Полный текст (768 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
فائقة، فإذا جمع الإنسان بين تفسير أو تفسيرين أو ثلاثة بالأثر، فمثلاً اقتنى تفسير إمام المفسرين الطبري تفسير البغوي، وتفسير الحافظ ابن كثير، وضم إليها الشوكاني والدر المنثور انتهى، ثم بعد ذلك يضيف من كل فرع من فروع العلم والمعرفة كتاباً واحداً أو اثنين إن شاء، فيعنى بأحكام القرآن لابن العربي، الجامع لأحكام القرآن، ويعنى أيضاً بالبحر المحيط من جانب .. ، من الجانب الآخر اللي هو العربية وما يتعلق بها؛ البحر المحيط شوف لو تشوف كلمة (أف) وهي مركبة من حرفين ذكر فيها أكثر من أربعين ضبط، أين تجد مثل هذا الكلام؟ هناك تفاسير فيها فوائد، فيها فوائد، وفيها استنباط دقيق في علوم كثيرة، لكن يعوق دونها ما اشتملت عليه من البدع الكبرى، مثل تفسير (الكشاف) هذا للعالم المنتهي لا مانع أن يقرأ فيه، لكن طالب العلم يخشى عليه منه؛ لأنه يدس اعتزالياته في الكلام بحيث لا يشعر طالب العلم بها، حتى قال من علق عليه: "إننا استخرجنا هذه الاعتزاليات بالمناقيش".
كذلك تفسير الرازي تفسير فيه غوص على دقائق المعاني، لكنه تفسير بالرأي، وفيه البدعة ظاهرة، وأسس عليها وبني عليها، وألف من أجلها، يعني خدمة لمذهبه، وهو منظر في مذهب الأشعرية، وهو أيضاً من ناحية القضاء والقدر جبري كما هو معروف، فطالب العلم يخشى عليه من قراءة مثل هذه الكتب.
كتب المعاصرين من المفسرين الذين جاءوا متأخرين فيها فوائد، وفيها ضبط لكثير من القضايا التي أشير فيها في القرآن بالقضايا المعاصرة يعني ربط بين الحياة المعاصرة بالنصوص، ومن أهمها تفسير القاسمي، تفسير جيد، وإن كان يلاحظ عليه أنه يجمع من تفاسير المحققين وتفاسير غيرهم، فتعجب حينما يقول: قال الإمام المحقق ابن القيم وقال ابن عربي قدس سره، لكن الكتاب فيه علم، فإذا نقل عن المبتدعة يترك نقله عنهم، وإذا نقل عن ابن القيم وهو خبير بكتب ابن القيم، يعني يستخرج لك نُقُول من كتب ابن القيم ما تخطر على بالك، وهو من هذه الحيثية ينفع، لكن إذا نقل عن المبتدعة وهم معروفون لا سيما رؤوسهم وكبارهم مشتهرون.
стр. 212
من ذلك أيضاً تفسير التحرير والتنوير لابن عاشور كتاب نفيس، تعب عليه مؤلفه، وصنفه في أربعين عاماً، وضبطه وأتقنه، واهتم فيه على بيان المعاني، ووجوه البلاغة في القرآن، يفيد منه طالب العلم من هذه الحيثية، على أننا لو اقتصرنا على تفاسير السلف ما فاتنا شيء، يعني كنت أظن أن تفسير الطبري تفسير أثري محض، فلما عانينا الكتاب وجدناه في كل الفنون، يعني في علوم العربية يمكن يكون في الدرجة الأولى، يعني ما هو كتاب خاص بعلم العربية، لا، لكن فيه من أفانين العربية ما لا يوجد في غيره، حتى أن أعظم خصائص تفسير الكشاف هو ما فيه من البيان، يعني من علم البيان وعلم المعاني، اهتم بها الزمخشري، لكن خرج دراسات مقارنة بين ما في تفسير الطبري من علمي المعاني والبيان، وبين الزمخشري فوجد ما في الطبري أكثر، هذه نتيجة مذهلة، يعني قد يقول طالب العلم: يمكن هذا ما هو بصحيح، لماذا؟ لأن تفسير الطبري وطالب العلم يقرأه كله حدثنا قال: حدثنا، قال: أخبرنا، قال .. ، يعني من رأى .. ، من قرأ تفسير الذاريات مثلاً هذه الكلمة في تفسير الطبري وجده يقول: الذاريات: الريح تذرو التراب، ثم ساقه من ثلاثين وجه، يعني لو ساقه بسطر واحد كفى، فهذه الكثرة كثرة المرويات وسياق الوجوه بطرق متعددة هذه تغطي على ما في الكتاب من علوم أخرى، ففيه من هذه الناحية شيء لا يخطر على البال، يعني في علم المعاني والبيان، وفيه أيضاً من النحو والصرف شيء يعني لو أفرد كتاب في النحو والصرف من تفسير الطبري لكفى، فيه أيضاً الفقه المعتمد على النصوص، فقه الطبري من ... ، أعني الطبري إمام فقيه كما هو معروف وصاحب مذهب متبوع، لكنه انقرض، يعني لا يوجد من يتبع الطبري في اجتهاداته، لكنه مع ذلك هو فقيه، إلى غير ذلك من العلوم التي تجعل طالب العلم يعنى بهذه التفاسير، يعني نسمع من يقول: تفسير الطبري وتفسير ابن كثير هذه انتهى وقتها، يعني قيلت، وسمعناها وسمعها غيرنا، هذه كتب انتهى وقتها، وهذا الكلام ليس بصحيح، تفسير الحافظ ابن كثير كلما قرأه الإنسان يفيد منه فوائد عظيمة غير ما قرأه في المرة الأولى، ونعرف من قرأ التفسير مراراً أربع مرات خمس مرات، طلاب علم جادين ما هم بـ ..
стр. 213
إذا قرأ الإسناد ضاق صدره، وترك الكتاب هذا الكلام ليس بصحيح، يعني الإسناد قد يتثاقله بعض الطلاب الذين لا خبرة لهم به ولا معرفة بقيمته، لكن شئنا أم أبينا ما في معرفة صحيح من ضعيف إلا بالإسناد، حتى قال بعض من سمع عن الاختصار قالوا: ظهر مختصر لابن كثير، قال واحد من طلاب العلم كبير في السن: ماذا صنع المختصر؟ قال: حذف التكرار وحذف الإسرائيليات، قال: إنا ما نتلذذ إلا بها الإسرائيليات، يعني هذا همه من التفسير القصص، ولا هي بقصص القرآن الثابتة، يعني ما جاء عن بني إسرائيل، هذا لا شيء يعني في الإطلاع عليه، وجاء في الحديث الصحيح: ((حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج)) في رواية البزار: ((فإن فيهم الأعاجيب)) هذا ما فيه إشكال لكن كونه يكون هو الهدف هو المقصود، لا، يعني شرع من قبلنا معروف وفي حكمه هل هو شرع لنا أو ليس بشرع لنا؟ لكن يبقى أن المعول عندنا على نصوص الوحيين، وما يخدم هذه النصوص، وما يعين على فهم هذه النصوص، هذه مقدمة وتوطئة لهذا الدرس الذي هو في التفسير.
احنا بدأنا التفسير من المفصل، فأنهينا سورة الحجرات و (ق) ونثلث بالذاريات في هذه الليلة على وجه مختصر، والدرس مربوط بتفسير الجلالين؛ لأنه تفسير متين، يمكن أن يعتمد عليه طالب العلم، ويراجع عليه التفاسير المطولة، وعليه حواشي كثيرة تحل رموزه؛ لأنه كتاب معتصر، متن متين مختصر يمكن أن يبنى عليه طالب علم، فعلى كل حال نبدأ بتفسير هذه السورة على وجه يسمح به الوقت.
أولاً: هذا التفسير تكلمنا عنه مراراً وفي مناسبات كثيرة، لكن نشير إلى أنه من تأليف شخصين، ولذا قيل له: تفسير الجلالين، جلال الدين المحلي، وبدأ بتفسير الكهف إلى أن أنهى القرآن، وفسر الفاتحة، يعني رجع عليه من أوله فما أكمله، وكمله من البقرة إلى آخر الإسراء جلال الدين السيوطي، ولكون كل واحد منهما يقال له: جلال الدين سمي تفسير الجلالين، وهو تفسير نافع ومفيد على مخالفات عقدية وأوهام يسيرة تبين في مواضعها منه -إن شاء الله تعالى-.
стр. 214
في هذه السورة يقول جلال الدين المحلي؛ لأنها من نصيبه في النصف الثاني، يقول: "سورة الذاريات مكية ستون آية" مكية ستون آية، بيان السورة من حيث مكان النزول وهل هي مكية أو مدنية؟ هذا مهم في معرفة المتقدم والمتأخر ليعلم الناسخ من المنسوخ، ولذلك أهل العلم يفصلون في هذا إذ يقولون: السورة مكية، وإذا كان هناك استثناء في بعض الآيات ذكروه إلا آية كذا وكذا، من أجل معرفة أن هذه السورة نزلت بمكة، أو على الاصطلاح الصحيح نزلت قبل الهجرة، وإذا قالوا: مدنية فمعناها أنها نزلت بعد الهجرة، والمتقدم ما نزل قبل الهجرة إذا تعارض مع ما نزل بعد الهجرة يحكم عليه، إذا لم يمكن الجمع بوجه من الوجوه المعروفة عند أهل العلم يحكم عليه بأنه منسوخ.
"ستون آية" يعني الاهتمام بعد الآي لا شك أنه محل عناية من أهل العلم، ويعدون الآيات، ويكتفون بعد الآيات ثم زاد الأمر حتى عدوا الحروف، حروف القرآن، كل سورة يعدون حروفها، وهذا موجود في بعض التفاسير، ما الذي نستفيده من عد الآيات؟ القرآن محفوظ بين الدفتين، تكفل الله بحفظه؛ لئلا يقال مثلاً: هذه السورة ستين آية فلماذا زادت هنا واحد وستين أو اثنين وستين؟ على كل حال بيان العدد يستفاد منه معرفة هذه السورة عند مذهب من عد الذي هو المفسر، نعم السورة عند الكوفيين كذا، السورة على عدد البصريين كذا، نعم، اختلاف العدد قد تزيد آية وقد تنقص آية لا لنقص أو زيادة في القرآن في الآيات أبداً، الكلمات ما تتغير يعني من مصحف إلى آخر، ومعول الجميع على المصاحف التي بعثها عثمان إلى الأمصار، إنما اختلافهم في عد البسملة مثلاً هل هي آية أو ليست بآية، فمن يعدها يزيد آية، ومن لا يعدها ينقص آية، هذا لا أثر له في الواقع، أيضاً بعض الآيات على عد بعض الجهات تقسم، كما في الفاتحة ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ﴾ [(٧) سورة الفاتحة] آية ﴿غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ﴾ [(٧) سورة الفاتحة] آية، فيختلفون في موضع نهاية الآية ورأس الآية، ولا شك أن هذا مما يعنى به طالب العلم.
