كفى بالمرء عارا أن يكون صريع مأكله وقتيل أنامله. فكم أكلة أكلت نفس حر ... وكم أكلة جلبت كل ضرّ وقيل: من غرس الطعام أثمره الأسقام. وعن بعض أهل البيت النبوي ﵈، أنه كان إذا أصابته علة جمع بين ماء زمزم والعسل واستوهب من مهر أهله شيئا، وكان يقول: قال الله تعالى وَنَزَّلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً مُبارَكاً «١» . وقال تعالى: فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ «٢» . وقال ﵊: ماء زمزم لما شرب له. وقال تعالى فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً «٣» من جمع بين ما بورك فيه وبين ما فيه شفاء وبين الهني المريء يوشك أن يلقى العافية. وقيل: خمسة من المهلكات: دخول الحمام على الشبع والمجامعة على الشبع وأكل القديد وشرب الماء البارد على الريق ومجامعة المرأة العجوز. وقال: لا تنكح العجوز ولا تخرج الدم وأنت مستغن عن إخراجه. وقال الإمام ﵁: توق مدى الأيام إدخال مطعم ... على مطعم من قبل هضم المطاعم وكلّ طعام يعجز السنّ مضغه ... فلا تقربنه فهو شرّ لطاعم ووفرّ على الجسم الدماء فإنها ... لقوّة جسم المرء خير الدعائم وإياك أن تنكح طواعن سنهم ... فإنّ لها سما كسم الأراقم «٤» وفي كلّ أسبوع عليك بقيئة ... تكن آمنا من شرّ كلّ البلاغم ومما يورث الهزال. النوم على غير وطاء وكثرة الكلام برفع الصوت. وقال النظام رحمه الله تعالى: ثلاثة تخرب العقل: طول النظر في المرآة وكثرة الضحك والنظر إلى النجوم. وفي الحديث: احتجم رسول الله ﷺ في أم مغيث وهي وسط الرأس، وكان ﷺ يحتجم في الأخدعين، ونهى عن الحجامة في نقرة القفا فإنها تورث النسيان، وأمر بالاستنجاء بالماء البارد فإنه أمان من الباسور. وخطب المأمون بمسجد مروان فوجد غالب أهل المسجد يشكون السعال، فقال في آخر خطبته: من كان يشكو سعالا فليتداو بالخل، ففعلوا فعافاهم الله. وقال بعض الحكماء: إياك أن تطيل النظر في عين أرمد، وإياك أن تسجد على حصير جديدة قبل أن تمسها بيدك، فرب شظية حقيرة قلعت عينا خطيرة. وقيل: كانت الأدوية تنبت في محراب سليمان ﵊ ويقول كل دواء: يا نبي الله أنا دواء لكذا وكذا. وقال جالينوس: البطنة «٥» تقتل الرجال وتورث الفالج والإسهال الذريع والإقعاد وصنفا من الجذام يقال له

стр. 493

الفهد، لا يسمع صاحبه ولا يبصر، نسأل الله العفو والعافية. وقيل: البطنة تورث الصداع والكمنة في العينين والضربان في الأذنين والقولنج في البدن، فعليك أيها الإنسان بالطريقة الوسطى واتق الليل وطعامه جهدك. وقال جالينوس: الغم المفرط يميت القلب ويجمد الدم في العروق فيهلك صاحبه، والسرور المفرط يلهب حرارة الدم حتى يغلب الحرارة الغريزية فيهلك صاحبه. وقيل أنه وضع على مائدة المأمون في يوم عيد أكثر من ثلاثين لونا فكان يصف وهو على المائدة منفعة كل لون ومضرته. فقال يحيى بن أكثم: يا أمير المؤمنين إن خضنا في الطب فأنت جالينوس في معرفته، أو في النجوم فأنت هرمس في صناعته. أو في الفقه فأنت علي بن أبي طالب ﵁ في علمه، أو في السخاء فأنت حاتم في كرمه، أو في الحديث فأنت أبو ذر في صدق لهجته، أو في الوفاء فأنت السموءل بن عادياء في وفائه، فسر بكلامه وقال: يا أبا محمد إنما فضل الإنسان على غيره بالعقل، ولولا ذاك لكانت الناس والبهائم سواء. وقال طبيب الهند: إن منفعة الحقنة للجسد كمنفعة الماء للشجر. وقال سفيان بن عيينة: أجمع أطباء فارس على أن الداء إدخال الطعام على الطعام، وقالوا: إدخال اللحم على اللحم يقتل السباع في البر. وقيل: الشرب في آنية الرصاص أمان من القولنج. وعرض رجل على طبيب قارورته فقال له: ما هي قارورتك لأنه ماء ميت وأنت حي تكلمني، فما فرغ من كلامه حتى خر الرجل ميتا. وقيل: إن ملكا من الملوك حصل عنده صداع في رأسه فأحضر الطبيب فأمره أن يضع قدميه في الماء الحار وكان عنده خصي فقال: أين القدمان من الرأس؟ فقال له الطبيب: وأين وجهك من خصيتيك؟ نزعتا فذهبت لحيتك. وقيل: إن المأمون حصل له صداع بطرسوس، فأحضر طبيبا كان عنده فلم ينفعه علاجه، فبلغ قيصر فأرسل إليه قلنسوة وكتب له: بلغني صداعك فضعها على رأسك يزل ما بك، فخاف أن تكون مسمومة فوضعها على رأس القاصد فلم يصبه شيء، ثم إنه أحضر رجلا به صداع فوضعها على رأسه فزال ما به فتعجب المأمون ثم إنه فتحها فوجد فيها رقعة مكتوبا فيها: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ* كم من نعمة لله تعالى في عرق ساكن وغير ساكن حمعسق لا يصدعون عنها ولا ينزفون من كلام الرحمن خمدت النيران ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. وقال علي رضي الله تعالى عنه: ادهنوا بالبنفسج فإنه حار في الشتاء بارد في الصيف. وقال أيضا ﵁: عليكم بالزيت فإنه يذهب البلغم ويشد العصب ويحسن الخلق ويطيب النفس ويذهب الغم. وعنه ﵁: «إن لم يكن في شيء شفاء ففي شرطة حاجم أو شربة من عسل» . وقال الحجاج لطبيبه: أخبرنا بجوامع الطب. فقال: لا تنكح إلا فتاة ولا تأكل من اللحم إلا فتيا. وإذا تغديت فنم وإذا تعشيت فامش ولو على الشوك، ولا تدخلن بطنك طعاما حتى تستمرىء ما فيه ولا تأو إلى فراشك حتى تدخل الخلاء، وكل الفاكهة في إقبالها وذرها في إدبارها. وأوصى حكيم خليفته وصية ووعده أنه إذا لازمها لا يمرض إلا مرض الموت، فقال: إياك أن تدخل طعاما على طعام ولا تمش حتى تعيا، ولا تجامع عجوزا، ولا تدخل حماما على شبع، وإذا جامعت فكن على حال وسط من الغداء، وعليك في كل اسبوع بقيئة، ولا تأكل الفاكهة إلا في أوان نضجها ولا تأكل القديد من اللحم، وإذا تغديت فنم وإذا تعشيت فامش أربعين خطوة، ونم على يسارك لتقع الكبد على المعدة فينهضم ما فيها، وتستريح الكبد من حرارة المعدة. ولا تنم على يمينك فيبطىء الهضم ولا تأكل بشهوة عينيك بعد الشبع، ولا تنم ليلا حتى تعرض نفسك على الخلاء إن احتجت إلى ذلك أو لم تحتج، واقعد على الطعام وأنت تشتهيه وقم عنه وأنت تشتهيه. قال بعضهم: شره النفوس على الجسوم بلية ... فتعوّذوا من كلّ نفس تشره «١» ما من فتى شرهت له نفس وإن ... نال الغنى إلّا رأى ما يكره وقال أبو الفيض القضاعي يمدح الفضل وقد فصد: أرقت دما لو تسكب المزن مثله ... لأصبح وجه الأرض أخضر زاهيا «٢»

стр. 494

دما طيبا لو يطلق الشرع شربه ... لكان من الأسقام للناس شافيا الفصل الرابع فيما جاء في العيادة وفضلها قال رسول الله ﷺ : ثلاثة في ظل العرش، عائد المريض ومشيع الموتى وطائع والديه. وفي رواية ومعزي الثكلى. ومن السنة تخفيف الجلوس في العيادة. مرض بكر بن عبد الله المزني فعاده أصحابه فأطالوا الجلوس عنده فقال: المريض يعاد والصحيح يزار. قال الشاعر: يعدن مريضا هن هيّجن داءه ... ألا إنما بعض العوائد دائيا وقيل: إذا دخل العواد على الملك فحقهم أن لا يسلموا عليه فيحوجوه إلى رد السلام ويتعبوه، فإذا علموا أنه لاحظهم دعوا له وانصرفوا. قيل: مرض إنسان فكتب إليه بعض أصدقائه: كشف الله عنك ما بك من السقم، وطهرك بالعلة من الخطايا ومتعك بأنس العافية وأعقبك دوام الصحة. ومرض إنسان فكتب إليه صديقه: بإخوانك الأدنين لا بك كلّ ما ... شكوت إليّ اليوم من ألم الودّ فكلّ امرىء منهم بقدر احتماله ... وإن عجزوا عنه تحلمته وحدي وقال آخر: بي السوء والمكروه لا بك كلّما ... أراداك كانا بي وكان لك الأجر وقال عبد الله بن مصعب: مالي مرضت فلم يعدني عائد ... منكم ويمرض كلبكم فأعود فسمّي بعد ذلك عائد الكلاب. وعاد مالك بن أنس رضي الله تعالى عنه بعض المرضى فقال: عادني مالك فلست أبالي ... بعد من عادني ومن لم يعدني وقال عليّ بن الجهم: أراقد الليل مسرورا عدمت إذا ... عيشي وأحمد يرعى ليله وصبا «١» الله يعلم أنّي قد نذرت له ... صيام شهر إذا ما أحمد ركبا «٢» وقال آخر: إذا مرضتم أتيناكم نعودكمو ... وتذنبون فنأتيكم ونعتذر وقال آخر: أعاذك الله من أشياء أربعة ... الموت والعشق والإفلاس والجرب وقيل: إن حق العيادة يوم ويوم بعد يومين وعلى الأول قول الشاعر: قالت مرضت فعدتها فتبرّمت ... فهي الصحيحة والعليل العائد والله لو أن القلوب كقلبها ... ما رق للولد الصغير الوالد وعلى الثاني قول بعضهم: حقّ العيادة يوم بعد يومين ... وجلسة مثل خلس اللحظ بالعين لا تبرمنّ عليلا في مساءلة ... يكفيك من ذاك تسآل بحرفين وفضل العيادة مشهور وشرفها مذكور وبها تعظم الأجور. وهذا ما انتهى إلينا من هذا الباب والله الموفق للصواب. الباب الحادي والثمانون في ذكر الموت وما يتصل به من القبر وأحواله روي عن ابن عباس ﵄ أنه قال: قال رسول الله ﷺ إذا مات لأحدكم ميت فحسنوا كفنه وعجلوا إنجاز وصيته وأعمقوا له في قبره وجنبوه جار

