← Тафсир

Тафсир · id 23842

التعليق على تفسير الجلالين - عبد الكريم الخضير

عبد الكريم الخضير

Полный текст (768 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

يعني المراتب الأربعة ما فيها مؤاخذة، لكن الأخير الذي هو العزم يؤاخذ عليه، العزم يؤاخذ عليه، ﴿تُوَسْوِسُ﴾ [(١٦) سورة ق] "تحدث به" الباء زائدة أو للتعدية، زائدة أو للتعدية، يعني هل الفعل لازم أو متعدي؟ إذا قلنا: لازم قلنا: الباء للتعدية، إذا قلنا: الفعل لازم "توسوس"، قلنا: الباء للتعدية، وإذا قلنا: متعدي قلنا: الباء زائدة، طيب كيف نقول: الباء زائدة والقرآن محفوظ من الزيادة والنقصان؟ يعني لو حذفناها ما تأثر الكلام؟ يعني زائدة من حيث الإعراب، لا يتأثر الكلام وأما بالنسبة للمعنى لا شك أنها تعطيه قوة، يعني مثل ما قالوا في قوله -جل وعلا-: ﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ [(٧٢) سورة الكهف] وفي الآية الثانية: ﴿أَلَمْ أَقُل لَّكَ﴾ [(٧٥) سورة الكهف] يعني هل الآية الثانية تختلف عن الآية الأولى؟ الأولى ما فيها (لك)، والثانية فيها (لك) قالوا: لك زائدة، وقالوا: إن هذا مجاز بالزيادة، واسترسلوا في مثل هذا الكلام، لكن المقطوع به المجزوم به أن القرآن مصون من الزيادة والنقصان، ليس معنى هذا أنه جاء من زادها بالكلام، لا، هذا ما يقول به أحد لأن الذي يقول بمثل هذا يكفر، لو قال مثلاً، قرأ الباء زائدة، ثم جاء بالقلم ومسحها، ما دام زائدة ما لنا بها لازم، وأنكرها، ما دامت زائدة ليست من القرآن، لا، هذا خطر عظيم، هذا كفر، إذا أنكرت حرفاً من بين الدفتين أو زدت حرفاً يعني الأمة أجمعت عليه، أجمعوا عليه من الصحابة إلى يومنا هذا، فهو مصون من الزيادة والنقصان، وهذا في زيادة حرف أو نقصه، فكيف بمن يقول: إن القرآن ناقص والموجود بأيدي الناس ما يعادل ولا الثلث؟ هذا نسأل الله العافية كفر بواح، مقصودهم بالزائد هنا يعني من حيث الإعراب، ومن حيث المعنى باعتبار أن الفعل يتعدى بنفسه، وقد يزاد الحرف للتقوية، ما جاءني من أحد، نقول: هذه من زائدة، والأصل: ما جاءني أحد، لكنها جيء بها لتأكيد النفي، لتأكيد النفي وتمحضه، فمن حيث المعنى تفيد الكلام قوة، وإن كانت من حيث الإعراب يجوز حذفها في الكلام العادي لا في كلام الله -جل وعلا-.

стр. 177

كثيراً ما يعبرون عن الحرف الزائد يقولون: صلة، صلة، وهذا موجود حتى في هذا التفسير، الباء صلة، إيش معنى صلة؟ لا محل لها من الإعراب مثل صلة الموصول، ولا شك أن في مثل هذا أدب، تأدب مع القرآن المصون من الزيادة والنقصان، المحفوظ، المقصود أن مثل هذا يتنبه له؛ لأنه يمر على طلاب العلم المبتدئ قد يوجد عنده ريبة، شيء من الشك، يعني القرآن فيه زيادة؟ فيه نقصان؟ لا، لا زيادة ولا نقصان، ما بين الدفتين محفوظ، فمثل هذا ينتبه له، الباء زائدة أو للتعدية، زائدة إذا قلنا: إن الفعل يتعدى بنفسه، وللتعدية إذا كان .. ، إذا قلنا: إن الفعل وسوس يوسوس هذا فعل لازم، والضمير للإنسان، ما توسوس به، الضمير في (به) يقول: الضمير للإنسان، أولاً: نفسه هو فاعل توسوس، والضمير للإنسان وليت معنا تفسير الجلالين لكن ما .. ، الأصل أننا نتفق مع الإخوان على هذا التفسير وينبه عليه في الإعلان، ويكون بأيدي الإخوان، لأن هذا مهم وجوده باليد مهم أثناء الشرح؛ لأن مثل هذه يقول: والضمير للإنسان، الضمير في (به) أو نفسه؟ مقتضى صنيع المؤلف أن الضمير للإنسان في (به) لأنه هو الذي تقدم الحديث عنه، (به) الباء زائدة أو للتعدية والضمير للإنسان، الضمير في (به) للإنسان؟ لا، أبداً ما يقول هذا أحد، توسوس به أي بحديث النفس، نفسه فاعل توسوس، والضمير في نفسه هذه يعود للإنسان، والأصل أن يقول: الباء زائدة أو للتعدية، نفسه، الضمير يعود إلى الإنسان، أما في (به) الضمير في به هل يعود للإنسان؟ ﴿وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ﴾ [(١٦) سورة ق] أي بالإنسان أو بحديث النفس؟ بحديث النفس، يبقى أن الضمير العائد للإنسان ما في قوله: ﴿نَفْسُهُ﴾ [(١٦) سورة ق] هذا نفسه نفس الإنسان، ونحن أقرب من حبل الوريد ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [(١٦) سورة ق] ونحن أقرب يقول المؤلف: "بالعلم" من حبل الوريد، يقول المؤلف: "بالعلم"، المعية، المعية فسرها جمهور السلف بالعلم حذراً مما يظن من حلول الله -جل وعلا- في كل مكان، نفياً لمقالة الحلولية، وأن الله حال في كل مكان، وهنا يقول: نحن أقرب فيقول: "بالعلم" الأصل المتكلم ولقد خلقنا الإنسان ونحن السياق واحد،

стр. 178

من الذي خلق الإنسان؟ نعم هو الله -جل وعلا-، ونحن أقرب إليه السياق على نسق واحد، فظاهر السياق يدل على أن الضمير ضمير متكلم يعود إلى الله -جل وعلا-، والعرب تؤكد فعل الواحد بضمير الجمع، كما قال ذلك الإمام البخاري في صحيحه في تفسيره سورة: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ﴾ [(١) سورة القدر] في تفسيره سورة: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ﴾ [(١) سورة القدر] من صحيح البخاري يقول: "العرب تؤكد فعل الواحد بضمير الجمع"، السياق في قوله: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ﴾ [(١٦) سورة ق] يدل على أن المراد المتكلم هو الله -جل وعلا-، أقرب وصفة القرب ثابتة لله -جل وعلا-، صفة القرب ثابتة لله -جل وعلا-، مع أنه مستوٍ على عرشه، بائن من خلقه، ولا تعارض ولا تناقض كما في حديث النزول، الرب -جل وعلا- ينزل في آخر كل ليلة إلى السماء الدنيا، مع أنه مستوٍ على عرشه، بائن من خلقه، حتى قرر شيخ الإسلام أنه لا يخلو منه العرش، لا يخلو منه العرش مع نزوله -جل وعلا- نزولاً يليق بجلاله وعظمته، هؤلاء الذين أولوا القرب وهو ثابت لله -جل وعلا- بالعلم فراراً من اللازم وهو الحلول، تعالى الله عما يقوله الظالمون علواً كبيراً يقولون: حل في كل مكان، ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ﴾ [(١٦) سورة ق] لا شك أن من يؤوله بالعلم كما أول السلف المعية بالعلم درءاً لما يفهمه اللفظ من الحلول له وجه، وقال بهذا أئمة، شيخ الإسلام ﵀ ويؤيده ابن القيم وابن كثير في قوله: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ﴾ [(١٦) سورة ق] قال: الملائكة، وقرب الشيء، قرب الشيء يعني في المحسوسات بقرب أعوانه ملحوظ، والملائكة لا شك أن الله -جل وعلا- يوكلهم ببعض الأعمال، يوكلهم ببعض الأعمال، فقربهم هنا .. ، شيخ الإسلام هل نقول: شيخ الإسلام ينفي صفة القرب أو ابن القيم وابن كثير؟ لا، يعني لو قال: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ﴾ [(١٦) سورة ق] ما عرف لا عن شيخ الإسلام ولا ابن القيم ولا ابن كثير قاله أي مفسر من المفسرين الذين التأويل متعمد عندهم، قلنا: قالوا هذا فراراً من صفة القرب، لكن يقول هذا الكلام من يثبت صفة القرب هل يتهم بأنه يفر من إثباتها؟ لا، وهذا ملحظ ينبغي أن يلاحظه طلاب العلم، أحياناً تجد في كلام شيخ

стр. 179

الإسلام أو ابن القيم أو غيرهم من أئمة التحقيق ما ظاهره التأويل، فمثلاً لو جاءنا قال ابن القيم في قوله ﵊: ((الذي نفسي بيده)) قال: "روحي في تصرفه" هل نقول: إن ابن القيم يفر من إثبات صفة اليد؟ لا، ما يمكن أن نقول هذا، لكن لو قالها النووي أو ابن حجر أو غيره؛ لأننا نعرف من مذهبهم التأويل، ونعرف من مذهب ابن القيم الإثبات قلنا: إنه فسر باللازم فراراً من إثبات الصفة.

стр. 180

وعلى كل حال شيخ الإسلام في هذه الآية ومثله كلام ابن القيم وابن كثير في كون المتكلم هنا بضمير (نحن) الملائكة، بدليل ما يليه، فمن فسره بأن المتكلم هو الله -جل وعلا-، وهو أقرب إلى الإنسان من حبل وريده، قرباً يليق بجلاله وعظمته كسائر صفاته الثابتة عنه وعن نبيه هذا هو الأصل، من فسره بالعلم لا سيما وأن المسألة ليست من المسائل المتفق عليها بين سلف هذه الأمة، المسائل المتفق عليها لا يسوغ لأحد الخلاف، وليست محل نظر ولا جدال، لكن ما يحصل فيه خلاف ما يحصل فيه خلاف إذن الخلاف سائغ، ما دام اختلف السلف في هذا للخلف أن يختلفوا، فمثل هذا التأويل (نحن) يعني الملائكة، أو نحن أقرب بالعلم كما يقول المؤلف، ويقول به جمع من أهل العلم، أو يكون المتحدث كما هو الأصل ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا﴾ [(١٦) سورة ق] المتكلم هو الله ، هو الذي خلق الإنسان وهو الذي أقرب إليه من حبل الوريد، والسياق يدل على هذا، ﴿مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [(١٦) سورة ق] يقول: "الإضافة للبيان" الإضافة للبيان، حبل الوريد: الإضافة بيانية، وفيها شوب تبعيض، يعني مثل ما تقول: خاتمُ حديدٍ، خاتم حديد، خاتم حديد إضافة بيانية؛ لأننا بينا الخاتم بكونه من الحديد، وفيها شوب تبعيض كما يقول أهل العلم لأن الخاتم بعض من هذا الحديد، والحبل هنا بُين بكونه حبل الوريد، فهو يقول: "الإضافة للبيان، والوريدان عرقان بصفحتي العنق" بصفحتي العنق، عرقان بصفحتي العنق، هذه قريبة من روح الإنسان، بحيث إذا قطعا تعرضت حياته للزوال، وهما أيضاً قريبان وارتباطهما بالقلب ارتباطاً وثيقاً، فالله -جل وعلا- على ما يدل عليه السياق أقرب من هذين الحبلين، من هذين الوريدين في صفحتي العنق، ومنهم من يقول: الوريد عرق يتخلل جميع جسد الإنسان، وهو عرق خطر بحيث لو انفجر صارت الحياة مهددة، يقول: "والوريدان: عرقان بصفحتي العنق" لماذا ما قال: من حبلي الوريد؟ قال: حبل الوريد وهما عرقان؟ قد يذكر المفرد ويراد به الجنس، يعني مثل حديث: ((لا يصلي أحدكم في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء)) عاتقه: المراد جنس العاتق، فيدخل العاتق الثاني، فهما العاتقان، بدليل الرواية الأخرى: ((ليس على