стр. 215
أما بالنسبة لعد الحروف فهو من الترف، ولا يعرف عند المتقدمين البتة، عد الحروف، حتى وجد من يعدها وإن كان القصد من عدد الحروف معرفة كم في هذه السورة من حرف لنعرف كم فيها من حسنة فالله -جل وعلا- لن يضيع أجر من أحسن عملاً، إذا أحسنت العمل فاضمن، وإن كان القصد منه مجرد أن هذه السورة تبلغ كذا أو تبلغ كذا فهذا لا قيمة له، وليس من اهتمامات السلف، بل السلف يهتمون بالغايات أكثر، والآن العد يعني السلف حينما يختلفون في مسند الإمام أحمد هل هو أربعين ألف أو ثلاثين ألف؟ يعني مو بالخلاف في عشرة أحاديث عشرين حديث مائة حديث، يدل على أنهم ما عدوا جزاف، تقريباً، وصحيح مسلم قالوا: سبعة آلاف وخمسمائة حديث، وقال: أحمد بن سلمة اثنا عشر ألف حديث، يعني الفرق كبير جداً، مما يدل على أنهم لا يعدون، ذكروا بالنسبة لتفسير الجلالين أن طالب علم من طلاب العلم باليمن أشكل عليه هل يقرأ في التفسير بطهارة وإلا ما يحتاج إلى طهارة؟ هل يحتاج أن يتوضأ ليقرأ في تفسير الجلالين أو لا يحتاج؟ والمقرر أن الحكم للغالب، والمقرر أن الحكم للغالب، فقال: ما ندري ما الغالب؟ التفسير مختصر، ما ندري هل الأكثر القرآن أو الأكثر التفسير؟ فعد حروف القرآن وحروف التفسير، قال: من أول القرآن إلى المزمل العدد واحد، ومن المزمل إلى آخر القرآن زاد عدد حروف التفسير فانحلت عنده المشكلة فصار يقرأ في تفسير الجلالين دون وضوء، هذا ما يمكن أن يصنعه شخص حريص على الوقت، ما يمكن، قد يقول قائل: إن الترقيم والعدد هذا مهم جداً، يعني مسند الإمام أحمد بدون ترقيم يصعب ضبطه والرجوع إليه، لكن لما رقم هان، كذلك كتب السنة كلها لما رقمت سهل الرجوع إليها، فلماذا ما اهتم السلف من القدم في ترقيم هذه الكتب ليسهل الرجوع إليها، أولاً السلف لا يهتمون بما يعين طالب العلم على الرجوع أبداً، ما يضعون وسائل تسهل على طالب العلم الرجوع إلى الكتب؛ لأن هذا يجزمون بأنه يصرف طالب العلم عن قراءة هذه الكتب، إذا أراد شيئاً رجع إليه مباشرة بواسطة الفهرس ما استفاد فائدة كبرى من الكتاب، همهم أن يقرأ الكتاب، وإذا احتاج طالب العلم مسألة من هذا الكتاب يقرأ حتى يقف على هذه المسألة
стр. 216
فيستفيد فوائد عظيمة، هنا الآن لما ضعفت الهمم رقمت الكتب، وأفيد منها؛ لأن الطالب إذا أراد فائدة وصعب عليه منالها تركها، فائدة في مسند الإمام أحمد، والله ميئوس منها، لا سيما وقد سمع من الكبار، يعني سمعنا نحن من الكبار أنهم منهم من جلس سنتين يبحث عن حديث في مسند الإمام أحمد ما وقف عليه، لماذا؟ لأن الطبع مرصوص ولا أرقام ولا فهارس ولا شيء، يقول: بلاش من مسند الإمام أحمد، لا، السلف يبونك تقرأ الكتاب من أوله إلى آخره، وهذا مقصد وهدف عند كثير منهم، لذلك ابن حبان لما ألف صحيحه ما ألفه إلا على الأنواع والتقاسيم، والهدف من ذلك أن الإنسان إذا أراد حديثاً قرأ الكتاب من أوله إلى آخره، يقرأ الكتاب من أوله إلى آخره، وهنا يضطر الإنسان مثل هذا اليماني يعد حروف التفسير، يعني إذا عد حروف القرآن قلنا: ترف، فكيف بحروف التفسير؟ فهذا لا يوجد من سلف هذه الأمة ولا الأئمة.
يقول: "مكية ستون آية، بسم الله الرحمن الرحيم" هذه البسملة موجودة في مائة وثلاث عشرة سورة من القرآن، في أوائلها بدءاً من الفاتحة إلى الناس باستثناء براءة، ويختلف أهل العلم هل هي آية من كل سورة أو ليست بآية مطلقاً؟ أو آية واحدة نزلت للفصل بين السور؟ الخلاف معروف وأدلته مشهورة عند أهل العلم، لكن هي بعض آية في سورة النمل إجماعاً، وليست بآية من سورة التوبة اتفاقاً، هذا محل إجماع، والخلاف فيما عدا ذلك، فمن أهل العلم من يرى أنها آية في كل سورة، ومنهم من يرى أنها في الفاتحة فقط، ومنهم من يقول: إنها ليست بآية مطلقاً، ومنهم من يقول: إنها آية واحدة، آية واحدة نزلت للفصل بين السور، وكأن هذا هو الذي يراه ويرجحه شيخ الإسلام ابن تيمية.
وتفسير البسملة مضى مع تفسير الفاتحة يعني من احتاج إليه يرجع إليه، وكلام أهل العلم في البسملة كثير.
стр. 217
في قول الله -جل وعلا-: ﴿وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا﴾ [(١) سورة الذاريات] ﴿وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا﴾ [(١) سورة الذاريات] الواو قسم، والذاريات مقسم به، وما عطف عليه فجوابه ﴿إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ﴾ [(٥) سورة الذاريات] جواب القسم، والقسم بالحروف الثلاثة الواو والباء والتاء، وهي من حروف الجر، هي من حروف الجر، تجر ما بعدها، والقسم والحلف كما هو معلوم لا يجوز إلا بالله -جل وعلا- باسم من أسمائه أو صفة من صفاته و ((من حلف بغير الله فقد أشرك)) نسأل الله السلامة والعافية، فلا يجوز الحلف بغير الله -جل وعلا-، وهنا قال الله -جل وعلا-: ﴿وَالذَّارِيَاتِ﴾ [(١) سورة الذاريات] الله له أن يقسم بما شاء من عباده، من مخلوقاته، له أن يقسم بما شاء من مخلوقاته، ومن المفسرين من يضمر رب هنا، فيقول: والذاريات يعني ورب الذاريات، وهو الله -جل وعلا-، لكن الله -جل وعلا- له أن يقسم بما شاء من خلقه، التكليف إنما هو للجن والإنس، فالله -جل وعلا- يفعل ما شاء ويحكم ما يريد، ولا يسأل عما يفعل.
﴿وَالذَّارِيَاتِ﴾ [(١) سورة الذاريات] قال المفسر: "الرياح تذرو التراب وغيره" الذاريات: جمع ذارية، جمع ذارية، والمراد بالذارية: الريح، والذاريات: الرياح، التي تذرو التراب وغيره ذرواً مصدر، المصدر هو التصريف الثالث من تصاريف الكلمة، من تصاريف الكلمة، الذاريات: جمع ذارية، ذارية فاعلة، اسم فاعل من الذرو الذي هو المصدر، والمصدر هو أصل المشتقات، أصل اسم الفاعل، وأصل الفعل، وأصل اسم المفعول، وأصل أفعال التفضيل، وأصل صيغة المبالغة وغيرها من المشتقات، هو أصلها.
يقول: "ذرواً مصدر" وعرفنا أن المصدر هو التصريف الثالث من تصاريف الكلمة، تقول: ذرا يذرو ذرواً وضرب يضرب ضرباً، وهكذا، فالأول الماضي، ثم الثاني المضارع والثالث المصدر، مع أن المصدر هو أصل لجميع المشتقات بما فيها الأفعال.
. . . . . . . . . ... وكونه أصلاً لهذين انتخب
يعني المصدر أصل لجميع المشتقات، ففي تصاريف الكلمة يبدءون بالفعل الماضي ثم المضارع ثم المصدر، وإن كان الأصل هو المصدر، أصل المشتقات كلها هو المصدر.
стр. 218
"ذرواً مصدر، ويقال: تذريه ذرياً" فالفعل ذرا واوي ذرواً، ويائي في الوقت نفسه يصلح أن تقول في غير القرآن: ذرياً واللفظة ما زالت مستعملة، اللفظة ما زالت مستعملة، يعني عند المزارعين ما يسمى إيش؟ ما في مزارعين؟ عندهم يعني إذا أرادوا تخليص إيش؟
طالب:. . . . . . . . .
ذراية عندهم، عندهم آلة، آلة تذرو العيش، إذا أرادوا تخليصه من شوائبه وضعوه في هذه الذراية وذروه، فالريح هنا تذرو التراب، إذا هبت به طار الخفيف منه، وكذلك الذراية في الزرع إذا وضع فيها الزرع وأريد تخليصه من شوائبه، هذا الخفيف يطير، ومازالت اللفظة مستعملة، فذرواً وذرياً كلاهما صحيح، من حيث العربية؛ لأن الفعل ذرا واوي، وهو يائي في الوقت نفسه، لكنه في القرآن ذرواً قراءة واحدة، مثل حثا يحثو حثواً وحثياً، فهو واوي ويائي في الوقت نفسه.
стр. 219
"ويقال: تذريه ذرياً تهب به" الرياح تهب بالتراب فيتطاير منه ما يتطاير، ويبقى منه ما يبقى، وفي هذا التراب الذي يتعرض للرياح في جميع فصول السنة من الأعاجيب ما فيه، فتجد من الرمال ما هو ثابت، وتجد منه ما هو متحرك، القدرة الإلهية تجد أحياناً الخطوط نازلة، والرمال من عن يمينها وشمالها، ومع ذلك لا تتحرك الخط دائماً نظيف، وتجد خطوط مرتفعة والرمال عن يمنيها وعن شمالها، وتجد هذه الخطوط كثيراً ما تعلوها هذه الرمال، وإن كانت نازلة عنها، القدرة الإلهية شيء لا يستطيع الإنسان دركه، ولا التفكير به، يعني تجد رمل مرتفع فتأتيه الرياح ما يتحرك، ورمل منخفض تأتيه الرياح تنقله من مكان إلى مكان، وهذا مشاهد، الرياح تذرو التراب وغيره، تذرو أيضاً الحب، تذروه الرياح، إذا وضع في مكان بارز ومرت عليه الرياح أطارت ما علق به، وقد تستعمل الرياح هذه في ذرو الماء، الماء إذا أنتن وأجن من طول مكثه يعرض على هذه الرياح فيطيب طعمه، وتطيب رائحته، مثل ذرو العيش والحب يؤخذ منه بإناء ويرفع ويصب هذه الرياح تأتي إلى هذا الماء فتذهب بهذه الرائحة، فهذه الرياح من نعم الله -جل وعلا-، هذه الرياح من نعم الله -جل وعلا-، والرياح الممدوحة هي الرياح المجموعة، بخلاف الريح المفردة التي أرسلها الله -جل وعلا- عذاباً على بعض الأمم، وإذا هبت الرياح جاء الدعاء المأثور: ((اللهم اجعلها رياحاً ولا تجعلها ريحاً)) لأن الرياح المتعددة والأعاصير إذا كانت متعددة ومن جهات يخفف بعضها بعضاً، بينما إذا كانت من جهة واحدة وصارت ريح واحدة لا شك أنها تدمر ما تمر به، والإنسان ضعيف، ورأينا في هذه السنوات الأخيرة ما صنعته هذه الرياح وهذه الأعاصير بأقوى الدول وأعتى الدول من النواحي المادية، دمرت عليهم أشياء لا تقدر أقيامها، ومع ذلك هم يزعمون أنهم لا يحصل شيء في بلادهم إلا تمكنوا من السيطرة عليه، ومع ذلك أعلنوا فلسهم، وخسروا الخسائر العظيمة، ووضعوا ورصدوا ما يكتشف الرياح قبل وقوعها ولم يفلحوا، وهذا يدل على أن البشر خلق من ضعف، مهما بلغ من حيث معرفته لظاهر الحياة الدنيا، فإنه لن ولم يعرف حقائق هذه الأمور بحيث يستطيع مقاومتها قبل حصولها، إنما يعرف الظاهر
стр. 220
ولا يعرف الباطن.