стр. 495

السوء «١» ، قيل: يا رسول الله وهل ينفع الجار الصالح في الآخرة؟ قال: وهل ينفع في الدنيا؟ قالوا: نعم. قال: وكذلك في الآخرة. ومن وصية علي ﵁ لأبي ذر: زر القبور تذكر بها الآخرة، ولا تزرها بالليل واغسل الموتى يتحرك قلبك، وصلّ على الجنائز لعل ذلك يحزنك فإن الحزين في ظل الله تعالى. ويقال: جزعك في مصيبة صديقك أحسن من صبرك، وصبرك في مصيبتك أحسن من جزعك. ونظر فيلسوف إلى ميت يحمل إلى قبره فقال: حبيب تحمله أهله إلى حبس الأبد. ودخل عمرو بن العاص ﵁ على معاوية في مرضة مرضها، فقال له: أعائد أنت أم شامت؟ فقال له عمرو: ولم تقول هذا، والله ما كلفتني رهقا ولا أصدعتني زلقا ولا جرعتني علقا، فلم أستطل حياتك ولم استبطىء وفاتك. فأنشد معاوية يقول: فهل من خالدين إذا هلكنا ... وهل في الموت بين الناس عار ولما مرض معاوية ﵁ مرضه الذي مات فيه، وفد إليه الناس يعودونه فقال لأهله: مهدوا لي فراشا وأسندوني وأوسعوا رأسي دهانا ثم اكحلوا عيني بالإثمد ثم ائذنوا للناس يدخلوا ويسلموا علي قياما ولا تجلسوا عندي أحدا، ففعلوا ذلك، فلما خرجوا من عنده أنشد يقول: وتجلدي للشامتين أريهم ... أني لريب الدهر لا أتضعضع «٢» وإذا المنية أنشبت أظفارها ... ألفيت كلّ تميمة لا تنفع «٣» وقيل لما دنا منه الموت تمثل بهذا البيت: هو الموت لا منجى من الموت والذي ... نحاذر بعد الموت أدهى وأقطع ثم قال: رفع يديه وقال: اللهم أقل العثرة واعف عن الزلة وعد بحلمك على من لم يرج غيرك ولا يثق إلا بك، فإنك واسع المغفرة وليس لذي خطيئة منك مهرب. ومات رحمه الله تعالى. وذكر أبو العباس الشيباني قال: وفد على أبو دلف عشرة من أولاد علي بن أبي طالب ﵁ في العلة التي مات فيها فأقاموا ببابه شهرا لا يؤذن لهم لشدة العلة التي أصيب بها، ثم أفاق فقال لخادمه بشر: إن قلبي يحدثني أن بالباب قوما لهم إلينا حوائج فافتح الباب ولا تمنعن أحدا، قال: فكان أول من دخل آل علي ﵁ فسلموا عليه ثم ابتدأ الكلام رجل منهم من ولد جعفر الطيار فقال: أصلحك الله أنا من أهل بيت رسول الله ﷺ وفينا من ولده وقد حطمتنا المصائب وأجحفت بنا النوائب، فإن رأيت أن تجبر كسيرا وتغني فقيرا لا يملك قطميرا فافعل. فقال لخادمه خذ بيدي وأجلسني، ثم أقبل معتذرا إليهم ودعا بدواة وقرطاس وقال: ليكتب كل منكم بيده أنه قبض مني ألف دينار، قالوا: فبقينا والله متحيرين فلما أن كتبنا الرقاع ووضعناها بين يديه قال لخادمه: علي بالمال. فوزن لكل واحد منا ألف دينار ثم قال لخادمه: يا بشر إذا أنا مت فأدرج هذه الرقاع في كفني، فإذا لقيت محمدا ﷺ في القيامة كانت حجة لي أني قد أغنيت عشرة من ولده ثم قال: يا غلام ادفع لكل واحد منهم ألف درهم ينفقها في طريقه حتى لا ينفق من الألف دينار شيئا حتى يصل إلى موضعه، قال: فأخذناها ودعونا له وانصرفنا ثم مات ﵀. وقيل: لما دفن عمر بن عبد العزيز نزل عند دفنه مطر من السماء، فوجدوا بردة «٤» مكتوبا فيها بالنور (بسم الله الرحمن الرحيم أمان لعمر بن عبد العزيز من النار) . وقيل لأعرابي: إنك تموت، قال: وإلى أين أذهب؟ قالوا: إلى الله تعالى، فقال: لا أكره أن أذهب إلى من لا أرى الخير إلا منه. وبكى الخولاني عند موته فقيل له: ما يبكيك؟ قال: أبكي لطول السفر وقلة الزاد، وقد سلكت عقبة ولا أدري إلى أين أهبط وإلى أي مكان أسقط. ودخل ملك الموت على داود ﵇ فقال له: من أنت؟ قال: أنا الذي لا يهاب الملوك ولا تمنع منه القصور ولا يقبل الرشا، فقال: إذا أنت ملك الموت، وإني لم أستعد بعد، فقال له: يا داود أين فلان جارك أي فلان قريبك؟ قال: ماتا، قال: أما كان لك في موت هؤلاء عبرة لتستعد بها، ثم قبضه ﵇. وفي الخبر من حديث حميد الطويل عن أنس بن مالك عن النبي ﷺ قال: إن الملائكة تكتنف العبد وتحتبسه

стр. 496

ولولا ذلك لكان يعدو في الصحراء والبراري من شدة سكرات الموت وقد أجمعت الأمة على أن الموت ليس له زمن معلوم فليكن المرء على أهبة من ذلك. وقيل: بينما حسان جالس وفي حجره صبي يطعمه الزبد بالعسل إذ شرق الصبي فمات. فقال: إعمل وأنت صحيح مطلق فرح ... ما دمت ويحك يا مغرور في مهل يرجو الحياة صحيح ربّما كمنت ... له المنية بين الزبد والعسل وقيل: إن المأمون لما قربت وفاته دخل عليه بعض أصدقائه فوجده قد فرش له جلد دابة وبسط عليه الرماد وهو يتمرغ فيه ويقول: يا من لا يزول ملكه، إرحم من زال ملكه. ولما احتضر عمرو بن العاص دعا بغل وقيد وقال: ألبسوني إياهما فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن التوبة مقبولة ما لم يغرغر ابن آدم بنفسه، ثم استقبل القبلة، وقال: اللهم إنك أمرتنا فعصينا فارتكبنا، وهذا مقام العائذ بك فإن تعف فأنت أهل العفو، وإن تعاقب فبما قدمت يداي. لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، ثم مات وهو مغلول القيد، فبلغ ذلك الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنهما فقال: استسلم الشيخ ولعلها تنفعه. ولما احتضر المعتصم جعلوا يهونون عليه فقال: هان على النظارة ما يمر بظهر المجلود. وسمع أبو الدرداء رجلا في جنازة يقول: من هذا؟ فقال: أنت. فإن كرهت فأنا. وقيل: مات عكرمة مولى ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وكثير عزة في يوم واحد. فقال: اللهم كما جمعتهما في زيارة القبور فلا تفرق بينهما يوم النشور. فما بقي في المدينة أحد إلا استحسن كلامه. ولما احتضر إبراهيم الخليل ﵊ قال: هل رأيت خليلا يقبض روح خليله؟ فأوحى الله إليه: هل رأيت خليلا يكره لقاء خليله؟ قال: فاقبض روحي الساعة. وقيل: إذا قضى الله لرجل أن يموت بأرض جعل له إليها حاجة فيسيره إليها. وقال بعضهم: إذا ما حمام المرء كان ببلدة ... دعته إليها حاجة فيطير «١» حكي أن شابا تقيا من بين إسرائيل كان يجتمع مع سليمان ﵇ ويحضر مجالسه، فبينما هو عند سليمان في مجلسه إذ دخل ملك الموت عليه، فلما رآه الشاب اصفرّ لونه وارتعدت فرائصه وقال: يا نبي الله إني خفت من هذا الرجل، فمر الريح أن تذهب بي إلى الهند، فأمر سليمان الريح فذهبت به، فما كان إلا قليل حتى دخل ملك الموت على سليمان وهو متعجب، فقال له سليمان: ممّ تعجب؟ قال: أعجب أني أمرت بقبض روح الشاب الذي كان عندك بأرض الهند ودخلت عليك فوجدته عندك، فصرت متعجبا، ثم توجهت إلى الهند فرأيته هناك وقبضت روحه فهذا عجبي. فقال له سليمان: إنه لما رآك خاف وانزعج وطلب مني أن تحمله الريح إلى الهند فأمرتها فحملته. وفي ذلك المعنى قال محمد بن الحسن: ومتعب الروح مرتاح إلى بلد ... والموت يطلبه في ذلك البلد وقيل: إن الانسان يحصل له عند الموت قوة حركة، نحو ما يحصل للسراج عند انطفائه من حركة سريعة وضياء ساطع، وتسميها الأطباء النعشة الأخيرة والله أعلم. وقيل: إن الرشيد ماتت له جارية وكانت من خواص محاظيه، فجزع عليها جزعا شديدا، فقال لبعض أصدقائه: أما ترى ما بليت به؟ ما أحببت أحدا إلا مات. فقال يا أمير المؤمنين: أحببني، فقال: ويحك إن الحب ليس هو شيء يصنع إنما هو شيء يقع في القلب تسوقه الأسباب، فقال: قل أنا أحبك، قال: نعم أحبك، فحمّ من وقته ومات. وفي الحديث المرفوع: «كسر عظم الميت ككسره في حياته» . وقال يزيد بن أسلم: لقد كان يمضي في الزمن الأول أربعمائة سنة ما يسمع فيها بجنازة، وعن ميمون بن مهران قال: شهدت جنازة ابن عباس ﵁ بالطائف، فلما وضع ليصلى عليه جاء طائر أبيض حتى وقف على أكفانه، ثم دخل فيها فالتمسناه فلم نجده، ولما سوينا عليه التراب سمعنا من يسمع صوته ولا نرى شخصه يقول: يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ٢٧ ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً ٢٨ «٢» الآية. قال ابن عباس ﵄ إن قبر آدم ﵇ بمسجد الخيف بمنى. وقال عطاء: بلغني أن قبره تحت

стр. 497

المنارة التي وسط الخيف. وكان عثمان بن عفان ﵁ إذا وقف على قبر بكى ما لا يبكيه عند ذكر الجنة والنار، فقيل له في ذلك فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «القبر أول منازل الآخرة، فإن نجا العبد منه فما بعده أيسر منه» . وعن معاذ بن رفاعة الزرقي قال: أخبرني رجل من رجال قومي أن جبريل ﵇ أتى رسول الله ﷺ في جوف الليل معتجرا بعمامة من استبرق، فقال: يا محمد من هذا الميت الذي فتحت له أبواب السماء واهتز له العرش، فقام رسول الله ﷺ يجر ثوبه مبادرا إلى سعد بن معاذ ﵁ فوجده قبض. وقال الحسن ﵁: ما من يوم إلا وملك الموت يتصفح وجوه الناس خمس مرات، فمن رآه على لهو ولعب أو معصية أو ضاحكا حرك رأسه وقال له: مسكين هذا العبد غافل عما يراد به، ثم يقول له: اعمل ما شئت، فإن لي فيك غمزة أقطع بها وتينك «١» . وقال عمر بن عبد العزيز ﵁ لرجاء بن حيوه: يا رجاء إذا وضعت في لحدي، فاكشف الثوب عن وجهي فإن رأيت خيرا فاحمد الله وإن غير ذلك فاعلم أن عمر قد هلك. قال رجاء: فلما دفناه كشفت عن وجهه، فرأيت نورا ساطعا، فحمدت الله تعالى أن قد صار إلى خير. وقال أيضا: دخلت على عمر بن عبد العزيز وهو محتضر فقال: يا رجاء إني أرى وجوها كراما ليست بوجوه إنس ولا جان، وهو يقلب طرفه يمينا وشمالا، ثم رفع يده فقال: اللهم أنت ربي أمرتني فقصرت، ونهيتني فعصيت، فإن غفرت فقد مننت وإن عاقبت فما ظلمت، إلا أني أشهد أن لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك وأن محمدا عبدك ورسولك المصطفى ونبيك المرتضى، بلّغ الرسالة وأدّى الأمانة ونصح الأمة، فعليه السلام والرحمة، ثم قضى نحبه رحمة الله. وعن أسماء بنت عميس قالت: كنت عند أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ بعدما ضربه ابن ملجم إذ شهق شهقة بعد أن أغمي عليه، ثم أفاق وقال: مرحبا الحمد لله الذي صدقنا وعده وأورثنا الأرض نتبوأ من الجنة حيث نشاء، فقيل له ما ترى؟ قال: هذا رسول الله ﷺ ، وهذا أخي جعفر وعمي حمزة وأبواب السماء مفتحة والملائكة ينزلون علي يبشرونني بالجنة، وهذه فاطمة قد أحاط بها وصائفها من الحور العين، وهذه منازلي، لمثل هذا فليعمل العاملون. ولما احتضر عبد الملك بن مروان قال لابنه الوليد: إذا أنا متّ إياك أن تجلس وتعصر عينيك كالمرأة الوكعاء، لكن ائترز وشمر والبس جلد النمر وضعني في حفرتي وخلّني وشأني، وعليك شأنك. وادع الناس إلى بيعتك فمن قال برأسه هكذا «٢» ، فقل له بسيفك هكذا «٣» ، ثم بعث إلى محمد وخالد ابني يزيد بن معاوية، فقال: هل عندكما ندامة في بيعه الوليد؟ فقالوا: لا نعرف أحدا أحق منه بالخلافة، فقال: أما إنكما لو قلتما غير هذا لضربت الذي فيه أعينكما، ثم رفع كنار فراشه فإذا تحته سيف مسلول تحت يمينه، كل هذا وروحه تتردد في حنجرته، وهو يقول: الحمد لله الذي لا يبالي أصغيرا أخذ أم كبيرا. لا إله إلا الله محمد رسول الله. ثم بعد ساعة نفذت روحه فدخل عليه الوليد ومعه بناته يبكون، فتمثل بقول الشاعر: ومستخبر عنا يريد بنا الرّدى ... ومستخبرات والعيون سواكن وقال محمد بن هارون: كأنّي بإخواني على جنب حفرتي ... يهيلون فوقي «٤» والعيون دما تجري فيا أيها المذري عليّ دموعه ... ستعرض في يومين عني وعن ذكري «٥» عفا الله عنّي أنزل القبر ثاويا ... أزار فلا أدري وأجفى فلا أدري وكان يزيد الرقاشي يقول: من كان الموت موعده والقبر بيته والثرى مسكنه والدود أنيسه وهو مع هذا ينتظر الفزع الأكبر، كيف تكون حالته، ثم يبكي حتى يغشى عليه. فيجب على العاقل أن يحاسب نفسه بنفسه على ما فرط من عمره، ويستعد لعاقبة أمره بصالح العمل ولا يغتر بالأمل، فإن من عاش مات ومن مات فات، وكل ما هو آت آت. نسأل الله أن يلهمنا رشدنا ويوفقنا لاتباع أوامره واجتناب

