Полный текст (768 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.
стр. 351
ليست بأفضل من أبي بكر ولا عمر ولا من هو فوقهم من الصحابة، وكون الشيء يثبت تبعاً يعني هذا التكريم التبعي لا يعني ارتفاع المنزلة استقلالاً، يعني كون الإنسان من الطبقة العليا بالنسبة لأمور الدنيا -أمير وإلا وزير وإلا كبير وإلا ثري ويتنعم بملذوذات هذه الدنيا، يسكن المساكن الفاخرة، ويركب المراكب الفارهة، ويأكل المطاعم الناهية، وعنده خدم السائق مثلاً يأكل معه، ويسكن معه في بيته، هل نقول: إن هذا السائق أفضل من الطبقة التي تلي هذه من الأغنياء، ومن الأمراء، من نواب الوزراء مثلاً؟ لا.
كون الإنسان يكرم لغيره لا يعني أنه أفضل ممن دون ذلك الغير، تجد بعض الخدم والسائقين يسكنون في ملاحق عند من ينتسبون إلى خدمته ملاحق، وهذه الملاحق أفضل من بيوت كثير من أوساط الناس، ويأكلون من المطاعم أفضل مما يأكله كثير من الناس، لكن كون هذا يكرم من أجل غيره لا يعني أنه أكرم من غيره، لا، فأبو بكر وعمر أفضل من أمهات المؤمنين، والعشرة أفضل من أمهات المؤمنين، ومع ذلك دونهن في المنزلة؛ لأنهن مع النبي ﷺ في منزلته، وهؤلاء الذرية من كبار وصغار ليسوا بأفضل ممن دون آبائهم وإن كانوا مع آبائهم في المنزلة، إلا إنهم لن يكونوا أفضل ممن دون آبائهم، يعني لو نظرت إلى أكبر عالم في البلد مثلاً عالم عامل، يعني أفضل من في البلد وعنده أولاد صغار وكبار، هل نقول: إن هؤلاء الأولاد أفضل من الشيخ الذي يليه في المرتبة لا؛ لأنهم أكرموا لا لذواتهم إنما أكرموا تبعاً لآبائهم، وكل هذا لأجل كلام ابن حزم في تفضيل أمهات المؤمنين على أبي بكر وعمر وغيرهما من الصحابة.
стр. 352
﴿اتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ﴾ لكن إذا لم تتبعهم بالإيمان ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [(٣٨) سورة المدثر] ما ينفع، ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [(٥٦) سورة القصص] خلاص، قد يكون الولد في عليين، والأب في أسفل سافلين، والعكس إذا كان من أهل النار لم يلحق بإيمان مثل هذا انتهى، جاء في الخبر أن خديجة سِألت النبي ﷺ : عن ولدين لها توفي في الجاهلية؟ فقال ﵊ ((هما في النار))، فكأنها وجدت في نفسها -تأثرت-، فقال لها النبي ﵊: ((لو رأيتهما أو لو رايتيهما، -إيه عشان لو لكان كذا شرطية يعني لو رأيتهما -طيب- لأبغضتيهما)) مثلها كلها هذه مشكلة، يعني لو حصل منك الرويا لهما لحصل منك البغض لهما؛ لأن الله -جل وعلا- ينزع ما في قلوب أهل الجنة مما يؤثر عليها ومما يكدرها، ولذلك لما سُئل سأل شخص النبي ﵊ فقال له: أين أبي؟ فقال: ((أبوك في النار)) فتأثر، فقال النبي ﵊: ((إن أبي وأباك في النار)) ماتوا في الجاهلية ماتوا على الكفر، فمثل هؤلاء لا يلحقون بذويهم فالشرط موجود ﴿اتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ﴾، هذا لا ما اتبعوا بإيمان فالشرط غير متحقق، " ﴿أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ المذكورين في الجنة، فيكونون في درجتهم، وإن لم يعملوا بعملهم تكرمة للآباء باجتماع الأولاد إليهم".
طيب هذا بالنسبة للأولاد فماذا عن الآباء؟ يعني الابن في مرتبة عالية جداً والأب عمله أقل، عرفنا أن الذرية تلحق بالأب لكن ماذا عن الأب؟ الذرية يشمل الأصول، ويشمل الفروع، ظاهر في الفروع ذرية، لكن في الأصول ﴿حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ [(٤١) سورة يس] ﴿ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ من بعده، وإلا الذي من قبلهم؟ الذين من قبلهم، يعني أصولهم -حملنا أصولهم- فهم داخلون في مسمى الذرية.
стр. 353
" ﴿وَمَا أَلَتْنَاهُم﴾ [(٢١) سورة الطور] بفتح اللام وكسرها"، و ﴿أَلَتْنَاهُم﴾ ألِتناهم من باب ضرب ألت يألت، وكسرها من باب علم علم يعلم، ألت يألت "نقصناهم ﴿مِّنْ عَمَلِهِم مِّن﴾ من زائدة"، ما نقصناهم من عملهم من شيء، يعني إذا كانت أمور الدنيا مبنية على الحسابات، نعم مبنية على الحسابات الزائد والناقص فإن أمور الآخرة ليست كذلك فضل الله واسع، يعني لو افترضنا أن الأب تقدم إلى بلد، وسكن في فندق، في جناح الفندق ثلاثة أجنحة -جناح ألف وباء وجيم- وسكن في جناح ألف، ثم جاء أولاده بعده فما وجدوا في ألف فما وجدوا إلا في جيم مثلاً، بحيث نفترض أن الأب مع أولاده مصروف لهم سكن من قبل الدولة، إذا افترضنا أن الجناح ألف -بألف وخمس مائة- الليلة، وباء -بألف-، وجيم -بخمس مائة- ما وجدوا في ألف، وجدوا في جيم وهو مصروف لهم، الأب له سكن خاص في ألف، والأولاد في جيم هكذا صرف لهم فقال الأب: أنا أريدهم معي في ألف قالوا: لا والله التوجيه يقتضي أنهم في جيم ما هم معك، كيف تحسب أمور الدنيا علشان يتعادلون، ويُلحق الأولاد بأبيهم؟ قال: ينزل إلى باء ويرتفعون هم إلى باء صح، وإلا علشان تكون بقدر المبلغ الذي خصص لهم من قبل الدولة، لكن هل هذا في الجنة. . . . . . . . . لا والله، أنت في منزلة عالية جداً تبى تنزل قليلاً ويرفعون لا، لا ﴿وَمَا أَلَتْنَاهُم مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ﴾ ما نقصناهم شيء هم في منزلته.
﴿وَمَا أَلَتْنَاهُم﴾ نقصانهم ﴿مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ﴾ ومن هذه زائدة، ومر بنا مراراً أن زيادتها من حيث أنها لو حذفت استقام المعنى، لكن لا يعني أنها ليست لها فائدة، لها فائدة وهي تأكيد النفي، تزاد بعض الحروف دعامة للكلام من شيء يزاد في عمل، يزاد في عمل الأولاد، يعني إذا تقرر أنهم يرفعون إلى منازل آبائهم فمعناه أننا زدنا في عملهم، زدنا في علمهم مقتضى الزيادة في عمل الأولاد أن ينقص من عمل الآباء، لكن ما ألتناهم من عمله من شيء، هذا الشيء الذي زدناه في عمل الأولاد ليس معناه أننا نحسمه من عمل الآباء، يلحقون بهم يزاد من عمل الأولاد.
стр. 354
طيب قد يقول قائل: هذا فيه بيان مزية وفضل لمن له أولاد، فماذا عن من حرم الأولاد- شخص عقيم-؟ ما في شك لمن لهم أولاد بيرفعون عنده، لكن هذا محروم من الأولاد، ماذا له حرمانه من الأولاد مع صبره واحتسابه ورضاه بقدر الله، له من الأجر ما لا يعلمه إلا الله ، فعليه أن يصبر ويحتسب ولا ينظر إلى مثل هذه الأمور، بل يرضي بما قدر الرحمن.
وكن صابراً للفقر وادرع الرضى ... لما قدر الرحمن واشكره واحمدِ
عليك أن ترضى بما كتب الله لك.
﴿كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ [(٢١) سورة الطور] " ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ﴾ من عمل خير أو شر ﴿رَهِينٌ﴾ -يعني مرتهن- مرهون يؤاخذ بالشر ويجازى بالخير" هذا هو الأصل، هذه القاعدة أن كل عامل بعمله إن خيراً فخير وإن شراً فشر، لكن فضل الله -جل وعلا- لا يحد، والنقص من عمله من أجل تسديد شيء أخر ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ يعني لو أن الأب نزل من منزلته لكان عقابه بغير عمله، والله -جل وعلا- يقول: ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ من خير أو شر مرهون مرتهن بحيث يؤاخذ بالشر ويجازى على الخير، ويجازى بالخير ﴿كُلُّ امْرِئٍ﴾ من صيغ العموم، ﴿كُلُّ﴾ من صيغ العموم فيشمل المسلم والكافر، ومنهم من يقول: إن هذا خاص بالكافر ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [(٣٨) سورة المدثر]، إلا أصحاب اليمين فإنها ليست مرتهنة فالمؤمن لا يدخل في هذه الآية؛ لأنه مستثنى في الآية الأخرى، الارتهان معروف أنه يتفاوت، ﴿رَهِينٌ﴾ يعني بمرتهن أو مرهون، منهم من يرتهن بالشيء اليسير، ومنهم من يرتهن بالشيء الكبير فالكافر مرتهن بكفره بحيث لا يفك أسره ولا رهنه، والمسلم يرتهن بعمله ((وكل مولود مرتهن بعقيقته)) يعني -محبوس بالشفاعة لأبويه حتى يعق عنه-، والدين أيضاً رهن مرهون بدينه ذمته معلقة بدينه مرتبطة به، فلا شك أن الرهن والإرتهان أمور نسبية، لكن الرهن والارتهان بالنسبة للكافر لا شك أنه لا فكاك منه؛ لأن الكافر مخلد في النار نسأل الله العافية.
стр. 355
وأما المسلم إذا عمل سيئة أو عمل شر هو مرتهن بهذا الشر، لكن مألوه إلى أن يفك عنه الرهن، فالاستثناء ﴿إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ﴾ [(٣٩) سورة المدثر] هؤلاء لا شك أنهم إن ارتهنوا فرهن مؤقت يفك، وهو أيضاً تحت المشيئة إن شاء عاقبه، وإن شاء عذبه بقدر ذنبه، وإن شاء عفا عنه، وأما الكافر فلا يرد فيه مثل هذا.
﴿وَأَمْدَدْنَاهُم﴾ [(٢٢) سورة الطور] "زدناهم في وقت بعد وقت"، ﴿بِفَاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِّمَّا يَشْتَهُونَ﴾ وإن لم يصرحوا بطلبه"، ﴿أَمْدَدْنَاهُم﴾ فعل أمد الرباعي والفعل الثلاثي أمد.