في قوله -جل وعلا-: ﴿إِن يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ﴾ [(٣٣) سورة الشورى] هذه ريح، والسياق يدل على أن سكون هذه الريح ليس بمحمود، وليس من مصلحة الناس، وقلنا: إن الرياح هي المحمودة، والريح مذمومة، وهذه أغلبية لا كلية، يعني الرياح في البحار مجموعة لا شك أنها تعرض السفن والبواخر للهلاك، ومن فيها، إذا تقاذفتها الأمواج من كل وجه لا شك أنها تتعرض للهلاك، بينما إذا كانت ريح واحدة من جهة واحدة تدفعها إلى المقصود، هذه هي المحمودة بالإفراد، بينما لو كانت متعددة من جوانب متعددة صارت ضارة، ﴿إِن يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ﴾ [(٣٣) سورة الشورى] ومعروف أهمية الريح بالنسبة للسفن سلباً وإيجاباً، ابن جبير في رحلته لما قفل من الحج بعد سنتين من ذهابه على البحر لما قفل من الحج وركب من سواحل الشام إلى الأندلس مكث ستة أشهر، لماذا؟ لأن الرياح تتقاذف من كل جانب، ثم لما شارف الوصول إلى الأندلس جاءت ريح معاكسة فردته إلى سواحل الشام في زمن يسير، يعني ستة أشهر ذاهب إلى الأندلس ذهبت هباءً، وهذا يبين لنا القدرة الإلهية، وأن الإنسان لا بد أن يكون تعلقه بالله -جل وعلا- لا بآلته، الآلة ما تنفع بمفردها، لا بد أن يكون التعلق بالله -جل وعلا-، يعني هناك بواخر كبيرة الآن موجودة تحمل الملايين من الأوزان حسبما يقدرون، وأحياناً تحمل عشرة آلاف سيارة، ويكمل حملها بما أدري كم ألف طن من كذا، شيء ما يخطر على البال، ومع ذلك الضعف فيها ظاهر، وضعف من خلقها أو من صنعها أظهر لأدنى سبب يحصل فيها ما يحصل، ثم بعد ذلك تكون الكوارث، فليكن تعلق الإنسان بربه -جل وعلا-، نعم؟
طالب:. . . . . . . . .
стр. 221
بعد ذلك يقول الله -جل وعلا-: ﴿فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا﴾ [(٢) سورة الذاريات] قال المفسر: "الحاملات السحب تحمل الماء، وقراً: ثقلاً، مفعول الحاملات" الحاملات: السحب تحمل الماء الذي هو المطر، وتنتقل به من مكان إلى مكان، والوقر: هو المحمول، هو المحمول والمراد به الثقل، ولا شك أن ما تحمله .. ، ما يحمله السحاب فيه ثقل، والوقر والحمل والثقل معروف، حتى أنه مستعمل الآن، الوِقر مستعمل، بخلاف الوَقر، الوَقر ما هو؟ يكون في الآذان، يكون في الآذان وهو الصمم وعدم السمع، وهنا الوقر هو الثقل الذي تحمله هذه السحاب، هذه السحب، وقراً: مفعول الحاملات، الحاملات وقراً، الحاملات جمع حاملة أو حامل، وهو اسم فاعل، واسم الفاعل يعمل عمل فعله، يعمل عمل فعله، فوقراً مفعول للحاملات جاء تفسير هذه الألفاظ: الذاريات بالرياح، والحاملات بالسحب، والجاريات بالسفن، والمقسمات بالملائكة جاء عن السلف، فكان هذا من الأسئلة التي سئلها علي بن أبي طالب ﵁ ففسرها بهذا، وجاء تفسيرها أيضاً عن ابن عباس، وجاء أيضاً عن -وإن كان فيه كلام- عن عمر ﵁ في أسئلة صبيغ بن عسل فسرها عمر ﵁ بهذا وفهم من السائل عن تفسيرها أنه متعنت، فأدبه وعزره.
يقول: "فالحاملات" اللفظ أعم من أن تكون السحب، فكل حاملة يقال: فالحاملات، حتى من النساء تحمل ثقل، تحمل وقر، وهو ما في بطنها من جنين، والحمل أعم من أن يكون على الظهر أو في البطن أو بين اليدين، فكل ما اتصف بهذا الصفة يدخل في هذا، لكن ما جاء عن سلف هذه الأمة أولى ما يتمسك به، وإن كان بعضهم يجعل اللفظ عام، مثل الذاريات.
стр. 222
"فالجاريات: السفن تجري على وجه الماء" السفن: الفلك تجري على وجه الماء، يجريها الله -جل وعلا- بهذه الرياح، وبالأسباب التي وضعها من صنع هذه السفن، فهي من صنع البشر، وهي وصانعها من خلق الله -جل وعلا-، ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [(٩٦) سورة الصافات] فهي مصنوعة للبشر باعتبار المباشرة، وهو بالنسبة لهذا الصنع كالآلة، والخالق الأول هو الله -جل وعلا-، فهو خالقها وخالق من صنعها، فهي تجري على وجه الماء، وتوصل الأحمال من بني آدم وأمتعتهم من مكان إلى آخر، وتقطع بهم المسافات البعيدة، هذه السفن لا شك أن فيها خطر، ولذا جاء في بعض الآثار النهي عن ركوب البحر، أما النهي عن ركوبه عند هيجانه هذا أمر معروف، أما النهي عن ركوبه مطلقاً ففيه ما فيه، ولذا لم يجيء ذكر البحر في وسائل تأدية الفرض الركن الخامس ﴿وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾ [(٢٧) سورة الحج] ها؟ ﴿يَأْتُوكَ رِجَالًا﴾ أو إيش؟ نعم؟
طالب:. . . . . . . . .
стр. 223
نعم، ﴿وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ﴾ ﴿رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ﴾ [(٢٧) سورة الحج] فركوب الوسائل أو بدون وسيلة، وليس في ذلك ركوب البحر، ﴿رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ﴾ [(٢٧) سورة الحج] إما بواسطة الوسائل البرية أو رجلاً بدون وسيلة، قد يقول قائل: ما ذكر الجو أيضاً؟ فعدم الذكر لا يعني عدم الوجود، نقول: البحر موجود وقت التنزيل والسفن موجودة وقت التنزيل، لكن المراكب الفضائية من الطائرات وغيرها ليست موجودة، وإن كانت داخلة في: ﴿وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ [(٨) سورة النحل] لكن التنصيص عليها وهي غير موجودة لا شك أنه يوجد فتنة وشك وريب من السامع، فالمراكب البحرية موجودة، ولذا قال بعض أهل العلم: إن من حال دونه ودون مكة البحر لا يجب عليه الحج؛ لأن هذه الوسيلة ما ذكرت في الآية، استجابةً للنداء ما ذكر البحر، يعني الذي جرنا إلى هذا الكلام في قوله: "السفن تجري على وجه الماء" فإذا لم يوجد إلا هذه السفن والإنسان في بلد في جزيرة من الجزر فلا يستطيع الوصول إلى مكة إلا من طريق البحر قال بعضهم: لا يلزمه الحج، هو غير مستطيع لماذا؟ لأن هذه الوسيلة لم تذكر في التقسيم لوسائل الوصول إلى مكة، وقضاء هذا الركن، يعني في الآية يأتوا إلى أين؟ إلى مكة، ومكة ليست على بحر، ليست على بحر لينص على البحر، يعني كونهم يأتون إلى جدة مثلاً، لا يعني أنهم يأتون إلى مكة، لكن الوصول إلى مكة إما أن يكون على كل ضامر أو .. ، إما مشاة وإلا ركبان، وليست هناك آلة ثالثة، ولو كانت مكة على البحر لنص على البحر، لذا القول بأن من حال دونه ودون مكة البحر أنه لا يلزمه الحج قول ضعيف، فإذا غلب على الظن السلامة لزمه الحج، ولو حال البحر دونه ودون مكة.
فالجاريات: جمع جارية، السفن الجارية لفظ مشترك بين السفن كما هنا وبين البنت التي لم تبلغ سن التكليف من الحرائر أو الأمة، وأيضاً الجارية تطلق على العين، العين، وعلى الصدقة الجارية، فهو لفظ مشترك، لكن المراد به هنا السفن اتباعاً لتفسير السلف، وإلا فاللفظ أعم من السفن، "تجري على وجه الماء".
стр. 224
﴿يُسْرًا﴾ [(٣) سورة الذاريات] يعني بسهولة، وهو راكب على هذه السفن وهذه البواخر كأنه في فراشه، إذا كانت الظروف عادية ما فيها رياح ولا ماء يكدر سير هذه السفن "يسراً: مصدر في موضع الحال" يسر الأمر يعني سهل الأمر "يسراً مصدر في موضع الحال" في موضع الحال، كأنها ميسرة، يعني يسرها الله -جل وعلا-، ولذا قال: "أي ميسرة" يسراً: يعني "بسهولة مصدر في موضع الحال أي ميسرة" لماذا لم يقل: حال؟ يسراً حال؟ يسراً حال لماذا؟ يقول: في موضع الحال، وأول اليسر بميسرة، اسم مفعول لماذا؟ نعم الأصل في الحال أن يكون مشتقاً، أن يكون مشتقاً، والمصدر لأن هذه مصدر يسراً مصدر، المصدر أصل المشتقات فليس بمشتق على رأي البصريين، وإن كان على رأي الكوفيين مشتق، لكن هو أصل المشتقات، والأصل في الحال أنه مشتق، وقد جاء في بعض الأمثلة كون المصدر غير مشتق جامد، ولذا قال ابن مالك:
وكونه منتقلاً مشتقاً ... يغلب لكن ليس مستحقا
هذا الغالب، هذا الغالب، ولذا قال: "مصدر في موضع الحال" هو مصدر بالفعل لكن هل هو حال أو ليس بحال؟ وعلى قول البصريين لا يكون حال؛ لأن المصدر أصل المشتقات، والأصل في الحال أن يكون مشتقاً إذن ليس بحال، قالوا: في موضع الحال أي ميسرة، وكذلك الحال لا يأتي معرفاً، فإن عرف أول بنكرة.
والحال إن عرف لفظاً فاعتقد ... تنكيره معنىً كوحدك اجتهد
يعني منفرداً، لا بد من التأويل إذا لم يأتِ على ضوء القواعد المعروفة، وهنا أول بميسرة.
﴿فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا﴾ [(٤) سورة الذاريات] المقسمات: قال المفسر ﵀: "الملائكة تقسم الأرزاق، والأمطار وغيرها بين العباد والبلاد" المعطي لهذه الأرزاق والرازق للخلق هو الله -جل وعلا-، لا رازق غيره، والله المعطي –كما يقول النبي ﵊-: ((إنما أنا قاسم والله المعطي)) المعطي في الحقيقة هو الله -جل وعلا-، وإن كان بعض الناس جعلهم الله أسباب لهذا العطاء، فحينما يقال: أعطى فلان الفقير؛ لأنه باشر الإعطاء وصار سبباً فيه، وإلا فالأصل أن المال مال الله، وآتوهم من مال الله الذي آتاكم، والمعطي هو الله -جل وعلا-.
стр. 225
قال: "فالمقسمات: الملائكة تقسم الأرزاق" تقسم الأرزاق، والمعطي هو الله -جل وعلا-، "تقسم الأرزاق والأمطار وغيرها بين العباد والبلاد" بين العباد والبلاد، تقسمها على ضوء الحكمة الإلهية في الإعطاء والمنع، في الإعطاء والمنع، والإعطاء كما يكون رحمة للمعطى يكون أيضاً ابتلاء واختبار، قد تكون نتيجته سيئة، مع عدم الشكر كما أن المنع إنما هو للابتلاء أيضاً ولتكفير الذنوب، ومعلوم أن الله -جل علا- لا يمنع القطر إلا بسبب الذنوب والمعاصي "يبن العباد والبلاد".
﴿إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ﴾ [(٥) سورة الذاريات] جواب القسم والذاريات، ﴿إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ﴾ [(٥) سورة الذاريات] (ما) مصدرية، يقول: " (ما) مصدرية أي –أن- وعدهم بالبعث وغيره لصادق لوعدٌ صادق" لوعدٌ صادق، يقول: " (ما) مصدرية" حينئذٍ تؤول مع ما بعدها بمصدر فقال: "إن وعده" ولا مانع من أن تكون موصولة، إن الذي توعدونه لصادق، من البعث وما يتلوه مما يكذب به المشركون، لصادق: يعني إنه لوعد صادق، وهذا الوعد الذي ذكره الله -جل وعلا- هو صادق، ويصح أن يقال: صِدق، وعد صدق لا إخلاف فيه، لا يخلف، وفاعل تطلق على المصدر والعكس، المصدر يطلق ويراد به اسم الفاعل، كما يقال: فلان عدل يعني عادل، فلان عدل يعني عادل، وصادق بمعنى صدق.