стр. 181

عاتقيه منه شيء)) فيطلق المفرد ويراد به التثنية. ﴿إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ﴾ [(١٧) سورة ق] يقول .. ، وهذا كثير جداً في هذا التفسير وغيره من التفاسير يجعلون (إذ) منصوبة بفعل مقدر تقديره: اذكر، " (إذ) ناصبه اذكر مقدراً" هو منصوب، وناصبه على هذا الكلام فعل أمر مقدر تقديره: اذكر إذ يتلقى المتلقيان، وكثيراً ما تقدر (اذكر) قبل (إذ) في مواضع كثيرة من القرآن، هل يصح أن تتعلق (إذ) بما قبلها من الكلام؟ هل يصح أن نقول: ولقد خلقنا الإنسان إذ يتلقى؟ ولقد خلقنا الإنسان إذ يتلقى؟ أو يقول: ونعلم ما توسوس به إذ يتلقى المتلقيان، أو يقال: ونحن أقرب إليه من حبل الوريد إذ يتلقى المتلقيان؟ هل يجوز أن تتعلق (إذ) بالجملة السابقة؟ أو نأتي بمقدر لأنه لا يصلح تعلق (إذ) هذه بالجمل السابقة؟ كأنه على رأي المؤلف أنها لا تصلح أن تتعلق بشيء مما تقدم، فقدر (اذكر). أولاً: ولقد خلقنا الإنسان إذ يتلقى المتلقيان هذا لا يمكن تعلقه بخلقنا، ونعلم إذ يتلقى ما يصلح أيضاً، ونحن أقرب إليه من حبل الوريد إذ يتلقى، هل يمكن أن يعلق هذا ﴿إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾ [(١٧) سورة ق] ونحن أقرب إليه من حبل الوريد؟ هذا الكلام يمكن على رأي شيخ الإسلام، وهو أن ضمير المتكلم الجمع يعود إلى .. ، أو يفسر بالملائكة إذ يتلقى نحن أقرب إليه من حبل الوريد إذ يتلقى، فمتعلق بهذا القرب من قبل هؤلاء الملائكة.

стр. 182

﴿إِذْ يَتَلَقَّى﴾ [(١٧) سورة ق] يعني: "يأخذ ويثبت" ﴿الْمُتَلَقِّيَانِ﴾ [(١٧) سورة ق] "الملكان الموكلان بالإنسان ما يعمله" يعني على رأي شيخ الإسلام يصح أن يكون متعلق الظرف (إذ) هو ما تقدم ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [(١٦) سورة ق] يتلقى: "يأخذ ويثبت"، ﴿الْمُتَلَقِّيَانِ﴾ [(١٧) سورة ق] "الملكان ... بالإنسان ما يعمله" أحدهما عن يمينه، عن اليمين، والثاني عن الشمال ... ، من هذا الإنسان وأحدهما عن يمينه، والآخر عن شماله، أحدهما يكتب الحسنات، والثاني يكتب السيئات، فهما موكلان بالإنسان بما يعمله، أحدهما عن اليمين والثاني عن الشمال، وهذا مقطوع به، ﴿قَعِيدٌ﴾ [(١٧) سورة ق] فعيل، أي قاعدان، يعني واحد قاعد عن اليمين والثاني قاعد عن الشمال، هل المراد بالقعود هنا بصفته المعروفة قعيد بمعنى قاعد أو أن قعيد بمعنى ملازم؟ ملازم، فرق بين الأمرين، يعني إذا قلت: زيد قاعد مع عمرو، يعني يتم هذا ولو قعد عنده لحظة واحدة قلنا: أنه قاعد عنده، لكن إذا قلنا: قعيد ملازم للقعود عنده، إذا قيل: زيد قعيد الملك يعني أنه ملازم، لكن قاعد عند الملك ولو مرة واحدة، فتفسيره بقوله: "قعيد أي: قاعدان" هذا لا يفيد المطلوب، وإنما المراد بالفعيل صيغة المبالغة، صيغة المبالغة تدل على الملازمة، ملازمة هذا القعود، قعيد، هما متلقيان، وهما ملكان، وأخبر عنهما بقعيد، قعيد: فعيل، تصلح للواحد والاثنين والجمع والمذكر والمؤنث، تقول: زيد قعيد عمرو، وهند قعيد فاطمة، والزيدان قعيد عمرو، والرجال أو العلماء قعيد الملك مثلاً، فيصلح أن يخبر بفعيل عن الواحد والاثنين والجمع والمذكر والمؤنث، ولذا ما قال: قعيدان، عن اليمين وعن الشمال قعيدان، كما في قول الله -جل وعلا-: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللهِ قَرِيبٌ﴾ [(٥٦) سورة الأعراف] ما قال: قريبة، قريب من المحسنين ما قال: قريبة من المحسنين، وهنا قال: قعيد، ففعيل يصح أن يخبر بها عن الواحد والاثنين والجمع والمذكر والمؤنث، وهذا ظاهر وواضح مثل: قريب، ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [(٥٦) سورة الأعراف] منهم من يقول: هما قاعدان، ولكنه قول فيه ما فيه، أوضح الأقوال أن

стр. 183

يقال: فعيل .. ، صيغة فعيل يخبر بها عما تقدم، ونظيرها في القرآن: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللهِ قَرِيبٌ﴾ [(٥٦) سورة الأعراف] وهذا واضح، لكن ماذا قال المؤلف؟ "أي قاعدان، وهو مبتدأ خبره ما قبله" مبتدأ خبره ما قبله، الجملة التي قبله هي الخبر، لماذا أخر المبتدأ؟ ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾ [(١٧) سورة ق] هنا يجوز تأخير المبتدأ أو لا يجوز؟ أو يجب؟ لأنه قال: "وهو مبتدأ خبره ما قبله" يعني مبتدأ مؤخر، وخبره ما قبله، فهل تأخير المبتدأ هنا جائز أو ممنوع أو واجب؟ نعم؟ واجب، لماذا؟ لأنه نكرة. ونحو عندي درهم ولي وطر ... ملتزم فيه تقدم الخبر

стр. 184

ملتزم فيه تقدم الخبر، هذان الملكان المتلقيان الموكلان بالإنسان، أحدهما يكتب الحسنات والثاني يكتب السيئات، ﴿مَا يَلْفِظُ﴾ [(١٨) سورة ق] الإنسان ﴿مِن قَوْلٍ﴾ [(١٨) سورة ق] من قول: نكرة في سياق النفي فتعم كل قول، ﴿إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ﴾ [(١٨) سورة ق] "حافظ" ﴿عَتِيدٌ﴾ "حاضر وكل منهما بمعنى المثنى" ما يلفظ من قول المكلف ما يلفظ من قول، وقول نكرة في سياق النفي فتعم كل قول، ما يؤجر عليه ويثاب عليه، وما يؤاخذ به، وما لا يؤاخذ به، وما لا يؤجر عليه، كل كلام ينطق به، كـ (قمت وقعدت وكذا وكذا) يسجل، وما يؤاخذ به كقول الزور والبهت والقذف وما أشبه ذلك يؤاخذ عليه، وما يؤجر به من تلاوة القرآن، ومن الذكر، وقول الحق، والدعوة إلى الخير هذا أيضاً يكتب، فكل شيء يكتب، وهذا قول من أقوال أهل العلم يدل له: ﴿مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [(١٨) سورة ق] فهما يكتبان كل شيء، طيب إذا كان الذي عن اليمين يكتب الحسنات واللي عن الشمال يكتب السيئات فمن الذي يكتب الكلام المباح؟ يعني إذا قال: قمت وقعدت وكذا، من الذي يكتب الكلام المباح على هذا القول؟ هل يعد هذا الكلام مما يحفظ له ويثاب عليه فيكتبه الملك الذي عن يمينه أو يكتب في كفة سيئاته فيكتبها الملك الذي عن شماله؟ هو لا هذا ولا هذا، مباح، إلا أنه باعتبار أنه يشغل عما يثاب عليه فهو مذموم به من هذه الحيثية، ثم بعد ذلك يمحى لأنه لا ثواب ولا عقاب، ومنهم من يقول: إنه لا يكتب إلا ما يثاب عليه وما يعاقب به، ما يثاب عليه وما يعاقب به، يعني لو افترضنا أن شيخ من الشيوخ يملي على طلابه يشرح كتاب ووجدنا طالب نبيه لا يكتب إلا ما يفيد، وطالب آخر يكتب كل شيء، لو عطس الشيخ كتب: عطس الشيخ، لو يكح قال: كح الشيخ، ويكتب الكلمة مرتين ثلاث حسب تكرارها في كلام الشيخ أيهما أفضل؟ لا شك أن اللي يقتصر على المفيد بحيث لا يفرط بشيء منه، ويترك ما لا فائدة فيه أصلاً هذا لا شك أنه أكمل، لكن هل يتسنى لكل أحد مثل هذا؛ لأن هذا يعاني منه كثير من الطلاب، بعض الطلاب يقول: أنا ما أكتب إلا ما يفيد، ثم بعد ذلك يفرط في فوائد كثيرة، يظنها غير مفيدة، وغيره يظنها مفيدة،

стр. 185

ولذلك لو استعرضتم كتب الطلاب التي يحضرون بها الدروس لوجدت التفاوت العجيب، تجد هذا الكلام مفيد عند فلان، والكلام غير مفيد عند فلان لكنه كتب غيره، وحينئذ تعليق الشيخ على الكتاب ينبغي أن ينظر في جميع الكتب الموجودة، ما ينظر إلى تعليق واحد، هذا مجرد استطراد وإلا فالذي عندنا المسألة خلافية، هل يكتب الملكان كل شيء حتى ما لا ثواب فيه ولا عقاب ثم بعد ذلك يمحو الله ما يشاء ويثبت؟ أو يقال: إنه لا يكتب إلا ما يثاب عليه أو يعاقب به لأنه هو محل الجزاء؟ وهما قولان معروفان عند أهل العلم، والآية مخيفة بالنسبة لمن يطلق لسانه بالقيل والقال، من يطلق لسانه بالقيل والقال ﴿مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [(١٨) سورة ق] فعلى الإنسان أن يتحرى، ولذا لما قال معاذ ﵁: "وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ قال: ((ثكلتك أمك يا معاذ، وهل يكب الناس على وجوههم أو قال: على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم)) أنت مؤاخذ بالكلام، بالقيل والقال، والإنسان الذي عود نفسه على كثرة الكلام لا شك أن من كثر كلامه كثر سقطه، وقد يتحرى في المجلس الأول ولا يقول إلا المباح، لكنه قد يضطر بعد ذلك إلى المفضول والفضول من الكلام، ثم إلى المحرم منه، وهذا شيء مشاهد. ﴿مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ﴾ [(١٨) سورة ق] "حافظ" ﴿عَتِيدٌ﴾ "حاضر وكل منهما بمعنى المثنى" رقيب وعتيد مثل قعيد، يخبر بهما عن الاثنين، الأصل أن يقال: رقيبان، عتيدان، لأنهما ملكان، لكن يخبر بفعيل كما قال: قعيد مثل ﴿رَحْمَتَ اللهِ قَرِيبٌ﴾ [(٥٦) سورة الأعراف] قال: أيضاً رقيب وعتيد وهما اثنان، ولذا قال المفسر: "وكل منهما بمعنى المثنى".