стр. 498

نواهيه، وأن يجعل الموت خير غائب ننتظره وأن يختم لنا بالخير وأن يتغمدنا برحمته إنه على ما يشاء قدير وبالإجابة جدير وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. الباب الثاني والثمانون في الصبر والتأسي والتعازي والمراثي ونحو ذلك وفيه فصول الفصل الأول في الصبر قال الله تعالى: وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَراتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ ١٥٥ الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ ١٥٦ «١» . وقال ﷺ : «ما من مسلم يصاب بمصيبة وإن قل عهدها فأحدث استرجاعا إلا أحدث الله له مثله وأعطاه مثل أجره ذلك يوم أصيب بها» . وعن أنس بن الملك رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : «من أصبح حزينا أصبح ساخطا على ربه، ومن أصبح يشكو مصيبة فكأنما يشكو الله، ومن تواضع لغني ليسأله ما في يده أحبط الله ثلثي عمله، ومن أعطي القرآن ولم يعمل به وتهاون به حتى دخل النار، أبعده الله عن رحمته لأنه هو الذي فعل ذلك بنفسه حيث لم يعرف حرمة القرآن» . وروي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه عن النبي ﷺ أنه قال: «من مات له ثلاثة من الولد لا يلج النار إلا تحلة القسم، يعني قوله تعالى وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها «٢» . وعن أم سلمة رضي الله تعالى عنها أن رسول الله ﷺ قال: «من أصيب بمصيبة فقال كما أمر الله إنّا لله وإنّا إليه راجعون، اللهم أجرني في مصيبتي وأعقبني خيرا منها، إلا فعل الله به ذلك» . وروي أنه لما مات إبراهيم بن رسول الله ﷺ ذرفت عيناه، فقال له عبد الرحمن بن عوف: يا رسول الله ألم تنه عن البكاء؟ قال: إنما نهيت عن الغناء والصوتين الأحمقين والندب، ولكن هذه رحمة جعلها الله تعالى في قلوبنا، ومن لا يرحم لا يرحم، فإن القلب يخشع والعين تدمع، وإنا بك يا إبراهيم لمحزونون، ولا نقول إلا ما يرضي الله ربنا إنّا لله وإنا إليه راجعون. وقال ابن عباس ﵄: أول شيء كتبه الله في اللوح المحفوظ إنني أنا لا إله إلا أنا محمد عبدي ورسولي، من استسلم لقضائي وصبر على بلائي وشكر نعمائي كتبته صديقا وبعثته مع الصديقين، ومن لم يستسلم لقضائي ولم يصبر على بلائي ولم يشكر نعمائي فليتخذ ربا سواي. وقال ابن المبارك: إن المصيبة واحدة، فإذا جزع صاحبها فهما اثنتان لأن إحداهما المصيبة بعينها والثانية ذهاب أجره وهو أعظم من المصيبة. وعن العلاء بن عبد الرحمن أن النبي ﷺ لما حضرته الوفاة بكت فاطمة فقال: لا تبكي يا بنتاه قولي إذا مت إنا لله وإنا إليه راجعون، فإن لكل إنسان مصيبة معوضة. قالت: ومنك يا رسول الله؟ قال: ومني. عن عطاء بن أبي رباح قال: قال رسول الله ﷺ : «من أصابته مصيبة فليذكر مصيبته بي فإنها من أعظم المصائب» . وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أنه قال: من أخذت حبيبتاه يعني عينيه فصبر واحتسب أدخله الله الجنة. وقيل: إن امرأة أيوب ﵊ قالت: لو دعوت الله تعالى أن يشفيك، فقال لها: ويحك كنا في النعماء سبعين عاما، أفلا نصبر على الضراء مثلها، فلم يلبث إلا يسيرا أن عوفي. وقيل: الصبر مفتاح الظفر، والتوكل على الله تعالى رسول النجاح. وقيل: من لم يلق نوائب الدهر بالصبر طال عتبه عليه. وقيل: إن معاوية رضي الله تعالى عنه خرج يوما ومعه عبد العزيز بن زرارة الكلبي وكان ذا منصب وشرف وعقل وأدب، فقال له معاوية: يا عبد العزيز أتاني نعي سيد شباب العرب، فقال له: ابني أو ابنك قال: لا. ابنك، قال: للموت تلد الوالدة. ومما قيل: اصبر لحكم من لا تجد معولا إلا عليه ولا مفزعا إلا إليه. وقال سويد السدوسي:

стр. 499

فأوصيكما يا ابني سدوس كلاكما ... بتقوى الذي أعطاكما وبراكما بشكر إذا ما أحدث الله نعمة ... وصبر لأمر الله فيما ابتلاكما وقال: أيا صاحبي إن رمت أن تكسب الع ... لا وترقى إلى العلياء غير مزاحم عليك بحسن الصبر في كلّ حالة ... فما صابر فيما يروم بنادم وقال آخر: هو الدهر قد جرّبته وبلوته ... فصبرا على مكروهه وتجلدا وحدث الزبير قال: قامت عائشة بعدما دفن أبوها أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه، فقالت: نضّر الله وجهك، وشكر صالح سعيك، فقد كنت للدنيا مذلّا بإدبارك عنها، وللآخرة معزا بإقبالك عليها، ولئن كان رزؤك أعظم المصائب بعد رسول الله ﷺ وأكبر الأحداث بعده، فإن كتاب الله تعالى قد وعدنا بالثواب على الصبر في المصيبة، وأنا تابعة له في الصبر، فأقول إنا لله وإنا إليه راجعون، ومستعيضة بأكثر الاستغفار لك، فسلام الله عليك، توديع غير قالية لحياتك، ولا رازئة على القضاء فيك. ولما مات ذر الهمداني جاء أبوه، فوجده ميتا وكان موته فجأة، وعياله يبكون عليه فقال: ما لكم، والله ما ظلمناه ولا قهرناه ولا ذهب لنا بحق ولا أصابنا فيه، ما أخطأ من كان قبلنا في مثله، ولما وضعه في حفرته قال: رحمك الله يا بني وجعل أجري فيك لك، والله ما بكيت عليك وإنما بكيت لك، فو الله لقد كنت بي بارا ولي نافعا وكنت لك محبا وما بي إليك من وحشة وما بي إلى أحد غير الله من فاقة، وما ذهبت لنا بعزة وما أبقيت لنا من ذل، ولقد شغلنا الحزن لك عن الحزن عليك، يا ذر لولا هول المطلع لتمنيت ما صرت إليه، فليت شعري ماذا قلت وماذا قيل لك، ثم رفع رأسه إلى السماء وقال: اللهم إنك وعدت الصابرين على المصيبة ثوابك ورحمتك، اللهم وقد وهبت ما جعلت لي من الأجر إلى ذر صلة مني فلا تحرمني ولا تعرفه قبيحا وتجاوز عنه، فإنك رحيم بي وبه، اللهم قد وهبت لك إساءته لي فهب لي إساءته إليك، فإنك أجود مني وأكرم. اللهم إنك قد جعلت لك عليه حقا وجعلت لي عليه حقا قرنته بحقك، فقلت: اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ «١» . اللهم إني قد غفرت له ما قصر فيه من حقي، فاغفر له ما قصر فيه من حقك، فإنك أولى بالجود والكرم. فلما أراد الإنصراف قال: يا ذر قد انصرفنا وتركناك ولو أقمنا عندك ما نفعناك. وفي الحديث: إذا مات ولد العبد يقول الله تعالى للملائكة: ماذا قال عبدي عند قبض روح ولده وثمرة فؤاده؟ فيقولون: إلهنا حمدك واسترجع، فيقول الله تعالى: أشهدكم يا ملائكتي أني بنيت له بيتا في الجنة وسميته بيت الحمد. وعن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما أنه دفن ابنا له وضحك عند قبره، فقيل له: أتضحك عند القبر؟ قال: أردت أن أرغم أنف الشيطان، فينبغي للعبد أن يتفكر في ثواب المصيبة فتسهل عليه، فإذا أحسن الصبر استقبله يوم القيامة ثوابها، حتى يود لو أن أولاده وأهله وأقاربه ماتوا قبله لينال ثواب المصيبة. وقد وعد الله تعالى في المصيبة ثوابا عظيما إذا صبر صاحبها، واحتسب وقال تعالى: وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ «٢» . وقال تعالى: وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَراتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ ١٥٥ «٣» الآية. اللهم رضينا بقضائك وصبرنا على بلائك واغفر لنا ولوالدينا ولكل المسلمين يا رب العالمين. الفصل الثاني من هذا الباب في التعازي والتأسي روى الترمذي في كتاب السنن للبيهقي عن عبد الله بن مسعود عن النبي ﷺ قال: «من عزى مصابا فله مثل أجره» . وروينا في كتاب الترمذي أيضا بسند متصل إلى رسول الله ﷺ قال: «من عزى ثكلى كسي برداء في الجنة» . وروينا في سنن ابن ماجة والبيهقي بإسناد حسن، عن عمرو بن حزم عن النبي ﷺ قال: «ما من مؤمن يعزي أخاه بمصيبته إلا كساه الله من حلل الكرامة يوم القيامة» . واعلم أن التعزية هي التصبير وذكر ما يسلي صاحب الميت ويخفف حزنه ويهون مصيبته وهي مستحبة، فإنها مشتملة على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهي

стр. 500

أيضا داخلة في قوله تعالى: وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى «١» . وهي من أحسن ما يستدل به في التعزية. وثبت في الصحيح أن النبي ﷺ قال: «والله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه» . واعلم أن التعزية مستحبة قبل الدفن وبعده، وتكره بعد ثلاثة أيام، لأن التعزية لتسكين قلب المصاب، والغالب سكونه بعد ثلاثة أيام، فلا يجدد الحزن. هكذا قال الجماهير من أصحاب الشافعي رضي الله تعالى عنه. وقيل: إنها لا تفعل بعد ثلاثة أيام إلا في صورتين، وهما إذا كان المعزّي أو صاحب المصيبة غائبا حال الدفن فاتفق رجوعه بعد الثلاثة، وأما لفظ التعزية فلا حجر فيه فبأي لفظ عزاه حصلت، واستحب أصحاب الشافعي أن يقول في تعزية المسلم بالمسلم: عظم الله أجرك، وأحسن عزاءك وغفر لميتك. وفي المسلم بالكافر: أعظم الله أجرك، وأحسن عزاءك، وفي الكافر بالكافر: أخلف الله عليك ولا نقص لك عددا. روي أن النبي ﷺ فقد بعض أصحابه فسأل عنه فقالوا: يا رسول الله بنيه الذي رأيته هلك، فلقيه النبي ﷺ ، فسأل عن بنيه، فقال: يا رسول الله هلك، فعزاه فيه ثم قال: يا فلان أيما كان أحب إليك أن تتمتع به عمرك أو لا تأتي غدا بابا من أبواب الجنة إلا وجدته وقد سبقك إليه، فيفتحه لك؟ فقال: يا رسول الله ﷺ سبقه إلى باب الجنة أحب إلي من التمتع به في دار الدنيا. قال: ذلك لك. وروى البيهقي بإسناده في مناقب الشافعي رحمهما الله: أن الشافعي قد بلغه أن عبد الرحمن بن مهدي مات له ابن فجزع عليه جزعا شديدا، فبعث إليه الشافعي ﵀ يقول: يا أخي عزّ نفسك بما تعزّ به غيرك واستقبح من نفسك ما تستقبحه من غيرك، واعلم أن أمض المصائب «٢» فقد سرور وحرمان أجر، فكيف إذا اجتمعا مع اكتساب وزر؟ ألهمك الله عند المصائب صبرا، وأجزل لنا ولك بالصبر أجرا. وروي عن ابن المبارك قال: مات لي ابن فمرّ بي مجوسي وقال: ينبغي للعاقل أن يفعل اليوم ما يفعله الجاهل بعد خمسة أيام، فقال: اكتبوها منه. عن معاذ بن جبل أنه قال: مات لي ابن، فكتب إلي رسول الله ﷺ : من محمد رسول الله ﷺ إلى معاذ بن جبل، سلام عليكم، فإني أحمد الله الملك الذي لا إله إلا هو، أما بعد، فعظم الله لك الأجر، وألهمك الصبر ورزقنا وإياك الشكر، ثم اعلم أن أنفسنا وأموالنا وأهلنا وأولادنا من مواهب الله تعالى الهنية وعواريه المستودعة، يمتعنا بها إلى أجل معدود ويقبضها لوقت معلوم، ثم فرض الله تعالى علينا الشكر إذا أعطى، والصبر إذا ابتلى، وكان ابنك من مواهب الله الهنية وعواريه المستودعة. متعك الله به في غبطة وسرور، وقبضه بأجر كبير إن صبرت واحتسبت، فاصبر واحتسب، واعلم أن الجزع لا يرد ميتا ولا يطرد حزنا. وروي أن أبا بكر رضي الله تعالى عنه كان إذا عزى مرزأ قال: ليس مع العزاء مصيبة ولا مع الجزع فائدة، والموت أشد مما قبله، وأهون مما بعده، فاذكر مصيبتك برسول الله ﷺ تهن عليك مصيبتك. وعزى الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه صديقا له فقال: إنا نعزيك لا أنا على ثقة ... من الحياة ولكن سنة الدين فما المعزّى بباق ببعد ميّته ... ولا المعزّي ولو عاشا إلى حين كتب بعضهم إلى أخ له يعزيه: أنت يا أخي أعزك الله عالم بالدنيا وما خلقت له من الفناء وإنها لم تعط إلا أخذت ولم تسر إلا أحزنت، وإن الموت سبيل محتوم على الأولين والآخرين لا دافع عنه ولا مؤخر لما قضى الله منه، وإنا لله وإنا إليه راجعون. وعزّى رجل بعض الخلفاء بابن له، فكتب إليه يقول: تعزّ أمير المؤمنين فإنه ... لما قد ترى يغدو الصغير ويولد هل الابن إلا من سلالة آدم ... لكلّ على حوض المنية مورد وكتب بعضهم إلى صديق له وقد ماتت ابنته فقال: الموت أخفى سوأة للبنات ... ودفنها يروى من المكرمات أما رأيت الله سبحانه ... قد وضع النعش بجنب البنات وكتب بعضهم إلى صديق له يعزيه بأخيه ويسليه: ما تصنع يا أخي والقضاء نازل والموت حكم شامل، وإن لم تلذ بالصبر فقد اعترضت على مالك الأمر، وأنت تعلم