стр. 226
﴿وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ﴾ [(٦) سورة الذاريات] وإن الدين "الجزاء بعد الحساب" أو هو الحساب نفسه، إما أن يقال: إن الدين محاسبة المكلفين "لواقع لا محالة" لا بد من الحساب، لا بد من نصب الموازين، لا بد من القصاص، لا بد من المحاسبة، لكن كما جاء في الحديث الصحيح ((من نوقش الحساب عذب)) والحساب لا بد منه، وإن الدين الجزاء والحساب لا بد منه، لواقع يعني لا محالة، والرسول ﵊ يقول: ((من نوقش الحساب عذب)) كيف يكون الحساب واقع لا محالة والرسول يقول: ((من نوقش الحساب عذب))؟ كيف؟ أولاً: استشكلت عائشة ﵂ الحديث، وقالت للنبي ﵊: "ماذا عن قول الله -جل وعلا-: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ [(٨) سورة الإنشقاق] وأنت تقول: ((من نوقش الحساب عذب))؟ فبين النبي ﵊ أن الآية .. ، الحساب في الآية معناه العرض، قال: ((ذلك العرض)) وليست المناقشة الدقيقة، والمحاسبة بالجرائم بدقة، وقد يقرر الإنسان، ويناقش مناقشة من أجل إظهار فضل الله عليه، ألم تفعل يوم كذا كذا؟ ألم تفعل كذا؟ ثم بعد ذلك يخاف خوفاً شديداً أن تحيط به هذه الأعمال، فيقول الله -جل وعلا-: ((أنا سترتها عليك في الدنيا، وأغفرها لك الآن)) فالحساب لا شك أنه لا بد من وقعه، يعني جنس الحساب واقع، والموازين والمقاصة لا بد منها، ونتيجة الحساب إما رجحان الحسنات فالمآل إلى الجنة أو رجحان السيئات فإلى الأخرى، أو التكافؤ، وبعض الناس يحاسب ويدقق عليه الحساب ويناقش، وحينئذٍ يهلك يعذب؛ لأن أعماله مهما بلغت فإنها لن تفي بنعمة واحدة من نعم الله -جل وعلا-، ومن الناس من يخفف عليه الحساب، وهؤلاء في الغالب هم الذين يحاسبون أنفسهم في الدنيا ((حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا)) ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ [(١٨) سورة الحشر] فعلى الإنسان أن يحاسب نفسه قبل أن يحاسب، وإذا حاسب نفسه لا شك أنه ينتفع فائدة عظيمة من هذا الحساب؛ لأنه لن تخرج نتيجته في الحساب سيئة أو رديئة ثم يعود إلى ما فعل بالأمس، يعني إذا أوى إلى فراشه وبدأ بالحساب منذ
стр. 227
استيقاظه إلى أن أوى إلى فراشه حاسب نفسه بالنسبة للصلاة ماذا فعلت؟ كم فاتك من ركعة؟ وكم أدركت؟ هل فاتتك الجماعة أو أدركت الجماعة؟ هل صليت الرواتب أو ما صليت؟ هل أدركت الرواتب القبلية أو ما أدركت؟ هل قضيتها بعد الصلاة؟ هل زدت من النوافل أو ما زدت؟ ثم يأتي إلى سائر الأعمال الصالحة الذكر ماذا صنعت بالذكر؟ هل أكثرت من الأذكار؟ هل لهجت بذكر الله؟ الأذكار الواردة في الصباح والمساء، المحددة بأعداد، هل فعلت أم لا؟ لا بد أن تكون النتيجة طيبة؛ لأنك إذا ظهرت نتيجتك، والله اليوم سبعة عشر ركعة من الفرائض ما أدركت إلا عشر وفاتك سبع أو العكس، تسعى من الغد أنك تحسن وضعك؛ لأنه إذا فاتك سبع يعني ما يفوتك شيء من الغد؛ لأنك حاسبت وانتبهت لهذا الأمر واهتممت به، والله من قال: سبحان الله وبحمده مائة مرة حطت عنه خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر، يعني قلتها وإلا ما قلتها؟ ما قلتها قلها الآن يا أخي، لا إله إلا الله في الصباح مائة مرة، أنت قلتها صباح اليوم اللي فات وإلا ما قلتها؟ تحرص أن تقولها في اليوم الثاني؛ لأن المحاسبة والمراقبة من أعظم ما يعين الإنسان على الطاعة؛ لأنه لن يحاسب نفسه ثم تطلع النتيجة رديئة ويستمر، اليوم –والله- فاتنا عشر ركعات غداً يفوته اثنا عشر ركعة ما هو بصحيح وإلا ويش فائدة الحساب؟ فإذا حاسب نفسه طيب اليوم ركعت نوافل عشر ركعات، وفي المقابل اغتبت لك اثنين أو ثلاثة، توازن بين هذه الركعات وبين هذه الغيبة التي ضررها متعدٍ، وحقوق الخلق مبنية على المشاحة، إذن كيف تصلي ركعات زائد تكسب حسنات ثم تهدمها بهذه الغيبة ونحوها، المحاسبة من أعظم ما يفيد الإنسان في تكثير الطاعات وتقليل السيئات، وعند ذلك إذا وصل إلى المورد يجد الحساب اليسير، وأنه مجرد عرض، لماذا؟ لأنه حاسب نفسه، وقلل بقدر الإمكان من المخالفات، واستزاد بقدر إمكانه من الطاعات.
стр. 228
﴿وَإِنَّ الدِّينَ﴾ [(٦) سورة الذاريات] يعني "الجزاء بعد الحساب" أو الحساب نفسه كما يقولون "لواقع لا محالة" لا يخلف، إيش معنى وضع موازين؟ نصب الموازين لأي شيء؟ لا بد من الحساب، لكن المطلوب جنس الحساب؛ لأن هناك من لا يحاسب إنما يعرض عرض، وهناك في الحساب ما يعرف بالمقاصة، ما يعرف بالمقاصة في حديث المفلس، النبي ﵊ يقول: ((أتدرون من المفلس؟ )) قالوا: المفلس من لا درهم له ولا متاع، المحاسبة على حقوق الله -جل وعلا-، وأيضاً المقاصة في حقوق العباد ((أتدرون من المفلس؟ )) قالوا: من لا درهم له ولا متاع، هذا اللي هم يعرفون، وكلام صحيح، كلام صحيح أن من وجد ماله عند رجل قد أفلس فهو أحق به، هذا المفلس ما له درهم ولا متاع، أو تكون الموجودات عنده أقل من ديونه، هذا أيضاً مفلس يحتاج إلى من يحجر عليه، والحجر والتفليس معروف عند أهل العلم، لكن المفلس الحقيقي والخاسر الحقيقي التي تكون خسارته في الآخرة، أما من خسر في الدنيا يخسر اليوم ويربح غداً أو لا يربح أبداً، المدة كلها يسيرة جداً، وكرب الدنيا لا شيء بالنسبة لكرب الآخرة ((المفلس الذي يأتي بأعمال)) وفي بعض الروايات: ((أمثال الجبال)) تجد عنده صيام، تجد عنده صلاة كثيرة، وصيام وزكاة وحج وعنده أعمال كثيرة جداً، ثم بعد ذلك يأتي وقد وزع هذه الأعمال لفلان كذا، ولفلان كذا، ولفلان كذا، وفلان كذا، يأتي وقد شتم هذا، وضرب هذا، وأخذ مال هذا، وسفك دم هذا، ووقع في عرض هذا، يأخذ هذا من حسناته، وهذا من حسناته، وهذا من حسناته، كلهم لا بد أن يقتصوا منه، وإذا كانت الوالدة لا تتبرع بحسنة لفلذة كبدها فكيف يتبرع شخص أنت أسأت إليه في الأصل؟ فالإنسان يهتم بهذا الأمر، لا يكون ممن كالتي نقضت غزلها، كالتي نقضت غزلها، يعني يجمع ثم بعد ذلك يفرق، يعني لو أن إنساناً يكدح في تجارته من طلوع الشمس إلى غروبها، فإذا صلى المغرب وزع الأموال هذه لا يقصد بذلك وجه الله ولا التقرب إلى الله -جل وعلا- قيل: هذا مجنون، فكيف بالحسنات التي تؤهله لدخول الجنة، وتبلغه المنازل في الجنة، وإن كان أصل الدخول لا يملك بمثل هذا، وإنما يملك ويحصل برحمة أرحم الراحمين.
﴿وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ * وَالسَّمَاء ذَاتِ الْحُبُكِ﴾ [(٦ - ٧) سورة الذاريات] وصلت الإقامة؟
طالب:. . . . . . . . .
نكمل بعد الصلاة ...
стр. 229
تفسير الجلالين - سورة الذاريات (٢)
من آية (٦ - ١٩)
الشيخ/ عبد الكريم بن عبد الله الخضير
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فيقول المؤلف -رحمه الله تعالى- في قول الله -جل وعلا-: ﴿وَالسَّمَاء ذَاتِ الْحُبُكِ﴾ [(٧) سورة الذاريات] ﴿وَالسَّمَاء ذَاتِ الْحُبُكِ﴾ هذا قسم بالسماء الموصوفة بأنها ذات الحبك، يقول: "جمع حبيكة كطريقة وطرق أي صاحبة الطرق في الخلقة" فالحبك طرق والحبيكة والطريقة الحبك: الطرق، والحبيكة الطريقة وزناً ومعنىً، وزناً ومعنى، قال: "جمع حبيكة كطريقة وطرق" هل يقصد بذلك الوزن فقط؟ لأنهم يأتون بالكلمة ثم يبينون وزنها بما يوافقها في الميزان الصرفي، إذا قيل: قائم كنائم، يعني في الوزن لا في المعنى، وقد يأتون بالنظير من حيث المعنى دون الوزن، فيقولون مثلاً بالمعنى دون الوزن فيقولون: حرام ابن عثمان بلفظ ضد الحلال، فلا يقصدون بذلك الوزن، وإنما يضبطونه بأمر معروف، ومتداول بين الناس، ضد الحرام هل يختلف أحد في ضبطه؟ يمكن أن يقال: حِلال وإلا حُلال وإلا خلال وإلا جلال؟ ما يمكن، خلاص ضد الحرام: حلال انتهى الإشكال، كل الناس يعرفون هذا، فهم لهم طرق في ضبط الكلمات بالنظائر وبالضد، فهذا الذي يضبطون به أحياناً يوافق في اللفظ دون المعنى، وأحياناً يوافق في المعنى دون اللفظ، وأحياناً يوافق بالأمرين معاً فيكون الكلمة مساوية للأخرى وزناً ومعنى.