стр. 186

﴿وَجَاءتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ﴾ [(١٩) سورة ق] سكرة الموت: "غمرته وشدته" غمرته وشدته، والنبي ﵊ وهو يعالج من الموت شدة، ويقول: ((إن للموت لسكرات)) ولا شك أن مثل هذه الشدة مما يكفر بها عن الإنسان، ﴿وَجَاءتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ﴾ [(١٩) سورة ق] "غمرته وشدته" ﴿بِالْحَقِّ﴾ [(١٩) سورة ق] "من أمر الآخرة" الآن إذا بدأ النزع واطلع الإنسان على ما كان يخفى عليه، ووصل إلى حد الغرغرة قبيل خروج الروح هذا لا ينفعه ندم، ولا يقبل منه توبة، لماذا؟ لأنه عاين الآن انتهى، الآن وصل إلى مرحلة المعاينة، والإيمان والعمل الصالح إنما ينفع في حال الغيب، ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [(٣) سورة البقرة] الآن صار شهادة، ولذا جاء في الحديث الصحيح أن التوبة مقبولة ما لم يغرغر، ما لم تطلع الشمس من مغربها، ما لم يأت الدجال أو الدابة، كل هذه معاينة، انكشف الغطاء، فلا ينفع الإيمان، فلا ينفع نفس إيمانها.

стр. 187

﴿وَجَاءتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ﴾ [(١٩) سورة ق] "غمرته وشدته" ﴿بِالْحَقِّ﴾ [(١٩) سورة ق] "من أمر الآخرة حتى يراه المنكر لها عياناً" عياناً فالمخالف يبشر بالنار، والعذاب، والذين قالوا: ربنا الله ثم استقاموا يبشرون بالجنة، ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [(٣٠) سورة فصلت] الآن صار عيان الآن ما فيه، ما ينفع الإيمان في هذا الوقت، "حتى يراه المنكر لها عياناً، وهو نفس الشدة" وهو نفس الشدة، جاءت سكرة الموت بالحق، خلاص هذه المقدمة التي ينكشف له فيها ما لم يره قبل ذلك، جاءته بالحق، الآن حق اليقين؛ لأن عندك اليقين مراتب: علم اليقين، وحق اليقين، وعين اليقين، فعلم اليقين إذا أخبرك من تثق به وتجزم بصحة خبره بأمر من الأمور، إذا قال لك: جاء العسل، الآن يباع في الأسواق، وهذا صادق، وجاءك ثاني وثالث ورابع، بحيث تجزم بأن العسل يباع في الأسواق، أو غيره من المأكولات التي انقطعت، هذا علم اليقين، فإذا رأيته إذا رأيته صار عين اليقين، وإذا لعقت منه صار حق اليقين، حق اليقين الذي لا مراء فيه، أحد يبي ينكر شيء وهو بيأكل منه؟ نعم، أحد ينكر شيء إلا في حال غفلة وإلا ذهول وإلا اختلال عقل، وإلا ما يمكن يأكل منه ويقول: ما هو بموجود، هذا إيش؟ حق اليقين، جاءت سكرة الموت بالحق خلاص ما عاد في مجال للإنكار.

стр. 188

﴿ذَلِكَ﴾ [(١٩) سورة ق] "الموت" ﴿مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ ما كنت منه تحيد: "تهرب وتفزع" تحيد عن أسباب الموت، لكن إذا جاء وقته لا مفر ولا مهرب ولا مفزع، قد يقال لك مثلاً: إن الحج في هذه السنة فيه وباء وافد من بعض الحجاج، تقول: والله السنة هذه ما أنا بحاج، أخشى من هذا الوباء، تهرب من الموت وتفزع منه، لكن ﴿إِذَا جَاء أَجَلُهُمْ فَلاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [(٤٩) سورة يونس] والراكب في القصة التي عرفها الناس كلهم، الطائرة التي احترقت قبل سنين كان واحد من ركابها رأت أمه في النوم أن هذه الطائرة سوف تحترق، فبينما ولده نائماً وقال لها: أيقظيني في الساعة الفلانية مثلاً الساعة السابعة؛ لأن الحضور الساعة ثمان مثلاً صباحاً، أمه بعد هذه الرؤيا ما أيقظته، انتبه في الساعة الثامنة ولا ما يمديه، غضب غضباً شديداً وصار يتحدث ويتكلم بألفاظ بذيئة على أمه ويذم ويشتم، ما صارت الساعة تسعة ونصف إلا الطائرة وقد حصل لها ما حصل، رجع الولد فنام، لما أيس نام، الساعة التاسعة والنصف حصل للطائر ما حصل، فجاءت الأم لتبشر ابنها أنه ما مات معهم، فإذا به ميت في فراشه، ما في مفر ولا مهرب ولا مفزع، ﴿إِذَا جَاء أَجَلُهُمْ فَلاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [(٤٩) سورة يونس] والله المستعان.

стр. 189

﴿ذَلِكَ﴾ [(١٩) سورة ق] يعني "الموت" ﴿مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ "تهرب وتفزع" ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ﴾ [(٢٠) سورة ق] البوق الذي ينفخ فيه ملك الموت النفخات المعروفة نفخة الصعق، والفزع والبعث على خلاف بين أهل العلم هل النفخات اثنتان أو ثلاث؟ كلام معروف لأهل العلم، وهل الفزع نفخة مستقلة أو هي مقدمة للصعق؟ على كل حال بسط هذا له موضعه، ونفخ في الصور وكيف ينعم الإنسان وملك الموت الموكل بالنفخ قد حنا ظهره والتقم البوق –الصور- لينفخ فيه؟ ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ﴾ [(٨) سورة المدثر] ﴿فَذَلِكَ﴾ إيش؟ ﴿يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ [(٩) سورة المدثر] هل يدرك الإنسان معنى هذا الكلام وعظمة هذا الكلام؟ لكن القلوب غطى عليها ما غطى وإلا فزرارة بن أوفى سمع الإمام يقرأ ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ﴾ [(٨) سورة المدثر] ففاضت نفسه وهو في الصلاة، وهذه الآية لا تحرك ساكن، بل قد يتجاوزها الإنسان وما شعر بها، وهنا ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ﴾ [(٢٠) سورة ق] يعني: "للبعث" ﴿ذَلِكَ﴾ يعني "يوم النفخ" ﴿يَوْمُ الْوَعِيد﴾ "للكفار بالعذاب" يوم الوعيد للكفار بالعذاب، وهو أيضاً يوم الوعد بالنسبة للمؤمنين بالنعيم كما أنه إذا قبر الميت وجاءه الملكان وسألاه، معروف وضعهم كما جاءت به السنة الذي لا يجيب، الذي يقول: هاه هاه لا أدري، هذا يعذب ويضيق عليه قبره، ويفتح له باب إلى النار، ويقول: رب لا تقم الساعة، بينما الذي يجيب بالأجوبة السديدة الصحيحة يفتح له باب إلى الجنة، ويوسع له في قبره، ويأتيه من روح الجنة، ثم يقول: يا رب أقم الساعة، لماذا؟ لأن الأول: ما وراءه أعظم مما هو فيه، والثاني: ما وراءه أعظم مما هو فيه.

стр. 190

﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ﴾ [(٢٠) سورة ق] "للبعث" ﴿ذَلِكَ﴾ "يوم النفخ" ﴿يَوْمُ الْوَعِيد﴾ "للكفار بالعذاب" ﴿وَجَاءتْ﴾ [(٢١) سورة ق] "فيه" يعني في هذا اليوم ﴿كُلُّ نَفْسٍ﴾ [(٢١) سورة ق] "إلى المحشر" موضع الحشر الذي يحشر فيه الناس، ﴿مَّعَهَا سَائِقٌ﴾ [(٢١) سورة ق] معها "ملك يسوقها إليه" ﴿وَشَهِيدٌ﴾ [(٢١) سورة ق] "يشهد عليها" وشهيد: "يشهد عليها بعملها" يقول: "وهو الأيدي والأرجل وغيرها" الشاهد يحتمل أن يكون الملك أو الملكان اللذان وكلا به في حال حياته يكتبان ما يعمل وما ينطق به يشهدان عليه، ويحتمل ما ذكره من الأيدي والأرجل وغيرها، والمواضع التي عبد الله فيها تشهد له، ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ﴾ [(٦٥) سورة يس] اليد تتكلم تنافح وتدافع باعتبار أنها كالجزء من الإنسان؛ لقربها من قلبه، وأما الرجل فكأنها بعيدة عنه كما قال بعض أهل العلم فاليد تتكلم والرجل تشهد، فتشهد عليه، وإذا أعطي المخالف كتابه بشماله ونظر فيه قال: لا أقبل إلا شاهداً من نفسي، هؤلاء زادوا علي، لا بد من شاهد علي من نفسي، فتنطق الأيدي، وتشهد الأرجل، ويقول: بعداً بعداً، سحقاً سحقاً، كنت عنكن أنافس وأنافح، وهذا من باب قيام الحجة، والله -جل وعلا- عالم بما يعملون، وعالم بما تؤول إليه أمورهم، وليس بحاجة إلى من يشهد، لكنه من باب إقامة الحجة، ولذا يقول أهل العلم: أن القاضي لا يحكم بعلمه، بل لا بد من المقدمات الشرعية، قاضي يعلم من فلان من الناس أنه يشرب الخمر؛ لأنه من جيرانه، ومطلع على أحواله، لا يقضي عليه القاضي ويحكم عليه بالجلد بعلمه، لا بد أن يشهد عليه ببينة أو يعترف، فالقاضي لا يحكم بعلمه، وهذا أمر مقرر معروف، وإن كان بعض قدماء القضاة يحكمون بالعلم كشريح القاضي والله -جل وعلا- يعلم السر وأخفى، يعلم ما تكنه الضمائر، ويعلم ما تخونه الأبصار، لكنه من باب قطع الحجة أتي بالصحف ووضعت في الميزان، وشهد على الإنسان أقرب الناس إليه وهو أبعاضه وأجزاؤه، "ويقال للكافر" يقول المؤلف: "ويقال للكافر: ﴿لَقَدْ كُنتَ﴾ [(٢٢) سورة ق] "في الدنيا" -لقد كنت يعني فيما مضى في الدنيا-