يقول أهل العلم: إن الفعل الرباعي لا يكون إلا في الخير، والثلاثي في الشر ﴿أَمْدَدْنَاهُم﴾، وأما بالنسبة لثلاث ﴿وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا﴾ [(٧٩) سورة مريم]-نسأل الله العافية- فرق بين مدا وأمدا، وهنا الفعل الرباعي "أمددناهم، زدناهم في وقت بعد وقت" يعني متتابع في وقت بعد وقت، ﴿بِفَاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِّمَّا يَشْتَهُونَ﴾ يعني وإن لم يصرحوا بطلبه"، ما يحتاج إلى أن يطلب مجرد ما يشتهون، يحصل لهم ما يشتهونه، يحصل لهم ما يشتهونه، وهذا نعيم الجنة الذي لا يقدر قدره إلا الله -جل وعلا- فيها ((ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر)) مجرد ما يشتهي يحصل له ما يشتهي.
جاء في بعض الأخبار مثل ما أشرنا قريباً أن صاحب الجنة، المؤمن إذا دخل الجنة يشتهي الطائر، فينزل على خوانه جاهز للأكل، هو طائر يطير ينزل جاهز للأكل، ثم بعد ذلك يأكل منه ما يريد، ثم بعد ذلك يطير؛ لأن نعم الآخرة لا تنتهي ولا تزول، نعيمهم دائماً يقول: "وإن لم يصرحوا بطلبه".
﴿يَتَنَازَعُونَ﴾ [(٢٣) سورة الطور] هذا ليس من النزاع والشقاق لا؛ لأنه لا يوجد في قلوبهم غل، ونزعنا ما في قلوبهم من غل، وكل شيء موجود ومتوفر بحسب الشهوة بدون طلب يحصل و " ﴿يَتَنَازَعُونَ﴾ يتعاطون بينهم" يتبادلون بينهم كل واحد يعطي الثاني بينهم، " ﴿فِيهَا﴾ أي: في الجنة"، ﴿كَأْسًا﴾ يعني "خمراً"، والكأس لا يقال له كأس حتى يكون مملوءاً يقال له كأس.
стр. 356
" ﴿لَّا لَغْوٌ فِيهَا﴾ أي بسبب شرب يقع بينهم"، ﴿لَغْوٌ﴾ كلام خصام نزاع، كلام باطل، كلام لا خير فيه لا ما يحصل هذا، ﴿لَّا لَغْوٌ فِيهَا﴾ "أي بسبب شربها يقع بينهم" كما في خمر الدنيا كما إذا شربها في الدنيا -نسأل الله السلامة والعافية- أصدر من الكلام ما يضحك الأطفال والمجانين، حمزة لما شربها مع من معها في أيام عرس علي بفاطمة، وعلى عمل واجتهد في الكسب حتى أشترى ناقة يستعين بها على زواجه مهرة ووليمته شرب الخمر مع مجموعة معه، فقال ما قال وأخذ وقيل له ألا يا حمز للشرف الواء فبقر بطنها، وقال: ما أنتم إلا عبيد لأبي هذه -خمر الدنيا تفعل بصاحبها هكذا-، وهي أم الخبائث فقد يقتل، قد يزني، قد يقع على محارمه، قد يكفر وهو لا يشعر، ينطق بكلام، والخلاف بين أهل العلم معروف في كون الآثار المترتبة على السكر يؤاخذ بها، أولا يؤاخذ، المسألة معروفة لكن الأكثر على أنه مؤاخذ؛ لأنه هو الذي اختار هذا الأمر بطوعه واختياره، ومنهم من يقول: حكمه حكم المجنون لا يؤاخذ، على كل حال خمر الدنيا معروف حكمها وتحريمها ومن لعن فيها -نسأل الله السلامة والعافية-، لعن فيه عشرة وهي أم الخبائث ((من شربها في الدنيا، لم يشربها في الآخرة)) وأيضاً لو أن الإنسان أعمل عقله لم يشربها، كيف بشخص أنعم الله بالعقل ثم يسعى، يعني -إذا رأى مجنوناً حمد الله وشكره- إن لم يكن مجنوناً، ثم بعد ذلك يسعى إلى زوال ذلك العقل! ألا يخشى أن يعاقب بعدم عودة عقله إليه -وهي أم الخبائث-، وقد لعن النبي ﵊ فيها عشرة، وهي ((أم الخبائث من شربها في الدنيا لم يشربها في الآخرة، ﴿لَّا لَغْوٌ فِيهَا﴾ "أي بسبب شربها يقع بينهم ﴿وَلَا تَأْثِيمٌ﴾ به يلحقهم بخلاف خمر الدنيا" يعني لا يلحقهم بسبب شربها إثم، وجاء ما يدل على أن الخمرة يطلق عليها إثم، يطلق عليها الإثم، ولا يوجد ذلك في خمر الآخرة.
وخمر الآخرة تجري أنهار من تحتهم أنهار بغير أخدود -تجري هكذا-، ولا تفيض يميناً ولا شمالاً
أنهارها من غير أخدود جرت ... سبحان ممسكها عن الفيضان
стр. 357
إضافة إلى الأنهار الأخرى من العسل ومن اللبن ومن الماء، ويطوف عليهم للخدمة، يطوف على أهل الجنة يخدمونهم غلمان أرقى لهم، يطوف عليهم للخدمة غلمان لهم، ما قال: غلمانهم يطوف عليهم غلمانهم، يقول: يطوف عليهم لخدمتهم غلمان لهم أرقى؛ لأنه لو قال غلمانهم لاستصحب الإنسان ما كان هل في الدنيا من كان يخدمه في الدنيا يخدمه في الآخرة، ومن لا يخدم في الدنيا لا يخدم في الآخرة، لكن ﴿غِلْمَانٌ لَّهُمْ﴾ [(٢٤) سورة الطور] يعني للجميع ليست للمخدوم في الدنيا دون غيره، غلمان للخدمة، خدمة في طلب جميع ما يشتهون، في إحضار جميع ما يشتهون.
وجاء في بعض الآثار أنه إذا نادى قال له ألف غلام على بابه: لبيك، لبيك، نعيم دائم لا تبلغه الأفهام، ولا تدركه الأوهام، نعيم لا يخطر على قلب بشر، وهناك كتاب اسمه -نسيت أول اسمه-، لكن في الرد على الخواطر الشيطانية من بعض الكتاب المعاصرين، ممن استولى على أفكارهم الشياطين قال: إنهم يستخدمون هؤلاء الغلمان في الاستخدام القبيح في الدنيا -نسأل الله العافية-، ويقولون: إنهم يتمتعون بهم في الآخرة، وهذا كلام باطل وهو في الدنيا قبيح فكيف بالآخرة؟ على كل حال هذا الكلام إنما يقال؛ لئلا يغتر به، وله عليه رد طيب اسمه: في الرد على فلان في خواطر شيطانية، أو في بعيد العهد عني الكتاب، لكنه قول شنيع نسأل الله السلامة والعافية، ولا يظن بهذا القول إلا أنه نسأل الله السلامة والعافية أنه ممن فتن بهذا العمل.
стр. 358
" ﴿وَيُطَوفُ عَلَيْهِم﴾ [(١٥) سورة الإنسان] للخدمة ﴿غِلْمَانٌ﴾ أرقاء ﴿لَّهُمْ كَأَنَّهُمْ﴾ حسناً ولطافة" يعني -في حسنهم ولطافتهم- ﴿لُؤْلُؤٌ مَّكْنُونٌ﴾ هؤلاء الغلمان " ﴿كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَّكْنُونٌ﴾ مصون في الصدف؛ لأن اللؤلؤ المكنون في الصدف أحسن منه في غيره"، اللؤلؤ المكنون يعني لؤلؤ الدنيا المكنون في صدفه، أفضل من اللؤلؤ الذي أبرز من صدفه؛ لأنه يتعرض للمتغيرات كالهواء والمناخ، يتغير إذا أخرج من كنه، وما زال مكنون فهو أجمل وأحفظ، وهؤلاء الغلمان ﴿كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَّكْنُونٌ﴾، وهذا معروف أنه مثال تقريبي لما في الجنة، وإذا كان هذا في الغلمان والخدم فكيف بمن يخدم؟! كيف بمن يخدم؟! إذا كان هذا هو الخادم كأنه لؤلؤ مكنون فكيف بمن يخدم؟!، يعني سئل النبي ﵊ عن هذا السؤال فقال: ((إن صاحب الجنة بالنسبة لخادمه كمثل القمر ليلة البدر)) على أقل كوكب الفرق بينهما هكذا، فإذا كان الخادم الغلام الذي يخدم المؤمن في الجنة هذا وصفه كأنه لؤلؤ مكنون فكيف بالمخدوم؟!.
﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءلُونَ﴾ [(٢٥) سورة الطور] " ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءلُونَ﴾ يعني يسأل بعضهم بعضاً عما كانوا عليه، وما وصلوا إليه تلذذاً واعترافاً بالنعمة"، يتسألون فاكهين فرحين يسأل بعضهم بعضاً كنا نفعل كذا، كنا نفعل كذا في الدنيا، يتذكرون أفعالهم التي أوصلتهم إلى هذا المكان، يعني من الأمثلة أنه إذا ظهرت النتائج واجتمع المتميزون عن غيرهم، افترض مثلاً الخمسة الأوائل في الليلة التي أعلنت فيه النتائج، أخذوا يتناقشون والله كنا نفعل، كنا ندرس، كنا نذاكر، يستمتعون بهذا الكلام، لكن اذهب إلى القوم الآخرين الراسبين، ويش بيقول يمكن ما يجتمعون، وهنا " ﴿أَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءلُونَ﴾ يسأل بعضهم بعضاً عما كانوا عليه وما وصلوا إليه تلذذاً واعترافاً بالنعمة".
стр. 359
﴿قَالُوا﴾ إيماء إلى علة الوصول" الذي أوصلهم إلى هذا النعيم " ﴿إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا﴾ يعني في الدنيا" " ﴿مُشْفِقِينَ﴾ خائفين من عذاب الله" وجلين خائفين، وجلين من عذاب الله، فالخوف من عذاب الله -جل وعلا- لا شك أنه من أثر التقوى، والخشية من الله -جل وعلا- من أثر العلم النافع ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء﴾ [(٢٨) سورة فاطر] والخوف من الجليل من أثر التقوى، فكانوا خائفين من عذاب الله راجين لرحمته -جل وعلا-، فهذا يدل على الإنسان في هذه الدنيا ينبغي أن يكون خائفاً وجلاً من سوء العاقبة، ولا يعتمد على ما عنده أو علم أو عمل لا يغتر بهذا؛ لأنه ما يدري في أي لحظة يسلب هذا العلم، أو ذلك العمل، " ﴿إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا﴾ يعني في الدنيا" " ﴿مُشْفِقِينَ﴾ خائفين من عذاب الله"، وجلين من عذاب الله، وهذه حال أهل الإيمان.
﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ﴾ [(٢٧) سورة الطور] بالمغفرة"، ﴿وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ﴾ لدخولها في المسام"، ﴿وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ﴾ عذاب السموم عذاب النار، والسموم هو الحر الشديد الذي يدخل في مسام الجلد، يعني هذه الفتحات الصغيرة التي لا يدخل فيها الهواء يدخل فيها هذا السموم، يدخل في مسام الجلد فقيل له: سموم يعني لو أنت لو نخفت يدك ما بان لهذا النفح أثر، لو هبت ريح شديدة ما دخل هواء لو غمستها فيها ماء ما دخلها ماء، لكن مع ذلك يدخلها السموم ينفذ في مسام الجلد -نسأل الله السلامة والعافية-، ﴿وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ﴾ وقالوا: إيماء أيضاً".
