Полный текст (768 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.
стр. 386
﴿أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ﴾ [(٣٩) سورة الطور] أم له -جل وعلا- الجنس الأضعف ولكم الجنس الأقوى، البنات في الغالب هن الأضعف، والبنون هم الأقوى، وإذا كان الأمر كذلك فلتتصدوا له إذا كان معكم القوة، وناصره ضعيف تصدوا له ﴿أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ * أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُم مِّن مَّغْرَمٍ مُّثْقَلُونَ﴾ [(٣٩ - ٤٠) سورة الطور] هل تسألهم من جراء دعوتك إياهم، هل تسألهم أجرة إذا دعوت أحداً قلت: هات، تفرض عليهم أجرة فيستثقلونها ولو قلت؟ ولا شك أن ما كان من هذا النوع ثقيل، يعني لو تذهب إلى بلد فقير ثم تدعوهم وعندهم مخالفات، تدعوهم الاستجابة قليلة، وإن طلبت منهم مالاً وهم في مقابل دعوتهم فالاستجابة أقل، لكن إن بذلت لهم المال فالاستجابة أكثر؛ لأنهم منشغلون بعيشهم، فإذا كفيتهم المؤنة استجابوا لك، وإذا دعوتهم وبينت لهم، ووضحت لهم ما ينفعهم وما يضرهم في دينهم ودنياهم استجاب من كتب الله له الهداية، وأعرض من كتبت عليه الشقاوة، وإذا طلبت منهم مالاً في جراء هذا الدعوة الاستجابة نادرة وقليلة جداً ﴿فَهُم مِّن مَّغْرَمٍ مُّثْقَلُونَ﴾، تجد ما يطلب لله -جل وعلا- ثقيل، يعني من الصعب جداً على كثير من الأغنياء والأثرياء إلا من الله عليه، أن تطلب منه الزكاة نسبة اثنين ونصف بالمائة، لكن السعي تجده يبذله، والنفس منشرحة منقادة، اثنين ونصف بالمائة ولو طلبت أكثر من ذلك لبذل، ثم إذا حاز هذا المال قلت له: اثنان ونصف بالمائة زكاة تأخر تردد ﴿فَهُم مِّن مَّغْرَمٍ مُّثْقَلُونَ﴾.
стр. 387
﴿أَمْ عِندَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ﴾ [(٤١) سورة الطور] الغيب الذي لا يعلمه إلا الله -جل وعلا-، هل عندهم منه شيء كما يقول المفسر ﵀ ﴿أَمْ عِندَهُمُ الْغَيْبُ﴾؟ يعني علم الغيب، علم الشيء المغيب ﴿فَهُمْ يَكْتُبُونَ﴾ ذلك حتى يمكنهم من منازعة النبي ﵊ في البعث وأمور الآخرة التي يخبر عنها من المغيبات، يعني أخبر مثلاً عن الدجال، فهل أخبروا عن شخص أخر يأتي في زمن الدجال، أو قبله، أو بعده من المغيبات؟ لا يستطيعون، لا يستطيع عما وراء هذا الجدار، ليس عندهم شيء من علم الغيب إلا باستعانتهم بعد شركهم بالله -جل وعلا- فيمن يعينهم من الجن والشياطين، قد يعرفون ما وراء هذا الجدار، أو ما في البلد الفلاني بواسطة الشياطين التي تعينهم، لكن بذواتهم لا يستطيعون، الشياطين والجن لا يعلمون الغيب، لكن في مقدورهم حيث جعل الله تعالى فيهم هذه القدرة أنهم يتنقلون من بلد إلى بلد، من مكان إلى آخر بسرعة هائلة فيأتون بمثل هذه الأخبار، وإلا فلا يعلم الغيب الإ الله -جل وعلا-.
﴿أَمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا﴾ [(٤٢) سورة الطور] مكراً بك ليهلكوك كما تواطؤ على قتله من جمع منهم من قبائل متعددة ليتفرق دمه في القبائل، لكنهم لم يستطيعوا؛ لأن الله حافظهم وناصرهم.
﴿فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ﴾ المغلبون المهلكون فحفظه الله منهم، ثم أهلكهم ببدر وبغيرها، الذي مات ببدر، والذي مات على فراشه، وأسباب الموت متنوعة فهلكوا، وقد تربصوا بالنبي ﵊ وانتظروا وفاته وهلاكه، وخططوا لذلك من مشركي العرب، ومن اليهود أيضاً، لكنهم لم يستطيعوا ذلك؛ لأن الله -جل وعلا- تولى حفظه.
стр. 388
﴿أَمْ لَهُمْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [(٤٣) سورة الطور] ﴿أَمْ لَهُمْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ﴾ يعبد بحق، هم يعبدون غير الله -جل وعلا- هذا واقعهم، لهم آلهة، ولهم أصنام يعبدونها من دون الله، يدعون لها الربوبية ويصرفون لها حقوق الألوهية ويعبدونها، لكنها ليست بحق؛ لأنها لا تسمع، ولا تنطق، ولا تنفع، ولا تضر فكيف يصرف لها شيء من العبادة، وتترك عبادة الخالق الرازق النافع الضار المحيي المميت؟ لا شك أن هذا سفه، وقال عمرو بن العاص: لما سئل أين عقولكم حينما كنتم تعبدون التمرة، ثم إذا جعتم أكلتموها؟ فقال: قضى عليها باريها، أو أخذها باريها، العقل بمفرده لا يدرك، نعم الناس مفطورون على الفطرة، لكن إذا اجتالتهم الشياطين ضاعوا، إذا انحرفوا عن الفطرة، ولم يأتمروا بأمر سمعي، ولم يقتدوا بشرع فإن عقولهم لا تدلهم بل يبقون في الحيرة والضلال، وإذا كان ممن يدعي العلم، وممن ينتسب إلى الدين ظهرت عليه الحيرة مع أنهم من الأذكياء الكبار، وأعطوا ذكاء عظيماً، ولكن لم يعطوا ذكاء انحرفت بهم عقولهم، وتاهوا في الضلالات، والبدع، والخرافات، فجاءوا بأفعال لا يقرها عقل ولا نقل؛ لأن العقل إذا لم ينقد لزمام الشرع فإنه يضل صاحبه، الاسترسال مع العقل من غير نظر في نص، لا شك أنه متاهة ومضلة ومزلة قدم، ولذا كبار من أهل العلم أذكياء يقولون كلاماً ما يقوله ولا المجانين، يعني ما تصور أن مجنوناً يقول: سبحان ربي الأسفل، وقالها من قالها ولا يتصور أن أبله يقول: إن الأعمى في الصين يرى بقة الأندلس، يعني من أقصى المشرق إلى المغرب وهو أعمى لا يبصر يده، كل هذا بسبب البعد عن النصوص واستعمال الأقييسة والعقول في الغيبيات دون تقيد بنص، فعلى طالب العلم أن لا يتصرف إلا عن أثر أستمسك به؛ لئلا يضل كما ضلوا، ومع ذلك يكون ديدنه الهج بسؤال الله -جل وعلا- الثبات على دينه، ﴿أَمْ لَهُمْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ﴾ نعم يعبدون آلهة، لكنها إنما تعبد زوراً وبهتاناً وإن سموها آلهة فليست بآلهة، لا إله إلا الله لا إله غيره ولا رب سواه، فهو الذي خلق الخلق، وهو الذي أوجدهم، وهو الذي رزقهم، وهو الذي رباهم بنعمه، وهو المستحق
стр. 389
للعباد وحده لا شريك له ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ نعم هم أشركوا، زعموا أن معه آلهة، وأشركوا هذه الآلهة بالله -جل وعلا- صرفوا لها أنواع من العبادة، لكنهم لله -جل وعلا- يعرفون في أوقات الأزمات من يلتجئون إليه، آلهتهم يعرفون أنها لا تنفع ولا تضر في أوقات الأزمات ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ [(٦٥) سورة العنكبوت] ولذا يقول الإمام المجدد -رحمه الله تعالى- في القاعدة الرابعة: إن مشركي زماننا أعظم شركاً من الأولين؛ لأن شرك الأولين في الرخاء دون الشدة، يعني إذا أصابتهم الشدة والضراء رجعوا إلى الله -جل وعلا-، وإذا نجاهم من هذه الشدة رجعوا إلى معبوداتهم، ومشركوا زماننا شركهم دائم في الرخاء والشدة، في الرخاء والشدة، تجد الإنسان في أضيق الظروف وأحلكها، في أوقات يغلب فيها الهلاك، ويرى الناس يهلكون بين يديه، ويوطأ، ويداس ويقول: يا على، يا حسين، يا بدوي، يا جيلاني، يا فلان، يا فلان، شركهم دائم في الرخاء والشدة- نسأل الله السلامة والعافية-.
стр. 390
﴿سُبْحَانَ اللَّهِ﴾ تنزيل لله -جل وعلا- عما لا يليق به، ومن أعظم ذلك الشرك عما يشركون به من الآلهة، والشرك نقيض الأمن، والتوحيد هو السبب الحقيقي للحفاظ على الأمن ﴿الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ﴾ [(٨٢) سورة الأنعام] ﴿وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ [(٥٥) سورة النور] فالأمن مقرون بالتوحيد، وذهاب الأمن مقرون بالشرك، من أراد المحافظة على الأمن فليحرص على التوحيد، ويحمي جناب التوحيد، ويوصد جميع الأبواب الموصلة إلى ضده، هذا هو الأمن الحقيقي الموعود به في أصدق الكلام -في كلام الله -جل وعلا-، "والاستفهام بأم في مواضعها يعني -الخمسة عشر المذكورة-، يقول: للتقبيح والتوبيخ"؛ لأن كل هذه التي أستفهم عنها يذعنون لها، لا يستطيعون أن يقولون نعم نستطيع ذلك، نحن خلقنا أنفسنا، أو وجدنا من غير خالق، نحن خلقنا السموات والأرض لا يستطيعون أن يجيبوا بنعم، كل هذا توبيخ وتقبيح يعني لم يسأل الإنسان عن شيء يتفق الطرفان على أنه ليس بمقدوره، يعني لما يقال لإنسان عادي قدرته في الخمسين من الكيلوات، يحمل خمسين كيلو صخرة مرفوعة، أو في جبل زنته خمسمائة كيلو إذا أراد أن يوبخ صاحبه أو يقرعه أو ليظهر له ضعفه أنت الذي رفعت هذا الحجر، كلهم يعرفون أنه ليس هو الذي رفع هذا الحجر، وهذه الصخرة، "للتقبيح"؛ لأن هذه الأمور القبيحة التي وقعوا فيها يستحقون عليها التقريع والتوبيخ والتقبيح.
