Полный текст (517 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.
стр. 456
أن تهيئها له، وتصلح شأنها، ثم أمر ببيت فضرب له، وأنزله إياه، ثم بعثها إليه، فلما دخلت عليه لبث هنيهة ثم خرج إليّ، فقلت له: أفرغت من شأنك؟ قال: لا والله، قلت له: وكيف ذلك؟ قال: لما مددت يدي إليها قالت:
مه أعند أبي وأخوتي هذا، والله لا يكون. ثم أمر بالرحلة فارتحلنا بها معا وسرنا ما شاء الله. قال لي: تقدم، فتقدمت، فعدل عن الطريق، فما لبث أن لحقني، فقلت:
أفرغت من شأنك؟ قال: لا والله، قلت ولم؟ قال: قالت تفعل بي كما يفعل بالأمة السبية الأخيذة لا والله حتى تنحر الجزر والغنم وتدعو العرب وتعمل ما يعمل مثلك لمثلي، فقلت: والله إني لأرى همة وعقلا، فقال: صدقت. قال:
أرجو الله أن تكون المرأة النجيبة، فوردنا إلى بلادنا، فأحضر الإبل والغنم ونحر وأولم ثم دخل عليها وخرج إليّ، فقلت: أفرغت من شأنك؟ قال: لا والله. قلت:
ولم ذاك؟ قال: دخلت عليها أريدها، فقلت لها: أحضرت من المال ما تريدين. قالت: والله لقد ذكرت من الشرف بما ليس فيك، قلت: ولم ذاك؟ قالت: أتستفرغ لنكاح النساء والعرب يقتل بعضها بعضا، وكان ذلك في أيام حرب قيس وذبيان. قلت: فماذا تقولين؟ قالت: أخرج إلى القوم، فأصلح بينهم، ثم راجع إلى أهلك فلن يفوتك ما تريد، فقلت: والله إني لأرى عقلا ورأيا سديدا، قال:
فاخرج بنا، فخرجنا حتى أتينا القوم، فمشينا بينهم بالصلح، فاصطلحوا على أن يحسبوا القتلى ثم تؤخذ الدية، فحملنا عنهما الديات فكانت ثلاثة الآف بعير، فانصرفنا بأجمل ذكر، ثم دخل عليها، فقالت له: أما الآن، فنعم، فأقامت عنده في ألذ عيش وأطيبه، وولدت له بنين وبنات وكان من أمرهما ما كان، والله أعلم بالصواب.
وحكى الفضل أبو محمد الطيبي قال: حدثنا بعض أصحابنا أن رجلا من بني سعد مرت به جارية لأمية بن خالد بن عبد الله بن أسد ذات ظرف وجمال، وكان شجاعا فارسا، فلما رآها قال: طوبى لمن كان له امرأة مثلك، ثم أتبعها رسولا يسألها ألها زوج ويذكره لها وكان جميلا، فقالت للرسول: وما حرفته، فأبلغه الرسول ذلك، فقال: ارجع إليها وقل لها:
وسائلة ما حرفتي قلت حرفتي ... مقارعة الأبطال في كل شارق «١»
إذا عرضت خيل لخيل رأيتني ... أمام رعيل الخيل أحمي حقائقي
أصبّر نفسي حين لم أر صابرا ... على ألم البيض الرقّاق البوارق «٢»
فلحقها الرسول، فأنشدها ما قال، فقالت له: ارجع إليه وقل له أنت أسد، فاطلب لك لبوة، فلست من نسائك، وأنشدته تقول:
ألا إنما أبغي جوادا بماله ... كريما محيّاه كثير الصدائق
فتى همّه مذ كان خود خريدة ... يعانقها في الليل فوق النمارق «٣»
وحدث يحيى بن عبد العزيز عن محمد بن عبد الحكم عن الإمام الشافعي ﵁ قال: تزوج رجل امرأة جديدة على امرأة قديمة فكانت الجارية الجديدة تمر على بيت القديمة فتقول:
وما يستوي الرجلان رجل صحيحة ... وأخرى رمى فيها الزمان فشلّت
ثم تعود وتقول:
وما يستوي الثوبان ثوب به البلى ... وثوب بأيدي البائعين جديد
فمرت الجارية القديمة على باب الجديدة يوما وقالت:
نقّل فؤادك ما استطعت من الهوى ... ما الحبّ إلّا للحبيب الأول
كم منزل في الأرض يألفه الفتى ... وحنينه أبدا لأوّل منزل
وقال عمرو بن العلاء، وكان أعلم الناس بالنساء:
فإن تسألوني بالنساء فإنّني ... بصير بأدواء النساء طبيب
إذا شاب رأس المرء أو قلّ ماله ... فليس له في ودّهن نصيب
وسئل المغيرة بن شعبة عن صفة النساء فقال: بنات العم أحسن مؤاساة، والغرائب أنجب. وما ضرب رؤوس الأقران مثل ابن السوداء. وقال عبد الملك بن مروان: من أراد أن يتخذ جارية للمتعة، فليتخذها بربرية، ومن أراد أن
стр. 457
يتخذها للولد فليتخذها فارسية، ومن أراد أن يتخذها للخدمة فليتخذها رومية. قال الشاعر:
لا تشتمنّ امرأ ممّن يكون له ... أمّ من الروم أو سوداء عجماء
فإنّما أمهات القوم أوعية ... مستودعات وللأنساب آباء
وقال الأصمعي أتاني رجل من قريش يستشيرني في امرأة يتزوجها، فقلت: يا ابن أخي أقصيرة النسب أم طويلته؟ فلم يفهم عليّ، فقلت: يا ابن أخي: أما القصيرة النسب فالتي إذا ذكرت أباها اكتفت به، والطويلة النسب فهي التي لا تعرف حتى تطيل في نسبها، فإياك أن تقع مع قوم قد أصابوا كثيرا من الدنيا مع دناءة فيهم، فتضيع نسبك فيهم. وخرج رجل من أهل الكوفة في غزاة، فكسب جارية وفرسا وكان مملكا على ابنة عمه، فكتب إليها يعيرها ويقول:
إلا بلّغوا أمّ البنين بأننا ... غنينا وأغنتنا الغطارفة النجد «١»
بعيد مناط المنكبين «٢» إذا جرى ... وبيضاء كالتمثال زيّنها العقد
فهذا لأيام العدو وهذه ... لحاجة نفسي حين ينصرف الجند
فلما ورد عليها كتابه وقرأته قالت يا غلام: هات الدواة، وكتبت جوابه تقول:
ألا فاقرء مني السلام وقل له ... غنينا وأغنتنا الغطارفة المرد «٣»
إذا شئت أغناني غلام مرجّل ... ونازعته في ماء معتصر الورد
وإن شاء منهم ناشىء مدّ كفه ... إلى عكن ملساء أو كفل نهدي «٤»
فما كنتم تقضون حاجة أهلكم ... شهودا فتقضوها على النأي والبعد
فعجّل إلينا بالسّراح «٥» فإنّه ... منانا ولا ندعو لك الله بالرد
فلا قفل الجند الذي أنت فيهم ... وزادك رب الناس بعدا على بعد
فلما ورد عليه كتابها لم يزد على أن ركب الفرس وأردف الجارية خلفه ولحق بابنة عمه، فكان أول شيء بدأها به بعد السلام أن قال لها: بالله عليك هل كنت فاعلة ذلك، فقالت له: الله في قلبي أعظم وأجل وأنت في عيني أذل وأحقر من أن أعصي الله فيك، فكيف ذقت طعم الغيرة، فوهب لها الجارية، وانصرف إلى الغزاة، والله تعالى أعلم بالصواب.
الفصل الثاني في صفات النساء المحمودة
كتب الحجاج إلى الحكم بن أيوب أن اخطب لعبد الملك بن مروان امرأة جميلة من بعيد، مليحة من قريب، شريفة في قومها، ذليلة في نفسها، مؤاتية لبعلها. فكتب إليه قد أصبتها لولا عظم ثديها، فكتب إليه لا يكمل حسن المرأة حتى يعظم ثديها، فتدفي الضجيع، وتروي الرضيع.
وقال عبد الملك بن مروان لرجل من غطفان: صف لي أحسن النساء؟ قال: خذها يا أمير المؤمنين ملساء القدمين، ردماء الكعبين، ناعمة الساقين، ضخماء الركبتين، لفاء الفخذين، ضخمة الذراعين. رخصة الكفين، ناهدة الثديين، حمراء الخدين، كحلاء العينين، زجاء الحاجبين لمياء الشفتين بلجاء الجبين، شماء العرنين، شنباء الثغر، محلولكة الشعر، غيداء العنق، مكسرة البطن. فقال: ويحك وأين توجد هذه؟ قال:
تجدها في خالص العرب وفي خالص الفرس.
وقال حكيم: عليكم بمن تربت في النعيم ثم أصابتها فاقة فأثر فيها الغنى وأدبها الفقر: وقال رجل لخاطب: ابغ لي امرأة لا تؤنس جارا ولا توطن دارا، يعني لا تدخل على الجيران ولا تدخل الجيران عليها، وفي مثل هذه قال الشاعر:
هيفاء فيها إذا استقبلتها صلف ... عيطاء غامضة الكعبين معطار
خود من الخفرات البيض لم يرها ... بساحة الدار لا بعل ولا جار
وقال الأعشى:
لم تمش ميلا ولم تركب على جمل ... ولم تر الشمس إلّا دونها الكلل
وكانت امرأة عمران بن حطان من أجمل الناس وجها،
стр. 458
وكان هو من أقبح الناس وجها، فقال لها يوما: أنا وإياك في الجنة إن شاء الله تعالى، فقالت له: وكيف ذلك؟ فقال:
لأني أعطيت مثلك فشكرت وأعطيت مثلي فصبرت، والصابر والشاكر في الجنة. وقال بعضهم: رأيت في طريق مكة أعرابية ما رأيت أحسن منها وجها، فقعدت أنظر إليها، وأتعجب من جمالها، فجاء شيخ قصير، فأخذ بردائها وسار بها ومضى فلقيتها مرة أخرى، فقلت لها: من هذا الشيخ؟ قالت: زوجي. قلت: كيف يرضى مثلك بمثله فأنشدت:
أيا عجبا للخود يجري وشاحها ... تزف إلى شيخ بأقبح تمثال
دعاني إليه أنه ذو قرابة ... يعزّ علينا من بني العم والخال
وسمع بعضهم قائلا يقول:
ومن لا يرد مدحي فإن مدائحي ... نوافق عند الأكرمين نوامي «١»
نوافق عند المشتري الحمد بالندى ... نفاق بنات الحارث بن هشام
فقال: يا ابن أخي ما بلغ من نفاق بنات الحارث بن هشام؟ قال: كن من أجمل الناس وجوها وكان أبوهن إذا زوجهن يسوقهن ومهورهن إلى بعولتهن. فقال: يا ابن أخي لو فعل هذا إبليس ببناته لتنافست فيهن الملائكة المقربون.
وقال عبد الملك لابن أبي الرقاع كيف علمك بالنساء؟
قال: أنا والله أعلم الناس بهن، وجعل يقول:
قضاعية الكعبين كندية الحشا ... خزاعية الأطراف طائية الفم
لها حكم لقمان وصورة يوسف ... ومنطق داود وعفة مريم
وقالوا: الوجه الحسن أحمر، وقد تضرب فيه الصفرة مع طول المكث في الكن والتضمخ بالطيب.
وقالوا: أن الوجه الرقيق البشرة الصافي الأديم إذا خجل يحمّر وإذا فرق يصفر. ومنه قولهم: ديباج الوجه، يريدون تلونه من رقته، قال علي بن زيد في وصفه:
حمرة خلط صفرة في بياض ... مثل ما حاك حائك ديباجا «٢»
وقال علي بن عبد ربه:
بيضاء يحمر خداها إذا خجلت ... كما جرى ذهب في صفحتي ورق «٣»
وقالوا: إن الجارية الحسناء تتلون بتلون الشمس فهي بالضحى بيضاء وبالعشي صفراء فقال ذو الرمة:
بيضاء صفراء قد تنازعها ... لونان من فضّة ومن ذهب
قالوا: ليس المرأة الجميلة التي تأخذ ببصرك جملة على بعد فإذا دنت منك لم تكن كذلك، بل الجميلة التي كلما كررت بصرك فيها زادتك حسنا.
وقالوا: إن أردت أن ينجب ولدك فأغضبها ثم قع عليها قال الشاعر:
ممّن حملن به وهنّ عواقد ... حبك النطاق فعاش غير مهبّل
حملت به في ليلة مزورة ... كرها وعقد نطاقها لم يحلل
الفصل الثالث في صفة المرأة السوء نعوذ بالله تعالى منها
في حكمة داود ﵇: «أن المرأة السوء مثل شرك الصياد لا ينجو منها إلا من رضي الله تعالى عنه» .
وقيل: المرأة السوء غل يلقيه الله تعالى في عنق من يشاء من عباده.
وقيل لأعرابي كان ذا تجربة للنساء، صف لنا شر النساء فقال: شرهن النحيفة الجسم القليلة اللحم المحياض الممراض المصفرة الميشومة العسرة المبشومة السلطة البطرة النفرة السريعة الوثبة، كأنها لسان حربة تضحك من غير عجب وتبكي من غير سبب وتدعو على زوجها بالحرب، أنف في السماء وإست في الماء، عرقوبها حديد، منتفخة الوريد كلامها وعيد، وصوتها شديد، وتدفن الحسنات وتفشي السيئات، تعين الزمان على بعلها، ولا تعين بعلها على الزمان، ليس في قلبها عليه رأفة ولا عليها منه مخافة، إن دخل خرجت وإن خرج دخلت، وإن ضحك بكت، وإن بكى ضحكت، كثيرة الدعاء، قليلة الإرعاء تأكل لمّا وتوسع ذما، ضيقة الباع،
стр. 459
مهتوكة القناع، صبيها مهزول وبيتها مزبول، إذا حدثت تشير بالأصابع وتبكي في المجامع، بادية من حجابها، نباحة عند بابها، تبكي وهي ظالمة، وتشهد وهي غائبة قد دلّي لسانها بالزور وسال دمعها بالفجور، ابتلاها الله بالويل والثبور وعظائم الأمور. ويقال: إن المرأة إذا كانت مبغضة لزوجها فإن علامة ذلك أن تكون عند قربها منه مرتدة الطرف عنه كأنها تنظر إلى إنسان غيره من ورائه، وإن كانت محبة له لا تقلع عن النظر إليه.
قال بعضهم:
لقد كنت محتاجا إلى موت زوجتي ... ولكن قرين السوء يلقى معمّر
فيا ليتها صارت إلى القبر عاجلا ... وعذّبها فيه نكير ومنكر
وقال زيد بن عمير:
أعاتبها حتى إذا قلت أقلعت «١» ... أبى الله إلا خزيها فتعود «٢»
فإن طمثت قادت وإن طهرت زنت ... فهاتيك تزني دائما وتقود
وقال داود ﵊: المرأة السوء على بعلها كالحمل الثقيل على الشيخ الكبير، والمرأة الصالحة كالتاج المرصع بالذهب كلما رآها قرت عينه برؤيتها والله أعلم.
الفصل الرابع في مكر النساء وغدرهن وذمهن ومخالفتهن
في حكمة داود ﵊: وجدت في الرجال واحدا في ألف ولم أجد واحدة في جميع النساء.
وقيل: إن عيسى ﵊ لقي إبليس يسوق أربعة أحمرة عليها أحمال فسأله، فقال: أحمل تجارة وأطلب مشترين، فقال: ما أحدها؟ قال: الغرور. قال:
من يشتريه؟ قال: السلاطين. قال: فما الثاني؟ قال:
الحسد. قال: فمن يشتريه؟ قال: العلماء، قال: فما الثالث؟ قال: الخيانة. قال: فمن يشتريه؟ قال: التجار.
قال: فما الرابع؟ قال: الكيد. قال: فمن يشتريه؟ قال:
النساء.
وقال حكيم: النساء شر كلهن وشر ما فيهن قلة الاستغناء عنهن.
وقالت الحكماء: لا تثق بامرأة ولا تغتر بمال، وإن كثر.
وقال: النساء حبائل الشيطان.
قال الشاعر:
تمتّع بها ما ساعفتك ولا تكن ... جزوعا إذا بانت فسوف تبين
وخنها وإن كانت تفي لك إنها ... على قدم الأيام سوف تخون
وإن هي أعطتك الليّان فإنها ... لغيرك من طلّابها ستلين
وإن حلفت أن ليس تنقض عهدها ... فليس لمخضوب البنان يمين
وإن سكبت يوم الفراق دموعها ... فليس لعمر الله ذاك يقين
وقال ابن بشار:
رأيت مواعيد النساء كأنّها ... سراب لمرتاد المناهل حافل
ومنتظر الموعود منهنّ كالذي ... يؤمل يوما أن تلين الجنادل «٣»
قال بعض الحكماء: لم تنه عن شيء قط إلا فعلته.
وقال الغنوي:
إنّ النساء متى ينهين عن خلق ... فإنّه واقع لا بدّ مفعول
وقال النخعي: من اقتراب الساعة طاعة النساء، ويقال:
من أطاع عرسه فقد أضاع نفسه. وقال علي رضي الله تعالى عنه: إياك ومشاورة النساء، فإن رأيهن إلى أفن وعزمهن إلى وهن، اكفف أبصارهن بالحجاب، فإن شدة الحجاب خير لهن من الارتياب، وليس خروجهن بأضر من دخول من لا يوثق به عليهن، فإن استطعت أن لا يعرفهن غيرك فافعل.
قال السمعاني:
لا تأمننّ على النساء ولو أخا ... ما في الرجال على النّساء أمين
стр. 460
إنّ الأمين وإن تخفّظ جهده ... لا بدّ أنّ بنظرة سيخون
وقال غيره:
لا تركننّ إلى النّساء ... ولا تثق بعهودهنّ
فرضاؤهن جميعهنّ ... معلّق بفروجهنّ
وقال علي رضي الله تعالى عنه: لا تطلعوا النساء على حال ولا تأمنوهن على مال ولا تذروهن إلا لتدبير العيال، إن تركن وما يردن أوردن المهالك، وأفسدن الممالك ينسين الخير ويحفظن الشر يتهافتن في البهتان ويتمادين في الطغيان.
وقال أبو بكر رضي الله تعالى عنه: ذل من أسند أمره إلى امرأة. وقيل: إن صيادا أتى أبرويز بسمكة، فأعجبه حسنها وسمتها، فأمر له بأربعة آلاف درهم، فخطأته سيرين زوجته، فقال لها: ماذا أفعل؟ فقالت له: إذا جاءك فقل له أذكر كانت أم أنثى؟ فإن قال لك ذكر، فاطلب منه الأنثى، وإن قال لك أنثى فاطلب منه الذكر، فلما أتاه سأله، فقال: كانت أنثى، فقال: ائتني بذكرها، فقال عمّر الله الملك كانت بكرا لم تتزوج، فقال زه وأمر له بثمانية آلاف درهم، وقال: اكتبوا في الحكمة: الغدر ومطاوعة النساء يؤديان إلى الغرم الثقيل.
وقال حكيم: اعص النساء وهواك وافعل ما شئت.
وقال عمر رضي الله تعالى عنه: أكثروا لهن من قول لا، فإن نعم تغريهن على المسألة، قال: أستعيذ بالله من شرار النساء، وكونوا من خيارهن على حذر.
ومما قيل في الباءة:
ذكر الجماع عند الإمام مالك بن أنس رضي الله تعالى عنه: قال هو نور وجهك ومخ ساقك منه فقلّل أو أكثر.
وقال معاوية رضي الله تعالى عنه: ما رأيت نهما في النساء إلا عرفت ذلك في وجهه.
وكان لرجل امرأة تخاصمه وكلما خاصمته قام إليها فواقعها، فقالت: ويحك كلما تخاصمني تأتيني بشفيع لا أقدر على رده. وأتى رجل إلى علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه وقال: إن لي امرأة كلما غشيتها تقول قتلتني، فقال: اقتلها بهذه القتلة وعلي إثمها. وقالوا: من قلّ جماعه فهو أصح بدنا وأنقى جلدا وأطول عمرا، ويعتبر ذلك بذكور الحيوان، وذلك أنه ليس في الحيوان أطول أعمارا من البغال، ولا أقصر أعمارا من العصافير، وهي أكثرها سفادا، والله تعالى أعلم بالصواب.
الفصل الخامس في الطلاق وما جاء فيه
عن عبد الرحمن بن محمد بن أخي الأصمعي قال: قال عمي للرشيد في بعض حديثه: يا أمير المؤمنين بلغني إن رجلا من العرب طلق في يوم واحد خمس نسوة، قال:
وكيف ذلك، وإنما لا يجوز للرجل غير أربعة، قال يا أمير المؤمنين: كان متزوجا بأربعة فدخل عليهن يوما، فوجدهن متنازعات وكان شريرا، فقال: إلى متى هذا النزاع؟ ما أظن هذا إلا من قبلك يا فلانة لامرأة منهن اذهبي، فأنت طالق. فقالت له صاحبتها: عجلت عليها بالطلاق، ولو أدبتها بغير ذلك لكان أصلح، فقال لها:
وأنت أيضا طالق، فقالت له الثالثة: قبحك الله، فو الله لقد كانتا إليك محسنتين، فقال لها: وأنت أيضا أيتها المعددة أياديهما طالق، فقالت الرابعة، وكانت هلالية ضاق صدرك إلا أن تؤدب نساءك بالطلاق، فقال لها، وأنت طالق أيضا. فسمعته جارة له، فأشرفت عليه، وقالت له، والله ما شهدت العرب عليك، ولا على قومك بالضعف إلا لما بلوه منكم ووجدوه فيكم، أبيت إلا طلاق نسائك في ساعة واحدة، فقال لها، وأنت أيتها المتكلمة فيما لا يعنيك طالق إن أجازني بعلك، فأجابه زوجها: قد أجزت لك ذلك. فعجب الرشيد من ذلك.
وطلق رجل امرأته، فلما أرادت الارتحال قال لها:
اسمعي وليسمع من حضر، إني والله اعتمدتك برغبة وعاشرتك بمحبة ولم أجد منك زلة ولم يدخلني عنك ملة، ولكن القضاء كان غالبا. فقالت المرأة: جزيت من صاحب ومصحوب خيرا فما استقللت خيرك ولا شكوت ضيرك ولا تمنيت غيرك ولا أجد لك في الرجال شبيها وليس لقضاء الله مدفع ولا من حكمه علينا ممنع.
وقال رجل لابن عباس رضي الله تعالى عنهما: ما تقول في رجل طلق امرأته عدد نجوم السماء؟ فقال: يكفيه من ذلك عدد نجوم الجوزاء.
ذكر من طلق امرأته فتبعتها نفسه قال الهيثم بن عدي: كانت تحت ابن الغربان بن الأسود بنت عم له، فطلقها فتبعتها نفسه، فكتب إليها يعرض لها بالرجوع، فكتبت إليه تقول:
стр. 461
إن كنت ذا حاجة فاطلب لها بذلا ... إنّ الغزال الذي ضيّعت مشغول
فكتب إليها يقول:
إن كان ذا شغل فالله يكلؤه ... فقد لهونا به والحبل موصول
وقد قضينا من استظرافه وطرا ... وفي الليالي وفي أيامها طول
وطلق الوليد بن يزيد زوجته سعدى، فلما تزوجت اشتد ذلك عليه وندم على ما كان منه، فدخل عليه أشعب فقال له: هل لك أن تبلغ سعدى عني رسالة ولك عشرة آلاف درهم، قال: أقبضنيها، فأمر له بها، فلما قبضها قال له:
هات رسالتك، قال ائتها، فأنشدها.