стр. 360
﴿إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ﴾ [(٢٨) سورة الطور] أي في الدنيا" قبل ﴿إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا﴾ في الدنيا، ﴿مُشْفِقِينَ﴾ خائفين من عذاب الله" ومشفقين راحمين لأهلينا في الدنيا، فصفة الرحمة والشفقة على النفس وعلى الغير لا شك أنها صفة المؤمنين: ((مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد)) يشفقون على أنفسهم، يشفقون على أهليهم، يشفقون على ذويهم، يشفقون على غيرهم من المؤمنين، "وقالوا أيضا إيماء" ﴿إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلُ﴾ "أي في الدنيا" ﴿نَدْعُوهُ﴾ أي نعبده موحدين"، ندعوه دعاء العبادة، وأيضاً دعاء المسألة، يسألونه دعاء يا ربنا، يا ربنا يسألون الله الجنة، ويستعيذون به من النار، يسألونه ما يقربهم إليه، ويستعيذون به مما يبعدهم عنه ﴿إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلُ﴾ "أي في الدنيا" ﴿نَدْعُوهُ﴾ أي نعبده، أي دعا المسألة، ودعاء العبادة.
" ﴿إِنَّهُ﴾ بالكسر استئنافاً، وإن كان تعليلاً معنى -يعني الجملة تعليلية فبالكسر تعليل معنى-، وبالفتح تعليل لفظ"، ﴿إِنَّهُ﴾ كأن لام التعليل مقدرة؛ لأنه فإذا كسرت همزة إن صارت الجملة تعليلية من حيث المعنى، وإن كانت استئنافية من حيث اللفظ ومعناها التعليل، وإذا قلت أنه صار التعليل لفظي بتقدير اللام لأنه، " ﴿هُوَ الْبَرُّ﴾ المحسن الصادق في وعده"، المنجز لوعده ﴿الْبَرُّ﴾ الذي في جميع خصال ﴿الْبَرُّ﴾ -جل وعلا-، ﴿إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ﴾ المحسن الصادق، " ﴿الرَّحِيمُ﴾ العظيم الرحمة" بخلقه.
стр. 361
﴿فَذَكِّرْ﴾ الرسول ﵊ يذكر هذه وظيفته فيؤمر بالتذكير ﴿فَذَكِّرْ فَمَا أَنتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ﴾ [(٢٩) سورة الطور] وفي أخر ق: ﴿فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ﴾ [(٤٥) سورة ق] فالتذكير التي هي الوعظ هي وظيفة الأنبياء، ووظيفة وراثهم وأتباعهم التذكير والوعظ، لا سيما بالقرآن من أعظم من يوعظ به ويذكر به القرآن، وللقراء ولأئمة المساجد لا سيما الذين يحرصون على تزيين وتحسين الصوت بالقرآن لهم نصيب من هذا إذا استحضروا هذا، وتجد بعضهم عندهم الصوت الجميل والقراءة الجيدة ثم بعد يبخل على الناس، يقرأ الآية والآيتين ثم يركع والناس بحاجة إلى التذكير بكلام رب العالمين.
﴿فَذَكِّرْ﴾ هو يذكر هذه وظيفته، لكن يؤمر بذلك للدوام عليه، كما أن المؤمن يؤمر بالإيمان ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ آمِنُواْ﴾ [(١٣٦) سورة النساء] يعني دوموا على إيمانكم، فالمتلبس بالشيء المتصف به يأمر به من أجل الاستمرار عيله، " ﴿فَذَكِّرْ﴾ دم على تذكير المشركين ولا ترجع عنه لقولهم لك كاهن مجنون".
стр. 362
﴿فَمَا أَنتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ﴾ يعني بفضل الله عليك، ما أنت بإنعامه عليك، ما أنت بكاهن، خبر ما بكاهن، واقترن خبر ما بالباء معاملة لها معاملة ليس وهي حينئذ على هذا القول حجازية، حجازية يعني تعمل عمل ليس، أما تميمية فلا تعمل فهي في هذه الآية حجازية؛ لأنه اقترنت الباء بخبرها مثل ليس " ﴿فَمَا أَنتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ﴾ بإنعامه عليك"، ﴿بِكَاهِنٍ﴾ يعني تدعي الغيب، وتتلقفه من مسترق السمع لست كذلك، و ﴿لا مَجْنُونٍ﴾ معطوف عليه يقال: كاهن، يقال: ساحر، يقال: مجنون، لكن الذب يصف بهذه الأوصاف المتناقضة المتباينة كاهن يختلف تصرف الكاهن عن تصرف المجنون، المجنون لا يعي ما يقول، والشاعر يضبط ما يقول، ويزن ما يقول أكثر مما يزنه الناثر، فكيف مرة يقولون: شاعر يعني -كلامه موزون منضبط، متسق، مقفى-، ثم يقولون: مجنون لا يعي ما يقول، لا شك أن هذا تخبط مما يدل على أن قولهم لا أصل له، ولا رصيد له من الواقع، بل هم في قرارة أنفسهم يشهدون له بضد ذلك، يشهدون له بخلاف ذلك، لكنهم من باب المعاندة، ومن باب التزهيد فيه وفيما جاء به يصفونه بهذه الأوصاف، " ﴿وَلَا مَجْنُونٍ﴾ معطوف عليه"، معطوف على المجرور مجرور، يقول هنا: ﴿أَمْ﴾ بمعنى "بل" تكون إضراب، والأصل أنه استفهام إنكاري، يعني كما قال الخليل: أم في سورة الطور كلها استفهام، وكررت خمس عشرة مرة في هذه السورة، ﴿يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَّتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ﴾ [(٣٠) سورة الطور] حوادث الدهر فيهلك كغيره من الشعراء"، وهذا شاعر من الشعراء مثل ما مات الشعراء زهير وقبله امرأ القيس يهلك ونرتاح منه، " ﴿أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَّتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ﴾ حوادث الدهر فيهلك كغيره من الشعراء.
стр. 363
" ﴿قُلْ تَرَبَّصُوا﴾ [(٣١) سورة الطور] هلاكي" انتظروا، نتربص يعني -ننتظر انتظروا هلاكي- ﴿فَإِنِّي مَعَكُم مِّنَ الْمُتَرَبِّصِينَ﴾ [(٣١) سورة الطور] يعني أنا أيضاً انتظر هلاككم، " ﴿فَإِنِّي مَعَكُم مِّنَ الْمُتَرَبِّصِينَ﴾ هلاككم فعذبوا بالسيف بوم بدرٍ، والتربص: الانتظار"، أنتظر النبي ﵊ هلاكهم كما انتظروا هلاكه، فكان الذي حصل أن قتل رؤوسهم وصناديدهم في معركة بدر -قتل منهم سبعون، وأسر سبعون- وهذا هلاك، وأيضاً موت كل واحد منهم هلاك، إضافة إلى الهلاك الدائم في نار جنهم -نسأل الله السلامة والعافية-.
стр. 364
﴿أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلَامُهُم﴾ [(٣٢) سورة الطور]؟ يعني عقولهم ﴿بِهَذَا﴾ [(٣٢) سورة الطور] حلم العقل؛ لأن العاقل عقله يحميه عن الطيش الذي يناقض الحلم، " ﴿أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلَامُهُم﴾ يعني عقولهم ﴿بِهَذَا﴾ أي قولهم له: ساحر، كاهن، شاعر، مجنون" يعني لو كانت موجودة، لو كان لهم أحلام لم تأمرهم بذلك؛ لأن هذه أقوال متناقضة ما يقولها عاقل، يعني إذا كانت عقولهم تأمرهم بهذا، إذا كانوا يصدرون عن عقولهم فليس لهم عقول ﴿أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلَامُهُم بِهَذَا أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾ [(٣٢) سورة الطور] يعني بل هم قوم طاغون كما قال المفسر، يعني أحلامهم لا تأمرهم بهذا، هم يعرفون أنهم في قرارة أنفسهم أنه على خلاف وضد ما يقولون، لكنهم قوم طاغون معاندون تجاوزوا الحد في طغيانهم، يعني الإنسان إذا أراد أن يصف شيئاً بما ينفر به عنه يصفه بأمر يوجد أصله فيه، ولا يصفه بشيء يكذبه كل من سمعه به، يعني بعض الناس تجده يصف إنساناً أو يمدح إنساناً بما يشبه الذم، ما يذمه ذماً مباشراً مكشوفاً بشيء ليس فيه، إذا كان عاقلاً وأراد أن يذم خصمه ما يذمه بشيء يكذبه الناس كلهم من أجله، وإنما يذمه بوصف هو متلبس به إذا كان عاقلاً، لكنه يضخم هذا الوصف يكون فيه أصل يجعل الناس يصدقونه، ويضخم ويفخم هذا الوصف بحيث ينفر الناس عنه بهذه الطريقة، أما أن يصفه بوصف يجزم أنه على خلافه، وأن الناس يكذبونه فإنه لن يستفيد إلا المعاملة بنقيض القصد، ولذا قال: ﴿أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾ أي تجاوزوا الحد في الإقذاع بالسب، وإن كان هذا السب لا قيمة له، يعني تأتي إلى شخص عنده معاصي وأنت تريد أن تذمه فتضخم هذه المعاصي وترتب عليها آثاراً، لكن تأتي إلى شخص صالح، شخص تقي، وتقول: فلان يشرب الخمر، أو يزني، أو يفعل، أو، كل الناس تقول كذبت، لكن تأتي بأعمال إذا قلت صالح يمكن أن تصفه بالغلو بالتطرف؛ لأن عنده أصل العبادة وأنت تزيد تذمه بمثل هذا تجد من يصدقك؛ لأن الرجل بأنه رجل عابد، وملازم للمسجد، ومنقطع عن الدنيا، ويمكن أن تستدل بنصوص جاءت في الغلو والتطرف ومجاوزة الحد في العبادة تجد من يصدقك، لكن أن تأتي بالنقيض لا تجد من يصدقك، وهكذا لو
стр. 365
تصف شخصاً فاسقاً بأنه متطرف أو غال في عبادته ما صدقوك، لكن عنده معاصي -تضخم هذه المعاصي- تجد من يصدقك، وهؤلاء وصفوا النبي ﵊ بنقيض ما يتصف به ﵊، ولذا جاء الأسلوب التهكمي ﴿أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلَامُهُم﴾؟ عقولهم" التي أوصلتهم إلى هذا الحد، يعني مثل ما نقول بالنسبة للكفار الذين وصلوا إلى ما وصلوا إليه من أمور تتعلق بظاهر الحياة الدنيا، نقول: شوف العقول، العقول، الأحلام التي أوصلتهم إلى ما أوصلت من حضارة، لكنها لا توصلهم إلى الاستنجاء الذي هو أخص من أخص ما يتصفون بضده، الظاهر لا يستنجون -يقضي حاجته ويرفع سراويله-، هذا العقول التي صنعت وفعلت وأدركت من ظاهر الدنيا ما استطاعت أن تنظف ثيابها لذلك، تذم الإنسان بما فيه؛ لتصدق، أما تذمه بما ليس فيه هذا ما يصدقونك الناس.