стр. 391
﴿وَإِن يَرَوْا كِسْفًا﴾ ﴿سَحَابٌ مَّرْكُومٌ﴾ [(٤٤) سورة الطور] بعضاً"، قطعه ﴿مِّنَ السَّمَاء سَاقِطًا﴾ عليهم"، ساقط عليهم ما يقولون هذا عذاب، ماذا يقولون: سحاب مرقوم متراكم، سحاب أمطار نروى بها وتروي بها أرضنا، ونعيش بسببها، ﴿وَإِن يَرَوْا كِسْفًا﴾ يعني قطعة بعضاً ﴿مِّنَ السَّمَاء سَاقِطًا﴾ عليهم كما قالوا: ﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِّنَ السَّمَاء﴾ [(١٨٧) سورة الشعراء] هذا ما أورده المفسر هنا، والآية نزلت في قوم شعيب، وقراءة التسكين ﴿كِسْفًا﴾ يعني قطعة بعض، والكسف جمع يعني قطع، يعني المفسر أورد الآية ﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِّنَ السَّمَاء﴾ وهذه في قوم شعيب، ما قالت قريش: فأسقط علينا، إنما الآية المناسبة هي ما جاء في سورة الإسراء، ﴿أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاء كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا﴾ [(٩٢) سورة الإسراء] يعني قطعاً هذا الذي طلبوه، وهي المناسبة للسياق "أي تعذيباً لهم، ﴿يَقُولُوا﴾ هذا ﴿سَحَابٌ مَّرْكُومٌ﴾ متراكم نروى به ولا يؤمنون" كما قالت عاد لما جاءتهم الريح ﴿قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا﴾ [(٢٤) سورة الأحقاف] فهل هو عارض مثل ما قال هؤلاء، مثل ما يقول هؤلاء؟ فجاءتهم الريح العقيم التي تدمر كل شيء.
стр. 392
ولا يؤمنون، متراكم نروى به ولا يؤمنون"؛ لأن من كتب الله عليه الشقاوة لا يؤمن، ومن كتب عليه الضلال لا يهتدي، ومن مسخ قلبه لا يرعوي، يعني ذكر ابن القيم ﵀ في "إغاثة اللهفان" في آخر الزمان يمضي الاثنان إلى المعصية فيمسخ أحدهم خنزيراً، فماذا عن الثاني، هل يقول: الحمد على السلامة، ويتوب، وينيب إلى الله -جل وعلا- ويرجع إليه-؟ يمضي في معصيته، نسأل الله العافية والسلامة، يا إخوان، مسخ القلوب أعظم من مسخ الأبدان، كثير من الناس يقول: إنه يفعل المعاصي، وفلان يفعل المعاصي ولا عوقب، قد يكون معاقب بأعظم العقوبات في قلبه ﴿أَوَلاَ يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَّرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لاَ يَتُوبُونَ﴾ [(١٢٦) سورة التوبة]، الإنسان يفتن ويعاقب في قلبه، فتجد الإنسان قلبه ممسوخ وظاهره الاستقامة وهو لا يدري، وما كثير من التصرفات التي ترى من بعض المسلمين، إلا لأنهم مسخت قلوبهم، تجد بعض الناس يفعل شيئاً لو كان في عقله ورشده ما فعلها، ومع ذلك هو معاقب في قلبه وهو لا يشعر، والعقوبة في القلب أعظم وأشد من عقوبة البدن.
﴿فَذَرْهُمْ﴾ [(٤٥) سورة الطور] أتركهم ﴿حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ﴾ يموتون"، حتى يأتي اليوم الموعود الذي يطلعون فيه على حقائق الأمور، ثم يطلبون الرجعى والعتبى، ومع ذلك لات ساعات مندم إذا ندموا لا يمكن أن يرجعوا، ومع ذلك لو مكنوا من الرجوع لعادوا ﴿وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ﴾ [(٢٨) سورة الأنعام].
﴿يَوْمَ لَا يُغْنِي﴾ [(٤٦) سورة الطور] يقول: "بدل من يومهم" ﴿فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ﴾، ﴿يَوْمَ لَا يُغْنِي﴾ فهي بدل من يومهم".
﴿عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ﴾، ﴿كَيْدُهُمْ﴾ الذي كادوه لك لا يغني عنهم، يعني اجتمعوا، تقوا بعضهم ببعض وأرادوا أن يكيدوك ليهليكوك، هذا كيدهم لا ينفعهم ولا يغني عنهم شيئاً.
стр. 393
﴿وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ﴾ يمنعون من العذاب في الآخرة"، يعني لا يوجد من ينتصر لهم، يعني له يستطيع الأب إذا ألقي ولده في النار -فلذت كبده- يستطيع أن ينقذه وينصره؟ لا يستطيع نصر نفسه، فضلاً عن أن ينصر غيره.
﴿وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [(٤٧) سورة الطور] بكفرهم"، والظلم يطلق ويراد به أعظمه وهو الشرك ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [(١٣) سورة لقمان]، يطلق على ما دون ذلك من المعاصي والكبائر والجرائم والصغائر كلها ظلم من الإنسان لنفسه، ويدخل في ذلك أيضاً دخولاًٍ أولياً ظلم الإنسان لغيره، وهنا يقول: ﴿وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ يعني بكفرهم ﴿عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ﴾ أي في الدنيا قبل موتهم" يعذبون، ولو ظهرت عليهم آثار النعيم هم في عذاب، ويعذبون كما عذبت قريش "بالجوع والقجط سبع سنين، وبالقتل يوم بدر" و ﴿دُونَ ذَلِكَ﴾ يعني دون العذاب الأكبر ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ﴾ [(٢١) سورة السجدة]، وهذا يشمل ما كان في الحياة، وما كان بعد الممات في القبر -في البرزخ-، ﴿دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ﴾ الذي هو عذاب جنهم، نسأل الله السلام والعافية، ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ أن العذاب ينزل بهم" يعني لا يصدقون بهذا، لا يصدقون بأن هناك بعث، وأن هناك جزاء، وأن هناك جنة ونار، ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ أن العذاب ينزل بهم".
стр. 394
﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ [(٤٨) سورة الطور] بإمهالهم، ولا يضق صدرك"، يعني كثير من المسلمين إذا رأى ما عليه المسلمون من ذلة وفقر في بعض البلاد، وشدة وحروب وقتل في بلاد المسلمين، وبلاد الكفار أشبه ما تكون بالجنات بالبساتين يضيق صدره، لكن الذي يوقن ويؤمن بوعد الله -جل وعلا- وما أعده لمن آمن به، وما أعده من كفر به الدنيا لا تزن عند الله جناح بعوضة، ويعرف أن ((الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر))، فإذا عرف حقيقة الدنيا وأنها لا تزن عند الله جناح بعوضة، ولو كانت كذلك لما سقى منها كافر شربة ماء، لكن من يدرك مثل هذا إنسان يمدون أعينهم إلى ما متع به الكفار، تراهم إذا رأوا الكافر في رغد من العيش، وفي سعة، وفي رفاهية يضيق صدره يقول: نحن المسلمون المؤمنون المطيعون الممتثلون على هذه الحالة والكفار يوسع عليهم، وصار ذلك سبب فتنة لبعض المسلمين، حتى زعم من زعم أن الدين هو الذي غل أهله، وقيدهم عن لحاق الكفار في مظاهر الدنيا، وألف في ذلك كتاباً أسماه: "هذه هي الأغلال" سمى الدين غل، وبعضهم ينبز الدين بأنهم أفيون الشعوب يعني -مخدر-، مع أنه هو دين الذي يجمع بين الدنيا والآخرة، لكن الهدف الأعظم والأسمى هو تحقيق العبودية لله -جل وعلا-، وأما بالنسبة للدنيا فهي لمجرد الاستعانة بها لتحقيق هذا الهدف، فإذا نظر الإنسان إلى هذه الدنيا بعين البصيرة ما التفت إليه، واطمأنت نفسه وارتاح قلبه، ولا يأسف على ما فات، ولا يحزن على ما مضى، فليحرص على مستقبله الحقيقي الدار الحقيقية -دار الآخرة-، وأما هذه الدنيا فليست بشيء، يقال: أن نوح ﵇ سأل لما حضرته الوفاة، قيل ما مثل هذه الدنيا؟ قال: كمثل بيت دخلت من باب وخرجت من باب، ونوح عاش كم؟ ألف سنة إلا خمسين عاماً في الدعوة، والله أعلم كم كان قبل ذلك؟ ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ أن العذاب ينزل بهم".
стр. 395
﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ بإمهالهم ولا يضق صدرك، ﴿فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ أي بمرأى منا نراك ونحفظك، بمرأى منا نراك ونحفظك" كما في قوله -جل وعلا-: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ [(٣٩) سورة طه] يعني بمرأى مني، وفيه إثبات العين لله -جل وعلا- والبصر كما يليق بجلاله وعظمته، من لازم هذه المرأى الحفظ والعناية.
﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ سبح متلبساً ﴿بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾، يعني تسبيحاً ممزوجاً بحمد، وكثيراً ما يقرن بين التسبيح والحمد "سبحان الله وبحمده"، ((من قال: سبحان الله وبحمده في يوم مائة مرة حطت عنه خطاياه، وإن كانت مثل زبد البحر)) ﴿وَسَبِّحْ﴾ تسبيحاً، نزه ربك تنزيها ممزوجاً بحمده وشكره والاعتراف بنعمه، أي قل: سبحان الله وبحمده، مثلما قلنا من قالها في اليوم مائة مرة حطت عنه خطاياه، وأما في الركوع والسجود فتقول: " سبحان ربي العظيم، سبحان ربي الأعلى"، وزيادة وبحمده هذه لفظة منكرة لا تثبت في سنن أبي داوود، أنكرها أبي داوود وحكم عليها بأنها غير محفوظة، وكذلك الإمام أحمد ﵀.
﴿وَسَبِّحْ﴾ متلبساً ﴿بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ أي قل: سبحان الله وبحمده، ﴿حِينَ تَقُومُ﴾ من منامك أو من مجلسك"، يعني إذا قمت من نومك تبادر بالذكر بذكر الله -جل وعلا- على ذلك التسبيح والتحميد والاعتراف لله -جل وعلا- بالأولهية، ولنبيه بالرسالة، المقصود أنك تكثر من الذكر لا سيما المنصوص عليه، الوارد عن النبي ﵊ "من منامك أو من مجلسك"، وفي هذا إشارة إلى كفارة المجلس ((من جلس مجلساً فكثر فيه لغطه، فليقل: سبحان اللهم وبحمدك، أشهد ألا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك)) هذه كفارة لما يحصل في المجلس إن حصل فيه ما يقتضي التكفير، وإن لم يحصل فيه فزيادة رفعة درجات وكسب للحسنات.
стр. 396
﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾ منهم من يقول: هذا أمر بالتسبيح حين القيام للصلاة بالاستفتاح ((سبحانك اللهم وبحم، د وتبارك اسمك وتعالى جدك))، وهذا الاستفتاح خطب به عمر ﵁ على المنبر كما في صحيح مسلم وهو المرجح عند الإمام أحمد، وإن كان من حيث الثبوت مرفوعاً إلى النبي ﵊ حديث أبي هريرة: ((اللهم باعد بيني وبين خطايا)) هذا أثبت منه في الصحيحين مرفوعاً إلى النبي ﵊، ﴿حِينَ تَقُومُ﴾ من منامك أو من مجلسك" أو إلى الصلاة أو إلى أي شيء يحتمله اللفظ.