стр. 191

﴿فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَذَا﴾ [(٢٢) سورة ق] "من هذا النازل بك اليوم" كنت غافلاً عنه، ﴿فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءكَ﴾ [(٢٢) سورة ق] "أزلنا غفلتك بما تشاهده اليوم" ﴿فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ [(٢٢) سورة ق] "حاد تدرك به ما أنكرته في الدنيا" ﴿فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ [(٢٢) سورة ق] يعني: حاد ﴿لَقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَذَا﴾ [(٢٢) سورة ق] غفلة في الدنيا، من هذا "النازل بك في هذا اليوم" يعني مثل الطالب -مثال تقريبي- الطالب طول العام وهو في غفلة، يلهو ويلعب ويسرح ويمرح، يجتمع بالناس، ويغدو ويروح ثم بعد ذلك إذا جاءت أيام الامتحانات كان في غفلة، فالآن تبدأ ثم إذا اختبر وطلعت النتائج أين أنت أيام الغفلة؟ فعلى الإنسان أن يعد العدة. ﴿فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءكَ﴾ [(٢٢) سورة ق] "أزلنا غفلتك بما تشاهده اليوم" ﴿فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ "حاد تدرك به ما أنكرته في الدنيا" وهذا على أساس أن الخطاب للكافر كما قال المؤلف. منهم من يقول: إن المخاطب الجنس جنس الإنسان، الجنس المؤمن والكافر، كان في غفلة من هذا، من هذا الذي سيحصل، حتى المؤمن المستعد المؤمن بالله -جل وعلا- المؤتمر للأوامر، المنتهي عن النواهي عنده شيء من الغفلة، ولولا هذه الغفلة لعمر وقته كله بطاعة الله، ولما ترك لحظة تفوت من عمره إلا فيما يرضي الله -جل وعلا-، هذه غفلة.

стр. 192

ومنهم من يقول: الخطاب للنبي ﵊، ﴿لَقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَذَا﴾ [(٢٢) سورة ق] الخطاب للنبي ﵊ الأسلوب أسلوب مدح وإلا ذم؟ السياق سياق مدح وإلا ذم؟ سياق ذم، لقد كنت -والخطاب للنبي ﵊ يا محمد في غفلة من هذا، يعني قبل البعثة ﴿فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءكَ﴾ [(٢٢) سورة ق] ببعثتك إلى أمتك، وإرسال جبرائيل إليك بالوحي كشفنا عنك الغطاء، ﴿فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ [(٢٢) سورة ق] حاد تدرك به ما في المستقبل، ولا شك أن الناس يتفاوتون حتى المسلمون والمؤمنون والعلماء والعباد يتفاوتون في هذا تفاوت شديد، منهم من يرى ما سيجري في الآخرة نظر العيان، كما قال الصحابي ﵁: "أصبحت مؤمناً حقاً" قال: ((اعلم ما تقول، فإن لكل حق حقيقة)) ثم شرح يقول: "كأني أرى عياناً ما يدور في القيامة" يرى كذا ويرى كذا ويرى كذا، فالناس لا شك أنهم يتفاوتون، والاثنان من العلماء، أو من العباد، أو من العوام، أو من طلاب العلم بينهما تفاوت كبير، تجد هذا يدرك ما لا يدركه هذا، وهذا يتصور ما لا يتصوره هذا، تجد بعض الناس عند أدنى شيء يشك، وأدنى نص تجده يقف عنده قد يحتار، وتجد بعض الناس ما يقف في وجهه شيء، حتى أعقد الأمور بمسائل القضاء والقدر تنكشف له مثل الشمس، وهذا كلما رسخ القدم في العلم ووقر الإيمان في القلب تكشفت له الأمور، فإذا كان الخطاب هذا للنبي ﵊ ﴿لَقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَذَا﴾ [(٢٢) سورة ق] يعني قبل بعثتك ﴿فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءكَ﴾ [(٢٢) سورة ق] الذي غطى عليك قبل الرسالة، انكشف بالرسالة ﴿فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ [(٢٢) سورة ق] يعني تجد بعض الناس يأتي إلى عالم يقول: والله أنا هذا النص حيرني، كأني أحس أن فيه شيء من التناقض، تجد هذا ما عنده أدنى تردد في مثل هذا النص، بصره حديد حاد في مثل هذه الأمور، وتجد النصوص اللي فيها شيء من الاختلاف، اللي يعرف بمختلف الحديث تجد عند بعض أهل العلم من أسهل الأشياء، ولذا يقول ابن خزيمة: "من كان عنده خبران متضادان عن رسول الله ﷺ فليأتِ إليّ لأؤلف بينهما"

стр. 193

يعني هناك أخبار فيها تعارض في الظاهر تشكل على بعض طلاب العلم لكنها عند الراسخين في العلم لا إشكال فيها. ﴿فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ [(٢٢) سورة ق] يعني حاد تدرك به ما أنكرته في الدنيا.

стр. 194

﴿وَقَالَ قَرِينُهُ﴾ [(٢٣) سورة ق] الملك الموكل به، هذا أي الذي لدي عتيد، اعتدته وأعددته لهذا اليوم، هذه الصحف التي فيها حسناته، وهذه الصحف التي فيها سيئاته، انتظاراً لهذا اليوم، ﴿وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً﴾ [(٣١) سورة يوسف] فهذا معد وهو عتيد، يقول: ﴿هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ﴾ [(٢٣) سورة ق] أي: "حاضر" معد جاهز، فيقال لمالك خازن النار: ﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ﴾ [(٢٤) سورة ق] إذا كان القول متجه لمالك يعني كون الضمير مثنى ويعود للسائق والشهيد وهما اثنان واضح أو يعود للملكين الموكلين به، فيقال: أنتم اللذان رصدتما أعماله فألقياه في العذاب الشديد، أو للسائق والشهيد على خلاف بين أهل العلم هل هما الذي عن اليمين وعن الشمال أو غيرهما؟ المقصود أن عود الضمير إلى ما تقدم من التثنية ظاهر، ﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ﴾ [(٢٤) سورة ق] والمفسر يرى أنه يعود لمالك خازن النار، ﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ﴾ [(٢٤) سورة ق] والتثنية هنا ليست من باب تثنية المسند إليه، وإنما هو من باب تثنية المسند، إيش معنى هذا الكلام؟ أنه تكرار للفعل، ألق، ألق ولذا قال: "أي: ألق ألق" فكرر الفعل للتأكيد، وثني الفعل المكرر لفظاً، فكأن ألقيا: ألق ألق، وهذا له شواهده، ومنهم من يقول: إن الألف هذه ليست ألف تثنية، وإنما هي ألف منقلبة عن نون التوكيد ألقين، يا مالك ألقين، مثل لنسفعاً تكتب بالألف، وهنا ألقيا "أو ألقين، وبه قرأ الحسن فأبدلت النون ألفاً" ﴿كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ﴾ [(٢٤) سورة ق] "معاند للحق" معاند للحق، الآيات السابقات دلالة ظاهرة على أن واحد عن اليمين والثاني عن الشمال، لكن من أهل العلم من يرى أنه إذا كان جالساً فواحد عن يمينه وواحد عن شماله، إذا كان ماشياً فواحد من أمامه والآخر من خلفه، وإذا كان نائماً مضطجعاً فواحد عند رأسه وواحد عند رجليه، لكن هنا النص صريح في أن أحدهما عن اليمين والثاني عن الشمال، ﴿كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ﴾ [(٢٤) سورة ق] يعني: "معاند للحق" مخالف للحق مع عناد، والكفار: صيغة مبالغة فعال، وهل هذا الأمر ﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ﴾ [(٢٤) سورة ق] خاص بالكفار العنيد؟ وإذا عرفنا أن كفار صيغة مبالغة

стр. 195

فالكافر دونه، هناك كافر غير معاند، أو أن كل كافر كفار، وكل كافر معاند فيدخل الجميع في هذا الوعيد، لا شك أن كل كافر مآله إلى النار، وهو خالد مخلد فيها، فهل نقول: إنهم كلهم كل كافر كفار باعتبار أنه يزاول الكفر باستمرار وينوي الاستمرار عليه، فيستحق الوصف بالمبالغة، وهو أيضاً عنيد جاءته النصوص، وركب فيه من الاختيار ما يجعله يختار، الصراط المستقيم ومع ذلك خالفه وجانبه، فيصدق كل كفار عنيد، على كل كافر. ﴿مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ﴾ [(٢٥) سورة ق] مناع: صيغة مبالغة للمنع للخير الواجب عليه كالزكاة والنفقات، أو مناع لمن أراد أن يدخل في الإسلام كما قيل في شأن الوليد أنه منع أبناء أخيه من الدخول في الإسلام، هذا مناع للخير -نسأل الله العافية-، وهذا أعظم من منع المال، ويدخل في ذلك أيضاً من يمنع ما وجب عليه. ﴿مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ﴾ [(٢٥) سورة ق] "كالزكاة"، ﴿مُعْتَدٍ﴾ "ظالم"، يعني يتعدى على غيره، ظالم معتدٍ ﴿مُّرِيبٍ﴾ "شاك في دينه" والريب: هو الشك، والمريب: اسم الفاعل هو الذي يغشى مواطن الريب، شاك في دينه، ﴿الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ [(٢٦) سورة ق] مبتدأ، الذي جعل مع الله إلهاً آخر، الذي: مبتدأ ضمن معنى الشرط، ضمن معنى الشرط، خبره ﴿فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ﴾ [(٢٦) سورة ق] ولما ضمن معنى الشرط اقترن جوابه وخبره بالفاء، كأنه قال: من جعل مع الله إلهاً آخر فألقياه في العذاب الشديد، الذي جعل مع الله إلهاً آخر: مبتدأ ضمن معنى الشرط، فاقترن خبره بالفاء، ﴿فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ﴾ [(٢٦) سورة ق] تفسيره مثل ما تقدم، فألقياه تفسره مثل ما تقدم، فـ (من) ضمير التثنية يعود على من؟ يعني كونه يعود على المذكور في الآيات قبلها واضح، السائق والشهيد، الملكان عن اليمين وعن الشمال، ألقياه، هذا وضوحه ما يحتاج إلى استدلال؛ لأن ضمير التثنية يعود على الاثنين، لكن إذا قلنا: إنه يعود إلى مالك خازن النار واحد، فإما أن نقول: إن الفعل بمعنى: ألق ألق، الفعل مكرر وثني بسبب هذا التكرار، أو نقول: إن الألف ألقياه منقلبة عن نون التوكيد على ما تقدم، ولذلك قال: "تفسيره مثل ما تقدم".