стр. 366
﴿أَمْ يَقُولُونَ﴾ [(٣٣) سورة الطور] هؤلاء الكفار للنبي ﵊ ﴿تَقَوَّلَهُ﴾ تقوله تفعل يعني تكلف في اختلاقه، وكذبه للقرآن، واختراعه من تلقاء نفسه، ومرة يلقى إليه، ومرة يتلقاه عن غيره، "اختلق القرآن والواقع أنه لم يختلقه" ﴿بَل لَّا يُؤْمِنُونَ﴾ استكباراً فإن قالوا: اختلقه" هو عربي من بيئتهم وعاش بينهم، وما انتقل إلى بلد أخر يتلقى عنه ما يتلقى، هو من بلدهم يعرفونه من ولادته إلى بعثته، يعني لو أن لك أخاً يسكن معك في البيت لمدة عشرين سنة، وتعرفه ما فارقك ولا فارق البيت وأنت معه سفر وحضر، ثم فجأة قال لك: إني أحسن اللغات، أجيد عشرة لغات من فين، متى، متى تعلمت؟ هم يعرفون حاله ما راح لا يميناً ولا يساراً، كيف يختلق مثل؟ هذا إن كان اختلقه وأنتم مثله، أنتم مثله في العربية، في الفصاحة، في البلاغة يعني -مستواكم ما يقل عنه-، إلا أنه ﵊ أوتي جوامع الكلم، لكن مع ذلك من الذي آتاه جوامع الكلم هو الله -جل وعلا-، إن كنتم تصدقون بمثل هذا فأمنوا بمن آتاه جوامع الكلم، إن كنت تقولون أخترعه من تلقاء نفسه، فأنتم بمنزلته عرب تفهمون ما يقول، وتستطيعون أن تعبروا عما في أنفسكم بأعلى درجات الفصاحة والبلاغة فأتوا، ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ﴾ [(٣٤) سورة الطور] ولو مختلق" من تلقاء أنفسهم، ﴿مِّثْلِهِ إِن كَانُوا صَادِقِينَ﴾ [(٣٤) سورة الطور] في قولهم" إنه اختلقه، ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ﴾ تحداهم بجميع القرآن، ويا الله تعاونو كلكم يا معشر العرب، أو يا معاشر العرب تعاونوا وأتونا بمثله، واستعينوا بالجن، تحداهم أن يأتوا بمثله فلم يستطيعوا، ثم تحداهم بعشر سور فلم يستطيعوا، ثم تحداهم بسورة واحدة فلم يستطيعوا، فإن قالوا: اختلقه ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ﴾ مختلق ﴿مِّثْلِهِ إِن كَانُوا صَادِقِينَ﴾ يعني في قولهم".
стр. 367
﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ [(٣٥) سورة الطور] خلقوا من عدم، من غير شيء لا خالق لهم أم هم الخالقون لأنفسهم، هذه الآية وما بعدها هي التي أثرت في جبير بن مطعم وكاد قلبه يطير منها، ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ من غير خالق"، هل يتوقع أن شيئاً يتصرف بنفسه من غير أن يتصرف فيه غيره؟ لو افترضنا أن سفينة باخرة ليس لها قائد هي بنفسها تحمل البضائع، وتقود نفسها من قطر إلى قطر هل يتصور مثل هذا؟ العالم كله بمنزلة هذه السفينة، ما يمكن أن تقود نفسها بل لا بد لها من قائد يقودها ويسيرها.
﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ أم هم الخالقون لأنفسهم؟ "، يعني هل يتصور أن إنساناً كان معدوماً ثم أوجد نفسه، أو وجد من غير خالق؟ يعني ما أوجده أحد، وجد فجأة كذا، ﴿أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ لأنفسهم"؟ لا هذا ولا هذا، "ولا يعقل مخلوق بغير خالق ولا معدوم يخلق، لا مخلوق بغير خالق ولا معدوم يخلق"، لو أن إنساناً جالساً من هؤلاء فجاء أخر فضربه على ظهره -ولا في غيره ما في واحد ثالث- التفت فإذا به هذا، فقال: لماذا ضربتني؟ قال: ما ضربتك! يصدق وإلا ما يصدق، ضربة من غير ضارب يا أخي أنت تقول مخلوق من غير خالق هذه ضربة من غير ضارب، يصدق وإلا ما يصدق؟ ما يصدق يعني نظير قول الجبرية، حينما قالوا: إن الإنسان ما يتصرف ولا يؤاخذ على أفعاله؛ لأن مؤاخذته وهو مجبور ظلم، يعني لو ضربهم أحد وقال: أنا ما أتصرف ما ضربتك لا بالغ في مؤاخذته وأعده مجنون بهذا، إذا أنت كيف تفعل المعاصي، وتقول: أنا ما تصرفت، أنا مسير لست بمخير؟ لا مخير يا أخي، فأنت في تصرفاتك نظير تصرف هذا الذي ضربك، لك حرية واختيار ويؤاخذ على فعله، وأنت لك حرية واختيار ومؤاخذ على فعلك.
стр. 368
وهذا الذي قال: أنكر أن يكون له خالق يسأل خلقت من غير شيء، من غير خالق، وجدت كذا، أم أنت خلقت نفسك؟ يعني هل العدم شيء بحيث ينسب إليه فعل؟ ليس بشيء، "ولا يعقل مخلوق بغير بخالق ولا معدوم يخلق، فلا بد لهم من خالق وهو الله الواحد، فلم لا يوحدونه ويؤمنون برسوله وكتابه"؛ لأنه تفرد بالخلق والرزق والإحياء والإماتة والأمور كلها بيده -جل وعلا- إذا هو المستحق بالإفراد بالعبادة، وغيره لا يملك شيئاً إذا لا يستحق شيئاً.
﴿أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [(٣٦) سورة الطور] من خلقهم؟ من خلق السموات والأرض؟ يعني لو أن الخلائق كلها اجتمعت لتخلق سماء مثل السماء الموجودة يستطيعون، هل تحدثهم أنفسهم أن يفعلوا مثل هذا الفعل؟ لا يمكن أن تحدثهم أنفسهم بمثل هذا الفعل، ﴿أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ ولا يقدر على خلقهما إلا الله الخالق فلم لا يعبدونه، ﴿بَل لَّا يُوقِنُونَ﴾ به"، وإلا لأمنوا بنبيه؟ يعني لو استعملوا عقولهم ونظروا في هذه الأمور الملزمة لأمنوا؛ لأن الإنسان حينما يقرر في أشياء لا جواب له عنها، وأشياء واقعة لا يستطيع إنكارها. . . . . . . . . مخلوق وإلا ماهو بمخلوق، يعني موجود وإلا معدوم؟ موجود، من أوجده؟ أوجد نفسه وإلا أوجد من غير موجد؟ كل هذا لا يكون، إذاً لا بد له من موجد، من الموجد فلان وإلا علان، أبوه وإلا عمه وإلا خاله؟ هو مثله، إذا الموجد هو الله -جل وعلا-.
﴿السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ هل هم خلقوها، هل هم أوجدوها، هل يمكن أن يدعي أن والده هو الذي خلق السماء، أو ملكه العظيم المعظم عنده؟ يعني هل قال أهل مصر: إن فرعون خلق السماء؟ ما قالوا، ولا يمكن أن يدعوا ذلك؛ لأنهم يعترفون بقدرته وأنها محدودة، مع إيمانهم بإلهيته وربوبيته التي أجبرهم عليها " ﴿بَل لَّا يُوقِنُونَ﴾ [(٣٦) سورة الطور] به وإلا لآمنوا بنبيه ﵊".
стр. 369
﴿أَمْ عِندَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ﴾ [(٣٧) سورة الطور] من النبوة والرزق وغيرهما فيخصوا من شاؤوا بما شاؤوا"، من أعظم الرزق أن يمنح المنحة الإلهية العظمى "النبوة"، لما بعث النبي ﵊ اقترح أهل مكة أن يكون النبي على رجل من القريتين عظيم، إما أبو جهل من مكة، وإما عروة بن مسعود الثقفي من الطائف اقترحوا هذا، لكن ﴿اللهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [(١٢٤) سورة الأنعام]، هذا من الله -جل وعلا- لا يتصرف فيها أحد، فالمرسل هو الذي يختار الرسول.
الرزق عندهم خزائن الرزق يستطيعون أن ينزلوا المطر متى شاؤوا، لتنبت لهم الأرض ما يعيشون به ويتعيش به دوابهم، أصيبوا بالسنين، ماتوا من الجوع، ما استطاعوا أن يقدموا ولا يؤخروا، أعظم ما عندهم أبو جهل وأبو لهب ونظرائهم ما استطاعوا أن يوجدوا لقمة عيش يأكلونها، يرون الجو كله دخان رائح جاي من الجوع، والجوع بئس الضجيع يريك ما لا ترى، يري عيناك ما لا تراه، فهل استطاعوا أن ينزلوا المطر، هل استطاعوا أن يوجدوا شيئاً يأكلونه؟ ما استطاعوا.
" ﴿أَمْ عِندَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ﴾ من النبوة والرزق وغيرهما فيخصوا من شاؤوا بمن شاؤوا"؟، إذا كان عندهم الخزائن يخصوا، إذ معروف أن الذي عنده شيء من المال أو من الطعام يعطي هذا الجار، وقد لا يعطي هذا الجار وهذا مجرد قسمة، وإلا فالمعطي هو الله -جل وعلا- ((إنما أنا قاسم والله هو المعطي)) ﴿وَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ [(٣٣) سورة النور]، يعني وإن كانت عنده خزينة وعنده مستودعات، لكن هي مال الله، ومع ذلك هو أؤتمن على هذا المال فلا يجوز له أن يصرفه إلا على مقتضى نظر الشرع، فيخصوا من شاؤوا بمن شاؤوا.
﴿أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ﴾ المتسلطون الجبارون، وفعله سيطر، ومثله بيطر وبيقر" مسيطر، مبيطر، مبيقر، مهيمن، مجيمر أو محيمر أو مخيمر هذا الكلمة ضبطت بالجيم والحاء والخاء، وقالوا: لا يوجد على صيغة مفعيل إلا هذه الكلمات الخمس.
стр. 370
﴿الْمُصَيْطِرُونَ﴾ المتسلطون" وتقراء بالسين والصاد، "المتسلطون الجبارون وفعله سيطر مثل بيطر"، بيطر يعني عالج، والبيطار المعالج، والبيطري الذي يعالج الدواب، وبيقر أفسد خلاف ضد عالج، بيطر, افسد وأهلك.
