Полный текст (768 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
يقول الشارح المفسر -وهو جلال الدين المحلي-: الذي بدأ التفسير، وذكرنا في درس مضى في العام الماضي أننا نجعل بين أيدينا تفسير الجلالين؛ لأن التفسير المطلق المرسل هكذا لا يحصل له أوقات محدودة تنتهي، مثل هذا يحتاج إلى استطراد من اليمين والشمال، وتوسع، والإنسان إذا لمن يتقيد بشيء معين قد لا ينجز ما وكل إليه.
الجلال المحلي عرفنا أنه فسر من القرآن من سورة الكهف إلى آخر القرآن، ثم رجع من أوله ففسر الفاتحة، وأكمله جلال الدين السيوطي من سورة البقرة إلى آخر الإسراء، ولذا قيل لهذا التفسير المختصر: "تفسير الجلالين"، وهذا التفسير تكلمنا عنه فيما مضى فلا حاجة إلى إعادة القول فيه، إلا أن التنبيه على أن فيه بعض المخالفات العقدية مما ينبه على ما يمر منها -إن شاء الله تعالى-.
يقول المفسر: ﴿وَالطُّورِ﴾ [(١) سورة الطور] الواو هذه واو القسم، واو القسم والمقسم به مجرور؛ لأن حروف القسم الثلاثة: الواو، والباء، والتاء من حروف الجر، من حروف الجر، والقسم بالطور الذي هو الجبل من الله -جل وعلا- الذي لا يسأل عما يفعل واقع، وإن كان بعض المفسرين يقدر "رب" هنا فيقول: "ورب الطور، ورب الذاريات"، لكن لا داعي لهذا التقدير؛ لأن الله -جل وعلا- له أن يقسم بما شاء من خلقه، وأما بالنسبة للخلق فلا يجوز أن يقسموا إلا بالله -جل وعلا-، إلا بالله -جل وعلا- ((فمن حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك))، ((لا تحلفوا بآبائكم)) الإقسام بالشيء والحلف به يدل على عظمته وأهميته، فما أقسم الله به في كتابه يدل على أن له شأن، وأن له خصيصة وميزة؛ لأن القسم الأصل فيه التعظيم، والنبي ﵊ كثير ما يقسم على الأمور المهمة، ويحلف من غير استحلاف، ويحلف من غير استحلاف، مع أن الله -جل وعلا- نهانا أن نجعل الله عرضة لأيماننا، لكن إذا دعت الحاجة إلى ذلك في الأمر المهم يحلف الإنسان ولو لم يستحلف، كما كان النبي ﵊ كثيراً ما يقول: والذي نفسي بيده.
قد يقول قائل: ماذا عن الحلف بالطلاق هل هو شرك؟ الحلف بالطلاق هل هو شرك أو ليس بشرك؟
стр. 317
أولاً: الحلف بالطلاق ليس بيمين، وإنما قيل له حلف؛ لأنه يلزم عليه، على من حنث فيه كفارة اليمين فهو يشبه اليمين من هذه الحيثية، وإلا فليس فيه من حروف القسم شيء، ليس فيه من حروف القسم شيء، لو قال لزوجته: إن خرجت فأنتِ طالق، وهو لا يريد الطلاق قالوا: هذا حكمه حكم اليمين -هذا الحلف بالطلاق-؛ لأن حكمه حكم اليمين وإلا ما في أحد يبي يقول: والطلاق، والواو واو القسم أبداً.
يقول: ﴿وَالطُّورِ﴾ [(١) سورة الطور] "أي الجبل الذي كلم الله عليه موسى"، "الجبل الذي كلم الله عليه موسى" طور سيناء، طور سينين، الطور: "هو الجبل الذي كلم الله عليه موسى"، وابن كثير -رحمه الله تعالى- يخص الطور بالجبل الذي فيه نبات، فيه شجر، وأما إذا تجرد عن ذلك فهو جبل وليس بطور، وجاء في بعض الروايات أن الطور من بعض جبال الجنة، ذكر ذلك المفسرون ورووا في ذلك ما رووا من جبال الجنة، الطور، وأحد، واثنان غيرهما قالوا: من جبال الجنة، كما أن النيل والفرات وسيحان وجيحان من أنهار الجنة، وما بين البيت والمنبر روضة من رياض الجنة، وكون هذه الأشياء من الجنة، روضة من رياض الجنة، أو من أنهار الجنة، أو من جبال الجنة هذا يدل على أن فيها فضل، لكن التعبد فيها يحتاج إلى دليل، هل معنى أن النيل والفرات وسيحان وجيحان من أنهار الجنة أنه يشرع الاغتسال فيها؟ لا، وكون الطور أو أحد من جبال الجنة، هل يشرع صعودها؟ لا، إلا بدليل، إلا بدليل.
стр. 318
قد يقول قائل: إن الخبر بأنها من أنهار الجنة، أو من جبال الجنة يكون عارياً عن الفائدة، يقول: ما في فائدة يعني كغيره إذا كان ما يشرع الاغتسال فيه ولا التنظف فيه، ولا، يكون كغيره من الجبال، نقول: نعم العبادات توقيفية نحفظ هذه الميزة، لكن لا نفعل إلا ما أمرنا به وما شرع لنا، فماذا عن قوله ﵊: ((ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة))،؟ ((ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة)) لولا أنه جاء في الحديث الصحيح: ((إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا)) لقلنا إن هذه البقعة كغيرها؛ لأننا لا نتعبد إلا بدليل، وقد جاء في الحديث: ((إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا)) وهذه روضة من رياض الجنة، وتفسير رياض الجنة بحلق الذكر، حلق العلم تفسير للعام ببعض أفراده، لا يقتضي تخصيصاً فإذا مررنا بأي روضة جاء النص على أنها من رياض الجنة نرتع للأمر: ((إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا)) تفسير العام ببعض أفراده لا يقتضي تخصيصاً، نعم أولى ما يرتع فيه حلق الذكر، وحلق العلم، وحلق التحفيظ، دروس العلم هذه أولى ما يرتع فيه، لكن إذا جاءنا نص من النصوص يدل على أن هذه البقعة من رياض الجنة نرتع بما يناسب من صلاة وذكر وتلاوة، وألا نعبد الله إلا بما شرع، لا نتعبد في هذه الأماكن بغير ما شرعه الله، فما بين البيت والمنبر روضة من رياض الجنة نرتع فيه، لكن على طالب العلم الذي ينظر إليه ويقتدي به أن ينظر في مسألة المصالح والمفاسد، هو مأمور أن يرتاع لكن إذا كان يقتدى به بحيث إذا رأوه بعض المبتدعة زاولوا بدعهم، وقالوا: إن هذه البدعة يتبرك فيها، ويتعظم، ويعتقد فيها ما يعتقد، ولولا أن الأمر كذلك ما جاء الشيخ فلان وجلس فيها ليذكر الله ويقرأ القرآن، إلا أنها ما، فيصرف فيها ويتعبد فيها بما لم يشرعه الله -جل وعلا-، فلا شك أن سد الذريعة هو المطلوب، ويبقى أن الحكم معروف وواضح ((إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا)).
نعم نرتع نصلي، نذكر، ندعو لا بأس، لكن إذا ترتب على ذلك مفسدة بحيث يقتدى بالإنسان في مثل عمله الظاهر هذا، فيزاول فيها ما لم يشرع فعلى الإنسان أن يكف، وأجره -إن شاء الله تعالى- في ذلك أعظم.
стр. 319
وقلنا: إن التنصيص على بعض أفراد العام لا يقتضي التخصيص، هذه روضة من رياض الجنة، فحلق الذكر، حلق العلم هذه روضة من رياض الجنة، وهي أولى ما يدخل النص؛ لأنها منصوص عليها بالتخصيص والتعيين.
يقول: ﴿وَالطُّورِ﴾ [(١) سورة الطور] "أي الجبل الذي كلم الله عليه موسى" وجاء ذكره في مواضع من القرآن. ﴿وَكِتَابٍ مَّسْطُورٍ﴾ [(٢) سورة الطور] كتاب الذي هو المكتوب، والكتاب مصدر أصله يراد به المكتوب، مصدر كتب يكتب كتابةً كتباً وكتاباً هذه مصادر كتب، والأصل في المادة الجمع يقال: تكتب بنو فلان إذا اجتمعوا، وقيل: لجماعة الخيل كتيبة، ومنه الكتابة لاجتماع الحروف والكلمات، والمراد المكتوب المسطور المكتوب الـ ﴿مَّسْطُورٍ﴾ يعني كتب أسطر، والمراد به إما اللوح المحفوظ، أو التوراة لمناسبة الطور، وقد كتبها الله -جل وعلا- بيده، كتبها بيده، أو القرآن، أو جميع الكتب الإلهية.
﴿وَكِتَابٍ مَّسْطُورٍ﴾ [(٢) سورة الطور] أو يراد بذلك الكتب عامة كما أقسم بالقلم، والمراد بالكتاب هنا المكتوب الجامع لما فيه من علوم، ﴿مَّسْطُورٍ﴾ يراد به مكتوب، مسطور مكتوب، كتاب هو المكتوب، ومسطور يعني مكتوب أسطر، فإذا قلنا: إن المراد بالكتاب؛ لأن الكتاب يطلق ويراد به الكتابة، ويراد به المكتوب، كما أن القرآن يطلق على القراءة، ويطلق على المقروء وكذلك الكتاب، ﴿مَّسْطُورٍ﴾ يعني مكتوب أسطر كما هي العادة في الكتاب يكتب أسطر، السطر الأول، الثاني، كلمة، كلمتين، ثلاثة، أربع، عشر تشكل سطراً، ثم بعد ذلك الذي يليه، ثم الذي يليه، والمسطور هو المكتوب، وهو أيضاً المزبور، كثيراً ما يقرأ يعني في المخطوطات زبره يعني- كتبه في فلان بن فلان- يعني كتبه، والزبر الكتب.
стр. 320
﴿فِي رَقٍّ مَّنشُورٍ﴾ [(٣) سورة الطور]، ﴿فِي رَقٍّ﴾ الرق: هو ما يكتب عليه، ما يكتب عليه، والأصل فيه ما يرقق من الأديم، من الجلود؛ لأن الورق ليست موجودة في ذلك الوقت إنما صنعت فيما بعد أظن في عهد الرشيد، لكن لا يوجد ورق إنما في الغالب يكتب على جلود ترقق، ويوجد بعض الكتب النفيسة مكتوبة على رق غزال، يعني -جلد غزال مرقق-، ووجد نسخة كاملة من المدونة للإمام مالك مكتوبة على رق غزال، يوجد كتب كثيرة في هذا للاهتمام بها، والرق هو ما يكتب عليه، والأصل الجلد المرقق، المرقق ليسهل التعامل معه ويخف حمله، يعني تصور القرآن كتب على جلد يحتاج إلى من يحمله، فضلاً عن السنة مثلاً: لو كتبت على جلود، أو على عظام، أو على حصى. . . . . . . . . وغيرها، كما كانت الكتابة في أول الأمر تحتاج إلى من يحملها أحمال، ولذا يقولون: إن كتب فلان حمل ثلاثين جمل مثلاً كلها؛ لأنها مثل هذا النوع تحتاج إلى من يحمله.
إن الذي هو في المصاحف مثبت ... بأنامل الأشياخ والشبان
هو قول ربي كله لا بعضه ... ومدادنا والرق مخلوقان
المداد الحبر مخلوق، والرق مخلوق الذي يكتب عليه، لكن كلام الله المكتوب في هذه الأوراق وفي هذا الرق هو كلام الله كله لا بعضه.
﴿فِي رَقٍّ مَّنشُورٍ﴾ [(٣) سورة الطور] ﴿مَّنشُورٍ﴾ يعني مفتوح مبسوط يُقرأ، يقرأه كل من يعرف القراءة، كل من يقرأ ويكتب يقرأ يقول: "أي التوراة أو القرآن"، "التوراة أو القرآن" التوراة لمناسبة الطور، والله -جل وعلا- كتب التوراة بيده، أو القرآن؛ لأنه هو كتابنا، ونحن المخاطبون بهذا الكلام.