стр. 501

أن نوائب الدهر لا تدفع إلا بعزائم الصبر، فاجعل بين هذه اللوعة الغالبة والدمعة الساكبة حاجبا من فضلك وحاجزا من عقلك ودافعا من دينك ومانعا من يقينك، فإن المحن إذا لم تعالج بالصبر كانت كالمنح إذا لم تقابل بالشر، فصبرا صبرا، ففحول الرجال لا تستفزّها الأيام بخطوبها، كما أن متون الجبال لا تهزها العواصف بهبوبها، فعزيز علي أن أخاطب مولاي معزّيا وأكاتب مسليا عن كبير أو صغير مما يتعلق بخدمته أو ينتهي إلى جملته، فكيف بالصنو الأكرم والذخر الأعظم والركن الأشد والسهم الأسد والشهاب الأسطع والحسام الأقطع، لكن التعزية سيرة سائرة وسنة ماضية غابرة، وقدر الله هو المقدر وأجل الله إذا جاء لا يؤخر، ولولا أن الذكرى تنفع والتعزية يستوي فيها الأشرف والأوضع، لأجللت مولاي أن أفاتحه معزيا وأخاطبه مسليا، ولكن بحمد الله العالم لا يعلم والسابق لا يتقدم فبمولاي يقتدى في الصبر على النوائب وبنوره يهتدى في مشكلات المذاهب، وكل ما كان من الرزء أوجع كان الأجر عليه أوسع. جعل الله مولاي من الصابرين على المصيبة وأعظم أجره وجعل الجنة نصيبه. وعزّى رجل فتى عن أبيه فلم يجده كما أحب فقال: يا بني سوء الخلف أضر علينا من فقد السلف. ومات لبعض ملوك كندة ابنة فوضع بين يديه بدرة من المال وقال: من بالغ في تعزيته فهي له، فدخل عليه أعرابي وقال: عظم الله أجر الملك كفيت المؤونة وسترت العورة، ونعم الصهر القبر، فقال: قد أبلغت وأوجزت ثم دفعها له. وعزّت أعرابية قوما فقالت: جافى الله عن ميتكم الثرى وأعانه على طول البلى وآجركم ورحمه. وكان لعلي بن الحسين جليس مات له ابن فجزع عليه جزعا شديدا، فعزاه علي بن الحسين ﵀ ووعظه فقال: يا ابن رسول الله إن ابني كان مسرفا على نفسه، فقال: لا تجزع، فإن من ورائه ثلاث خلال. أولهن: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن سيدنا محمدا رسول الله، والثانية: شفاعة جدي ﷺ ، والثالثة: رحمة الله التي وسعت كل شيء، فأين يخرج ابنك عن واحدة من هذه الخلال. وقال سليمان بن عبد الملك عند موت ابنه لعمر بن عبد العزيز ورجاء بن حيوة: إنه في كبدي جمرة لا يطفئها إلا عبرة، فقال عمر: اذكر الله يا أمير المؤمنين، وعليك بالصبر، فنظر إلى رجاء كالمستريح بمشورته فقال رجاء: أفضها يا أمير المؤمنين، فما بذلك من بأس، لقد دمعت عينا رسول الله ﷺ على ابنه إبراهيم، وقال: «إن العين لتدمع وإن القلب ليخشع ولا نقول ما يسخط الرب، وإنا بك يا إبراهيم لمحزونون» . فأرسل سليمان عينيه حتى قضى أربه ثم أقبل عليهم، قال: لولا نزفت هذه العبرة لا نصدع كبدي «١» ، ثم إنه لم يبك بعدها. وكتب الإسكندر إلى أمه قبل وفاته بقليل: إذا وصل إليك كتابي هذا فاجمعي أهل بلدك وأعدى لهم طعاما ووكلي بالأبواب من يمنع من أصابته مصيبة في أم أو أب أو أخ أو أخت أو ولد، ففعلت، فلم يدخل إليها أحد، فعلمت أن الإسكندر عزّاها في نفسه. ولما قتل الفضل بن سهل دخل المأمون على أمه يعزيها فيه فقال: يا أماه لا تحزني على الفضل، فأنا خلف منه، فقالت: كيف لا أحزن على ولد عوضني عنه خليفة مثلك، فعجب المأمون من جوابها، وكان يقول: ما سمعت قط أحسن منه ولا أجلب للقلوب. فقال لها: عليك بالصبر، فإن فيه مزيد الأجر. وممن جزع على ولده جعفر بن علية لما قتله الحارث قام نساء الحي يبكون عليه، وقام أبوه إلى ولد كل شاة وناقة فذبحه وألقاها بين أيديها وقال لها: ابكين معي على جعفر، فما زالت النوق ترغو والشياه تيعر والنساء يصرخن ويبكين وهو يبكي معهن، فلم ير مأتم كان أوجع منه. وقال يحيى بن خالد: التعزية بعد ثلاثة أيام تجدد الحزن، والتهنئة بعد سنة تجدد الفرح. ومما قيل في التأسي والتسلي بالخلف عن السلف: قيل: عزى بعض الشعراء يزيد بن معاوية في والده فقال: أصبر يزيد فقد فارقت ذا ثقة ... واشكر إلهك من بالملك حاباكا «٢» لا رزء أصبح في الأيام نعرفه ... كما رزئت ولا عقبى كعقباكا «٣» وقال آخر: لا بدّ من فقد ومن فاقد ... هيهات ما في الناس من خالد وقال آخر:

стр. 502

تبصّر فلو أن البكا رد هالكا ... على أحد فاكثر بكاك على عمر وكتب بعضهم إلى أولاد صديقه يعزيهم ويسليهم في والدهم فقال: فلو كان فيض الدمع ينفع باكيا ... لعلّمت غرب الدمع كيف يسيل فإن غاب بدر فالنجوم طوالع ... ثوابت لا يقضى لهنّ أفول يغاث بها في ظلمة الليل حائر ... ويسري عليها بالرفاق دليل ودخل عبد الملك بن صالح على الرشيد وقد مات له ولد، وولد له في تلك الليلة ولد، فقال سرّك الله يا أمير المؤمنين فيما ساءك ولا ساءك فيما سرك وجمع لك بين أجر الصابر وثواب الشاكر. وقال بعضهم: أليس لهذا صار آخر أمرنا ... فلا كانت الدنيا القليل سرورها فلا تعجبي يا نفس مما ترينه ... فكل أمور الناس هذا مصيرها وسئل الأصمعي عن قول الخنساء في نعيها صخر حين مات ونعته فقالت: يذكرني طلوع الشمس صخرا ... وأندبه لكلّ غروب شمس فقالوا له: لماذا أنها خصت الشمس دون القمر والكواكب فقال: لكونه كان يركب عند طلوع الشمس يشن الغارات وعند غروبها يجلس مع الضيفان، فذكرته بهذا مدحا لأنه كان يغير على أعدائه ويتقيد بضيفه، وقد رثته بعد البيت الأول بأبيات منها: ألا يا نفس لا تنسيه حتى ... أفارق عيشتي وأزور رمسي «١» ولولا كثرة الباكين حولي ... على أمواتهم لقتلت نفسي وما يبكون مثل أخي ولكن ... أسلّي النفس عنه بالتأسّي «٢» وقال آخر: ولولا الأسى ما عشت في الناس ساعة ... ولكن إذا ناديت جاوبني مثلي وقال آخر: وهوّن وجدي عن خليلي أنني ... إذا شئت لاقيت الذي أنا صاحبه وقال آخر: ومما يؤديني إلى الصبر والعزا ... تردّد فكري في عموم المصائب «٣» الفصل الثالث في المراثي لما توفي رسول الله ﷺ رثاه جماعة من أصحابه وآله بمراث كثيرة منها ما روي عن أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه، فإنه كان أقرب الناس إليه، وهو أول من رثاه، فقال: لما رأيت نبينا متجندلا ... ضاقت علي بعرضهنّ الدّور فارتاع قلبي عند ذاك لموته ... والعظم منّي ما حييت كسير أعتيق ويحك إن خلّك قد ثوى ... والصبر عندك ما بقيت يسير «٤» يا ليتني من قبل مهلك صاحبي ... غيبّت في لحد عليه صخور فلتحدثن بدائع من بعده ... تعيا بهنّ جوانح وصدور وقال آخر: فقدت أرضنا هناك نبيا ... كان يغدو به النبات زكيا خلقا عاليا ودينا كريما ... وصراطا يهدي الأنام سويا وسراجا يجلو الظلام منيرا ... ونبيّا مؤيدا عربيا حازما عازما حليما كريما ... عائدا بالنوال برّا تقيّا

стр. 503

إن يوما أتى عليك ليوم ... كوّرت شمسه وكان خليا فعليك السلام منّا جميعا ... دائم الدهر بكرة وعشيّا ورثاه ﷺ أبو سفيان بن الحارث فقال: أرقت فبات ليلي لا يزول ... وليل أخي المصيبة فيه طول وأسعدني البكاء وذاك فيما ... أصيب المسلمون به قليل لقد عظمت مصيبتنا وجلت ... عشية قيل قد قبض الرسول وأضحت أرضنا مما عراها ... تكاد بنا جوانبها تميل «١» فقدنا الوحي والتنزيل فينا ... يروح به ويغدو جبرائيل وذاك أحقّ ما سالت عليه ... نفوس الناس أو كادت تسيل نبيّ كان يجلو الشك عنا ... بما يوحى إليه وما يقول ويهدينا فلا نخشى ملاما ... علينا والرسول لنا دليل أفاطم إن جزعت فذاك عذر ... وإن لم تجزعي فهو السبيل فقبر أبيك سيّد كلّ قبر ... وفيه سيّد الناس الرسول ولما مات أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه رثاه عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه بهذه الأبيات حين رجع من دفنه فقال: ذهب الذين أحبّهم ... فعليك يا دنيا السّلام لا تذكرين العيش لي ... فالعيش بعدهم حرام إنّي رضيع وصالهم ... والطفل يؤلمه الفطام ورثى بعضهم محمد بن يحيى بعد موته فقال: سألت الندى والجود مالي أراكما ... تبدّلتما عزّا بذل مؤبد وما بال ركن المجد أمسى مهدّما ... فقالا أصبنا بابن يحيى محمد فقلت فهلّا متّما بعد موته ... وقد كنتما عبديه في كلّ مشهد فقالا أقمنا كي نعزّى بفقده ... مسافة يوم ثم نتلوه في غد وقال آخر: ولا أرتجي في الموت بعدك طائلا ... لا أتقي للدهر بعدك من خطب وفي المعنى لبعضهم: لقد أمنت نفسي المصائب بعده ... فأصبحت منها آمنا ان أروّعا فما أتقي للدهر بعدك نكبة ... ولا أرتجي للعيش بعدك مرتعا «٢» ورثى أشجع السلمي عبد الله بن سعيد فقال: مضى ابن سعيد حيث لم يبق مشرق ... ولا مغرب إلا له فيه مادح وما كنت أدري ما فواضل كفّه ... على الناس حتى غيبته الصفائح وأصبح في لحد من الأرض ميتا ... وكان به حيا تضيق الصحاصح سأبكيك ما فاضت دموعي فإن تغض ... فحسبك منّي ما تكنّ الجوانح «٣» وما أنا من رزء وإن جلّ جازع ... ولا بسرور بعد فقدك فارح لئن حسنت فيك المراثي بذكرها ... فقد حسنت من قبل فيك المدائح وقال آخر: إلى الله أشكو لا إلى الناس إنني ... أرى الأرض تبقى والأخلّاء تذهب أخلاي لو غير الحمام أصابكم ... عتبت ولكن ما على الدهر معتب

стр. 504

وقال العباس بن الأحنف: إذا ما دعوت الصبر بعدك والبكا ... أجاب البكا طوعا ولم يجب الصبر فإن ينقطع منك الرجاء فإنه ... سيبقى عليك الحزن ما بقي الدهر وقال آخر يرثي صديقه: خليلي ما أزداد إلّا صبابة ... إليك وما تزداد إلا تنائيا خليلي لو نفس فدت نفس ميّت ... فديتك مسرورا بنفسي وماليا وقد كنت أرجو أن تعيش وإن أمت ... فحال رجاء الله دون رجائيا ألا فليمت من شاء بعدك إنما ... عليك من الأقدار كان حذاريا «١» أخذها بعضهم فقال: كنت السّواد لمقلتي ... يبكي عليك الناظر من شاء بعدك فليمت ... فعليك كنت أحاذر وقال آخر يرثي بعض أولاده: وقاسمني دهري بني مشاطرا ... فلما تقضّى شطره عاد في شطري ألا ليت أمّي لم تلدني وليتني ... سبقتك إذ كنا إلى غاية تجري وقد كنت ذا ناب وظفر على العدا ... فأصبحت لا يخشون نابي ولا ظفري وقال عمر بن الخطاب ﵁ للخنساء: أخبريني بأفضل بيت قلته في أخيك فقالت: وكنت أعير الدمع قبلك من بكى ... فأنت على من مات بعدك شاغله ولأبي المحاسن الشواء في صديق له مات وسقط الثلج عقيب موته: لم أنسه وبنو الملوك أمامه ... يدمون للأسف الأكفّ عضاضا والثلج قد غطى الربا فكأنها ... من حزنها لبست عليه بياضا وقال آخر: وليس صرير النعش ما تسمعونه ... ولكنه أصلاب قوم تقصّفوا وليس نسيم المسك ريا حنوطه ... ولكنه ذاك الثناء المخلف وقال مقاتل بن عطية يرثي الوزير نظام الملك: كان الوزير نظام الملك لؤلؤة ... يتيمة صاغها الرحمن من شرف عزّت ولم تعرف الأيام قيمتها ... فردّها عندما عزّت إلى الصدف وقال آخر: وقبرت وجهك وانصرفت مودّعا ... بأبي وأمّي وجهك المقبور وأرى ديارك بعد وجهك قفرة ... والقبر منك مشيّد معمور فالناس كلهم لفقدك واجد ... في كل بيت رنة وزفير عجبا لأربع أذرع في خمسة ... في جوفها جبل أشمّ كبير وكان رجل توفي ولده في يوم عيد فقال: لبس الرجال جديدهم في عيدهم ... ولبست حزن أبي الحسين جديدا أيسرّني عيد ولم أر وجهه ... فيه ألا بعدا لذلك عيدا فارقته وبقيت أخلد بعده ... لا كان ذاك بقا ولا تخليدا من لم يمت جزعا لفقد حبيبه ... فهو الخؤون مودة وعهودا مت مع حبيبك إن قدرت ولا تعش ... من بعده ذا لوعة مكمودا ما أمّ خشف قد ملا أحشاءها ... حذرا عليه وجفنها تسهيدا «٢»