﴿أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ﴾ [(٣٨) سورة الطور] مصعد مرقى يصعدون به، ويرتقون به إلى السماء، يستمعون فيه يعني عليه؛ لأن السلم يصعد عليه، لا يصعد فيه، اللهم إلا إذا قلنا: إن الصعود، يعني لا بد أن نضمن الحرف في بمعنى على ﴿يَسْتَمِعُونَ فِيهِ﴾ يعني عليه، ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [(٧١) سورة طه] يعني على جذوع النخل، فنضمن الحرف معنى حرف أخر، أو نضمن الفعل معنى فعل آخر يتعدى بنفس الحرف ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ كأنه قال: لأدخلنكم في جذوع النخل، يعني كأنه من قوة الربط ينفتح الجذع فيدخلون فيه هذه مبالغة في الصلب، وهنا إذا أمكن تضمين الفعل أولى من تضمين الحرف كما قال شيخ الإسلام، وهنا ضمن الحرف معنى حرف آخر، كيف نقول يستمعون فيه كأنه مع صعودهم على هذا السلم يريدون الاستخفاء؟ لئلا يصيبهم الشهاب الذي يصيب الجني مسترق السمع فيستخفون في هذا السلم، يعني سلم مشتمل على شيء يخفيهم فكأنهم دخلوا فيه، هذا إذا أردنا أن نضمن الفعل، وهذا أولى من تضمين الحرف على رأي شيخ الإسلام.
стр. 371
" ﴿يَسْتَمِعُونَ فِيهِ﴾ يعني عليه كلام الملائكة حتى يمكنهم منازعة النبي بزعمهم إن ادعوا ذلك"، النبي ﵊ يأتيه الوحي من السماء بواسطة جبريل، يقول: إن استطعتم أن تأتوا بوحي فأحضروا سلماً واصعدوا إلى السماء، واسمعوا كلام الملائكة، وانقلوه للناس فتكون أتيتم بمثل ما أتى به، ﴿أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُم﴾ أي مدعي الاستماع عليه ﴿بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ﴾ بحجة بينة واضحة"، ﴿بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ﴾ يأتي بحجة بينة واضحة" يأتي بكلام الملائكة هات ما عندك، يعني كون مسيلمة يدعي أنه ينزل عليه وحي، وذكر ما ينزل عليه على حد زعمه من الوحي الشيطاني فرمي بالجنون، يا وبر، يا وبر، إنما أنت أذنان وصدر، وما أدري إيش، كلام لا معنى له، نعم إن كان عندكم شيء من السمع استمعتوه من الملائكة هاتوا ﴿فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُم بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ﴾ بحجة بينة واضحة"، هذا تدل على أنه فعل ذلك وأصابه.
قال المفسر ﵀: ولشبه هذا الزعم، بزعمهم أن الملائكة بنات الله"، "ولشبههم هذا الزعم بزعمهم أن الملائكة بنات الله" قال تعالى: ﴿أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ﴾ [(٣٩) سورة الطور] أي بزعمكم"، ﴿وَلَكُمُ الْبَنُونَ﴾ تعالى الله عما زعموه"، ﴿لَهُ الْبَنَاتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ﴾ ومعروف أن البنين أقوى من البنات فأنتم تستعينون عليه بالبنين على حد زعمكم، سوف يستعين عليكم بالبنات، ومقتضى ذلك أنكم تغلبونه ما دام ما عنده إلا بنات وأنتم عندكم بنين فأنتم تغلبونه، لكن هذا الزعم الباطل ﴿أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ﴾ أي بزعمكم"، ﴿وَلَكُمُ الْبَنُونَ﴾ تعالى الله عما زعموه"، يعني قالوا الملائكة: بنات الله، وعبدوهم من دون الله.
﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا﴾ [(٤٠) سورة الطور] على ما جئتهم به من الدين ﴿تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا﴾ على ما جئتهم به من الدين" ﴿فَهُم مِّن مَّغْرَمٍ﴾ يعني من غرم ذلك ﴿مُّثْقَلُونَ﴾ " فلا يسألون.
стр. 372
يعني لو كان النبي لما أرسل ﵊ فرض على من يدخل في هذا الدين مبلغاً، لقال كثير من الناس ما دام يأخذ علينا هذا المبلغ لا أدخل في الدين؛ لأنه يثقلنا هذ المبلغ " ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا﴾ على ما جئتهم به من الدين"، يعني لو فرض على كل واحد ألفاً لقال كثير منهم أنا والله ما عندي ألف ﴿فَهُم مِّن مَّغْرَمٍ مُّثْقَلُونَ﴾، من هذا الغرم الذي ألزمتهم به مثقلون، يعني لا يستطيعون أن ينووا به ويحملوه، يعني لو تصورنا المسألة في جامعة أهلية فرضت على كل طالب أربعين ألفاً، هل يتصور أن الناس بيدخلون في هذا الجامعة؟ نعم قد يدخلها بعض الناس؛ لأن عنده هذا المبلغ ويترقب الفائدة أعظم، يدخل لكن كثير من الناس يقول: والله يا أخي، ما نستطيع أن ندخل ﴿مِّن مَّغْرَمٍ مُّثْقَلُونَ﴾ ما نقدر، ما نتحمل، فهل طلب النبي ﵊ ممن يتبعه على دينه مبلغاً قليلاً أو كثيراً؟ أبداً.
﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُم مِّن مَّغْرَمٍ مُّثْقَلُونَ﴾ يعني من مغرم، من الغرم الذي تطلبه منهم ﴿مُّثْقَلُونَ﴾ فلا يسلمون"؛ لأنه يثقلهم ولا يستطيعونه.
﴿أَمْ عِندَهُمُ الْغَيْبُ﴾ [(٤١) سورة الطور] أي علمه"، أي علم الغيب " ﴿فَهُمْ يَكْتُبُونَ﴾ ذلك، يكتبون ذلك الغيب حتى يمكنهم منازعة النبي ﵊ في البعث، وأمور الآخرة بزعمهم".
الرسول ﵊ أخبر عما سيكون في أخر الزمان، وأخبر عما يكون في البرزخ، وأخبر عما يكون بعد البعث، وكل هذا غيب لا يمكن أن يطلع عليه النبي ﵊ بنفسه، وإنما أطلعه الله عليه ﴿قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [(٦٥) سورة النمل] هؤلاء إذا كان عندهم علم غيب يأتوا ماذا يكون غداً؟ والله ما يدورن، ما الذي يكون بعد سنة؟ والله ما يدرون، ما الذي يكون بعد مائة سنة؟ ما يدرون، ما الذي يكون بعد موت الإنسان؟ ما يدرون.
стр. 373
﴿أَمْ عِندَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ﴾ [(٤١) سورة الطور] اكتبوا ذلك الغيب وهاتوه، نعرضه على ما قرره النبي ﵊ من المغيبات، ﴿أَمْ عِندَهُمُ الْغَيْبُ﴾ أي علمه ﴿فَهُمْ يَكْتُبُونَ﴾ ذلك حتى يمكنهم منازعة النبي ﵊ في البعث وأمور الآخرة بزعمهم"، لا شيء عندهم، اسألهم عما يكون بعد ساعة ما الذي يكون؟ اسأل أي مخلوق سواء كان مسلماً أو كافراً ما الذي يكون غداً -يعني من المغيبات الخمس التي لا يعملها إلا الله- -جل وعلا-؟ ﴿وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ﴾ [(١٨٨) سورة الأعراف]؟ هذا كلام النبي ﵊ ﴿إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا﴾ [(٣٤) سورة لقمان] يعني محل تجاري كبير دخله على حسب ما مضى عشرة ألف في الشهر، أو في اليوم هل يستطيع أن يقول أني أكسب غداً عشرة ألآلف، أو تسعة ألاف، أو عشرين ألف، أو ألف؟ لا يستطيع أن يحدد هذا كله بيد الله، قد يقول قائل: أنا أعرف ماذا أكسب؟ لأنني موظف وراتبي معروف، وفي نهاية الشهر يأتيني الراتب، قد يقول قائل مثل هذا الكلام، فأنا أعرف ما الذي سيكون في يوم خمسة وعشرين وإن كان غيباً اعرفه، نقول: والله ما تدري عن شيء، يمكن ما تداوم بكرة ثم. . . . . . . . . عليك، أو تحدث عملاً تفصل بسببه، أتدري ماذا تكسب غداً؟ والله ما تدري ماذا تكسب غداً، ﴿أَمْ عِندَهُمُ الْغَيْبُ﴾ أي علمه ﴿فَهُمْ يَكْتُبُونَ﴾ ذلك حتى يمكنهم منازعة النبي ﵊ بالبعث وأمور الآخرة بزعمهم".
﴿أَمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا﴾ [(٤٢) سورة الطور] بك ليهلكوك يقول: في دار الندوة"، أولاً أن السورة مكية، ودار الندوة إنما صارت متى؟ ليلة الهجرة، فالتقييد بدر الندوة لا داعي له.
стр. 374
﴿أَمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا﴾ هم يكيدون للنبي ﵊، وحاولوا وخططوا لقتله، ﴿أَمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا﴾ بك ليهلكوك ﴿فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ﴾ المغلوبون المهلكون فحفظه الله منهم، ثم أهلكهم ببدر، أهلكهم ببدر" يعني أهلك رؤوسهم؛ لأن القوم إذا هلك رؤوسهم تحطموا، أهلك سبعين من رؤوسهم وصناديدهم، أهلك رؤوسهم وصناديدهم فقتل منهم سبعون، وأسر سبعون، وإذا هلك الرؤوس انهزم الباقي، ومع ذلك هم المكيدون المهلكون في العاجل أو الآجل -والله أعلم-.
وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين؛؛
стр. 375
تفسير الجلالين
سورة الطور (٣)
الشيخ / عبد الكريم الخضير
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
هذا البحث عن حديث: ((لو رأيت ِ مكانهما لأبغضتهما))
قال: حدثنا عبد الله في المسند، قال: حدثني عثمان بن أبي شيبة، قال: حدثنا محمد بن فضيل، عن محمد بن عثمان، عن زادان، عن علي ﵁ قال: سألت خديجة النبي ﷺ عن ولدين ماتا لها في الجاهلية، فقال رسول الله ﷺ : ((هما في النار)) فلما رأى الكراهية في وجهها قال: ((لو رأيت ِ مكانهما ل أبغضتهما)) قالت: يا رسول الله، فولدي منك؟ قال: ((في الجنة))، قال: ثم قال رسول الله ﷺ : ((إن المؤمنين وأولادهم في الجنة، وإن المشركين وأولادهم في النار، ثم قرأ رسول الله ﷺ ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم﴾ [(٢١) سورة الطور])) يقول: هذا تعليق على المسند، يقول: شعيب الأرنؤوط، يقول: إسناده ضعيف بجهالة محمد بن عثمان قال: ذهب في الميزان لا يدرى منه فتشت عنه في أماكن، ثم ذكر وساق هذا الحديث، وقال ابن الجوزي: في جامع المسانيد كما في كنز العمال في إسناده محمد بن عثمان ولا يقبل حديثه، ولا يصح في تعذيب الأطفال حديث، يعني ما ورد في الأطفال سواء كانوا أطفال المسلمين المؤمنين، أو في أطفال الكفار، ورد فيهم أحاديث منها ما يدل على أنهم كلهم في الجنة، كلهم في الجنة، منها ما يدل على التوقف الله أعلم بما كانوا عاملين.