﴿حِينَ تَقُومُ﴾ حين تقوم حذف المتعلق لإرادة التعميم، يعني وأنت جالس قمت وقفت تقول: سبحان الله وبحمده امتثالاً لهذه الآية، واللفظ يشمل فهو أعم من القيام، من النوم، أو من مجلس، أو إلى الصلاة، أو إلى غيره، كل ما يحتمله اللفظ يستحب فيه التسبيح الممزوج بالحمد.
﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ﴾ [(٤٩) سورة الطور] حقيقة أيضاً" أكثر من التسبيح والتنزيه والتحميد لله -جل وعلا- في آناء الليل وأطراف النهار، وعلى هذا المسلم أن يحرص على الأذكار، والذكر فيه فوائد عظيمة ذكر ابن القيم في مقدمة "الوابل الصيب" ما يناهز المائة منها، فوائد عظيمة عظيمة لو لم يكن منها إلا واحدة لكفت، والذكر لا يكلف شيئاً يعني مجرد اللسان لا تحتاج أن تتوضأ لتذكر الله، لا تحتاج إلى أن تشعل المصابيح لتذكر الله، تذكر الله على كل حال ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ﴾ [(١٩٠ - ١٩١) سورة آل عمران]، فالذكر من أعظم ما يحي الألباب التي هي القلوب، لكن ينبغي أن يكون الذكر مما يتواطأ فيه القلب مع اللسان، أما إذا كان بمجرد اللسان فهذا تترتب عليه الحسنات والأجور والحفظ الذي رتب عليه من قال كذا فله كذا، يصح عنه أنه قال فيثبت له الأجر إن شاء الله تعالى، وأما ما ينفع القلب من هذا الذكر فإنه لا يترتب إلا مع استحضاره بقلبه.
стр. 397
﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ﴾ حقيقة بلسانك، أو بصلاتك والصلاة تسمى سبحة، كما هو معروف النافلة تسمى سبحة، ﴿وَإِدْبَارَ النُّجُومِ﴾ مصدر، أي عقب غروبها سبحه أيضاً، أي عقب غروب النجوم سبحه أيضاً، أو صلّ في الأول العشاءين"، يقول: أو صلِّ في الأول من الليل فسبحه العشاءين، ومنهم من يقول: إن هذا على حث على كثرة الصلاة بين العشاءين، ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ﴾ يعني بين العشاءين، وهنا يقول: صلِّ في الأول ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ﴾ العشاءين المغرب والعشاء، وفي الثاني: ﴿وَإِدْبَارَ النُّجُومِ﴾ الفجر، وقيل: في فرق بين الفجر والصبح، وفي الثاني الفجر وقيل: الصبح"، كل النسخ هكذا، أيهما عندك، ويش معك
طالب. . . . . . . . .
الآن نريد نص الكتاب، لا لا ما نريد الحاشية، الآن ركعتي الفجر في الأول أو في الثاني، قالوا: وفي الثاني الفجر، وقيل: الصبح هكذا عندكم، نعم الثاني الفجر في مقابل العشاءين، يعني أمر بأداء الفرائض ﴿فَسَبِّحْهُ﴾ المغرب والعشاء صلي المغرب والعشاء، ﴿وَإِدْبَارَ النُّجُومِ﴾ صلاة الصبح هذه كلها فرائض، ومن يقول: إن المراد فسبحه صلي بين العشاءين، يقول: ﴿وَإِدْبَارَ النُّجُومِ﴾ صلي ركعتي الصبح وهما خير من الدنيا وما فيها، خير من الدنيا وما فيها، والنبي ﵊ كان لا يترك ركعتي الصبح -راتبة الصبح- لا سفراً ولا حضراً، وجاء التأكيد في شأنها، ونقف على هذا.
وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 398
تفسير الجلالين - سورة النجم (١)
من آية: (١ - ١٣)
الشيخ/ عبد الكريم بن عبد الله الخضير
ثم قال بعد ذلك -رحمه الله تعالى-:
"سورة النجم" في بعض النسخ: "والنجم"، كما في بعض النسخ: "والطور، والذاريات"، "مكية، ثنتان وستون آية" وفي العد الآخر مع اعتبار البسملة: ثلاث وستون آية.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿وَالنَّجْمِ﴾ [(١) سورة النجم] النجم اختلف فيه، و (أل) هذه هل هي للجنس فيراد بالنجم جميع النجوم و (أل) هذه جنسية أو للعهد فيراد به النجم المعهود عند الإطلاق وهو الثريا؟ النجم إذا أطلق ينصرف إلى النجم المعهود وهو الثريا، ولذا فسره بما عهد وعرف، ﴿وَالنَّجْمِ﴾ [(١) سورة النجم] "الثريا" ومنهم من يقول: (أل) هذه جنسية؛ لأنه لا يوجد ما يخصص الثريا، وليست لها مزية على غيرها، نعم الثريا علق بها أحكام، منها أحكام بيع التمر، حتى يغيب النجم الذي هو الثريا بحيث يأمن العاهة غالباً؛ لأنه ما دام النجم طالع، فإنه حينئذٍ لا يأمن العاهة، يعني حتى ينضج، ﴿وَالنَّجْمِ﴾ [(١) سورة النجم] قال: "الثريا" والقول الآخر: المراد به الجنس، جنس النجم المراد به جميع النجوم.
ومنهم من يقول: إن المراد بالنجم القرآن؛ لأنه نزل منجماً في بضع أو في ثلاث وعشرين سنة، فنزل منجماً، وعلى كل حال المتبادر إلى الذهن المراد به النجم المعروف، الذي هو زينة للسماء، ورجوم للشياطين، وعلامات يستدل بها المسافر.
﴿إِذَا هَوَى﴾ [(١) سورة النجم] إذا "غاب" إذا هوى: إذا غاب، ومنهم من يقول -من المفسرين-: إذا هوى: إذا نزل من السماء لرجم الشيطان المسترق للسمع.
﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ﴾ [(٢) سورة النجم] هذا جواب القسم ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾ [(١) سورة النجم] وهذا الإقسام من الله -جل وعلا- بالنجم كغيره من المخلوقات التي لله -جل وعلا- أن يقسم بها دون خلقه، الخلق لا يجوز لهم أن يقسموا بغير الله -جل وعلا- كما تقدم في الطور.
стр. 399
جواب القسم "والنجم": ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ﴾ [(٢) سورة النجم] "محمد ﵊ عن طريق الهداية"، ﴿وَمَا غَوَى﴾ [(٢) سورة النجم] "ما لابس الغي، وهو جهل من اعتقاد فاسد" ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ﴾ [(٢) سورة النجم] والمراد به: "محمد ﵊ عن طريق الهداية"، ﴿وَمَا غَوَى﴾ [(٢) سورة النجم] "ما لابس الغي، وهو جهل من اعتقاد فاسد"، ضل عن الصراط المستقيم، ضل عن طريق الهادية ﴿وَمَا غَوَى﴾ [(٢) سورة النجم] بارتكاب عمل أو اعتقاد فاسد، ما ضل نفي يستدل به من يقول: إنه كان معصوماً قبل البعثة، أنه ما ضل مطلقاً، ويستدل بقول الله -جل وعلا-: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾ [(٧) سورة الضحى] أنه قبل البعثة غير معصوم، والمسألة خلافية بين أهل العلم، أما العصمة بعد البعثة هذه محل اتفاق.
стр. 400
﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ﴾ [(٢) سورة النجم] صاحبكم: الخطاب للمسلمين وإلا للكفار؟ صاحبكم: المخاطب الجميع، يعني كل من يتأتى منه أو يصلح الخطاب له يدخل في هذا، والصحبة بالنسبة للمسلمين واضحة، لكن بالنسبة للكفار الصحبة تطلق لأدنى مناسبة، تطلق لأدنى مناسبة، يعني لو جلس مجموعة متفرقون أوزاع من الناس وواحد منهم متكئ على عمود فقال الأب لولده: ادع لي .. -خرجوا من المسجد- فقال: ادع لي صاحب العمود، أسلوب صحيح، الصحبة تطلق لأدنى مناسبة، النبي ﵊ لما قالت له عائشة: إن أبا بكر رجل أسيف، إذا قام في مقامك لا يكاد يسمع القرآن، قال: ((مروا أبا بكر فليصل بالناس)) كررت عليه فقال ﵊: ((إنكن صواحب يوسف)) يعني في إبداء خلاف ما في الباطن، عائشة ﵂ لما قالت هذا الكلام مرادها ألا يتشاءم الناس بأبيها، ألا يتشاءم الناس بأبيها؛ لأن الذي يأتي بعد أفضل الناس لا بد أن يلحظ الفرق، وإذا لحظ الفرق حصل التنقص، حصل التنقص، فالذي يأتي بعد النبي ﵊ لا شك أن الناس تتخذ منه في النفس، يعني منها موقف، وهذا ملحوظ، يعني لو أن شخصاً تولى عمل فأبدع فيه، أبدع فيه إبداع لا مزيد عليه، ثم بعد ذلك حصل له ما حصل من موت أو عزل أو شبهه، ثم عين مكانه بدله ممن هو أقل منه تجد الناس لا يرتاحون، وينظرون إلى هذا الشخص وإن كان أقرب إلى الكمال من غيره، يعني أولى الناس بهذا المنصب هو، لكنه بعد الأول تجد الناس ما يرتاحون؛ لأن أمور الدنيا كلها نسبية، كلها نسبية، يعني لو أن مدرسة فيها عشرون مدرساً، وكلهم متميزون، واحد منهم أقل مرتبة، تجد جميع المدرسة من طلاب وغيرهم يزدرون هذا المدرس، وإن كان بالنسبة لغيره من المدرسين في المدارس الأخرى يمكن يكون متميز، يمكن يكون متميز، فالنظرات نظرات البشر نسبية، فعائشة أرادت ألا يتشاءم الناس بأبيها، يقف بعد الرسول ﵊، لا شك أن النفوس تتخذ منه موقف، وإن كان هذا أمر لا بد منه، يعني أمر شرعي، ولذا يقول القائل: "لقد أتعبت من بعدك يا عمر" إما أن يتعب تعباً شديداً وإلا فلن يصل إلى ما وصلت إليه، فإذا لم يصل إلى ما وصلت إليه
стр. 401
فإن الناس لا بد أن يتخذوا منه موقف.
﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ﴾ [(٢) سورة النجم] "محمد ﵊ عن طريق الهداية"، ﴿وَمَا غَوَى﴾ [(٢) سورة النجم] "ما لابس الغي .. " ما فعل ما يحكم له من أجله بالغواية "وهو جهل من اعتقاد فاسد" ما غوى قبل النبوة، فضلاً عما بعدها.