стр. 505

إن نام لم تهجع وطافت حوله ... فيبيت مكلوما بها مرصودا منّي بأوجع إذ رأيت نوائحا ... لأبي الحسين وقد لطمن خدودا ولقد عدمت أبا الحسين جلادتي ... لما رأيت جمالك المفقودا كنت الجليد على الرزايا كلها ... وعلى فراقك لم أجد تجليدا «١» ولئن بقيت وما هلكت فإن لي ... أجلا وإن لم أحصه معدودا لا موت لي إلا إذا الأجل انقضى ... فهناك لا أتجاوز المحدودا حزني عليك بقدر حبّك لا أرى ... يوما على هذا وذاك مزيدا ما هدّ ركنّي بالسنين وإنّما ... أصبحت بعدك بالأسى مهدودا يا ليت إني لم أكن لك والدا ... وكذاك إنك لم تكن مولودا فلقد شقيت وربما شقي الفتى ... بفراق من يهوى وكان سعيدا من ذمّ جفنا باخلا بدموعه ... فعليك جفني لم يزل محمودا فلأنظمنّ مراثيا مشهورة ... تنسي الأنام كثيّرا ولبيدا وجميع من نظم القريض مفارق ... ولدا له أو صاحبا مفقودا وقال الفقيه منصور بن إسماعيل المصري: سألت رسوم القبر عمّن ثوى به ... لأعلم ما لاقى فقالت جوانبه أتسأل عمّن عاش بعد وفاته ... بإحسانه إخوانه وأقاربه وقال الإمام السبكي «٢» رحمه الله تعالى يرثي فضل الله العالم: مصاب ليس يشبهه مصاب ... لذي الألباب إذ فقد الشّهاب إمام قد حوى من كلّ علم ... كنوزا نحوها يسعى الرّكاب «٣» ليبكي كلّ ذي علم عليه ... فكم علم له ضمّ التراب وكم كلم موانع قد أتته ... ثناها وهي عاصية صعاب فسلطان البلاغ بغير شك ... شهاب الدين ما فيه ارتياب سقى الله الكريم ثراه صوبا ... له من كل رضوان رضاب «٤» وقال الصفدي: يا غائبا في الثرى تبلى محاسنه ... الله يوليك غفرانا وإحسانا إن كنت جرّعت كأس الموت واحدة ... في كلّ يوم أذوق الموت ألوانا وقال محمد بن عبد الله العتبي يرثي إبنا له: أضحت بخدي للدموع رسوم ... أسفا عليك وفي الفؤاد كلوم «٥» والصبر يحمد في المواطن كلّها ... إلا عليك فإنه مذموم وكتب أحمد بن يوسف إلى عمر بن سعيد يرثي بنتا له فقال: عجبا للمنون كيف أتتها ... وتخطّت عبد الحميد أخاكا شملتنا مصيبتان جميعا ... فقدنا هذه ورؤية ذاكا وله يرثي الأمير يلبغا: ألا إنّما الدنيا غرور وباطل ... فطوبى لمن كفاه منها تفرّغا «٦» وما عجبي إلا لمن بات واثقا ... بأيام دهر ما وعى حق يلبغا

стр. 506

وقال آخر: إلى الله أشكو أن كلّ قبيلة ... من الناس قد أفنى الحمام خيارها «١» وقال رجل يرثي صديقا له توفي وكان من الكرماء: ما درى نعشه ولا حاملوه ... ما على النعش من عفاف وجود ولبعض الكتاب في ابن مقلة: استشعر الكتّاب فقدك سالفا ... وقضت بصحّة ذلك الأيام فلذاك سوّدت الدواة كآبة ... أسفا عليك وشقت الأقلام وقال الحسن بن مطير الأسدي يرثي معن بن زائدة رحمه الله تعالى: هلمّا إلى معن وقولا لقبره ... سقتك الغوادي مربعا ثم مربعا فيا قبر معن كنت أوّل حفرة ... من الأرض خطّت للسماحة مضجعا ويا قبر معن كيف واريت جوده ... وقد كان منه البرّ والبحر مترعا بلى قد وسعت الجود والجود ميّت ... ولو كان حيا ضقت حتى تصدّعا فتى عاش في معروفه بعد موته ... أناس لهم بالبرّ قد كان أوسعا ولمّا مضى معن مضى الجود كلّه ... وأصبح عرنين المكارم أجدعا «٢» وقال آخر: عجبت لصبري بعده وهو ميّت ... وقد كنت أبكيه دما وهو غائب وقال آخر: فديتك لم أصبر ولي فيك حيلة ... ولكن دعاني اليأس منك إلى الصبر وقالت ريطة بنت عاصم: وقفت فأبكتني ديار عشيرتي ... على رزئهن الباكيات الحواسر «٣» غدوا كسيوف الهند ورّاد حومة ... من الموت أعيا وردهنّ المصادر «٤» فوارس حاموا عن حريمي وحافظوا ... بدار المنايا والقنا متشاجر ولو أن سلمى نالها مثل رزئنا ... لهدّت ولكن محمل الرزء عامر ولما قتل إبراهيم بن عبد الله بن الحسين وحمل رأسه إلى المنصور، أنفذها المنصور مع الربيع إلى عميه إدريس ومحمد وكانا في حبسه، وكان أبوه قائما يصلي فقال له محمد: أوجز، فأوجز وسلم، فلما أتاه، وضع الرأس في حجره فقال: أهلا وسهلا يا أبا القاسم تالله لقد كنت من الناس الذين قال الله تعالى في حقهم: الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلا يَنْقُضُونَ الْمِيثاقَ ٢٠ «٥» . ثم قبله بين عينيه وأنشأ يقول: فتى كان يحميه من العار سيفه ... ويكفيه سوءات الأمور اجتنابها ثم قال للربيع: قل لصاحبك المنصور قد مضى من بؤسنا أيام ومن نعمتك أيام، والملتقى غدا بين يدي الله تعالى، فكان ذلك فألا «٦» على المنصور ولم ير بعد ذلك اليوم راحة. وقيل لحسان: ما بالك لم ترث رسول الله ﷺ ؟ قال: لم أر شيئا إلا رأيته يقصر عنه «٧» . والله أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 507

الباب الثالث والثمانون في ذكر الدنيا وأحوالها وتقلبها بأهلها والزهد فيها قال الله تعالى: قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقى «١» فوصف جميع الدنيا بأنها متاع قليل، وأنت أيها الانسان تعلم أنك ما أوتيت من القليل إلا قليلا ثم إن القليل إن تمتعت به فهو لعب ولهو لقوله تعالى: أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ «٢» . وقال تعالى: وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ «٣» . فلا تبع أيها العاقل حياة قليلة تفنى بحياة كثيرة تبقى، كما قال ابن عياض: لو كانت الدنيا ذهبا يفنى، والآخرة خزفا يبقى. لوجب علينا أن نختار ما يبقى على ما يفنى، ثم تأمل بعقلك هل آتاك الله من الدنيا مثل ما أوتي سليمان ﵊ حيث ملكه الله تعالى جميع الدنيا من إنس وجن وسخر له الريح والطير والوحوش، ثم زاده الله تعالى أحسن منها حيث قال: هذا عَطاؤُنا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسابٍ «٤» . فوالله ما عدها نعمة مثل ما عددتموها ولا حسبها رفعة مثل ما حسبتموها، بل خاف أن يكون استدراجا من حيث لا يعلم فقال: هذا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ «٥» . وهذا فصل الخطاب لمن تدبر. هذا قد قال لك ولجميع أهل الدنيا: فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ٩٢ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ ٩٣ «٦» . وقال تعالى: وَإِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنا بِها وَكَفى بِنا حاسِبِينَ «٧» . وروي عن رسول الله ﷺ أنه قال: «لو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرا منها شربة ماء» . وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال لي رسول الله ﷺ : «ألا أريك الدنيا بما فيها؟ قلت: بلى يا رسول الله، فأخذ بيدي وأتى إلى واد من أودية المدينة فإذا مزبلة فيها رؤوس الناس وعذارات وخرق بالية وعظام البهائم، فقال: يا أبا هريرة هذه الرؤوس كانت تحرص حرصكم وتأمل آمالكم وهي اليوم صارت عظاما بلا جلد، ثم هي صائرة عظما رميما، وهذه العذارت ألوان أطعمتهم اكتسبوها من حيث اكتسبتموها في الدنيا فأصبحت والناس يتحامونها، وهذه الخرق البالية رياشهم أصبحت والرياح تصفقها، وهذه العظام عظام دوابهم التي كانوا ينتجعون عليها أطراف البلاد. فمن كان باكيا على الدنيا فليبك قال: فما برحنا حتى اشتد بكاؤنا» «٨» . وروي أن عمر بن الخطاب ﵁ دخل على النبي ﷺ وهو على سرير من الليف وقد أثر الشريط في جنبه، فبكى عمر رضي الله تعالى عنه، فقال رسول الله ﷺ : ما يبكيك يا عمر؟ فقال: تذكرت كسرى وقيصر. وما كانا فيه من سعة الدنيا، وأنت رسول الله، وقد أثر الشريط بجنبيك، فقال ﷺ : هؤلاء قوم عجّلت لهم طيباتهم في حياتهم الدّنيا، ونحن قوم أخرت لنا طيباتنا في الآخرة. وروي عن الضحاك قال: لما أهبط الله آدم وحواء إلى الأرض ووجدا ريح الدنيا وفقدا ريح الجنة غشي عليهما أربعين يوم من نتن الدنيا. وعن ابن معاذ قال: الحكمة تهوي من السماء إلى القلوب فلا تسكن في قلب فيه أربع خصال: ركون إلى الدنيا «٩» ، وهم عدو وحسد أخ وحب شرف. وعن النبي ﷺ أنه قال لعلي: «يا علي أربع خصال من الشقاء؛ جمود العين، وقسوة القلب، وبعد الأمل، وحب الدنيا» . وروي عن ابن عباس ﵄ أنه قال: يؤتى بالدنيا يوم القيامة على صورة عجوز شمطاء زرقاء العينين أنيابها بادية، مشوهة الخلق لا يراها أحد إلا هرب منها،

стр. 508

فتشرف على الخلائق أجمعين فيقال لهم: أتعرفون هذه؟ فيقولون: لا، نعوذ بالله من معرفة هذه، فيقال: هذه الدنيا التي تفاخرتم بها وتقاتلتم عليها. وعن الفضيل بن عياض أنه قال: جعل الخير كله في بيت واحد، وجعل مفتاحه الزهد في الدنيا، وجعل الشر كلّه في بيت واحد، وجعل مفتاحه حب الدنيا. وقيل: إن الدنيا مثل ظل الإنسان إن طلبته فر، وإن تركت تبعك، وفي قال بعضهم: إنّما الرزق الذي تطلبه ... يشبه الظلّ الذي يمشي معك أنت لا تدركه متّبعا ... وهو وإن ولّيت عنه تبعك وقد شبهها بعضهم بخيال الظل فقال: رأيت خيال الظلّ أعظم عبرة ... لمن كان في علم الحقائق راقي شخوصا وأصواتا يخالف بعضها ... لبعض وأشكالا بغير وفاق تجيء وتمضي بابة بعد بابة ... وتفنى جميعا والمحرّك باقي «١» وما أحسن ما قال سليمان بن الضحاك: ما أنعم الله على عبده ... بنعمة أوفى من العافيه وكلّ من عوفي في جسمه ... فإنّه في عيشة راضيه والمال حلو حسن جيّد ... على الفتى لكنه عاريه «٢» ما أحسن الدّنيا ولكنّها ... مع حسنها غدّارة فانيه وتوفي رجل من كندة فكتب على قبره هذه الأبيات: يا واقفين ألم تكونوا تعلموا ... إن الحمام بكم علينا قادم لو تنزلون بشعبنا لعرفتمو ... أنّ المفرّط في التزوّد نادم لا تستعزّوا بالحياة فإنّكم ... تبنون والموت المفرّق هادم سلوى الرّدى ما بيننا في حفرة ... حيث المخدّم واحد والخادم وقال آخر: عن قليل أصير كوم تراب ... وتقول الرفاق هذا فلان صار تحت التراب عظما رميما ... وجفاه الأصحاب والخلّان وما أحسن ما قال عبد الله بن طاهر: أليس إلى ذا صار آخر أمرنا ... فلا كانت الدنيا القليل سرورها فلا تعجبي يا نفس ممّا ترينه ... فكلّ أمور الناس هذا مصيرها وقال شرف الدين بن أسد: يا من تملّك ملكا لا بقاء له ... حمّلت نفسك آثاما وأوزارا هل الحياة بذي الدنيا وإن عذبت ... إلا كطيف خيال في الكرى زارا وقال بعضهم: وغاية هذي الدار لذّة ساعة ... ويعقبها الأحزان والهمّ والندم وهاتيك دار الأمن والعزّ والتّقى ... ورحمة ربّ الناس والجود والكرم وقال غيره: حسّنت ظنّك بالأيام إذ حسنت ... ولم تخف سوء ما يأتي به القدر وسالمتك الليالي فاغتررت بها ... وعند صفو الليالي يحدث الكدر وقال آخر: فإن كنت لا تدري متى الموت فاعلمن ... بأنّك لا تبقى إلى آخر الدّهر يا ابن آدم: أين الأولون والآخرون، أين نوح شيخ المرسلين، أين إدريس رفيع رب العالمين، أين إبراهيم خليل الرحمن، أي موسى الكليم من بين سائر النبيين، أين عيسى روح الله