стр. 321
﴿وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ﴾ [(٤) سورة الطور]، ﴿الْبَيْتِ الْمَعْمُورِ﴾ يقول: "هو في السماء الثالثة أو السادسة أو السابعة"، الحديث حديث الإسراء في الصحيح يدل على أنه في السماء السابعة، وما عدا ذلك ضعيف حتى قيل: إنه في السماء الدنيا، لكن الصواب أنه في السابعة بحيال الكعبة يعني-بإزاء الكعبة- بحيث لو سقط لسقط على الكعبة، بيت معمور، معمور بعبادة الله -جل وعلا-، معمور بعبادة الله -جل وعلا- يزوره ويدخله في كل يوم سبعون ألف ملك، "سبعون ألف ملك يعمرونه بالطواف والصلاة لا يعودون إليه أبداً"، تصور منذ أن خلق الله الخلق إلى قيام الساعة يدخله يومياً سبعون ألف ملك لا يعودون إليه مرة ثانية، كم عدد الملائكة؟ كم عددهم؟ لا يحصيهم إلا الله -جل وعلا-، وجاء في الحديث حديث الأطيط وهو معروف، مضعف عند جمع من أهل العلم ((أطت السماء وحق لها أن تأط، ما فيها موضع أربع أصابع إلا وفيه ملك ساجد أو قائم))، ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُو﴾ [(٣١) سورة المدثر] خلائق لا يحصيهم إلا الذي خلقهم، سبعون ألف ملك يدخلون هذا البيت المعمور -يعمرونه بطاعة الله- ثم لا يعودون إليه أبداً، لا إله إلا لله -ما أعظمه-.
стр. 322
﴿بَيْتِ الْمَعْمُورِ﴾ العمارة لا تكون بالأجر والجص والطين والألوان والزخرفة، إنما تكون بالعبادة هذه هي العمارة الحقيقة، ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللهِ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [(١٨) سورة التوبة] وإذا كانت المسألة مسألة عمارة وتشييد لا عمارة حقيقية معنوية، جاء قول الله -جل وعلا- ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِر﴾ [(١٩) سورة التوبة]، ومن مسائل الجاهلية التي ذكرها الإمام المجدد، من مسائل الجاهلية التمدح بعمارة المسجد الحرام، عمارة المسجد الحرام المقصود بها العمارة الحسية: بالطين، أو بالآجر، أو بالمسلح، أو بغيرها إذا كانت في مقابل الإيمان، أما إذا كانت مع الإيمان فمن أفضل الأعمال ((من بنى لله بيتاً ولو كمفحص قطاة، بنى الله له بيتاً في الجنة))؛ لأن هذه الآية يوردها من يوردها من بعض الناس الذين لا يرون لعمارة البيت المعظم قيمة، وأن من تمدح بعمارته، أو أثنى على عامره يريدون عليه ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللهِ﴾ نقول: إذا كانت مع الإيمان فهي من أفضل الأعمال، لكن الشأن في تمدح قريش في مقابل الإيمان، نعم في مقابل الإيمان لا شيء، فالعمارة الحقيقية هي العمارة بالعبادة -العمارة المعنوية-، فإذا اجتمعت العمارتان فنور على نور؛ لأن عمارة بيوت الله -جل وعلا- جاءت النصوص القطعية بفضلها ((من بنى لله بيتاً ولو كمفحص قطاة -لو شبر- بنى الله له بيتاً في الجنة)) فننتبه لمثل هذا؛ لأن الآية تورد في حق من يعمر بيت الله -جل وعلا- وهو ليس من الصنف الذي جاء ذمه في القرآن، الذم في القرآن إنما جاء للمشركين الذين يتمحدون بعمارة البيت وهم أبعد الناس عن العمارة الحقيقية.
стр. 323
﴿وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ﴾ [(٥) سورة الطور] ﴿وَالسَّقْفِ﴾ السماء، مرفوع ﴿السَّمَاء رَفَعَهَا﴾ [(٧) سورة الرحمن] هي سقف مرفوع محفوظ ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاء سَقْفًا مَّحْفُوظًا﴾ [(٣٢) سورة الأنبياء] يعني لا تناله أيدي العابثين، ولا يمكن أن يصل إليه مخلوق فهو محفوظ، وأيضاً هو مرفوع، وهو بالنص سقف, وأهل العلم يقولون: وإن جاء النص بأن السقف على أن السماء سقف إلا أنه لا يحنث، من حلف ألا يجلس تحت سقف ثم جلس تحت السماء، أو لا ينام على فراش ونام على الأرض، والأرض فراش والسماء سقف بالقرآن فلا يحنث إذا قال: ما أنا، وأقسم بالله ألا ينام تحت سقف ولا فوق فراش، فنام فوق الأرض وتحت السماء، قالوا: لا يحنث لماذا؟ لأن الأيمان مبناها على الأعراف، الأيمان مبناها على الأعراف، والعرف لا يسمي السماء سقفاً، ولا الأرض فراشاً قال: نام في العراء يعني لا تحت سقف، ونام على الأديم على الأرض لا على فراش، ومثل ما قلنا: الأيمان مبناها على الأعراف فلا يحنث، إلا إذا نوى، فإذا نوى فهو حانث لا محالة.
﴿وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ﴾ [(٥) سورة الطور]، ﴿وَالطُّورِ * وَكِتَابٍ مَّسْطُورٍ *ٍ * وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ * وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ * وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾ [(١ - ٦) سورة الطور] هذه الإيمان المكررة، ومنهم من يقول: اليمين والطور وما عداه معطوف عليه، فالواو في قوله: وكتاب مسطور، والبيت المعمور, والسقف المرفوع، والبحر المسجور هذه واو العطف وليست بقسم، لكن أكثرهم على أن الله أقسم بهذه الأشياء بالطور، وكتاب مسطور، والبيت المعمور، والسقف المرفوع، والبحر المسجور، وجوابه ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ﴾ [(٧) سورة الطور].
стр. 324
﴿الْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾ [(٦) سورة الطور]، ﴿الْمَسْجُورِ﴾ يقول المؤلف: "المملوء" نعم هو مملوء ماء، وكما يطلق المسجور على المملوء، يطلق أيضاً على الموقد، الموقد الذي فيه نار، لكن ابن جرير رجح أنه المملوء؛ لأننا نرى البحار ليس فيها نار وهي تحول فيما بعد إلى نار والتسجير الإيقاد، جهنم تسجر وقت الزوال أو قبل الزوال حين يقوم قائم الظهيرة فإنها تسجر فيها جنهم، وهذا سبب النهي عن الصلاة في هذا الوقت يعني توقد، وفي حديث كعب حديث الثلاثة الذين خلفوا وتيب عليهم: جاءه كتاب من ملك غسان يذكر فيه أنه ما دام على هذه الحال، وأنه مهجور بين المسلمين ليقدم علينا؛ لنكرمه ونواسيه، لكن كعب عد هذه بلية من البلايا، عدها بلية من البلايا يقول: فسجيت بها التنور يعني -أوقدت بالكتاب التنور-، أوقدت بالكتاب التنور، وهذا لا شك أن المسلم لا يجوز له أن يعرض نفسه ودينه للفتنة، بحيث يترك بلاد المسلمين لما أصابه من ضر وضيق ويذهب ليقيم بين الكفار، فيخسر بذلك الخسارة الفادحة في دينه وهو لا يشعر وقد يشعر، ولما دعاء ملك غسان كعب بن مالك، وقد أصابه من الضيق ما أصابه بسبب الهجر مدة خمسين يوماً، عد هذه بلية ومصيبة وكارثة فسجر التنور بالخطاب، فليصبر المسلم على ما يصيبه في بلاد المسلمين ولا يعرض نفسه للفتنة، ويهاجر على ما زعموا المسلم من بلاد المسلمين إلى بلاد الكفر يقول: نجد الحرية، لكن ما الأثر عليه في نفسه وولده؟ كم من شخص ذهب من أجل الحرية وفقد أولاده تنصروا نسأل الله العفو والعافية؟ وكيف يعلم أولاده في مدارس الكفر والكفار؟ والله المستعان.
стр. 325
﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾ [(٦) سورة الطور] "أي المملوء" أو الموقد؛ لأن التسجير الإيقاد، أقسم الله -جل وعلا- بالطور والكتاب، والبيت، والسقف، والبحر خمسة أقسام جواب القسم ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ﴾ [(٧) سورة الطور]، ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ﴾ "لنازل بمستحقه"، ﴿لَوَاقِعٌ﴾ يعني نازل بمستحقه، والمستحق للعذاب هو المخالف التارك لما أوجب الله عليه، الفاعل لما نهي عنه بدأً من تارك التوحيد، وفاعل الشرك إلى تارك الواجبات، وفاعل المحرمات إلا أن الأول عذابه حتم، والثاني تحت المشيئة ﴿إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء﴾ [(٤٨) سورة النساء] ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ﴾ "لنازل بمستحقه".
﴿مَا لَهُ مِن دَافِعٍ﴾ [(٨) سورة الطور] ليس له من يدفعه، ليس للمستحق لهذا العذاب إذا وقع ليس له أحد يدفع عنه، من يستطيع أن يدفع؟ لا يستطيع أحد أن يدفع عن نفسه فضلاً عن أن يدفع عن غيره ﴿مَا لَهُ مِن دَافِعٍ﴾ لا يرده، ولا يدفعه قبل وقوعه، ولا يرفعه بعد نزوله أي دافع ﴿لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾ [(٥٨) سورة النجم] يعني غير الله -جل وعلا- لا يستطيع شيء لا ملك مقرب، ولا نبي مرسل، ﴿مَا لَهُ مِن دَافِعٍ﴾ يعني يدفع "عنه" هذا العذاب النازل به وهو بالمستحق، ﴿يَوْمَْ﴾ "معمول لواقع"، ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ* يَوْمَْ﴾ يعني الظرف متعلق بواقع ولذا قال: "معمول لواقع".
стр. 326
﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاء مَوْرًا﴾ [(٩) سورة الطور] تتحرك وتدور، ﴿يَوْمَ تَمُورُ﴾ يوم مضاف إلى جملة، مضاف إلى جملة صدرها مبني وإلا معرب؟ نعم صدرها معرب، وحينئذ يعرب وإلا يبنى؟ يعرب، لكن لو أضيف إلى جملة صدرها مبنى بني على الفتح ((رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه))، ((كيوم ولدته أمه)) هذا مبنى لماذا؟ لأنه أضيف إلى جملة صدرها مبنى، ((رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه)) أضيف إلى جملة صدرها مبني، فبني وهنا صدرها معرب فأعرب، قد يقول قائل: لماذا لا يكون مبنى على الفتح؟ لأنه مفتوح يومُ ينفع، هذا يومُ ينفع صدرها معرب فأعربت، لكن هنا ما الذي يدرينا أن يوم هنا معرب وإلا مبنية؟ ﴿يَوْمَ تَمُورُ﴾ قلنا: إنها أضيفت، أضيف الظرف إلى جملة صدرها معرب فيعرب، وقلنا: ((كيوم ولدته أمه)) أضيف إلى جملة صدرها مبنى فبني، لماذا لا نقول: إنه مبنى؟ لا، هنا ليس بمبنى وإنما هو معرب، والأصل فيه الإعراب لا البناء، والظرف الأصل فيه أنه منصوب، الأصل فيه أنه منصوب، ولكن عرفنا أن ذاك مبني لماذا؟ لأنه دخل عليه حرف جر، دخل عليه حرف جر ومع ذلك نصب، عرفنا أنه مبنى، عرفنا أنه مبنى لدخول حرف الجر، وأما هنا فموضعه النصب، موضعه النصب فهو معرب، وهو معمول يعني متعلق بواقع، ﴿لَوَاقِعٌ﴾ اسم فاعل، وعمله كعمل فعله معمول لواقع، ﴿تَمُورُ السَّمَاء مَوْرًا﴾ يعني "تتحرك وتدور" وتضطرب، ويدخل بعضها في بعض وتشقق، ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاء مَوْرًا﴾ "تتحرك وتدور" وتضطرب.