﴿وَمَا يَنطِقُ﴾ [(٣) سورة النجم] "بما يأتيكم به" ﴿عَنِ الْهَوَى﴾ [(٣) سورة النجم] "هوى نفسه"، ﴿وَمَا يَنطِقُ﴾ [(٣) سورة النجم] "بما يأتيكم به" من الوحي سواءً كان الوحي المتلو الذي هو القرآن أو السنة، ما يأتيكم به عن الهوى هوى نفسه؛ لأن هواه تبع لما يرضي الله -جل وعلا-، فهو إنما ينطق بما يأتيه عن الله -جل وعلا-.
стр. 402
﴿إِنْ هُوَ﴾ [(٤) سورة النجم] يعني "ما" هو (إن) هذه نافية، (إلا) بدليل الاستثناء بعدها، ﴿وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ [(١٥٩) سورة النساء] إن هذه نافية، بدليل الاستثناء، يعني ما هو ﴿إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ "إليه" يعني لو نظرنا في أحاديثه ﵊: ((إنما الأعمال بالنيات)) نقول: هذه وحي؛ لأن الرسول ﵊ لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى، ومن الوحي ما هو متعبد بلفظه وبتلاوته، ولا يجوز تغييره عن لفظه، ومنه ما يجوز روايته ونقله بمعناه والأمر فيه أوسع وهو السنة، ويستدل بهذه الآية من يقول: إن النبي ﵊ لا يجتهد، لا يجتهد، إن جميع أحكامه توقيفية، فكثيراً ما يسأل عن الشيء ثم يسكت، لماذا؟ ينتظر الوحي، ينتظر الوحي، فليس له أن يجتهد؛ لأنه لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى، وكثير من أهل العلم يرون أنه يجتهد، واجتهد واجتهاده المقر من قبل الله -جل وعلا- وحي؛ لأن الشيء يكتسب الشرعية بالإقرار، يعني إذا نظرنا إلى حديث: بدأ الأذان، حديث عبد الله بن زيد رؤيا: "طاف بي وأنا نائم رجل بيده ناقوس، قلت له: أتبيع الناقوس؟ قال: ماذا تريد به؟ قال: لنعلن به في الصلاة، قال: ألا أدلك على خير منه، قال: تقول: الله أكبر، الله أكبر .. " إلى آخره، الرؤيا معروف في الشرع أنها لا يثبت بها حكم شرعي، اكتسبت الشرعية من إقرار النبي ﵊، فصارت هذه الرؤيا من الشرع بإقرار النبي ﵊، صارت من السنة؛ لأن من السنة الإقرار، والحديث ما يروى عن النبي ﵊ من قوله أو فعل أو تقرير، فإذا أقر الله -جل وعلا- اجتهاد نبيه ﵊ صار وحي بالإقرار، أما إذا عوتب في اجتهاده فإنه حينئذٍ لا يكتسب الشرعية؛ لأن النبي ﵊ قد يفعل خلاف الأولى، كما صنع في قصة أسرى بدر، عوتب على ذلك، وافقه أبا بكر وخالفهما عمر، فعوتب النبي ﵊ في ذلك، هذا يدل على أنه يجتهد؛ لأنه لو كان لا يجتهد ﵊ لما اجتهد في هذه المسألة، ولو كانت وحي لما عوتب
стр. 403
عليها، إذاً له أن يجتهد، والمسألة خلافية بين أهل العلم.
﴿وَمَا يَنطِقُ﴾ [(٣) سورة النجم] "بما يأتيكم به" ﴿عَنِ الْهَوَى﴾ [(٣) سورة النجم] "هوى نفسه" وقد يقول قائل: إن هذه الآية لا تمنع الاجتهاد إنما تمنع ما يتكلم به وما يحكم به من تلقاء نفسه مما هو تبعاً لهواه، إنما النبي ﵊ لا يحكم بالهوى، وإذا عرفنا أنه معصوم من ذلك قلنا: إن جميع ما يحكم به هو من عند الله -جل وعلا-، سواءً كان بالوحي المنطوق الذي هو القرآن، أو الذي يوحى به إليه من غير القرآن.
﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾ [(٥) سورة النجم] علمه إياه شديد القوى، من الذي علم النبي ﵊ القرآن؟ شديد القوى، علمه إياه ملك شديد القوى وهو جبريل ﵇، من الذي علمه جبريل؟ الله -جل وعلا-، الله -جل وعلا- تكلم به لجبريل، وجبريل نقله إلى النبي ﵊، علمه إياه ملك شديد القوى، وجبريل ﵇ في جناح واحد رفع قرى قوم لوط إلى قريب من السماء حتى سمع الملائكة صياح ديكتهم.
يقول: بعضهم يستدل على جواز سماع الجرس بحديث عائشة في الوحي: ((يأتيه مثل صلصلة الجرس))؟
стр. 404
أورد العلماء هذا الإشكال، وقالوا: إن الوحي محمود والجرس مذموم فكيف يشبه المحمود بالمذموم؟ وأجابوا عن ذلك: بأن الجرس له أكثر من جهة، ولا يلزم مطابقة المشبه للمشبه به من كل وجه، الجرس له صوت متدارك متتابع، وله طنين مطرب، فمن حيث تتابعه وتداركه يشبه به الوحي، ومن حيث طنينه وإطرابه يمنع، والتشبيه لا يقتضي من كل وجه كما في أول زمرة تدخل الجنة على صورة البدر، صورة القمر ليلة البدر هل هذا التشبيه مطابق؟ البدر له عينان وله فم وله أنف وله .. ؟ لا، ليس له شيء، فالتشبيه من وجه دون وجه، ومثل هذا قلنا في تشبيه السجود على اليدين ببروك البعير، يعني أنه مشبه له من وجه دون وجه، فهو من حيث النزول بقوة بحيث يثير الغبار، ويفرق الحصا يشبه بروك البعير، وأما مجرد تقديم اليدين ليس فيه شبه من وجه آخر من الوجه المحذور؛ لأن المحذور في الصلاة أن ينزل الإنسان بقوة، يعني لو نزل على ركبتيه بقوة؛ لأن بعض الناس ينزل على ركبتيه، يقول: أنا متبع، ولا أبرك بروك البعير، أنا أنزل على ركبتي، فتجد بعض الناس يتخلخل البلاط من ركبتيه، نقول: أنت نزلت نزول الحمار، أشد من البعير؛ لأن المحظور في المسألة النزول بقوة، الصلاة بطمأنينة ورفق، فمجرد وضع اليدين على الأرض هذا ليس هو بروك البعير، كما أن وضع الركبتين مجرد وضع على الأرض ليس بروك الحمار، وفي الحديث الصحيح في البخاري وغيره: "فبرك عمر بين يدي النبي ﵊ على ركبتيه" هل نقول: إن البروك هذا بروك بعير؟ نعم مشبه لبروك البعير لأنه نزل بقوة، لكن هذا ليس في الصلاة؛ لشدة الأمر الذي يريد أن يعرضه على النبي ﵊، فلا شك أنه التشبيه لا يقتضي المشابهة من كل وجه.
стр. 405
﴿عَلَّمَهُ﴾ [(٥) سورة النجم] إياه ملك ﴿شَدِيدُ الْقُوَى﴾، ﴿ذُو مِرَّةٍ﴾ [(٦) سورة النجم] ذو مرة: "قوة وشدة" وهذا من باب التأكيد، شديد القوى ذو مرة أي: "قوة وشدة"، والوصف قد يتعدد باعتبار تعدد اللفظ، وإن كان المعنى واحد، ويؤتى به حينئذٍ للتأكيد، والصدقة لا تحل لغني ولا لذي مرة سوي، يعني قوة وشدة يستطيع أن يكتسب سوي ليس فيه عاهة تمنعه من التكسب، قوة وشدة ومن المفسرين من يقول: إن معنى المرة هنا الطول والجمال وحسن الهيئة، ولا تنافي بين هذا وهذا، قال: "أو منظر حسن والمراد جبريل ﵇"، علمه النبي ﵊، وقد تلقاه عن الله -جل وعلا-، ﴿فَاسْتَوَى﴾ [(٦) سورة النجم] "استقر"، ﴿وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى﴾ [(٧) سورة النجم] " أفق الشمس عند مطلعها على صورته التي خلق عليها، فرآه النبي ﷺ وكان بحراء قد سد الأفق إلى المغرب، فخر مغشياً عليه، وكان قد سأله أن يريه نفسه على صورته التي خلق عليها، فوعده بحراء، فنزل جبريل له في صورة الآدميين".
جبريل: خلق عظيم من خلق الله -جل وعلا-، شديد القوى له ستمائة جناح، الواحد منها يسد الأفق، وبجناح منها رفع قرى قوم لوط، طلب منه النبي ﵊ أن يراه على خلقته، فاتفق معه على أن يخرج إلى حراء، ولذا يقول: ﴿فَاسْتَوَى﴾ [(٦) سورة النجم] أي "استقر"، ﴿وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى﴾ [(٧) سورة النجم] "أفق الشمس" استوى جبريل، وهو أي جبريل بالأفق الأعلى؛ لأن هناك تفسير يختاره الطبري لم يسبق إليه قال: "فاستوى جبريل وهو -يعني والنبي ﵊ استويا في الأفق الأعلى"، لكنه لم يوافق على هذا التفسير، والعطف على ضمير الرفع المتصل لا يجوز عند أهل العربية، أورد له شواهد، لكنه لا يجوز إلا في ضرورة الشعر.
وإن على ضمير رفع متصل ... عطفت فافصل بالضمير المنفصل
أو فاصل ما وبلا فصل يرد ... في النظم فاشياً وضعفه اعتقد
أما في النثر لا يجوز، وهذا مما يضعف قول ابن جرير ﵀.