стр. 196

﴿قَالَ قَرِينُهُ﴾ [(٢٧) سورة ق] "الشيطان" وكل إنسان له قرين كما جاء في الحديث الصحيح، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ((ولا أنا إلا أن الله -جل وعلا- أعانني عليه فأسلم)) يعني فلا يأمر إلا بخير. ﴿قَالَ قَرِينُهُ﴾ [(٢٧) سورة ق] "الشيطان"، ﴿رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ﴾ [(٢٧) سورة ق] لأنه لما قيل: ﴿فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ﴾ [(٢٦) سورة ق] أراد أن يحتج، قال: ليست العهدة علي العهدة على هذا الشيطان الذي أغواني، العهدة على هذا الشيطان الذي أغواني. ﴿قَالَ قَرِينُهُ﴾ [(٢٧) سورة ق] "الشيطان"، ﴿رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ﴾ [(٢٧) سورة ق] "أضللته" ﴿وَلَكِن كَانَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ﴾ [(٢٧) سورة ق] "فدعوته فاستجاب لي"، هو قابل نفسياً لهذه الدعوة فاستجاب، وليس بمجبر على أن يتبعني، هو عنده شيء من التخيير، وعنده شيء من الإرادة، بطوعه واختياره أطاع القرين، أطاع الشيطان، ﴿وَلَكِن كَانَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ﴾ [(٢٧) سورة ق] "فدعوته فاستجاب لي، وقال: هو أطغاني بدعائه لي"، وقال: هو أطغاني بدعائه لي. قال الله تعالى: ﴿لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ﴾ [(٢٨) سورة ق] لأنها خصومة هذه، هذا الكافر يقول: الشيطان أغواني وأطغاني، الشيطان قال: أبداً، ﴿رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ﴾ [(٢٧) سورة ق] لكن هو قابل دعوته فاستجاب، وهذه وظيفة الشيطان الأكبر إبليس، وذريته من شياطين الجن.

стр. 197

﴿قَالَ لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ﴾ [(٢٨) سورة ق] الآن ينفع الخصام وإلا ما ينفع؟ "ما ينفع الخصام"، وقد قدمت إليكم، ﴿لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُم﴾ [(٢٨) سورة ق] يعني: "في الدنيا" بالوعيد "بالعذاب في الآخرة لو لم يؤمنوا ولا بد منه" يعني ليس لأحد عذر، ليس لأحد عذر، هديناه النجدين، بين له طريق الحق، الطريق المستقيم الصراط المستقيم وطريق الضلال، فاختار طريق الضلال ما الحيلة ما دام بطوعه واختياره؟ ولم يجبر على اختياره بل فيه حرية واختيار وله مشيئة، وله إرادة، نعم حريته واختياره، ومشيئته وإرادته كلها تابعة لإرادة الله -جل وعلا- ومشيئته، لكنه فيه اختيار، يعني أحد يمنع إنسان لو أراد أن يسلم يقول له .. ، هل حاول إنسان أن يسلم وما استطاع؟ في أحد حاول يسلم وما استطاع؟ في أحد حاول أن يقوم وما استطاع القيام؟ إرادته للقيام موجودة، قدرته على القيام موجودة، لكن الله لو أراد ألا يقوم ما قام، وكل إنسان يجرب من نفسه يحاول يقوم يقوم، مما يدل على أنه له شيء من الاختيار، يعني ليس بمجبور كما تقول الجبرية، وليست إرادته وحريته واختياره مما يستقل به عن إرادة الله -جل وعلا- كما تقوله المعتزلة القدرية. ﴿مَا يُبَدَّلُ﴾ [(٢٩) سورة ق] ما يبدل يعني: يغير، ﴿الْقَوْلُ لَدَيَّ﴾ [(٢٩) سورة ق] ما يبدل القول لدي في ذلك، في الحكم، في الوعيد، ما يبدل، وهذا بالنسبة للكافر المشرك ما فيه تبديل، ما يمكن بحال من الأحوال أن يبدل القول فيدخل المشرك الجنة، ﴿إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء﴾ [(٤٨) سورة النساء] هذا وعيد، والوعيد تعارف الناس على أن إخلافه كرم. وإني وإن أوعدته ووعدته ... لمنجز إيعادي ومخلف موعدي

стр. 198

وإخلاف الإيعاد كرم، ويمدح به الإنسان، لكن الله -جل وعلا- حكم بأن الشرك لا يغفر، فهل يخلف مثل هذا الإيعاد؟ لا يمكن أن يخلف، لكن يغفر ما دون ذلك لمن يشاء، يعني ما دون الشرك تحت المشيئة، أما بالنسبة للشرك فإنه لا يغفر، ما يبدل، يعني لا يغير القول لدي في ذلك، يعني ما يقال: والله لما اختصموا قال: ظلمني هذا الشيطان وأغواني، قال: أجل أدخلوه الجنة، ما يمكن هذا.

стр. 199

﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ﴾ [(٢٩) سورة ق] وما أنا بظلام للعبيد: "فأعذبهم بغير جرم" وظلام: "بمعنى: ذي ظلم، لقوله: ﴿لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ﴾ [(١٧) سورة غافر] " لماذا احتجنا أن نقول: بظلام ذي ظلم يعني: ظالم؟ لماذا؟ لأنه أيهما أبلغ ظلام وإلا ظالم؟ ظلام: صيغة مبالغة وظالم؟ نعم؟ اسم فاعل، ليس فيها شيء من المبالغة لو وقع الظلم مرة واحدة قلنا: ظالم، لكن من تكرر منه الظلم قلنا: ظلام، وهنا أيهما أبلغ أن يؤتى بصيغة المبالغة أو باسم الفاعل؟ لأنه قال: "بظلام: بمعنى: ذي ظلم" يعني ظالم، يعني ظلام صيغة مبالغة صيغة المبالغة في حال النفي لا تفيد إفادة غير المبالغة، إذا قيل: فلان يسفك الدماء مثلاً، ثم قال: والله ما أنا بسفاك للدماء هل نفى عن نفسه التهمة كاملة وإلا نفى المبالغة في هذه التهمة؟ إذا قال: والله ما أنا بسفاك ولا سفاح، ما نفى عن نفسه التهمة من أصلها -انتبهوا يا الإخوان- إذا قال: والله ما أنا بسفاك هل ينفي أن يكون قتل واحد أو اثنين أو ثلاثة؟ هو ينفي صيغة المبالغة أن يكون قتل عشرات أو مئات أو ألوف ليس بسفاك، لكن لا ينفي أن يكون سافك للدماء، قاتل ولو مرة أو مرتين؛ لأن نفي المبالغة لا ينفي ما دونها، يعني من ضرب شخص هل يستحق أن يقال: ضراب للرجال؟ هل يستحق ذلك؟ ضرب مرة واحدة يستحق مبالغة؟ لا، لكن لو قيل له: أنت ضربت فلاناً، قال: والله ما أنا بضراب للرجال، هل ينفي أن يكون ضرب مرة واحدة إذا نفى المبالغة؟ ما ينفي، ولذلك اضطر أن يجعل ظلام بمعنى ذي ظلم لينتفي الظلم كله عن الله -جل وعلا-، "لقوله: ﴿لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ﴾ [(١٧) سورة غافر] " لا ظلم نافية للجنس، لجنس الظلم، الظلم كله منفي، فعندنا ظلام، ولا يظلم، ولا يريد ظلماً للعالمين، ليس بظلام، ولا يظلم ربك أحداً، ولا يريد الظلم، أبلغها إيش؟ لا يريد؛ لأن نفي إرادة الشيء أبلغ من نفي الشيء، يليها ما جاء بدون مبالغة ثم آخرها المبالغة، وتؤول المبالغة بمجرد حصول الظلم، كما قال المؤلف، لا ظلم اليوم.

стр. 200

﴿يَوْمَ﴾ [(٣٠) سورة ق] "ناصبه ظلام"، وما أنا بظلام للعبيد يومَ نقول لجهنم؛ لأن الآية الأخرى: ﴿لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ﴾ [(١٧) سورة غافر] وهو اليوم الذي يقال فيه لجهنم: هل امتلأت، يومَ منصوب، ناصبه ظلام، ﴿نَقُولُ﴾ [(٣٠) سورة ق] "بالنون والياء" يعني: نقول ويقول، ﴿لِجَهَنَّمَ﴾ [(٣٠) سورة ق] اسم من أسماء النار -نسأل الله تعالى السلامة- منها. ﴿هَلِ امْتَلَأْتِ﴾ [(٣٠) سورة ق] استفهام وتحقيق هل امتلأت؟ "استفهام وتحقيق لوعده بملئها" ﴿لأَمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [(١١٩) سورة هود] "استفهام وتحقيق" هل امتلأت؟ "استفهام وتحقيق لوعده بملئها" ﴿وَتَقُولُ﴾ [(٣٠) سورة ق] "بصورة الاستفهام كالسؤال" ﴿هَلْ مِن مَّزِيدٍ﴾ [(٣٠) سورة ق] "أي لا أسع غير ما امتلأت به، أي قد امتلأت" هذا قال به كثير من المفسرين، أنها لما يقال لها: هل امتلأت؟ تقول: هل من مزيد؟ يعني: لا أستوعب غير ما بي، خلاص امتلأت، تقول: هل من مزيد؟ أي لا أسع غير ما امتلأت به، أي قد امتلأت، هذا قال به كثير من المفسرين، لكن ما الذي يدل عليه الحديث المتفق عليه؟ ((لا تزال جهنم يلقى فيها ﴿وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ﴾ [(٣٠) سورة ق] حتى يضع فيها رب العزة قدمه فتقول: قطٍ قطٍ)) ما الذي يدل عليه هذا الحديث؟ هل من مزيد أنها تطلب المزيد، هات، بدليل أنها ما امتلأت، لو كانت امتلأت ما احتيج إلى أن يضع فيها رب العزة قدمه، فتقول: قط، قط، يعني قد امتلأت.

стр. 201

ننظر في كلام المؤلف: ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ﴾ [(٣٠) سورة ق] يقول: "استفهام تحقيق لوعده بملئها"، ﴿وَتَقُولُ﴾ [(٣٠) سورة ق] "بصورة الاستفهام كالسؤال" ﴿هَلْ مِن مَّزِيدٍ﴾ [(٣٠) سورة ق] "أي لا أسع غير ما امتلأت به، أي قد امتلأت" خلاص، ما .. ، كيف هل من مزيد وأنا مليانة؟ ما يمكن، وهذا قال به جمع غفير من أهل التفسير، لكن الذي يدل عليه الحديث الصحيح: ((لا تزال جهنم يلقى فيها ﴿وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ﴾ [(٣٠) سورة ق])) يعني هل تقول: امتلأت؟ في الحديث: ((﴿هَلْ مِن مَّزِيدٍ﴾ [(٣٠) سورة ق])) هل معناه امتلأت؟ لا، بدليل: ((حتى يضع فيها رب العزة قدمه فتقول: قطٍ قطٍ)) يعني يكفي، حسبي حسبي امتلأت، فكانت قبل ذلك حينما تقول: "هل من مزيد" لم تمتلئ بعد، وأولى ما يفسر به القرآن القرآن ثم السنة.