стр. 327
﴿وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا﴾ [(١٠) سورة الطور] يقول: "تصير ﴿هَبَاء مَّنثُورًا﴾ [(٢٣) سورة الفرقان] وذلك في يوم القيامة"، ﴿وَتَسِيرُ﴾ يعني "تصير هباء"، وَتَسِيرُ ﴿الْجِبَالُ سُيِّرَتْ﴾ [(٣) سورة التكوير]، ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾ [(٨٨) سورة النمل]، السير غير كونها هباء منثوراً، نعم ﴿وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنفُوشِ﴾ [(٥) سورة القارعة] كالصوف المندوف تتفتت وتتطاير "تصير هباء منثوراً"، لكنها قبل ذلك تسير، يعني لها أحول منها: السير كما في قوله -جل وعلا-، ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾ [(٨٨) سورة النمل] تشمي، ﴿وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾ يعني تمشي، ويستدل بهذا أهل الهيئة ومن يقول بقولهم على دوران الأرض، إننا نظن أن الجبال جامدة وهي تمر مر السحاب تجري، تمشي، لكن الكلام على أنها إذا قالوا: إن الأرض تدور فأنت تدور معها فهي بالنسبة لك ثابتة في مكانها، وهذا ليس في الدنيا ﴿تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾ ليس في الدنيا هذا مثل هنا ﴿تَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا﴾ إنما هو في القيامة قبل أن تكون هباء منثوراً، وقبل أن تكون ﴿كَالْعِهْنِ الْمَنفُوشِ﴾ يعني كالصوف المندوف المفتت، قبل ذلك ﴿َتَسِيرُ﴾ فليس فيه دلالة على ما يقولون؛ لأن الشيء إذا سرت معه فهو في مكانه بالنسبة لك، لكن لو قدر أنها تسير بمفردها، وأنت جالس في مكانك لعلمك بها أنها بجوارك، ثم إذا أصبحت إذا هي بعيدة عنك هذا سيرها، أما إذا كانت تسير مع غيرها فليست تسير هي ثابتة في مكانها، وإنما الذي يسير غيرها فليس فيه دلالة على ما أرادوا، ليس فيه دلالة على ما أرادوا، ﴿وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا﴾ يقول: "تصير هباء منثوراً وذلك في يوم القيامة"، وعرفنا أن السير غير كونها هباء، وغير كونها كالعهن المنفوش.
стр. 328
﴿فَوَيْلٌ﴾ [(١١) سورة الطور] الفاء هذه ما المقتضي لها؟ ﴿فَوَيْلٌ﴾ الفاء هذه يسمونها، ماذا تسمى الواقعة في جواب شرط مقدر؟ الفصيحة "الفاء الفصيحة" واقعة في جواب شرط مقدر، إذا كان الأمر كذلك ﴿فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [(١١) سورة الطور] ﴿فَوَيْلٌ﴾ يقول: "شدة عذاب"، ولا شك أن ويل كلمة عذاب، وجاء تفسيرها بأنها وادٍ في جنهم لو سيرت فيه جبال الدنيا لذابت من حره، ويل وادٍ في جنهم لو سيرت فيه جبال الدنيا لذابت من حرة، يقولون: وفيه قيح وصديد المعذبين نسأل الله السلامة والعافية.
﴿فَوَيْلٌ﴾ "شدة عذاب" ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ يومئذ يعني -يوم القيامة-، ﴿يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ "للرسل" ويل لهم، ثم ويل لهم، -نسأل الله العافية- وجاء من وصفهم أنهم مكذبون للرسل.
﴿الَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ﴾ [(١٢) سورة الطور] ﴿الَّذِينَ هُمْ﴾ يعني من وصفهم أيضاً الذين هم خوض، يعني في "باطل" يخوضون، يخوضون في الباطل ويتداولونه بينهم، ويرفعون شأنه، ويسعون جاهدين لإبطال الحق ورفع الباطل، ﴿فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ﴾ "أي يتشاغلون بكفرهم" بباطلهم، عن الإيمان وعن الحق.
ويل لهم ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ [(١٣) سورة الطور] ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ﴾ يعني في ذلك اليوم -يوم القيامة، يعني "يدفعون بعنف، يدفعون بعنف، ويوم بدل من قوله: ﴿يَوْمَ تَمُورُ﴾ " كل هذا في القيامة، ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ﴾ يدفعون إليها بعنف لماذا؟ لأنهم لا يريدونها، ويحاولون جاهدين أن يمتنعوا، ثم يدفعون بعنف وقوة وشدة ولا رحمة حينئذ!، والدفع بعنف.
يقول: "بدل من ﴿يَوْمَ تَمُورُ﴾، ﴿يَوْمَ تَمُورُ﴾ هو يوم يدعون هو نفسه اليوم واحد وهو يوم القيامة، في قوله -جل وعلا- ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ * فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ﴾ [(١ - ٢) سورة الماعون] يدعه يعني -يدفعه-، وهذا ليس في قلبه أدنى رحمة، وحينئذ هؤلاء الذين يكذبون ويخوضون ويلعبون هؤلاء يدعون من دون أي رحمة يعني -يدفعون بعنف-.
стр. 329
ويقال لهم تبكيتاً وزجراً: ﴿هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾ [(١٤) سورة الطور]، ﴿هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾؛ لأن الكافر لا يؤمن بجنة ولا نار، ولو أمن بجنة لعمل لها، ولو صدق بنار لبذل الأسباب للفرار منها.
وإذا كانت نار الدنيا المتوقعة تبذل الأسباب لعدم وقوعها، تجدون وسائل السلامة والطفايات وغيرها على أهبة الاستعداد؛ خوفاً من أن يقع شيء من نار الدنيا -يلتمس كهرباء، وإلا ينفجر غاز، وإلا شيء- أسباب السلامة الناس يحتاطون لها، وهي جزء من سبعين جزء من نار جنهم ((ناركم التي توقدون عليها أنها جزء من سبعين جزءاً، وإن نار الآخرة أو نار جنهم فضلت عليها بتسعة وستين جزءاً))، وجاء في بعض الآثار أن أهل النار لو خرجوا إلى الدنيا لناموا في نارها -ينامون-، والآن إذا ارتفعت درجة الحرارة قليلاً ما نام الناس بدون نار، بدون شمس تحت السقف والحرارة ترتفع إلى الأربعين تجد الإنسان ما ينام، فكيف بنار الدنيا التي تذيب الحديد؟ وكيف بنار الآخرة التي فضلت عليها بتسعة وستين جزءاً؟
يعني العاقل عليه أن يتأهب، ونسمع النصوص من الكتاب والسنة، ونسمع في الأخبار الصحيحة أن دخول النار رتب على كذا من الأعمال، وتجد المسلم المؤمن المصدق الموقن قد يرتكب بعض هذا الأعمال التي رتب عليها دخول النار لمجرد شهوة أو نزوة، وقد تكون هذه الشهوة لا يستفيد منها ولا يتلذذ بها، فعلى سبيل المثال أول من تسعر بهم النار يوم القيامة ثلاثة، ثلاثة: المجاهد الذي يقتل في سبيل الله في الظاهر، يؤتى به يوم القيامة ويقال له: ماذا صنعت؟ فيقول: قاتلت وجاهدت في سبيلك حتى قتلت، فيقال له: كذبت إنما قاتلت وجاهدت حتى قتلت ليقال: جري أو شجاع فيسحب على وجهه في النار، ومثله الذي يعلم الناس، يتعلم يسهر ويتعب العقود؛ ليتعلم العلم، ثم بعد ذلك يعلم الناس عشرات السنين، ثم يأتي به يوم القيامة فيقال له: ماذا صنعت؟ فيقول: تعلمت فيك العلم، وعلمت الناس فيقال له: كذبت إنما تعلمت وعلمت ليقال، فيسحب كصاحبه على وجهه إلى النار.
ومن يكن ليقول الناس يطلبه ... أخسر بصفقته في موقف الندم
стр. 330
والثالث: المتصدق الذي لا يترك باباً من أبواب الخير إلا ويبذل فيه، ويبذل فيه، فيقال له: ماذا صنعت؟ قال: كسبت المال، ثم أنفقته في وجوه الخير فيقال: كذبت إنما أنققت ليقال: جواد.
هذه الأمثلة محسوسة يعني في عهد النبي ﵊ من أبلى بلاء حسناً قال النبي: ((هو في النار)) في الجهاد، ويوجد من يعلم الناس والله أعلم بنيته ومراده ﴿وَبَدَا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ [(٤٧) سورة الزمر]، فعلى الإنسان أن يُعنى بهذا الباب ويهتم به، وكم من متصدق ليقال؟ وإذا كان وجد من بعض الأثرياء من إذا جاءه من يجيء لطلب مساعدة، تجده يستخرج الدفتر -دفتر الشيكات- وعنده الحضور وعنده الوجهاء والأعيان فيتبرع بمبلغ كبير -هذا الشيك-، ثم إذا ذهب ممن يذهب -هذه واقعة ما هي بافتراضية-، اتصل على البنك قال: وقفوا الشيك، شيء لا يخطر على البال يعني! ما الذي يضره أن يقول: والله ما فيش شيء؟ لكن قد يقول قائل: إننا نتعلم العلم ونعلم، وفي نياتنا دخن، وفيها غبش، وجاهدنا وحاولنا أن نصحح وعجزنا هل نترك العلم والتعليم؟ نقول: لا تترك لا العلم ولا التعليم تابع، وألح على ربك أن يصحح نيتك؛ لأن الترك ليس بعلاج، تترك إلى أي بدل، وإلا فالأمر عظيم يعني بدلاً من أن يكون ممن رفعه الله درجات يكون من أول من تسرع بهم النار؛ لأن العلم الشرعي من أمور الآخرة المحضة التي لا تقبل التشريك.
﴿هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾ [(١٤) سورة الطور] وأنت. . . . . . . . . أخبار والله ما هو بصحيح ولا معقول نار هذه صفتها، وجنة عرضها السموات والأرض وين النار؟ إذا كانت الجنة عرضها السموات والأرض يعني ما في مكان للنار ﴿هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾ ليس الخبر كالمعاينة، والله المستعان.
لكن هل يقول: ما فيه نار وهو يراها يمتنع من دخولها ولا يقدم عليها؟ فيدفع دفعاً شديداً ويكب على وجهه ومنخره في النار رغم أنفه لا بطوعه واختياره؛ لأنه لا يقبل هذا.
стр. 331
﴿أَفَسِحْرٌ هَذَا﴾ [(١٥) سورة الطور] "العذاب الذي ترون كما كنتم تقولون في الوحي هذا سحر"، ﴿أَفَسِحْرٌ هَذَا﴾ يعني - "العذاب الذي ترون" -؛ لأنهم قالوا للنبي: ساحر، وقالوا في الوحي سحر، هذا النار التي ترونها هذه سحر حقيقة وإلا خيال ﴿أَفَسِحْرٌ هَذَا﴾ "العذاب التي ترونه كما كنتم تقولون في الوحي هذا سحر" ﴿أَمْ أَنتُمْ لَا تُبْصِرُونَ﴾ [(١٥) سورة الطور] يعني إن كذبتم وقلتم سحر ذوقوا العذاب يدفعون إليه دفعاً، ولا يمكنهم الهرب، ولا يمكن أن يقولوا: سحر؛ لأنهم يرونها بأم عيونهم، بأمات عيونهم تتلظى ﴿نَارًا تَلَظَّى﴾ [(١٤) سورة الليل] تتلهب، يدركهم حرها وسمومها قبل دخولها، ﴿أَفَسِحْرٌ هَذَا﴾ يعني هذا "العذاب وهذه النار التي ترون كما كنتم تقولون في الوحي"، نعم الذي لا يصدق يقول: سحر، لكن إذا رأى هل يستطيع أن يقول: سحر؟ لا يستطيع أن يقول سحر، ﴿أَمْ أَنتُمْ لَا تُبْصِرُونَ﴾ هل أنتم لا ترون هذه النار التي أمامكم، أو هي سحر؟ لا هذا، ولا هذا ليست بسحر وإنما هي حقيقة، وصلهم مقدماتها ويبصرونها ويرونها بأعينهم ﴿أَمْ أَنتُمْ لَا تُبْصِرُونَ﴾؟.