стр. 376
ابن القيم -رحمه الله تعالى- في طبقات المكلفين، في آخر، في طبقات الناس، في آخر طريق الهجرتين بحث المسألة بحثاً جيد، فمنهم من يقول: إن أولاد الكفار كالمجانين وأهل الفترة الذين لم يبلغهم دعوة هؤلاء يمتحنون، يمتحنون، وعلى كل حال الخبر يسوقه المفسرون لا على أنه جزم بأنهم في النار، وإنما ليبينوا أن أولاد المؤمنين والمسلمين قد جاء فيهم ما يدل على أنهم في الجنة على سبيل الاستقلال، والمفسرون لا يعتنون بصحة الأخبار بدقة، وإنما يجمعون فيها ما يقفون عليه، والخبر مثلما ذكر أهل العلم ضعيف، وفيه محمد بن عثمان هذا قال: قالوا عنه: إنه مجهول، المجهول كما هو مقرر عند أهل العلم في مسألة الجهالة هل هي جرح في الراوي أو عدم علم بحاله؟ هل هي جرح في الراوي فيضعف الخبر بسببه، أو هي عدم علم بحال الراوي فيتوقف فيه حتى يعلم حاله؟ وأهل الحديث حينما رتبوا مراتب وألفاظ الجرح والتعديل، وجعلوا الجهالة في مراتب الجرح هذا يدل على أن الخبر يضعف بسبب هذا المجهول، وأبو حاتم كثيراً ما يقول: فلان مجهول -أي لا أعرفه- وهذا لا يقتضي القدح؛ لأنه إن لم يعرفه قد يعرفه غيره، وابن حجر في النخبة قال: ومن المهم معرفة أحوال الرواة تعديلاً أو تجريحاً أو جهالة، فجعل الجهالة قسيم للجرح وليست قسماً منه، وعلى كل حال مثل ما ذكرنا أولاد الكفار جاء فيهم أحاديث، منهم ما يدل على أنهم هم مع أهليهم، ومنها ما يدل على التوقف الله أعلم بما كانوا عاملين، ومنها ما يدل على أنهم يمتحنون، ومنها ما يدل على أنهم خدم أهل الجنة، المقصود أن مثل هذه المسألة إذا ذكرت في كتب التفسير فإنهم لا يريدون تقرير هذه المسألة بعينها، وإنما يأتون بها للدلالة على ضدها.
يقول: ذكر الله في كتابه: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ﴾ [(٢١) سورة الحديد]، وذكر أيضاً ﴿وَسَارِعُواْ﴾ [(١٣٣) سورة آل عمران]، فما الفرق بين المسابقة والمسارعة؟
стр. 377
المسابقة ظاهر من لفظها أنها تقتضي المفاعلة بين أثنين فأكثر، يعني أسبقوا غيركم، والمسارعة تطلب الإسراع في الامتثال والمبادرة فيه وإن لم يكن هناك مشارك، كما قال موسى ﵇ ﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى﴾ [(٨٤) سورة طه]، المقصود أن المسابقة تقتضي أكثر من طرف هذه هي المسابقة، والمسارعة تقتضي الإسراع؛ لأن المفاعلة أصلها بين طرفين، وقد تأتي من طرف واحد كما في المسافرة والمطارقة.
يقول: ما الحد المعتبر في أدى الأمانة في تدريس المناهج المقررة في المدارس، هل هو إنهاء المنهج المقرر، أم لا بد من استغلال كل وقت حصة دراسية بالدرس وشرحه، وهل إذا جعل بعض وقت الحصة بعد إنهاء الدرس اليومي لدعوتهم إلى الله- وتعليمهم أمور دينهم، ينافي أداء الأمانة على الوجه المطلوب؟
هذا من أعظم الأمانة؛ لأن الهدف من إيجاد هذه المدارس لا يتحقق إلا باستقامتهم على دين الله، وعلى أمره، المدارس إنما أسست على ذلك هذا الأصل في تأسيسها، فعلى المدرس أن يستغل الوقت الذي اتفق معه عليه ولا يضيع منه إلا ما يضيع غالباً من الأمور التي لا يمكن ضبطها؛ لأن لا يتصور أن المدرس منذ أن يدخل مع باب الفصل إلى أن ينتهي وهو يتكلم ويشرح لا، إنما ينظر في حال الطلاب قد تكون كثرة الشرح بالنسبة لهم تضيعهم؛ لأنهم لا يدركون مع الكثرة يضيع بعض الكلام بعضاً، وهو يقتصر على المنهج المقرر بحيث يشرحه ويوضحه للطلاب، ثم يسألهم عما يشكل عليهم في المقرر، ثم بعد ذلك يوجههم وكثير منهم بحاجة إلى هذا التوجيه، فإذا لاحظ على أحد ما يمكن التنبيه عليه، ينبه عليه على سبيل العموم، يقول: إن بعض الطلاب هداه الله يفعل كذا، أو يتصرف كذا، وهذا لا شك أنه مطلوب، وإلا من الصعب في المنهج، لكن الإشكال فيمن يتشاغل عن الدرس يتأخر في الدخول، ويبادر في الخروج، وفي أثناء الدرس تجده يتشاغل بأمور، تجده الجوال يكلم، أو معه آلة وشاشة يبيع ويشتري هذا حصل في الأيام الأخيرة، يضيعون الدرس هذه أمانة لا يجوز التفريط فيهم، -نسأل الله العافية-.
стр. 378
يقول: يعد كثير من الناس من شباب وشيب ونساء وأطفال أن الانتصار أو الانتصار في فوز فريق كرة القدم، ويجدون كما يتوهمون لذة لهذا الانتصار، فمن الذي صرفهم عن المفهوم الحقيقي للانتصار؟
على كل حال اهتمامات الناس جماعات وأفراد كلها دخلها ما دخلها، والسبب في هذا الانفتاح على الدنيا إذا بسطت وفتحت وتبعتها أنظار الناس لا بد أن يوجد مثل هذا، ولو انشغل الناس بلقمة العيش ما صار الأمر هكذا، لكنه الترف يعني فتحت الدنيا وبسطت وتنافسها الناس، وانشغلوا بدلاً من الضروريات بالكماليات، ثم بعد ذلك إلى الترف المنهي عنه، والذي جاء ذمه في النصوص، المقصود أن هذا لا شك نتيجة حتمية لانفتاح الدنيا ((والله لا الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى أن تفتح الدنيا، وتبسط الدنيا عليكم فتنافسوها كما تنافسوها)).
يقول: عود كثير من الآباء حتى من الصالحين لبس الكفار، وأصبح هذا عادة عندهم حتى في ذهابهم إلى المسجد، ويضطرون في إلباسهم الثياب عند ذهابهم إلى المدرسة؟
لعله يقصد إنه عود كثير من الآباء حتى من الصالحين لبس يعني -إلباس أولادهم لبس الكفار؛ لأن الكبار ما يلبسون إلا لبس البلد، وأما بالنسبة إلى الصغار فيظهر فيهم لباس الكفار من البنطلون وما فوقه، لا شك أن هذا تقليد للكفار وفيه التشبه فلا يجوز من هذه الحيثية، لكن إذا كثر وشاع وصاروا يلبسونه؛ لأمور معينة لنوم أو شبهه ما لم يكون عادة، واللبس كما يقول أهل العلم: "اللباس عرفي" يتبع عرف البلد ما لم يدخل في منصوص على حظره، أو منعه، أو الحث عليه وطلبه، وإلا فالباقي عرفي، فمثل هذه الألبسة التي يلبسها الشباب من الصغار، لا شك أن لبس البلد وعرف البلد إلزامهم به أولى، لكن إذا كثر في البلد وشاع وصار هو لباس الصغار، ينتقل من كونه تشبهاً إلى كونه مفضولاً.
يقول: أنا أطلب العلم، وقد أبقى طوال اليوم أقرأ مع ما يكون خلال ذلك من الصوارف كأغراض الأهل وما أشبه ذلك، ولا يأتي الليل إلا وأنا مرهق فأنام حتى أقوم بعد الفجر وأقرأ، ولا أقوم الليل بسبب أني إذا تأخرت في الليل لا أقرأ في النهار، ويضطرب برنامجي فما العمل؟
стр. 379
المطلوب التسديد، وتنوع العبادات في شرعنا من نعم الله علينا، فتجد النفس ترتاح إلى عمل، وهذا الكلام لا يجري على الفرائض والواجبات، الفرائض والواجبات لا بد من فعلها سواء كانت النفس تنقاد إليها، أو لا تنقاد، لكن مسألة النوافل تنوع العبادات عندنا ولله الحمد من نعم الله؛ لأن بعض الناس ينقاد إلى عمل البدن، فعنده استعداد أن يصلي مائة ركعة في اليوم، يقوم الليل ما عنده إشكال، يصوم النهار، ومنهم من ييسر لهم أمر الإنفاق في سبيل الله، ويصعب عليه عمل البدن، ومنهم أيضاً من ييسر له عمل جزئي من عمل البدن فتجده يستطيع الصلاة، ولا يستطيع الصيام يعني -إلا بمشقة-، وبعض الناس تجده يصلي لكن يصعب عليه التلاوة، وبعض الناس يسهل له أمر التلاوة فيقرأ ساعة والساعتين في المصحف، أو عن ظهر قلب ولا يمل، وإذا مرة به آية سجدة صعوبة عليه؛ لأن جلس الصلاة ثقيلة عليها، فمن نعم الله -جل وعلا- أن نوع لنا هذا العبادات، لكن ينبغي أن يأخذ من جميع هذه العبادات؛ لأنه جاء الحث عليها في الشرع، فلا ينهمك في طلب العلم عن النوافل الخاصة، وإن كان المفضل عند أهل العلم طلب العلم وأنه أفضل من نوافل العبادة وهذا عند التعارض، لكن إذا أمكن أن يصرف جزءاً من وقته لطلب العلم ويقسم هذا الوقت إلى وقت للحفظ، ووقت للفهم، ووقت لمجرد سرد ومطالعة، ويصلي في أثناء ذلك بين كل فينة وأخرى له ركعتين، ويحرص على ما جاء الحث عليه من صيام النوافل، ويساعد الناس ببدنه وبماله، ويقضي حوائج أهله لا يتأخر عنها؛ لأن من المشاكل التي تمر بالشباب طلاب العلم من أعظمها، ما يزعمونه من تعارض بين طلب العلم وصلة الأرحام وبر الوالدين، تجد طالب العلم يصعب عليه جداً أن يقضي حاجة لأمه، أو يوصلها إلى مكان، أو يصل رحمه من عم أو خال أو ما أشبه ذلك، ومع ذلك يسهل عليه أن يركب مع زميله ويذهبان إلى مكان للنزهة أو غيرها يقضون فيه الساعات، هذا لا شك أنه خلل في التصور فالمسألة أولويات، وعلى الإنسان أن يبدأ بالمهم، فعلى مثل هذا التسديد والمقاربة يجعل له نصيب من صلاة الليل، وإذا كان في يوم من الأيام قد أرهق وتعب في النهار، ويخشى على عدم القيام من أخر الليل يصلي الوتر قبل أن
стр. 380
ينام، يوتر قبل أن ينام.