أسعدى هل إليك لنا سبيل ... ولا حتّى القيامة من تلاق
بلى ولعلّ دهرا أن يؤاتي ... بموت من خليلك أو فراق
قال: فأتاها أشعب، فاستأذن عليها، فأذنت له، فدخل، فقالت له: ما بدا لك في زيارتنا يا أشعب؟ فقال:
يا سيدتي أرسلني الوليد إليك برسالة ثم أنشدها الشعر، فقالت لجواريها: عليكن بهذا الخبيث فقال: يا سيدتي إنه دفع إليّ عشرة آلاف درهم، فهي لك، وأعتقيني لوجه الله، فقالت: والله لا أعتقك أو تبلغ إليه ما أقول لك، قال: يا سيدتي فاجعلي لي جعلا «١» قالت: لك بساطي هذا. قال: قومي عنه، فقامت، فأخذه، وألقاه على ظهره، وقال: هاتي رسالتك، فقالت:
أتبكي على سعدى وأنت تركتها ... فقد ذهبت سعدى فما أنت صانع
فلما بلّغه الرسالة ضاقت عليه الأرض بما رحبت، وأخذته كظمة فقال لأشعب: اختر مني إحدى ثلاث إما أن أقتلك، وأما أن أطرحك من هذا القصر. وأما أن ألقيك إلى هذه السباع فتفترسك، فتحير أشعب وأطرق مليا ثم قال: يا سيدي ما كنت لتعذب عينا نظرت إلى سعدى، فتبسم وخلّى سبيله.
وممن طلق امرأته فتبعتها نفسه الفرزدق الشاعر طلق النّوار، ثم ندم على طلاقها. وقال:
ندمت ندامة الكسعي لما ... غدت مني مطلقة نوار «٢»
فأصبحت الغداة ألوم نفسي ... بأمر ليس لي فيه اختيار
وكانت جنّتي فخرجت منها ... كآدم حين أخرجه الضّرار
ولو أني ملكت بها يميني ... لكان عليّ للقدر الخيار
وممن طلّق امرأته، فتبعتها نفسه، فندم قيس بن ذريح، وكان أبوه أمره بطلاقها فطلقها، وندم على ذلك فأنشأ يقول:
فنى صبري وعاودني رداعي ... وكان فراق لبنى كالخداع «٣»
تكنّفني الوشاة فأزعجوني ... فيا للناس للواشي المطاع
فأصبحت الغداة ألوم نفسي ... على أمر وليس بمستطاع
كمغبون يعضّ على يديه ... تبيّن غبنه عند البياع «٤»
وحدّث العتبي قال: جاء رجل بامرأة كأنّها برج من فضة إلى عبد الرحمن بن الحكم وهو على الكوفة، فقال: إن امرأتي هذه شجّتني فسألها عبد الرحمن، فقالت: نعم يا مولاي غير متعمدة لذلك، كنت أعالج طيبا فوقع الفهر «٥» من يدي على رأسه وليس عندي علم ولا يقوى بدني على القصاص، فقال للرجل: علام تمسكها، وقد فعلت بك ما أرى؟ فقال يا مولاي: إن صداقها علي أربعة آلاف درهم، ولا تطيب نفسي بفراقها. قال، فإن أعطيتك الأربعة آلاف درهم تفارقها. قال: نعم، قال: هي لك. قال: فهي إذن
стр. 462
طالق. فقال لها عبد الرحمن: إحبسي علينا نفسك، وأنشأ يقول:
يا شيخ يا شيخ من دلّاك بالغزل ... قد كنت يا شيخ عن هذا بمعتزل
رضت الصعاب فلم تحسن رياضتها ... فاعمد لنفسك نحو القرّح الذلل
والله أعلم، وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
الباب الرابع والسبعون في تحريم الخمر وذمها والنهي عنها
وقد أنزل الله تعالى في الخمر ثلاث آيات. الأولى قوله تعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ
«١» الآية، فكان من المسلمين من شارب، ومن تارك إلى أن شرب رجل، فدخل في الصلاة فهجر، فنزل قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ
«٢» ، فشربها من شربها من المسلمين وتركها من تركها حتى شربها عمر رضي الله تعالى عنه، فأخذ بلحي بعير وشج به رأس عبد الرحمن بن عوف، ثم قعد ينوح على قتلى بدر بشعر الأسود بن يعفر يقول:
وكائن بالقليب قليب بدر ... من الفتيان والعرب الكرام
أيوعدني ابن كبشة أن سنحيا ... وكيف حياة أصداء وهام
أيعجز أن يردّ الموت عنّي ... وينشرني إذا بليت عظامي «٣»
ألا من مبلغ الرحمن عنّي ... بأني تارك شهر الصيام
فقل لله يمنعني شرابي ... وقل لله يمنعني طعامي
فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فخرج مغضبا يجر رداءه، فرفع شيئا كان في يده، فضربه به، فقال: أعوذ بالله من غضبه وغضب رسوله، فأنزل الله تعالى: إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ ٩١
«٤» فقال عمر رضي الله تعالى عنه: انتهينا انتهينا.
ومن الأخبار المتفق عليها في تحريمها قول سيدنا رسول الله ﷺ : «لا يدخل الجنة مدمن خمر» «٥» . وقوله ﷺ : «أول ما نهاني ربي بعد عبادة الأوثان عن شرب الخمر وملاحاة الرجال» .
وممن تركها في الجاهلية عبد الله بن جدعان، وكان جوادا من سادات قريش، وذلك أنه شرب مع أمية بن أبي الصلت الثقفي، فضربه على عينه، فأصبحت عين أمية مخضرّة يخاف عليها الذهاب، فقال له عبد الله: ما بال عينك؟ فسكت، فألح عليه، فقال: ألست ضاربها بالأمس، فقال: أو بلغ مني الشراب ما أبلغ معه إلى هذا، لا أشربها بعد اليوم. ثم دفع له عشرة آلاف درهم، وقال:
الخمر عليّ حرام لا أذوقها بعد اليوم أبدا.
وممن حرمها في الجاهلية أيضا: قيس بن عاصم، وذلك أنه سكر ذات ليلة، فقام لابنته أو لأخته، فهربت منه، فلما أصبح سأل عنها فقيل له: أو ما علمت ما صنعت البارحة؟ فأخبر بالقصة، فحرم الخمر على نفسه.
وممن حرمها في الجاهلية أيضا: العباس بن مرداس، وقيس بن عاصم، وذلك أن قيسا شرب ذات ليلة، فجعل يتناول القمر ويقول والله لا أبرح حتى أنزله، ثم يثب الوثبة بعد الوثبة ويقع على وجهه، فلما أصبح وأفاق قال: مالي هكذا؟ فأخبروه بالقصة، فقال: والله لا أشربها أبدا. وقيل للعباس بن مرداس: لم تركت الشراب، وهو يزيد في سماحتك؟ فقال: أكره أن أصبح سيد قومي وأمسي سفيههم.
ودخل نصيب على عبد الملك بن مروان فأنشده، فأعجبه إنشاده وشعره ووصله، ثم دعا بالطعام، فطعم منه، فقال له عبد الملك: يا نصيب هل لك فيما ينادم عليه؟ قال يا أمير المؤمنين جلدي أسود وخلقي مشوه
стр. 463
ووجهي قبيح، وتكفيني مجالستك ومؤاكلتك، ولم يوصلني إلى ذلك إلا عقلي وأنا أكره أن يدخل عليه ما ينقصه، فأعجبه كلامه ووصله.
وقال الوليد بن عبد الملك للحجاج في وفدة وفدها عليه: هل لك في الشراب؟ فقال يا أمير المؤمنين: لا خلاف لما أمرت ولكن أنا أمنع أهل عملي منه وأكره أن أمنعهم عن شيء ولا أمتنع منه.
وقال الله تعالى: وَما أُرِيدُ أَنْ أُخالِفَكُمْ إِلى ما أَنْهاكُمْ عَنْهُ
«١» . وقال تعالى: أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ
«٢» . وقيل لأعرابي: لم لا تشرب النبيذ؟ فقال:
لا أشرب ما يشرب عقلي.
وقال الضحاك بن مزاحم لرجل: ما تصنع بشرب النبيذ؟ قال: يهضم طعامي. قال: أما إنه يهضم من دينك وعقلك أكثر! قال ابن أبي أوفى لقومه حين نهوا عن الخمر:
ألا يا لقومي ليس في الخمر رفعة ... فلا تقربوا منها فلست بفاعل
فإنّي رأيت الخمر شيئا ولم يزل ... أخو الخمر دخّالا لشر المنازل
وقال الحسن: لو كان العقل يشترى لتغالي الناس في ثمنه، فالعجب ممن يشتري بماله ما يفسده، وقال ﵇: حب الدنيا رأس كل خطيئة، والنساء حبائل الشيطان، والخمر داعية إلى كل شر.
وقال بعضهم:
بلوت نبيذ الخمر في كل بلدة ... فليس لأخوان النبيذ حفاظ
إذا دارت الأرطال أرضوك بالمنى ... وإن فقدوها فالوجوه غلاظ
وقال الحكيم: إياك وإخوان النبيذ فبينما أنت متوج عندهم مخدوم مكرم معظم إذ زلت بك القدم، فجروك على شوك السلم، فاحفظ قول القائل فيه:
وكلّ أناس يحفظون حريمهم ... وليس لأصحاب النبيذ حريم
فإن قلت هذا لم أقل عن جهالة ... ولكنني بالفاسقين عليم
وللأعرج الطائي:
تركت الشعر واستبدلت منه ... إذا داعي صلاة الصبح قاما
وقال الصفدي:
دع الخمر فالراحات في ترك راحها ... وفي كأسها للمرء كسوة عار
وكم ألبست نفس الفتى بعد نورها ... مدارع قار في مدار عقار
نكتة: اجتمع نصراني ومحدث في سفينة. فصب النصراني خمرا من زق كان معه في شربة وشرب، ثم صب فيها وعرض على المحدث فتناولها من غير فكر ولا مبالاة، فقال النصراني: جعلت فداءك إنما هي خمر.
قال: من أين علمت أنها خمر؟ قال: اشتراها غلامي من يهودي وحلف أنها خمر، فشربها المحدث على عجل، وقال للنصراني: يا أحمق نحن أصحاب الحديث نضعف مثل سفيان بن عيينة، ويزيد بن هارون أفنصدق نصرانيا عن غلامه عن يهودي، والله ما شربتها إلا لضعف الإسناد.
ومن المجون في ذلك ما حكي أن سكرانا استلقى على طريق، فجاء كلب فلحس شفتيه، فقال: خدمك بنوك ولا عدموك، فبال على وجهه، فقال: وماء حارا أيضا بارك الله فيك، وقيل: حالة السكارى ثلاثة: قرد حرك رأسه فرقص، وكلب هارش فنبح، وحية زويت فنامت.
ومر عقال الناسك بمرداس بن خدام الأسدي، فاستسقاه لبنا، فصب له خمرا وعلاه بلبن فشربه، وسكر ولم يتحرك ثلاثة أيام فقال:
سقيت عقالا بالعشية شربة ... فمالت بعقل الكاهليّ عقالي
قرعت بأم الخلّ حبّة قلبه ... فلم ينتعش منها ثلاث ليالي
ويقال: الخمر مصباح السرور ولكنها مفتاح الشرور، اللهم تب علينا وعلى العصاة والمذنبين برحمتك يا أرحم الراحمين آمين.
стр. 464
الباب الخامس والسبعون في المزاح والنهي عنه وما جاء في الترخيص فيه والبسط والتنعم
وفيه فصول
الفصل الأول في النهي عن المزاح
قال رسول الله ﷺ : «المزاح استدراج من الشيطان واختلاع من الهوى» . وعن علي: ما مزح أحد مزحة إلا مجّ الله من عقله مجة وعنه: إياك أن تذكر من الكلام ما يكون مضحكا، وإن حكيت ذلك عن غيرك.
وكتب عمر رضي الله تعالى عنه إلى عماله: إمنعوا الناس من المزاح، فإنه يذهب بالمروءة ويوغر الصدور، وقال بعض الحكماء: تجنب سوء المزاح ونكد الهزل، فإنهما بابان إذا فتحا لم يغلقا إلا بعد غم.
وقال آخر: لكل شيء بذر وبذر العداوة المزاح. وعن محمد بن المنكدر قال: قالت لي أمي: لا تمازح الصبيان تهن عندهم، وخرج أعرابي بالليل، فإذا بجارية جميلة فراودها، فقالت: أما لك زاجر من عقلك إذا لم يكن لك واعظ من دينك، فقال: والله ما يرانا إلا الكواكب، فقالت له: يا هذا. وأين مكوكبها؟ فأخجله كلامها، فقال لها:
إنما كنت مازحا، فقالت:
فإياك إيّاك المزاح فإنّه يجري «١» ... عليك الطفل والرجل النذلا
ويذهب ماء الوجه بعد بهائه ... ويورث بعد العز صاحبه ذلّا
وقال الأحنف: كثرة الضحك تذهب الهيبة، وكثرة المزاح تذهب المروءة، ومن لزم شيئا عرف به. ومما روي عن الصحابة رضوان الله عليهم أنهم كانوا يتحادثون ويتناشدون الأشعار، فإذا جاء ذكر الله انقلبت حماليقهم كأنهم لم يعرفوا أحدا.
الفصل الثاني فيما جاء في الترخيص في المزاح والبسط والتنعم
لا بأس بالمزاح ما لم يكن سفها، والله تعالى وعد في اللمم بالتجاوز والعفو فقال: الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ
«٢» .
وقيل: إن يحيى بن زكريا لقي عيسى ﵊ فقال: مالي أراك لاهيا كأنك آمن، فقال له عيسى: مالي أراك عابسا كأنك آيس، فقال: لا تبرح حتى ينزل علينا الوحي، فأوحى الله إليهما أن أحبكما إليّ أحسنكما ظنا بي. ويروى إن أحبكما إلي الطلق البسام.
وقال عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه لجارية:
خلقني خالق الخير وخلقك خالق الشر، فبكت الجارية.
فقال عمر: لا بأس عليك، فإن الله خالق الخير والشر.
قال الشاعر:
إنّ الصديق يريد بسطك مازحا ... فإذا رأى منك الملالة يقصر
وترى العدو إذا تيقّن أنّه ... يؤذيك بالمزح العنيف يكثّر
وكان رسول الله ﷺ يمزح ولا يقول إلا حقا، فمن مزحه ﷺ أنه جاء رجل، فقال: يا رسول الله احملني على جمل، فقال ﵊: لا أحملك إلا على ولد الناقة، فقال: يا رسول الله، إنه لا يطيقني. فقال له الناس: ويحك. وهل الجمل إلا ولد الناقة؟
وقال رسول الله ﷺ لامرأة من الأنصار: إلحقي زوجك ففي عينيه بياض، فسعت إلى زوجها مرعوبة، فقال لها:
ما دهاك؟ قالت إن النبي ﷺ قال لي إن في عينيك بياضا، فقال: نعم والله وسوادا. وأتته أيضا عجوز أنصارية، فقالت: يا رسول الله، أدع الله لي أن يدخلني الجنة، فقال لها: يا أم فلان إن الجنة لا يدخلها عجوز، فولت المرأة تبكي، فتبسم ﷺ وقال لها: أما قرأت قوله تعالى: إِنَّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً ٣٥ فَجَعَلْناهُنَّ أَبْكاراً ٣٦ عُرُباً أَتْراباً ٣٧
«٣» .
وقالت عائشة رضي الله تعالى عنها: سابقت رسول الله ﷺ فسبقته، فلما كثر لحمي سابقته، فسبقني،
стр. 465
فضرب بكتفي، وقال: هذه بتلك، وعنها أيضا قالت: كان رسول الله ﷺ يدخل وأنا ألعب مع صويحباتي ولا يعيب علي.
وسئل النخعي: هل كان أصحاب رسول الله ﷺ يضحكون؟ قال: نعم، والإيمان في قلوبهم مثل الجبال الرواسي، وكان نعيمان الصحابي من أولع الناس بالمزاح والضحك، قيل: إنه يدخل الجنة وهو يضحك، فمن مزحه إن مر يوما بمخرمة بن نوفل الزهري وهو ضرير، فقال له قدني حتى أبول، فأخذه بيده حتى أتى به إلى المسجد، فأجلسه في مؤخره، فصاح به الناس إنك في المسجد، فقال: من قادني؟ قالوا: نعيمان، قال لله عليّ نذر أن أضربه بعصاي هذه إن وجدته، فبلغ ذلك نعيمان، فجاء إليه وقال له: يا أبا المنور هل لك في نعيمان، قال:
نعم. قال: ها هو قائم يصلي وأخذه بيده وجاء به إلى عثمان بن عفان وهو يصلي، وقال: هذا نعيمان، فعلاه بعصاه، فصاح الناس: أمير المؤمنين، فقال: من قادني؟
قالوا: نعيمان، فقال: والله لا تعرضت له بسوء بعدها.
وقال عطاء بن السائب: كان سعيد بن جبير يقص علينا حتى يبكينا، وربما لم يقم حتى يضحكنا. وكان رجل يسمى تاج الوعظ يعظ الناس ويقص عليهم حتى يبكيهم، ثم لم يقم حتى يضحكهم ويبسط آمالهم. فمن لطائفه أنه حكى يوما بعدما فرغ من مواعظه قال: سمعت الناس يتكلمون في التصحيف وكنت لا أعرفه، فوقع في قلبي أن أتعلمه، فدخلت في سوق الكتبية واشتريت كتابا في التصحيف، فأول ما تصحفته وجدت فيه سكباج «١» تصحيفه سك تاج، فرميت الكتاب من يدي وحلفت أني لا أشتغل به أبدا، فضحك الناس حتى غشي عليهم.
ودخل عبد الله بن جعفر على عبد الملك بن مروان، فوجده يتأوه، فقال يا أمير المؤمنين: لو أدخلت عليك من يؤنسك بأحاديث العرب ويباسطك استرحت؟ فقال: لست بصاحب لهو، فقال: ما الذي تشكوه يا أمير المؤمنين؟
قال: هاج بي عرق النسا في ليلتي هذه، فبلغ مني ما ترى، فقال: إن بديحا مولاي أرقى الخلق منه، فأمر بإحضاره، فلما مثل بين يديه قال عبد الملك: يا بديح أرق رجلي، فقال يا مولاي أنا أرقى الناس لها، ثم وضع يده عليها، وجعل يقول ما لا يسمع، فقال عبد الملك:
قد وجدت راحة بهذه الرقية. اين فلانة ائتوني بها تكتبها لئلا يهيج بي الوجع بالليل، فقال له بديح: الطلاق يلزمه ما أكتبها إلا بتعجيل جائزتي، فأمر له بأربعة آلاف درهم، فقال يا أمير المؤمنين: الطلاق يلزمه ما أكتبها حتى تحمل جائزتي إلى بيتي، قال: تحمل، فحملت، فقال: يا أمير المؤمنين الطلاق يلزمه، ما رقيت رجلك إلا مباسطة بقول نصيب حيث قال:
ألا إنّ ليلي العامرية أصبحت ... على البعد منّي ذنب غيري تنقم
فقال: ويلك ما تقول؟ فقال: الطلاق يلزمه ما رقيتك إلا بها، فقال: اكتمها عليّ، فقال: كيف، وقد سارت بها الركبان إلى أخيك بمصر، فضحك حتى فحص برجليه، وأعجبه هذا البسط.
وروي أن ابن سيرين كان ينشد قول الشاعر:
أنبئت أنّ فتاة كنت أخطبها ... عرقوبها مثل شهر الصوم في الطول «٢»
ثم يضحك حتى يسيل لعابه.
ومما جاء في الشطرنج واللعب به والنهي عنه والترخيص فيه:
أما النهي عنه، فقد قيل: إن عليا كرم الله وجهه مر بقوم يلعبون الشطرنج، فقال لهم: ما هذِهِ التَّماثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَها عاكِفُونَ
«٣» ؟. وكان أبو القاسم الكسروي يقول: لا ترى شطرنجيا غنيا إلا بخيلا، ولا فقيرا إلا طفيليا، ولا تسمح نادرة باردة إلا على الشطرنج. واحتضر شطرنجي فصار يقول: شاه مات شاه مات مكان الشهادتين حتى مات.
وأما الترخيص فيه، فقد سئل الشعبي عن اللعب بالشطرنج، فقال: لا بأس به إذا لم يكن هناك تقامر وتبادل، وقال بعضهم: كنا في السجن مع ابن سيرين، فكان يرانا ونحن نلعب بالشطرنج، فيقوم، فيأتي ويقول:
ارفع الفرس ارفع كذا إفعل كذا، ولا يعيب علينا. وعن سعيد بن المسيب قال: كنت ألعب الشطرنج مع صديق في بيته حين خفت الحجّاج. ومما قيل لعلي بن الجهم في الشطرنج، وقيل للمأمون:
أرض مربّعة حمراء من أدم ... ما بين حرّين معروفين بالكرم
стр. 466
تذكّرا الحرب فاحتالا لها فطنا ... من غير أن يأثما فيها بسفك دم
هذا يغير على هذا وذاك على ... هذا يغير وعين الحزم لم تنم
فانظر إلى همم جاشت بمعركة ... في عسكرين بلا طبل ولا علم
قالوا: إن سبب وضع الشطرنج أن ملوك الهند ما كانوا يرون بقتال، فإذا تنازع ملكان في كورة أو مملكة تلاعبا بالشطرنج، فيأخذها الغالب من غير قتال. وقيل: إنه كان لبعض ملوك الفرس شطرنج من ياقوت أحمر وأصفر القطعة منه بثلاثة آلاف دينار.
فحكي أن غلمانا من أهل البحرين خرجوا يلعبون بالصوالجة وأسقف البحرين قاعد، فوقعت الأكرة على صدره، فأخذها، فجعلوا يطلبونها منه فأبى، فقال غلام منهم: سألتك بحق محمد ﷺ إلا رددتها علينا، فأبى لعنه الله وسب رسول الله ﷺ ، فأقبلوا عليه بصوالجهم، فما زالوا يخبطوا حتى مات لعنة الله عليه، فرفع ذلك إلى عمر رضي الله تعالى عنه فو الله ما فرح بفتح ولا غنيمة كفرحته بقتل الغلمان لذلك الأسقف، وقال: الآن عز الإسلام إن أطفالا صغارا شتم نبيهم فغضبوا له وانتصروا وأهدر دم الأسقف، والله أعلم، وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
الباب السادس والسبعون في النوادر
وفيه فصول
الفصل الأول من هذا الباب في نوادر العرب
خرج المهدي يتصيد، فغار به فرسه حتى وقع في خباء أعرابي، فقال: يا أعرابي هل من قرى، فأخرج له قرص شعير، فأكله، ثم أخرج له فضله من لبن فسقاه، ثم أتاه بنبيذ في ركوة فسقاه «١» ، فلما شرب قال: أتدري من أنا؟ قال: لا، قال: أنا من خدم أمير المؤمنين الخاصة، قال:
بارك الله لك في موضعك، ثم سقاه مرة أخرى، فشرب فقال: يا أعرابي أتدري من أنا؟ قال: زعمت أنك من خدم أمير المؤمنين الخاصة قال: لا. أنا من قواد أمير المؤمنين، قال: رحبت بلادك وطاب مرادك، ثم سقاه الثالثة، فلما فرغ قال: يا أعرابي أتدري من أنا؟ قال:
زعمت أنك من قواد أمير المؤمنين، قال: لا، ولكني أمير المؤمنين. قال: فأخذ الأعرابي الركوة، فوكأها «٢» وقال:
إليك عني، فو الله لو شربت الرابعة لادعيت أنك رسول الله، فضحك المهدي حتى غشي عليه، ثم أحاطت به الخيل، ونزلت إليه الملوك والأشراف، فطار قلب الأعرابي فقال له: لا بأس عليك، ولا خوف، ثم أمر له بكسوة ومال جزيل.
ووجد أعرابي يأكل ويتغوط ويفلي ثوبه، فقيل له في ذلك، فقال: أخرج عتيقا وأدخل جديدا، وأقتل عدوا.
وقيل لبعض الأعراب: إن شهر رمضان قدم، فقال:
والله لأبددن شمله بالأسفار. وسمع أعرابي قارئا يقرأ القرآن حتى أتى على قوله تعالى: الْأَعْرابُ أَشَدُّ كُفْراً وَنِفاقاً
«٣» . فقال: لقد هجانا، ثم بعد ذلك سمعه يقرأ:
وَمِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ
«٤» .
فقال: لا بأس هجا ومدح. هذا كما قال شاعرنا:
هجوت زهيرا ثم إني مدحته ... وما زالت الأشراف تهجى وتمدح
وحضر أعرابي على مائدة يزيد بن مزيد فقال لأصحابه:
أفرجوا «٥» لأخيكم، فقال الأعرابي: لا حاجة لي بإفراجكم إن أطنابي «٦» طوال يعني سواعده، فلما مد يده ضرط، فضحك يزيد، فقال يا أخا العرب: أظن أن طنبا من أطنابك قد انقطع.