﴿اصْلَوْهَا﴾ [(١٦) سورة الطور] صلي النار حرها، وشدة حرها الذي يصطلي يعني يستدفئ في النار لعلكم تسطلون، فلا شك أن النار حارة ومحرقة، لكن يستفاد منها في الدنيا بقدر الحاجة، يستدفأ بها لكن ما يجلس الإنسان في وسطها في سواها ﴿فِي سَوَاء الْجَحِيمِ﴾ [(٥٥) سورة الصافات]، ما يستطيع الإنسان أن يجلس، لكن يستفيد منها يوقد على طعامه؛ لينضج، ويقترب منها
؛ ليستدفأ لكنه لا يصلاها كما يصلى النار ﴿إِلَّا الْأَشْقَى﴾ [(١٥) سورة الليل].
﴿اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا﴾ [(١٦) سورة الطور] يعني "اصبروا عليها" أولا تصبروا سيان؛ لأنه لا ينفع لا الصبر ولا الجزع، الصبر ينفع في الدنيا، الصبر إنما ينفع في الدنيا، الصبر على أوامر الله على الواجبات بأدائها، والصبر عن المحرمات بعدم اقترافها، الصبر على الأقدار المؤلمة هذا ينفع ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [(١٠) سورة الزمر]، لكن إذا دخلوا النار ماذا يستفيدون؟ اصبروا أو لا تصبروا.
стр. 332
﴿اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا﴾ "عليها ﴿أَوْ لَا تَصْبِرُوا﴾ صبركم وجزعكم سواء، صبركم وجزعكم سواء"؛ لأن الآخرة ليست دار تكليف، يقال نؤجر على الصبر؟ لا سواء صبرتم أو جزعتم فـ ﴿سَوَاء عَلَيْكُمْ﴾؛ "لأن صبركم لا ينفعكم" ﴿سَوَاء عَلَيْكُمْ﴾، " لأن صبركم لا ينفعكم"، ﴿إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [(١٦) سورة الطور] يعني جزاء ما كنتم تعملون، يقول أي "جزاءه" ﴿إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ يعني جزاء عملكم، جزاء عملكم، أو جزاء الذي كنتم تعملونه، فما موصولة أو مصدرية جزاء عملكم، أو جزاء الذي تعملونه.
﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ﴾ [(١٧) سورة الطور] ذكر الله -جل وعلا- في الآيات السابقة حال الأشقياء وما أعد لهم في الآخرة، ثم ثنى بحال السعداء، وهذه طريقة القرآن إذا ذكر حالاً ذكر ضدها، وهذا من أوجه تسمية القرآن المثاني ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ﴾ جنات بساتين، ﴿جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ﴾ في هذه الجنات، يتنعمون ويتلذذون ﴿جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [(٢٤) سورة الواقعة] يجزون بأعمالهم في الدنيا، فالمحسن يجزى بإحسانه، والمسيء كما تقدم يجزى بإسأته، وكل يجازى بعمله إن خيراً فخير، وإن شراً فشر، وهنا يجزى المتقون الجنات والنعيم المقيم الأبدي السرمدي الذي لا ينقطع، وفي الجنات ما لا عين رأت، ولا آذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.
﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ﴾ المتقين الملازمين للتقوى بفعل الأوامر واجتناب النواهي، الذين جعلوا بينهم وبين عذاب الله وقاية بفعل ما أمروا به واجتناب ما نهوا عنه.
стр. 333
﴿فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ * فَاكِهِينَ﴾ [(١٧ - ١٨) سورة الطور] "متلذذين" بهذه الجنات، وما أعد لهم فيها من النعيم المقيم، " ﴿فاكهين﴾ متلذذين" ﴿بِمَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ﴾ ﴿بِمَا﴾ ما هذه "مصدرية ﴿آتَاهُمْ﴾ أعطاهم"، ربهم من هذا النعيم بأنواعه وكيفياته، " ﴿آتَاهُمْ﴾ أعطاهم"، ﴿رَبُّهُمْ﴾ الرب هو الذي يربي بالنعم، فالذي ربّا الخلق بالنعم في الدنيا وأغدق عليهم، وينعم عليهم في الآخرة بأمور لا تخطر على القلب هو الرب، وهذا من أسماء الله التي تدل على عطفه ورحمته بخلقه، فهو الذي رباهم، أولاً: هو الذي خلقهم وأجدهم ورزقهم ورباهم بنعمه، وأغدق عليهم من النعم الظاهرة والباطنة.
стр. 334
في الدنيا نماذج يسيرة يمكن أن يستدل بها الإنسان على ما يدخر له في الجنة، هناك نعم لا يقوم الإنسان بشكرها، لكن عليه أن يشكر قدر استطاعته ﴿وَوَقَاهُمْ رَبُّهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾ [(١٨) سورة الطور] عطفاً على آتاهم، آتاهم من النعيم المقيم ﴿وَوَقَاهُمْ رَبُّهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾؛ لأن الأمر لا يخلوا من أربع حالات، إما أن يعطى من النعيم المحض الذي لا يخالطه شيء من المكدرات والمنغصات، وهذا هو ما سيكون للمؤمنين يوم القيامة ﴿بِمَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ وَوَقَاهُمْ رَبُّهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾، أو يكون النعم المخلوطة بالمكدرات، وهذا شأن نعيم الدنيا، ما في نعيم خالص لا بد له من تبعات، لا بد له من تبعات فليس بخالص، ولو كان النعيم في الدنيا خالص لنسي نعيم الآخرة، وقد يعطى الإنسان من العذاب الخالص الذي لا نعيم معه وهذا عذاب الكفار في النار، وقد يكون هناك عذاب مخلوط بشيء من الفتور والنعيم المحدود، وهذا يكون في الدنيا قد يعيش الإنسان في نعيم في الدنيا لكنه ليس بنعيم خالص، ليس بنعيم خالص، وقد يعيش في شقاء في الدنيا لكنه ليس بشقاء خالص، فالنعيم في الدنيا لا بد له من مكدر، والشقاء في الدنيا لا بد له من انقطاع، ولا بد له من فترة، ولا بد أن يمر شيء مما يسر المخلوق فليس بخالص، أما في الآخرة فخالص، نعيم الجنة لا مكدر له، وعذاب النار لا نعيم معه البتة، لذلكم الشاطبي في الموافقات لما تكلم عن السعادة والشقاوة وذكر أنه لا سعادة خالصة، ولا شقاوة خالصة، ورد على من قال بأن هذا مطرد في الدنيا والآخرة، رد على من قال بذلك؛ لأن منهم من يقول: إنه وإن كان الإنسان في النعيم في الجنة النعيم الخالص، لكن لا بد معه من شيء ينغصه، بدليل أن من كان في المنزلة الدنيا في الجنة، مع أن نعيمه نسبي بالنسبة لمن فوقه في الجنة، لكن إذا استحضرنا أن من دخل الجنة وإن كان أدناهم منزلة لا يشعر بأن من فوقه أفضل منه، ولا يشرع في قلبه شيء من المكدرات ونزعنا ما في قلوبهم من غل، وإذا كان أدناهم منزلة وليس فيهم دنيء من هو على المسك الأذفر، وعلى المنابر، وعلى نجب العقيان، فكيف يكون مع هذا النعيم كدر؟ وإن كان فوقه ناس في منازلهم،
стр. 335
والناس يتراءون أهل العلم كالكوكب الدري الغابر في السماء، ويحصل هذا لأناس أمنوا بالله وصدقوا المرسلين، المقصود أن نعيم الجنة لا يخالطه كدر البتة، ومثل ما قيل في هذا، قيل أيضاً في عذاب النار، منهم من قال: إن الذي يعذب في النار ما دام يرى أن في النار من هو أسفله منه فإن هذا يدخل السرور على قلبه، أي سرور، وأقل الناس عذاباً يوم القيامة؟ يعني من أقلهم بشفاعة النبي ﵊ من عليه نعلان من نار يغلي منهما دماغه، يغلي منهما دماغه، أبو طالب شفع له النبي ﵊ في ضحضاح من نار يغلي دماغه، هل هذا يقول إن أخاه أبا لهب أشد منه، أو أن أبا جهل أشد منه عذاباً فيستر بذلك؟ لا يمكن أن يدخل عليه سرور وهو في النار، والشاطبي ﵀ في الموافقات ذكر مثل هذه الأمور فيرجع إليه.
المقصود أن الذي في النار لا يرى غيره شراً منه، والذي في الجنة لا يرى غيره خيراً منه، وإن كانت الدرجات في الجنة متفاوتة، والدركات في النار متفاوتة بخلاف منه في نعيم الدنيا وعذابها، يعني من في نعيم الدنيا ولو كان يملك ما يملك من أمور الدنيا، ويستفيد من هذه على وجهها، يعني دعونا من غني محروم حرمه الله من ماله لا يتلذذ به ولا يستمتع به هذا معذب بماله، لكن شخص يتمتع بماله وينتفع به، ثم بعد ذلك وجد شخصاً أرفع منه لاشك أن حياته تتكدر والنعيم نسبي، كما أن الشقاء في هذه الدنيا نسبي، ولذلك أمرنا أن ننظر في أمور الدنيا إلى من هو دوننا -إلى من هو أسفل منا-، لماذا؟ لنشكر الله -جل وعلا- على النعم، وألا نزدري نعمة الله علينا، يعني إذا كنت مدين وعليك أقساط، وأحياناً لا تستطيع السداد، ويتصل عليك الدائن ويضيق صدرك كثيراً، انظر إلى من هو مدين بالملايين، تقول: الحمد الله إنا ديني مقدور عليه، وإذا كنت لا تجد ما تأكل في يوم من الأيام أنظر إلى جهات لا يجدون ما يأكلون البتة، ومنهم من يموت من الجوع، إذ كنت تبرد في الشتاء فانظر إلى من يبيت بالعراء، انظر إلى من هو دونك؛ لئلا تزدري نعمة الله عليك، وما من إنسان وإلا ويوجد من هو دونه.
стр. 336
المريض يجد منه أشد منه مرضاً، وإذا نظر إلى المرض وأنه قد يكون منحة إلهية شكر الله -جل وعلا- على هذه النعمة أن جعله مسلم يصبر على الضراء فيؤجر عليها، فالمسلم مطالب بأن ينظر في أمور الدنيا إلى من هو أسفل منه؛ لئلا يزدري نعمة الله عليه، ولكن في أمور الدين ينظر إلى من هو أعلى منه؛ ليجد ويجتهد ويسعى في تكميل النقص الذي عنده، ولا يشبع مما يقربه إلى الله -جل وعلا-.
ويقال لهم، يقول المفسر: "ويقال لهم: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا﴾ [(١٩) سورة الطور] حال ﴿وَاشْرَبُوا هَنِيئًا﴾ أي مهنئين"، ﴿بِمَا﴾ الباء سببية ﴿كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، الباء سببية ﴿بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، الباء سببية يعني بسبب ما كنتم تعملون، أولاً: دخول الجنة ((لن يدخل أحد الجنة بعمله)) كما جاء في الحديث الصحيح، ((قالوا: ولا أنت يا رسول الله، قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته)) فضلا عمن دونه ﵊ ((لن يدخل أحد الجنة بعمله)) إن هذا العمل مهما كان، إذا قورن بنعمة واحدة من نعم الله -جل وعلا- رجحت به هذه النعمة، فلا يدخل أحد الجنة بعمله، لكن برحمة أرحم الراحمين.
وهنا يقول: ﴿بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ والباء سببية، بسبب ﴿مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ يعني هذا النعيم دخول الجنة بالرحمة، لكن هذا النعيم وهذا التفاوت بين الداخلين إنما هو بالأعمال، إنما يصنفون بأعمالهم وجاءت بذلك النصوص الكثيرة، وأما دخول الجنة أصله إنما هو برحمة أرحم الراحمين، ﴿بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ من الأعمال الصالحة المقربة إلى الله -جل وعلا- وعلى رأسها التوحيد الذي لا يدخل الجنة إلا موحد, فالمشرك الجنة عليه حرام ومأواه النار.