يقول: نسمع قراءة بعض العلماء للقرآن بدون غنة، ولا تفخيم، ولا ترقيق، ولا مدود وهم أحرص الناس بشرع الله يعني -على شرع الله وتطبيقه-، فهل هذه الأحكام لها دليل، وهل نطبقها أم نقرأ القرآن قراءة بمهل، وبدون لحن جلي؟
أما اللحن الذي يحيل المعنى فلا يجوز اتفاقاً، وأما اللحن الذي لا يحيل المعنى فالصلاة معه صحيحة، لكن يبقى أنه مذموم؛ لأن القرآن بلسان عربي وليس فيه لحن، حتى قال بعض أهل العلم: إن الذي يلحن في الحديث يخشى أن يدخل في حديث: ((من كذب))؛ لأنك إذا قلت: ((إنما الأعمالَ بالنيات)) فنصبت الأعمال قلت على النبي ﵊ ما لم يقل، وفي الحديث الصحيح: ((من قال علي ما لم أقل فليتبوأ مقعده من النار)) فليحذر الإنسان من اللحن، يبقى مسالة أحكام التجويد من المدود والغنة والإظهار والإقلاب والإخفاء وما أشبه ذلك، هذه يوجبها أهل التجويد
. . . . . . . . . ... من لم يجود القرآن آثم
стр. 381
هذا عندهم، ويستدلون على ذلك بأنه تلقي هكذا، تلقي عن الشيوخ طبقة عن طبقة هكذا فلا بد من تطبيق الأحكام، وقد يتعارض عند طالب العلم مثل هذا الكلام مع ما يسمعه من شيوخه، ومع ما يسمعه من أهل التجويد أيضاً من خلل كبير بهذه الأحكام، فهل تتوقع أن أشهر القراء، وأمهر القراء في قراءته للركعتين الأولتين في الصلاة الجهرية يفعل مثلها، مثل هذه القراءة في الركعتين الأخريين يعني -يرتل إذا اسر-، نحن نسمعهم وهم يصلون بجوارنا ما يرتلون، ولا يطبقون الأحكام، وليس هذا بدليل على الإيجاب ولا على المنع، لكن مما يدل على أن القرآن يقرأ سهلاً سمحاً لا يمطط فيه، ولا يهث كهذ الدقلة، ولا كهذ التراب، والمجزوم به أن هذه القراءة حينما أنزل القرآن على النبي ﵊ وقراءه على أصحابه، وفيهم كبار السن، وفيهم الصغار، وفيهم قبائل مختلفة بعضهم يطاوعه لسانه أن يمد، وبعضهم لا يطاوعه ولذلك جاء الأمر على قراءة القرآن على سبعة أحرف، كل هذا من باب التسهيل والتيسير لقرآة القرآن في أول الأمر، ثم بعد ذلك اتفق على حرف واحد، لكن إذا أوجبنا التجويد فما الذي نوجبه على أي قراءة؟ يعني إذا كان إظهار حرف أو إخفائه -الهمز وعدمه- بعض القراء يهمز، وبعض القراء لا يهمز "النبيئون، والنبييون" مثلاً، أيهما أسهل أن نهمز أو نظهر المدغم؟ ثم بعد ذلك إذا قلنا بالإظهار والإدغام على أي قراءة؛ لأن ما أنا ملزم بقراءة شخص بعينه؛ لأن القراءة كلها سبعية متواترة، واختلاف الأداء في هذه القراءات، واختلاف الأداء في هذه القراءات يدل على أن الأمر فيه سهل؛ لأنها كلها سبعية، كلها متواترة، يعني من مد ست حركات وغيره يمد أربع حركات هذه ثابتة بالتواتر، وهذه ثابتة بالتواتر، فما الذي يلزمني بست أو أربع أو اثنتين، كلها ثابتة بالتواتر فيدل على أن الأمر ليس كما يقولون، نعم تجويده وضبطه وإتقانه وإخراج الحروف من مخارجه هذا أمر مطلوب، لكن التأثيم يحتاج إلى دليل.
стр. 382
وينص كثير منهم على أنه واجب عندهم في فنهم، وأما تأثيم التارك فيحتاج إلى قول فقيه هذا كلامهم، يقولون مثل هذا الكلام، يعني هل كلامهم في وجوب المد، في وجوب التجويد مثلاً، هل هو مثل كلام النحاة في وجوب رفع الفاعل، أو نصب المفعول يعني -وجوب فني ما هو بوجوب شرعي-؟ لأنه حتى بعضهم ينص من أهل التجويد أن هذا الوجوب وجوب علم، وجوب تلقي، وجوب هذا الفن يعني بيننا يجب لا يفرط فيه، لكن مع ذلك تأثيم التارك يحتاج إلى قول فقيه مجتهد هذا كلامهم، مما يدل على أن المسألة فيها سعة المقصود أن القرآن يقرأ ويحسن الصوت بالقرآن، ويزين القرآن بالصوت، ويتغنى به بحيث يتأثر القارئ، ويؤثر في السامع، لكن التطبيق بدقة على ضوء ما قرروه تأثيم تاركه يحتاج إلى دليل، يعني حتى القراء المجودون المتقنون إذا قرؤوا القرآن للاستدلال، أو في خطبة للاستشهاد مثلاً، أو قرأها غيرهم وهم يسمعون ذلك، هل يؤثمونه؟ أحياناً يورد الدليل بسرعة كما هو شأن من يستدل للمسائل العلمية، يعني يندر أن تجد من يقرؤها على قواعد التجويد، وأنا أقول على المسلم أن يحرص على تطبيق هذه القواعد حتى في الخطبة، إذا قرأ القرآن يقرأه مجوداً، وحتى في قراءته للكتب يحرص على أن يجوده وأن يميزه عن كلام البشر.
يقول: يوجد مسجد بحي المثناة مهجور يقصده بعض الجاليات، يتصورون عنده يعني -يصورون بالكمرات-، ويتبركون به، ويقولون: إن هذا المسجد جلس عنده الرسول ﵊ فله ميزة عن غيره؟
ليست له ميزة، الميزة للمساجد الثلاثة فقط وما عداها فحكمها واحد، ولو صلى فيه النبي ﵊ حكمها واحد هي بيوت الله، وإذا كان مهجوراً لا يصلى فيه فهو كغيره من الأبنية -هذا ليست له أحكام المسجد-، إذا كان لا يصلى فيه فهو كغيره من الأبنية، ولا يجوز التبرك بالبقاع أيّا كانت.
يقول: ما الضابط في النهي عن صوت الجرس؟
стр. 383
لا شك أن الناس ينازعون في هذه النغمات التي تصدر من الجوال، يقول: هذه موسيقى، وآخر يقول: لا ليست بموسيقى، والحد الفاصل بين المأذون والمسموح والممنوع، الحد الفاصل هو: صوت جرس الدواب الذي لا تصحب الملائكة رفقة فيها جرس، جرس الدواب صوت معروف له طنين متدارك، لكن أدنى هذه النغمات من الجوال أشد منه، وأحياناً في السيارات فيها طنين إذا تعدت السرعة المحددة مائة وعشرين ظهر هذا الطنين، وهو أشبه ما يكون بصوت جرس الدواب فيمنع من هذه الحيثية وما هو أشد منه في الإطراب أشد المنع، وما دونه في الإطراب مأذون فيه.
يقول: ما حكم أكل لحم الضفدع والتمساح؟
باعتبارها تعيش في البر والبحر فهي ممنوعة عند الجمهور.
أيهما أولى في الصلاة النزول على الركبتين أم على اليدين؟
لا شك أن حديث أبي هريرة: ((إذا صلى أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير، وليضع يديه قبل ركبتيه)) أرجح من حديث وائل: "كان النبي ﵊ يضع ركبتيه قبل يديه" أو هو أصح، وبعضهم يحكم على حديث أبي هريرة بأنه مقلوب وليس الأمر كذلك، فالنزول على اليدين برفق هذا ليس ببروك البروك- بورك البعير إذا نزل على يديه بقوة، وأثار الغبار، وفرق الحصى حينئذ يسمى بروكاً-، أما إذا وضع يديه قبل ركبتيه فهذا ليس من البروك كما قرر في مواضع كثيرة.
نأتي إلى درسنا.
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين:
стр. 384
وقفنا على قوله -جل وعلا-: ﴿أَمْ لَهُمْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [(٤٣) سورة الطور] لما قرر على سبيل الاستفهام الإنكاري ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ* أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَل لَّا يُوقِنُونَ﴾ [(٣٥ - ٣٦) سورة الطور]، هذه الأمور هل يتصور أن أحداً يقول: خلقت من غير شيء، وجدت هكذا، أو يقول: إنه خلق نفسه؟ لا يمكن أن يدعي هذا أحد، لا بد أن يدعي له خالقاً، والفعل لا بد له من فاعل، ﴿أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَل لَّا يُوقِنُونَ﴾ [(٣٦) سورة الطور] هل يستطيعون أن يخلقوا ما دون السماوات والأرض من المخلوقات اليسيرة؟ ﴿لَن يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾ [(٧٣) سورة الحج]، لا يستطيعون أن يخلقوا شيئاً ﴿وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَّا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ [(٧٣) سورة الحج]، تجد الذباب إذ أخذ شيئاً وفر به تجد الواحد يتبعه، ولذلك يقول أهل العلم: إن الذباب إذا أخذ شيئاً مع أنه يأخذ شيئاً يسير جداً يستحيل مباشرة عن هيئته، بحيث لا يمكن لو اجتمع الجن والإنس على استخلاصه منه ما استطاعوا -هذا في هذه الحشرة الصغيرة-، لا يستطيع المخلوق كلهم من جنهم وانسهم لا يستطيعون أن يخلقوا ذباباً، قد يقول قائل: إنهم خلقوا ما هو أعظم منه من طائرات، وبواخر، وسفن فضائية، وبوارج وغيرها أيضاً هذه ليست بشيء -هذه جمادات-، فليخلقوا شيئاً فيه روح، فيه حياة لا يستطيعون، مع أن علمهم بهذه الأمور علم بالظاهر لا علم باطن ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [(٧) سورة الروم]، قد يقول قائل: كيف يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا، وهم وصلوا إلى عمقها وتخومها في أعماق البحار، وفي الأجواء، هذا ظاهر الحياة الدنيا؟ نعم هذا ظاهر الحياة الدنيا، والله لو علموا باطن الحياة الدنيا لأسلموا؛ لكن عقولهم لم تتعدى الظاهر، لو علموا الباطن حقائق الأمور وعلى وجهها لما بقي منهم كافر.
стр. 385
﴿أَمْ عِندَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ﴾ [(٣٧) سورة الطور] عندهم الخزائن بحيث يتصرفون فيها، فيعطون من شاء ويمنعون من شاء، هل هذا بأيديهم؟ لا، الذي بيده المال هو مجرد قاسم والله هو المعطي، بدليل أنه يدخل عليه الشخص ويشرح له ظرفه فيعطيه، ثم يدخل الآخر وهو أولى منه بالعطاء وظرفه أشد والمقتضي أعظم فلا يعطيه، من الذي أعطى الأول ومنع الثاني؟ هو الله -جل وعلا-، والنبي ﵊ يقول: ((إنما أنا قاسم والله المعطي)) ﴿وَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ [(٣٣) سورة النور].