ورؤي أعرابي يغطس في البحر ومعه خيط، وكلما غطس غطسة عقد عقدة، فقيل له: ما هذا؟ قال: جنابات الشتاء أقضيها في الصيف.
وسرق اعرابي غاشية من على سرج ثم دخل المسجد
стр. 467
يصلي فقرأ الامام: هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْغاشِيَةِ ١
«١» فقال: يا فقيه لا تدخل في الفضول، فلما قرأ: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ ٢
«٢» قال: خذوا غاشيتكم ولا يخشع وجهي لا بارك الله لكم فيها ثم رماها من يده وخرج.
وحضر أعرابي مجلس قوم فتذكروا قيام الليل «٣» فقيل له: يا أبا أمامة أتقوم الليل؟ فقال: نعم. قالوا: ما تصنع؟
قال: أبول وأرجع أنام.
وسرق أعرابي صرة فيها دارهم ثم دخل المسجد يصلى، وكان اسمه موسى، فقرأ الإمام، وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى ١٧
«٤» ، فقال الأعرابي: والله إنك لساحر، ثم رمى الصرة وخرج.
وحكى الأصمعي قال: ضلت لي إبل، فخرجت في طلبها، وكان البرد شديدا، فالتجأت إلى حي من أحياء العرب، وإذا بجماعة يصلون وبقربهم شيخ ملتف بكساء، وهو يرتعد من البرد وينشد:
أيا ربّ إن البرد أصبح كالحا ... وأنت بحالي يا إلهي أعلم
فإن كنت يوما في جهنم مدخلي ... ففي مثل هذا اليوم طابت جهنم
قال الأصمعي: فتعجبت من فصاحته، وقلت: يا شيخ أما تستحي تقطع الصلاة وأنت شيخ كبير، فأنشد يقول:
أيطمع ربّي أن أصلّي عاريا ... ويكسو غيري كسوة البرد والحرّ
فو الله لا صليت ما عشت عاريا ... عشاء ولا وقت المغيب ولا الوتر «٥»
ولا الصبح إلّا يوم شمس دفيئة ... وإن عمّمت فالويل للظهر والعصر
وإن يكسني ربي قميصا وجبّة ... أصلي له مهما أعيش من العمر
قال: فأعجبني شعره وفصاحته، فنزعت قميصا وجبّة كانا عليّ ودفعتهما إليه، وقلت له: البسهما وقم، فاستقبل القبلة، وصلّى جالسا وجعل يقول:
إليك اعتذاري من صلاتي جالسا ... على غير طهر موميا نحو قبلتي
فمالي ببرد الماء يا رب طاقة ... ورجلاي لا تقوى على ثني ركبتي
ولكنني استغفر الله شاتيا ... وأقضيكها يا ربّ في وجه صيفتي
وإن أنا لم أفعل فأنت محكم ... بما شئت من صفعي ومن نتف لحيتي
قال: فعجبت من فصاحته، وضحكت عليه وانصرفت.
وصلى أعرابي مع قوم فقرأ الإمام قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ وَمَنْ مَعِيَ أَوْ رَحِمَنا
«٦» ، فقال الأعرابي: أهلكك الله وحدك. إيش كان ذنب الذين معك، فقطع القوم الصلاة من شدة الضحك. وقيل: دخلت أعرابية على قوم يصلون، فقرأ الإمام فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ
«٧» وجعل يرددها، فجعلت الأعرابية تعدو وهي هاربة حتى جاءت لأختها فقالت: يا أختاه ما زال الإمام يأمرهم أن ينكحونا حتى خشيت أن يقعوا عليّ. وصلى أعرابي خلف إمام، فقرأ الإمام: أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ ١٦
«٨» وكان في الصف الأول، فتأخر إلى الصف الآخر، فقرأ: ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ ١٧
«٩» فتأخر، فقرأ: كَذلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ ١٨
«١٠» . وكان اسم البدوي مجرما، فترك الصلاة وخرج هاربا، وهو يقول: والله ما المطلوب غيري، فوجده بعض الأعراب، فقال له: ما لك يا مجرم؟ فقال: إن الامام أهلك الأولين والآخرين وأراد أن يهلكني في الجملة، والله لا رأيته بعد اليوم.
وجلس بعض الأعراب يشرب مع ندائمه فاحتاج إلى بيت الخلاء، فدلوه عليه، فلما دخل جعل يضرط ضراطا شنيعا، فضحكوا عليه، فأنشد يقول:
إذا ما خلا الإنسان في بيت غائط ... تراخت بلا شك مصاريع فقحته
стр. 468
فمن كان ذا عقل فيعذر ضارطا ... ومن كان ذا جهل ففي وسط لحيته
وكان لسابور ملك فارس نديم مضحك يسمى مرزبان.
فظهر له من الملك جفوة، فلما زاد ذلك عليه تعلم نبيح الكلاب وعوي الذئاب ونهيق الحمير، وصهيل الخيل، وصوت البغال، ثم احتال حتى دخل موضعا بقرب خلوة الملك وأخفى أمره، فلما خلا الملك بنفسه نبح نبيح الكلاب، فلم يشك الملك في أنه كلب، فقال: انظروا ما هذا، فعوى عوى الذئاب، فنزل الملك عن سريره، فنهق نهيق الحمير، فمضى الملك هاربا، ومضت الغلمان يتبعون الصوت، فلما دنوا منه صهل صهيل الخيل، فاقتحموا عليه وأخرجوه عريانا، فلما وصلوا به إلى الملك، ورآه مرزبان ضحك الملك ضحكا شديدا، وقال له: ما حملك على ما صنعت؟ قال: إن الله مسخني كلبا وذئبا وحمارا وفرسا لما غضب عليّ الملك.
قال: فأمر الملك أن يخلع عليه وأن يرد إلى مرتبته الأولى.
وصلى أعرابي خلف إمام، فقرأ إِنَّا أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ
«١» ثم وقف وجعل يرددها، فقال الأعرابي أرسل غيره يرحمك الله، وأرحنا وأرح نفسك. وصلى آخر خلف إمام، فقرأ: فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي
«٢» ووقف وجعل يرددها، فقال الأعرابي: يا فقيه إذا لم يأذن لك أبوك في هذا الليل نظل نحن وقوفا إلى الصباح، ثم تركه وانصرف.
ولزم أعرابي سفيان بن عيينة مدة يسمع منه الحديث، فلما أن جاء ليسافر قال له سفيان: يا أعرابي ما أعجبك من حديثنا؟ قال: ثلاثة أحاديث، حديث عائشة رضي الله تعالى عنها عن النبي ﷺ أنه كان يحب الحلوى والعسل، وحديثه ﵊: إذا وضع العشاء وحضرت الصلاة فابدأوا بالعشاء، وحديث عائشة عنه أيضا: ليس من البر الصوم في السفر.
وانفرد الرشيد وعيسى بن جعفر ومعه الفضل بن يحيى، فإذا هو بشيخ من الأعراب على حمار وهو رطب العينين، فقال له الفضل: هل أدلك على دواء لعينيك؟
قال: ما أحوجني إلى ذلك، قال: خذ عيدان الهواء وغبار الماء فصيره في قشر بيض الذر واكتحل به ينفعك، فانحنى الشيخ وضرط ضرطة قوية وقال: خذ هذه في لحيتك أجرة وصفتك، وإن زدت زدناك. فضحك الرشيد حتى استلقى على ظهر دابته.
وخرج معن بن زائدة في جماعة من خواصه للصيد، فاعترضهم قطيع ظباء، فتفرقوا في طلبه، وانفرد معن خلف ظبي حتى انقطع عن أصحابه، فلما ظفر به نزل، فذبحه، فرأى شيخا مقبلا من البرية على حمار. فركب فرسه واستقبله، فسلم عليه فقال: من أين وإلى أين؟ قال:
أتيت من أرض لها عشرون سنة مجدبة، وقد أخصبت في هذه السنة فزرعتها مقثاة، فطرحت في غير وقتها، فجمعت منها ما استحسنته، وقصدت به معن بن زائدة لكرمه المشكور، وفضله المشهور ومعروفه المأثور وإحسانه الموفور، قال: وكم أملت منه؟ قال: ألف دينار.
قال: فإن قال لك كثير، قال: خمسمائة، قال: فإن قال لك كثير. قال: ثلاثمائة. قال: فإن قال لك كثير. قال:
مائة، قال: فإن قال لك كثير. قال: خمسين، قال: فإن قال لك كثير قال، فلا أقل من الثلاثين، قال: فإن قال لك كثير. قال: أدخل قوائم حماري في [قفاه] وأرجع إلى أهلي خائبا. فضحك معن منه، وساق جواده حتى لحق بأصحابه ونزل في منزله، وقال لحاجبه: إذا أتاك شيخ على حمار بقثاء فأدخل به علي، فأتى بعد ساعة، فلما دخل عليه لم يعرفه لهيبته وجلالته، وكثرة حشمه وخدمه وهو متصدر في دسته، والخدم والحفدة قيام عن يمينه وشماله وبين يديه، فلما سلم عليه قال: ما الذي أتى بك يا أخا العرب قال: أملت الأمير، وأتيته بقثاء في غير أوان، فقال: كم أملت فينا؟ قال: ألف دينار. قال: كثير، فقال: والله لقد كان ذلك الرجل ميشوما عليّ، ثم قال خمسمائة دينار، قال: كثير فما زال إلى أن قال خمسين دينار، فقال له كثير، فقال: لا أقل من الثلاثين، فضحك معن، فعلم الأعرابي أنه صاحبه، فقال: يا سيدي إن لم تجب إلى الثلاثين فالحمار مربوط بالباب. وها معن جالس، فضحك معن حتى استلقى على فراشه، ثم دعا بوكيله، فقال: أعطه ألف دينار وخمسمائة دينار وثلاثمائة دينار ومائة دينار وخمسين دينارا وثلاثين دينارا، ودع الحمار مكانه، فتسلم الأعرابي المال وانصرف.
الفصل الثاني في نوادر القراء والفقهاء
عن محمد بن عبد الله قال: كنا في دهليز عثمان بن شيبة، فخرج إلينا فقال: ن والقلم في أي سورة.
стр. 469
ومر بعضهم بقارىء يقرأ «الم غلبت الترك في أدنى الأرض» فقال له «الروم» . فقال له: كلهم أعداؤنا قاتلهم الله.
وكان جماعة يجلسون إلى أبي العيناء وفيهم رجل لا يتكلم فقيل له يوما: كيف علمك بكتاب الله؟ قال: أنا عالم به، فقيل له هذه الآية في أي سورة «الحمد لله لا شريك له» فقال له: في سورة الحمد، فضحكوا عليه.
وجاء رجل إلى فقيه، فقال: أفطرت يوما في رمضان، فقال: اقض يوما مكانه، قال: قضيت وأتيت أهلي، وقد عملوت مأمونية «١» ، فسبقتني يدي إليها، فأكلت منها، فقال: اقض يوما آخر مكانه. قال: قضيت، وأتيت أهلي وقد عملوا هريسة «٢» ، فسبقتني يدي إليها، فقال: أرى أن لا تصوم إلا ويدك مغلولة إلى عنقك.
وجاء رجل إلى بعض الفقهاء، فقال له: أنا عبد الله على مذهب ابن حنبل وإني توضأت وصليت، فبينما أنا في الصلاة إذ أحسست ببلل في سروايلي يتلزق، فشممته فإذا رائحته كريهة خبيثة، فقال الفقيه: عافاك الله خريت بإجماع المذاهب.
وجاء رجل إلى فقيه قال: أنا رجل أفسو في ثيابي حتى تفوح روائحي، فهل يجوز لي أن أصلي في ثيابي؟ قال:
نعم، لكن لا كثر الله في المسلمين مثلك.
ووقع بين الأعمش وبين امرأته وحشة، فسأل بعض أصحابه من الفقهاء أن يرضيها ويصلح بينهما، فدخل إليها وقال: إن أبا محمد شيخ كبير فلا يزهدنك فيه عمش عينيه، ودقة ساقيه، وضعف ركبتيه ونتن إبطيه، وبخر فيه، وجمود كفيه، فقال له الأعمش: قم قبحك الله فقد أريتها من عيوبي ما لم تكن تعرفه.
وسكن بعض الفقهاء في بيت سقفه يقرقع في كل وقت فجاءه صاحب البيت يطلب الأجرة، فقال له: أصلح السقف، فإنه يقرقع، قال: لا تخف، فإنه يسبح الله تعالى قال: أخشى أن تدركه رقة فيسجد.
الفصل الثالث في نوادر القضاة
كان لبعض القضاة بغلة، فقرأ يوما في المصحف. وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها
«٣» ، فقال لغلامه:
أطلق البغلة ورزقها على الله، فصارت البغلة تدور الأسواق والأزقة وتأكل من قشور الباذنجان وقشور الرمان وقشور البطيخ، وقمامات الطريق، فماتت، فأمر الغلام بإحضار المشاعلية ليحملوها لظاهر المدينة فأحضرهم، فطلبوا من القاضي عشرة دراهم أجرة حملها وقالوا ليس لنا شيء نرتزق منه إلا من مثل هذا، وسيدنا رجل غني وله أشياء كثيرة، العدالة والتزويج والعقود والوراقة والسجن والإطلاق وجامكية الحكم، وأجرة اليمين والتدريس والأوقاف، فقال لهم القاضي: ألمثلي يقال هذا، وأنتم لكم اثنا عشر بابا من المنافع، منها: الوسخ، والزفر، والهلع، والولع، وبيت النبذة، وشركة النفوس، وجباية الأسواق، وحرق النار، وسلب الشطار، ولكم الضياح وثمن الإصلاح وما تروحوا من هذه البغلة بلا شيء، جلدها للدباغين وذنبها للغرابلية ومعرفتها للشعار وتطبيقتها للبيطار، قال: فتقدم أحدهم إليه، وقال: بحق من تاب عليك ورد عاقبتك إلى خير وأراحك من هذا المعاش تصدق علينا بشيء ولا تدعنا نروح بلاش.
تفسير هذه الألفاظ. الزفر: النساء الزانيات، والوسخ:
المراحيض، والهلع: جباية الأسواق، والولع: القمار.
وبيت النبذة: محل المزر، وشركة النفوس: كل من حمل ميتا، ولحقوه قبل أن يخرج من باب البلد كانوا شركاءه.
وسلب الشطار: كل من شنقوه لهم سلبه.
وولي يحيى بن أكثم قاضيا على أهل جبلة، فبلغه أن الرشيد انحدر إلى البصرة، فقال لأهل جبلة: إذا اجتاز الرشيد فاذكروني عنده بخير، فوعدوه بذلك، فلما جاء الرشيد تقاعدوا عنه، فسرح القاضي لحيته، وكبر عمته وخرج، فرأى الرشيد في الحراقة ومعه أبو يوسف القاضي، فقال يا أمير المؤمنين: نعم القاضي قاضي جبلة عدل فينا، وفعل كذا وكذا، وجعل يثني على نفسه، فلما رآه أبو يوسف عرفه، فضحك فقال له الرشيد: مم تضحك؟ فقال يا أمير المؤمنين: المثني على القاضي هو القاضي، فضحك الرشيد حتى فحص برجله الأرض، ثم
стр. 470
أمر بعزله فعزل «١» .
وأحضر رجل ولده إلى القاضي فقال: يا مولانا إن ولدي هذا يشرب الخمر ولا يصلي، فأنكر ولده ذلك، فقال أبوه: يا سيدي أفتكون صلاة بغير قراءة، فقال الولد إني أقرأ القرآن، فقال له القاضي: اقرأ حتى أسمع فقال:
علق القلب الربابا ... بعدما شابت وشابا
إن دين الله حق ... لا أرى فيه ارتيابا
فقال أبوه: إنه لم يتعلم هذا إلا البارحة، سرق مصحف الجيران وحفظ هذا منه، فقال القاضي، وأنا الآخر أحفظ آية منها وهي:
فارحمي مضنى كئيبا ... قد رأى الهجر عذابا
ثم قال القاضي: قاتلكم الله يعلم أحدكم القرآن ولا يعمل به.
وتقدم اثنان إلى أبي صمصامة القاضي، فادعى أحدهما على الآخر طنبورا، فأنكر، فقال للمدعي: ألك بينة؟
فقال: لي شاهدان فأحضر رجلين شهدا له، فقال المدعى عليه: سلهما يا سيدي عن صناعتهما، فأخبر أحدهما أنه نباذ، وقال الآخر أنه قواد، فالتفت القاضي إلى المدعى عليه، وقال: أتريد على طنبور أعدل من هذين؟ ادفع إليه طنبوره.
وتحاكم الرشيد وزبيدة إلى أبي يوسف القاضي في الفالوذج واللوزينج أيهما أطيب، فقال أبو يوسف: أنا لا أحكم على غائب، فأمر الرشيد بإحضارهما، وقدما بين يدي أبي يوسف، فجعل يأكل من هذا مرة ومن هذا مرة حتى نصف الجامين ثم قال: يا أمير المؤمنين ما رأيت أعدل منهما كلما أردت أن أحكم لأحدهما أتى الآخر بحجته.
وأتى بعض المجان لبعض القضاة فقال: يا سيدي إن امرأتي قحبانا، فقال له القاضي: طلقهانا، فقال: عشقانا.
فقال: قودهانا.
وادعى رجل عند قاض على امرأة حسناء بدين، فجعل القاضي يميل إليها بالحكم، فقال الرجل: أصلح الله القاضي حجتي أوضح من هذا النهار، فقال له القاضي:
اسكت يا عدو الله، فإن الشمس أوضح من النهار. قم لا حق لك عليها، فقالت المرأة: جزاك الله عن ضعفي خيرا فقد قويته، فقال الرجل: لا جزاك الله عن قوتي خيرا فقد أوهيتها.
ورفعت امرأة زوجها إلى القاضي تبغي الفرقة. وزعمت أنه يبول في الفراش كل ليلة. فقال الرجل للقاضي:
يا سيدي لا تعجل علي حتى أقص عليك قصتي، إني أرى في منامي كأني في جزيرة في البحر وفي قصر عالي، وفوق القصر قبة عالية، وفوق القبة جمل وأنا على ظهر الجمل، وإن الجمل يطأطىء برأسه ليشرب من البحر، فإذا رأيت ذلك بلت من شدة الخوف، فلما سمع القاضي ذلك بال في فراشه وثيابه وقال: يا هذه أنا قد أخذني البول من هول حديثه، فكيف بمن يرى الأمر عيانا.
الفصل الرابع في نوادر النحاة
وقف نحوي على بياع يبيع أرزا بعسل وبقلا بخل، فقال: بكم الأرز بالأعسل والأخلل بالأبقل؟ فقال:
بالأصفع في الأرؤس والأضرط في الأذقن.
ووقع نحوي في كنيف، فجاء كناس ليخرجه، فصاح به الكناس ليعلم أهو حي أم لا، فقال له النحوي: أطلب لي حبلا دقيقا وشدني شدا وثيقا واجذبني جذبا رفيقا، فقال الكناس: امرأته طالق إن أخرجتك منه، ثم تركه وانصرف.
وكان لبعضهم ولد نحوي يتقعر في كلامه، فاعتل أبوه علة شديدة أشرف منها على الموت، فاجتمع عليه أولاده، وقالوا له: ندعو لك فلانا أخانا، قال: لا إن جاءني قتلني، فقالوا: نحن نوصيه أن لا يتكلم، فدعوه، فلما دخل عليه قال له يا أبت: قل لا إله إلا الله تدخل بها الجنة وتفوز من النار، يا أبت: والله ما أشغلني عنك إلا فلان، فإنه دعاني بالأمس، فأهرس وأعدس واستبذج وسكبج وطهبج وأفرج ودجج وأبصل وأمضر ولوزج وافلوزج فصاح أبوه غمضوني، فقد سبق ابن الزانية ملك الموت إلى قبض روحي.
وجاء نحوي يعود مريضا، فطرق بابه، فخرج إليه ولده فقال: كيف وجدت أباك؟ قال: يا عم ورمت رجليه، قال: لا تلحن قل رجلاه، ثم ماذا؟ قال: ثم وصل الورم إلى ركبتاه. قال: لا تلحن قل إلى ركبتيه، ثم ماذا؟ قال:
مات وأدخله الله في ... عيالك وعيال سيبويه ونفطويه وجحشويه.
стр. 471
وعاد بعضهم نحويا، فقال: ما الذي تشكوه؟ قال:
حمى جاسية نارها حامية منها الأعضاء واهية والعظام بالية، فقال له: لا شفاك الله بعافية يا ليتها كانت القاضية.
الفصل الخامس في نوادر المعلمين
قال الجاحظ: مررت بمعلم صبيان وعنده عصا طويلة وعصا قصيرة وصولجان وكرة وطبل وبوق، فقلت ما هذه؟ فقال: عندي صغار أو باش فأقول لأحدهم اقرأ لوحك فيصفر لي بضرطة، فأضربه بالعصا القصيرة، فيتأخر، فأضربه بالعصا الطويلة، فيفر من بين يدي فأضع الكرة في الصولجان وأضربه فأشجه، فتقوم إلي الصغار كلهم بالألواح فأجعل الطبل في عنقي والبوق في فمي وأضرب الطبل وأنفخ في البوق فيسمع أهل الدرب ذلك، فيسارعون إلي ويخلصوني منهم.
وحكى الجاحظ أيضا قال: مررت على خربة. فإذا بها معلم وهو ينبح نبيح الكلاب، فوقفت أنظر إليه وإذا بصبي قد خرج من دار، فقبض عليه المعلم، وجعل يلطمه ويسبه، فقلت عرفني خبره، فقال: هذا صبي لئيم يكره التعليم ويهرب ويدخل الدار ولا يخرج، وله كلب يلعب به، فإذا سمع صوتي ظن أنه صوت الكلب فيخرج فأمسكه.
وقال الجاحظ: رأيت معلما في الكتّاب وحده فسألته، فقال: الصغار داخل الدرب يتصارعون فقلت: أحب أن أراهم. فقال: لا أشير عليك بذلك. فقلت: لا بد، قال:
فإذا جئت إلى رأس الدرب اكشف رأسك لئلا يعتقدوك المعلم فيصفعونك حتى تعمى.
وقال بعضهم: رأيت معلما وقد جاء صغيران يتماسكان فقال أحدهما: هذا عض أذني، فقال الآخر: لا والله يا سيدنا هو الذي عض أذن نفسه، فقال المعلم: يا ابن الزانية هو كان جمل يعض أذن نفسه.
وقال بعضهم: رأيت معلما وهو يصلي العصر، فلما ركع أدخل رأسه بين رجليه، ونظر إلى الصغار وهم يلعبون، وقال: يا ابن البقال قد رأيت الذي عملت وسوف أكافئك إذا فرغت من الصلاة.
وحكي عن الجاحظ أنه قال: ألفت كتابا في نوادر المعلمين، وما هم عليه من التغفل، ثم رجعت عن ذلك وعزمت على تقطيع ذلك، فدخلت يوما مدينة، فوجدت فيها معلما في هيئة حسنة، فسلمت عليه فرد علي أحسن رد ورحب بي فجلست عنده، وباحثته في القرآن، فإذا هو ماهر فيه، ثم فاتحته في الفقه والنحو وعلم المعقول وأشعار العرب، فإذا هو كامل الآداب، فقلت هذا والله مما يقوي عزمي على تقطيع الكتاب. قال: فكنت أختلف إليه وأزوره، فجئت يوما لزيارته، فإذا بالكتّاب مغلق ولم أجده، فسألت عنه، فقيل: مات له عزيز، فحزن عليه وجلس في بيته للعزاء، فذهبت إلى بيته وطرقت الباب، فخرجت إلي جارية، وقالت: ما تريد؟ قلت: سيدك، فدخلت، وخرجت، وقالت: باسم الله، فدخلت إليه، وإذا به جالس، فقلت: عظم الله أجرك، لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة، كل نفس ذائقة الموت، فعليك بالصبر، ثم قلت له: هذا الذي توفي ولدك؟ قال لا، قلت: فوالدك، قال: لا، قلت: فأخاك؟ قال: لا، قلت:
فزوجتك؟ قال: لا، فقلت: وما هو منك؟ قال: حبيبتي.