стр. 509

وكلمته رأس الزاهدين، وإمام السائحين، أين محمد خاتم النبيين، أين أصحابه الأبرار، أين الأمم الماضية، أين الملوك السالفة، أين القرون الخالية، أين الذين نصبت على مفارقهم التيجان، أين الذين قهروا الأبطال والشجعان، أين الذين دانت لهم المشارق والمغارب، أين الذين تمتعوا باللذات والمشارب، أين الذين تاهوا على الخلائق كبرا وعتيا، أين الذين راحوا في الحلل بكرة وعشيا، أين الذين اغتروا بالأجناد، أين أصحاب الوزراء، والقواد، أين أصحاب السطوة والأعوان، أين أصحاب الإمرة والسلطان، أين أصحاب الأعمال والولايات، أين الذين خفقت على رؤوسهم الألوية والرايات، أين الذين قادوا الجيوش والعساكر، أين الذين عمروا القصور والدساكر، أين الذين أعطوا النصر في موطن الحروب، والمواقف، أين الذين آمنوا بسطوتهم كل خائف، أين الذين ملأوا ما بين الخافقين فخرا وعزا، أين الذين فرشوا القصور حريرا وقزا، أين الذين تضعضعت لهم الأرض هيبة وعزا هل تحس منهم من أحد، أو تسمع لهم ذكرا، أفناهم الله مفني الأمم وأبادهم مبيد الرمم وأخرجهم من سعة القصور إلى ضيق القبور تحت الجنادل والصخور فأصبحوا لا ترى إلا مساكنهم لم ينفعهم ما جمعوا ولا أغنى عنهم ما اكتسبوا، أسلمهم الأحباء والأولياء، وهجرهم الإخوان الأصفياء، ونسيهم الأقرباء والبعداء، لو نطقوا لأنشدوا: مقيم بالحجون رهين رمس ... وأهلي راحلون بكل واد «١» كأنّي لم أكن لهمو حبيبا ... ولا كانوا الأحبّة في السواد فعوجوا بالسلام فإن أبيتم ... فأوموا بالسلام على البعاد وقالوا: لا فخر فيما يزول، ولا غنى فيما لا يبقى، وهل الدنيا إلا كما قال بعض الحكماء المتقدمين: قدر يغلى وكنيف يملى. وفي هذا المعنى قال الشاعر: ولقد سألت الدار عن أخبارهم ... فتبسّمت عجبا ولم تبدي حتى مررت على الكنيف فقال لي ... أموالهم ونوالهم عندي ولقد أصاب ابن السماك حيث قال للرشيد لما قال له عظني، وكان بيده شربة ماء فقال له: يا أمير المؤمنين لو حبست عنك هذه الشربة أكنت تفديها بملكك، قال: نعم، قال: يا أمير المؤمنين، لو شربتها وحبست عن الخروج أكنت تفديها بملكك؟ قال: نعم، فقال له: لا خير في ملك لا يساوي شربة ولا بولة. وقال ابن شبرمة: إذا كان البدن سقيما لم ينفعه الطعام، وإذا كان القلب مغرما لم تنفعه الموعظة. وروي أن أبا العتاهية مر بدكّان ورّاق وإذا بكتاب فيه: لا ترجع الأنفس عن غيّها ... ما لم يكن منها لها زاجر «٢» فقال: لمن هذا البيت؟ فقيل: لأبي نواس قاله للخليفة هارون الرشيد حين نهاه عن حب الجمال وعشق الملاح، فقال: وددت أنه لي بنصف شعري. وممن استبصر من أبناء الملوك فرأى عيب الدنيا وتقضيها وزوالها، إبراهيم أدهم بن منصور، كان من أبناء ملوك خراسان من كورة بلخ، لما زهد الدنيا زهد في ثمانين سريرا. قال ابن بشار: سألت ابراهيم بن أدهم: كيف كان بدء أمرك حتى صرت إلى هذا؟ فقال: كان أبي من ملوك خراسان وكان قد حبب إلي الصيد، فبينا أنا راكب فرسي وكلبي معي إذ رأيت ثعلبا أو أرنبا، فحركت فرسي نحوه، فسمعت نداء من ورائي: يا إبراهيم ما لهذا خلقت ولا بهذا أمرت، فوقفت أنظر يمنة ويسرة، فلم أر أحدا، فقلت: لعن الله الشيطان. ثم حركت فرسي، فسمعت نداء أعلى من الأول: يا إبراهيم ما لهذا خلقت ولا بهذا أمرت. فوقفت أنظر يمنة ويسرة، فلم أر شيئا، فقلت: لعن الله الشيطان، ثم حركت فرسي، فسمعت النداء من قربوس سرجي: يا إبراهيم ما لهذا خلقت ولا بهذا أمرت، فوقفت وقلت: هيهات جاءني النذير من رب العالمين، والله لا عصيت ربي ما عصمني بعد يومي هذا. فتوجهت إلى أهلي وخلفت فرسي وجئت إلى بعض رعاة أبي، فأخذت جبته وكساءه وألقيت إليه ثيابي، فلم أزل أرض تقلني وأرض تضعني حتى صرت إلى العراق فعملت بها أياما فلم يصف لي شيء من الحلال، فسألت بعض المشايخ عن الحلال فقال: عليك بالشام، قال: فانصرفت إلى بلد يقال لها المنصورية «٣» ، فعلمت بها أياما، فلم

стр. 510

يصف لي شيء من الحلال، فسألت بعض المشايخ فقال: إن أردت الحلال، فعليك بطرسوس. فإن المباحات بها والعمل فيها كثير، فانصرفت إليها. قال: فبينا أنا قاعد على باب البحر إذ جاءني رجل فاكتراني أنظر له بستانا، فتوجهت معه، فأقمت في البستان أياما كثيرة، فإذا خادم له قد أقبل ومعه أصحاب له ولو علمت أن البستان بخادم ما نظرته، فقعد في مجلسه ثم قال: يا ناظورنا، فأجبته. قال: اذهب فأتنا بأكبر رمان تقدر عليه وأطيبه. فأتيته برمان، فكسر الخادم واحدة، فوجدها حامضة، فقال: يا ناظورنا أنت منذ كذا وكذا في بستاننا تأكل من فاكهتنا ورماننا ولا تعرف الحلو من الحامض؟ فقلت: والله ما أكلت من فاكهتكم شيئا، ولا أعرف الحلو من الحامض، قال: فغمز الخادم أصحابه، وقال: ألا تعجبون من هذا، ثم قال لي: لو كنت إبراهيم بن أدهم ما كنت بهذه الصفة، قال: ثم تحدث الناس بذلك، وجاءوا إلى البستان، فلما رأيت كثرة الناس اختفيت والناس داخلون، وأنا هارب منهم. وكان يأكل من كسب يده، وكان يحصد ويحفظ البساتين ويعمل في الطين، فبينما هو يوما يحرس كرما إذ مر به جندي فقال: أعطنا من هذا العنب، فقال له: إن صاحبه لم يأذن لي، فضربه بالسوط فطأطأ رأسه وقال: اضرب رأسا طالما عصى الله يا سيدي الجندي، فاستحى الرجل وتركه ومضى. وروي أن داود ﵊ بينما هو في الجبال إذ مر على غار فيه رجل عظيم الخلقة من بني آدم ملقى على ظهره وعند رأسه حجر محفور مكتوب فيه: أنا دوسم الملك، تملكت ألف عام وفتحت ألف مدينة. وهزمت ألف جيش، وافتضيت ألف بكر من بنات الملوك ثم صرت إلى ما ترى التراب فراشي والحجر وسادي فمن رآني فلا تغره الدنيا كما غرتني. وقال وهب بن منبه: خرج عيسى ﵊ ذات يوم مع أصحابه، فلما ارتفع النهار مروا بزرع قد أفرك. فقالوا: يا نبي الله إنّا جياع فأوحى الله تعالى إليه أن ائذن لهم في قوتهم. فأذن لهم، فتفرقوا في الزرع يفركون ويأكلون، فبينما هم كذلك إذ جاء صاحب الزرع يقول: زرعي وأرضي ورثتها من أبي وجدي، فبإذن من تأكلون يا هؤلاء؟ قال: فدعا عيسى ربه أن يبعث جميع من ملكها من لدن آدم إلى تلك الساعة، فإذا عند كل سنبلة ما شاء الله من رجل، وامرأة يقولون: أرضنا ورثناها عن آبائنا وأجدادنا، ففر الرجل منهم، وكان قد بلغه أمر عيسى ولكن لا يعرفه، فلما عرفه قال: معذرة إليك يا نبي الله لم أعرفك، زرعي ومالي حلال لك، فبكى عيسى ﵊ وقال: ويحك هؤلاء كلهم ورثوها وعمروها، ثم ارتحلوا عنها، وأنت مرتحل عنها ولا حق بهم، ليس لك أرض ولا مال «١» . ولما مات الإسكندر قال أرسطاطاليس: أيها الملك لقد حركتنا بسكوتك، وقال بعض الحكماء من أصحابه: لقد كان الملك أمس أنطق منه اليوم، وهو اليوم أوعظ منه أمس. أخذه أبو العتاهية فقال: كفى حزنا بدفنك ثم إنّي ... نفضت تراب قبرك من يديّا وكانت في حياتك لي عظات ... وأنت اليوم أوعظ منك حيّا وقال عبد الله بن المعتز: نسير إلى الآجال في كلّ ساعة ... فأيامنا تطوى وهنّ مراحل ولم أر مثل الموت حتى كأنّه ... إذا ما تخطّته الأماني باطل وما أقبح التفريط في زمن الصبا ... فكيف به والشيب في الرأس شاعل ترحلّ من الدنيا بزاد من التقى ... فعمرك أيام تعدّ قلائل وقال عبد الله بن المعلم: خرجنا من المدينة حجّاجا فإذا أنا برجل من بني هاشم من بني العباس بن عبد المطلب قد رفض الدنيا، وأقبل على الآخرة، فجمعتني وإياه الطريق، فأنست به وقلت له: هل لك أن تعادلني، فإن معي فضلا من راحلتي، فجزاني خيرا وقال: لو أردت هذا لكان سهلا، ثم أنس إلي فجعل يحدثني فقال: أنا رجل من ولد العباس كنت أسكن البصرة وكنت ذا كبر شديد ونعمة طائلة ومال كثير وبذخ زائد، فأمرت يوما خادما لي أن يحشو لي فراشا من حرير ومخدة بورد نثير ففعل، فإني لنائم إذا بقمع وردة قد نسيه الخادم، فقمت إليه فأوجعته ضربا، ثم عدت إلى مضجعي بعد إخراج القمع من المخدة، فأتاني آت في منامي في صورة فظيعة فهزني وقال: أفق من غشيتك وانتبه من رقدتك، ثم أنشأ يقول:

стр. 511

يا خل إنك إن توسّد لينّا ... وسّدت بعد اليوم صمّ الجندل» فامهد لنفسك صالحا تسعد به ... فلتندمنّ غدا إذا لم تفعل فانتبهت مرعوبا وخرجت من ساعتي هاربا إلى ربي كما تراني ثم أنشأ يقول: من كان يعلم أن الموت يدركه ... والقبر مسكنه والبعث يخرجه وأنّه بين جنات مزخرفة ... يوم القيامة أو نار ستنضجه فكلّ شيء سوى التقوى به سمج ... ومن أقام عليه منه أسمجه «٢» ترى الذي اتخذ الدنيا له وطنا ... لم يدر أن المنايا سوف تزعجه قال وهب بن منبه: أصبت على قصر غمدان وهو قصر سيف بن ذي يزن بأرض صنعاء اليمن وكان من الملوك الأجلة مكتوبا بالقلم المسندي فترجم بالعربي فإذا هي أبيات جليلة وموعظة عظيمة جميلة وهي هذه الأبيات: باتوا على قلل الأجبال تحرسهم ... غلب الرجال فلم تنفعهم القلل «٣» واستنزلوا من أعالي عزّ معقلهم ... فأسكنوا حفرة يا بئس ما نزلوا «٤» فإذا همو صارخ من بعد ما دفنوا ... أين الاسرّة والتيجان والحلل أين الوجوه التي كانت محجبة ... وكان من دونها الأستار والكلل «٥» فافصح القبر عنهم حين ساءلهم ... تلك الوجوه عليها الدود يقتتل قد طالما أكلوا دهرا وما شربوا ... فأصبحوا بعد ذاك الأكل قد أكلوا وروي أن عيسى ﵊ كان معه صاحب في بعض سياحاته فأصابهما الجوع وقد انتهيا إلى قرية فقال عيسى ﵊ لصاحبه: انطلق فاطلب لنا طعاما من هذه القرية، وأعطاه ما يشتري به، فذهب الرجل وقام عيسى ﵊ يصلي، فجاء بثلاثة أرغفة، فقعد ينتظر انصراف عيسى من الصلاة فأبطأ عليه، فأكل رغيفا وكان عيسى ﵊ رآه حين جاء ورأى الأرغفة ثلاثة، فلما انصرف من صلاته لم يجد إلا رغيفين، فقال له: أين الرغيف الثالث؟ فقال الرجل: ما كانا إلا رغيفين، فأكلاهما. ثم مرّا على وجوههما حتى أتيا على ظباء ترعى فدعا عيسى ﵊ واحدا منها، فجاءه فذكاه «٦» وأكلا منه، فقال له عيسى: بالذي أراك هذه الآية من أكل الرغيف الثالث؟ فقال: ما كانا إلا اثنين. ثم مرّا على وجوههما حتى جاءا قرية فدعا عيسى ربه أن ينطق له من يخبره عن حال هذه القرية، فأنطق الله له لبنة، فسألها عيسى فأخبرته بكل ما أراد. وصاحبه يتعجب مما رأى، فقال له عيسى: بحق من أراك هذه الآية: من صاحب الرغيف الثالث؟ فقال: ما كانا إلا إثنين. فمرّا على وجوههما حتى انتهيا إلى نهر عجاج، فأخذ عيسى صلوات الله عليه بيد الرجل ومشى به على الماء حتى جاوز النهر، فقال الرجل: سبحان الله. فقال عيسى ﵊: بالذي أراك هذه الآية من صاحب الرغيف الثالث؟ فقال: ما كانا إلا اثنين، فمرا على وجوههما حتى أتيا قرية عظيمة خربة، وإذا قريب منها ثلاث لبنات عظام، وقيل ثلاثة أكوام من الرمل، فقال لها: كوني ذهبا بإذن الله، فكانت، فلما رآها الرجل قال: هذا مال، فقال عيسى: نعم واحدة لي وواحدة لك وواحدة لصاحب الرغيف الثالث، فقال الرجل: أنا صاحب الرغيف الثالث، فقال عيسى ﵊: هي لك كلها، ثم فارقه عيسى. وأقام الرجل ليس معه ما يحملها عليه، فمرّ به ثلاثة نفر فقتلوه، فقال اثنان منهما للثالث: انطلق إلى القرية فأتنا بطعام، فانطلق فلما غاب قال أحدهما للآخر: إذا جاء قتلناه واقتسمناه المال بيننا، قال الآخر: نعم، وأما الذي ذهب ليشتري الطعام فإنه أضمر لصاحبيه السوء، وقال أجعل لهما في الطعام سما فإذا أكلاه ماتا وآخذ المال لنفسي، فوضع السم في الطعام وجاء فقاما إليه فقتلاه

стр. 512

وأكلا الطعام، فماتا، فمر بهم عيسى ﵊ وهم مصروعون حولها فقال: هكذا الدنيا تفعل بأهلها. وقال الهيثم بن عدي: وجد غار في جبل لبنان زمن الوليد بن عبد الملك وفيه رجل مسجى على سرير من الذهب وعند رأسه لوح من الذهب أيضا مكتوب فيه بالرومية: أنا سبأ بن نواس خدمت عيصو بن اسحاق بن إبراهيم خليل الرب الأكبر، وعشت بعده دهرا طويلا ورأيت عجبا كثيرا ولم أر فيما رأيت أعجب من غافل عن الموت، وهو يرى مصارع آبائه ويقف على قبور أحبابه، ويعلم أنه صائر اليهم، ثم لا يتوب، وقد علمت أن الأجلاف الجفاة يستنزلونني عن سريري ويتولونه وذلك حين يتغير الزمان ويكثر الهذيان ويترأس الصبيان، فمن أدرك هذا الزمان عاش قليلا ومات ذليلا. وعن عمرو بن ميمون أنه قال: افتتحنا مدينة بفارس فدللنا على مغارة فيها بيت فيه سرير من الذهب عليه رجل عند رأسه لوح مكتوب فيه: أنا بهرام ملك فارس، كنت أغناههم بطشا، وأقساهم قلبا، وأطولهم أملا، وأحرصه على الدنيا، قد ملكت البلاد، وقتلت الملوك، وهزمت الجيوش وأذللت الجبابرة وجمعت من الأموال ما لم يجمعه أحد قبلي، ولم أستطع أن أفتدي به من الموت إذ نزل بي. ويروى في الإسرائيليات أن عيسى ﵊ بينا هو في سياحته إذ مرّ بجمجمة نخرة، فسأل الله أن تتكلم فأنطقها الله له فقالت: يا نبي الله: أنا بلوان بن حفص ملك اليمن عشت ألف سنة ورزقت ألف ولد وافتضضت ألف بكر وهزمت ألف جيش وفتحت ألف مدينة، فما كان كل ذلك إلا كحلم النائم، فمن سمع قصتي فلا يغتر بالدنيا. فبكى عيسى ﵊ بكاء شديدا حتى غشي عليه. ووجد مكتوب على قصر قد خرّبت أركانه وبادت أهله وأظلمت نواحيه هذه الأبيات: هذي منازل أقوام عهدتهم ... يوفون بالعهد مذ كانوا وبالذمم تبكي عليهم ديار كان يطربها ... ترنّم المجد بين الجود والكرم وقيل في المعنى: بالله ربّك كم قصر مررت به ... قد كان أعمر باللّذّات والطرب نادى غراب المنايا في جوانبه ... وصاح من بعده بالويل والحرب وفيه: أيها الرّافع البناء رويدا ... لا يردّ المنون عنك البناء وحكي أن رجلين تنازعا في أرض فأنطق الله تعالى لبنة من جدار تلك الأرض فقالت: إني كنت ملكا من الملوك ملكت الدنيا ألف سنة، ثم صرت رميما ألف سنة، ثم أخذني خزاف وعملني إناء، فاستعملت ألف سنة حتى تكسرت وصرت ترابا، فأخذني طوّاب وعملني لبنا وأنا في هذا الجدار كذا وكذا سنة، فلم تتنازعان في هذه الأرض وأنتم عنها زائلون وإلى غيرها منقلبون والله أعلم. وروي أن ملكا بنى قصرا وقال: انظروا إن كان فيه عيب فأصلحوه، فقال رجل: أرى فيه عيبين. فقالوا له: وما هما؟ قال: يموت الملك ويخرب القصر. قال: صدقت ثم أقبل على الله وترك القصر والدنيا. وقيل: سئل الخضر ﵇ عن أعجب شيء رآه في الدنيا مع طول سياحته وقطعه للقفار والفلوات، فقال: أعجب شيء رأيته أني مررت بمدينة لم أر على وجه الأرض أحسن منها، فسألت بعض أهلها متى بنيت هذه المدينة فقالوا سبحان الله لم يذكر آباؤنا ولا أجدادنا متى بنيت، وما زالت كذلك من عهد الطوفان ثم غبت عنها خمسمائة سنة ومررت بها فإذا هي خاوية على عروشها ولم أر أحدا أسأله وإذا رعاة غنم فدنوت منهم فقلت: أين المدينة التي ههنا؟ فقالوا: سبحان الله لم يذكر آباؤنا ولا أجدادنا أنه كان ههنا مدينة، ثم غبت خمسمائة سنة ومررت بها وإذا موضع تلك المدينة بحر وإذا غواصون يخرجون منه شبه الحلية، فقلت للغواصين منذ كم هذا البحر ههنا؟ فقالوا: سبحان الله لم يذكر آباؤنا ولا أجدادنا إلا أن هذا البحر من عهد الطوفان، فغبت خمسمائة سنة وجئت فإذا البحر قد غاض ماؤه وإذا مكانه غيضة وصيادون يصيدون فيها السمك في زوارق صغار فقلت لبعضهم، أين البحر الذي كان ههنا؟ فقالوا: سبحان الله لم يذكر آباؤنا ولا أجدادنا أنه كان ههنا بحر. فغبت خمسمائة عام ثم جئت إلى ذلك، فإذا هو مدينة على الحالة الأولى، والحصون والقصور والأسواق قائمة، فقلت لبعضهم: أين الغيضة التي كانت ههنا، ومتى بنيت

стр. 513

هذه المدينة؟ فقالوا: سبحان الله لم يذكر آباؤنا ولا أجدادنا إلا أن هذه المدينة على حالها من عهد الطوفان. فغبت عنها نحو خمسمائة سنة ثم أتيت إليها، فإذا عاليها سافلها وهي تدخن بدخان شديد، فلم أر أحدا أسأله ثم أتيت راعيا فسألته أين المدينة؟ قال سبحان الله لم يذكر آباؤنا ولا أجدادنا إلا أن هذا المكان هكذا منذ كان. فهذا أعجب شيء رأيته في سياحتي. فسبحان مبيد العباد ومفني البلاد ووراث الأرض ومن عليها وباعث من خلق منها بعد رده إليها. ولبعضهم: قف بالديار فهذه آثارهم ... تبكي الأحبّة حسرة وتشوّقا كم قد وقفت بها أسائل أهلها ... عن حالها مترحّما أو مشفقا فأجابني داعي الهوى في رسمها ... فارقت من تهوى وعزّ الملتقى ولبعضهم: أيها الربع الذي قد دثرا ... وكان عينا ثم أضحى أثرا «١» أين سكانك ماذا فعلوا ... خبرن عنهم سقيت المطرا فلقد نادى منادي دارهم ... رحلوا واستودعوني عبرا «٢» وقال عيسى ﵊: أوحى الله إلى الدنيا من خدمني فاخدميه ومن خدمك فاستخدميه، يا دنيا مرّي على أوليائي ولا تحلي لهم فتفتنيهم. وقال بعض الحكماء: الدنيا كالماء المالح كلما ازداد صاحبها شرابا ازداد عطشا، أو كالكأس من عسل وفي أسفله سم فللذائق منه حلاوة عاجلة وفي أسفله الموت، أو كحلم النائم يفرح في منامه فإذا استيقظ زال فرحه أو كالبرق يضيء قليلا ثم يذهب. ولما بنى المأمون قصره الذي ضرب به المثل نام فيه فسمع قائلا يقول: أتبني بناء الخالدين وإنّما ... بقاؤك فيها إن عقلت قليل لقد كان في ظلّ الأراك كفاية ... لمن كلّ يوم يقتضيه رحيل قال، فلم يلبث بعدها إلا قليلا ومات وقال: ومن يأمن الدنيا يكن مثل قابض ... على الماء خانته فروج الأصابع «٣» ووجد مكتوب على قصر باد أهله: هذي منازل أقوام عهدتهم ... في خفض عيش نفيس ماله خطر صاحت بهم نائبات الدهر فانقلبوا ... إلى القبور فلا عين ولا أثر ولو قيل للدنيا صفي نفسك ما عدت ما وصفها به أبو نواس بقوله: وما الناس إلا هالك وابن هالك ... وذو نسب في الهالكين عريق إذا امتحن الدنيا لبيب تكشفت ... له عن عدو في ثياب صديق وروي أن علي بن أبي طالب ﵁ لما رجع من صفين ودخل أوائل الكوفة رأى قبرا فقال: قبر من هذا؟ فقالوا: قبر خباب بن الأرت، فوقف عليه وقال: رحم الله خبابا أسلم راغبا وهاجر طائعا وعاش مجاهدا، وابتلي في جسمه آخرا ألا وإن الله لا يضيع أجر من أحسن عملا، ثم مشى فإذا هو بقبور، فجاء حتى وقف عليها، وقال: السلام عليكم أهل الديار الموحشة والمحال المقفرة أنتم لنا سلف ونحن لكم تبع وبكم عما قليل لاحقون، اللهم اغفر لنا ولهم وتجاوز عنا وعنهم. طوبى لمن ذكر المعاد وعمل ليوم الحساب وقنع بالكفاف، ورضي عن الله تعالى ثم قال: يا أهل القبور أمّا الأزواج فقد نكحت، وأما الديار فقد سكنت وأما الأموال فقد قسمت وهذا ما عندنا، فما عندكم، ثم التفت إلى أصحابه وقال: أما أنهم لو تكلموا لقالوا: وجدنا خير الزاد التقوى، والله أعلم.