стр. 337
﴿مُتَّكِئِينَ﴾ [(٢٠) سورة الطور] يقول: "حال من الضمير المستكن ﴿فِي جَنَّاتٍ﴾، "حال من الضمير المستكن في قوله تعالى: ﴿جَنَّاتٍ﴾ ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ﴾ ما الداعي إلى أن نقول: هذا الحال من الضمير المستكن في قوله تعالى: ﴿فِي جَنَّاتٍ﴾، و ﴿فِي جَنَّاتٍ﴾ جار ومجرور متعلق بمحذوف تقديره كائنين أو مستقرين في جنات، كائنين أو مستقرين في جنات؟ ﴿مُتَّكِئِينَ﴾ "حال من الضمير المستكن في قوله تعالى: ﴿فِي جَنَّاتٍ﴾ " إن المتقين في جنات فاكهين، متكئين، " ﴿فاكهين﴾ يعني متلذذين" يعني حال كونهم فاكهين، وحال كونهم متكئين لماذا قال: مستكن؟ يعني مستتر في قوله: ﴿فِي جَنَّاتٍ﴾، في قوله تعالى: ﴿فِي جَنَّاتٍ﴾ يعني في جنات فاكهين، في جنات متكئين، فاكهين ومتكئين أحوال، وهنيئاً حال ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا﴾ [(١٩) سورة الطور] حال من الواو في قوله: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا﴾ فالأكل والشرب هنيئاً، والهنيء والمريء الذي لا عاقبت له سيئة؛ لأن بعض الأكل تكون له عاقبة غير محمودة، بخلاف الهنيء المريء الذي تكون عاقبته محمودة.
стр. 338
﴿مُتَّكِئِينَ﴾ حال من الضمير المستكن في قوله: ﴿جنات﴾ " يعني في جنات متكئين، الاتكاء هذا المصدر فعله يكون في ظرف متكئ في أي شيء، يعني في الجنة أو خارج الجنة، يعني الناس في مجالسهم إنما يتكئون في مجالسهم، وأهل الجنة يتكئون في جناتهم ولذلك احتاج أن يقول: "حال من الضمير المستكن في قوله تعالى: ﴿في جنات﴾، ﴿عَلَى سُرُرٍ مَّصْفُوفَةٍ﴾ [(٢٠) سورة الطور] ﴿سُرُرٍ مَّصْفُوفَةٍ﴾ يعني "بعضها إلى جنب بعض" سرر مصفوفة بعضها إلى جنب بعض بحيث ينتقل منها من سرير إلى سرير وفي وكل سرير ما ليس في السرير الأخر، ﴿عَلَى سُرُر ﴿ٍ ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى سُرُرٍ مَّصْفُوفَةٍ﴾ [(٢٠) سورة الطور] "بعضها إلى جنب بعض" ﴿وَزَوَّجْنَاهُم﴾ عطف على في جنات إن المتقين في جنات ونعيم ﴿وَزَوَّجْنَاهُم﴾ "عطف على ﴿في جنات﴾، أي: قرناهم، قرناهم" يعني الإنسان يقترن بزوجه في الجنات، "عطف على ﴿في جنات﴾ يعني قرناهم" الزواج والقران بمعنى واحد، فالزوج يقرن بزوجته والزوجة تقرن بزوجها، قرناهم ﴿بِحُورٍ عِينٍ﴾ ﴿بِحُورٍ عِينٍ﴾ يقول: "عظام الأعين حسانها" ﴿بِحُورٍ عِينٍ﴾ يعني "عظام الأعظم حسانها" يعني التنصيص على العين مما أخذ، العين أخذ من العيون، والحور أيضاً من الحور، والحور يكون في العين فالكلمتان مأخوذتان من الأعين وما يحتف بها، فالعِين المراد به السعة في العين، والحور مأخوذ من الحور ويكون بالعين فجمالها في عيونها وهذا هو المنصوص عليه، ولا يعني أن بقية الجسم ليس كذلك، بل بقية الجسم جاء فيه من الأوصاف ما جاء في الأخبار الصحيحة، وأخذ الاسم من أخص ما يميز المرأة في جمالها، جمالها يكون، جمالها الجاذب للرجال إنما يكون في العين.
إن العيون التي في طرفها حور ... قتلننا ثم لم يحيين قتلنا
يعني العين هي التي تجذب فنص عليها، وأما بقية الجسد فحدث ولا حرج من منتهى الجمال، ومنتهى ما يتلذذ به وذكر هذا في السنة، جاءت الأوصاف في السنة، وابن القيم ﵀ في "حادي الأرواح"، وفي أخر النونية ذكر الأوصاف أوصف العين فيرجع إليه.
﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم﴾ [(٢١) سورة الطور] هذا للدرس القادم -إن شاء الله تعالى-.
стр. 339
يقول هذا: ما المقصود بقوله ﷺ : ((روضة من رياض الجنة))، أهي من الجنة لمن قعد فيها كأنه قعد في الجنة، أم التعبد فيها سبب للجنة، وقد سمعت من يقول: بإنها من الجنة حقيقة، فكيف يكون من الجنة حقيقة وهو فيها يحس الإنسان بالجوع والظمأ، وقد قال الله -جل وعلا-: ﴿إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى﴾ [(١١٨) سورة طه]؟
هذا خبر صحيح عن النبي ﵊ هي روضة من رياض الجنة، والتعبد فيها سبب موصل إلى الجنة، لكن على ما ذكرنا أنه إذا ترتب على ذلك مفسدة فلا شك أن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، والإنسان إذا راع مثل هذه الأمور يعطاه ما يعطاه العامل بل أكثر.
﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا﴾ [(١٢٤) سورة طه] كيف نفرق بين الظنك والبلاء، فنجد بعض الناس صلته مع ربه ضعيفة، ولكن نجده بعيد عن الضنك؟
تجده في الظاهر بعيداً عن الضنك، تجده في الظاهر بعيد عن الضنك، لكنه في حقيقة الأمر ﴿كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاء﴾ [(١٢٥) سورة الأنعام] تجد صدره ضيقاً حرجاً يعني إن أنس بك أثناء وجودك معه، وتبادلتم أطراف الحدث ووجدته يضحك، لكن الضنك ملازم له، أما بعيد عن الضنك فهذا ليس بصحيح.
ما أفضل طبعة تنصحون بها لتفسير الجلالين؟
ذكرت أن الشيخ أحمد شاكر قبل خمسين سنة طبع الكتاب للمعاهد العلمية في جزأين، في مجلدين، في مطبعة المعارف على نفقة الرئاسة العامة للكليات والمعاهد العلمية، وطبع لهم كتب أخرى لكن تفسير الجلالين طبعته جيدة.
يقول: ما القول الصحيح في قول بعض أهل العلم: إن الآيات القرآنية فيها التوقف دون أن نسأل، ونقول ما الحكمة من قول الله تعالى كذا وكذا، فهل هذا القول صحيح؟
على كل حال الله -جل وعلا- حكيم ولا يأمر إلا لحكمة، ولا ينهى إلا لحكمة، ولا يفعل إلا لحكمة، فالحكمة مقترنة بأفعاله -جل وعلا-، وإذا عرفناها فلا شك أن هذا أمر طيب والبحث عنها جيد؛ لأنها من وسائل التثبت، وإذا لم نستطع الوقوف عليها فعلينا أن نرضى، ونسلم، ونأتمر، وننتهي حسب ما طلب منا ولو لم نقف على الحكمة، وعلى المسلم أن ينقاد، ويقول: سمعنا وأطعنا كما قال أهل العلم: قدم الإسلام لا تثبت إلا على قنطرة التسليم، يكفي.
стр. 340
تفسير الجلالين
سورة الطور (٢)
الشيخ / عبد الكريم الخضير
ومراجعة كتب التفسير المختصرة لا سيما المتعلقة بغريب القرآن، ولا تكلف شيئاً حفظها سهل، ومن كتب الغريب ما طبع في حاشية المصحف، وهذا ييسر أكثر لكن قراءة جزء في كل يوم بالنسبة لطالب العلم كأنها قليلة بالنسبة لكتاب الله -جل وعلا-، لا يشق على طالب العلم أن يجلس بعد صلاة الصبح حتى ترتفع الشمس، وحينئذ يتيسر له أن يقرأ القرآن في سبع كما أمر النبي ﵊ عبد الله بن عمرو لذلك حيث قال له: ((اقرأ القرآن لسبع ولا تزد))، ومع قراءته يدون الكلمات الغريبة ليراجع عليها بعد الفراغ من القراءة، يراجع عليها كتب التفسير، يراجع عليها كتب الغريب، فكتاب الله ينبغي أن يكون عناية طالب العلم به أكثر، نعم يعنى بالحفظ أولاً، ثم بعد ذلك بالمراجعة، ثم القراءة من أجل تحصيل أجر الحروف، التدبر والترتيل والعمل كل هذا مطلوب بالنسبة لطالب العلم، يعني بالنسبة للعامي الذي يعرف أن يقرأ القرآن هذا حصل أجر الحروف بالنسبة له يكفي، أما بالنسبة لطالب العلم لا بد أن يتفقه من كتاب الله، وأن يتعلم، وأن يتعلم كتاب الله، ويعلم كتاب الله بعد ذلك، أما إذا قرأ القرآن في شهر كل يوم جزء بإمكانه أن يقرأ معه تفسير مختصر، سهل أن يقرأ تفسيراً مختصراً في شهر إذا كان يقول: أنا لا أزيد على جزء من القرآن مع مراجعة التفسير هذا لا بأس، حينئذ يتعلم القرآن علماً وعملاً على طريقة الصحابة -رضوان الله عليهم-، لكن على الإنسان أن يستكثر من هذا الباب الذي فتح له مما يقربه إلى الله -جل وعلا-.
يقول: هل في الجنة نار؟ للاستفادة منها بطبخ أو غيره؟
لا ليس فيها نار ولا يحتاج الطعام إلى طبخ، إذا اشتهي ما يشتهي يحضر بين يديه، فإذا اشتهي طائراً صار على قنوانه نضيجاً جاهزاً للأكل كما جاء في بعض الأحاديث، ثم بعد ذلك إذا انتهى وفرغ منه طار هذا الطائر؛ لأن أمور الآخرة لا تقاس بأمور الدنيا، أمور الآخرة خير محض لا يخالطه أدنى تعب، ولا عناء، ولا مشقة.
يقول: هل حديث كفارة المجلس صحيح أم ضعيف؟
стр. 341
ستأتي الإشارة إليه في أخر الصورة، لكن مع ذلك أعله جمع من الحفاظ منهم أحمد، والبخاري، وجمع من الحفاظ أعلوه، لكنه أعلوه من طريق وله طرق أخرى يجعله في مرتبة الحسن -إن شاء الله تعالى-.
يقول: هل تنصح بقراءة كتاب: "الزواجر عن اقتراف الكبائر" لابن حجر الهيثمي، وكتاب: "قصص لا تثبت" لمشهور سلمان؟
كتاب الزواجر عن اقتراف الكبائر لا شك أن فيه ترهيب من هذه الكبائر، وفيه ما يستدل به المؤلف من الأخبار الصحيح والضعيف، فلو أن الإنسان راجعه واقتصر منه على الصحيح، وعلم عليه أو الحسن واختصر الكتاب؛ لأن الكتاب فيه أحاديث ضعيفة كثيرة، وعلى طريقة الجمهور يتسامحون في مثل هذه الأبواب؛ لأنها من باب الترغيب والترهيب يرون فيها الأحاديث الضعيفة، كتاب: "قصص لا تثبت" لمشهور سلمان على كل حال الرجل معروف بتحريه ودقته واطلاعه، وأما الكتاب فلم أقرؤه لا أستطيع الحكم عليه.