﴿أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُم بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ﴾ [(٣٨) سورة الطور] لهم سلم يصعدون فيه إلى السماء ليسترقوا السمع، ويأخذوا الوحي قبل نزوله على محمد ﵊، ﴿فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُم بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ﴾ يأتون بمثل هذا القرآن الذي استمعوه وصعدوا إليه يأتوا بحجة بينة من جنس هذا القرآن الذي ينزل به جبريل، من لدن الله -جل وعلا- على نبيه محمد ﵊.
стр. 386
﴿أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ﴾ [(٣٩) سورة الطور] أم له -جل وعلا- الجنس الأضعف ولكم الجنس الأقوى، البنات في الغالب هن الأضعف، والبنون هم الأقوى، وإذا كان الأمر كذلك فلتتصدوا له إذا كان معكم القوة، وناصره ضعيف تصدوا له ﴿أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ * أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُم مِّن مَّغْرَمٍ مُّثْقَلُونَ﴾ [(٣٩ - ٤٠) سورة الطور] هل تسألهم من جراء دعوتك إياهم، هل تسألهم أجرة إذا دعوت أحداً قلت: هات، تفرض عليهم أجرة فيستثقلونها ولو قلت؟ ولا شك أن ما كان من هذا النوع ثقيل، يعني لو تذهب إلى بلد فقير ثم تدعوهم وعندهم مخالفات، تدعوهم الاستجابة قليلة، وإن طلبت منهم مالاً وهم في مقابل دعوتهم فالاستجابة أقل، لكن إن بذلت لهم المال فالاستجابة أكثر؛ لأنهم منشغلون بعيشهم، فإذا كفيتهم المؤنة استجابوا لك، وإذا دعوتهم وبينت لهم، ووضحت لهم ما ينفعهم وما يضرهم في دينهم ودنياهم استجاب من كتب الله له الهداية، وأعرض من كتبت عليه الشقاوة، وإذا طلبت منهم مالاً في جراء هذا الدعوة الاستجابة نادرة وقليلة جداً ﴿فَهُم مِّن مَّغْرَمٍ مُّثْقَلُونَ﴾، تجد ما يطلب لله -جل وعلا- ثقيل، يعني من الصعب جداً على كثير من الأغنياء والأثرياء إلا من الله عليه، أن تطلب منه الزكاة نسبة اثنين ونصف بالمائة، لكن السعي تجده يبذله، والنفس منشرحة منقادة، اثنين ونصف بالمائة ولو طلبت أكثر من ذلك لبذل، ثم إذا حاز هذا المال قلت له: اثنان ونصف بالمائة زكاة تأخر تردد ﴿فَهُم مِّن مَّغْرَمٍ مُّثْقَلُونَ﴾.
стр. 387
﴿أَمْ عِندَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ﴾ [(٤١) سورة الطور] الغيب الذي لا يعلمه إلا الله -جل وعلا-، هل عندهم منه شيء كما يقول المفسر ﵀ ﴿أَمْ عِندَهُمُ الْغَيْبُ﴾؟ يعني علم الغيب، علم الشيء المغيب ﴿فَهُمْ يَكْتُبُونَ﴾ ذلك حتى يمكنهم من منازعة النبي ﵊ في البعث وأمور الآخرة التي يخبر عنها من المغيبات، يعني أخبر مثلاً عن الدجال، فهل أخبروا عن شخص أخر يأتي في زمن الدجال، أو قبله، أو بعده من المغيبات؟ لا يستطيعون، لا يستطيع عما وراء هذا الجدار، ليس عندهم شيء من علم الغيب إلا باستعانتهم بعد شركهم بالله -جل وعلا- فيمن يعينهم من الجن والشياطين، قد يعرفون ما وراء هذا الجدار، أو ما في البلد الفلاني بواسطة الشياطين التي تعينهم، لكن بذواتهم لا يستطيعون، الشياطين والجن لا يعلمون الغيب، لكن في مقدورهم حيث جعل الله تعالى فيهم هذه القدرة أنهم يتنقلون من بلد إلى بلد، من مكان إلى آخر بسرعة هائلة فيأتون بمثل هذه الأخبار، وإلا فلا يعلم الغيب الإ الله -جل وعلا-.
﴿أَمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا﴾ [(٤٢) سورة الطور] مكراً بك ليهلكوك كما تواطؤ على قتله من جمع منهم من قبائل متعددة ليتفرق دمه في القبائل، لكنهم لم يستطيعوا؛ لأن الله حافظهم وناصرهم.
﴿فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ﴾ المغلبون المهلكون فحفظه الله منهم، ثم أهلكهم ببدر وبغيرها، الذي مات ببدر، والذي مات على فراشه، وأسباب الموت متنوعة فهلكوا، وقد تربصوا بالنبي ﵊ وانتظروا وفاته وهلاكه، وخططوا لذلك من مشركي العرب، ومن اليهود أيضاً، لكنهم لم يستطيعوا ذلك؛ لأن الله -جل وعلا- تولى حفظه.
стр. 388
﴿أَمْ لَهُمْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [(٤٣) سورة الطور] ﴿أَمْ لَهُمْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ﴾ يعبد بحق، هم يعبدون غير الله -جل وعلا- هذا واقعهم، لهم آلهة، ولهم أصنام يعبدونها من دون الله، يدعون لها الربوبية ويصرفون لها حقوق الألوهية ويعبدونها، لكنها ليست بحق؛ لأنها لا تسمع، ولا تنطق، ولا تنفع، ولا تضر فكيف يصرف لها شيء من العبادة، وتترك عبادة الخالق الرازق النافع الضار المحيي المميت؟ لا شك أن هذا سفه، وقال عمرو بن العاص: لما سئل أين عقولكم حينما كنتم تعبدون التمرة، ثم إذا جعتم أكلتموها؟ فقال: قضى عليها باريها، أو أخذها باريها، العقل بمفرده لا يدرك، نعم الناس مفطورون على الفطرة، لكن إذا اجتالتهم الشياطين ضاعوا، إذا انحرفوا عن الفطرة، ولم يأتمروا بأمر سمعي، ولم يقتدوا بشرع فإن عقولهم لا تدلهم بل يبقون في الحيرة والضلال، وإذا كان ممن يدعي العلم، وممن ينتسب إلى الدين ظهرت عليه الحيرة مع أنهم من الأذكياء الكبار، وأعطوا ذكاء عظيماً، ولكن لم يعطوا ذكاء انحرفت بهم عقولهم، وتاهوا في الضلالات، والبدع، والخرافات، فجاءوا بأفعال لا يقرها عقل ولا نقل؛ لأن العقل إذا لم ينقد لزمام الشرع فإنه يضل صاحبه، الاسترسال مع العقل من غير نظر في نص، لا شك أنه متاهة ومضلة ومزلة قدم، ولذا كبار من أهل العلم أذكياء يقولون كلاماً ما يقوله ولا المجانين، يعني ما تصور أن مجنوناً يقول: سبحان ربي الأسفل، وقالها من قالها ولا يتصور أن أبله يقول: إن الأعمى في الصين يرى بقة الأندلس، يعني من أقصى المشرق إلى المغرب وهو أعمى لا يبصر يده، كل هذا بسبب البعد عن النصوص واستعمال الأقييسة والعقول في الغيبيات دون تقيد بنص، فعلى طالب العلم أن لا يتصرف إلا عن أثر أستمسك به؛ لئلا يضل كما ضلوا، ومع ذلك يكون ديدنه الهج بسؤال الله -جل وعلا- الثبات على دينه، ﴿أَمْ لَهُمْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ﴾ نعم يعبدون آلهة، لكنها إنما تعبد زوراً وبهتاناً وإن سموها آلهة فليست بآلهة، لا إله إلا الله لا إله غيره ولا رب سواه، فهو الذي خلق الخلق، وهو الذي أوجدهم، وهو الذي رزقهم، وهو الذي رباهم بنعمه، وهو المستحق
стр. 389
للعباد وحده لا شريك له ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ نعم هم أشركوا، زعموا أن معه آلهة، وأشركوا هذه الآلهة بالله -جل وعلا- صرفوا لها أنواع من العبادة، لكنهم لله -جل وعلا- يعرفون في أوقات الأزمات من يلتجئون إليه، آلهتهم يعرفون أنها لا تنفع ولا تضر في أوقات الأزمات ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ [(٦٥) سورة العنكبوت] ولذا يقول الإمام المجدد -رحمه الله تعالى- في القاعدة الرابعة: إن مشركي زماننا أعظم شركاً من الأولين؛ لأن شرك الأولين في الرخاء دون الشدة، يعني إذا أصابتهم الشدة والضراء رجعوا إلى الله -جل وعلا-، وإذا نجاهم من هذه الشدة رجعوا إلى معبوداتهم، ومشركوا زماننا شركهم دائم في الرخاء والشدة، في الرخاء والشدة، تجد الإنسان في أضيق الظروف وأحلكها، في أوقات يغلب فيها الهلاك، ويرى الناس يهلكون بين يديه، ويوطأ، ويداس ويقول: يا على، يا حسين، يا بدوي، يا جيلاني، يا فلان، يا فلان، شركهم دائم في الرخاء والشدة- نسأل الله السلامة والعافية-.
стр. 390
﴿سُبْحَانَ اللَّهِ﴾ تنزيل لله -جل وعلا- عما لا يليق به، ومن أعظم ذلك الشرك عما يشركون به من الآلهة، والشرك نقيض الأمن، والتوحيد هو السبب الحقيقي للحفاظ على الأمن ﴿الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ﴾ [(٨٢) سورة الأنعام] ﴿وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ [(٥٥) سورة النور] فالأمن مقرون بالتوحيد، وذهاب الأمن مقرون بالشرك، من أراد المحافظة على الأمن فليحرص على التوحيد، ويحمي جناب التوحيد، ويوصد جميع الأبواب الموصلة إلى ضده، هذا هو الأمن الحقيقي الموعود به في أصدق الكلام -في كلام الله -جل وعلا-، "والاستفهام بأم في مواضعها يعني -الخمسة عشر المذكورة-، يقول: للتقبيح والتوبيخ"؛ لأن كل هذه التي أستفهم عنها يذعنون لها، لا يستطيعون أن يقولون نعم نستطيع ذلك، نحن خلقنا أنفسنا، أو وجدنا من غير خالق، نحن خلقنا السموات والأرض لا يستطيعون أن يجيبوا بنعم، كل هذا توبيخ وتقبيح يعني لم يسأل الإنسان عن شيء يتفق الطرفان على أنه ليس بمقدوره، يعني لما يقال لإنسان عادي قدرته في الخمسين من الكيلوات، يحمل خمسين كيلو صخرة مرفوعة، أو في جبل زنته خمسمائة كيلو إذا أراد أن يوبخ صاحبه أو يقرعه أو ليظهر له ضعفه أنت الذي رفعت هذا الحجر، كلهم يعرفون أنه ليس هو الذي رفع هذا الحجر، وهذه الصخرة، "للتقبيح"؛ لأن هذه الأمور القبيحة التي وقعوا فيها يستحقون عليها التقريع والتوبيخ والتقبيح.
следующие страницы →