فقلت في نفسي: هذه أول المناحس، فقلت: سبحان الله النساء كثير وستجد غيرها، فقال: أتظن أني رأيتها؟ قلت:
وهذه منحسة ثانية. ثم قلت: وكيف عشقت من لم تر؟
فقال: اعلم إني كنت جالسا في هذا المكان وأنا أنظر من الطاق إذ رأيت رجلا عليه برد وهو يقول:
يا أم عمرو جزاك الله مكرمة ... ردي على فؤادي مثلما كانا
لا تأخذين فؤادي تلعبين به ... فكيف يلعب بالإنسان إنسانا
فقلت في نفسي: لولا أن أم عمرو هذه ما في الدنيا أحسن منها، ما قيل فيها هذا الشعر فعشقتها، فلما كان منذ يومين مر ذلك الرجل بعينه وهو يقول:
لقد ذهب الحمار بأمّ عمرو ... فلا رجعت ولا رجع الحمار
فعلمت أنها ماتت، فحزنت عليها، وأغلقت المكتب وجلست في الدار، فقلت: يا هذا إني كنت ألفت كتابا في نوادركم معشر المعلمين، وكنت حين صاحبتك عزمت على تقطيعه والآن قد قوي عزمي على إبقائه وأول ما أبدأ أبدأ بك إن شاء الله تعالى.
الفصل السادس في نوادر المتنبئين
ادعى رجل النبوة في أيام الرشيد، فلما مثل بين يديه قال له: ما الذي يقال عنك؟ قال: إني نبي كريم. قال: فأي شيء يدل على صدق دعواك؟ قال: سل عما شئت. قال:
أريد أن تجعل هذه المماليك المرد القيام الساعة بلحى،
стр. 472
فأطرق ساعة، ثم رفع رأسه، وقال: كيف يحل أن أجعل هؤلاء المرد بلحى وأغير هذه الصورة الحسنة، وإنما أجعل أصحاب هذه اللحى مردا في لحظة واحدة، فضحك منه الرشيد وعفا عنه وأمر له بصلة.
وتنبأ إنسان، فطالبوه بحضرة المأمون بمعجزة، فقال:
أطرح لكم حصاة في الماء فتذوب. قالوا: رضينا فأخرج حصاة معه وطرحها في الماء فذابت، فقالوا: هذه حيلة ولكن نعطيك حصاة من عندنا ودعها تذوب، فقال: لستم أجل من فرعون ولا أنا أعظم حكمة من موسى، ولم يقل فرعون لموسى لم أرض بما تفعله بعصاك حتى أعطيك عصا من عندي تجعلها ثعبانا. فضحك المأمون وأجازه.
وتنبأ رجل في أيام المعتصم، فلما حضر بين يديه قال:
أنت نبي؟ قال: نعم، قال: وإلى من بعثت؟ قال: إليك.
قال: أشهد أنك لسفيه أحمق، قال: إنما يبعث إلى كل قوم مثلهم، فضحك المعتصم وأمر له بشيء.
وتنبأ رجل في أيام المأمون وادعى إنه إبراهيم الخليل، فقال له المأمون: إن إبراهيم كانت له معجزات وبراهين، قال: وما براهينه؟ قال: أضرمت له نار وألقي فيها، فصارت عليه بردا وسلاما، ونحن نوقد لك نارا ونطرحك فيها، فإن كانت عليك كما كانت عليه آمنا بك، قال: أريد واحدة أخف من هذه، قال: فبراهين موسى، قال: وما براهينه؟ قال: ألقى عصاه فإذا هي حية تسعى وضرب بها البحر، فانفلق، وأدخل يده في جيبه فأخرجها بيضاء.
قال: وهذه علي أصعب من الأولى. قال: فبراهين عيسى.
قال: وما هي؟ قال: إحياء الموتى. قال: مكانك قد وصلت. أنا أضرب رقبة القاضي يحيى بن أكثم وأحييه لكم الساعة، فقال يحيى: أنا أول من آمن بك وصدّق.
وتنبأ آخر في زمن المأمون، فقال المأمون: أريد منك بطيخا في هذه الساعة، قال: أمهلني ثلاثة أيام، قال:
ما أريده إلا الساعة، قال: ما أنصفتني يا أمير المؤمنين إذا كان الله تعالى الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام ما يخرجه إلا في ثلاثة أشهر، فما تصبر أنت علي ثلاثة أيام، فضحك منه ووصله.
وتنبأ آخر في زمن المأمون، فلما مثل بين يديه. قال له من أنت؟ قال: أنا أحمد النبي قال: لقد ادعيت زورا، فلما رأى الأعوان قد أحاطت به وهو ذاهب معهم قال:
يا أمير المؤمنين أنا أحمد النبي، فهل تذمه أنت، فضحك المأمون منه وخلّى سبيله.
وتنبأ آخر في زمن المتوكل، فلما حضر بين يديه قال له: أنت نبي؟ قال: نعم، قال: فما الدليل على صحة نبوتك؟ قال: القرآن العزيز يشهد بنبوتي في قوله تعالى:
إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ ١
«١» وأنا إسمي نصر الله، قال: فما معجزتك؟ قال: ائتوني بامرأة عاقر أنكحها تحمل بولد يتكلم في الساعة ويؤمن بي، فقال المتوكل لوزيره الحسن بن عيسى أعطه زوجتك حتى تبصر كرامته، فقال الوزير: أما أنا فأشهد أنه نبي الله، وإنما يعطي زوجته من لا يؤمن به. فضحك المتوكل وأطلقه.
وادعى رجل النبوة زمن خالد بن عبد الله القسري وعارض القرآن فأتي به إلى خالد فقال له: ما تقول؟ قال:
عارضت القرآن. قال: بماذا؟ قال: قال الله تعالى: إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ ١
«٢» الآية، وقلت إنا أعطيناك الجماهر فصل لربك وجاهر ولا تطع كل ساحر. فأمر به خالد فضرب عنقه وصلب، فمر به خلف بن خليفة الشاعر، فضرب بيده على الخشبة وقال: إنا أعطيناك العود فصل لربك من قعود وأنا ضامن لك أن لا تعود.
وأتي المأمون برجل ادعى النبوة، فقال له: ألك علامة على نبوتك؟ قال: علامتي أني أعلم ما في نفسك، قال:
وما في نفسي؟ قال: في نفسك أني كاذب، قال:
صدقت. ثم أمر به إلى السجن، فأقام فيه أياما، ثم أخرجه، فقال: هل أوحي إليك بشيء؟ قال: لا. قال:
ولم؟ قال: لأن الملائكة لا تدخل الحبوس. فضحك منه وخلى سبيله.
وأتي بامرأة تنبأت في أيام المتوكل، فقال لها: أنت نبية؟ قالت: نعم. قال: أتؤمنين بمحمد؟ قالت: نعم، قال: فإنه ﷺ قال: لا نبي بعدي، قالت: فهل قال لا نبية بعدي، فضحك المتوكل وأطلقها.
وتنبأ رجل يسمى نوحا، وكان له صديق نهاه، فلم يقبل، فأمر السلطان بقتله، فمر به صديقه، فقال له: يا نوح ما حصلت من السفينة إلا على الصاري.
الفصل السابع في نوادر السؤال
وقف أعرابي بباب يسأل، فقال له صغير من باب الدار:
بورك فيك، فقال: قبح الله هذا الفم لقد تعلمت الشر صغيرا.
стр. 473
ووقف سائل على باب فقال: يا أصحاب المنزل، فبادر صاحب الدار قبل أن يتم كلامه وقال: فتح الله عليك، فقال السائل: يا ... كنت تصبر لعلي جئت أدعوك إلى وليمة.
وقال أبو عثمان الجاحظ: وقف سائل بقوم فقال: إني جائع، فقالوا له: كذبت، فقال: جربوني برطلين من الخبز ورطلين من اللحم.
ووقف سائل على باب، فقالوا: يفتح الله عليك، فقال:
كسرة، فقالوا: ما نقدر عليها، قال: فقليل من بر أو فول أو شعير، قالوا: لا نقدر عليه، قال: فقطعة دهن أو قليل زيت أو لبن. قالوا: لا نجده، قال: فشربة ماء. قالوا: وليس عندنا ماء، قال: فما جلوسكم ههنا قوموا فاسألوا، فأنتم أحق مني بالسؤال.
الفصل الثامن في نوادر المؤذنين
قيل لمؤذن: ما نسمع أذانك، فلو رفعت صوتك، فقال: إني أسمع صوتي من مسيرة ميل. وقال بعضهم:
رأيت مؤذنا أذّن ثم غدا يهرول، فقلت له: إلى أين؟ فقال:
أحب أن أسمع أذاني أين بلغ.
واختصم رجلان في جارية فأودعاها عند مؤذن، فلما أصبح وفرغ من الأذان قال: لا إله إلا الله ذهبت الأمانة من الناس، فقالوا له: كيف ذهبت الأمانة من الناس؟ قال:
هذه الجارية التي وضعت عندي قيل إنها بكر، فلما أتيتها وجدتها ثيبا.
وسمع مؤذن حمص يقول في سحور رمضان: تسحروا فقد أمرتكم وعجلوا في أكلكم قبل أن أؤذن، فيسخم الله وجوهكم. وشوهد مؤذن يؤذن من رقعة، فقيل له: ما تحفظ الأذان؟ فقال: سلوا القاضي، فأتوه، فقالوا:
السلام عليكم، فأخرج دفترا وتصحيفة وقال: وعليكم، فعذروا المؤذن.
وسمعت امرأة مؤذنا يؤذن بعد طلوع الشمس ويقول الصلاة خير من النوم، فقالت: النوم خير من هذه الصلاة.
ومر سكران بمؤذن رديء الصوت فجلد به الأرض وجعل يدوس بطنه، فاجتمع إليه الناس فقال: والله ما بي رداءة صوته، ولكن شماتة اليهود والنصارى بالمسلمين.
الفصل التاسع في نوادر النواتية
حكي أن بعض النواتية تولى أحد الكراسي السلطانية لما ساعده الزمان، فبينما هو جالس في داره إذ سمع صوتا وراء الباب فقال لزوجته: إني أسمع غاغة في البر حلي قلوعي واعملي أسفيرتي على جاموري وقدمي إلى إسقالة الرجل، وقيميني بمدرة، فامتثلت كلامه، فنزل وجلس على مصطبته وقد علت مرتبته، واصطفت المقدمون بين يديه ووقفت الحبرتية حوليه، وإذا بشيخ قد أقبل وثيابه مقطعة وعمامته في حلقه والدم نازل من أنفه وهو يصيح بصوت عال: أنا بالله وبالوالي، فقال: تعال يا شيخ مالي أرى أرطمونك في حلقك وشبورتك مكسورة وأنت بتزلع ماء متغير وتقيم الهليلا في الساحل دخل عليك شرد غربي وإلا دخلت على بواجي، فقال الشيخ: والله يا سيدي بعض نواتية البحر عمل بي هذا، فقال: يا أولاد جيبوا غريمو بخنسوا عدته وقشطوا ظهره وجروه على مقدمه، فامتثلوا كلام الأمير وجاءوا بالغريم فلما مثل بين يديه قال له: ويلك هو أنت بغنوس بسفر البحر أنت الذي قطعت القلس وخرجت في الشعث حتى لقيت هذا الرجل نطحت مخطمته وكسرت اسقالته؛ لو انصلح كنت عملتك في بدراوة وعلقتك في الصاري، فلما سمع الرجل كلام الوالي علم أنه من أولاد المعيشة، فقال له بهمترة النواتية:
والله يا خوند هو كار زني في معاشي اجصطن على الوحسة وأنا عايم في الليل إلا وشرد جاني من الشرق كابس هز أطرافي وكسر شابورتي وقطع لباني وها هو يحمد الله على بر السلامة، وإن كان انصلح فيه شيء فأنا بمرسوم الأمير أجيب له القلفاط، أسد فتحه وأعيد له وسقه وأخليه يروح في طريقه، فقال له الوالي: أنت بتقذف في وجهي وتطرح مقاديفك حتى نعبر على الحجر، يا رجالة الصاري سلسلوا أطرافه وعروا مقاديفه، وبلوا شيبنة اللبان وانزلوا عليه وأوسقوه الجنبين والظهر حتى تلعب المية على بطونسته، هيا قوامك خلوا جنب برا وجنب جوا قدام الخن وراء الصاري، فأكل علقة من كعبه إلى أذنه، فقالت النواتية: يا خوند هو خنفست عليه الطمية البحرية؟ قال: مدراتين وقيموه فلما أقاموه باس يد الأمير وقال: يا خوند سألتك بهبوب الرياح وطيب النسيم الرب لا يبليك بجر اللبان في الحلافي وأنت حافي الصيافي ويكفيك شر الأربعينيات قال: فرق عليه قلب الأمير وقال له: وحق من ضرب القلع باللبان الحلفا عند بخنسة الريح وفروغ الزاد بعيد من البلاد وعياط الركاب عند قيام الموجة وبعد البر في أيام النيل، لولا شفاعة الركاب لكنت أهد سقالتك وأقعد في زوايدك حتى أخلي ظهرك جيفة، فقال له: والله يا خوند ما بقي جنبي يحمل هذا الوسق العظيم
стр. 474
ولكن إن عدت أعبر لهذا الوجه أخسف من أضلاعي لوح وغرقني بالقايم، فقال له الأمير: أحمد الله على السلامة وأخرج في دي الطيابة وكتب له مرسوم وعلم عليه علامة الرياس البحرية للنواتية الله لك الله لي يا عملات على أبوس.
الفصل العاشر في نوادر جامعة
سمعت امرأة في الحديث أن صوم يوم عاشوراء كفارة سنة، فصامت إلى الظهر ثم أفطرت وقالت: يكفيني كفارة ستة أشهر منها شهر رمضان.
وأسلم مجوسي في شهر رمضان فثقل عليه الصيام، فنزل إلى سرداب وقعد يأكل فسمع ابنه حسه فقال: من هذا؟ فقال: أبوك الشقي يأكل خبز نفسه ويفزع من الناس.
وسئل بعض القصاص عن نصراني قال: لا إله إلا الله، لا غير إذا مات أين يدفن؟ قال: يدفن بين مقابر المسلمين والنصارى ليكون مذبذبا لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء.
وأهدي إلى سالم القصاص خاتم بلا فص، فقال: إن صاحب هذا الخاتم يعطى في الجنة غرفة بلا سقف.
وبنى بعض المغفلين نصف دار وبنى رجل آخر النصف الآخر، فقال المغفل يوما: قد عولت على بيع النصف الذي لي، وأشتري به النصف الآخر لتكمل لي الدار كلها.
وسئل جامع الصيدلاني عن عمر ابنته فقال: لا أدري إلا أن أمها ذكرت أنها ولدتها في أيام البراغيث. وقيل لطفيلي:
أي سورة تعجبك من القرآن؟ قال: المائدة. قال: فأي آية؟
قال: ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا
«١» قيل: ثم ماذا؟ قال:
آتِنا غَداءَنا
«٢» ، قيل: ثم ماذا؟ قال: ادْخُلُوها بِسَلامٍ آمِنِينَ ٤٦
«٣» ، قيل: ثم ماذا؟ قال: وَما هُمْ مِنْها بِمُخْرَجِينَ
«٤» .
وقيل لعثمان بن دراج الطفيلي يوما: كيف تصنع بدار العرس إذا لم يدخلك أصحابها؟ قال: أنوح على بابهم فيتطيرون من ذلك، فيدخلوني، وقيل له: أتعرف بستان فلان؟ قال: إي والله إنه الجنة الحاضرة في الدنيا، قيل:
لم لا تدخله وتأكل من ثماره وتستظل بأشجاره وتسبح في أنهاره؟ قال: لأن فيه كلبا لا يتمضمض إلا بدماء عراقيب الرجال. وقيل له يوما: ما هذه الصفرة التي في لونك؟
قال: من الفترة بين المضيفين. وقال: مرت بنا جنازة يوما ومعي ابني ومع الجنازة امرأة تبكي وتقول: الآن يذهبون بك إلى بيت لا فراش فيه، ولا غطاء، ولا وطاء ولا خبز ولا ماء، فقال ابني: يا أبت إلى بيتنا والله يذهبون.
وحكي عن هارون الرشيد أنه أرق ذات ليلة أرقا شديدا، فقال لوزيره جعفر بن يحيى البرمكي: إني أرقت هذه الليلة وضاق صدري ولم أعرف ما أصنع، وكان خادمه مسرور واقفا أمامه فضحك، فقال له: ما يضحكك استهزاء بي أم استخفافا؟ فقال: وقرابتك من سيد المرسلين ﷺ ما فعلت ذلك عمدا ولكن خرجت بالأمس أتمشى بظاهر القصر إلى أن جئت إلى جانب الدجلة فوجدت الناس مجتمعين، فوقفت فرأيت رجلا واقفا يضحك الناس يقال له ابن المغازلي، فتفكرت الآن في شيء من حديثه وكلامه، فضحكت والعفو يا أمير المؤمنين، فقال له الرشيد: ائتني الساعة به، فخرج مسرور مسرعا إلى أن جاء إلى ابن المغازلي فقال له: أجب أمير المؤمنين، فقال: سمعا وطاعة، فقال له: بشرط أنه إذا أنعم عليك بشيء يكون لك منه الربع والبقية لي، فقال له: بل اجعل لي النصف ولك النصف، فأبى، فقال: الثلث لي ولك الثلثان، فأجابه إلى ذلك بعد جهد عظيم. فلما دخل على الرشيد سلم، فأبلغ وترجم فأحسن، ووقف بين يديه، فقال له أمير المؤمنين: إن أنت أضحكتني أعطيتك خمسمائة دينار وإن لم تضحكني أضربك بهذا الجراب ثلاث ضربات، فقال ابن المغازلي في نفسه، وما عسى أن تكون ثلاث ضربات بهذا الجراب؟ وظن في نفسه أن الجراب فارغ، فوقف يتكلم ويتمسخر وفعل أفعالا عجيبة تضحك الجلمود، فلم يضحك الرشيد، ولم يتبسم، فتعجب ابن المغازلي وضجر وخاف، فقال له الرشيد: الآن استحقيت الضرب، ثم أنه أخذ الجراب ولفه وكان فيه أربع زلطات كل واحدة وزنها رطلان، فضربه ضربة، فلما وقعت الضربة في رقبته صرخ صرخة عظيمة وافتكر الشرط الذي شرطه عليه مسرور، فقال: العفو يا أمير المؤمنين اسمع مني كلمتين. قال: قل ما بدالك. قال: إن مسرورا شرط علي شرطا واتفقت أنا وإياه على مصلحة، وهو أن ما حصل لي من الصدقات يكون له فيه الثلثان ولي فيه الثلث وما أجابني إلى ذلك إلا بعد جهد عظيم. وقد شرط علي أمير المؤمنين ثلاث ضربات فنصيبي منها واحدة ونصيبه اثنتان، وقد أخذت نصيبي وبقي نصيبه، قال: فضحك
стр. 475
الرشيد ودعا مسرورا، فضربه، فصاح، وقال: يا أمير المؤمنين قد وهبت له ما بقي. فضحك الرشيد وأمر لهما بألف دينار، فأخذ كل واحد منهما خمسمائة دينار، ورجع ابن المغازلي شاكرا والله أعلم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الباب السابع والسبعون في الدعاء وآدابه وشروطه
وفيه فصول
الفصل الأول في الدعاء وآدابه
قال الله تعالى: وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ
«١» . اختلف في سبب نزولها، فقال مقاتل: إن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه واقع امرأته بعدما صلى العشاء في رمضان فندم على ذلك وبكى وجاء إلى رسول الله ﷺ فأخبره بذلك ورجع مغتما، وكان ذلك قبل الرخصة، فنزلت هذه الآية: وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ
«٢» .
وروى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال: قالت اليهود كيف يسمع ربنا دعاءنا وأنت تزعم أن بيننا وبين السماء خمسمائة عام، وغلظ كل سماء مثل ذلك؟ فنزلت هذه الآية.
وقال الحسن: إن قوما قالوا للنبي ﷺ : أقريب ربنا فنناجيه أم بعيد فنناديه؟ فنزلت هذه الآية. قوله تعالى:
أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ
«٣» . أي أقبل عبادة من عبدني، فالدعاء بمعنى العبادة والإجابة بمعنى القبول.
وقال قوم: إن الله تعالى يجيب كل الدعاء، فإما أن يعجل الإجابة في الدنيا، وإما أن يكفر عن الداعي وإما أن يدخر له في الآخرة لما رواه أبو سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : «ما من مسلم يدعو بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة لاحم إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث: إما أن يعجل له دعوته وإما أن يدخر له ثوابها، وإما أن يكف عنه من السوء بمثلها» . وروي أنه إذا كان يوم القيامة واستقر أهل الجنة في الجنة، فبينما العبد المؤمن في قصره، وإذا ملائكة من عند ربه يأتونه بتحف من عند الله، فيقول ما هذا؟ أليس الله قد أنعم علي وأكرمني، فيقولون ألست كنت تدعو الله في الدنيا؟ هذا دعاؤك الذي كنت تدعوه قد أدخر لك.
واعلم أن إجابة الدعاء لا بد لها من شروط، فشرط الداعي أن يكون عالما بأن لا قادر إلا الله، وأن الوسائط في قبضته، ومسخرة بتسخيره، وأن يدعو بنية صادقة وحضور قلب، فإن الله تعالى لا يستجيب دعاء من قلب لاه، وأن يكون متجنبا لأكل الحرام ولا يمل من الدعاء، ومن شروط المدعو فيه أن يكون من الأمور الجائزة الطلب والفعل شرعا كما قال ﵊: ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم، فيدخل في الإثم كل ما يأثم به من الذنوب، ويدخل في الرحم جميع حقوق المسلمين ومظالمهم.
قال ابن عطاء الله: إن للدعاء أركانا وأجنحة وأسبابا وأوقاتا، فإن وافق أركانه قوي وإن وافق أجنحته طار إلى السماء وإن وافق مواقيته فاز وإن وافق أسبابه نجح، فأركانه حضور القلب والخشوع وأجنحته الصدق ومواقيته الأسحار وأسبابه الصلاة على النبي ﷺ ومن شروط الدعاء أن يكون سليما من اللحن، كما قال بعضهم:
ينادي ربّه باللحن ليث ... كذلك إذ دعاه لا يجاب
وقيل: إن الله تعالى لا يستجيب دعاء عريف ولا شرطي ولا جاب ولا عشار ولا صاحب عرطبة، وهي الطنبور، ولا صاحب كوبة، وهي الطبل الكبير الضيق الوسط. ومن آداب الدعاء أن يدعو الداعي مستقبل القبلة ويرفع يديه.
لما روي عن رسول الله ﷺ قال: «إن الله ربكم حي كريم ليستحي من عبده إذا رفع يديه إليه أن يردهما صفرا» . أو أن يمسح بهما وجهه بعد الدعاء، لما روي عن عمر قال:
كان رسول الله ﷺ إذا مد يديه في الدعاء لم يردهما حتى يمسح بهما وجهه وأن لا يرفع بصره إلى السماء لقوله ﷺ : «لينتهين أقوام عن رفع أبصارهم إلى السماء عند الدعاء، أو ليخطفن الله أبصارهم» وأن يخفض الداعي صوته بالدعاء لقوله تعالى: ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً
«٤» . وعن أبي عبد الرحمن الهمداني قال:
صليت مع أبي إسحاق الغداة فسمع رجلا يجهر في الدعاء
стр. 476
فقال: كن كزكريا إذ نادى ربه نداء خفيا، وينبغي للداعي أن لا يتكلف وأن يأتي بالكلام المطبوع غير المسجوع، لقوله ﷺ : «إياكم والسجع في الدعاء بحسب أحدكم.
يقول: أللهم إني أسألك الجنة وما قرب إليها من قول وعمل وأعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول وعمل» .