стр. 514

الباب الرابع والثمانون فيما جاء في فضل الصلاة على رسول الله ﷺ وهو آخر الأبواب وبه يختم الكتاب ولنذكر أربعين حديثا في فضل الصلاة على النبي ﷺ الحديث الأول: عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من صلى علي صلت عليه الملائكة ومن صلت عليه الملائكة صلى الله عليه ومن صلى الله عليه لم يبق شيء في السموات ولا في الأرض إلا صلى عليه» . الحديث الثاني: قال رسول الله ﷺ : «من صلى علي صلاة واحدة أمر الله حافظيه أن لا يكتبا عليه ذنبا ثلاثة أيام» . الحديث الثالث: قال رسول الله ﷺ : «من صلّى علي مرة خلق الله من قوله ملكا له جناحان جناح بالمشرق وجناح بالمغرب، رأس وعنقه تحت العرش وهو يقول: اللهم صلّ على عبدك ما دام يصلي على نبيّك» . الحديث الرابع: قال رسول الله ﷺ : «من صلى علي مرة صلى الله عليه بها عشرا ومن صلى علي عشرا صلى الله عليه بها مائة ومن صلى علي مائة صلى الله عليه بها ألفا ومن صلى علي ألفا لم يعذبه الله بالنار» . الحديث الخامس: قال رسول الله ﷺ : «من صلى علي مرة كتب الله له عشر حسنات ومحا عنه عشر سيئات ورفع له عشر درجات» . الحديث السادس: قال رسول الله ﷺ : «أتاني جبريل يوما وقال: يا محمد جئتك ببشارة لم آت بها أحدا من قبلك وهي أن الله تعالى يقول لك: من صلى عليك من أمتك ثلاث مرات غفر الله له إن كان قائما قبل أن يقعد وإن كان قاعدا غفر له قبل أن يقوم فعند ذلك خر ساجدا لله شاكرا» . الحديث السابع: قال رسول الله ﷺ : «من صلى علي في الصباح عشرا محيت عنه ذنوب أربعين سنة» . الحديث الثامن: قال رسول الله ﷺ : «من صلى علي ليلة الجمعة أو يوم الجمعة مائة مرة غفر الله له خطيئته ثمانين سنة» . الحديث التاسع: قال رسول الله ﷺ : «من صلى علي ليلة الجمعة أو يوم الجمعة مائة مرة قضى الله له مائة حاجة ووكل الله به ملكا حين يدفن في قبره يبشره كما يدخل أحدكم على أخيه بالهدية» . الحديث العاشر: قال رسول الله ﷺ : «من صلى علي في يوم مائة مرة قضيت له في ذلك اليوم مائة حاجة» . الحديث الحادي عشر: قال رسول الله ﷺ : «أقربكم مني مجلسا أكثرك علي صلاة» . الحديث الثاني عشر: قال رسول الله ﷺ : «من صلى علي ألف مرة بشر بالجنة قبل موته» . الحديث الثالث عشر: قال رسول الله ﷺ : «جاءني جبريل ﵇ وقال لي يا رسول الله لا يصلي عليك أحد إلا ويصلي عليه سبعون ألفا من الملائكة» . الحديث الرابع عشر: قال رسول الله ﷺ : «الدعاء بعد الصلاة علي لا يرد» . الحديث الخامس عشر: قال رسول الله ﷺ : «الصلاة علي نور على الصراط» وقال ﵊: «لا يلج النار من يصلي علي» . الحديث السادس عشر: قال رسول الله ﷺ : «من جعل عبادته الصلاة علي قضى الله له حاجة الدنيا والآخرة» . الحديث السابع عشر: قال رسول الله ﷺ : «من نسي الصلاة علي أخطأ طريق الجنة» . الحديث الثامن عشر: قال رسول الله ﷺ : «إن لله ملائكة في الهواء بأيديهم قراطيس من نور لا يكتبون إلا الصلاة علي وعلى أهل بيتي» . الحديث التاسع عشر: قال رسول الله ﷺ : «لو أن عبدا جاء يوم القيامة بحسنات أهل الدنيا ولم تكن فيها الصلاة علي ردت عليه ولم تقبل منه» . الحديث العشرون: قال رسول الله ﷺ : «أولى الناس بي أكثرهم علي صلاة» . الحديث الحادي والعشرون: قال رسول الله ﷺ : «من صلى علي في كتاب ما لم تزل الملائكة تصلي عليه ما لم يندرس اسمي من ذلك الكتاب» . الحديث الثاني والعشرون: قال رسول الله ﷺ : «إن لله

стр. 515

ملائكة سياحين في الأرض يبلغوني الصلاة علي من أمتي فأستغفر لهم» . الحديث الثالث والعشرون: قال رسول الله ﷺ : «من صلى علي كنت شفيعه يوم القيامة ومن لم يصل علي فأنا بريء منه» . الحديث الرابع والعشرون: قال رسول الله ﷺ : «يؤمر بقوم إلى الجنة فيخطئون الطريق» قالوا: يا رسول الله ولم ذاك؟ قال: سمعوا اسمي ولم يصلوا علي» . الحديث الخامس والعشرون: قال رسول الله ﷺ : «يؤمر برجل إلى النار فأقول ردوه إلى الميزان فأضع له شيئا كالأنملة معي في ميزانه وهو الصلاة علي فترجح ميزانه وينادى سعد فلان» . الحديث السادس والعشرون: قال رسول الله ﷺ : «ما اجتمع قوم في مجلس ولم يصل علي فيه إلا تفرقوا كقوم تفرقوا عن ميت ولم يغسلوه» . الحديث السابع والعشرون: قال رسول الله ﷺ : «إن الله تعالى وكّل بقبري ملكا أعطاه أسماء الخلائق كلها فلا يصلي علي أحد إلى يوم القيامة إلا بلغني اسمه وقال يا رسول الله ﷺ إن فلان بن فلانة صلّى عليك» . الحديث الثامن والعشرون: عن أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه أنه قال: «الصلاة على النبي ﷺ أمحى للذنوب من الماء لسواد اللوح» . الحديث التاسع والعشرون: قال رسول الله ﷺ : «إن الله تعالى أوحى إلى موسى ﵇ إن أردت أن أكون إليك أقرب من كلامك إلى لسانك ومن روحك لجسدك فأكثر الصلاة على النبي الأمي ﷺ » . الحديث الثلاثون: قال رسول الله ﷺ : «إن ملكا أمره الله تعالى باقتلاع مدينة غضب عليها فرحمها ذلك الملك ولم يبادر إلى اقتلاعها، فغضب الله عليه وكسر أجنحته فمر به جبريل ﵇ فشكا له حاله فسأل الله فيه فأمره أن يصلي على النبي ﷺ فصلى عليه فغفر الله له ورد عليه أجنحته ببركة الصلاة على النبي ﷺ » . الحديث الحادي والثلاثون: عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت من صلى على رسول الله ﷺ عشر مرات وصلى ركعتين ودعا الله تعالى تقبل صلاته وتقضى حاجته ودعاؤه مقبول غير مردود. الحديث الثاني والثلاثون: عن زيد بن حارثة قال سألت رسول الله ﷺ عن الصلاة عليه فقال ﷺ : «صلوا علي واجتهدوا في الدعاء وقولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد» . الحديث الثالث والثلاثون: عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : «صلوا علي فإن صلاتكم علي زكاة لكم واسألوا الله لي الوسيلة» . الحديث الرابع والثلاثون: عن سهل بن سعد الساعدي أن النبي ﷺ قال: «لا صلاة لمن لم يصل على نبيه» . الحديث الخامس والثلاثون: عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : «رغم أنف رجل ذكرت عنده فلم يصلي علي» . الحديث السادس والثلاثون: عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : «من قال جزى الله عنا محمدا خيرا وجزى الله نبينا محمدا بما هو أهله، فقد أتعب كاتبيه» . الحديث السابع والثلاثون: عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تجعلوا بيوتكم قبورا وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيثما كنتم» . الحديث الثامن والثلاثون: عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال قال رسول الله ﷺ : «ما من أحد يصلي علي إلا رد الله علي روحي حتى أرد عليه» . الحديث التاسع والثلاثون: قال رسول الله ﷺ : «أقربكم مني منزلا يوم القيامة أكثركم علي صلاة» . الحديث الأربعون: نقل الشيخ كمال الدين الدميري رحمه الله تعالى عن شفاء الصدور لابن سبع أن النبي ﷺ قال: «من سره أن يلقى الله وهو عليه راض فليكثر من الصلاة علي فإن من صلى علي في كل يوم خمسمائة مرة لم يفتقر أبدا وهدمت ذنوبه ومحيت خطاياه ودام سروره واستجيب دعاؤه وأعطي أمله وأعين على عدوه وعلى أسباب الخير وكان ممن يرافق نبيه في الجنان» . اللهم صلّ على سيد المرسلين وخاتم النبيين ورسول رب العالمين الذي أنزل عليه في محكم الكتاب العزيز تعظيما له وتوقيرا: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً ٤٥ وَداعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِراجاً مُنِيراً ٤٦ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيراً ٤٧ «١» . فهذا خطاب خاص الخاص ولم يخاطب الله أحدا من المرسلين ولا من

стр. 516

الأنبياء ولا رسولا بالرسالة إلا سيد خلقه محمد ﷺ فإن الله تعالى نادى أبا البشر: يا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ «١» ويا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا «٢» ويا إِبْراهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هذا «٣» ويا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ «٤» ويا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي «٥» ، وقال لمحمد ﷺ : يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ «٦» . يا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ «٧» يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ «٨» يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتالِ «٩» يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ «١٠» يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ «١١» يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ «١٢» يا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ «١٣» يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً ٤٥ وَداعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِراجاً مُنِيراً ٤٦ «١٤» وما ناداه باسمه يا محمد كغيره إلا في أربع مواضع اقتضت الحكمة أن يذكر هناك باسمه محمد ﷺ . الأول قوله : وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ «١٥» . لأن سبب انزالها أن الشيطان صاح يوم احد قد قتل محمد وكان ما كان فأنزل الله تعالى هذه الآية، ولو قال وما رسولي لقال الأعداء ليس هو محمد فذكره باسمه لأنهم كانوا ينكرون ان اسمه محمدا. الثاني قوله : ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ وَلكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ «١٦» . الثالث قوله : الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمالَهُمْ ١ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَآمَنُوا بِما نُزِّلَ عَلى مُحَمَّدٍ «١٧» . فلو قال وآمنوا بما نزل على رسولي لقال الأعداء ليس هو فعرفه باسمه محمد ﷺ . الرابع قوله مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ «١٨» والحكمة في ذكره هنا باسمه أنه قال قبلها هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ «١٩» ، فكان من الأعداء من يقول من هو رسوله الذي أرسله فعرفه باسمه فقال مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ «٢٠» وسماه تعالى باسمه أحمد في موضع واحد وله حكمة وهي أن الله تعالى لما أرسل عيسى بن مريم ﵊ قال لقومه من بني إسرائيل وَإِذْ قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يا بَنِي إِسْرائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ «٢١» التي انزلت على موسى وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ «٢٢» لأنه كانوا يعرفونه في التوراة أحمد فما ناداه باسمه محمد ولا أحمد وإنما ذكر ذلك إعلاما به وتعريفا له وما ناداه إلا بالنبوة والرسالة فقال: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً ٤٥ وَداعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِراجاً مُنِيراً ٤٦ «٢٣» منيرا أي شاهدا بالإيمان للمؤمنين ومبشرا لأهل التمجيد ونذيرا لأهل التجحيد، وقيل شاهدا لأهل القرآن ومبشرا لهم بالغفران ونذيرا لأهل الكفر والعصيان. وقيل: شاهدا لأمتك ومبشرا بشفاعتك ونذيرا لمن ارتكب مخالفتك. وقيل: شاهدا بالمنة ومبشرا بالجنة وقوله: وَداعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ «٢٤» أي تدعو الناس بأمر الله تعالى إلى لا إله إلا الله. قال تعالى، وَأَنَّهُ لَمَّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ «٢٥» وسمى رسول الله ﷺ نفسه داعيا فقال: أنا الداعي إلى الله، وقوله تعالى: وَسِراجاً مُنِيراً «٢٦» أي يهتدى به كما يهتدى بالسراج في ظلمة الليل. فإن قلت: ما الحكمة في قوله تعالى وَسِراجاً مُنِيراً «٢٧» ولم يقل قمرا منيرا. فالجواب عن ذلك أن السراج أعم من القمر لأن المراد بالسراج هنا الشمس. قال تعالى: وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِراجاً «٢٨» والشمس أعم نفعا ونورا من القمر، وقيل: المراد بقوله تعالى وَسِراجاً مُنِيراً «٢٩» السراج الذي يقتبس منه لأن القمر لا تصل إليه

стр. 517

الأيدي حتى يقتبسون منه، والسراج إذا كان في بلد يملأ ذلك البلد نورا لأن كل من جاء يقتبس منه، والقمر ليس كذلك ولهذا كانت قبل ولادته ﷺ ظلاما فلما ولد ظهر سراج دينه بمكة، فكان أول من اقتبس من الرجال أبو بكر. ومن النساء خديجة ومن الشباب علي ومن الموالي زيد ومن العبيد بلال رضي الله تعالى عنهم أجمعين. وجاء سلمان من أرض فارس فاقتبس وصهيب من الروم وبلال من الحبشة، ووفد الوفود واقتبسوا، وأبو لهب إلى جانب البيت ولم يقتبس واقتبس الناس من مشارق الأرض ومغاربها حتى امتلأت الأرض من نور سراجه فهو ﷺ أعظم الأنبياء وأكرم المرسلين وسيد الخلق أجمعين لم يخلق الله أحسن ولا أجمل ولا أكمل ولا أفضل ولا أفصح ولا أرجح ولا أسمح ولا أصبح ولا أجل ولا أعظم ولا أسخى ولا أكرم ولا أبهى ولا أنصف ولا أعدل منه ﷺ ، فلو أن البحار مداد والنبات أقلام وجميع الخلق تكتب معجزاته ﷺ لعجزوا عن وصف نزر النزر من معجزاته ﷺ . اللهم اجعلنا من خالص أمته واحشرنا في زمرته وأمتنا على محبته ولا تخالف بنا عن ملته ولا عما جاء به برحمتك يا أرحم الراحمين آمين، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي عدد ما ذكره الذاكرون، وغفل عن ذكره الغافلون. نحمدك يا من هيأت لكسب الآداب جميع المعدات وفتحت للتحلي بأنوار آياتك سبل الخيرات ونصلي ونسلم على من كملت آدابه ورشحت بكمال البيان وإعجاز التبيان جنابه سيدنا محمد القائل: إن من البيان لسحرا، وعلى آله وصحبه ما أطلعت حدائق الأتباع زهرا.