стр. 202

﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ﴾ [(٣١) سورة ق] أزلفت يعني: "قربت" الجنة ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ جمع: متقي، والتقي هو فاعل الواجبات، مجتنب المحرمات، لا يترك واجباً ولا يرتكب محرماً إلا إذا غفلت نفسه وهفت في منكر بادرت للاستغفار منه والتوبة النصوح، فهذا وجوده مثل عدمه، وإلا فليس المتقي معناه المعصوم الذي لا يفعل المنكرات ولا يترك الواجبات، قد يترك واجباً ثم يعود إلى رشده ويعود ويستغفر ويتوب، ولذا قال بعد ذلك: ﴿لِكُلِّ أَوَّابٍ﴾ [(٣٢) سورة ق] ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ "مكاناً" ﴿غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ [(٣١) سورة ق] أزلفت: قربت لهم؛ لئلا ينالهم في الذهاب إليها عناء ولا تعب ولا مشقة، "أزلفت: قربت لهم مكاناً (غير بعيد) منهم فيرونها، ويقال لهم: (هذا) المرئي -هذه الذي ترونه- ما توعدون، بالتاء والياء -توعدون ويوعدون- في الدنيا" يعني هذا الذي وعدناكم في الدنيا، هذا الذي جاءت به الرسل، هذه هي الجنة، التي فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، "ويبدل من ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ قوله: ﴿لِكُلِّ أَوَّابٍ﴾ [(٣٢) سورة ق] " وأزلفت الجنة لكل أواب، بدلاً من للمتقين، فكل أواب بدل من المتقين، والمراد بالأواب الرجاع إلى طاعة الله تعالى، صيغة مبالغة، الأواب من الأوبة وهي الرجوع فيما إذا حصل منه غفلة أو هفوة أو زلة فإنه يبادر فيرجع، وكلما غفل رجع وتاب وأناب إلى الله -جل وعلا-، فاستحق المبالغة فقيل: ﴿أَوَّابٍ﴾ "رجاع إلى طاعة الله تعالى، ﴿حَفِيظٍ﴾ [(٣٢) سورة ق] حافظ لحدود الله -جل وعلا-" حافظ لحدود الله، فلا يتعدى ولا يتجاوز فيرتكب المحرمات، ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا﴾ [(١٨٧) سورة البقرة] ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا﴾ [(٢٢٩) سورة البقرة] لا يتجاوز ولا يقصر دونها، لا يقصر دون الواجبات، ولا يتجاوز إلى المحرمات، فهو حافظ لحدوده.

стр. 203

﴿مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَن بِالْغَيْبِ﴾ [(٣٣) سورة ق] الخشية المحمودة والإيمان المحمود، والعمل الصالح المحمود إنما هو في حال الغيب، لا في حال الشهادة، لا في حال الشهادة، يعني في حال الصحة، في حال الفراغ، في حال الشباب، في حال القوة، في حال النشاط، أما إذا أقبل الإنسان على آخرته في آخر عمره، وغلب على ظنه أنه ينتهي، هذا لا شك أنه ينفعه إيمانه، تنفعه صدقاته، تنفعه أعماله الصالحة ما لم يغرغر، لكن التعرف على الله في الرخاء قبل هذه الشدة لا شك أنه يعين على التعرف على الله في هذه الشدة، أما إذا انكشف الغطاء كما تقدم فلا فائدة. ﴿مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَن بِالْغَيْبِ﴾ [(٣٣) سورة ق] ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [(٣) سورة البقرة] هذا محل المدح، هذا محل المدح، يعني لو قال لك شخص: إن العسل جاء، قلت: والله يا أخي ما أظنه. . . . . . . . . وما أشبه ذلك، فجاء تقول: والله يا أخي ما أظنه جاي، ثم ذهبت أنت وياه إلى السوق فرأيته بعينك قلت: صدقت، ينفعك هذا التصديق؟ ما ينفع هذا التصديق، خلاص رأيته بعينك، ما يحتاج إلى خبر. ﴿مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَن بِالْغَيْبِ﴾ [(٣٣) سورة ق] "خافه ولم يره"، ﴿وَجَاء بِقَلْبٍ مُّنِيبٍ﴾ [(٣٣) سورة ق] وجاء بقلب منيب: "مقبل على طاعة الله -جل وعلا-" جاء بقلب منيب، وهو القلب السليم الذي لا ينفع من القلوب سواه، ﴿يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [(٨٨ - ٨٩) سورة الشعراء] سالم سلامة تامة من شوائب الشرك، من شوائب البدع، من شوائب المعاصي، من شوائب الشبهات، من شوائب الشهوات، هذا القلب الذي ينفع، ﴿يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [(٨٨ - ٨٩) سورة الشعراء] وهنا قال: ﴿وَجَاء بِقَلْبٍ مُّنِيبٍ﴾ [(٣٣) سورة ق] "مقبل على طاعته".

стр. 204

"ويقال للمتقين أيضاً: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ﴾ [(٣٤) سورة ق] "أي سالمين من كل مخوف"، ادخلوها مصاحبين بسلام، ادخلوها مصاحبين بسلام، "أي سالمين من كل مخوف، أو مع سلام"، مقترناً بالسلام الذي هو تحية أهل الجنة، وتحية المسلمين، "أي سلموا وادخلوا"، أي سلموا وادخلوا الجنة. ﴿ذَلِكَ﴾ [(٣٤) سورة ق] "اليوم الذي حصل فيه الدخول" ﴿يَوْمُ الْخُلُودِ﴾ [(٣٤) سورة ق] "الدوام في الجنة" الخلود ذلك يوم الخلود بالنسبة لهؤلاء الذين دخلوا الجنة، وهو أيضاً يوم الخلود بالنسبة لأولئك الذين دخلوا النار من الكفار والمشركين والمنافقين وغيرهم ممن حكمه الخلود في النار، بخلاف العصاة فإنهم لا يخلدون فيها وإن دخلوها، فإنما يعذبون على قدر ذنوبهم. ﴿يَوْمُ الْخُلُودِ﴾ [(٣٤) سورة ق] "الدوام في الجنة" ﴿لَهُم مَّا يَشَاؤُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ [(٣٥) سورة ق] ولدينا مزيد: "زيادة على ما عملوا وطلبوا" فهم يكافئون على أعمالهم، ويزاد لهم في هذه المكافئة، التي من أعظم النعيم في الجنة النظر إلى وجه الله -جل وعلا-، ﴿وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ [(٣٥) سورة ق] قال جمع من أهل العلم: إن المراد به النظر إلى وجه الله -جل وعلا-، وهو أعظم نعيم، وأعظم لذة في الجنة، لهم الحسنى وزيادة، ﴿لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [(٢٦) سورة يونس] ﴿وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ [(٣٥) سورة ق] ((إنكم سترون ربكم يوم القيامة كما ترون القمر ليلة البدر لا تُضَامُون في رؤيته، أو لا تُضَامُّون في رؤيته)) حديث متواتر قطعي الثبوت، فالرؤية لله -جل وعلا- يوم القيامة يراه المؤمنون، ويثبتها سلف هذه الأمة وأئمتها بإجماع، ولا يخالف فيها إلا المبتدعة. الآن بقي عندنا هذا المقطع ولو جعلناه درساً في المغرب واستغنينا به عن الأسئلة أتممنا إكمال السورة، أو يكون درس المغرب على ما أعلن لقاء وأسئلة وأجوبة ونترك بقية السورة لفرصة أخرى؟ الأمر إليكم. أما الآن الساعة ست ما عاد بقي، إيش ترجحون؟ طالب:. . . . . . . . . مهمة؟ إذن يبقى الإعلان على ما هو عليه، وتترك بقية السورة، فيها مقدار محاضرة كاملة، يعني درس كامل، لعله يتيسر له مناسبة، والله أعلم. وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 205

تفسير الجلالين - سورة الذاريات (١) من آية: (١ - ٥) الشيخ: عبد الكريم بن عبد الله الخضير السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد:

стр. 206

فلا يخفى على أحد حتى من عامة المسلمين فضلاً عن طلاب العلم ما لكتاب الله -جل ذكره- من منزلة عظيمة في الإسلام، ولما لمن يعتني به من هذه الأمة من شرف، كما قال الله -جل وعلا-: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ [(٤٤) سورة الزخرف] يعني شرف لك ولقومك، فالعناية بكتاب الله تعلماً وتعليماً، قراءةً وإقراءً، حفظاً فهماً تدبراً من أولى ما يقضي به الإنسان أنفاسه وعمره المحدود؛ لينال بذلك رفعة الدارين شريطة أن يكون مخلصاً لله -جل وعلا- في ذلك كله، القرآن لسنا بحاجة إلى بيان منزلته من سائر الكلام، وأنه كلام الله، وأن من قام يقرأه كأنما يخاطب الله -جل علا-، لكن مع الأسف أنه يلاحظ عند كثير ممن يعتني بطلب العلم إهمال جانب التفسير، قد يعنى طلاب العلم بحفظ كتاب الله -جل وعلا-، يعنون بحفظه والبوادر -ولله الحمد- طيبة، وحلقات التحفيظ لا يمكن حصرها ولا عدها ولا إحصاؤها، والطلاب والطالبات يعني من الجنسين ممن يلتحق بهذه الحلقات ألوف مؤلفة -ولله الحمد-، بعد أن كانوا يعدون أفراداً في كل بلد، صاروا لا يمكن حصرهم ولا عدهم، لا يجمعهم ديوان ولا يعدهم عاد، فهذه من نعم الله -جل وعلا-، لكن هذه وسيلة إلى ثمرة عظمى، وسيلة إلى ثمرة عظمى وهي العمل بكتاب الله -جل وعلا-، والعمل بالقرآن لا يتسنى إلا بعد فهمه، وفهمه لا يمكن إلا عن طريق سلف هذه الأمة، وفهم هذه الأمة، ولذا يذكر في أولى ما يفسر به كلام الله هو كلام الله -جل وعلا-، فالله -جل وعلا- قد يجمل في موضع ويبين في موضع آخر، وما في تفسير الحافظ ابن كثير -رحمه الله تعالى- من العناية بهذا النوع دليل واضح على ذلك، وكذلك ما سلكه الشيخ الأمين الشنقيطي ﵀ من إيضاح القرآن بالقرآن، وهذا معروف ومسلوك عند أهل العلم، ثم بعد ذلك يلي ما ذكرنا تفسير القرآن بما ثبت عن النبي ﵊، فهو المبين عن الله، وظيفته البيان عما جاء عن الله -جل وعلا-، ثم بعد ذلك فهم السلف الصالح الذين لم تتلوث أفكارهم، ولم تتغير فطرهم، ولا محيص ولا محيد عن فهمهم، ثم بعد ذلك ما يفهم وما يدرك في لغة العرب وأساليبها، وفنون العلم المختلفة.