وقيل: ادعوا بلسان الذلة والاحتقار ولا تدعوا بلسان الفصاحة والانطلاق. وكانوا لا يزيدون في الدعاء على سبع كلمات، فما دونها، كما في آخر سورة البقرة. وعن سفيان بن عيينة: لا يمنعن أحدكم من الدعاء ما يعلم من نفسه، فقد أجاب الله دعاء شر الخلق إبليس، إذ قال:
«رب انظرني إلى يوم يبعثون» وعن النبي ﷺ : إذا سأل أحدكم مسألة فتعرف الاجابة، فليقل: الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، ومن أبطأ عليه من ذلك شيء فليقل: الحمد لله على كل حال. وعن سلمة بن الأكوع قال: ما سمعت رسول الله ﷺ يستفتح الدعاء إلا قال:
«سبحان ربي الأعلى الوهاب» . وعن أبي سليمان الداراني: من أراد أن يسأل الله حاجة، فليبدأ بالصلاة على رسول الله ﷺ وينبغي للمؤمن أن يجتهد في الدعاء وأن يكون على رجاء من الإجابة، ولا يقنط من رحمة الله لأنه يدعو كريما.
وللدعاء أوقات وأحوال يكون الغالب فيها الإجابة، وذلك وقت السحر ووقت الفطر وما بين الأذان والإقامة، وعند جلسة الخطيب بين الخطبتين إلى أن يسلم من الصلاة، وعند نزول الغيث وعند التقاء الجيش في الجهاد في سبيل الله تعالى، وفي الثلث الأخير من الليل لما جاء في الحديث: «إن في الليل ساعة لا يوافقها عبد مسلم يسأل الله شيئا إلا أعطاه» . وفي حالة السجود لقوله ﵊ أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، فأكثروا الدعاء، وما بين الظهر والعصر في يوم الأربعاء وأوقات الاضطرار وحالة السفر والمرض. هذا كله جاءت به الآثار. قال جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنه: دعا رسول الله ﷺ في مسجد الفتح ثلاثة أيام: يوم الاثنين ويوم الثلاثاء، واستجيب له يوم الأربعاء بين الصلاتين، فعرفت السرور في وجهه، قال جابر: ما نزل بي أمر مهم غليظ إلا توخيت تلك الساعة فادعو فيها فأعرف الإجابة.
وفي بعض الكتب المنزلة: يا عبدي إذا سألت فاسألني فإني غني وإذا طلبت النصرة فاطلبها مني فإني قوي، وإذا أفشيت سرك فافشه إلي فإني وفي وإذا أقرضت فأقرضني فإني ملي، وإذا دعوت فادعني فإني حفي» . وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ قال: «ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الأخير فيقول من يدعوني فأستجيب له من يسألني فأعطيه من يستغفرني فأغفر له» . وقال وهب بن منبه بلغني أن موسى مر برجل قائم يبكي ويتضرع طويلا، فقال موسى: يا رب أما تستجيب لعبدك؟ فأوحى الله تعالى إليه: «يا موسى لو أنه بكي حتى تلفت نفسه ورفع يديه حتى بلغ عنان السماء ما استجبت له» . قال: يا رب لم ذلك؟ قال: لأن في بطنه الحرام. ومر إبراهيم بن أدهم بسوق البصرة فاجتمع الناس إليه وقالوا: يا أبا إسحاق ما لنا ندعوا فلا يستجاب لنا؟ قال: لأن قلوبكم ماتت بعشرة أشياء: الأول أنكم عرفتم الله فلم تؤدوا حقه، الثاني زعمتم أنكم تحبون رسول الله ﷺ ثم تركتم سنته، الثالث: قرأتم القرآن ولم تعملوا به، الرابع أكلتم نعمة الله ولم تؤدوا شكرها، الخامس قلت إن الشيطان عدوكم ووافقتموه، السادس: قلتم إن الجنة حق فلم تعملوا لها، السابع قلتم إن النار حق ولم تهربوا منها، الثامن: قلتم إن الموت حق فلم تستعدوا له، التاسع: انتبهتم من النوم واشتغلتم بعيوب الناس وتركتم عيوبكم، العاشر: دفنتم موتاكم ولم تعتبروا بهم.
وكان يحيى بن معاذ يقول: من أقر لله باساءته جاد الله عليه بمغفرته، ومن لم يمن على الله بطاعته أوصله إلى جنته، ومن أخلص لله في دعوته منّ الله عليه بإجابته.
وقال علي رضي الله تعالى عنه: ارفعوا أفواج البلايا بالدعاء. وعن أنس رضي الله تعالى عنه (يرفعه) :
«لا تعجزوا عن الدعاء فإنه لن يهلك مع الدعاء أحد» .
الفصل الثاني في الأدعية وما جاء فيها
كان من دعاء شريح رحمه الله تعالى: اللهم إني أسألك الجنة بلا عمل عملته، وأعوذ بك من النار بلا ذنب تركته.
ودعت أعرابية عند البيت فقالت: إلهي لك أذل وعليك أدل.
وكان من دعاء بعض الصالحين اللهم إن كنا عصيناك فقد تركنا من معاصيك أبغضها إليك وهو الإشراك وإن كنا قصرنا عن بعض طاعتك فقد تمسكنا بأحبها إليك وهو شهادة أن لا إله إلا أنت وإن رسلك جاءت بالحق من عندك.
ومن دعاء سلام بن مطيع: «اللهم إن كنت بلغت أحدا
стр. 477
من عبادك الصالحين درجة ببلاء فبلغنيها بالعافية» . وقيل لفتح الموصلي: ادع الله لنا، فقال: اللهم هبنا عطاءك ولا تكشف عنا غطاءك. وكان من دعاء بعض السلف: اللهم لا تحرمني خير ما عندك لشر ما عندي فإن لم تقبل تعبي ونصبي فلا تحرمني أجر المصاب على مصيبته، اللهم لا تكلنا إلى أنفسنا ولا إلى الناس فنضيع. وقال الحسن:
من دخل المقابر، فقال: اللهم رب الأرواح الفانية والأجساد البالية والعظام النخرة التي خرجت من الدنيا وهي بك مؤمنة أدخل عليها روحا من عندك وسلاما مني، كتب الله له بعدد من مات من لدن آدم إلى أن تقوم الساعة حسنات.
وحكي عن معروف القاضي أن الحجيج كانوا يجتهدونه في الدعاء وفيهم رجل من التركمان ساكت لا يحسن أن يدعو، فخشع قلبه وبكى فقال بلغته: اللهم إنك تعلم أني لا أحسن شيئا من الدعاء، فاسألك ما يطلبون منك بما دعوا، فرأى بعض الصالحين في منامه أن الله قبل حج الناس بدعوة ذلك التركماني لما نظر إلى نفسه بالفقر والفاقة.
وقال الأصمعي: حسدت عبد الملك على كلمة تكلم بها عند الموت، وهي: اللهم إن ذنوبي وإن كثرت وجلت عن الصفة فإنها صغيرة في جنب عفوك فاعف عني.
وركب إبراهيم بن أدهم في سفينة، فهاجت الريح وبكى الناس وأيقنوا بالهلاك، وكان إبراهيم نائما في كساء، فاستوى جالسا وقال: أريتنا قدرتك فأرنا عفوك، فذهب الريح وسكن البحر.
وقال الثوري: كان من دعاء السلف، اللهم زهدنا في الدنيا ووسع علينا فيها ولا تزوها عنا ولا ترغبنا فيها. وكان بعض الأعراب إذا أوى إلى فراشه قال: اللهم إني أكفر بكل ما كفر به محمد وأؤمن بكل ما آمن به، ثم يضع رأسه.
وسمعت بدوية تقول في دعائها: يا صباح يا مناح يا مطعم يا عريض الجفنة يا أبا المكارم، فزجرها رجل، فقالت: دعني أصف ربي وأمجد إلهي بما تستحسنه العرب.
وقال الزمخشري في كتابه «ربيع الأبرار» : سمعت أنا من يدعو من العرب عند الركن اليماني: يا أبا المكارم يا أبيض الوجه، وهذا ونحوه منهم إنما يقصدون به الثناء على الله تعالى بالكرم والنزاهة عن القبيح على طريق الاستعارة، لأنه لا فرق عندهم بين الكريم وأبي المكارم ولا بين الجواد والعريض الجفنة ولا بين المنزه والأبيض الوجه.
وقيل لأعرابي: أتحسن أن تدعو ربك؟ قال: نعم.
قال: اللهم إنك أعطيتنا الإسلام من غير أن نسألك فلا تحرمنا الجنة ونحن نسألك.
وذكر لعبد السلام بن مطيع أن الرجل تصيبه البلوى، فيدعو فتبطىء عنه الإجابة، فقال: بلغني أن الله تعالى يقول: كيف أحرمه من شيء به أرحمه. وقال طاوس:
بينما أنا في الحجر ذات ليلة إذ دخل على علي بن الحسين، فقلت: رجل صالح من أهل بيت الخير لأسمعن دعاءه، فسمعته يقول: عبدك بفنائك مسكينك بفنائك فقيرك بفنائك، فما دعوت بهما في كرب إلا فرج عني.
ودعا أعرابي فقال: اللهم إنا نبات نعمتك. وقال ابن المسيب: سمعت من يدعو بين القبر والمنبر اللهم إني أسألك عملا بارا ورزقا دارا وعيشا قارا، فدعوت به، فما وجدت إلا خيرا. ودعت أعرابية بالموقف، فقالت:
أسألك سترك الذي لا تزيله الرياح ولا تخرقه الرماح.
وقيل: اتقوا مجانيق الضعفاء أي دعواتهم، ودعا أعرابي فقال: اللهم أمح ما في قلبي من كذب وخيانة واجعل مكانه صدقا وأمانة. وصلّى رجل إلى جنب عبد الله بن المبارك وبادر القيام، فجذب ثوبه وقال: أما لك إلى ربك حاجة؟. وقال سفيان الثوري: سمعت أعرابيا يقول: اللهم إن كان رزقي في السماء، فأنزله، وإن كان في الأرض فأخرجه، وإن كان بعيدا فقربه، وإن كان قريبا فيسره، وإن كان قليلا فكثره، وإن كان كثيرا فبارك لي فيه.
وقال أبو نواس:
أحببت من شعر بشار وكلمته ... بيتا لهجت به من شعر بشار «١»
يا رحمة الله حلّي في منازلنا ... وجاورينا فدتك النفس من جار
وكان بشار يعني بذلك جارية بصرية كان يحبها ويتغزل بها، ونعني بها هنا رحمة الله التي وسعت كل شيء.
وسمع علي بن أبي طالب ﵁ رجلا يقول وهو متعلق بأستار الكعبة: يا من لا يشغله سمع عن سمع، ولا تغلطه المسائل ولا يبرمه إلحاح الملحين، أذقني برد عفوك وحلاوة مغفرتك، فقال علي: والذي
стр. 478
نفسي بيده لو قلتها وعليك ملء السماوات والأرض من الذنوب لغفر لك.
ومن دعائه ﵁: اللهم صن وجهي باليسار ولا تبدل جاهي بالاقتار، فأسترزق طامعا رزقك من غيرك، وأستعطف شرار خلقك وأبتلي بحمد من أعطاني، وأفتتن بذم من منعني، وأنت من وراء ذلك كله، وليّ الاجابة والمنع.
وعن أبي عباس ﵄، عن النبي ﷺ قال:
«ما انتهيت إلى الركن اليماني قط إلا وجدت جبريل قد سبقني إليه يقول: قل يا محمد «اللهم إني أعوذ بك من الكفر والفقر والفاقة وهي من مواقف الخزي» .
وهبط جبريل على يعقوب فقال: يا يعقوب إن الله تعالى يقول لك: قل يا كثير الخير يا دائم المعروف ردّ علي ابني، فقالها فأوحى الله تعالى إليه: وعزتي لو كانا ميتين لنشرتهما لك.
وكان أبو مسلم الخراساني إذا نابه أمر قال: يا مالك يوم الدين إياك نعبد وإياك نستعين. وقال جعفر بن محمد:
ما المبتلي الذي اشتد بلاؤه بأحق بالدعاء من المعافى الذي لا يأمن وقوع البلاء. وكان الزهري يدعو بعد الحديث بدعاء جامع فيقول: اللهم إني أسألك من خير ما أحاط به علمك في الدنيا والآخرة، وأعوذ بك من شر ما أحاط به علمك في الدنيا والآخرة. وعن عقبة بن الغافر دعوة في السر أفضل من سبعين دعوة في العلانية. واعلم أن التوحيد والدعاء عند نوازل الملمات هو سفينة النجاة من الحوادث المهلكات.
وعن أبي الدرداء قال: صلى بنا رسول الله ﷺ العصر فمر بنا كلب، فما بلغت يده رجله حتى وقع ميتا، فلما انصرف رسول الله ﷺ من صلاته قال: من الداعي على الكلب آنفا؟ قال رجل من القوم: أنا يا رسول الله. قال:
لقد دعوت الله باسمه الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى. كيف دعوت الله؟ قال: قلت اللهم إني أسألك بأن لك الحمد لا إله إلا أنت المنان بديع السموات والأرض يا ذا الجلال والإكرام.
وقيل: أنه دخلت أذن رجل من أهل البصرة حصاة فعالجها الأطباء فلم يقدروا عليها حتى وصلت إلى صماخه فأتى إلى رجل من أصحاب الحسن، فشكا له ما أصابه من الحصاة فدعا له بدعاء العلاء بن الحضرمي وهو: «يا علي يا عظيم يا حليم يا عليم» . قال الرواي فما برحنا حتى خرجت الحصاة من أذنه، ولها طنين حتى ضربت الحائط.
وعن أنس إذا قال العبد: يا رب يا رب يقول الله لبيك عبدي، وعنه قال: مر رسول الله ﷺ برجل وهو يقول: يا أرحم الراحمين، فقال له الرسول ﷺ سل حاجتك. فقد نظر الله إليك.
وروي عن رسول الله ﷺ أنه قال: «إذا فتح الله على عبد الدعاء فليكثر، فإن الله يستجيب له» . وروي عن علي بن أبي زفر عن أخ له وكان فاضلا صالحا فقال: دعوت الله أن يريني الاسم الأعظم الذي إذا دعي به أجاب، فقمت ليلة أصلي فسمعت قعقعة في سقف البيت، ثم هبط نور حتى صار تلقاء وجهي وإذا مكتوب بالنور فقرأته: يا الله يا رحمن يا ذا الجلال والإكرام. ومن دعاء الكرب ما روي عن وهب أن ابن عباس ﵄ قال له:
هل تجد فيما تقرأ من الكتب دعاء تدعو به عند الكرب؟
قال: نعم. اللهم إني أسألك يا من يملك حوائج السائلين ويعلم ضمير الصامتين، فإن لكل مسألة منك سمعا حاضرا وجوابا عتيدا، ولكل صامت منك علما ناطقا محيطا، أسألك بمواعيدك الصادقة وأياديك الفاضلة ورحمتك الواسعة أن تفعل بي كذا وكذا، فقال ابن عباس هذا دعاء علمته في النوم ما كنت أرى أن أحدا يحسنه. وعن وهب أيضا قال: لما أهبط الله تعالى آدم من الجنة إلى الأرض استوحش لفقد أصوات الملائكة، فهبط إليه جبريل وقال:
يا آدم، هل أعلمك شيئا تنتفع به في الدنيا والآخرة؟ قال:
بلى. قال: قل: اللهم أتمم النعمة حتى تهنيني المعيشة، اللهم اختم لي بخير حتى لا تضرني ذنوبي، اللهم أكفني مؤنة الدنيا وكل هول في القيامة حتى تدخلني الجنة معافى.
وعن معروف الكرخي قال: اجتمعت اليهود أخزاهم الله على قتل عيسى ﵊ بزعمهم، وأهبط الله تعالى عليه جبريل وفي باطن جناحيه مكتوب: اللهم إني أدعوك باسمك الأجل الأعز، وأدعوك اللهم باسمك الأحد الصمد، وأدعوك باسمك العظيم الوتر وأدعوك اللهم باسمك الكبير المتعالي الذي ملأ الأركان كلها، أن تكشف عني ضر ما أصبحت وأمسيت فيه، فأوحى الله إلى جبريل أن أرفع عبدي إلي، فقال رسول الله ﷺ لأصحابه عليكم بهذا الدعاء، ولا تستبطئوا الإجابة، فإن ما عند الله خير وأبقى للذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون.
إسناد هذا متصل إلى معروف الكرخي، ثم هو منقطع، ولو لم يكن فيه من البركة إلا رواية معروف لكان كافيا في قبوله والعمل به.
стр. 479
حدث عبد الله بن أبان الثقفي ﵁ قال:
وجهني الحجاج بن يوسف في طلب أنس بن مالك، فظننت أنه يتوارى عني، فأتيته بخيلي ورجلي، فإذا هو جالس على باب داره مادا رجليه، فقلت له: أجب الأمير، فقال: أي الأمراء؟ فقلت أبو محمد الحجاج، فقال غير مكترث به: قد أذله الله ما أراني أعزه لأن العزيز من عز بطاعة الله، والذليل من ذل بمعصية الله، وصاحبك قد بغى وطغى واعتدى وخالف كتاب الله والسنة، والله لينتقم الله منه، فقلت له: أقصر عن الكلام وأجب الأمير، فقام معنا حتى حضر بين يدي الحجاج، فقال له: أنت أنس بن مالك؟ قال: نعم. قال: أنت الذي تدعو علينا وتسبنا؟
قال: نعم، قال: ومم ذاك؟ قال: لأنك عاص لربك مخالف لسنة نبيك تعز أعداء الله وتذل أوليائه. فقال له:
أتدري ما أريد أن أفعل بك؟ قال: لا، قال: أريد أن أقتلك شر قتلة، قال: أنس لو علمت أن ذلك بيدك لعبدتك من دون الله، قال الحجاج: ولم ذاك؟ قال: لأن رسول الله ﷺ علمني دعاء، وقال من دعا به في كل صباح لم يكن لأحد عليه سبيل، وقد دعوت به في صباحي هذا.
فقال الحجاج: علمنيه؟ فقال: معاذ الله أن أعلمه لأحد ما دمت أنت في الحياة. فقال الحجاج: خلوا سبيله. فقال الحاجب: أيها الأمير لنا في طلبه كذا وكذا يوما حتى أخذناه، فكيف تخلي سبيله؟ قال: رأيت على عاتقه أسدين عظيمين فاتحين أفواههما. ثم أن أنسا ﵁ لما حضرته الوفاة علم الدعاء لأخوانه وهو: بسم الله الرحمن الرحيم باسم الله خير الأسماء باسم الله الذي لا يضر مع اسمه أذى، باسم الله الكافي، باسم الله المعافي باسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم، باسم الله على نفسي وديني باسم الله على أهلي ومالي باسم الله على كل شيء أعطانيه ربي، الله أكبر الله أكبر الله أكبر، أعوذ بالله مما أخاف وأحذر الله ربي لا أشرك به شيئا، عز جارك وجل ثناؤك وتقدست أسماؤك ولا إله غيرك اللهم إني أعوذ بك من شر كل جبار عنيد وشيطان مريد، ومن شر قضاء السوء ومن شر كل دابة أنت آخذ بناصيتها، إن ربي على صراط مستقيم.
وهذا دعاء مشهور الإجابة وله شرح طويل وتركناه لطوله وهو: اللهم كما لطفت في عظمتك دون اللطفاء وعلوت بعظمتك على العظماء، وعلمت ما تحت أرضك كعلمك بما فوق عرشك، وكانت وساوس الصدور كالعلانية عندك وعلانية القول كالسر في علمك، وانقاد كل شيء لعظمتك وخضع كل ذي سلطان لسلطانك وصار أمر الدنيا والآخرة كله بيدك لا بيد غيرك، اجعل لي من كل هم وغم أصبحت أو أمسيت فيه فرجا ومخرجا، إنك على كل شيء قدير. اللهم إن عفوك عن ذنوبي وتجاوزك عن خطيئتي وسترك عن قبيح عملي أطمعني أن أسألك ما لا أستوجبه منك مما قضيته لي أدعوك آمنا وأسألك مستأنسا لا خائفا ولا وجلا لأنك أنت المحسن إلي وأنا المسيء إلى نفسي، فيما بيني وبينك، تتودد إلي بالنعم مع غناك عني، وأتبغض إليك بالمعاصي مع فقري إليك، فلم أر مولى كريما أعطف منك على عبد لئيم مثلي، لكن الثقة بك حملتني على الجرأة على الذنوب فاسألك بجودك وكرمك وإحسانك مع طولك، وتحبس عني باب الهم بقدرتك ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين فأعجز، ولا إلى الناس فأضيع، برحمتك يا أرحم الراحمين.
وروى الحافظ النسفي باسناده عن الزهري، عن أبي مسلمة، عن أبي هريرة قال: مر رسول الله ﷺ برجل ساجد وهو يقول في سجوده: اللهم إني استغفرك وأتوب إليك من مظالم كثيرة لعبادك قبلي، فأيما عبد من عبادك أو أمة من إمائك كانت له قبلي مظلمة ظلمتها إياه في مال أو بدن أو عرض علمتها أو لم أستطع أن أتحللها، فأسألك أن ترضيه عني بما شئت وكيف شئت، ثم تهبها لي من لدنك إنك واسع المغفرة ولديك الخير كله، يا رب ما تصنع بعذابي ورحمتك وسعت كل شيء، فلتسعني رحمتك، فإني لا شيء، وأسألك يا رب أن تكرمني برحمتك ولا تهني بذنوبي وما عليك أن تعطيني الذي سألتك يا رب يا ألله، فقال رسول الله ﷺ : أرفع رأسك فقد غفر الله لك إن هذا دعاء أخي شعيب ﵇. وقال صالح المزني: قال لي قائل في منامي: إذا أحببت أن يستجاب لك، فقل اللهم إني أسألك باسمك المخزون المكنون المبارك الطيب الطاهر المطهر المقدس، فما دعوت بها في شيء إلا تعرفت الاجابة.
وقيل إن هذا الدعاء فيه اسم الله الاعظم وهو: بسم الله الرحمان الرحيم اللهم إني أسألك بالعزة التي لا ترام والملك الذي لا يضام والعين التي لا تنام والنور الذي لا يطفأ، وبالوجه الذي لا يبلى وبالديمومة التي لا تفنى وبالحياة التي لا تموت وبالصمدية التي لا تقهر وبالربوبية التي لا تستذل، أن تجعل لنا في أمورنا فرجا ومخرجا
стр. 480
حتى لا نرجو غيرك يا أرحم الراحمين. وقال سعيد بن المسيب: دخلت المسجد في ليلة مقمرة وأظن أني قد أصبحت وإذا الليل على حاله، فقمت أصلي، وجلست أدعو وإذا بهاتف يهتف من خلفي يا عبد الله قل: قلت ما أقول؟ قال: قل اللهم إني أسألك بأنك ملك وأنت على كل شيء قدير، وما تشاء من أمر يكون. قال سعيد: فما دعوت به قط في شيء إلا رأيت نجحه.