стр. 230
هنا قال: "جمع حبيكة كطريقة وطرق" كطريقة وطرق، لو انتهينا على هذا لقلنا: من حيث الوزن، لكنه قال: "أي صاحبة الطرق في الخلقة" صاحبة الطرق، فالحبك هي الطرق وزناً ومعنى "كالطريق في الرمل" على هذا تكون السماء فيها طرق، وفيها أيضاً مسارات وهي أيضاً طرائق، لكن هذه الطرائق مضبوطة متقنة محبوكة؛ لأن الحبك يدل على الإتقان والحسن وبديع الصنع، يعني كما يقال: ثوب محبوك، يعني متقن في صناعته، ولعل أخذ حبك الكتاب من هذا، يعني تجليد الكتاب يسمونه حبك، يعني إتقان وضبط لهذا الكتاب بعد أن تكون أوراقه متناثرة يضم بعضها إلى بعض فتجلد وتحبك، والحبك ما زال دارج ومعروف، ولعله من هذا، ويعنى بذلك ويقصد بذلك الضبط والإتقان والحسن، أيضاً التجليد فيه جمال للكتاب، يعطي الكتاب جمال وبهاء ورونق غير ما لو كان أوراق متناثرة، نعم قد يوجد بعض المجلدين الذين لا ذوق لهم يضبطونه من حيث القوة والمتانة لكن الجمال ما فيه، هذا موجود، لكن العبرة بمن يحبك ويجلد على الأصول، فتجد الكتاب متقن مضبوط، فيه بهاء وفيه جمال وفيه رونق، يشد القارئ، يشد المقتني، يشد المشتري، وهنا ﴿وَالسَّمَاء ذَاتِ الْحُبُكِ﴾ [(٧) سورة الذاريات] يعني المتقنة التي فيها من الإتقان والضبط وبديع الصنع ما يرجع بعده الطرف حسير، الطرف الذي يبحث عن العيوب، يبحث عن الفتوق، يبحث عن الشقوق يرتد حسير، ما يجد فيها شيء مما يعاب، فهي من أعظم الأدلة على عظم الخالق -جل وعلا-، من أعظم الأدلة على عظم الخالق، ورفعت هذه السماء بغير عمد ترونها، بغير عمد ترونها، وهذا من أعظم الأدلة على عظمة الخالق، يعني السماء جرم عظيم عظيم لا يقدر قدره، لا يمكن أن تحد مساحته، ومع ذلك بغير عمد ترونها، والخلاف في العمد هل هي موجودة أو بدون عمد أصلاً؟ يعني هل هناك عمد لكنها لا ترى أو ليس هناك عمد أصلاً؟ يعني ركبت على هواء، وفي كلا الاحتمالين ما يدل على عظمة الخالق، يعني كون هذا الجرم العظيم على غير عمد، الإنسان إذا أراد أن يبني عشرة في عشرة ثم سقفه لا بد أن يكون له عمد؛ لأن الجسور ما تتحمل هذه السعة عشرة في عشرة، اللهم إلا إذا احتيط في الجسور وضوعفت، ضوعفت هذه الجسور نعم تتحمل عشرة في
стр. 231
عشرة، وإذا ضوعفت مرة ثانية تحملت أكثر، أما أن تكون من الأصل بلا عمد ما يمكن، فضلاً عن أن تكون البناية أكثر من ذلك، يعني ألف متر مثلاً لا يتصور أن يقوم بغير عمد إلا بمشقة عظيمة جداً على البناء، وعلى صاحب البناية، فكيف بهذه المسافات والمساحات الشاسعة طولاً وعرضاً؟! لا يمكن أن يحيط بها مخلوق، ومع ذلك بغير عمد أصلاً، على هذا القول أو بعمد لكنها لا ترى، وأيضاً هذا أيضاً من أعظم الدلالات على عظمة الخالق، يعني كون الشيء مخفي ما يرى، والمعول معتمد عليه، المرتكز عليه هذا أيضاً شيء عظيم، والخلاف في هذا معروف عند أهل العلم، ففي قوله: ﴿تَرَوْنَهَا﴾ [(١٠) سورة لقمان] هل هو وصف له مفهوم أو ملغى لا مفهوم له؟ على كل حال المسألة خلافية، وأكثر أهل العلم على أنها بغير عمد البتة، ويكون ترونها وصف كاشف لا مفهوم له، ومنهم من يقول: له مفهوم، وقد تكون الدلالة على عظمة الله أكبر، أكبر من كونها بلا عمد أصلاً؛ لأن كون الشيء يعتمد عليه يعني في المحسوسات، كون الشيء يعتمد عليه ثم بعد ذلك يكون هذا خفي لا يرى مع إمكان الرؤية، هذا لا شك أن دلالته على عظمة الخالق شيء عظيم جداً، لا يمكن أن يدركه الإنسان بعقله، فإذا تأمله وتدبره عرف واعتبر وادكر، عرف قدر نفسه من جهة، وما هو إلا شيء حقير جداً بالنسبة لهذه المخلوقات، وما عظمة الخالق -جل وعلا- من خلال هذه المخلوقات العظيمة إلا شيء لا يمكن الإحاطة به، يعني قد يقول قائل: استطاع الناس أن يؤسسوا أمور ينتفعون بها وهي لا ترى، يعني بإمكانك أن تضع يديك هكذا وتغسل، ما تشوف مواصير ولا تشوف شيء، ألا يوجد مثل هذا؟ الآن الموجود مواصير لكن ما فيها أقفال، ما في شيء تقفله ولا ذا، موجود أيضاً على مستوى أعلى من هذا ما في مواصير، ضع يدك بس وغسل، ما في مواصير ترى، لكن في مواصير لو فتحت ما يحول دونك ودون الجدار الأصلي وجدت هذه المواصير لكنها مخفية، يعني ما رحنا بعيد، يعني قدرة البشر هي قدرة البشر، يعني يستطيع أن يغطي إلى حد، لكن يغطي بالكلية بحيث لو بحث الباحث ما وجد، لو رفع هذا الساتر لظهرت المواصير وظهر كل الأسباب التي تجلب هذا الماء، ولم يكن ذلك إلا للخالق -جل وعلا-، الله
стр. 232
المستعان.
﴿وَالسَّمَاء ذَاتِ الْحُبُكِ * إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُّخْتَلِفٍ﴾ [(٧ - ٨) سورة الذاريات] "إنكم يا أهل مكة في شأن النبي ﵊ والقرآن لفي قول مختلف" لم يتفقوا على وصفه بوصف واحد، "وكفاهم عيباً تناقض قولهم"، "إنكم يا أهل مكة في شأن النبي ﵊ والقرآن لفي قول مختلف، قيل: شاعر، ساحر، كاهن" هذا بالنسبة للنبي ﵊ وقيل في القرآن: أنه شعر، أو سحر، أو كهانة، يختلفون ما يتفقون على شيء؛ لأنهم لو اتفقوا على شاعر، العرب تعرف الشعر وموازين الشعر، وهم أهل الشعر، لا شك أن بعضهم سوف يرد على بعض وقد حصل، الوليد بن المغيرة لما سمع القرآن قال: هذا ليس بالشعر، ولو قالوا: كاهن العرب يعرفون الكهانة، ولو اتفقوا على هذا لوجدوا من يرد عليهم، ولو قالوا: سحر كذلك، فهم اختلفوا لينشغل كل فرقة وطائفة بما جنحوا إليه، وينشغل بعضهم عن بعض، وكل هذه الأقاويل باطلة؛ لأن بمقدورهم أن يقولوا الشعر لماذا لم يقولوا ولم يأتوا بمثل هذا القرآن؟ ولم يكن شاعرهم مثل النبي ﵊؟ ولو قالوا: ساحر لو كان ساحراً وما جاء به سحر هم يعرفون السحر، وفيهم سحرة ﴿إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُّخْتَلِفٍ﴾ [(٨) سورة الذاريات] اختلفوا فيه ﵊، اختلفوا فيما جاء به.
стр. 233
﴿يُؤْفَكُ﴾ [(٩) سورة الذاريات] "يصرف ﴿عَنْهُ﴾ عن النبي ﷺ والقرآن، أي عن الإيمان بهما ﴿مَنْ أُفِكَ﴾ يعني صرف عن الهداية في علم الله -جل وعلا-" يعني من علم الله -جل وعلا- أنه لا يهديه هذا مصروف، هذا مصروف لأي شيء؟ لما سبق له في الكتاب من أنه شقي، وهل هو بهذا الصرف مظلوم؟ لا، ليس بمظلوم، يصرف بسبب منه هو، الله -جل وعلا- بين له الطريقين، وضح له الصراط المستقيم، هداه النجدين، ومع ذلك اختار طريق الغواية، ولم يختر الهداية، جعل الله فيه -جل وعلا- من التركيب وحرية الاختيار ما يجعله يختار؛ لئلا يقول قائل: يؤفك يعني يصرف عنه عن النبي ﵊ القرآن وعن الإيمان به من صرف عن الهداية في علم الله تعالى، فيأتي هذا على مذهب الجبرية، قد يستدل به الجبرية، فيقولون: ما دام الصرف من الله -جل وعلا- فكيف يعاقب ويعذب والله -جل وعلا- هو الذي حال دونه ودون الهداية؟ نقول: نعم هذا في سابق علم الله -جل وعلا-، لكن ما الذي يمنعك من أن تختار طريق الهداية؟ يعني لو سمع الإنسان المؤذن، الإنسان سمع المؤذن وفي المكان ثلاثة، واحد قام مع الأذان، وواحد قام مع الإقامة، والثالث ما قام أصلاً، صلى في البيت، والرابع ما صلى أصلاً، إيش الفرق بين هؤلاء؟ هل في ما يمنع الإنسان .. ؟ هل قيد الرابع عن الصلاة؟ ألا يستطيع أن يقوم متى شاء؟ يستطيع أن يقوم متى شاء، فعنده حرية، وعنده اختيار، وليس بمجبور، وليست حركته كحركة الرياح ولا الورق، أوراق الشجر في مهب الرياح، إنما هو مختار، قادر، لديه قدرة وله حرية وله اختيار وله مشيئة، لكن كل ذلك في إطار قدرة الله -جل وعلا- ومشيئته ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللهَ رَمَى﴾ [(١٧) سورة الأنفال] يعني ما أصبت إذ حذفت الحجر، لكن الله -جل وعلا- هو الذي أصاب، لكن أثبت له الرمي، وأما الإصابة فمن الله -جل وعلا-، ومن أعظم ما يصرف -ننتبه لهذا الأمر- ﴿يُؤْفَكُ﴾ [(٩) سورة الذاريات] يصرف ﴿عَنْهُ﴾ عن النبي ﷺ والقرآن وعن الإيمان به ﴿مَنْ أُفِكَ﴾ من صرف عن الهداية في علم الله -جل وعلا- وأعظم من يصرف المتكبر ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ
стр. 234
الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ﴾ [(١٤٦) سورة الأعراف] وهل هذا من فعله أو مجبر عليه؟ الكبر من فعله وإلا مجبر عليه؟ من فعله بطوعه وحريته واختياره يتكبر، فيستحق الصرف عن هذا، يستحق الصرف، المعتزلة يقولون: إن العرب لديهم القدرة على معارضة القرآن، والإتيان بمثله، والقرآن من هذه الحيثية ليس بمعجز؛ لأن العرب يستطيعون، لكن الله صرفهم عن ذلك، ويقولون: بالصرفة، الصرفة هي صرف العرب عن معارضة القرآن، القدرة موجودة، يستطيعون أن يأتوا بمثل القرآن، أو قد يتطاول بعضهم ويقول: أعظم، لكن الله -جل وعلا- حال بينهم وبين ما يستطيعون، نقول: هذا الكلام باطل، هذا الكلام باطل، لو كان بعضهم لبعض ظهيراً ما استطاعوا، لو اجتمع الجن والإنس ما استطاعوا أن يعارضوه، المحاولات التي حصلت لمعارضة القرآن يعني نزلت عن الحد المعقول، نزلت عن العقل إلى السفه والجنون، يعني في كلام مسيلمة ما يضحك الأطفال، فضلاً عن العقلاء، يضحك منه الأطفال كل هذا لأنه تصدى إلى معارضة القرآن، وهو ليس بأهل ولا يستطيع، والله -جل وعلا- أخبر أنهم لن يستطيعوا ذلك، للمعري كتاب اسمه: (الآيات البينات في مواعظ البريات) هو في الأصل: في معارضة الآيات، في معارضة الآيات، فقيل له: إن هذا الكتاب لن يروج ما دام فيه معارضة القرآن لن يقبله مسلم، فغير العنوان، والمعري معروف أنه من الزنادقة المعروفين، ملحد، نسأل الله العافية، كما جاء عن الزمخشري أنه افتتح كتابه بقوله: "الحمد لله الذي خلق القرآن" الذي خلق القرآن، ثم قيل له: إن الكتاب لن يروج على المسلمين بهذه الافتتاحية، فالحمد لله خالق القرآن، ثم عدل إلى الحمد لله جاعل القرآن، فجاء بعض من جاء لكي يروج الكتاب؛ لأن جعل تأتي بمعنى خلق، وجاء من جاء ثم غير اللفظة إلى الحمد لله الذي .. نسيتها الآن، من أجل أن يروج الكتاب، مثل هذه الأمور لا شك أن فيها تطاول على كلام الله -جل وعلا-، ومع ذلك إذا حصل مثل هذا لا بد أن يخذل الفاعل، ووجد من الأدباء المعاصرين يعني قبل خمسين وستين سنة من تطاول على القرآن، وزعم أنه قابل للتصحيح والتعديل كغيره، وأن قلمه الأحمر لم يسلم منه شيء حتى القرآن، ومع ذلك عوقب بنقيض قصده، نسأل الله
стр. 235
العافية، نزل في أدبه الذي يزعمه نزولاً وأسفّ فيه إسفافاً جعل الجهال لا يقبلونه.