يقول: ((ماء زمزم لما شرب له))، ولا تزول فضيلته وفائدته بنقله من مكة، فعن عائشة ﵂ "أنها كانت تحمل من ماء زمزم، وتخبر أن الرسول ﷺ كان يحمله"، قال المباركفوري: فيه استحباب حمل ماء زمزم إلى المواطن الخارجة عن مكة، وبعث إليه سهيل بن عمرو وهو بمكة بمزادتين -يعني بقربتين- قال شيخ الإسلام ابن تيمية: من حمل شيئاً من ماء زمزم جاز فقد كان السلف يحملونه.
في حجة النبي ﵊ لما انصرف من عرفة إلى مزدلفة، ونزل وقضى حاجته توضأ وضوءاً خفيفاً جاء في بعض الروايات أنه من ماء زمزم، وعلى هذا يكون النبي ﵊ نقل له ماء زمزم من مكة إلى عرفة وهي خارج الحرم، وبهذا يستدل على أنه يجوز النقل، وأن فائدة الماء لا تزول بذلك إضافة إلى ما ذكر.
يقول: ما رأيكم فيمن يقول: إن ما يحصل من كوارث بأنه سنن كونية ليس للمعاصي دور في ذلك، فلا يجب وعظ الناس وتذكيرهم بما يحصل بل حثهم على المساعدة؛ لأن فيه تزكية لأهل هذا البلد أو تذكية. . . . . . . . . وهم عندهم معاصي؟
стр. 342
على كل حال هذا القول مخالف لما جاء في كتاب الله -جل وعلا- ﴿فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ﴾ [(٣٠) سورة الشورى] يعني ما ينزل مصيبة إلا بسبب ذنب، فإن لم يكن فلرفع درجات, وهذه الكوارث التي تحصل لاشك أنها بسبب الذنوب، قد يقول قائل: إن هناك من البلدان ومن المجتمعات ما هو شر من هذه البلدان التي أصيبت، الله -جل وعلا- لا يسأل عما يفعل وله الحكمة البالغة، وله المشيئة النافذة قد يعاقب أهل جهة ويترك من هو شر منهم؛ لما يدخره لهم من عذاب أشد.
والمؤمن هو الذي يصاب كخامة الزرع تثنيه الرياح وتعطفه من جهة إلى جهة، وأما الكافر فهو كالأرز ثابتة حتى إذا جاء يومها قصمت قصماً، فالنصوص كثيرة أن الابتلاء للمؤمنين، ولا يلزم أن يكون هم شر الناس يعني من ابتلي هم شر الناس، لا، ((أشد الناس بلاء الأنبياء)) إذا علم هذا فإنما هذه المصائب إنما هي لتكفير الذنوب أو لرفع الدرجات؛ لأنها تصيب هذا العاصي وتصيب غيره، فهذا العاصي تكفر ذنوبه، غيره ترفع درجاته، والعقوبات والمثلات إذا نزلت عمت -تعم الصالح والطالح-، ثم بعد ذلك يبعثون على نياتهم، وقد يوجد على وجه الأرض من هو شر منهم ولا تعجل لهم العقوبة؛ ليدخر لهم ما هو أعظم منها -نسأل الله السلامة والعافية-.
ومع ذلك يعني في وقت الكارثة وجمع المساعدات لا مانع من أن يذكر أهل البلدان بما حصل لأولئك؛ ليرتدعوا ويرعوا عن معاصيهم وغيهم وضلالهم ويعتبروا بغيرهم، لكن مع ذلك مع التأكيد على الحث على الإنفاق في هذا الباب، لا يفهم من كون هذه الكوارث وهذه المصائب بسبب الذنوب أنهم لا يستحقون الإعانة لا، يستحقون الإعانة؛ لأنهم مسلمون، فالمسلمون مستحقون للإعانة على أي حال ما دام في دائرة الإسلام، تصرف له حتى الزكاة التي هي ركن من أركان الإسلام، وعلى كل حال لا يصحب هذا؛ لأن بعض الناس وهو يقول، إذ يقرر مثل هذا، أن هذا بسبب المعاصي كأنه مع يفهم من كلامه أن ما جاءهم بسببهم فلا يستحقون شيئا يتحملون مسؤوليتهم، هذا الكلام ليس بصحيح هم أصيبوا، وهو أخوانك بأمس الحاجة إلى مساعدتك، وعليك أن تدكر وتتعظ بما حصل له.
стр. 343
يقول: لقد غضبت على زوجتي قبل ما يقرب من شهر، وقلت: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق وسألت شيخ وقال: الثلاث واحدة، وأشهد عدلين، فرجعت زوجتي، وأشهد عدلين فهل فعلي صحيح؟
أولاً: إذا سالت من يغلب على ظنك ولو بالاستفاضة بين الناس أن هذا الشيخ تبرأ الذمة بتقليده، وأنت لست من أهل النظر يكفي فلا تسأل غيره، وإذا كان ليس من أهل الفتوى ممن تبرى بذمته فلا يجوز أن تسأله وهو أصلاً، وعلى كل حال إن كنت من أهل النظر فإنما يلزمك العمل بما أداك إليه اجتهادك من غير نظر في أقوال أخرى، وإذا كان الشيخ الذي سألته تبرأ الذمة بتقليده كفاء ولا تسأل غيره، ومن أهل العلم من يقول بهذا: إن الثلاث بلفظ واحد، أو بألفاظ متعددة لم تتخللها رجعة أنها طلقة واحدة، وعلى كل حال إن كنت أنت أردت التأكيد أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق، يعني أن الأولى هي التي أوقعتها، والثانية مؤكدة فهذا لا إشكال فيه، ويبقى النظر فيمن استفتيته لأول مرة.
هل أجر من بنى مسجد ولو كمفحص قطاة كأجر من بنى مسجد بأعمدته وجدرانه؟
إنما يستحق من الأجر بقدره، ويبنى له بقدره نسبياً، وإلا ما يقال: إنه يبنى له قصر في الجنة كمفحص قطاة أبداً، يعني الجزاء ليس مطابق للعمل من كل وجه، فالجزاء أعظم عند الله -جل وعلا-.
يقول: هل ورد في فضل قراءة سورة الطور؟
لا أعرف حديث يخصها إلا ما جاء من حديث: جبير بن مطعم وأنها مؤثرة.
متى كان النبي ﵊ يقرؤها؟
يقرأها المغرب، يقرأها في المغرب.
في قوله تعالى: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾ [(٨٨) سورة النمل] في قوله: ﴿تَحْسَبُهَا جَامِدَةً﴾ ألا يفيد أن ثابتة بالنسبة للإنسان؟
هذا فيها من. . . . . . . . . ﴿وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ﴾ [(٣) سورة التكوير] ﴿تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾ يعني قبل أن تكون كالعهن المنفوش، فليس مستمسك لأهل الهيئة في دوران الأرض على ما زعموا.
يقول: ما حكم صلاة المرائي؟
стр. 344
إذا كان الباعث له على الصلاة والناهز له إلى هذه الصلاة الرياء في باطلة حابطة -نسأل الله السلامة والعافية-، وإن طرأ عليه الرياء في أثناء الصلاة وجاهد نفسه وطرده بسرعة فهذا لا يؤثر -إن شاء الله تعالى-، وإن استرسل معه فهذا محل خلاف بين أهل العلم، هل يحبط ويبطل هذه الصلاة أو لا، أو أن الحكم للغالب؟ على كل حال الرياء خطر عظيم فإن كان كثيراً في صلاته فعليه أن يعيد.
يقول: ما حكم صلة الأرحام المبتدعين؟
البدعة لا تخلوا إما أن تكون مغلظة، أو مكفرة، فهؤلاء حكمهم حكم الكفار لا يزارون إلا بنية الدعوة والتأليف، وتقريبهم إلى الإسلام، وتحبيب المسلمين إليهم، وأما إذا كانت بدعتهم غير مغلظة فينظر أيضاً في المصلحة والمفسدة، إذا كانت الزيارة تجدي ونفعها أعظم فيزارون ويوصلون، وهذا هو الغالب أن الصلة أنفع بالنسبة لهذا النوع، وإن كانوا بحيث إذا زارهم الإنسان يظنون أنهم موافق لهم فمثل هذا الهجر هو المناسب، لا سيما إذا كان الهجر يتضايقون منه، ويحاولون أن يصححوا ما عندهم من بدع، وعلى كل حال كما قال أهل العلم: الهجر والصلة علاج فينظر في الأنفع.
يقول: نذرت نذراً، وقلت: إن حملت زوجتي لله علي أن أذبح بقرة، حملت زوجتي ولكن لا أستطيع، ولا أقدر على ذبح البقرة؛ لأن سعرها غالي ولا يتوفر هذا المال فماذا أفعل؟
عليك أن تصبر حتى يتيسر لك هذا المال، فإذا أيست من ذلك ولم تحصل عليه وغلب على ظنك أنك لا تستطيع، لكن هو دين في ذمتك، على كل حال كدين الآدمي تنتظر حتى يجتمع لك هذا المبلغ، وإذا أيست وقنطت من ذلك كفر كفارة يمين.
يقول: ما هو القول الصحيح في مسألة العذر بالجهل؟
стр. 345
الجاهل معذور ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ [(١٥) سورة الإسراء] وإذا بلغته الحجة وقامت عليه ارتفع عليه الجهل مجرد ما تبلغه الحجة؛ لبلوغ القول الصحيح بدليله من الكتاب أو السنة الصحيحة فهذا لا يعذر، فإن كان ممن يفهم الدليل هذا لا إشكال في كونه لا يعذر، ومن الناس قد يبلغه القول بدليله لكن لا يفهم، ومن العرب منهم في مستوى الأعاجم في عدم فهم النصوص، من العرب منهم في مستوى الأعاجم في فهم النصوص هذا موجود، هذا لا بد أن يوضح لهم تقام عليه الحجة، لكن إزالة المانع من قبول الحجة إذا بلغته الحجة وفهم الحجة فلا يلزم بعد ذلك إزالة المانع من قبول الحجة، ويوجد في كثير من أقطار المسلمين ما يمنع من قبول الحجة وهو اقتدائهم بشيوخهم، تجد المسلم وهو يقول: لا إله إلا الله ويصلي ومع ذلك يزاول منكرات بدع كالطواف بالقبور، والنذر، والذبح لغير الله، الحلف بغير الله، هؤلاء إذا أوردت عليهم الحجة وقيل لهم: هذا قول الله وقول رسوله، هذا قول مشائخ الإسلام، قالوا: لستم بأعلم من فلان وفلان من شيوخنا، فثقتهم بشيوخهم تمنعهم من قبول الحجة فهذا المانع ليس بلازم، لا يلزم زوال المانع؛ لأن الأصل الدليل أما زوال المانع من دليله فلا؛ لأن المشركين استدلوا بفعل أبائهم أنهم وجدوا آباءهم على هذا الضلال وتبعوهم.
إذا دخلت البدعة على عبادة لا تتجزأ فهل يقبل العمل أم لا؟
العمل إذا كان مأمور به ثم دخل عليه شيء منهي عنه فلا يخلوا: إما أن يكون هذا الداخل في أصل، في ذات العمل، أو في جزئه -يعني في ركنه-، أو في شرطه، إن كان هذا المحرم دخل عليه في ذاته، أو في جزئه -ركنه-، أو في شرطه فإنه يبطله؛ لأن القاعدة عند أهل العلم أن النهي إذا عاد إلى ذات المنهي عنه، أو إلى شرطه فإنه يبطل يعني مع التحريم، وإذا عاد إلى أمر خارج عن ذلك فإن العمل يكون صحيحاً، وعليه إثم هذه المعصية.
يقول: إذا دخلت مع الناس في جماعة وكانوا سجوداً فكبرت للإحرام، ولما كبرت للسجود وافق تكبير الإمام للرفع منه، فهل أسجد ثم أرفع من السجود؟ أم أجلس رغم أن تكبيرتي الثانية خاصة بالسجود؟ وماذا يترتب على ذلك، وهذا كثير الوقع؟
стр. 346
ثبت في الحديث أن النبي ﵊ قال: ((إذا جاء أحدكم والإمام على حال فلا يصنع كما يصنع الإمام، إن أدركته ساجد تسجد، وإن رفع من سجوده تجلس معه)).