وعن الشيخ كمال الدين الدميري قال: روينا عن قاضي القضاة عز الدين ابن جماعة قال: أنبأنا الشيخ شرف الدين أبو العباس أحمد بن ابراهيم بن مناع الفزاري خطيب دمشق، أنبأنا الشيخ زين الدين أبو البقاء خالد بن يوسف النابلسي بقراءتي عليه، قال، أنبأنا الحافظ بهاء الدين ناصر السنة محمد بن الامام أبي محمد بن الحافظ أبي القاسم علي بن الحسين بن هبة الله ابن عساكر قراءة عليه، وأنا أسمع. قال: رويت بالاسناد وذكر إسناده إلى الإمام الحجة التابعي الجليل محمد بن سيرين، قال: نزلنا بنهر تيرا، فأتانا أهل ذلك المنزل فقالوا لنا: ارحلوا فإنه لم ينزل هذا المنزل أحد إلا أخذ متاعه فرحل أصحابي وتخلفت، فلما أمسينا قرأت آيات، فما نمت حتى رأيت أقواما قد أقبلوا وجاءوا إلى جهتي أكثر من ثلاثين نفرا وقد جردوا سيوفهم فلم يصلوا إلي، فلما أصبحت رحلت فلقيني شيخ على فرس ومعه قوس عربية، فقال لي: يا هذا أنسي أنت أم جني؟ فقلت بل أنا من بني آدم، قال، فما بالك لقد أتيناك في هذه الليلة أكثر من سبعين مرة وفي كل ذلك يحال بيننا وبينك بسور من حديد، قلت: حدثني ابن عمر ﵄ عن رسول الله ﷺ أنه قال: من قرأ في ليلة ثلاثا وثلاثين آية لم يضره في تلك الليلة لص طار ولا سبع ضار، وعوفي في نفسه وأهله وماله حتى يصبح، فنزل عن فرسه وكسر قوسه وأعطى الله تعالى عهدا أن لا يعود لهذا الأمر، وهذه الآيات وهي أن تقرأ بعد الفاتحة الم ١ ذلِكَ الْكِتابُ
«١» إلى قوله الْمُفْلِحُونَ
«٢» ، وآية الكرسي إلى قوله هُمْ فِيها خالِدُونَ
«٣» . آمَنَ الرَّسُولُ
«٤» إلى آخر السورة، إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي
إلى قوله الْمُحْسِنِينَ
«٥» . وقُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا
الرَّحْمنَ
«٦» إلى آخر السورة، وَالصَّافَّاتِ صَفًّا ١
إلى قوله تعالى لازِبٍ
«٧» ، ويا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ
إلى قوله فَلا تَنْتَصِرانِ
«٨» . لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً
«٩» إلى آخرها، وَأَنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا
إلى قوله شَطَطاً
«١٠» زاد البوني إلى قوله شِهاباً رَصَداً
«١١» . وَاللَّهُ مِنْ وَرائِهِمْ مُحِيطٌ ٢٠
إلى قوله مَحْفُوظٍ
«١٢» ، قال محمد بن سيرين، فذكرت هذا الحديث لشعيب بن حرب، فقال: كنا نسميها آيات الحرز ويقال إن فيها شفاء من مائة داء، وعدوا منها الجذام وغير ذلك. قال محمد بن علي: قرأتها على شيخ لنا قد أفلج فأذهب الله تعالى ذلك الفالج، قال البوني: هذه الآيات شرفها مشهور وفضلها مذكور لا ينكرها إلا غبي أو غيور، وقد جربها المشايخ، وعرف سرها من له في العلم قدم راسخ وقدر شامخ، وهي على ما رويناه بل ما رأيناه أولها الفاتحة ثم أول البقرة إلى آخر الآيات.
وقال أبو العباس أحمد القسطلاني سمعت الشيخ أبا عبد الله القرشي يقول سمعت أبا زيد القرطبي يقول في بعض الآثار أن من قال: لا إله إلا الله سبعين ألف مرة كانت فداءه من النار، فعملت ذلك رجاء بركة الوعد، ففعلت منها لأهلي وعملت أعمالا ادخرتها لنفسي وكان إذ ذاك يبيت معنا شاب يكاشف بالجنة والنار، وكانت الجماعة ترى له فضلا على صغر سنه، وكان في قلبي منه شيء، فاتفق أن استدعانا بعض الإخوان إلى منزله، فنحن نتناول الطعام والشاب معنا إذ صاح صيحة منكرة، واجتمع في نفسه وهو يقول: يا عم هذه أمي في النار ويصيح بصياح عظيم لا يشك من سمعه أنه عن أمر، فلما رأيت ما به من الانزعاج قلت: اليوم أجرب صدقه، فألهمني الله تعالى السبعين ألفا، ولم يطلع على ذلك إلا الله تعالى، فقلت في نفسي الأثر حق والذين رووه لنا صادقون: اللهم أن هذه السبعين ألفا فداء أم هذا الشاب من النار، فما استتممت هذا الخاطر في نفسي أن قال: يا عم هذه أمي أخرجت من النار، والحمد لله فحصل عندي فائدتان
стр. 481
امتحاني لصدق الأثر وسلامتي من الشاب وعلمي بصدقه.
ومن خاف إنسانا فليصل ركعتين بعد صلاة المغرب ثم يضع جبهته على التراب ويقول: يا شديد المحال يا عزيزا أذللت بعزتك جميع من خلقت. صل على محمد وآله واكفني فلانا بما شئت، كفاه الله تعالى شره.
وروى الثقفي رحمه الله تعالى بإسناده إلى محمد بن علي بن الحسين رضي الله تعالى عنه أنه كان يقول لولده:
يا بني من أصابته مصيبة في الدنيا أو نزلت به نازلة فليتوضأ وليحسن الوضوء وليصل أربع ركعات أو ركعتين، فإذا انصرف من صلاته يقول: يا موضع كل شكوى، ويا سامع كل نجوى ويا شاهد كل بلوى ويا منجي موسى والمصطفى محمد والخليل إبراهيم ﵈، أدعوك دعاء من اشتدت فاقته، وضعفت حركته وقلت حيلته.
دعاء الغريب الغريق الفقير الذي لا يجد لكشف ما هو فيه إلا أنت يا أرحم الراحمين، لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين.
قال علي بن الحسين ﵄: لا يدعو به مبتلى إلا فرج الله عنه.
وقيل الإسم الأعظم هو بسم الله الرحمن الرحيم اللهم إني أسألك يا مؤنس كل وحيد، يا قريبا غير بعيد يا شاهدا غير غائب يا غالبا غير مغلوب يا حي يا قيوم يا بديع السموات والأرض يا ذا الجلال والأكرام، أسألك باسمك بسم الله الرحمن الرحيم الحي القيوم الذي لا تأخذه سنة ولا نوم، وأسألك باسمك بسم الله الرحمن الرحيم الذي عنت له الوجوه وخشعت له الأصوات ووجلت له القلوب أن تصلي على محمد وعلى آله وأن تعطيني كذا وكذا إنك على كل شيء قدير.
وهذه أبيات الفرج لأحمد بن حمزة البوني قيل إن فيها اسم الله الأعظم وهي هذه:
إنّي لأرجو عطفة الله ولا ... أقول إن قيل متى ذاك متى
لا بدّ أن ينشر ما كان طوى ... جودا وأن يمطر ما كان خوى «١»
وربما ينشر ما كان زوى ... وربّما قدّر ما كان لوى
وكل شيء ينتهي إلى مدى ... والشيء يرجى كشفه إذا انتهى
لطائف الله وإن طال المدى ... كلمحة الطرف إذا الطرف رمى
كم فرج بعد إياس قد أتى ... وكم سرور قد أتى بعد الأسى
من لاذ بالله نجا فيمن نجا ... من كلّ ما يخشى ونال ما رجا
سبحان من نهفو ويعفو دائما ... ولم يزل مهما هفا العبد عفا «٢»
يعطي الذي يخطي ولا يمنعه ... جلاله من العطا لذي الخطا
ومن المنظوم أيضا:
يا من يرى ما في الضمير ويسمع ... أنت المعد لكلّ ما يتوقع
يا من يرجّى للشدائد كلّها ... يا من إليه المشتكى والمفزع «٣»
يا من خزائن رزقه في قول كن ... أمنن فإن الخير عندك أجمع
مالي سوى فقري إليك وسيلة ... فبالافتقار إليك فقري أدفع
مالي سوى قرعي لبابك حيلة ... فلئن رددت فأي باب أقرع
ومن الذي أدعو وأهتف باسمه ... إن كان فضلك عن فقيرك يمنع
حاشا لجودك أن تقنّط عاصيا ... الفضل أجزل والمواهب أوسع «٤»
ثم الصلاة على النبي وآله ... خير الأنام ومن به يتشفّع
وقال آخر:
يا خالق الخلق يا رب العباد ومن ... قد قال في محكم التنزيل أدعوني
إنّي دعوتك مضطرا فخذ بيدي ... يا جاعل الأمر بين الكاف والنون
стр. 482
نجّيت أيوب من بلواه حين دعا ... بصبر أيوب يا ذا اللطف نجّيني
واطلق سراحي وامنن بالخلاص كما ... نجّيت من ظلمات البحر ذا النون «١»
ثم يقرأ: وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنادى فِي الظُّلُماتِ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ ٨٧
«٢» .
قال بعضهم:
يا ربّ ما زال لطف منك يشملني ... وقد تجدّد بي ما أنت تعلمه
فاصرفه عنّي كما عوّدتني كرما ... فمن سواك لهذا العبد يرحمه
وقال آخر:
يا من تحلّ بذكره ... عقد النّوائب والشّدائد
يا من إليه المشتكى ... وإليه أمر الخلق عائد
يا حيّ يا قيوم يا ... صمد تنزه عن مضادد
أنت الرقيب على العب ... اد وأنت في الملكوت واحد
أنت المعز لمن أطا ... عك والمذلّ لكل جاحد
إنّي دعوتك والهمو ... م جيوشها نحوي تطارد
فافرج بحولك كربتي ... يا من له حسن العوائد «٣»
فخفيّ لطفك يستعا ... ن به على الزمن المعاند
أنت الميسّر والمسبّ ... ب والمسهّل والمساعد
يسّر لنا فرجا قري ... با يا إلهي لا تباعد
كن راحمي فلقد يئس ... ت من الأقارب والأباعد
ثم الصلاة على النبي ... وآله الغرّ الأماجد
وعلى الصحابة كلّهم ... ما خرّ للرحمن ساجد
دعاء عظيم مأثور:
اللهم إني أشكو إليك ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس أنت رب المستضعفين، وأنت ربي إلى من تكلني إلى بغيض يتجهمني أو إلى قوي ملكته أمري إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي ولكن عافيتك أوسع لي أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة من أن يحل بي غضبك أو ينزل بي سخطك فلك العتبى حتى ترضى ولا حول ولا قوة لنا إلا بك يا رب العالمين.
ومما جاء في أدعية الناس بعضهم لبعض:
دعا رجل لآخر فقال: سرك الله بما ساءك ولا ساءك فيما سرك. ودعا رجل لآخر فقال: لا أخلاك الله تعالى من ثناء صادق باق ودعاء صالح واق.
ودعا أعرابي لآخر فقال: رحب واديك وعز ناديك، ولا ألّم بك ألم ولا طاف بك عدم، وسلمك الله ولا أسلمك.
وسمعت بعض العرب يدعو لرجل ويقول: سلمك الله تعالى من الرهق والوهق، وعافاك الله تعالى من الوحل والزجل، وسلمك الله من الشاردات والواردات، وسلمك الله بين الأعنة والأسنة.
ودعا أعرابي لعبد الله بن جعفر ﵁ فقال:
لا ابتلاك الله تعالى ببلاء يعجز عنه صبرك. وأنعم عليك نعمة يعجز عنها شكرك، وأبقاك ما تعاقب الليل والنهار، وتناسخت الظلم والأنوار.
ودعا بعضهم لآخر فقال: زودك الله تعالى الأمن في مسيرك والسعد في مصيرك، ولا أخلاك من شهر تستجده وخير من الله تستمده. وعزى شيب بن شبة يهوديا، فقال:
أعطاك الله على مصيبتك ما أعطى أحدا من أهل ملتك.
ومما جاء في الدعاء على الأعداء والظلمة ونحوهم:
دعا أعرابي على ظالم فقال: لا ترك الله لك شفرا ولا ظفرا، أي عينا ولا يدا. ومن دعاء العرب: «فتّه الله فتا وحتّه حتا وجعل أمره شتى» . وخرج أعرابي إلى سفر
стр. 483
وكانت له امرأة تكرهه، فاتبعته نواة وقالت: شط نواك ونأى سفرك، ثم أتبعته روثة وقالت: رثتك أهلك وورث خيرك، ثم أتبعته حصاة، وقالت: حاص رزقك وحص أثرك. ودعا أعرابي على آخر فقال: أطفأ الله ناره وخلع نعليه، أي جعله أعمى مقعدا. ودعا أعرابي على آخر فقال: سقاه الله دم جوفه أي قتل ابنه، وأخذ ديته فشرب لبنها. ودعا أعرابي على آخر فقال: بعث الله عليه سنة فاشورة تحلقه كلما يحلق الشعر بالنورة، ودعا رجل على أمير فقال:
أزال الله دولته سريعا ... فقد ثقلت على عنق الليالي
وقالت امرأة من بني ضبة في زوجها:
وما دعوت عليه حين ألعنه ... إلا وآخر يتلوه بآمين
فليته كان أرض الروم منزله ... وليتني قبله قد صرت للصين
وقال رسول الله ﷺ في خطبته يوم الأحزاب: «اللهم كلّ سلاحهم واضرب وجوههم ومزقهم في البلاد تمزيق الريح للجراد» . ودعا رجل، فقال: اللهم أكفنا أعداءنا ومن أرادنا بسوء، فلتحط به ذلك السوء إحاطة القلائد بترائب الولائد، ثم أرسخه على هامته كرسوخ السجّيل على هام أصحاب الفيل، وحسبنا الله ونعم الوكيل.
ولنختم هذا الباب بهذا الدعاء المبارك وهو: اللهم إنك عرفتنا بربوبيتك وغرقتنا في بحار نعمتك، ودعوتنا إلى دار قدسك ونعمتنا بذكرك وأنسك، إلهي إن ظلمة ظلمنا لنفوسنا قد عمت، وبحار الغفلة على قلوبنا قد طمت، والعجز شامل والحصر حاصر والتسليم أسلم، وأنت بالحال أعلم، إلهي ما عصيتك جهلا بعقابك ولا تعرضا لعذابك، ولكن سولتها نفوسنا وأعانتنا شقوتنا وغرنا سترك علينا وأطمعنا عفوك وبرك بنا، فالآن من عذابك من ينقذنا؟ وبحبل من نعتصم إن قطعت حبلك عنا؟ واخجلتاه غدا من الوقوف بين يديك، وافضيحتاه إن عرضت فعالنا القبيحة عليك، اللهم اغفر ما علمت ولا تهتك ما سترت.
إلهي إن كنا عصيناك بجهل فقد دعوناك بعقل حيث علمنا أن لنا ربا يغفر لنا ولا يبالي، إلهي لا تحرق بالنار وجها كان لك مصليا ولسانا كان لك ذاكرا وداعيا، بالذي دلنا عليك وأمرنا بالخشوع بين يديك وهو محمد ﷺ خاتم أنبيائك وسيد أصفيائك، فإن حقه علينا أعظم الحقوق بعد حقك، كما أن منزلته لديك أشرف المنازل، فهو سيد خلقك، ومعدن أسرارك، صل يا رب على محمد وآله وأصحابه وارحم عبادا غرهم طول إمهالك، وأطمعهم كثرة أفضالك، فقد ذلوا لعزك وجلالك ومدوا أكفهم لطلب نوالك، ولولا ذلك لم يصلوا إلى ذلك، اللهم اغفر لنا ولوالدينا ولكل المسلمين أجمعين، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الباب الثامن والسبعون في القضاء والقدر وأحكامه والتوكل على الله
إعلم أن كل ما يجري في العالم من حركة وسكون وخير وشر ونفع وضر وإيمان وكفر وطاعة ومعصية، فكلّ بقضاء الله وقدره، وكذلك فلا طائر يطير بجناحيه ولا حيوان يدب على بطنه ورجليه، ولا تطن بعوضة ولا تسقط ورقة إلا بقضائه وقدره وإرادته ومشيئته، كما لا يجري شيء من ذلك إلا وقد سبق علمه به. واعلم أن كل ما قضاه الله تعالى وقدره، فهو كائن لا محالة كما أن ما في علم الله تعالى يكون فهو كائن قريب، وما قدر الله وصوله إليك بعد الطلب فهو لا يصل إليك إلا بالطلب، والطلب أيضا من القدر فإن تعسر شيء فبتقديره، وإن اتفق شيء فبتيسيره، فمن رام أمرا من الأمور ليس الطريق في تحصيله أنه يغلق بابه عليه ويفوض أمره لربه، وينتظر حصول ذلك الأمر، بل الطريق أن يشرع في طلبه على الوجه الذي شرعه له فيه.
وقد ظاهر النبي ﷺ بين درعين «١» واتخذ خندقا حول المدينة حين تحزبت عليه الأحزاب يحترس به من العدو وأقام الرماة يوم أحد ليحفظوه من خالد بن الوليد، وكان يلبس لأمة الحرب ويهيىء الجيوش ويأمرهم وينهاهم لما فيه من مصالحهم، واسترقى وأمر بالرقية، وتداوى وأمر بالمداواة، وقال: الذي أنزل الداء أنزل الدواء، فإن قيل:
قد روي أن النبي ﷺ قال: من استرقى أو اكتوى فهو بريء من التوكل، قلنا: أليس قد قال: أعقلها وتوكل. فإن قيل:
فما الجمع بين ذلك؟ قلنا: معناه من استرقى أو اكتوى متكلا على الرقية أو الكي، وإن البرء من قبلهما خاصة،
стр. 484
فهذا يخرجه عن التوكل، وإنما يفعله كافر يضيف الحوادث إلى غير الله، وقد أمرنا بالكسب والتسبب. ألا ترى أن الله قال لمريم ﵍: وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ
«١» فهلا أمرها بالسكون وحمل الرطب إلى فمها وأنشدوا في ذلك:
ألم تر أن الله قال لمريم ... وهزّي إليك الجذع يسّاقط الرطب
ولو شاء أن تجنيه من غير هزّها ... جنته ولكن كلّ شيء له سبب
وقد تقدم هذا الشعر في باب الكسب والتسبب ولهذا قال رسول الله ﷺ : «لو توكلتم على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصا «٢» وتروح بطانا «٣» ، فلم يحمل أرزاقها إليها في أوكارها بل ألهمها طلبه بالغدو والرواح» .
وقد جمعوا بين الطلب والقدر فقالوا: إنهما كالعدلين على ظهر الدابة، إن أحمل في واحد منهما أرجح مما في الآخر سقط حمله وتعب ظهره وثقل عليه سفره. وإن عادل بينهما سلم ظهره ونجح سفره وتمت بغيته. وضربوا فيه مثالا عجيبا، فقالوا: إن أعمى ومقعدا كانا في قرية بفقر وضر لا قائد للأعمى ولا حامل للمقعد، وكان في القرية رجل يطعمهما قوتهما في كل يوم احتسابا لله تعالى، فلم يزالا بنعمة إلى أن هلك ذلك الرجل فلبثا أياما واشتد جوعهما وبلغ الضر منهما جهده، فأجمع رأيهما على أن الأعمى يحمل المقعد فيدله المقعد على الطريق ببصره، فاشتغل الأعمى بحمل المقعد ويدور به ويرشده إلى الطريق وأهل القرية يتصدقون عليهما، فنجح أمرهما ولولا ذلك لهلكا. فكذلك القدر سببه الطلب. والطلب سببه القدر وكل واحد منهما معين لصاحبه، ألا ترى أن من طلب الرزق والولد ثم قعد في بيته لم يطأ زوجته ولم يبذر أرضه معتمدا في ذلك على الله واثقا به أن تلد امرأته من غير مواقعة، وأن ينبت الزرع من غير بذر، كان عن المعقول خارجا ولأمر الله كارها.
قال الغزالي: أما المعيل فلا يخرج عن حد التوكل بادخار قوت سنة لعياله جبرا لضعفهم وتسكينا لقلوبهم وقد ادخر رسول الله ﷺ قوت سنة، ونهى أم أيمن وغيرها أن تدخر شيئا، وقال: أنفق يا بلال ولا تخش من ذي العرش إقلالا.
وقال عبد الله بن الفرج: أطلعت على إبراهيم بن أدهم، وهو في بستان بالشام فوجدته مستلقيا على قفاه، وإذا بحية في فمها باقة نرجس، فما زالت تذب عنه حتى انتبه. فحسبك توكل يؤدي إلى هذا.
وعن عبد الله الهروي قال: كنا مع الفضيل بن عياض على جبل أبي قيس فقال: لو أنّ رجلا صدق في توكله على الله ثم قال لهذا الجبل اهتز لاهتز، فو الله لقد رأيت الجبل اهتز وتحرك. فقال له الفضيل رحمه الله تعالى: لم أعنك رحمك الله فسكن.
وفي الإسرائيليات أن رجلا احتاج إلى أن يقترض ألف دينار، فجاء إلى رجل من المتمولين فسأله في ذلك وقال له: تمهل علي بدينك إلى أن أسافر إلى البلد الفلاني فإن لي مالا آتيك به، وأوفيك منه، وتكون مدة الأجل بيني وبينك كذا وكذا، فقال له: هذا غرر، فأنا ما أعطيك مالي إلا أن تجعل لي كفيلا إن لم تحضر طلبته منه. فقال الرجل: الله كفيل بمالك وشاهد على أن لا أغفل عن وفائك، فإن رضيت فافعل، فداخل الرجل خشية الله تعالى، وحمله التوكل على أن دفع المال للرجل فأخذه ومضى إلى البلد الذي ذكر، فلما قرب الأجل الذي بينه وبين صاحبه جهز المال وقصد السفر في البحر فعسر عليه وجود مركب، ومضت المدة وبعدها أيام وهو لا يجد مركبا، فاغتم لذلك، وأخذ الألف دينار وجعلها في خشبة وسمّر عليها ثم قال: اللهم إني جعلتك كفيلا بإيصال هذه إلى صاحبها، وقد تعذر علي وجود مركب وعزمت على طرحها في البحر وتوكلت عليك في إيصالها إليه، ثم نقش على الخشبة رسالة إلى صاحبها بصورة الحال، وطرحها في البحر بيده وأقام في البلدة مدة بعد ذلك، إلى أن جاءت مركب فسافر فيها إلى صاحب المال، فابتدأه وقال: أنت سيرت الألف دينار في خشبة صفتها كيت وكيت وعليها منقوش كذا وكذا؟ قال: نعم، قال: قد أوصلها الله تعالى إلي، والله نعم الكفيل. فقال: فكيف وصلت إليك؟ قال:
لما مضى الأجل المقدر بيني وبينك بقيت أتردد إلى البحر لأجدك أو أجد من يخبرني عنك، فوقفت ذات يوم إلى الشط وإذا بالخشبة قد استندت إلي ولم أر لها طالبا، فأخذها الغلام ليجعلها حطبا. فلما كسرها وجد ما فيها، فأخبرني بذلك، فقرأت ما عليها، فعلمت أن الله تعالى حقق أملك لما توكلت عليه حق التوكل.
стр. 485
وقيل: إن سبب بداية ذي النون المصري رحمه الله تعالى أنه رأى طيرا أعمى بعيدا عن الماء والمرعى، فبينما هو يتفكر في أمر ذلك الطائر، فإذا هو بسكرجتين برزتا من الأرض إحداهما ذهب والأخرى فضة، هذه فيها ماء والأخرى فيها قمح، فلقط القمح وشرب الماء. ثم غابا بعد ذلك فذهل ذو النون، وانقطع إلى الله تعالى من ذلك الوقت.