стр. 207

ولهذا كله يشترط أهل العلم في المفسر أن يكون جامعاً بين الفنون، فنون العلم من العلوم الغائية، ومن وسائل العلم التي يفهم بها هذه الغايات، فالغاية فهم ما جاء عن الله -جل وعلا- من نصوص الوحيين، والوسائل المعينة على فهم هذه النصوص في غاية الأهمية لطالب العلم، فلا يجوز لأحد أن يفسر حتى يستطيع أن يفهم ما جاء عن الله وعن رسوله ﵊، فلا بد أن يكون عارفاً بالنصوص، فاهماً لمراد الله -جل وعلا- ومراد رسوله ﵊ من هذه النصوص، بعد معرفة ما يعين على فهمها مما يسميه أهل العلم بعلوم الآلة، والآلة معروف أنها هي التي يتوصل بها إلى المراد، هي الوسائل التي يستطاع بواسطتها فهم ما يراد فهمه، فعلوم العربية في غاية الأهمية لطالب العلم، وتتعين وتتأكد في حق من يتصدى لشرح كلام الله -جل وعلا- وكلام نبيه ﵊؛ لأن القرآن بلسان عربي مبين، فكيف نفهم هذا القرآن ونحن لا نفهم لغة العرب؟ ولغة العرب ليست منحصرة في النحو مثلاً، لذا يتعجب كثير من طلاب العلم إذا وجدوا في سياق كلام أهل العلم قرأ في النحو والعربية، إيش ... ؟ النحو هو العربية؟! لا، لا، العربية أكثر من عشرة فروع، وكلها طالب العلم بأمس الحاجة إليه، نعم لا يلزم أن يكون متخصصاً في كل فرع من فروعها، بل ولا في جميعها، وإنما يفهم من ذلك ويعرف من هذه الفروع ما يعينه على فهم كلام الله -جل وعلا-، وكلام رسوله ﵊، من ذلك النحو والصرف والبيان والمعاني والبديع، والوضع والاشتقاق، وفقه اللغة، متن اللغة، الغريب، وغير ذلك من العلوم التي يحتاجها المتعلم، الذي يؤهل نفسه لأن يكون عالماً مرجعاً في هذه الأمور، ممن يستغفر له كل شيء حتى الحيتان في جوف البحر، أما إذا أراد أن ينقل من كتب التفاسير وليست لديه أهلية للتفسير أن هذا مبلغ وليس بمفسر، وقد يدخل عليه الخلل يتطرق إليه الخلل بسبب جهله في فن من هذه الفنون.

стр. 208

أيضاً ما يتعلق بعلوم القرآن وقواعد التفسير هذه في غاية الأهمية لمن يتصدى لتفسير القرآن، كذلك علوم الحديث؛ لأن التفسير يحتاج إلى الحديث لبيانه، والحديث محتاج إلى علوم الحديث التي بواسطتها يميز طالب العلم بين الصحيح والضعيف، المقبول والمردود.

стр. 209

يحتاج أيضاً لكي يحسن التعامل مع هذه النصوص إلى علم أصول الفقه، لا يستطيع أن يتعامل مع نصوص الكتاب والسنة إلا بعد أن يأخذ قدراً كافياً من أصول الفقه، كيف يعرف الناسخ من المنسوخ؟ العام من الخاص؟ المطلق من المقيد؟ كيف يعرف المجمل من المبين؟ لا يستطيع أن يعرف هذه الأمور إلا بعد أن يأخذ ما يكفيه من علم أصول الفقه، لكن التوسع في هذه العلوم لا شك أنه يكون على حساب علم المقاصد، الغايات، يعني إذا اشتغل الإنسان بالوسائل لا شك أنه على حساب المقاصد والغايات؛ لأن العمر لا يستوعب، لا يستوعب أن يكون مجتهداً في كل علم من هذه العلوم، إنما يأخذ من هذه العلوم ما لا يسع جهله، والعلماء في تفاسيرهم صنفوها وألفوها على أنحاء، فمنهم من عني بالتفسير بالأثر، واقتصر على تفسير القرآن بالقرآن والسنة، وأقاويل الصحابة والتابعين، وهذه هي أهم كتب التفسير؛ لما جاء في التحذير من تفسير القرآن بالرأي، ومنهم من جعل همه وهمته في أحكام القرآن والاستنباط منه، وهذا أيضاً جانب مهم بالنسبة لطالب العلم، وفيه كتب، وكل مذهب من المذاهب المتبوعة المعروفة ألف في أحكام القرآن على ضوء هذا المذهب لا سيما الحنفية والشافعية والمالكية أيضاً لهم في أحكام القرآن، ويبقى الحنابلة لهم كتب لكنها غير مطبوعة ولا معتنى بها، يعني على قلتها، فهم أقل المذاهب تأليفاً في هذا الجانب، وشرحنا كيف يصل طالب العلم إلى أحكام القرآن من خلال المذهب الرابع مذهب الإمام أحمد، ولا يعني هذا أننا نجعل القرآن أو السنة تابعاً لهذه المذاهب، بل نجعل القرآن والسنة قائد لهذه المذاهب، لكن مع الاطلاع على مذاهب العلماء وفقهاء الأمصار مهم جداً بالنسبة لطالب العلم لئلا يشذ، وكتب أحكام القرآن إدامة النظر فيها تمرن طالب العلم على الاستنباط من القرآن، ومحاكاة أولئك الذين ألفوا في أحكام القرآن، ومنهم من جعل همته في غريب القرآن، ولغة القرآن، ونحو القرآن وصرف القرآن، وهذه أيضاً كتب مهمة جداً تربط القرآن بلغة العرب، تفيد طالب العلم فائدة عظيمة من هذه الكتب بحيث تعينه على فهم القرآن من جهة، وعلى ضبط اللغة العربية من جهة، ولذا نوصي طلاب العلم إذا أرادوا ضبط النحو مثلاً أو

стр. 210

الصرف أن يطبقوا على القرآن، ما يحتاج أن يقول: قام زيد، وضرب عمرو، ما ينفع، هذه أمثلة توضيحية، لكن يحتاج طالب العلم لفهم القرآن؛ لأنه يتعلم علوم العربية من أجل فهم الكتاب والسنة، فإذا أنهى متناً صغيراً من متون العربية وليكن مثلاً الآجرومية يعرب الفاتحة، يقوم بإعراب الفاتحة من تلقاء نفسه وعلى ضوء ما درسه، وليخطئ في أول الأمر، ما في ما يمنع، ثم يعرض إعرابه على كتب الأعاريب إعراب القرآن فيه كتب فينظر في كتب الإعراب من المتقدمين والمتأخرين، فإذا طابقه .. ، طابق إعرابه لهذه الكتب فليحمد الله، وليعمل أنه ضبط هذا المتن الذي درسه، ولا شك أن للإعراب ومواضع الكلمات من الإعراب ومواقعها من الإعراب في غاية الأهمية لفهم الكلام؛ لأن كثير من طلاب العلم حينما يقرأ في العربية يحفظ كتاب ويحضر شرحه وبعد ذلك إذا أراد أن يعرب يعني ما تسنى له ذلك، لا سيما في المواضع الخفية، أو أراد أن يتكلم لحن كثيراً، فيصاب باليأس، نقول: يا أخي لا تيأس ولو لحنت في الكلام؛ لأن الفائدة من معرفة العربية أمران، قد يتيسر لك واحد ولا يتيسر الثاني، قد تكون عارف بمواقع الكلمات من الإعراب لكنك إذا تكلمت لحنت كثيراً وهذا موجود، كثير من طلاب العلم يضبط المتون، يضبط الآجرومية وشروح الآجرومية ويضبط القطر، ويضبط الألفية يحفظها حفظاً عن ظهر قلب، وإذا أعطيته جملة أعرب دون تردد، فإذا قام يتكلم قلت: ليته سكت، لحن شنيع، نقول: لا تيأس أنت الآن استفدت فائدة عظيمة إذا عرفت موقع الكلمة من الإعراب فهمت الكلام، بخلاف الذي لا يعرف موقع الكلمة من الإعراب فإنه لا يستطيع أن يفهم الكلام، وهب أن شخصاً مرن لسانه على عدم اللحن لكنه ضعيف في معرفة مواقع الكلمات من الإعراب هذا أدرك جانب مهم، وذاك أدرك أيضاً جانباً مهماً، وليحرص الإنسان على تحقيق الفائدة العظمى كاملة بعصمة لسانه من اللحن، وعصمة فهمه من الخطأ في الإعراب ومواقع الكلمات؛ لأن هناك كتب، قلنا: هذا لأن هناك كتب ألفت ولا نجد طلاب العلم يهتمون بها، مثلاً البحر المحيط، البحر المحيط لأبي حيان على اسمه، بحر محيط يحتاج إلى غواص ماهر، لكن مع ذلك هو مدرك يعني، يهتم بهذا الجانب ويعنى به عناية

стр. 211

فائقة، فإذا جمع الإنسان بين تفسير أو تفسيرين أو ثلاثة بالأثر، فمثلاً اقتنى تفسير إمام المفسرين الطبري تفسير البغوي، وتفسير الحافظ ابن كثير، وضم إليها الشوكاني والدر المنثور انتهى، ثم بعد ذلك يضيف من كل فرع من فروع العلم والمعرفة كتاباً واحداً أو اثنين إن شاء، فيعنى بأحكام القرآن لابن العربي، الجامع لأحكام القرآن، ويعنى أيضاً بالبحر المحيط من جانب .. ، من الجانب الآخر اللي هو العربية وما يتعلق بها؛ البحر المحيط شوف لو تشوف كلمة (أف) وهي مركبة من حرفين ذكر فيها أكثر من أربعين ضبط، أين تجد مثل هذا الكلام؟ هناك تفاسير فيها فوائد، فيها فوائد، وفيها استنباط دقيق في علوم كثيرة، لكن يعوق دونها ما اشتملت عليه من البدع الكبرى، مثل تفسير (الكشاف) هذا للعالم المنتهي لا مانع أن يقرأ فيه، لكن طالب العلم يخشى عليه منه؛ لأنه يدس اعتزالياته في الكلام بحيث لا يشعر طالب العلم بها، حتى قال من علق عليه: "إننا استخرجنا هذه الاعتزاليات بالمناقيش". كذلك تفسير الرازي تفسير فيه غوص على دقائق المعاني، لكنه تفسير بالرأي، وفيه البدعة ظاهرة، وأسس عليها وبني عليها، وألف من أجلها، يعني خدمة لمذهبه، وهو منظر في مذهب الأشعرية، وهو أيضاً من ناحية القضاء والقدر جبري كما هو معروف، فطالب العلم يخشى عليه من قراءة مثل هذه الكتب. كتب المعاصرين من المفسرين الذين جاءوا متأخرين فيها فوائد، وفيها ضبط لكثير من القضايا التي أشير فيها في القرآن بالقضايا المعاصرة يعني ربط بين الحياة المعاصرة بالنصوص، ومن أهمها تفسير القاسمي، تفسير جيد، وإن كان يلاحظ عليه أنه يجمع من تفاسير المحققين وتفاسير غيرهم، فتعجب حينما يقول: قال الإمام المحقق ابن القيم وقال ابن عربي قدس سره، لكن الكتاب فيه علم، فإذا نقل عن المبتدعة يترك نقله عنهم، وإذا نقل عن ابن القيم وهو خبير بكتب ابن القيم، يعني يستخرج لك نُقُول من كتب ابن القيم ما تخطر على بالك، وهو من هذه الحيثية ينفع، لكن إذا نقل عن المبتدعة وهم معروفون لا سيما رؤوسهم وكبارهم مشتهرون.