стр. 406
﴿فَاسْتَوَى﴾ [(٦) سورة النجم] جبريل يعني: "استقر"، ﴿وَهُوَ﴾ [(٧) سورة النجم] يعني: جبريل ﴿بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى﴾ "أفق الشمس" أي عند مطلعها على صورته التي خلق عليها، ستمائة جناح، سد الأفق بين المشرق والمغرب، التي خلق عليها فرآه النبي ﵊، قالوا: إنه لم يره أحد على هذه الصورة إلا النبي ﵊ رآه مرتين كما سيأتي، هذه التي طلبها قال: "فرآه النبي ﷺ وكان بحراء قد سد الأفق إلى المغرب فخر مغشياً عليه"، يعني أمر مهول، أمر عظيم، مغشي عليه، يعني أمر لا يمكن أن يثبت له مخلوق خلق بقدرته العادية، يعني الواحد من الناس لو يقابله فرس له ثلاثة رؤوس يمكن يغمى عليه، بعض الناس يمكن يغمى عليه، نعم لو يقابله وحش يمكن يغمى عليه، لو يقابله أدنى ما يقابله التركيب البشري ضعيف في الجملة، النبي ﵊ لما رأى هذا الخلق العظيم يقول: "فخر مغشياً عليه"، ولعل هذا من تعظيم الخالق لا من تعظيم المخلوق، استحضار عظمة المخلوق إنما هي استحضار لعظمة الخالق، وهذا هو اللائق به ﵊، إن صح الخبر أنه خر مغشياً عليه، وإلا فالقرآن ينزل عليه وهو ثقيل، ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ [(٥) سورة المزمل] ومع ذلك يثبت له ﵊، مع أنه أعظم من يستشعر عظمة القرآن، يعني ثقل الوارد مع قوة المورود فيه تكافؤ لكن بعد ذلك .. ، يعني الصحابة على طريقته ﵊ ما حصل لهم شيء لما سمعوا القرآن، جاء الجيل الذي بعدهم واستشعروا قوة الوارد من التابعين ﵏، استشعروا قوة الوارد مع ضعف المورود، يعني النفوس بدأت تضعف، فصار يسمع أن فلاناً أغمي عليه، وفلان غشي عليه، وفلان صعق، وفلان مات، بعض الناس ينكر، يقول: لو كان هذا شيء فيه خير لكان أسبق الناس إليه النبي ﵊، وما حصل له شيء من ذلك، يعني فيه تكافؤ بين قلبه ﵊ وما فيه، وما ركب فيه من قوة مع قوة الوارد، فلا يحصل أيضاً صحابته فيهم هذه القوة، لكن من دونهم من يستشعر قوة الوارد ﴿لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ
стр. 407
لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا﴾ [(٢١) سورة الحشر] الذي يستشعر هذا لا بد أن يحصل له شيء، مع ضعف المورود، يحصل هذا الغشي وهذا الإماء وهذا أمر معروف، يعني لا يكاد ينكر، يعني قيل لمحمد بن سيرين: إن بعض الناس يصعق ويغمى عليه إذا قرئ عليه القرآن، قال: اجعلوه فوق جدار إن سقط فهو صادق، يعني وإلا فهو تمثيل، لكن هذا كثير في التابعين، يعني ننظر إلى التدرج، قد يقول قائل: الواحد منا ونحن أضعف من التابعين بكثير ما يحصل لنا شيء، لماذا؟ لأننا لا نستحضر قوة الوارد، قلوب ما فيه، أقسى من الحجارة، ما نستشعر شيء مما نسمع، ولو كنا نستشعر عظمة الوارد ما صارت حالنا هذه، عمر يسمع الآية ثم يجلس عشرين يوم يعاد مريض، هل يحصل هذا لأحد من المخلوقين اليوم؟ ما يحصل، يعني المسألة تدريجية قوة وارد مع قوة مورود ما يحصل شيء تكافؤ، يحصل استشعار وعظمة ومبادرة لامتثال، وتأثر وبكاء، وله أزيز كأزيز المرجل، صدره ﵊ وصحابته كذلك، ثم جاء بعدهم التابعون يستشعرون هذه القوة ويبكون، لكن القلب ضعف صار ما يتحمل، ما يتحمل، يعني مَن مِن الناس اليوم يصاب بمصيبة يحزن قلبه، وتذرف عينه الدمع، تدمع عينه، ومع ذلك لا يعترض على القدر بأي وجه من الوجوه، يعني لا يلتفت إلى هذا المصاب، يعني مضايق مضايق أنظار لا تستطيع التوفيق بينها، يعني إذا كنت صادق في فعلك، أما الكاذب الذي يمثل يستطيع أن يتلون بما شاء، يستطيع أن تدمع عينه وقلبه يضحك، أمر مفروغ منه.
стр. 408
الفضيل بن عياض ﵀ لم يستطع أن يوفق، فلما مات ولده ضحك بين الناس ليبرهن ويأطر نفسه على تمام الرضا بالقدر، ومع ذلك لم يستطع أن يقف في هذا الموقف موقف النبوة، والناس لا شك أنهم يتفاوتون، وكثر في التابعين من يتأثر بالقرآن ويصعق، وزرارة بن أوفى سمع الإمام يقرأ فإذا نقر في الناقور خر مغشياً عليه ومات، وبعض الناس لا يدخل مزاجه مثل هذا الكلام، فتجده ينكره لأنه ما يجد في قلبه شيء، أدنى إحساس من هذا الأمر، شيخ الإسلام يثبت مثل هذا، وهو من أبعد الناس عن الخرافات، قد يقول قائل: إن هذا يكثر في العباد يكثر في كذا، لا يكثر في العلماء، نقول: المسألة مسألة توفيق، يعني من استشعر هذه العظمة لا بد أن يحصل منها، والعلماء هم أهل الخشية، هم أهل الخشية، ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء﴾ [(٢٨) سورة فاطر].
"فنزل جبريل له في صورة الآدميين" ﴿ثُمَّ دَنَا﴾ [(٨) سورة النجم] "قرب منه"، دنا جبريل عند أكثر المفسرين، ﴿فَتَدَلَّى﴾ "زاد في القرب" إلى النبي ﵊ ﴿فَكَانَ﴾ [(٩) سورة النجم] "منه" فكان جبريل منه ﵊ ﴿قَابَ﴾ قدر ﴿قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ القوس معروف الذي ترمى به السهام، القوس الذي فيه الوتر، ومن خلاله ينطلق السهم إلى الرمية، "قاب" يعني: قدر قوسين، العرب تقيس بالقوس، تقيس بالرمح، إذا ارتفعت الشمس قد رمح، تقيس بالباع، وبالذراع، وبالشبر، وبالفتر، عندها أقيسة، هذه وإن كانت فيها شيء من التفاوت إلا أنها معمول بها عندهم، فشبر زيد ليس كشبر عمر، لكن هذا الشبر إنما يتفق عليه بعد الرؤية، ما يقول شخص غائب: أبيع عليك بشبري عشرة أشبار بكذا؛ لأنه ما يدرى كم شبره؟ لكن إذا نظرت إلى شبره وأنه كبير أو صغير إما توافق وإلا تخالف، المقصود أن هذه مقاييس عند العرب، ﴿قَابَ قَوْسَيْنِ﴾ [(٩) سورة النجم] يعني: قدر قوسين ﴿أَوْ أَدْنَى﴾ "من ذلك حتى أفاق وسكن روعه".
стр. 409
في القصة الأولى التي رأى النبي ﵊ جبريل على صورته فخر مغشياً عليه، فنزل جبريل له في صورة الآدميين ليسكن روعه، ليسكن روعه؛ لأنه في صورته العادية، وكثيراً ما يأتي جبريل بصورة دحية الكلبي، ﴿ثُمَّ دَنَا﴾ [(٨) سورة النجم] "قرب منه"، ﴿فَتَدَلَّى﴾ "زاد في القرب" ﴿فَكَانَ﴾ [(٩) سورة النجم] "منه" ﴿قَابَ﴾ قدر ﴿قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ "من ذلك حتى أفاق وسكن روعه" لأن القرب لا شك أنه أقرب إلى الهدوء من الكلام الذي يسمع من بعد، أو الشبح الذي يرى من بعد.
﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ [(١٠) سورة النجم]، ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى * فَكَانَ﴾ [(٩ - ١٠) سورة النجم] الضمير عند أكثر المفسرين يعود إلى جبريل، ومنهم من يقول: الضمير يعود إلى الله -جل وعلا-، ﴿ثُمَّ دَنَا﴾ [(٨) سورة النجم] "قرب"، ﴿فَتَدَلَّى﴾ "زاد في القرب" وهذا لا يمتنع في حقه -جل وعلا- باعتبار أن حديث النزول .. ، يعني هذا فهم، قد يقول: هذا فهم واحتمال من الآية فلا دلالة فيه، لكن حديث النزول يدل على النزول دلالة قطعية، يعني الحديث متواتر: ((ينزل ربنا)) ولا ينكره إلا المبتدعة، و ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى * فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ [(١٠) سورة النجم] مقتضى قولنا: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى * فَكَانَ﴾ [(٨ - ٩) سورة النجم] أن الضمير يعود إلى جبريل أن أوحى أيضاً يعود إلى جبريل؛ لتكون الضمائر متناسقة، فأوحى جبريل إلى عبده إلى عبد الله ورسوله محمد ﵊ لكن ضمير عبده يحتاج إلى عائد وهو الله -جل وعلا- ولا ذكر له، فهذا يقتضي أن الضمائر كلها في نسق واحد، وهذا يرجح قول من يقول: ثم دنا: يعني الرب -جل وعلا-، وتعالى عن مشابهة المخلوقين، تعالى الله عما يقول المشبهة علواً كبيراً قرب فتدلى زاد في القرب، فكان منه من النبي ﵊ قاب قدر قوسين أو أدنى من ذلك حتى أفاق وسكن روعه.
стр. 410
﴿فَأَوْحَى﴾ [(١٠) سورة النجم] الرب -جل وعلا- ﴿إِلَى عَبْدِهِ﴾ جبريل ﴿مَا أَوْحَى﴾ "جبريل إلى النبي ﵊ ولم يذكر الموحى تفخيماً لشأنه" يعني صرفت الضمائر بعضها عن بعض، يعني ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى * فَكَانَ﴾ [(٨ - ٩) سورة النجم] هذه لجبريل، ﴿فَأَوْحَى﴾ [(١٠) سورة النجم] من الذي أوحى؟ عند المفسر الله -جل وعلا-، ﴿إِلَى عَبْدِهِ﴾ جبريل، ﴿مَا أَوْحَى﴾ "جبريل إلى النبي ﷺ ولم يذكر الموحى تفخيماً لشأنه".
نعم قد يعود الضمير على غير مذكور، نعم قد يعود الضمير على غير مذكور للعلم به، ﴿حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ [(٣٢) سورة ص] الشمس ما مر لها ذكر لكن للعلم به، ﴿فَأَوْحَى﴾ [(١٠) سورة النجم] الموحي هو الله -جل وعلا- ولو لم يسبق له ذكر في الضمائر السابقة للعلم به، وأنه هو الذي يوحي، وهو الذي يبدأ بالوحي، ﴿فَأَوْحَى﴾ [(١٠) سورة النجم] تعالى ﴿إِلَى عَبْدِهِ﴾ جبريل ﴿مَا أَوْحَى﴾ "جبريل إلى النبي ﵊ ولم يذكر الموحى تفخيماً لشأنه" ما ذكره يعني ما ذكر الشيء الذي أوحاه إلى جبريل، وأوحاه جبريل إلى النبي ﵊، الله -جل وعلا- على عرشه بائن من خلقه، جبريل هو الذي دنا فتدنى فكان قاب قوسين أو أدنى ﴿فَأَوْحَى﴾ [(١٠) سورة النجم] الله ﴿إِلَى عَبْدِهِ﴾ جبريل ﴿مَا أَوْحَى﴾ "جبريل إلى النبي ﵊ ولم يذكر الموحى تفخيماً لشأنه" أو لعدم العلم به، ما نقل، ما نقل، وعلينا أن نؤمن بأن الله -جل وعلا- أوحى في هذا الظرف ما أوحاه إلى عبده وما تلقاه النبي ﵊ عن ربه بواسطة جبريل، علينا الإيمان وإن لم نعرف التفصيل، ومنهم من ذكر أشياء أن مما أوحاه الله إلى عبده: إن الله حرم الجنة على الأنبياء حتى تدخلها، وحرم الجنة على الأمم حتى تدخلها أمتك إلى غير ذلك مما قالوه لكن لا يدل عليه دليل.