﴿يُؤْفَكُ﴾ [(٩) سورة الذاريات] أي "يصرف ﴿عَنْهُ﴾ عن النبي –﵊ والقرآن، أي عن الإيمان به ﴿مَنْ أُفِكَ﴾ صرف عن الهداية في علم الله تعالى"، ﴿قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ﴾ [(١٠) سورة الذاريات] قتل الخراصون: يعني "لعن الكذابون أصحاب القول المختلف" الذين سبقت الإشارة إليهم: إنكم لفي قول مختلف، هؤلاء هم الخراصون الأفاكون، فقتل: لعن، والقتل يأتي بمعنى اللعن ((قاتل الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)) يعني لعنهم، وجاء في الحديث الصحيح ((لعن المؤمن كقتله))، ((لعن المؤمن كقتله)) فهؤلاء قتلوا يعني لعنوا، الكذابون أصحاب القول المختلف، هم الخراصون الكذابون، وأهل الظن والحدس والخرص يتخرصون ويتخبطون ويكذبون أيضاً، " ﴿قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ﴾ [(١٠) سورة الذاريات] لعن الكذابون أصحاب القول المختلف".
﴿الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ﴾ [(١١) سورة الذاريات] في "جهل يغمرهم" يعني يغطيهم كما تغطي غمرات الماء العميقة من يدخل فيها، غمرة: جهل وغفلة وسهو عما خلقوا له من أمر الآخرة، ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ﴾ [(١١) سورة الذاريات] يعني في جهل يغمرهم.
﴿سَاهُونَ﴾ [(١١) سورة الذاريات] "غافلون عن أمر الآخرة" ويدخل في هذا دخولاً أولياً الكفار الذين غفلتهم تامة، ويخشى على من غفل عما خلق له أن يخرج منه وهو لا يشعر، وإن كان ممن ينتسب إلى القبلة؛ لأن هذه الغمرات، وهذه الغفلة نسبية، يعني يدخل الماء الذي يغطي عقبيه ثم يقتحم إلى ركبتيه، ثم لا يلبث أن يغمره الماء فيغرقه، هذا الغافل عما خلق له، يغفل عن الواجبات، ثم يبتلى بارتكاب محظورات، ثم يعاقب بارتكاب ما هو أعظم منها إلى أن ينسلخ من دينه بالكلية، فهذه الغفلة وهذا السهو عما خلق له الإنسان لا شك أنه يعرض الإنسان للانسلاخ؛ ليكون من جنس أولئك الخراصين.
стр. 236
والعقوبات الإلهية لمن خالف الأوامر والنواهي لا شك أنها واقعة ومحسوسة؛ لأن الإنسان قد يضعف في فعل المستحب، يعني يتساهل في الرواتب، يتساهل في قيام الليل ثم لا يلبث أن تدعوه نفسه إلى ترك .. ، إلى التساهل في الواجبات، ثم إذا تساهل في الواجبات دعته نفسه إلى ما هو أوجب منها وهكذا، وكذلك في المحظورات، يعني مثل نشوء البدع، نشأت يعني يسيرة، فعوقب أهلها بما هو أشد منها، بأن أصروا عليها وألزموا بلوازم، أصروا عليها ودعوا إليها، وألزموا بلوازمها فالتزموا، فالتزموا، ثم بعد ذلك أخذتهم العزة بالإثم وأصروا على هذه اللوازم ثم عوقبوا بما هو أعظم منها، عوقبوا بما هو أعظم منها، يعني الإنسان يسمع كلام من المبتدعة ما يصدر ولا عن مجنون، يعني شراح ومفسرين يشرحون ويفسرون كلام الله -جل وعلا-، ويشرحون كلام النبي ﵊ ومع ذلك يذكرون في هذه الكتب أشياء مضحكة، يعني لديهم عقول، ولديهم أفهام، ولديهم تحليل يعني يبهر القارئ، لكن أحياناً يعاقب بشيء فيأتي بكلام مضحك، يعني الأشعرية حينما قالوا -وهذا موجود في شروح البخاري- حينما يقولون: إن أعمى الصين يجوز أن يرى بقة الأندلس، هذا يعني لو سمعه الإنسان أول مرة قال: جنون هذا ما في إشكال، ما يستطيع البقة إذا أبعدت عنه متر، إذا أبعدت متر واحد ما شافها، وكل عاد على حسبه في قوة النظر، لكن عشرة أمتار على أي حال ما ترى البقة صغار البعوض، كيف أعمى الصين في أقصى المشرق يرى بقة الأندلس؟! يعني هل يمكن أن يخطر على قلب عاقل مثل هذا الكلام؟ إلا أنهم ألغوا الأسباب تأثير الأسباب، وقالوا: إن البصر سبب، والشيء يحصل عنده لا به، ثم استدرجوا إلى أن قالوا ما قالوا، فمثل هذه الأمور يخشاها الإنسان ويقف عندها، ولا يتعدى النص؛ لأن العصمة إنما هي بالكتاب والسنة، يعني شيء لا يخطر على البال حينما يقرأ لابن عربي:
ألا بذكر الله تزداد الذنوبُ ... وتنطمس البصائر والقلوبُ
стр. 237
هذا كيف يزعم أنه مسلم؟ والله -جل وعلا- يقول: ﴿أَلاَ بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [(٢٨) سورة الرعد] وهو يقول: تزاد الذنوب؟ وإن أوله من أوله من أتباعه، لكن يبقى أن الإنسان أول ما يصل من هذا الكلام، يقول: نسبته ليست صحيحة إلا إذا كان كافر غير مسلم، لكنه صحيح وثابت ومدون في كتبه، فعلى الإنسان ألا يبتعد لا يمين ولا شمال، لا أمام ولا خلف في دائرة الاستقامة والالتزام، في دائرة الاعتصام بالكتاب والسنة ليحفظ، ليحفظ في علمه، يحفظ في دينه، أهم المهمات كونه يزيغ ويضل ولو حفظ في ماله، ولو حفظ في بدنه هذه أمور منتهية، العبرة بمن يحفظ في دينه، بمن يحفظ في علمه، لا يزل ولا يَضل، ولا يُضل، ولا يكون ممن يكون سبباً لغواية الناس -نسأل الله السلامة والعافية-، وأنتم سمعتم وقرأتم من كان يفتي الناس على الجادة وبقال الله وقال رسوله، ثم بعد ذلك حصل أن زل، مثل هذه الأمور على الإنسان أن يحتاط لها، سواءً كانت في العلم أو في العمل.
стр. 238
يسألون النبي ﷺ سؤال مجرد سؤال للفائدة ﴿يَسْأَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ﴾ [(١٢) سورة الذاريات] ليس بسؤال إفادة، وإنما هو سؤال استهزاء، ومتى هذا اليوم الذي تذكر؟ متى؟ سؤال استفهام واستهزاء بالنبي ﵊ واستبعاد لهذا اليوم، واستحالة في نظرهم لوقوع هذا اليوم ﴿أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ﴾ [(١٢) سورة الذاريات] أي متى؟ متى يوم الدين الذي تذكر؟ إن كان لنا شيء يا الله الآن، ﴿أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ﴾ [(١٢) سورة الذاريات] "أي متى مجيئه؟ " حدد لنا إن كنت صادق؟ لكن هذا اليوم أخفاه الله -جل وعلا- عن جميع المخلوقات، عن كل أحد سواه، حتى أنه كاد أن يخفيه على نفسه ﴿أَكَادُ أُخْفِيهَا﴾ [(١٥) سورة طه] يعني حتى عن نفسي، وهذه الأمور التي قطع الشرع بعدم وقوعها لا تدخل تحت امتحان ولا تحت مطالبة، لا يقول: والله أيان يوم الدين؟ ما أجاب، إذن كيف نسأله ولا يجيب؟ لماذا؟ إذن كيف نسلم؟ نعم، يعني هل عدم إجابته ﵊ مبرر لعدم استجابتهم لدعوته؟ ليس بمبرر؛ لأن مثل هذا لا يدخل تحت القدرة ((ما المسئول عنها بأعلم من السائل)) يسألون النبي ﵊ استفهام استهزاء ﴿أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ﴾ [(١٢) سورة الذاريات] "أي متى مجيئه؟ " وجوابهم: يجيء" ﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ﴾ [(١٣) سورة الذاريات] أي يعذبون فيها، هم يسألون عن الساعة التي ذكرها النبي ﵊، يسألون عن البعث الذي أنكروه، وهنا قال: "جوابهم: يجيء" ﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ﴾ [(١٣) سورة الذاريات] " يعني هل هذا جواب أو هذا من باب أسلوب الحكيم؟ وهو إجابة السائل بغير ما سأل عنه مما هو أنفع له، يعني لو قيل أيان يوم الدين؟ قيل: سنة ألف وخمسمائة مثلاً، هل هذا أنفع لهؤلاء وأبلغ في الموعظة أو قوله: ﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ﴾ [(١٣) سورة الذاريات]؟ لا شك أن ما أجيبوا به أنفع لهم وأبلغ في موعظتهم إن كان في قلوبهم شيء من الوازع، شيء من الحياة، لا شك أن هذا في غاية البلاغ والإبلاغ والتبليغ، ﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ﴾ [(١٣) سورة
стр. 239
الذاريات] أي يعذبون فيها، أنت لا تنظر إلى المقدمات، انظر إلى النتيجة، انظر إلى النتيجة، قيام الساعة والبعث مقدمة للجنة والنار، مقدمة لشقي أو سعيد، مقدمة لدخول الجنة أو لدخول النار، إن كنت لا تسأل عن مقدمات ماذا تستفيد؟ ماذا أعددت لهذا اليوم؟ يعني لو نظرنا إلى شخص مهتم لموعد الامتحان متى موعد الامتحان يسأل؟ والله إلى الآن ما بعد صدر شيء في موعد الامتحان، ومهتم للجدول، ويش المقدم؟ ويش المؤخر؟ ويش عندنا أول يوم ولا يذاكر هذا يستفيد؟ لو عرف أن أول يوم تفسير أو رياضيات ما استفاد، العبرة بما يفيدك وينفعك، يعني كون الامتحان يبدأ في يوم كذا، أو يبدأ في مادة كذا هذا ما يفيدك ما دام لن تذاكر ادخل الامتحان في أي يوم وفي أي مادة ما في فرق، والنتيجة معروفة، فإذا كان هذا في امتحان الدنيا التي يمكن يسلك الإنسان بعض الحيل وبعض المسالك ويمشي نفسه، أو يمر عليه معلومات خطفها أو تلقفها من يمين أو يسار قد يستفيد، لكن في أمور الآخرة صفر، ما في، إذا ما عملت لهذا اليوم واستعديت، وتم الاستعداد التام فلن تستفيد حتى ولو عرفت التاريخ، علماً بأن التاريخ لن يستطيع معرفته لا ملك مقرب ولا نبي مرسل، فهم يسألون أيان يوم الدين، وجوابهم بأسلوب حكيم: ﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ﴾ [(١٣) سورة الذاريات] يعذبون، وإذا أريد فتنة الذهب هل هو سليم أو مغشوش؟ هل هو خالص أو مشوب؟ إنما يكون ذلك بعرضه على النار، وكذلك هؤلاء يفتنون ويختبرون ويمتحنون بعرضهم على النار.