يقول: حرص سلف هذه الأمة على طيب المطعم والمشرب وقدوتهم في ذلك الرسول ﷺ ، وفي هذا الوقت تعددت مصادر الدخل وتنوعت، فكيف نطيب المطمع والمشرب، لا سميا أنني طالب وأسكن مع أقاربي، وهو الذين ينفقون علي؟
أنظر في كسبهم فإن كان حلالاً مباحاً فهو بالنسبة لك طيب، ما في إشكال إذا كان نطيب نفس منهم، وإذا كان دخلهم أو مصادر رزقهم فيها أمور محرمة، أو فيها شبهات فالورع عن مثلها هو الأصل.
إذا صلى المسافر صلاة العشاء ركعتين خلف شخص مقيم يصلي المغرب، فهل عمله هذا صحيح، وما الواجب فعله الآن؟
المرجح في مثل هذه المسالة أن يتم يأتي برابعة، يأتي على الثلاثة ويأتي برابعة؛ لأن الصلاة صلاة إقامة، المغرب لا تتغير لا في سفر ولا إقامة فكأنها صلاة مقيم.
ما رأيكم في الإعجاز العلمي في القرآن والسنة؟
الإعجاز العلمي لا شك أن القرآن معجز، والنبي ﵊ مخبر عن ربه بما كان وما سيكون وهذا في حد ذاته إعجاز، لكن يبقى أننا لا نسترسل فننزل النصوص في غير منازلها، أو ننزلها على نظريات قابلة للتغيير والتبديل.
ما رأيكم في طبعات عمدة القاري وإرشاد الساري للمكتبة العلمية في بيروت؟
إذا كانت مصورات على الطبعة السابقة فهذه حكمها حكم الطبعات السابقة، نحن نعرف أن عمدة القارئ مصورة على منير، وإرشاد الساري مصور على بولاق، وإن كان صف جديد فيحتاج إلى النظر فيه -في صحة هذه الطبعات-.
يقول: ما هو التدرج الصحيح في التفسير لفهمه؟
стр. 347
ذكرنا في مناسبات كثيرة أن طالب العلم أول ما يبدأ يبدأ في كتب الغريب -غريب القرآن-، ومختصرة يعني المختصرة مثل: غريب القرآن، مثل: ابن عزيز السجستاني يسمى مختصر ومتين وجيد وجامع، وفيه أيضاً العمدة في قرير القرآن للموفق، وفي أيضاً "بلغة الأريب" لأبي حيان الأندلس صاحب البحر المحيط، في كل كتب كثيرة في الغريب يعتنى بها، وفيه أيضاً بل من أجمعها كتاب: "المفردات في غريب القرآن" للراغب، هذا كتاب نافع ينبغي أن يصحبه طالب العلم سفراً وحضراً، يستفيد منه فائدة كبير إذا أشكل عليه شيء يراجعه مراتب على الحروف، كتاب جامع يعني -يذكر الآيات كلها التي مرت- وهو أجمع من غيره يستفاد منه، ثم بعد ذلك يقرأ في المختصرات من التفاسير، وذكر أن تفسير الشيخ ابن سعدي مناسب لطالب العلم المتوسط، وتفسير الشيخ فيصل بن مبارك كذلك، وتفسير الجلالين إذا أمن مسألة المخالفات العقدية، انتفع به طالب العلم.
يقول: الشفاعة في الحدود محرمة، فهل تكون محرمة في بديتها؛ لأنها تمر بمراحل أولاً: الشرطة، ثم المحكمة وغيرها، ومتى تحكم؟
تحكم إذا بلغت السلطان أو نائب السلطان ونائبه هو القاضي، لكن الشفاعة في الحدود ينبغي أن يقدر بقدرها، وينظر في ظروفها في ظروف الفاعل لهذا الحد، وفي ظروف المجتمع ككل، وفي المجتمع الذي تقل فيها هذه المخالفات، فمثل هذه الشفاعات ومثل الستر على المرتكب متجه ((من ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة)) وينظر إلى الفاعل بمفرده، هل هو من أهل الجرائم والسوابق فمثل هذا لا يشفع فيه لا بد أن يقام عليه الحد؛ ليرتدع بنفسه، ويرتدع به غيره، وإلا أدى ذلك إلى تعطيل الحدود، الحكمة من مشروعية الحدود هي: تطهير النفوس، وتطهير المجتمعات فلا يجوز الشفاعة لمثل هذا، لا يجوز الستر عليه، لكن إن حصلت من مسلم هفوة أو زلة وتاب منها وأناب، مثل هذا يستر عليه ويشفع فيه قبل أن تصل إلى السلطان.
يقول: كيف يطلب الرسول ﵊ من عمر الدعاء؟
هذا من باب التشريع للأمة، كما أنه طلب منا أن نسأل له الوسيلة بعد كل آذان نطلب للنبي ﵊ الوسيلة كما هو معروف، والله المستعان.
стр. 348
يقول: ليت الأسئلة هذه تستغل يستغل وجود الشيخ ويسأل عنها؛ لأنه مع وجوده لا ينبغي أن يعدل عنه إلى غيره؟
يقول: كنت مسافراً من بعد صلاة العصر إلى الساعة الحادية عشر ليلاً، ومن تعب السفر نمت ولم أصلي المغرب والعشاء، وإن كنت نسيت هذا الشيء؟
نسيت فنمت هذا لا شيء عليك ((من نام عن صلاة أو نسيها فليصليها إذا ذكرها لا كفارة لها إلا ذلك)) فإن كنت تذكر ونمت ويغلب على ظنك أنك تفوت الصلاة عن وقتها، ووقت العشاء ينتهي بمنتصف الليل، فعليك أن تصلي الصلاتين ثم تنام، ثم إذا نسيت من شدة التعب، نسيت أن وراءك صلاة المغرب والعشاء فنمت، ولم تتذكر إلا بعد ما صليت الفجر فلا شيء عليك.
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد:
стр. 349
فيقول المفسر -رحمه الله تعالى- في قوله -جل وعلا-: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ﴾ [(٢١) سورة الطور]، يقول: " ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ مبتدأ"، والواو حينئذ تكون استئنافاً يعني - ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ مبتدأ"، " ﴿وَاتَّبَعَتْهُمْ﴾ معطوف على آمنوا" فعل على الفعل، " ﴿ذُرِّيَّتُهُم﴾ الصغار والكبار، الصغار والكبار"، هذا الأصل في الذرية أنهم النسل صغاراً كانواً أو كباراً، " ﴿بِإِيمَانٍ﴾ من الكبار"، ومن الآباء في الصغار، الذين آمنوا معروف بتوابعه ولوازمه بأركانه الستة التي لا يصح إلا بها، بالعمل المشترط فيه آمنوا، " ﴿اتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ﴾ من الكبار والذرية" يشمل الصغار والكبار، فالكبار مطالبون بالإيمان، يقول: ومن الآباء يعني -الإيمان من الآباء بالنسبة للصغار-؛ لأنه قد يقول قائل: ﴿اتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ﴾ كيف نعرف إيمان الصغير من أبوين مسلمين؟ محكوم بإسلامه فهو مسلم حكماً ما دام موجود بين أبوين مسلمين ولم يبلغ، هذا صغير لكنه محكوم بإسلامه ﴿اتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ﴾ الصغار والكبار بإيمان من الكبار؛ لأن الكبار مطالبون بالإيمان فعليهم أن يتصفوا به، والصغار حكمهم حكم الأبوين، فمن ولد بين أبوين مسلمين فهو مسلم حكماً وأولادهم في الجنة معهم، كما جاءت في ذلك الأحاديث الصحيحة، الصغير الغير مكلف هذا معروف أنه لا يؤاخذ فيما يرتكبه من معاصي، أو يتركه من واجبات؛ لأنه لم يجب عليه في الشرع شيء، لكن لو أن صبياً في العاشرة من عمره بين أبوين مسلمين أعجب بالنصرانية؛ لأن الأمور الآن صارت تصل إلى كل شيء، الدعوة إلى الأديان، وإلى المذاهب، وإلى الفرق تصل إلى بيوت المسلمين في قعرها، ويطلع على هذه الأمور الكبار والصغار، الشيوخ والعجائز والأطفال، فأعجبته النصرانية وقال: هو نصراني، هو لم يكلف، هل نقول: إن هذا يتبع أبويه ويلحق بهم، باعتبار أن كلامه هذا لغو؛ لأنه غير مكلف، أو نقول: إنه مؤاخذ به ما دام ليس بمؤمن، وخلع. . . . . . . . . الإيمان والإسلام من عنقه فماذا عن مثل هذا؟ لأن القيد ﴿واتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ﴾
стр. 350
ماذا يقال في مثل هذا؟ الأصل أن من لم يبلغ الحنث هذا غير مكلف، يعني لو نطق بكلمة كفر، لو نطلق بكلمة شرك هذا الأصل المؤصل عند أهل العلم؛ لأن القلم مرفوعاً عنه: ((رفع القلم عن ثلاثة))، وتصرفاته له وعمده في حكم الخطأ، ومنهم: ((الصبي حتى يبلغ)) ولو أن إنساناً في منامه تكلم بكلام فهم منه الردة -نسأل الله السلامة والعافية- ما يؤاخذ عليه حتى يستيقظ، وكذلك المجنون لا يؤاخذ ولو قال ما قال، فهؤلاء مرفوع عنهم القلم فلهم حكم آبائهم حتى يكلفوا.
ومن الآباء في الصغار، والخبر خبر المبتدأ " ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ مبتدأ"، "خبره ﴿أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ المذكورين -من الكبار والصغار- في الجنة، فيكونون في درجتهم وإن لم يعملوا بعملهم تكرمة للآباء باجتماع الأولاد إليهم"، ﴿أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ سواء كانوا كباراً أدركوا وآمنوا وعملوا الأعمال الصالحة إلا أنهم لم يبلغوا منازل الوالدين، هؤلاء يلحقون بوالديهم تكرمة لهم، والشرط متحقق يعني -الشرط في دخول الأصل أصل دخول الجنة- متحقق، لكن هؤلاء في منزلة الدنيا وآبائهم في منزلة عليا يلحقون بهم، وهذا ما في إشكال فضل من الله -جل وعلا-.
يقول: "فيكونون في درجتهم وإن لم يعملوا بعملهم تكرمة للآباء لاجتماع الأولاد إليهم"، الصغير إذا مات ولم يبلغ الحنث أيضاً ليس لديه من العمل ما يؤهله إلى منزلة أبيه فيلحق به، الزوجة مع زوجها كما هو معروف، فأمهات المؤمنين مع النبي ﵊ في منزلة، وهذا ما دعا ابن حزم أن يقول: إن أمهات المؤمنين أفضل من أبي بكر وعمر، يعني عائشة أفضل من أبيها، وحفصة أفضل من أبيها، وسودة أفضل من أبي بكر وأفضل من عمر وهكذا، لماذا؟ لأنها في منزلة النبي ﵊ في الجنة هذا ما يقوله ابن حزم، لكن هذا القول ليس بصحيح.
стр. 351
ليست بأفضل من أبي بكر ولا عمر ولا من هو فوقهم من الصحابة، وكون الشيء يثبت تبعاً يعني هذا التكريم التبعي لا يعني ارتفاع المنزلة استقلالاً، يعني كون الإنسان من الطبقة العليا بالنسبة لأمور الدنيا -أمير وإلا وزير وإلا كبير وإلا ثري ويتنعم بملذوذات هذه الدنيا، يسكن المساكن الفاخرة، ويركب المراكب الفارهة، ويأكل المطاعم الناهية، وعنده خدم السائق مثلاً يأكل معه، ويسكن معه في بيته، هل نقول: إن هذا السائق أفضل من الطبقة التي تلي هذه من الأغنياء، ومن الأمراء، من نواب الوزراء مثلاً؟ لا.