وحكي أن رجلا من أبناء الناس كانت له يد في صناعة الصياغة، وكان أوحد أهل زمانه، فساء حاله وافتقر بعد غناه، فكره الإقامة في بلده، فانتقل إلى بلد آخر، فسأل عن سوق الصاغة، فوجد دكانا لمعلم السلطنة وتحت يده صناع كثيرة يعملون الأشغال للسلطنة، وله سعادة ظاهرة ما بين مماليك وخدم وقماش وغير ذلك، فتوصل الصائغ الغريب إلى أن بقي من أحد الصناع الذين في دكان هذا المعلم وأقام يعمل عنده مدة، وكلما فرغ النهار دفع له درهمين من فضة، وتكون أجرة عمله تساوي عشرة دراهم، فيكسب عليه ثمانية دراهم في كل يوم، فاتفق أن الملك طلب المعلم وناوله فردة سوار من ذهب مرصعة بفصوص في غاية من الحسن قد عملت في غير بلاده كانت في يد إحدى محاظيه، فانكسرت، فقال له:
إلحمها، فأخذها المعلم وقد اضطرب عليه في عملها، فلما أخذها وأراها للصناع الذين عنده وعند غيره فما قال له أحد أنه يقدر على عملها، فازداد المعلم لذلك غما، ومضت مدة وهي عنده لا يعلم ما يصنع، فاشتد الملك على إحضاره، وقال: هذا المعلم نال من جهتنا هذه النعمة العظيمة ولا يحسن أن يلحم سوارا، فلما رأى الصانع الغريب شدة ما نال المعلم قال في نفسه هذا وقت المروءة أعملها ولا أؤاخذه ببخله علي وعدم إنصافه ولعله يحسن إلي بعد ذلك، فحط يده في درج المعلم وأخذها وفك جواهرها وسبكها ثم صاغها كما كانت، ونظم عليها جواهرها، فعادت أحسن مما كانت، فلما رآها المعلم فرح فرحا شديدا، ثم مضى بها إلى الملك، فلما رآها استحسنها وادعى المعلم أنها صنعته، فأحسن إليه وخلع عليه خلعة سنية، فجاء وجلس مكانه، فبقي الصائغ يرجو مكافأته عما عامله به، فما التفت إليه المعلم، ولما كان آخر النهار ما زاده على الدرهمين شيئا، فما مضت إلا أيام قلائل وإذا الملك اختار أن يعمل زوجين أساور على تلك الصورة، فطلب المعلم ورسم له بكل ما يحتاج إليه وأكد عليه في تحسين الصفة وسرعة العمل، فجاء إلى الصانع وأخبره بما قال الملك، فامتثل مرسومه ولم يزل منتصبا إلى أن عمل الزوجين، وهو لا يزيده شيئا على الدرهمين في كل يوم ولا يشكره ولا يعده بخير ولا يتجمل معه، فرأى المصلحة أن ينقش على زوج الأساور أبياتا يشرح فيها حاله ليقف عليها الملك، فنقش في باطن أحدهما هذه الأبيات نقشا خفيفا يقول:
مصائب الدهر كفّي ... إن لم تكفّي فعفّي
خرجت أطلب رزقي ... وجدت رزقي توفّي
فلا برزقي أحظى ... ولا بصنعة كفّي
كم جاهل في الثريا ... وعالم متخفّي
قال: وعزم الصانع على أنه إن ظهرت الأبيات للمعلم شرح له ما عنده وإن غم عليه ولم يرها كان ذلك سبب توصله إلى الملك، ثم لفهما في قطن وناولهما للمعلم فرأى ظاهرهما ولم ير باطنهما لجهله بالصنعة، ولما سبق له في القضاء، فأخذها المعلم ومضى بهما فرحا إلى الملك، وقدمهما إليه، فلم يشك الملك في أنهما صنعته، فخلع عليه وشكره، ثم جاء فجلس مكانه ولم يلتفت إلى الصانع، وما زاده في آخر النهار شيئا على الدرهمين، فلما كان اليوم الثاني خلا خاطر الملك فاستحضر الحظية التي عمل لها السوارين الذهب فحضرت وهما في يديها، فأخذهما ليعيد نظره فيهما وفي حسن صنعتهما، فقرأ الأبيات، فتعجب وقال: هذا شرح حال صانعهما والمعلم يكذب، فغضب عند ذلك، وأمر باحضار المعلم، فلما حضر قال له: من عمل هذين السوارين؟ قال: أنا أيها الملك، قال: فما سبب نقش هذه الأبيات؟ قال: لم يكن عليهما أبيات. قال: كذبت. ثم أراه النقش. وقال: إن لم تصدقني الحق لأضربن عنقك، فأصدقه الحق، فأمر الملك بإحضار الصانع، فلما حضر سأله عن حاله، فحكى له قصته، وما جرى له مع المعلم. فرسم الملك بعزل المعلم وأن تسلب نعمته وتعطى للصانع، وأن يكون عوضا عنه في الخدمة ثم خلع عليه خلعة سنية، وصار مقدما سعيدا، فلما نال هذه الدرجة. وتمكن عند الملك تلطف به حتى رضي عن المعلم الأول وصارا شريكين ومكثا على ذلك إلى آخر العمر. ورحم الله من قال:
стр. 486
إذا كان سعد المرء في الدهر مقبلا ... تدانت له الأشياء من كلّ جانب
وقال آخر:
ما سلّم الله هو السالم ... ليس كما يزعم الزّاعم
تجري المقادير التي قدرت ... وأنف من لا يرتضي راغم
وقال كعب بن زهير «١» :
لو كنت أعجب من شيء لأعجبني ... سعي الفتى وهو مخبوء له القدر
يسعى الفتى لأمور ليس يدركها ... والنفس واحدة والهم منتشر
والمرء ما عاش ممدود له أمل ... لا ينتهي ذاك حتى ينتهي العمر
وروي في الإسرائيليات أن نبيا من الأنبياء عليهم الصلاة السلام مرّ بفخ منصوب وإذا بطائر قريب منه، فقال له الطائر: يا نبي الله: هل رأيت أقل عقلا ممن نصب هذا الفخ ليصيدني به وأنا أنظر إليه؟ قال: فذهب عنه ذلك النبي ﷺ ثم رجع وإذا بالطائر في الفخ، فقال له: عجبا لك ألست القائل كذا وكذا آنفا؟ فقال: يا نبي الله إذا جاء الحين لم يبق أذن ولا عين. ويروى أن رجلا قال لبزرجمهر: تعال نتناظر في القدر، قال: وما تصنع بالمناظرة؟ قال: رأيت شيئا ظاهرا استدللت به على الباطن، رأيت جاهلا مبرورا وعالما محروما، فعلمت أن التدبير ليس للعباد.
ولما قدم موسى بن نصير بعد فتح الأندلس على سليمان بن عبد الملك قال له يزيد بن المهلب: أنت أدهى الناس وأعلمهم، فكيف طرحت نفسك في يد سليمان؟
فقال: إن الهدهد ينظر إلى الماء في الأرض على ألف قامة، ويبصر القريب منه والبعيد على بعد في التخوم، ثم ينصب له الصبي الفخ بالدودة أو الحبة فلا يبصره حتى يقع فيه وأنشدوا في ذلك:
وإذا خشيت من الأمور مقدّرا ... وفررت منه فنحوه تتوجّه
وقال آخر:
أقام على المسير وقد أنيخت ... مطاياه وغرّد حادياها
وقال أخاف عادية الليالي ... على نفسي وأن ألقى رداها
مشيناها خطا كتبت علينا ... ومن كتبت عليه خطا مشاها
ومن كانت منيّته بأرض ... فليس يموت في أرض سواها
ولما قتل كسرى بزرجمهر وجد في منطقته «٢» كتاب فيه: إذا كان القضاء حقا فالحرص باطل. وإذا كان الغدر في الناس طبعا فالثقة بكل أحد عجز، وإذا كان الموت بكل أحد نازلا فالطمأنينة إلى الدنيا حمق.
وقال ابن عباس وجعفر بن محمد رضي الله تعالى عنهما في قوله تعالى: وَكانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما
«٣» . إنما كان الكنز لوحا من ذهب مكتوب فيه: بسم الله الرحمن الرحيم عجبت لمن يوقن بالقدر كيف يحزن. وعجبت لمن يوقن بالرزق كيف ينصب، وعجبت لمن يوقن بالموت كيف يفرح، وعجيبت لمن يوقن بالحساب كيف يغفل، وعجبت لمن يرى الدنيا وتقلبها بأهلها كيف يطمئن إليها. لا إله إلا الله محمد رسول الله.
وحكى الطرطوشي رحمه الله تعالى في كتابه «سراج الملوك» قال: من عجيب ما اتفق بالاسكندرية أن رجلا من خدم نائب الإسكندرية غاب عن خدمته أياما، ففي بعض الأيام قبض عليه صاحب الشرطة وحمله إلى دار النائب فانفلت في بعض الطرق وترامى في بئر والمدينة إذ ذاك مسردبة بسرداب يمشي الماشي فيه قائما، فما زال الرجل يمشي إلى أن لاحت له بئر مضيئة، فطلع منها فإذا البئر في دار النائب، فلما طلع أمسكه النائب وأدبه، فكان فيه المثل السائر: الفار من القضاء الغالب كالمتقلب في يد الطالب. وأنشدو فيه:
قالوا تقيم وقد أحاط ... بك العدوّ ولا تفرّ
لا نلت خيرا إن بقي ... ت ولا عداني الدهر شر
стр. 487
إن كنت أعلم أن ... غير الله ينفع أو يضر
الباب التاسع والسبعون في التوبة والاستغفار
قد تظاهرت دلائل الكتاب والسنة وإجماع الأمة على وجوب التوبة، وأمر الله تعالى بالتوبة فقال وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ
«١» ووعد بالقبول فقال تعالى: هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ
«٢» . وفتح باب الرجاء فقال: قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ٥٣
«٣» .
وروي في الصحيح عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: أيها الناس توبوا إلى الله تعالى فإني أتوب إلى الله تعالى في اليوم مائة مرة.
وروى أحمد بن عبد الرحمن السلماني قال: اجتمع أربعة من أصحاب رسول الله ﷺ فقال أحدهم: سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن الله تعالى يقبل التوبة من عبده قبل أن يموت بيوم، فقال الثاني: أنت سمعت هذا من رسول الله ﷺ ؟ قال: نعم. قال: وأنا سمعته يقول: إن الله تعالى يقبل توبته قبل أن يموت بنصف يوم، فقال الثالث: أنت سمعت هذا من رسول الله ﷺ ؟ قال: نعم.
قال: وأنا سمعته يقول إن الله تعالى يقبل توبة العبد قبل موته بضحوة، أو قال بضجعة، فقال الرابع: أنت سمعت هذا من رسول الله ﷺ ؟ قال: نعم. قال: وأنا سمعته يقول: إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر.
وفي الصحيحين من حديث ابن مسعود ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: «الله أفرح بتوبة عبده من رجل نزل بأرض دوية مهلكة معه راحلته، فنام واستيقظ وقد ذهبت راحلته، فطلبها حتى إذا أدركه الموت قال: أرجع إلى المكان الذي أضللتها فيه وأموت، فأتى مكانه فغلبته عينه فاستيقظ وإذا راحلته عند رأسه فيها طعامه وشرابه وزاده وما يصلحه، فالله أشد فرحا بتوبة عبده المؤمن من هذا براحلته وزاده» .
وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «والله إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة» . (رواه البخاري) .
وعن أبي موسى عبد الله بن قيس الأشعري ﵁ عن النبي ﷺ قال: «إن الله تعالى يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، حتى تطلع الشمس من مغربها» . (رواه مسلم) .
وعن أبي سعيد الخدري ﵁ أن نبي الله ﷺ قال: «كان فيمن قبلكم رجل قتل تسعة وتسعين نفسا، فسأل عن أعبد أهل الأرض فدل على راهب فأتاه فقال: إنه قتل تسعة وتسعين نفسا فهل له من توبة؟ قال: لا، فقتله وكمل به المائة. ثم سأل عن أعلم أهل الأرض فدل على رجل عالم فأتاه وقال له أنه قد قتل مائة نفس فهل له من توبة؟ قال: نعم. ومن يحل بينك وبين التوبة، انطلق إلى أرض كذا وكذا فإن بها أناسا يعبدون الله تعالى فاعبد الله تعالى معهم ولا ترجع إلى أرضك فإنها أرض سوء.
فانطلق حتى كان نصف الطريق أدركه الموت فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، فقالت ملائكة الرحمة: جاء تائبا مقبلا بقلبه إلى الله تعالى، وقالت ملائكة العذاب: إنه لم يعمل خيرا قط. فأتاهم ملك في صورة آدمي فحكموه بينهم فقال: قيسوا ما بين الأرضين فإلى أيتهما كان أدنى؟ فهو أقرب لها، فقاسوه فوجدوه أدنى إلى الأرض التي أراد، فقبضته ملائكة الرحمة» . (متفق عليه وفي الصحيحين) : فكان أدنى إلى أرض التوبة الصالحة فجعل من أهلها.
وعن أبي نجيد بضم النون وفتح الجيم عمران بن الحصين الخزاعي ﵁، أن امرأة من جهينة أتت رسول الله ﷺ وهي حبلى من الزنا فقالت: يا رسول الله أصبت حدا فأقمه علي، فدعاني رسول الله ﷺ فشدت عليها ثيابها ثم أمر بها فرجمت ثم صلى عليها فقال عمر:
يا رسول الله تصلي عليها وقد زنت؟ قال: «لقد تابت توبة لو قسمت بين سبعين من أهل المدينة لوسعتهم، وهل وجدت أفضل ممن جادت بنفسها لله » . (رواه مسلم) .
وعن أبي نصرة قال: لقيت مولى لأبي بكر ﵁ فقلت له: سمعت من أبي بكر شيئا، قال: نعم، سمعته
стр. 488
يقول: قال رسول الله ﷺ : «ما أصر من استغفر ولو عاد إلى الذنب في اليوم سبعين مرة» .
وحكي.. أن نبهان التمار وكنيته أبو مقبل أتته امرأة حسناء تشتري تمرا، فقال لها: هذا التمر ليس بجيد وفي البيت أجود منه، فذهب بها إلى بيته وضمها إلى نفسه وقبلها، فقالت له: اتق الله، فتركها وندم على ذلك، فأتى النبي ﷺ فذكر له ذلك، فأنزل الله تعالى: وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً
«١» إلى آخر الآية. وعن أسماء بن الحكم الفزاري قال: سمعت عليا يقول: إني كنت رجلا إذا سمعت من رسول الله حديثا ينفعني الله منه بما شاء أن ينفعني، وإذا حدثني أحد من أصحابه استحلفته فإذا حلف لي صدقته، وإنه حدثني أبو بكر وصدق أبو بكر أنه سمع رسول الله يقول: «ما من عبد يذنب ذنبا فيحسن الطهور ويصلي ثم يستغفر الله إلا غفر له» .
وروي في الصحيح عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: إذا أذنب العبد ذنبا فقال يا رب أذنبت ذنبا فاغفره لي، قال الله : علم عبدي أن له ربا يغفر الذنب ويأخذ به، فغفر له. ثم إذا مكث ما شاء الله وأصاب ذنبا آخر، فقال: يا رب أذنبت ذنبا فاغفر لي، قال ربه: علم عبدي أن له ربا يغفر الذنب ويأخذ به قد غفرت لعبدي فليفعل ما شاء.
وكان قتادة رضي الله تعالى عنه يقول: القرآن يدلكم على دائكم ودوائكم، أما دواؤكم فالاستغفار، وأما داؤكم فالذنوب.
وكان علي رضي الله تعالى عنه يقول: العجب لمن هلك ومعه كلمة النجاة، قيل: وما هي؟ قال: الاستغفار.
وقال رسول الله ﷺ : «من قال عشرا حين يصبح وحين يمسي، أستغفر الله العظيم الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه وأسأله التوبة والمغفرة من جميع الذنوب، غفرت ذنوبه ولو كانت مثل رمل عالج. ومن قال سبحانك ظلمت نفسي وعملت سوءا فاغفر لي ذنوبي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، غفرت ذنوبه ولو كانت مثل دبيب النمل.
وقال أبو عبد الله الورّاق: لو كان عليك من الذنوب مثل عدد القطر وزبد البحر محيت عنك إذا استغفرت بهذا الاستغفار، وهو هذا: اللهم إني أسألك وأستغفرك من كل ذنب تبت إليك منه ثم عدت فيه، وأستغفرك من كل ما وعدتك من نفسي ثم لم أوف لك به، وأستغفرك من كل عمل أردت به وجهك فخالطه غيرك، وأستغفرك من كل نعمة أنعمت بها علي فاستعنت بها على معصيتك، يقول الله لملائكته: ويح ابن آدم يذنب الذنب ثم يستغفرني فأغفر له، ثم يذنب فيستغفرني فأغفر له لا هو يترك الذنب من مخالفتي ولا ييأس من مغفرتي، أشهدكم يا ملائكتي أني قد غفرت له.
وقال بشر الحافي «٢» بلغني أن العبد إذا عمل الخطيئة أوحى الله تعالى إلى الملائكة الموكلين ترفقوا عليه سبع ساعات، فإن استغفرني فلا تكتبوها وإن لم يستغفرني فاكتبوها.
نكتة.. قيل: انقطع الغيث عن بني إسرائيل في زمن موسى ﵊ حتى احترق النبات وهلك الحيوان، فخرج موسى ﵊ في بني إسرائيل وكانوا سبعين رجلا من نسل الأنبياء مستغيثين إلى الله تعالى، قد بسطوا أيدي صدقهم وخضوعهم وقربوا قربان تذللهم وخشوعهم ودموعهم تجري على خدودهم ثلاثة أيام، فلم يمطر لهم، فقال موسى: اللهم أنت القائل: ادعوني أستجب لكم وقد دعوتك وعبادك على ما ترى من الفاقة والحاجة والذل، فأوحى الله تعالى إليه:
يا موسى إن فيهم من غذاؤه حرام وفيهم من يبسط لسانه بالغيبة والنميمة وهؤلاء استحقوا أن أنزل عليهم غضبي، وأنت تطلب لهم الرحمة كيف يجتمع موضع الرحمة وموضع العذاب؟ فقال موسى: ومن هم يا رب حتى نخرجهم من بيننا؟ فقال الله تعالى: يا موسى لست بهتاك ولا نمام، ولكن يا موسى توبوا كلكم بقلوب خالصة فعساهم يتوبوا معكم فأجود بإنعامي عليكم، فنادى منادي موسى في بني إسرائيل ان اجتمعوا فاجتمعوا فأعلمهم موسى ﵊ بما أوحي إليه والعصاة يسمعون، فذرفت أعينهم ورفعوا مع بني إسرائيل أيديهم إلى الله وقالوا: إلهنا جئناك من أوزارنا هاربين، ورجعنا إلى بابك طالبين فارحمنا يا أرحم الراحمين، فما زالوا كذلك حتى سقوا بتوبتهم إلى الله تعالى.
اللهم تب علينا وعلى سائر العصاة والمذنبين يا رب العالمين.
стр. 489
أوحى الله إلى داود ﵊: يا داود لو يعلم المدبرون عني كيف انتظاري لهم ورفقي بهم وشوقي إلى ترك معاصيهم، لماتوا شوقا إلي وتقطعت أوصالهم من محبتي، يا داود هذه إرادتي في المدبرين عني فكيف إرادتي بالمقبلين علي.
ولقد أحسن من قال:
أسيء فيجزي بالإساءة إفضالا ... وأعصي فيوليني برّا وإمهالا
فحتى متى أجفوه وهو يبرني ... وأبعد عنه وهو يبذل إيصالا
وكم مرة قد زغت عن نهج طاعة ... ولا حال عن ستر القبيح ولا زالا
وهذا آخر ما يسره الله تعالى في هذا البابا والله أعلم بالصواب.
الباب الثمانون فيما جاء في ذكر الأمراض والعلل والطب والدواء وما جاء في السنة من العبادة وما أشبه ذلك
وفيه فصول
الفصل الأول في الأمراض والعلل وما جاء في ذلك من الاجر والثواب
روي عن عبد الله بن أنيس رضي الله تعالى عنه عن النبي ﷺ أنه قال: أيكم يحب أن يصح جسمه فلا يسقم؟
فقالوا: كلنا يا رسول الله، قال: أتحبون أن تكونوا كالحمير الصوالة، ألا تحبون أن تكونوا أصحاب بلايا وأصحاب كفارات والذي بعثني بالحق نبيا إن الرجل لتكونن له الدرجة في الجنة فلا يبلغها بشيء من عمله فيبتليه الله تعالى ليبلغ درجة لا يبلغها بعمله، وقال ﷺ :
ما من مسلم يمرض إلا حط الله من خطاياه كما تحط الشجرة ورقها، وكان يقول: لا تزال الأوصاب والمصائب بالعبد حتى تتركه كالفضة البيضاء والنقية المصفاة.
وقيل: إن الناس قد حمّوا في فتح خيبر، فشكوا إلى رسول الله ﷺ فقال: أيها الناس إن الحمى رائد الموت وسجن الله في الأرض وقطعة من النار، فإذا وجدتم ذلك فبردوا لها الماء في الشنان ثم صبوا عليكم بين المغرب والعشاء، ففعلوا ذلك فزالت عنهم.
وعن أنس رضي الله تعالى عنه قال: دخل رسول الله ﷺ على شاب وهو في الموت فقال له: كيف تجدك؟ فقال: أرجو الله وأخاف ذنوبي، فقال ﵊: هما لا يجتمعان في قلب عبد في هذا الموطن إلا أعطاه الله ما يرجو وآمنه مما يخاف.
وعن عفيرة بنت الوليد البصرية العابدة الزاهدة رحمها الله تعالى، انها سمعت رجلا يقول: ما أشد العمى على من كان بصيرا، فقالت له: يا عبد الله عمى القلب عن الله أشد من عمى العين عن الدنيا. والله لوددت أن الله وهب لي كنه معرفته ولم يبق مني جارحة إلا أخذها.
وكتب مبارك لأخيه سفيان الثوري يشكو إليه ذهاب بصره، فكتب إليه: أما بعد ... فقد فهمت كتابك فيه شكاية ربك، فاذكر الموت يهن عليك ذهاب بصرك والسلام.
وقيل لعطاء في مرضه ما تشتهي؟ قال: ما ترك خوف جهنم في قلبي موضعا للشهوة. وأصاب ابن أدهم بطن فتوضأ في ليلة سبعين مرة. وقيل لأعرابي في مرضه ما تشتهي؟ قال: الجنة، فقيل: أفلا ندعوا لك طبيبا؟
قال: طبيبي هو الذي أمرضني.
الفصل الثاني من هذا الباب في ذكر العلل كالبخر «١» والعرج والعمى والصمم والرمد والفالج وغير ذلك نسأل الله العفو والعافية والمعافة في الدنيا والآخرة
قيل: تسارر أبخر «٢» وأصم، فقال له الأصم: قد فهمت ثم فارقه. فسأله رجل فقال: والله لا أدري غير أنه فسا في أذني.
وقيل: إن عبد الملك بن مروان كان أبخرا فعض يوما على تفاحة ورمى بها إلى زوجته، فدعت بسكين فقال:
ما تصنعين بها؟ قالت: أميط الأذى عنها. فشق عليه ذلك منها فطلقها.
وسارر أبو الأسود الدؤلي سليمان بن عبد الملك وكان
стр. 490
أبو الأسود أبخر فستر سليمان أنفه بكمه فعبر أبو الأسود وهو يقول: لا يصلح للخلافة من لا يقدر على مناجاة الشيوخ البخر.
وقيل طول انطباق الفم يورث البخر وكل رطب الفم سائل اللعاب سالم منه. وقيل إن الزنج أطيب الناس أفواها، والسباع موصوفة بالبخر، والمثل مضروب بالأسد والصقر في البخر والكلب من بينهما طيب الفم، وليس في البهائم أطيب أفواها من الظباء.
وحكي ... أن أخبر تزوج بامرأة، فلما ضاجعها عافته وتولت عنه بوجهها، ثم أنشدت تقول:
يا حبّ والرحمن إنّ فاكا ... أهلكني فولني قفاكا
إذا غدوت فاتخذ مسواكا ... من عرفط ان لم تجد أراكا «١»
لا تقربني بالذي سوّاكا ... إني أراك ماضغا خراكا
في ديوان المنثور: كم من ذي عرج في درج المعالي عرج، وكم من صحيح قدم ليس له في الخير قدم. وقيل:
إن من الصم من يسمع السر فإذا رفعت إليه الصوت لم يسمعه. ورأيت من العمش من لا ينظر صورة الإنسان من قريب ولكن يقرأ الخط الرقيق الحواشي. وقيل: إن طريفا الشاعر مدح عمرو بن هداب، وكان أبرص فلما انتهى إلى قوله: أبرص فياض اليدين مهذب. صاح به الناس وقالوا قطع الله لسانك، فقال عمرو: مه، إن البرص مما تتفاخر به العرب أما سمعتم قول سهل حيث قال:
أيشتمني زيد بأن كنت أبرصا ... وكلّ كريم لا أبالك أبرص
كفى حزنا أنّي أعاشر معشرا يخ ... وضون في بعض الحديث وأمسك
وما ذاك من عيّ ولا من جهالة ... ولكنه ما فيّ للصوت مسلك
فإن سد منّي السمع فالله قادر ... على فتحه والله للعبد أملك
ومما جاء في العمى:
ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: من عدم إحدى كريمتيه [فاحتسبها] ضمنت له على الله الجنة. وكان أبو عبد الرحمن بن الحارث بن هشام يطعم الطعام، وكان أعور، فجعل أعرابي يطيل النظر إليه حابسا نفسه عن طعامه، فكلمه المغيرة في ذلك فقال: والله إني ليعجبني طعامك وتريبني عينك، قال: فما يريبك من عيني؟ قال:
أعور وأراك تطعم الطعام وهذه صفة الدجال. فقيل له: إن عينه أصيبت في فتح الروم فقال: إن الدجال لا تصاب عينه في سبيل الله.
وعن أنس رضي الله تعالى عنه عن النبي ﷺ أنه قال:
من قاد أعمى أربعين خطوة لم تمسه النار. وقال علي كرم الله وجهه: ربما أخطأ البصير قصده وأصاب الأعمى رشده.