стр. 240
﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ﴾ [(١٣) سورة الذاريات] "أي يعذبون فيها، ويقال لهم" من باب الزيادة في التقريع والتبكيت "حين التعذيب ﴿ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ﴾ [(١٤) سورة الذاريات] ذوقوا فتنتكم يفتنون يعذبون، فتنتكم: تعذيبكم، تعذيبكم هذا التعذيب الذي كنتم به تستعجلون في معرفة وقته في الدنيا، هذا ما قال هذه، ذوقوا فتنتكم هذه؛ لأن الضمير يعود على الفتنة، والمراد بالفتنة العذاب وهو مذكر، فعادت الإشارة إلى المعنى لا إلى اللفظ، وإلا فاللفظ مؤنث، ذوقوا فتنتكم تعذيبكم هذا التعذيب الذي كنتم به تستعجلون في الدنيا، تستعجلون عن معرفة وقته ﴿أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ﴾ [(١٢) سورة الذاريات] ثم بعد أن ذكر حال الأشقياء ومآلهم ذكر حال أو ثنى بحال السعداء، وهذا وجه من وجوه تسمية القرآن بالمثاني، يعني يذكر حال الأشقياء ثم يثني بحال السعداء والعكس قد يذكر حال السعداء ثم يثني بحال الأشقياء، فقال: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ﴾ [(١٥) سورة الذاريات] المتقون هم من لازم التقوى، والتقوى فعل الأوامر واجتناب النواهي، ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ﴾ [(١٥) سورة الذاريات] يعني بساتين واسعة يعني من بساتين الدنيا؟ لا، بستان الدنيا يعني قد يوجد بستان في الدنيا ومشروع كبير بالكيلوات لكنه لا شيء بالنسبة لثمرة واحدة من صنف واحد مما في جنات النعيم، يعني لو قرنت الدنيا نعيم الدنيا من بدء الخلق إلى قيام الساعة بثمرة واحدة بحبة عنب أو تفاح أو شيء من هذا. . . . . . . . . لا شيء، فكيف إذا كان نصيب آخر من يدخل الجنة، آخر من يدخل الجنة يخرج من النار يقال له: تمن، تنقطع به الأماني ويش يقول؟ يعني كأنه لسان حاله يقول: والله ما لي وجه أتمنى، فيقال له: أترضى أن يكون لك كملك أعظم ملك من ملوك الدنيا؟ يقول: إي وربي، إي يا رب، الملك؟ يعني اعتبر ملك هارون الرشيد مثلاً الذي ملك غالب الأرض، أو ملك ذو القرنين، أو ملك سليمان الذي لا ينبغي لأحد من بعده تمنى مثل هذا، قال: هو لك، ومثله، ومثله ومثله، إلى عشرة أمثاله، ملك أعظم ملك من ملوك الدنيا، وفيه في هذا الملك العظيم ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر،
стр. 241
لكنه النعيم المقيم الذي لا ينتهي، نعيم أبدي سرمدي، يعني لو عمر الإنسان مائة سنة ثم جاءت مقدمات الموت وعلاماته يسأل، يعني نوح سئل ما مثل هذه الدنيا، ولبث في قومه في الدعوة ألف سنة إلا خمسين عاماً، والله أعلم كم بعد لبث قبلها؟ يقول: كأنها دار دخلت من باب وخرجت من باب، والأعمال لا تقاس بالأعمار، الأعمال لا تقاس بالأعمار، فكم من شخص عمر أكثر من مائة سنة ولا أثر له في الوجود، لا في نفسه ولا في غيره، ولا في أقرب الناس إليه، والأنبياء والرسل أثرهم وفضلهم وشرفهم باقٍ إلى قيام الساعة، العلماء انظر إلى أثرهم قرون وأعمارهم قليلة جداً، يعني الإمام الشافعي كم تبعه من وقته إلى يومنا هذا من الأتباع؟ الإمام الشافعي من أكثر الأئمة تبع، يعني لو قيل: إنه بعد الحنفي، هو بعد الحنفي بالفعل في الأتباع، ولكن كم عمر الإمام الشافعي يوم أن مات؟ أربعة وخمسين سنة، أربعة وخمسين سنة، والواحد منا يبلغ هذا السن ويخطط ويفكر للمستقبل، يقول: اللي راح إلى الله المشتكى ما حصلنا شيء، لكن المستقبل تخطيط للمستقبل، من أجل أن يكون عالم يبدأ يخطط من هذا السن، والإمام الشافعي تبعه الملايين من البشر منذ نهاية القرن الثاني إلى يومنا هذا كم؟ أكثر من اثنا عشر قرن، والأئمة من أئمة الشافعية يتبعونه ويلهجون بالترحم عليه، والثناء عليه، والدعاء له، وكم من شخص استفاد من علمه وعلم أتباعه، يعني أجور لا تخطر على البال، والعمر أربعة وخمسين سنة ولد سنة مائة وخمسين، ومات سنة مائتين وأربعة، وتسأل واحد أربعين سنة. . . . . . . . . أربعة وخمسين سنة تو ما بعد صار شيء، ما بعد صار شيء، الأعمار بيد الله، يعني هناك على النقيض من يقول: ما بقي بالعمر كثر ما مضى أنا والله ما أنا بمشتغل، أتعب على لا شيء، ما بيجيب العمر. . . . . . . . . والله قد يعمر، وقد يعمر، يعني شخص توفيت زوجته سنة الرحمة، سنة سبعة وثلاثين، قيل له: لماذا لا تتزوج يا فلان؟ قال: ما بيجيب العمر كثر ما مضى، وبقي من العمر مرتين كثر ما مضى، عمر سبعين سنة بعدها، وبالمقابل ناس يخططون لما بعد التقاعد، والمنايا تتخطف الناس الصغار والوفيات فيهم والشباب أكثر من الكهول والشيوخ،
стр. 242
فعلى الإنسان أن يهتم لهذا الأمر
ويغتنم، ما يقول: والله أنا الآن في عصر شباب، ما زلنا خلنا إذا وصلنا الأربعين وبلغنا الأشد واتجهنا، كثير من أهل العلم إذا وصل الأربعين اعتزل الناس، من يؤمنك إلى أن تصل الأربعين، وإذا تجاوز الأربعين قال: خلاص الستين أعذر الله لامرئ بلغه الستين، إذا وصلنا الستين انقطعنا، من يؤمنك أن تصبح بعد ما أمسيت، أو تمسي بعدما أصبحت؟ والله المستعان.
﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ﴾ [(١٥) سورة الذاريات] بساتين ﴿وَعُيُونٍ﴾ تجري فيها، تجري من تحتها الأنهار، من تحتها، ما يحتاج إلى والله تركب دآبة وإلا تركب سيارة وإلا تركب وسيلة لتذهب إلى الأنهار الجارية من تحتك تمشي، ما تقول: والله الآن الثيل مرشوش ما يصلح نجلس عليه، كما نفعل الآن إذا رشوا الثيل قال: خلاص ما يصلح للجلوس، لا، تجري تحتك الأنهار.
أنهارها في غير أخدود جرت ... سبحان ممسكها عن الفيضانِ
ما تفيض ولا تسيح لا يمين ولا يسار وهي بغير أخاديد، تجري هكذا، ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ﴾ [(١٥) سورة الذاريات] بساتين، ﴿وَعُيُونٍ﴾ تجري فيها ﴿آخِذِينَ﴾ [(١٦) سورة الذاريات] حال من الضمير في خبر (إن) حال من الضمير في خبر (إن) (إن) حرف توكيد ونصب، ينصب المبتدأ ويرفع الخبر ﴿فِي جَنَّاتٍ﴾ جار ومجرور متعلق بمحذوف هو الخبر، كائنون أو مستقرون، كائنون أو مستقرون ﴿فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ [(١٥) سورة الذاريات] ﴿آخِذِينَ﴾ حال من الضمير في خبر (إن) حال من الضمير في خبر (إن) الذي هو إيش؟ الواو، كائنون أو مستقرون واو الجماعة في خبر (إن) ﴿آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ﴾ [(١٦) سورة الذاريات] يعني أعطاهم ربهم من الثواب والجزاء، ﴿آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ﴾ يعني ما أعطاهم ربهم من الثواب والجزاء على إعمالهم الصالحة، الجنة لا تنال بالعمل، إنما تنال برحمة أرحم الراحمين، تنال برحمة أرحم الراحمين، لكن منازل هذه الجنة تنال بالأعمال، تنال بالأعمال.
стр. 243
﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ﴾ [(١٦) سورة الذاريات] أي قبل دخول الجنة ﴿مُحْسِنِينَ﴾ محسنين لأعمالهم، والإحسان إحسان العمل المعول عليه في القبول ﴿إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾ [(٣٠) سورة الكهف] ما في من أكثر، لا، من أحسن، فالمعول على الإحسان ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ﴾ [(١٦) سورة الذاريات] قبل دخول الجنة محسنين في الدنيا، والإحسان يشمل العمل اللازم والعمل المتعدي، محسنين لصلواتهم، متقنين لها، مقيمين لها، محسنين لسائر عباداتهم من صيامهم وحجهم، محسنين أيضاً للأعمال المتعدية لزكواتهم، لكسبهم الأموال من حلها، وصرفها فيما يرضي الله -جل وعلا-، فالإحسان ملازم لهم في جميع تصرفاتهم، إنهم كانوا قبل ذلك، قبل دخول الجنة محسنين أي في الدنيا، ثم بين بعض أعمالهم.
﴿كَانُوا قَلِيلًا مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ [(١٧) سورة الذاريات] كانوا قليلاً من الليل ما يهجعون، يقول: "ينامون" والهجوع هو النوم الخفيف "ينامون، وما زائدة" يعني كانوا قليلاً من الليل يهجعون، زائدة يعني صلة كما يقول المفسرون كالطبري وغيره يقولون: صلة، ويريدون بذلك زائدة، لكن من الأدب أن لا يقال: زائدة؛ لأن القرآن مصون ومحفوظ من الزيادة والنقصان ولو باللفظ، يعني لا يقول قائل: إنها مادامت زائدة لماذا لا نمسحها؟ لو مسحتها كفرت، حتى الذي يقول: زائدة لو يمسحها كفر، إنما تزاد بعض الحروف دعامة للكلام، دعامة للكلام وتقوية له.
стр. 244
﴿كَانُوا قَلِيلًا مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ [(١٧) سورة الذاريات] احذف ما من الكلام وكانوا قليلاً من الليل يهجعون، ينامون قليل، ويستغلون باقي الليل فيما ينفعهم في العلم في التعليم في الذكر في الصلاة ثم بعد ذلك إذا بقي الشيء اليسير من الليل وقت السحر يستغل بالاستغفار، وختم الأعمال بالاستغفار يقضي على داء الكبر، وداء العجب، يقضي عليه؛ لأن الإنسان إذا عمل عملاً قد يراه في نفسه ويعجب به، ويظن أنه ليس بحاجة للاستغفار، الآن جاء من صلاة كيف يستغفر؟ لكن ختم الأعمال الصالحة بالاستغفار تذكيراً بالتواضع لله -جل وعلا-، وأن العبرة بما في القلوب لا في الصور ولا في الأعمال، وكم من قائم ليس له من قيامه إلا السهر، وكم من نائم أفضل من ألف قائم، لكن لا يعني هذا أننا نبرر للنائمين أو لأنفسنا أن ننام ونقول: نحن بنومنا أفضل من بعض من قام، لا، لا، كل إنسان له ما يخصه من خطاب الشرع، أنت قم واحرص لأن هذا من أعظم الأسباب لدخول الجنة ونيل المنازل، ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ [(١٧) سورة الذاريات] يعني يهجعون قليلاً، ويصلون كثيراً، ويصرفون كثيراً من أوقات الليل فيما يقرب إلى الله -جل وعلا- من الصلاة والتلاوة والذكر لا سيما الاستغفار في آخره.