كون الإنسان يكرم لغيره لا يعني أنه أفضل ممن دون ذلك الغير، تجد بعض الخدم والسائقين يسكنون في ملاحق عند من ينتسبون إلى خدمته ملاحق، وهذه الملاحق أفضل من بيوت كثير من أوساط الناس، ويأكلون من المطاعم أفضل مما يأكله كثير من الناس، لكن كون هذا يكرم من أجل غيره لا يعني أنه أكرم من غيره، لا، فأبو بكر وعمر أفضل من أمهات المؤمنين، والعشرة أفضل من أمهات المؤمنين، ومع ذلك دونهن في المنزلة؛ لأنهن مع النبي ﷺ في منزلته، وهؤلاء الذرية من كبار وصغار ليسوا بأفضل ممن دون آبائهم وإن كانوا مع آبائهم في المنزلة، إلا إنهم لن يكونوا أفضل ممن دون آبائهم، يعني لو نظرت إلى أكبر عالم في البلد مثلاً عالم عامل، يعني أفضل من في البلد وعنده أولاد صغار وكبار، هل نقول: إن هؤلاء الأولاد أفضل من الشيخ الذي يليه في المرتبة لا؛ لأنهم أكرموا لا لذواتهم إنما أكرموا تبعاً لآبائهم، وكل هذا لأجل كلام ابن حزم في تفضيل أمهات المؤمنين على أبي بكر وعمر وغيرهما من الصحابة.
стр. 352
﴿اتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ﴾ لكن إذا لم تتبعهم بالإيمان ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [(٣٨) سورة المدثر] ما ينفع، ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [(٥٦) سورة القصص] خلاص، قد يكون الولد في عليين، والأب في أسفل سافلين، والعكس إذا كان من أهل النار لم يلحق بإيمان مثل هذا انتهى، جاء في الخبر أن خديجة سِألت النبي ﷺ : عن ولدين لها توفي في الجاهلية؟ فقال ﵊ ((هما في النار))، فكأنها وجدت في نفسها -تأثرت-، فقال لها النبي ﵊: ((لو رأيتهما أو لو رايتيهما، -إيه عشان لو لكان كذا شرطية يعني لو رأيتهما -طيب- لأبغضتيهما)) مثلها كلها هذه مشكلة، يعني لو حصل منك الرويا لهما لحصل منك البغض لهما؛ لأن الله -جل وعلا- ينزع ما في قلوب أهل الجنة مما يؤثر عليها ومما يكدرها، ولذلك لما سُئل سأل شخص النبي ﵊ فقال له: أين أبي؟ فقال: ((أبوك في النار)) فتأثر، فقال النبي ﵊: ((إن أبي وأباك في النار)) ماتوا في الجاهلية ماتوا على الكفر، فمثل هؤلاء لا يلحقون بذويهم فالشرط موجود ﴿اتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ﴾، هذا لا ما اتبعوا بإيمان فالشرط غير متحقق، " ﴿أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ المذكورين في الجنة، فيكونون في درجتهم، وإن لم يعملوا بعملهم تكرمة للآباء باجتماع الأولاد إليهم".
طيب هذا بالنسبة للأولاد فماذا عن الآباء؟ يعني الابن في مرتبة عالية جداً والأب عمله أقل، عرفنا أن الذرية تلحق بالأب لكن ماذا عن الأب؟ الذرية يشمل الأصول، ويشمل الفروع، ظاهر في الفروع ذرية، لكن في الأصول ﴿حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ [(٤١) سورة يس] ﴿ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ من بعده، وإلا الذي من قبلهم؟ الذين من قبلهم، يعني أصولهم -حملنا أصولهم- فهم داخلون في مسمى الذرية.
стр. 353
" ﴿وَمَا أَلَتْنَاهُم﴾ [(٢١) سورة الطور] بفتح اللام وكسرها"، و ﴿أَلَتْنَاهُم﴾ ألِتناهم من باب ضرب ألت يألت، وكسرها من باب علم علم يعلم، ألت يألت "نقصناهم ﴿مِّنْ عَمَلِهِم مِّن﴾ من زائدة"، ما نقصناهم من عملهم من شيء، يعني إذا كانت أمور الدنيا مبنية على الحسابات، نعم مبنية على الحسابات الزائد والناقص فإن أمور الآخرة ليست كذلك فضل الله واسع، يعني لو افترضنا أن الأب تقدم إلى بلد، وسكن في فندق، في جناح الفندق ثلاثة أجنحة -جناح ألف وباء وجيم- وسكن في جناح ألف، ثم جاء أولاده بعده فما وجدوا في ألف فما وجدوا إلا في جيم مثلاً، بحيث نفترض أن الأب مع أولاده مصروف لهم سكن من قبل الدولة، إذا افترضنا أن الجناح ألف -بألف وخمس مائة- الليلة، وباء -بألف-، وجيم -بخمس مائة- ما وجدوا في ألف، وجدوا في جيم وهو مصروف لهم، الأب له سكن خاص في ألف، والأولاد في جيم هكذا صرف لهم فقال الأب: أنا أريدهم معي في ألف قالوا: لا والله التوجيه يقتضي أنهم في جيم ما هم معك، كيف تحسب أمور الدنيا علشان يتعادلون، ويُلحق الأولاد بأبيهم؟ قال: ينزل إلى باء ويرتفعون هم إلى باء صح، وإلا علشان تكون بقدر المبلغ الذي خصص لهم من قبل الدولة، لكن هل هذا في الجنة. . . . . . . . . لا والله، أنت في منزلة عالية جداً تبى تنزل قليلاً ويرفعون لا، لا ﴿وَمَا أَلَتْنَاهُم مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ﴾ ما نقصناهم شيء هم في منزلته.
﴿وَمَا أَلَتْنَاهُم﴾ نقصانهم ﴿مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ﴾ ومن هذه زائدة، ومر بنا مراراً أن زيادتها من حيث أنها لو حذفت استقام المعنى، لكن لا يعني أنها ليست لها فائدة، لها فائدة وهي تأكيد النفي، تزاد بعض الحروف دعامة للكلام من شيء يزاد في عمل، يزاد في عمل الأولاد، يعني إذا تقرر أنهم يرفعون إلى منازل آبائهم فمعناه أننا زدنا في عملهم، زدنا في علمهم مقتضى الزيادة في عمل الأولاد أن ينقص من عمل الآباء، لكن ما ألتناهم من عمله من شيء، هذا الشيء الذي زدناه في عمل الأولاد ليس معناه أننا نحسمه من عمل الآباء، يلحقون بهم يزاد من عمل الأولاد.
стр. 354
طيب قد يقول قائل: هذا فيه بيان مزية وفضل لمن له أولاد، فماذا عن من حرم الأولاد- شخص عقيم-؟ ما في شك لمن لهم أولاد بيرفعون عنده، لكن هذا محروم من الأولاد، ماذا له حرمانه من الأولاد مع صبره واحتسابه ورضاه بقدر الله، له من الأجر ما لا يعلمه إلا الله ، فعليه أن يصبر ويحتسب ولا ينظر إلى مثل هذه الأمور، بل يرضي بما قدر الرحمن.
وكن صابراً للفقر وادرع الرضى ... لما قدر الرحمن واشكره واحمدِ
عليك أن ترضى بما كتب الله لك.
﴿كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ [(٢١) سورة الطور] " ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ﴾ من عمل خير أو شر ﴿رَهِينٌ﴾ -يعني مرتهن- مرهون يؤاخذ بالشر ويجازى بالخير" هذا هو الأصل، هذه القاعدة أن كل عامل بعمله إن خيراً فخير وإن شراً فشر، لكن فضل الله -جل وعلا- لا يحد، والنقص من عمله من أجل تسديد شيء أخر ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ يعني لو أن الأب نزل من منزلته لكان عقابه بغير عمله، والله -جل وعلا- يقول: ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ من خير أو شر مرهون مرتهن بحيث يؤاخذ بالشر ويجازى على الخير، ويجازى بالخير ﴿كُلُّ امْرِئٍ﴾ من صيغ العموم، ﴿كُلُّ﴾ من صيغ العموم فيشمل المسلم والكافر، ومنهم من يقول: إن هذا خاص بالكافر ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [(٣٨) سورة المدثر]، إلا أصحاب اليمين فإنها ليست مرتهنة فالمؤمن لا يدخل في هذه الآية؛ لأنه مستثنى في الآية الأخرى، الارتهان معروف أنه يتفاوت، ﴿رَهِينٌ﴾ يعني بمرتهن أو مرهون، منهم من يرتهن بالشيء اليسير، ومنهم من يرتهن بالشيء الكبير فالكافر مرتهن بكفره بحيث لا يفك أسره ولا رهنه، والمسلم يرتهن بعمله ((وكل مولود مرتهن بعقيقته)) يعني -محبوس بالشفاعة لأبويه حتى يعق عنه-، والدين أيضاً رهن مرهون بدينه ذمته معلقة بدينه مرتبطة به، فلا شك أن الرهن والإرتهان أمور نسبية، لكن الرهن والارتهان بالنسبة للكافر لا شك أنه لا فكاك منه؛ لأن الكافر مخلد في النار نسأل الله العافية.
стр. 355
وأما المسلم إذا عمل سيئة أو عمل شر هو مرتهن بهذا الشر، لكن مألوه إلى أن يفك عنه الرهن، فالاستثناء ﴿إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ﴾ [(٣٩) سورة المدثر] هؤلاء لا شك أنهم إن ارتهنوا فرهن مؤقت يفك، وهو أيضاً تحت المشيئة إن شاء عاقبه، وإن شاء عذبه بقدر ذنبه، وإن شاء عفا عنه، وأما الكافر فلا يرد فيه مثل هذا.
﴿وَأَمْدَدْنَاهُم﴾ [(٢٢) سورة الطور] "زدناهم في وقت بعد وقت"، ﴿بِفَاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِّمَّا يَشْتَهُونَ﴾ وإن لم يصرحوا بطلبه"، ﴿أَمْدَدْنَاهُم﴾ فعل أمد الرباعي والفعل الثلاثي أمد.
يقول أهل العلم: إن الفعل الرباعي لا يكون إلا في الخير، والثلاثي في الشر ﴿أَمْدَدْنَاهُم﴾، وأما بالنسبة لثلاث ﴿وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا﴾ [(٧٩) سورة مريم]-نسأل الله العافية- فرق بين مدا وأمدا، وهنا الفعل الرباعي "أمددناهم، زدناهم في وقت بعد وقت" يعني متتابع في وقت بعد وقت، ﴿بِفَاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِّمَّا يَشْتَهُونَ﴾ يعني وإن لم يصرحوا بطلبه"، ما يحتاج إلى أن يطلب مجرد ما يشتهون، يحصل لهم ما يشتهونه، يحصل لهم ما يشتهونه، وهذا نعيم الجنة الذي لا يقدر قدره إلا الله -جل وعلا- فيها ((ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر)) مجرد ما يشتهي يحصل له ما يشتهي.
جاء في بعض الأخبار مثل ما أشرنا قريباً أن صاحب الجنة، المؤمن إذا دخل الجنة يشتهي الطائر، فينزل على خوانه جاهز للأكل، هو طائر يطير ينزل جاهز للأكل، ثم بعد ذلك يأكل منه ما يريد، ثم بعد ذلك يطير؛ لأن نعم الآخرة لا تنتهي ولا تزول، نعيمهم دائماً يقول: "وإن لم يصرحوا بطلبه".
﴿يَتَنَازَعُونَ﴾ [(٢٣) سورة الطور] هذا ليس من النزاع والشقاق لا؛ لأنه لا يوجد في قلوبهم غل، ونزعنا ما في قلوبهم من غل، وكل شيء موجود ومتوفر بحسب الشهوة بدون طلب يحصل و " ﴿يَتَنَازَعُونَ﴾ يتعاطون بينهم" يتبادلون بينهم كل واحد يعطي الثاني بينهم، " ﴿فِيهَا﴾ أي: في الجنة"، ﴿كَأْسًا﴾ يعني "خمراً"، والكأس لا يقال له كأس حتى يكون مملوءاً يقال له كأس.
следующие страницы →