стр. 411
﴿مَا كَذَبَ﴾ [(١١) سورة النجم] وما كذّب، "بالتخفيف والتشديد، أنكر" ﴿الْفُؤَادُ﴾ [(١١) سورة النجم] ما كذب، يعني ما أنكر الفؤاد "فؤاد النبي ﷺ " ﴿مَا رَأَى﴾ "ببصره من صورة جبريل"، ما كذب الفؤاد ما رآه، والمراد بالفؤاد القلب، قلب النبي ﵊ ما أنكر الشيء الذي رآه؛ لأن الإنسان قد يرى شيء يهوله فيقول: أبداً هذا ليس بحقيقة؛ لأن الناس أعداء لما يجهلون، أعداء لما يجهلون، فتجد الشيء أمامك بين عينيك، تراه وتبصره ينكره قلبك؛ لأن هذا شيء ما اعتدته، وإذا كان الناس ينكرون بعض المخترعات، الساعة أول ما صنعت ألف فيها هل هي سحر أو صناعة؟ ثم بعد ذلك أخذ الناس عليها فعرفوا أنها صناعة، ولا يعني هذا أن المسألة مختلطة لا يفرق بين التخييل وبين السحر الذي له حقيقة وبين الأمور التي يفعلها البشر إما خوارق وإما كرامات وإما معجزات بالنسبة للأنبياء، أو خفة بالنسبة لبعض المحترفين، لكن مع ذلك إذا خرج عن مقدور البشر وطاقة البشر يجب أن يتثبت فيه؛ لئلا يختلط الحق بالباطل، وينظر إلى هذا الفاعل، وتقاس أفعاله بالشرع، فإن كان مقتفياً مقتدياً فلا شك أن مثل هذه الأمور تكون كرامات يجريها الله على يديه وإلا فهي خوارق شيطانية يجريها الشياطين على يديه، وكتاب الفرقان لشيخ الإسلام وضح مثل هذه الأمور.
стр. 412
المقصود أن الإنسان إذا رأى شيئاً أول ما يراه ينكره فؤاده وينفر منه، النبي ﵊ ما أنكر ذلك فؤاده، ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ [(١١) سورة النجم] ما كذّب الفؤاد، ما قال: يا جبريل هذا شيء ليس بمعقول، ونجد من يقول إذا سمع صبر العلماء على شدائد تحصيل العلم والعمل به قال: هذا ليس بمعقول، هذا لا يمكن، والإمام أحمد يصلي في اليوم والليلة ثلاثمائة ركعة، يقول: هذا ليس بصحيح، ليس بمعقول، لماذا؟ لأنه ما اعتاد هذا الأمر، نعم لو زاد الأمر كما ذكر ابن المطهر في منهاج الكرامة الرافضي المعروف، ذكر أن علي بن أبي طالب يصلي في اليوم والليلة ألف ركعة، قال شيخ الإسلام: الوقت لا يستوعب، يعني لو افترض كل ركعة بدقيقة الوقت ما يستوعب، والذي يقول: الوقت لا يستوعب فما هو بمعقول ثلاثمائة ركعة لأنه ما جرب، ما جرب، ولا تعرف على الله في أيام الرخاء، ليستغل أيام المضاعفات والشدة، في ما ينفعه وما يقربه إلى الله -جل وعلا-.
النبي ﵊ ما كذبه فؤاده ولا أنكر ما رأى، ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ﴾ [(١١) سورة النجم] فؤاد النبي ﵊ ﴿مَا رَأَى﴾ "ببصره من صورة جبريل" يعني هذا الأمر المهول، ﴿أَفَتُمَارُونَهُ﴾ [(١٢) سورة النجم] "تجادلونه وتغلبونه" المماراة هي المجادلة ومن ذلك: ((من طلب العلم ليماري به العلماء)) ليماري يعني: يجادل به، هذا على خطر عظيم، جاء الوعيد في حقه، ﴿أَفَتُمَارُونَهُ﴾ [(١٢) سورة النجم] وفي قراءة: "أفتُمرونه" وفي قراءة: "أفتَمرونه" يعني تجحدونه، والمماراة: هي المجادلة، تجادلونه وتغلبونه، والمجادلة في الغالب إنما تكون ممن يريد التثبت أو من جاحد، يريد أن يغلب من جاء بهذا المجحود بالحجة.
стр. 413
﴿أَفَتُمَارُونَهُ﴾ [(١٢) سورة النجم] "تجادلونه وتغلبونه" ﴿عَلَى مَا يَرَى﴾ [(١٢) سورة النجم] "خطاب للمشركين المنكرين رؤية النبي ﷺ لجبريل" ﴿أَفَتُمَارُونَهُ﴾ [(١٢) سورة النجم] "تجادلونه وتغلبونه" ﴿عَلَى مَا يَرَى﴾ [(١٢) سورة النجم] "خطاب للمشركين المنكرين رؤية النبي ﷺ لجبريل، أنكروا الإسراء وقالوا: إلى بيت المقدس يحتاج إلى شهر ورجوع يحتاج إلى شهر، هذا مجرد مشي على الأرض فكيف بالعروج إلى السماء؟ فأنكروا ذلك، فأنزل الله -جل وعلا- فيهم ما أنزل، وصدقه أبو بكر، وبذلك سمي الصديق.
﴿وَلَقَدْ رَآهُ﴾ [(١٣) سورة النجم] على صورته ﴿نَزْلَةً﴾ مرة ﴿أُخْرَى﴾ ﴿عِندَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى﴾ [(١٤) سورة النجم]، ونقف على هذا، والله أعلم.
وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 414
تفسير الجلالين - سورة النجم (٢)
من آية: (١٣ - ٣٢)
الشيخ/ عبد الكريم بن عبد الله الخضير
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
هذا يقول: ما موقف المسلم من الإسرائيليات؟ وهل صحيح أن من وضع الإسرائيليات هو كعب الأحبار؟ وهل هو ممن كان يدس في الإسلام؟
стр. 415
أولاً: الإسرائيليات ما يروى عن بني إسرائيل من اليهود والنصارى، مما جاء فيه قوله ﵊: ((حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج)) وعند البزار: ((فإن فيهم الأعاجيب)) والحديث عن بني إسرائيل لا حرج فيه إذا لم يرد شرعنا بخلافه، ولم يكن مناقضاً ومخالفاً لما جاء في شرعنا؛ لأن ما يذكر عن بني إسرائيل إما أن يوافق ما عندنا فهذا يذكر والعبرة بما جاء في شرعنا، أو يكون مخالفاً لما جاء في شرعنا فمثل هذا لا يذكر إلا من أجل التنبيه عليه، أو يكون لا موافقة ولا مخالفة، ليس في شرعنا ما يشهد له وليس فيه أيضاً ما يعارضه ويناقضه فهذا هو الذي فيه الكلام، وفيه ((حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج)) شريطة ألا ينشغل المسلم بهذه الإسرائيليات عما هو أهم منها، ونجد كثيراً من المفسرين أكثروا واستطردوا من ذكر الإسرائيليات في تفاسيرهم، لا مانع أن يذكر منها شيء يسير للعبرة والاتعاظ؛ لأن فيها شيء من الأعاجيب، وفيها شيء من الاعتبار والادكار، لا مانع من ذلك، لكن يستطرد فيها، ويستوعب ما جاء في ذلك، بحيث يكون على حساب فهم القرآن الفهم الصحيح، ويكون على حساب ما نقل عن النبي ﵊ وعن صحابته الكرام، وعن التابعين لهم بإحسان في معنى الآيات، أقول: لا مانع أن يذكر منها الشيء الذي لا يرده نقل ولا عقل، ومع الأسف أن بعض المفسرين حشا تفسيره بكثير من الإسرائيليات التي تردها العقول الصحيحة الصريحة، فضلاً عن النقول الصحيحة، وبعض المفسرين اشترط ألا يذكر شيئاً من الإسرائيليات كالقرطبي ومع ذلكم ذكر؛ لأن بعض القصص تفرض نفسها، تتابع المفسرون على نقلها، ثم بعد ذلك يجد الإنسان نفسه ملزم، هذا إذا لم يكن حازم عند تطبيق شرطه ينساق وراء ما ذكره أهل العلم في هذا المجال، المقصود أن الإسرائيليات لا مانع من التحديث بها إذا لم تكن مخالفة ومناقضة لما جاء في شرعنا، ولا تكون على حساب الصحيح من التفسير المرفوع إلى النبي ﵊ أو إلى الصحابة والتابعين لهم بإحسان، الذين هم سلف هذه الأمة وأئمتها.
يقول: وهل صحيح أن من وضع الإسرائيليات هو كعب الأحبار؟
стр. 416
هذا ليس بصحيح، إنما كعب ناقل، وليس بواضع ولا كذاب، يعني أحياناً قد يخطئ وينقل ما لا يثبت، والخطأ في لغة قريش يسمونه كذب، فهو كذب من هذه الحيثية باعتبار أنه أخطأ في نقل ما لم يثبت، وإلا فليس هو من الكذابين الوضاعين.
قال: وهل هو ممن كان يدس في الإسلام؟
لا، ليس من هذا النوع، وإن جاء فيما ينقل عنه ما لا يثبت، والله أعلم.
يقول: هل صلاة الإحرام تكون قبله أم بعده؟
أولاً: النزاع في مسألة صلاة الإحرام معروف بين أهل العلم، والنبي ﵊ عقد الإحرام بعد الصلاة، بعد الصلاة عقد الإحرام، لكنها صلاة فريضة، بهذا يستدل من يقول: إن الإحرام إنما يكون بعد صلاة، فإن كانت فريضة فبها ونعمت، وإن لم تكن فريضة فيصلى ركعتين، ويشهد لهذا ما جاء في الحديث من قوله: ((صل في هذا الوادي المبارك، وقل)) فرتب القول والدخول في الإحرام على الصلاة، يعني بعد الصلاة، وهذه حجة قوية لمن يقول بركعتي الإحرام قبله، ومنهم من يقول: إنه إنما صلاها بعد الفريضة، ولم تكن هناك سنة للإحرام ثابتة مستقلة، وعلى كل حال إذا صلى قبل الإحرام سواءً كانت فريضة أو نافلة فقد أحسن، ومن ترك فلا شيء عليه.