стр. 245
منهم من يقول: إن هذه (ما) نافية وليست زائدة، يعني كانوا قليلاً من الليل ما ينامون، يعني لا ينامون، لا ينامون قليل من الليل معناه أنهم ينامون كثير ويقومون قليل عكس المعنى السابق، ومعلوم أن النوم لا يمدح به، فهذا القول وإن اعتمده كثير من المفسرين إلا أنه من حيث المعنى ضعيف، يعني ينامون طويلاً فإذا بقي شيء قليل قاموا، حتى قال بعضهم: إن المشار إليه في هذا وما بين صلاة المغرب وصلاة العشاء، حتى قال بعضهم إن هذه الآية في صلاة العشاء فقط، ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ [(١٧) سورة الذاريات] المدح بالقيام وإلا بالنوم؟ بالقيام، لكن إذا كان النوم في مقابل ضياع الأوقات حتى في المباح أو حتى أو في المكروه أو في المحرم من باب أولى فالنوم يمدح به، الليل سكن، يمدح به في المقابل، لكن من يسهر لعلم، لتعليم لمدارسة، لحفظ، لفهم، لصلاة، لذكر، هذا لا شك أنه أفضل من النائم، ولا مقارنة بينهم هنا، والنبي ﵊ قد يسمر في العلم، وترجم عليه البخاري: "باب: السمر في العلم" فقضاء الأوقات في ما ينفع في العبادات لا شك أنه أفضل من قضائه في المباحات ومنها النوم، النوم نعم يستعان به على طاعة الله فإذا كان في مقابل مباح فالنوم أفضل، في مقابل مكروه النوم أفضل، لكن في مقابل فاضل، يعني صلى العشاء ومسك التفسير وإلا الحديث وإلا كتاب ينفعه في علمه، ينفعه في علاج قلبه هذا لا شك أنه أفضل من النوم، لو قدر أنه مشى على قيام داود، نام نصف الليل وقام ثلثه ونام سدسه، هذا أيضاً أفضل القيام، لكن قيام الليل يقدر بالوقت، بالزمن، يعني في سورة المزمل: ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا * نِصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا* أَوْ زِدْ عَلَيْهِ﴾ [(٢ - ٤) سورة المزمل] للتقدير بالأوقات، التقدير بالوقت، فكلما زدت الله أكثر، لكن عليك أن تحفظ هذا الوقت، ما تقول: والله أنا قايم الليل وأنت كل شوي يعني تصلي لك ركعتين ثم تذهب للي يسمرون وتجلس معهم وتسمع حديثهم وتقول: أنا والله قمت الليل كله، ما هو بصحيح، نعم قد تستعمل ما ينشطك على القيام، تكون عندك أشياء تنشطك، هذا مما يستعان به على الطاعة فهو طاعة، هذا
стр. 246
ما فيه إشكال، لكن مع ذلك لا تقول: والله أنا قمت الليل، وأنت أكثر الليل إما في استراحة وإلا في مجلس سمر وإلا شيء، هذا ما هو بقيام، القيام الذي يستغل فيما ينفع، هب أنك جلست مع أهلك وسمرت معهم ووجهتهم لما ينفعهم، هذا قيام، أو جلست في استراحة مع جمع من أصحابك ونفعتهم بفائدة ووجهتم، وتكلم بعضهم بما لا ينفع فوجهته لما ينفع هذا قيام ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ [(١٧) سورة الذاريات] ومنهم من يقول: إن (ما) مصدرية، تؤول مع ما بعدها بمصدر، فتكون: كانوا قليلاً من الليل هجوعهم، يعني نومهم، وهذا جيد، قليل من الليل هجوعهم، شوف لما كان قيام الليل يحصل في خفاء يكون الجزاء أيضاً من جنس العمل، قيام الليل دأب الصالحين في الأمم كلها، و ((نعم الرجل عبد الله لو كان يقوم من الليل)) ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ [(١٦) سورة السجدة] ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [(١٧) سورة السجدة] أخفي الجزاء كما أخفي العمل، والقيام مثل ما ذكرنا، وهذه الآية وغيرها مما جاء في معناها لسنا من أهلها، لسنا من أهلها، نسأل الله -جل وعلا- أن يحيي هذه القلوب الميتة، الإنسان والله يقولها من حرقة، كلام صحيح؛ لأن الإنسان هذا هو الواقع والله لسنا من أهلها، والعالم وطالب العلم إنما يتميز بهذا، إنما يتميز بهذا، فإذا كان محروماً في هذا الباب ليجزم ويعلم أن في طلبه، في علمه، في تعليمه خلل ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاء اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [(٩) سورة الزمر] يعني وين؟ الذين يعلمون هم الذين تتجافى جنوبهم، وهم الذين قليلاً من الليل ما يهجعون، وهم الذين يحذرون الآخرة ويرجون رحمة الله بقيام الليل، ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ [(١٧) سورة الذاريات] "ينامون، وما زائدة" ويهجعون، خبر كان، كانوا قليلاً اسمها الضمير الواو واو جماعة، ويهجعون خبرها، وقليلاً
стр. 247
ظرف أي ينامون في زمن يسير من الليل ويصلون أكثره.
من أهل العلم من المفسرين من يقول: ﴿كَانُوا قَلِيلًا﴾ [(١٧) سورة الذاريات] ويقف ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ * كَانُوا قَلِيلًا﴾ [(١٥ - ١٧) سورة الذاريات] الذين هذه أوصافهم قلة، يعني عددهم قليل، ثم الاستئناف ﴿مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ [(١٧) سورة الذاريات] لكنه قول ضعيف؛ لأن هذا يقطع أول الكلام عن آخره، وقيام الليل من أوصاف المتقين الذين يستحقون هذا الجزاء العظيم، وينامون في زمن يسير من الليل ويصلون أكثره.
стр. 248
قد يقول قائل: السنة الإلهية أن الليل سكن، والنهار معاش، فهل يلام الإنسان إذا قلب هذه السنة الإلهية لعمل صالح؟ يقول: أنا والله بالليل أنشط لي، وأقل الوارد كانوا قبل سنين قبل ثلاثين سنة شيء أدركناه الليل ما في طلعة خلاص، الانتشار الآن كله في الليل، وقلبت السنن الإلهية على لا شيء، لكن من أراد أن يقلب هذه السنة الإلهية لكن على شيء، يقول: أنا أصلي العشاء وأجلس في البيت وأقسم الوقت من صلاة العشاء إلى أذان الصبح فيما ينفع، أقسمه أثلاث أو أرباع أو على حسب ما يسع بعضه قراءة، وبعضه مراجعة، وبعضه حفظ، وبعضه صلاة، وبعضه ذكر، وبعضه إلى أن .. ، هذا أنشط لي؛ لأن النهار يعني يلاحظ في عصرنا هذا النهار في الحقيقة بعد القلب الذي حصل لا سيما من ليس لديه عمل معين، ما هو مرتبط بعمل، وفي الإجازات يتضح هذا، تجد أكثر الناس يسهر الليل إلى صلاة الفجر، ثم ينام إلى صلاة الظهر، ومرتاح مبسوط، لكن خله ينام الليل إلى الفجر ثم يقوم إلى صلاة الظهر يتلفت يمين يسار يبي أحداً يكلمه يبي أحداً يتصل عليه ما في، فإذا كان قلب السنة الإلهية لمجرد القلب وأن عمله في النهار هو عمل الليل ما يصلح، لكن إذا كان عمله بالليل أنشط فيما يقربه إلى الله -جل وعلا- فالنبي ﵊ في العشر الأواخر يحيي الليل، يستغل هذه الأوقات، وإذا أردت أن تستغل أوقات الغفلات فيما ينفعك فلا تلام، إذا كان أنشط لك الليل وأردت أن تقسم هذا الليل كما كان يفعل كثير من السلف لكنهم يهجعون قليلاً، يهجعون قليلاً ينامون قليلاً من أجل أن يستعينوا بهذه الهجعة على ما بعد صلاة الصبح من أعمال.
стр. 249
﴿وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [(١٨) سورة الذاريات] وبالأسحار: يعني آخر الليل يستغفرون، فيقولون: اللهم اغفر لنا، ومنهم من يقول: بالأسحار يصلون، يعني تتصل صلواتهم وعباداتهم إلى طلوع الفجر، لكن اللفظ وإن كان الاستغفار من أعمال الصلاة إلا أن حقيقته المطابقة قول: "اللهم اغفر لي"، "استغفر الله، استغفر الله" ينوع، ثم يأتي بسيد الاستغفار، ثم .. ، المقصود أنه يأتي بالاستغفار بصيغه الواردة في الأدلة والأحاديث الصحيحة، يستغفر، ويستحضر أنه مهما بلغ ومهما عمل من الأعمال .. ، مهما عمل من الأعمال أنه جميع أعماله لن تدخله الجنة ((ولن يدخل أحدكم الجنة بعمله)) قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ((ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته)) فالأعمال لا تدخل الجنة، إنما دخول الجنة برحمة أرحم الراحمين، فأنت تجلس تستغفر وتنكسر بين يدي ربك في آخر الليل عسى الله ولعل الله أن يقبل عملك، ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [(٢٧) سورة المائدة].
﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [(١٩) سورة الذاريات] في أموالهم، أضيفت الأموال إليهم إضافة ملك، يملكونها، وإن كان هو وما يملك ملك لله -جل وعلا-، ﴿وَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ﴾ [(٣٣) سورة النور] فالمال لله، ويملكه باعتبار الملك البشري، بحيث أنه يسوغ له شرعاً أن يتصرف فيه تصرفاً مضبوطاً بضوابط شرعية، ليس بتصرف مطلق أو مرسل عن الضوابط الشرعية لا، فهو ماله باعتبار أنه يتصرف فيه، لكنه مال الله بحيث لا يتصرف فيه إلا على ضوء مراد الله -جل وعلا-.
стр. 250
﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ﴾ [(١٩) سورة الذاريات] حق واجب وحق مندوب، وجاء من حديث عائشة: ((إن في المال حق سوى الزكاة)) وجاء عنها أيضاً: ((ليس في المال حق سوى الزكاة)) فالمراد بالمثبت في المال حق سوى الزكاة المندوب، حق مندوب، وليس في المال حق يعني واجب سوى الزكاة، وعلى كل حال الصدقات منها، والزكوات منها، والنفقات منها المندوب ومنها الواجب، وفي هذه الآية ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [(١٩) سورة الذاريات] الذي لا يسأل يتعفف، السائل الذي يتعرض للناس، الذي يتعرض للناس، والمحروم الذي لا يتعرض للناس، ولا يتكفف الناس، ولا يسأل، ولا يفطن له فيتصدق عليه، ومنهم من يقول: إن المحروم الذي حرم من الانتفاع بماله بأن جاءت جائحة وقضت عليه، وليس المحروم المعروف عند الناس عرفاً، الذي أمواله وأرصدته في البنوك ولا يستفيد منها لبخله وشحه، لا، ليس هذا هو المحروم الوارد في النصوص، لا يجوز أن يدفع له شيء هذا، هذا عليه زكوات وعليه صدقات، فإذا بخل بما أوجب الله عليه يعطى من الزكاة؟ أبداً، ولو مات، ما يعطى من الزكاة مثل هذا، وإن شاع عرفاً أن هذا محروم، لكن ليس هو المراد بالنصوص.
من أهل العلم من يقول: إن الآية في الزكاة، إذا قارنها بالآية الأخرى: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ * لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [(٢٤ - ٢٥) سورة المعارج] فالمعلوم والمحدد شرعاً هو الزكاة هي التي لها أنصبة ولها فروض ولها .. ، هي المعلوم، حق المعلوم بالتحديد من الشارع إنما هو في الزكاة، أما الصدقات المندوبة ليس لها ضابط يضبطها تأتي من ((ولو بشق تمرة)) إلى أن تبرع أبو بكر بجميع ماله، هذا كله من المندوب، وليس بمعلوم، يعني سواءً تصدقت بشق تمرة، ((ولو بفرسن شاة محرق)) إلى أن يصل إلى أن تتصدق بجميع مالك كما فعل أبو بكر ﵁، الآن نكتفي بهذا، والله أعلم.
وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
следующие страницы →