وقال أبو علي البصير:
لئن كان يهديني الغلام لوجهتي ... ويقتادني في السير إذ أنا راكب
لقد يستضيء القوم بي في وجوههم ... ويخبو ضياء العين والقلب ثاقب
وقال:
إذا عدمت طلّابة العلم مالها ... من العلم إلا ما تسطّر في القلب
غدوت بتشمير وجدّ عليهم ... ومحبرتي سمعي وها دفتري قلبي
وقال:
إن يأخذ الله من عيني نورهما ... ففي لساني وسمعي منهما نور
فهمي ذكي وقلبي غير ذي غفل ... وفي فمي صارم كالسيف مشهور
وقال:
عزاءك أيها العين السكوب ... وحقك إنها نوب تنوب «٢»
وكنت كريمتي وسراج وجهي ... وكانت لي بك الدنيا تطيب
على الدنيا السلام فما لشيخ ... ضرير العين في الدنيا نصيب
يموت المرء وهو يعدّ حيا ... ويخلف ظنه الأمل الكذوب
стр. 491
إذا ما مات بعضك فابك بعضا ... فإنّ البعض من بعض قريب
وحكي ... أن ربيعة رمدت عينه فأرسل إلى امرأة كان يحبها ثم أنشد يقول:
عينا ربيعة رمداوان فاحتسبي ... بنظرة منك تشفيه من الرّمد
إن تكتحل بك عيناه فلا رمد ... على ربيعة يخشى آخر الأمد
وعن عبد الرحمن بن قيس عن النبي ﷺ أنه قال: داء الأنبياء الفالج واللقوة. قال الجاحظ: ومن المفاليج سيدنا إدريس عليه الصلاة السلام، وأكثر ما يعتري المتوسطين من الناس لأن الشاب كثير الحرارة والشيخ كثير اليبس.
وقيل: إن إبان بن عثمان كان أفلج حتى صار مثلا، فكانت الناس تقول: لا رماك الله بفالج ابن عثمان، وكان معاوية ألوق، وعبد الملك بن مروان أبخر، وحسان أعمى، وابن سيرين أصم، وممن فلج ابن أبي دؤاد قاضي قضاة المعتصم كان من الشرف والكرم بمنزلة عظيمة قد ضرب المثل بفالجه، قال الشاعر في رجل ضرب غلامه:
أتضرب مثله بالسّوط عشرا ... ضربت بفالج ابن أبي دؤاد
وشجة عبد الحميد كانت مثلا في الحسن، وهو عبد الحميد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهم، وكان بارعا في الحسن والجمال فزادته حسنا إلى حسنه حتى أن النساء كن يخططن في وجوههن شجة عبد الحميد.
وكان يقال لعمر بن عبد العزيز أشج بني أمية، وكان عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه يقول: إن من ولدي رجلا بوجهه أثر في جبهته، قال أصبغ: الله أكبر هذا أشج بني أمية يملأ الأرض عدلا. وقال أعور لأبي الأسود:
ما الشيء ونصف الشيء ولا شيء فقال: أما الشيء فالبصير كأنا، وأما لا شيء فالأعمى، وأما نصف الشيء فأنت يا أعور. اللهم اكفنا شر العاهات برحمتك ومنك وكرمك آمين.
الفصل الثالث من هذا الباب في التداوي من الأمراض والطب
قال رسول الله ﷺ : تداووا فإن الذي أنزل الداء أنزل الدواء. وقال ﷺ : ما أنزل الله داء إلا وله دواء عرفه من عرفه وجهله من جهله. وسئل رسول الله ﷺ عن الدواء والرقى هل يردان شيئا من قضاء الله تعالى: قال: هما من قدر الله تعالى.
وقال عبد الله بن عكرمة: عجيب لمن يحتمي من الطعام خوف الداء، ولا يحتمي من الذنوب خوف النار.
وقيل: إن الربيع بن خيثم لما مرض قالوا له: ألا ندعوا لك طبيبا، فقال لهم: إن مرضي من الطبيب وإنه متى أراد عافاني، ولا حاجة لي بطبيبكم، وأنشد:
فأصبحت لا أدعو طبيبا لطبه ... ولكنني أدعوك يا منزل القطر
وعاد الفرزدق مريضا فقال:
يا طالب الطب من داء تخوفه ... إنّ الطبيب الذي أبلاك بالداء
فهو الطبيب الذي يرجى لعافية ... لا من يذيب لك الترياق بالماء
قال: ولما مرض بشر الحافي رحمه الله تعالى قالوا:
أندعوا لك طبيبا؟ فقال: إني بعين الطبيب يفعل بي ما يريد، فألح عليه أهله وقالوا: لا بد أن ندفع ماءك إلى الطبيب، فقال لأخته: ادفعي إليهم الماء في قارورة. وكان بالقرب منهم رجل ذمي وكان حاذقا في الطب، فأتوه بمائه في القارورة فلما رآه قال: حرّكوه فحرّكوه ثم قال: ضعوه ثم قال ارفعوه، فقالوا له: ما بهذا وصفت لنا، قال: بم وصفت لكم؟ قالوا: بالحذق والمعرفة، قال: هو كما تقولون غير أن هذا الماء إن كان ماء نصراني فهو راهب.
قد فتتت كبده العبادة، وإن كان مسلما فهو ماء بشر الحافي فإنه أوحد أهل زمانه في السلوك مع الله تعالى، قالوا: هو ماء بشر الحافي. فأسلم النصراني وقطع زناره فلما رجعوا إلى بشر قال لهم: أسلم الطبيب، فقالوا: ومن أعلمك؟
قال: لما خرجتم من عندي هتف لي هاتف وقال: يا بشر ببركة مائك أسلم الطبيب وصار من أهل الجنة.
وفلج الربيع بن خيثم فقيل له: هلا تداويت؟ فقال: قد عرفت أن الدواء حق، ولكن عاد وثمود وقرون بين ذلك كثير، كانت فيهم الأوجاع كثيرة والأطباء أكثر فلم يبق المداوي ولا المداوى وقد أبادهم الموت. ثم قال هذا المفرد:
هلك المداوي والمدواى والذي ... جلب الدواء وباعه والمشتري
وقيل لجالينوس حين نهكته العلة: أما تتعالج؟ فقال:
إذا كان الداء من السماء بطل الدواء من الأرض، وإذا نزل
стр. 492
قضاء الرب بطل حذر المربوب. ومرّ قوم بماء من مياه العرب فوصف لهم ثلاث بنات مطببات وهن من أجل الناس، فأحبوا أن يروهن فحكوا ساق أحدهم حتى أدموها ثم قصدوهن فقالوا: هذا جريح مريض فهل من طبيب؟
فخرجت صغراهن وهي كأنها الشمس الطالعة فلما رأت جرحه قالت: ليس هو بمريض بل خدشه عود بالت عليه حية فإذا طلعت الشمس مات، فكان الأمر كما قالت.
وقيل: دواء كل مريض بعقاقير أرضه فإن الطبيعة تتطلع لهوائها. وقالوا: من قدم إلى أرض غير أرضه وأخذ من ترابها وجعله في مائها وشربه، لم يمرض فيها وعوفي من وبائها. واحتمى أحمد بن المعدل لعلة أصابته فبرىء؛ فقال: الحمية طالع الصحة لأهل الدنيا تبرئهم من المرض، ولأهل الآخرة تبرئهم من النار.
وقيل: إن الأبدان المعتادة بالحمية آفتها التخليط، والمعتادة بالتخليط آفتها الحمية، لأن الحكماء تقول:
عودوا كل جسد بما اعتاد.
وكان كسرى أنو شروان يمسك عما تميل إليه شهوته ولا ينهمك عليه، ويقول: تركنا ما نحبه لنستغني عن العلاج بما نكرهه. وقال لقمان: لا تطيلوا الجلوس على الخلاء فإنه يورث الباسور. وكانت هذه الحكمة مكتوبة على أبواب الحشوش أي الكنف. وقيل: كفى بالمرء عارا أن يكون صريع مأكله وقتيل أنامله.
فكم أكلة أكلت نفس حر ... وكم أكلة جلبت كل ضرّ
وقيل: من غرس الطعام أثمره الأسقام. وعن بعض أهل البيت النبوي ﵈، أنه كان إذا أصابته علة جمع بين ماء زمزم والعسل واستوهب من مهر أهله شيئا، وكان يقول: قال الله تعالى وَنَزَّلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً مُبارَكاً
«١» .
وقال تعالى: فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ
«٢» . وقال ﵊: ماء زمزم لما شرب له. وقال تعالى فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً
«٣» من جمع بين ما بورك فيه وبين ما فيه شفاء وبين الهني المريء يوشك أن يلقى العافية.
وقيل: خمسة من المهلكات: دخول الحمام على الشبع والمجامعة على الشبع وأكل القديد وشرب الماء البارد على الريق ومجامعة المرأة العجوز. وقال: لا تنكح العجوز ولا تخرج الدم وأنت مستغن عن إخراجه. وقال الإمام ﵁:
توق مدى الأيام إدخال مطعم ... على مطعم من قبل هضم المطاعم
وكلّ طعام يعجز السنّ مضغه ... فلا تقربنه فهو شرّ لطاعم
ووفرّ على الجسم الدماء فإنها ... لقوّة جسم المرء خير الدعائم
وإياك أن تنكح طواعن سنهم ... فإنّ لها سما كسم الأراقم «٤»
وفي كلّ أسبوع عليك بقيئة ... تكن آمنا من شرّ كلّ البلاغم
ومما يورث الهزال. النوم على غير وطاء وكثرة الكلام برفع الصوت. وقال النظام رحمه الله تعالى: ثلاثة تخرب العقل: طول النظر في المرآة وكثرة الضحك والنظر إلى النجوم.
وفي الحديث: احتجم رسول الله ﷺ في أم مغيث وهي وسط الرأس، وكان ﷺ يحتجم في الأخدعين، ونهى عن الحجامة في نقرة القفا فإنها تورث النسيان، وأمر بالاستنجاء بالماء البارد فإنه أمان من الباسور.
وخطب المأمون بمسجد مروان فوجد غالب أهل المسجد يشكون السعال، فقال في آخر خطبته: من كان يشكو سعالا فليتداو بالخل، ففعلوا فعافاهم الله.
وقال بعض الحكماء: إياك أن تطيل النظر في عين أرمد، وإياك أن تسجد على حصير جديدة قبل أن تمسها بيدك، فرب شظية حقيرة قلعت عينا خطيرة.
وقيل: كانت الأدوية تنبت في محراب سليمان ﵊ ويقول كل دواء: يا نبي الله أنا دواء لكذا وكذا.
وقال جالينوس: البطنة «٥» تقتل الرجال وتورث الفالج والإسهال الذريع والإقعاد وصنفا من الجذام يقال له
стр. 493
الفهد، لا يسمع صاحبه ولا يبصر، نسأل الله العفو والعافية.
وقيل: البطنة تورث الصداع والكمنة في العينين والضربان في الأذنين والقولنج في البدن، فعليك أيها الإنسان بالطريقة الوسطى واتق الليل وطعامه جهدك.
وقال جالينوس: الغم المفرط يميت القلب ويجمد الدم في العروق فيهلك صاحبه، والسرور المفرط يلهب حرارة الدم حتى يغلب الحرارة الغريزية فيهلك صاحبه.
وقيل أنه وضع على مائدة المأمون في يوم عيد أكثر من ثلاثين لونا فكان يصف وهو على المائدة منفعة كل لون ومضرته. فقال يحيى بن أكثم: يا أمير المؤمنين إن خضنا في الطب فأنت جالينوس في معرفته، أو في النجوم فأنت هرمس في صناعته. أو في الفقه فأنت علي بن أبي طالب ﵁ في علمه، أو في السخاء فأنت حاتم في كرمه، أو في الحديث فأنت أبو ذر في صدق لهجته، أو في الوفاء فأنت السموءل بن عادياء في وفائه، فسر بكلامه وقال: يا أبا محمد إنما فضل الإنسان على غيره بالعقل، ولولا ذاك لكانت الناس والبهائم سواء. وقال طبيب الهند: إن منفعة الحقنة للجسد كمنفعة الماء للشجر.
وقال سفيان بن عيينة: أجمع أطباء فارس على أن الداء إدخال الطعام على الطعام، وقالوا: إدخال اللحم على اللحم يقتل السباع في البر.
وقيل: الشرب في آنية الرصاص أمان من القولنج.
وعرض رجل على طبيب قارورته فقال له: ما هي قارورتك لأنه ماء ميت وأنت حي تكلمني، فما فرغ من كلامه حتى خر الرجل ميتا.
وقيل: إن ملكا من الملوك حصل عنده صداع في رأسه فأحضر الطبيب فأمره أن يضع قدميه في الماء الحار وكان عنده خصي فقال: أين القدمان من الرأس؟ فقال له الطبيب: وأين وجهك من خصيتيك؟ نزعتا فذهبت لحيتك.
وقيل: إن المأمون حصل له صداع بطرسوس، فأحضر طبيبا كان عنده فلم ينفعه علاجه، فبلغ قيصر فأرسل إليه قلنسوة وكتب له: بلغني صداعك فضعها على رأسك يزل ما بك، فخاف أن تكون مسمومة فوضعها على رأس القاصد فلم يصبه شيء، ثم إنه أحضر رجلا به صداع فوضعها على رأسه فزال ما به فتعجب المأمون ثم إنه فتحها فوجد فيها رقعة مكتوبا فيها: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ*
كم من نعمة لله تعالى في عرق ساكن وغير ساكن حمعسق لا يصدعون عنها ولا ينزفون من كلام الرحمن خمدت النيران ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
وقال علي رضي الله تعالى عنه: ادهنوا بالبنفسج فإنه حار في الشتاء بارد في الصيف. وقال أيضا ﵁:
عليكم بالزيت فإنه يذهب البلغم ويشد العصب ويحسن الخلق ويطيب النفس ويذهب الغم.
وعنه ﵁: «إن لم يكن في شيء شفاء ففي شرطة حاجم أو شربة من عسل» .
وقال الحجاج لطبيبه: أخبرنا بجوامع الطب. فقال:
لا تنكح إلا فتاة ولا تأكل من اللحم إلا فتيا. وإذا تغديت فنم وإذا تعشيت فامش ولو على الشوك، ولا تدخلن بطنك طعاما حتى تستمرىء ما فيه ولا تأو إلى فراشك حتى تدخل الخلاء، وكل الفاكهة في إقبالها وذرها في إدبارها.
وأوصى حكيم خليفته وصية ووعده أنه إذا لازمها لا يمرض إلا مرض الموت، فقال: إياك أن تدخل طعاما على طعام ولا تمش حتى تعيا، ولا تجامع عجوزا، ولا تدخل حماما على شبع، وإذا جامعت فكن على حال وسط من الغداء، وعليك في كل اسبوع بقيئة، ولا تأكل الفاكهة إلا في أوان نضجها ولا تأكل القديد من اللحم، وإذا تغديت فنم وإذا تعشيت فامش أربعين خطوة، ونم على يسارك لتقع الكبد على المعدة فينهضم ما فيها، وتستريح الكبد من حرارة المعدة. ولا تنم على يمينك فيبطىء الهضم ولا تأكل بشهوة عينيك بعد الشبع، ولا تنم ليلا حتى تعرض نفسك على الخلاء إن احتجت إلى ذلك أو لم تحتج، واقعد على الطعام وأنت تشتهيه وقم عنه وأنت تشتهيه.
قال بعضهم:
شره النفوس على الجسوم بلية ... فتعوّذوا من كلّ نفس تشره «١»
ما من فتى شرهت له نفس وإن ... نال الغنى إلّا رأى ما يكره
وقال أبو الفيض القضاعي يمدح الفضل وقد فصد:
أرقت دما لو تسكب المزن مثله ... لأصبح وجه الأرض أخضر زاهيا «٢»
стр. 494
دما طيبا لو يطلق الشرع شربه ... لكان من الأسقام للناس شافيا
الفصل الرابع فيما جاء في العيادة وفضلها
قال رسول الله ﷺ : ثلاثة في ظل العرش، عائد المريض ومشيع الموتى وطائع والديه. وفي رواية ومعزي الثكلى. ومن السنة تخفيف الجلوس في العيادة.
مرض بكر بن عبد الله المزني فعاده أصحابه فأطالوا الجلوس عنده فقال: المريض يعاد والصحيح يزار.
قال الشاعر:
يعدن مريضا هن هيّجن داءه ... ألا إنما بعض العوائد دائيا
وقيل: إذا دخل العواد على الملك فحقهم أن لا يسلموا عليه فيحوجوه إلى رد السلام ويتعبوه، فإذا علموا أنه لاحظهم دعوا له وانصرفوا. قيل: مرض إنسان فكتب إليه بعض أصدقائه: كشف الله عنك ما بك من السقم، وطهرك بالعلة من الخطايا ومتعك بأنس العافية وأعقبك دوام الصحة.
ومرض إنسان فكتب إليه صديقه:
بإخوانك الأدنين لا بك كلّ ما ... شكوت إليّ اليوم من ألم الودّ
فكلّ امرىء منهم بقدر احتماله ... وإن عجزوا عنه تحلمته وحدي
وقال آخر:
بي السوء والمكروه لا بك كلّما ... أراداك كانا بي وكان لك الأجر
وقال عبد الله بن مصعب:
مالي مرضت فلم يعدني عائد ... منكم ويمرض كلبكم فأعود
فسمّي بعد ذلك عائد الكلاب.
وعاد مالك بن أنس رضي الله تعالى عنه بعض المرضى فقال:
عادني مالك فلست أبالي ... بعد من عادني ومن لم يعدني
وقال عليّ بن الجهم:
أراقد الليل مسرورا عدمت إذا ... عيشي وأحمد يرعى ليله وصبا «١»
الله يعلم أنّي قد نذرت له ... صيام شهر إذا ما أحمد ركبا «٢»
وقال آخر:
إذا مرضتم أتيناكم نعودكمو ... وتذنبون فنأتيكم ونعتذر
وقال آخر:
أعاذك الله من أشياء أربعة ... الموت والعشق والإفلاس والجرب
وقيل: إن حق العيادة يوم ويوم بعد يومين وعلى الأول قول الشاعر:
قالت مرضت فعدتها فتبرّمت ... فهي الصحيحة والعليل العائد
والله لو أن القلوب كقلبها ... ما رق للولد الصغير الوالد
وعلى الثاني قول بعضهم:
حقّ العيادة يوم بعد يومين ... وجلسة مثل خلس اللحظ بالعين
لا تبرمنّ عليلا في مساءلة ... يكفيك من ذاك تسآل بحرفين
وفضل العيادة مشهور وشرفها مذكور وبها تعظم الأجور. وهذا ما انتهى إلينا من هذا الباب والله الموفق للصواب.
الباب الحادي والثمانون في ذكر الموت وما يتصل به من القبر وأحواله
روي عن ابن عباس ﵄ أنه قال: قال رسول الله ﷺ إذا مات لأحدكم ميت فحسنوا كفنه وعجلوا إنجاز وصيته وأعمقوا له في قبره وجنبوه جار
стр. 495
السوء «١» ، قيل: يا رسول الله وهل ينفع الجار الصالح في الآخرة؟ قال: وهل ينفع في الدنيا؟ قالوا: نعم. قال:
وكذلك في الآخرة.
ومن وصية علي ﵁ لأبي ذر: زر القبور تذكر بها الآخرة، ولا تزرها بالليل واغسل الموتى يتحرك قلبك، وصلّ على الجنائز لعل ذلك يحزنك فإن الحزين في ظل الله تعالى.
ويقال: جزعك في مصيبة صديقك أحسن من صبرك، وصبرك في مصيبتك أحسن من جزعك.
ونظر فيلسوف إلى ميت يحمل إلى قبره فقال: حبيب تحمله أهله إلى حبس الأبد.
ودخل عمرو بن العاص ﵁ على معاوية في مرضة مرضها، فقال له: أعائد أنت أم شامت؟ فقال له عمرو: ولم تقول هذا، والله ما كلفتني رهقا ولا أصدعتني زلقا ولا جرعتني علقا، فلم أستطل حياتك ولم استبطىء وفاتك. فأنشد معاوية يقول:
فهل من خالدين إذا هلكنا ... وهل في الموت بين الناس عار
ولما مرض معاوية ﵁ مرضه الذي مات فيه، وفد إليه الناس يعودونه فقال لأهله: مهدوا لي فراشا وأسندوني وأوسعوا رأسي دهانا ثم اكحلوا عيني بالإثمد ثم ائذنوا للناس يدخلوا ويسلموا علي قياما ولا تجلسوا عندي أحدا، ففعلوا ذلك، فلما خرجوا من عنده أنشد يقول:
وتجلدي للشامتين أريهم ... أني لريب الدهر لا أتضعضع «٢»
وإذا المنية أنشبت أظفارها ... ألفيت كلّ تميمة لا تنفع «٣»
وقيل لما دنا منه الموت تمثل بهذا البيت:
هو الموت لا منجى من الموت والذي ... نحاذر بعد الموت أدهى وأقطع
ثم قال: رفع يديه وقال: اللهم أقل العثرة واعف عن الزلة وعد بحلمك على من لم يرج غيرك ولا يثق إلا بك، فإنك واسع المغفرة وليس لذي خطيئة منك مهرب. ومات رحمه الله تعالى.
وذكر أبو العباس الشيباني قال: وفد على أبو دلف عشرة من أولاد علي بن أبي طالب ﵁ في العلة التي مات فيها فأقاموا ببابه شهرا لا يؤذن لهم لشدة العلة التي أصيب بها، ثم أفاق فقال لخادمه بشر: إن قلبي يحدثني أن بالباب قوما لهم إلينا حوائج فافتح الباب ولا تمنعن أحدا، قال: فكان أول من دخل آل علي ﵁ فسلموا عليه ثم ابتدأ الكلام رجل منهم من ولد جعفر الطيار فقال: أصلحك الله أنا من أهل بيت رسول الله ﷺ وفينا من ولده وقد حطمتنا المصائب وأجحفت بنا النوائب، فإن رأيت أن تجبر كسيرا وتغني فقيرا لا يملك قطميرا فافعل. فقال لخادمه خذ بيدي وأجلسني، ثم أقبل معتذرا إليهم ودعا بدواة وقرطاس وقال: ليكتب كل منكم بيده أنه قبض مني ألف دينار، قالوا: فبقينا والله متحيرين فلما أن كتبنا الرقاع ووضعناها بين يديه قال لخادمه: علي بالمال. فوزن لكل واحد منا ألف دينار ثم قال لخادمه:
يا بشر إذا أنا مت فأدرج هذه الرقاع في كفني، فإذا لقيت محمدا ﷺ في القيامة كانت حجة لي أني قد أغنيت عشرة من ولده ثم قال: يا غلام ادفع لكل واحد منهم ألف درهم ينفقها في طريقه حتى لا ينفق من الألف دينار شيئا حتى يصل إلى موضعه، قال: فأخذناها ودعونا له وانصرفنا ثم مات ﵀.
وقيل: لما دفن عمر بن عبد العزيز نزل عند دفنه مطر من السماء، فوجدوا بردة «٤» مكتوبا فيها بالنور (بسم الله الرحمن الرحيم أمان لعمر بن عبد العزيز من النار) .
وقيل لأعرابي: إنك تموت، قال: وإلى أين أذهب؟
قالوا: إلى الله تعالى، فقال: لا أكره أن أذهب إلى من لا أرى الخير إلا منه. وبكى الخولاني عند موته فقيل له:
ما يبكيك؟ قال: أبكي لطول السفر وقلة الزاد، وقد سلكت عقبة ولا أدري إلى أين أهبط وإلى أي مكان أسقط.
ودخل ملك الموت على داود ﵇ فقال له: من أنت؟ قال: أنا الذي لا يهاب الملوك ولا تمنع منه القصور ولا يقبل الرشا، فقال: إذا أنت ملك الموت، وإني لم أستعد بعد، فقال له: يا داود أين فلان جارك أي فلان قريبك؟ قال: ماتا، قال: أما كان لك في موت هؤلاء عبرة لتستعد بها، ثم قبضه ﵇.
وفي الخبر من حديث حميد الطويل عن أنس بن مالك عن النبي ﷺ قال: إن الملائكة تكتنف العبد وتحتبسه
следующие страницы →