стр. 212

من ذلك أيضاً تفسير التحرير والتنوير لابن عاشور كتاب نفيس، تعب عليه مؤلفه، وصنفه في أربعين عاماً، وضبطه وأتقنه، واهتم فيه على بيان المعاني، ووجوه البلاغة في القرآن، يفيد منه طالب العلم من هذه الحيثية، على أننا لو اقتصرنا على تفاسير السلف ما فاتنا شيء، يعني كنت أظن أن تفسير الطبري تفسير أثري محض، فلما عانينا الكتاب وجدناه في كل الفنون، يعني في علوم العربية يمكن يكون في الدرجة الأولى، يعني ما هو كتاب خاص بعلم العربية، لا، لكن فيه من أفانين العربية ما لا يوجد في غيره، حتى أن أعظم خصائص تفسير الكشاف هو ما فيه من البيان، يعني من علم البيان وعلم المعاني، اهتم بها الزمخشري، لكن خرج دراسات مقارنة بين ما في تفسير الطبري من علمي المعاني والبيان، وبين الزمخشري فوجد ما في الطبري أكثر، هذه نتيجة مذهلة، يعني قد يقول طالب العلم: يمكن هذا ما هو بصحيح، لماذا؟ لأن تفسير الطبري وطالب العلم يقرأه كله حدثنا قال: حدثنا، قال: أخبرنا، قال .. ، يعني من رأى .. ، من قرأ تفسير الذاريات مثلاً هذه الكلمة في تفسير الطبري وجده يقول: الذاريات: الريح تذرو التراب، ثم ساقه من ثلاثين وجه، يعني لو ساقه بسطر واحد كفى، فهذه الكثرة كثرة المرويات وسياق الوجوه بطرق متعددة هذه تغطي على ما في الكتاب من علوم أخرى، ففيه من هذه الناحية شيء لا يخطر على البال، يعني في علم المعاني والبيان، وفيه أيضاً من النحو والصرف شيء يعني لو أفرد كتاب في النحو والصرف من تفسير الطبري لكفى، فيه أيضاً الفقه المعتمد على النصوص، فقه الطبري من ... ، أعني الطبري إمام فقيه كما هو معروف وصاحب مذهب متبوع، لكنه انقرض، يعني لا يوجد من يتبع الطبري في اجتهاداته، لكنه مع ذلك هو فقيه، إلى غير ذلك من العلوم التي تجعل طالب العلم يعنى بهذه التفاسير، يعني نسمع من يقول: تفسير الطبري وتفسير ابن كثير هذه انتهى وقتها، يعني قيلت، وسمعناها وسمعها غيرنا، هذه كتب انتهى وقتها، وهذا الكلام ليس بصحيح، تفسير الحافظ ابن كثير كلما قرأه الإنسان يفيد منه فوائد عظيمة غير ما قرأه في المرة الأولى، ونعرف من قرأ التفسير مراراً أربع مرات خمس مرات، طلاب علم جادين ما هم بـ ..

стр. 213

إذا قرأ الإسناد ضاق صدره، وترك الكتاب هذا الكلام ليس بصحيح، يعني الإسناد قد يتثاقله بعض الطلاب الذين لا خبرة لهم به ولا معرفة بقيمته، لكن شئنا أم أبينا ما في معرفة صحيح من ضعيف إلا بالإسناد، حتى قال بعض من سمع عن الاختصار قالوا: ظهر مختصر لابن كثير، قال واحد من طلاب العلم كبير في السن: ماذا صنع المختصر؟ قال: حذف التكرار وحذف الإسرائيليات، قال: إنا ما نتلذذ إلا بها الإسرائيليات، يعني هذا همه من التفسير القصص، ولا هي بقصص القرآن الثابتة، يعني ما جاء عن بني إسرائيل، هذا لا شيء يعني في الإطلاع عليه، وجاء في الحديث الصحيح: ((حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج)) في رواية البزار: ((فإن فيهم الأعاجيب)) هذا ما فيه إشكال لكن كونه يكون هو الهدف هو المقصود، لا، يعني شرع من قبلنا معروف وفي حكمه هل هو شرع لنا أو ليس بشرع لنا؟ لكن يبقى أن المعول عندنا على نصوص الوحيين، وما يخدم هذه النصوص، وما يعين على فهم هذه النصوص، هذه مقدمة وتوطئة لهذا الدرس الذي هو في التفسير. احنا بدأنا التفسير من المفصل، فأنهينا سورة الحجرات و (ق) ونثلث بالذاريات في هذه الليلة على وجه مختصر، والدرس مربوط بتفسير الجلالين؛ لأنه تفسير متين، يمكن أن يعتمد عليه طالب العلم، ويراجع عليه التفاسير المطولة، وعليه حواشي كثيرة تحل رموزه؛ لأنه كتاب معتصر، متن متين مختصر يمكن أن يبنى عليه طالب علم، فعلى كل حال نبدأ بتفسير هذه السورة على وجه يسمح به الوقت. أولاً: هذا التفسير تكلمنا عنه مراراً وفي مناسبات كثيرة، لكن نشير إلى أنه من تأليف شخصين، ولذا قيل له: تفسير الجلالين، جلال الدين المحلي، وبدأ بتفسير الكهف إلى أن أنهى القرآن، وفسر الفاتحة، يعني رجع عليه من أوله فما أكمله، وكمله من البقرة إلى آخر الإسراء جلال الدين السيوطي، ولكون كل واحد منهما يقال له: جلال الدين سمي تفسير الجلالين، وهو تفسير نافع ومفيد على مخالفات عقدية وأوهام يسيرة تبين في مواضعها منه -إن شاء الله تعالى-.

стр. 214

في هذه السورة يقول جلال الدين المحلي؛ لأنها من نصيبه في النصف الثاني، يقول: "سورة الذاريات مكية ستون آية" مكية ستون آية، بيان السورة من حيث مكان النزول وهل هي مكية أو مدنية؟ هذا مهم في معرفة المتقدم والمتأخر ليعلم الناسخ من المنسوخ، ولذلك أهل العلم يفصلون في هذا إذ يقولون: السورة مكية، وإذا كان هناك استثناء في بعض الآيات ذكروه إلا آية كذا وكذا، من أجل معرفة أن هذه السورة نزلت بمكة، أو على الاصطلاح الصحيح نزلت قبل الهجرة، وإذا قالوا: مدنية فمعناها أنها نزلت بعد الهجرة، والمتقدم ما نزل قبل الهجرة إذا تعارض مع ما نزل بعد الهجرة يحكم عليه، إذا لم يمكن الجمع بوجه من الوجوه المعروفة عند أهل العلم يحكم عليه بأنه منسوخ. "ستون آية" يعني الاهتمام بعد الآي لا شك أنه محل عناية من أهل العلم، ويعدون الآيات، ويكتفون بعد الآيات ثم زاد الأمر حتى عدوا الحروف، حروف القرآن، كل سورة يعدون حروفها، وهذا موجود في بعض التفاسير، ما الذي نستفيده من عد الآيات؟ القرآن محفوظ بين الدفتين، تكفل الله بحفظه؛ لئلا يقال مثلاً: هذه السورة ستين آية فلماذا زادت هنا واحد وستين أو اثنين وستين؟ على كل حال بيان العدد يستفاد منه معرفة هذه السورة عند مذهب من عد الذي هو المفسر، نعم السورة عند الكوفيين كذا، السورة على عدد البصريين كذا، نعم، اختلاف العدد قد تزيد آية وقد تنقص آية لا لنقص أو زيادة في القرآن في الآيات أبداً، الكلمات ما تتغير يعني من مصحف إلى آخر، ومعول الجميع على المصاحف التي بعثها عثمان إلى الأمصار، إنما اختلافهم في عد البسملة مثلاً هل هي آية أو ليست بآية، فمن يعدها يزيد آية، ومن لا يعدها ينقص آية، هذا لا أثر له في الواقع، أيضاً بعض الآيات على عد بعض الجهات تقسم، كما في الفاتحة ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ﴾ [(٧) سورة الفاتحة] آية ﴿غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ﴾ [(٧) سورة الفاتحة] آية، فيختلفون في موضع نهاية الآية ورأس الآية، ولا شك أن هذا مما يعنى به طالب العلم.

стр. 215

أما بالنسبة لعد الحروف فهو من الترف، ولا يعرف عند المتقدمين البتة، عد الحروف، حتى وجد من يعدها وإن كان القصد من عدد الحروف معرفة كم في هذه السورة من حرف لنعرف كم فيها من حسنة فالله -جل وعلا- لن يضيع أجر من أحسن عملاً، إذا أحسنت العمل فاضمن، وإن كان القصد منه مجرد أن هذه السورة تبلغ كذا أو تبلغ كذا فهذا لا قيمة له، وليس من اهتمامات السلف، بل السلف يهتمون بالغايات أكثر، والآن العد يعني السلف حينما يختلفون في مسند الإمام أحمد هل هو أربعين ألف أو ثلاثين ألف؟ يعني مو بالخلاف في عشرة أحاديث عشرين حديث مائة حديث، يدل على أنهم ما عدوا جزاف، تقريباً، وصحيح مسلم قالوا: سبعة آلاف وخمسمائة حديث، وقال: أحمد بن سلمة اثنا عشر ألف حديث، يعني الفرق كبير جداً، مما يدل على أنهم لا يعدون، ذكروا بالنسبة لتفسير الجلالين أن طالب علم من طلاب العلم باليمن أشكل عليه هل يقرأ في التفسير بطهارة وإلا ما يحتاج إلى طهارة؟ هل يحتاج أن يتوضأ ليقرأ في تفسير الجلالين أو لا يحتاج؟ والمقرر أن الحكم للغالب، والمقرر أن الحكم للغالب، فقال: ما ندري ما الغالب؟ التفسير مختصر، ما ندري هل الأكثر القرآن أو الأكثر التفسير؟ فعد حروف القرآن وحروف التفسير، قال: من أول القرآن إلى المزمل العدد واحد، ومن المزمل إلى آخر القرآن زاد عدد حروف التفسير فانحلت عنده المشكلة فصار يقرأ في تفسير الجلالين دون وضوء، هذا ما يمكن أن يصنعه شخص حريص على الوقت، ما يمكن، قد يقول قائل: إن الترقيم والعدد هذا مهم جداً، يعني مسند الإمام أحمد بدون ترقيم يصعب ضبطه والرجوع إليه، لكن لما رقم هان، كذلك كتب السنة كلها لما رقمت سهل الرجوع إليها، فلماذا ما اهتم السلف من القدم في ترقيم هذه الكتب ليسهل الرجوع إليها، أولاً السلف لا يهتمون بما يعين طالب العلم على الرجوع أبداً، ما يضعون وسائل تسهل على طالب العلم الرجوع إلى الكتب؛ لأن هذا يجزمون بأنه يصرف طالب العلم عن قراءة هذه الكتب، إذا أراد شيئاً رجع إليه مباشرة بواسطة الفهرس ما استفاد فائدة كبرى من الكتاب، همهم أن يقرأ الكتاب، وإذا احتاج طالب العلم مسألة من هذا الكتاب يقرأ حتى يقف على هذه المسألة
следующие страницы →