يقول: بعض الناس تجده قد يلزم نفسه بالاستغفار أو التسبيح في اليوم عشرة آلاف مرة يقل أو يزيد، كل على حسب حاله، وكل ذلك من باب تعويد النفس وتربيتها على مداومة ذكر الله تعالى، في كل وقت وحين هل يدخل في باب البدعة وتخصيص ما لم يخصصه النبي ﵊، أفيدونا؟
نعم، جاء عن أبي هريرة أنه كان يسبح في كل يوم اثنتي عشر ألف تسبيحة بقدر الدية من الدراهم، ويرى أنها فكاك نفسه، هذا إن صح عنه.
وعلى كل حال التحديد بعدد معين لم يرد به نص هذا لا شك أنه داخل في حيز الابتداع، لكن على الإنسان أن يكون لسانه رطباً بذكر الله من دون عدد، من دون عدد معين، ولا وقت محدد، إلا ما جاء التحديد به من قبل الشرع.
يقول: كَثُر في الآونة الأخيرة ضرب الدف مع النشيد للرجال فما حكم ذلك؟ وهل من كلمة؟
стр. 417
أولاً: الدف ما جاء إلا في العرس، جاء في العرس فقط، وهو خاص بالنساء، وليس من شأن الرجال، وليس من شأن الرجال، وهو خلاف الأصل فيقتصر فيه على مورد النص، وعلى الرجل -الذي يعتبر نفسه رجلاً- أن يربأ بنفسه عن مثل هذه التفاهات.
يقول: في درس اللامية بالمدينة.
أولاً: درس اللامية أظن في جدة ليس في المدينة.
أنه ذكر عند الشيخ ابن باز ﵀ ابن حزم فنهى عن الترحم عليه، نريد أن نفهم هل حصل لنا خلط من الفهم منكم؟
نعم في موقف من المواقف ذكر عن ابن حزم كلام قبيح شنيع، فكأن الشيخ ما ارتاح إلى الترحم عليه، بل قال فيه كلاماً شديداً، ولا شك أن ابن حزم في مسائل الاعتقاد عنده خلل كبير، خلل كبير في مجال الاعتقاد، وعنده أيضاً في باب الفروع العملية، عنده أيضاً عدم القول بالقياس واتباع الظاهر، هذا أيضاً خلل في مسألة التفقه، والذي يضر به أكثر هو مخالفاته العقدية، مخالفاته العقدية، ومن أقواله قوله القبيح في القرآن وإنه ليس عندنا قرآن واحد ولا اثنين ولا ثلاثة عندنا أربعة قرآنات، فهذا نسأل الله العافية ضلال كبير هذا، هذا لم يسبق إليه، وعلى كل حال عنده مخالفات، لكن عامة أهل العلم على أنه من .. ، هذه البدع لا تخرجه عن دائرة الإسلام، بل بعضهم يحسن الظن به كثيراً، ويرى عنده من تعظيم النصوص ما لا يوجد نظيره أو قريب منه عند كثير من أهل العلم.
قال: هل يثبت لله صفة الظل؟
جاء في الحديث: ((سبعة يظلهم الله في ظله)) يظلهم الله في ظله، والحديث ثابت بلا إشكال، فتثبت هذه الصفة لله -جل وعلا-، وصفة الشخص جاء أيضاً: ((لا شخص أغير من الله)).
ما حكم لبس الكعب للنساء؟
стр. 418
كغيره مما يتزين به، فإن كانت المرأة تتزين به للرجال الأجانب فهذا لا يجوز، ولا يجوز إبداؤه، ولا إخراج .. ، إبداء الزينة لغير الزوج، وإن كان لزوجها فلا مانع، كغيره مما يتزين به النساء؛ لأن مسألة التشبه كانت في أول الأمر يعني لما ورد الأمر من الكفار، أول من اقتدى بهم ونظر إليهم تشبه، لكن الناس اليوم بعد أن تواطئوا وتوارثوا هذه الأمور فإنها انتفت صفة التشبه عنها، يبقى مسألة أنها خلاف للخلقة التي خلق الله الناس عليها والفطرة، وجاء في صحيح مسلم ما يدل على أن هذا الصنيع لبس الكعب بالنسبة للنساء إنما هو .. ، إنما ابتدأه امرأة بغي من اليهود من بني إسرائيل، يعني رأت أن الرجال لا ينظرون إليها فصنعت هذا الكعب.
يقول: ما حكم صلاة المغرب للمفرد سراً؟
الأصل أن المنفرد صلاته سر، والجهر إنما هو للمأموم، للإمام ليسمع المأموم، وانتفت هذه العلة فتعود المسألة إلى السر، مع أنه لو كان صوته بين السر والجهر لكان أفضل، ﴿وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا﴾ [(١١٠) سورة الإسراء].
يقول: حديث أو أثر عن عمر بن الخطاب في استحباب العمرة في رجب؟
هو الخبر عن ابن عمر في الصحيح في البخاري أنه أثبت أن النبي ﵊ اعتمر في رجب، في صحيح البخاري، وردت عليه عائشة ﵂، وقالت: "يرحم الله أبا عبد الرحمن، ما اعتمر النبي ﵊ في رجب، ولا اعتمر النبي ﵊ إلا وابن عمر معه" يعني شهد العمر الأربع مع النبي ﵊ وليس منها واحدة في رجب.
يقول: لو كان ولد الولد في منزلة عالية في الجنة فبرحمة الله يرفع إليه أبوه فهل إذا كان أبي - يريد جده - أقل كذلك يلحق بمنزلة الأب للابن الأول؟
على كل حال الجد أب، في النصوص الجد أب، والآية التي يستدل بها أهل العلم على أن الأب من الذرية والمراد به أب بعيد فهو جد، ﴿أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ [(٤١) سورة يس] أجداد قدامى.
يقول: أقصد هل يلحق الجد بابن الابن والعكس؟
هذا الظاهر، وهو الذي تدل عليه الآية، التي يستدل بها أهل العلم على أن الوالد يلحق بولده.
стр. 419
يقول: الأصل أن التدلي ثم الدنو فلماذا قدم الدنو قبل التدلي كما في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى﴾ [(٨) سورة النجم]؟
صحيح، وهذا ذكره المفسرون أن التدلي قبل، والدنو نتيجة لهذا التدلي، لكنهم يقولون: إذا كان المعنى واحد لا يتغير سواءً قلنا: هذا أو ذاك فيجوز التقديم ويجوز التأخير على حد سواء، كما تقول: ضربني فأساء، أكرمني فأحس، أحسن فأكرمني، أساء فضربني، ما في فرق، إذا كان المعنى متحد، من الأمثلة الآن التي يفهمها كثير من الناس وهذا يذكر لمزيد الإيضاح، يقول: لو قيل لك: اربط حزام الأمان، أو احزم رباط الأمان في فرق وإلا ما في فرق؟ في فرق؟ المعنى واحد سواءً قدمت وإلا أخرت، ضربني فأساء، أو أساء فضربني ما في فرق، ولذلك قالوا: إن قوله: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى﴾ [(٨) سورة النجم] ما في فرق بينه أن يقال: تدلى فدنا أو العكس؛ لأن المعنى واحد، مثل ضربني فأساء أو أساء فضربني، أكرمني فأحسن أحسن فأكرمني، ما في فرق قدمت أو أخرت، ومثل المثال الذي ذكرناه لأن المعنى ما يختلف.
يقول: ما الفرق بين أحمد شاكر ومحمود شاكر؟
أما بالنسبة للشيخ أحمد شاكر وأبوه القاضي محمد شاكر وكيل المشيخة، على كل حال الأب معروف متميز محمد ما له سمي، والشيخ أحمد كذلك المحدث البارع المعاصر المصري أحمد شاكر معروف أيضاً لا يلتبس بغيره، محمود أخوه الكبير محمود شاكر أيضاً معروف له يد في تحقيق الكتب سواءً كانت الشرعية أو اللغوية والأدبية، وله يد أيضاً طولى في التاريخ يشبهه أيضاً آخر اسمه: محمود شاكر، الأول: شقيق الشيخ أحمد هذا مصري، هذا مصري توفي من سنين قريبة يعني من خمس أو ست سنوات، محقق بارع يعني في تحقيق الكتب، وفي محمود شاكر الحرستاني هذا معاصر موجود شامي، فهذا له كتب أيضاً في التاريخ الإسلامي، وفي مواطن الشعوب الإسلامية يعني في الجغرافيا، وأيضاً مجود الرجل يعني ما .. ، لكن ليس مثل محمود شاكر شقيق الشيخ أحمد، لكنه جيد، كتبه نافعة.
يقول: ما رأيكم في تفسير ابن عاشور التحرير والتنوير؟ وما هي أفضل طبعاته؟
стр. 420
أولاً: أفضل طبعاته الطبعة التونسية، وطبع منه مجلدان في مطبعة الحلبي بمصر، ثم أكمل طبعه في تونس، وصورت جميعاً طبعة الحلبي الجزأين الأول والثاني، وطبعة تونس أيضاً صورت أخيراً، وتداول الناس المصور، والكتاب كتاب لا شك أنه مفيد جداً لطالب العلم يعنى بالنواحي اللغوية والبلاغية، ومكث في تأليفه أكثر من أربعين عاماً، حتى حرره وأتقنه وجوده، فالكتاب لا سيما فيما يتعلق بعلم المعاني والبيان متميز، يستفيد منه طالب العلم.
يقول: ما رأيكم في طريقة أحدثها بعض طلاب العلم يأتي بأحاديث الأربعين النووية أو أحاديث العمدة، أو أحاديث كتاب التوحيد، ويأتي بسند ثلاثي أو رباعي لهذا الحديث، نود أن تبينوا مدى فائدتها من شخص إلى شخص؟
يعني ما دام وصل إلى السند الرباعي لماذا لا يسندها من مصنف الكتاب الذي عزيت إليه إلى النبي ﵊، يعني أحاديث العمدة يذكر أسانيدها من البخاري ومسلم إلى النبي ﵊ رباعية أو خماسية، يعني لو زاد راوي أو راويين بحيث يضمن سند الصحيح، ولا يقتصر على بعضه دون بعض، مع أن الاقتصار على البعض فيه فائدة، ما يسلم من فائدة لطالب العلم؛ لأن العناية بالأسماء أسماء الرواة، العناية بالأسانيد وحفظها، يستفيد منها طالب العلم فائدة كبيرة؛ لأنه إذا عرف أن هذا الراوي من رواة البخاري يرتاح في نقده في جرحه وتعديله إذا مر عليه بسند من كتاب لم تشترط فيه الصحة، فإذا عزي الحديث إلى البخاري يذكر سند البخاري، عزي الحديث إلى مسلم يذكر سند مسلم، إلى أبي داود يذكر سند أبي داود، وإن اقتصر على البعض فكله خير، كله نافع.
يقول: هل تنصح طالب العلم بحفظ القرآن أولاً أو يبدأ بقراءة بعض الكتب الأساسية؟
стр. 421
إذا كانت الحافظة تسعفه بحيث ينجز حفظ القرآن في مدة قصيرة فهذا أولى ما يعنى به طالب العلم ليضمن حفظ القرآن؛ لأنه كلما تقدمت به السن وكثرت عليه المشاغل فإنه يصعب عليه حينئذٍ حفظ القرآن، ولو حفظه بعد تقدم سنه فإنه يصعب عليه استحضاره في أوقات الحاجة، بخلاف ما إذا حفظ وهو صغير، يصعب عليه الاستنباط منه والاستدلال به والاستشهاد به في أوقات الحاجة إذا حفظه في الكبر، أما إذا حفظه في الصغر فإنه يذلل به لسانه ويستحضره متى شاء، لا سيما إذا عود نفسه على فهم القرآن والاستنباط من القرآن، فإن كانت حافظته لا تسعف بحيث يفوته الوقت وهو يعاني من حفظ القرآن، ثم بعد ذلك يضيع عليه وقت التحصيل، فمثل هذا يحفظ القرآن بالتدريج، يعني في كل يوم يحفظ آيتين ثلاث بقدر حافظته، وينظر في المتون الأخرى، ذكرنا مراراً أن طريقة المغاربة تختلف عن طريقة المشارقة في هذا، فالمغاربة يضمنون حفظ القرآن قبل كل شيء، يضمنون حفظ القرآن قبل كل شيء، ما يدخلون عليه أي علم من العلوم، وهذا لا شك أنه مكسب لطالب العلم إذا ضمن حفظ القرآن، ولو لم يقدر له علم، ولو عاش عامياً بعد أن ضمن حفظ القرآن، فهو على خير كثير، وطريقة المشارقة يحفظون القرآن بالتدريج، يحفظون القرآن بالتدريج، ويحفظون معه علوم أخرى من صغار العلم، في مرحلة المبتدئين، كتب المبتدئين، ثم المتوسطين وهكذا.
يقول: ما هي الكتب التي يستطيع طالب العلم قراءة شروحها بمفرده؟
стр. 422
طالب العلم لا شك أنه يختلف مستواه من مبتدئ إلى متوسط إلى متقدم ومنتهي، فإن كان من المبتدئين فلا يستطيع أن يقرأ شروح بمفرده إلا بإعانة شيخ يقرأه عليه ويوضحه له، أو بسماع شروح المشايخ المعاصرين الذين يشرحون لطلاب العلم بلغة العصر التي يفهمها الطلاب، أما شروح المتقدمين فلا بد لها من شيخ، إذا كان الطالب في مرحلة متوسطة من المتوسطين فإنه يستطيع أن يقرأ الشروح بمفرده لا سيما الشروح السهلة الميسرة، والطالب المتوسط الآن يستطيع أن يقرأ كتب الشيخ ابن سعدي، وكتب الشيخ ابن عثيمين، وكتب شيوخنا المعاصرين، كتب الشيخ ابن باز، والشيخ صالح الفوزان وغيرهم، يستطيع أن يقرأها بسهولة طالب العلم المتوسط ويستفيد منها، وقد شرحوا كتب العلم فيستفيد منها بنفسه، هذه لا تحتاج إلى شيخ، يعني ما كان طلاب العلم يتطاولون على زاد المستقنع بدون شيخ، الآن بعد الشرح الممتع كل طالب علم يستطيع أن يقرأ ويفهم؛ لأن الشيخ ﵀ بطريقته التي سببها الفهم الدقيق لهذا العلم؛ لأن بعض الناس يشرح وكأنه ما أضاف شيء، يعني يشرح بطريقة العلماء المتقدمين، يعني يفهم كلام أهل العلم ويلقيه على طلابه، هذا ما فيه تجديد، بينما الشيخ ابن عثيمين -رحمة الله عليه- فهم كلام المتقدمين، وهضم شروح المتقدمين ثم بسطها لطلاب العلم بطريقته الخاصة المتميزة، بأسلوبه وفصاحته وبيانه المعروف -رحمة الله علينا وعليه-.
نشوف هذا السؤال يقول: يتحدث الكفار عن الكسوف والخسوف قبل أن يحدث بأيام هل هذا من علم الغيب؟
стр. 423
هذا يتحدث به الكفار، ويتحدث به المسلمون أيضاً، وقديماً اختلف في هذا هل هو مما يدرك بالحساب أو لا يدرك بالحساب؟ فالذي يراه ابن العربي وجمع من أهل العلم أنه من ادعاء علم الغيب، فتنبؤه والكلام فيه قبل وقوعه من المحرمات، شديد التحريم؛ لأنها من ادعاء علم الغيب وضرب من الكهانة، وكثير من أهل العلم أيضاً في المقابل يرون أنه مما يدرك بالحساب، أنه مما يدرك بالحساب، ولا شك أن الشمس والقمر آيتان من آيات الله كما جاء في الحديث الصحيح: ((يخوف بهما عباده)) وكان الناس يخافون من تغير هذه التي أجراها الله -جل وعلا- على سنن ثابتة يخافون خوفاً شديداً، والنبي ﵊ خرج يجر رداءه، يظنها الساعة، وأسماء ﵂ أصابها الغشي، لما رأت الناس يصلون فاستفهمت من عائشة فأشارت عائشة إلى السماء، فقالت: آية؟ فأشارت برأسها: أن نعم، فأصابها الغشي، فأغمي عليها ورشت بالماء، كل هذا من شدة الخوف من الله -جل وعلا-، وهذا لا شك أنه ضعف، بعد إخبار الناس بالوقوع بالكسوف قبل وقوعه صار أمر عادي عند الناس لا يؤثر فيهم، ولا يحرك ساكناً، ولا شك أن الإخبار به قبل وقوعه سبب لإذهاب هذا الخوف وهذه الخشية، ولو كان مما يدرك بالحساب يترك، قد يقول بعض الناس: إن الناس مع اتساع المدن والأنوار والجلبة والصخب الذي يحصل من الناس في الليل قد لا ينتبهون له، يكسف القمر أو يخسف القمر وينتهي وما شعر الناس به، نقول: الأمر كذلك، لكن ينبغي أن يكون المسلم مرتبط بربه، فإذا رأى هذه الآية فليفزع إلى الصلاة، ويحصل منه ما يحصل، ولو قدر أنه علم قبل ذلك ينبغي بل عليه أن يخاف ما الذي يضمن له أن ترجع هذه الآية إلى ما كانت عليه، وما الذي يؤمنه أن يصاحب هذه الآية من المتغيرات التي يتضرر بها هو وغيره، ويحصل كثيراً مع الكسوف ومع الخسوف أمور أشياء آيات أخرى يموت بسببها أناس، يموت بسببها أناس، ويصاب بعض الأموال، وبعض البلدان بكوارث من جرائها، حصل أنهم استهتروا بها في ما مضى في الماضي القريب وحصل وصاحبها أمور تضرر بها كثير من الناس.
стр. 424
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد:
فيقول المؤلف -رحمه الله تعالى-: في قوله -جل وعلا-: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ [(١٣) سورة النجم] ﴿وَلَقَدْ رَآهُ﴾ رأى النبيُ ﵊ جبريلَ ﵇ على صورته للمرة الثانية، ﴿نَزْلَةً أُخْرَى﴾ يعني: مرة أخرى، لأنه سبق أن رآه بحراء، لما طلب ذلك رآه النبي ﵊ ثم رآه نزلة أخرى ليلة الإسراء.
يقول: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ﴾ "على صورته" ﴿نَزْلَةً﴾ يعني: "مرة" ﴿أُخْرَى﴾ ﴿عِندَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى﴾ [(١٤) سورة النجم] يعني: مرة ثانية ﴿عِندَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى﴾ يقول: "لما أسري به في السماوات" ليلة الإسراء أسري به في السماوات، معروف أن الإسراء كما قال الله -جل وعلا-: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ [(١) سورة الإسراء] هذا الإسراء من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، يقول: "لما أسري به في السماوات" والمراد عرج به إلى السماوات، وأما الإسراء فهو من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، بدايته من المسجد الحرام وغايته ونهايته إلى المسجد الأقصى، ومن هناك عرج به إلى السماء، تسمى ليلة الإسراء لا بأس؛ لأن الإسراء حصل في تلك الليلة، لكن لما أسري به في السماوات يعني عرج به في السماوات، "وهي شجرة -يعني سدرة المنتهى- شجرة نبق عن يمين العرش، لا يتجاوزها أحد من الملائكة وغيرهم"، هذه لا يتجاوزها أحد، إليها ينتهي كل مخلوق، لا يتجاوزها أحد، ولذلك سميت سدرة المنتهى، ينتهي إليها كل أحد من الملائكة وغيرهم، ولا جبريل يتجاوزها، عند سدرة المنتهى نهاية ما ينزل ونهاية ما يصعد، فينزل إليها من الرب -جل وعلا- ما يتلقاه جبريل ويبلغه من شاء من عباده، وجبريل يصل إليها ولا يتعداها بل هي المنتهى، لا يتجاوزها أحد من الملائكة وغيرهم، وهي شجرة نبق -السدر- معروف جمع سدرة، السدرة واحدة السدر مما يفرق بين جمعه وواحده بالتاء، سدر سدرة، تمر تمرة، نبق نبقة وهكذا.
стр. 425
يقول: "هي شجرة نبق"، يعني ثمرها النبق، أو السدرة مجموعها النبق على ما قال أهل العلم، السدر نبت طيب الرائحة يستعمل استعمالات جاءت بها النصوص كتغسيل الميت، اغسلنها بماء وسدر؛ لأن له دور في تماسك الجسم وعدم تحلله، وأيضاً ينظف، ينظف الجسد من الأوساخ، وله أيضاً رائحة، ويستعمل أيضاً في علاج السحر، وفيه فوائد كثيرة، ولذا جاء في سنن أبي داود: ((من قطع سدرة صوب رأسه في جهنم)) في سنن أبي داود، وحسنه بعض أهل العلم وحمله أبو داود قال: إن هذا الحديث مختصر؛ لأن معناه مشكل؛ لأن الإنسان قد يزرع السدر يستفيد منه ثم يقطع ما لا يحتاج منه، وهل يبقى شجر السدر ولو آذى الناس في طرقهم ومساكنهم أو يقطع فيحصل هذا الوعيد؟ قال أبو داود: "هذا الحديث مختصر"، من قطع سدرة في طريق الناس الذي يحتاجونها يستظلون بها يستظل بها مسافر يحصل له هذا الوعيد، لكن هذا يذهب فائدة تخصيص السدر؛ لأن هذا يشمل الأشجار الأخرى التي يستظل بها الناس، التي يستظل بها الناس، يعني الناس يستظلون بالأشجار سواءً كانت سدر أو غير سدر، فالذي يقطعها يتسبب في إزالة هذه الفائدة من هذه الشجرة، سواءً كانت من السدر أو من غيره، فلا يكون للسدر في هذا خصيصة ولا ميزة، والحديث جاء بالتنصيص على السدر، وعلى كل حال مثل ما يقال في شجر الحرم لا يجوز قطعه إلا إذا أضر أو أذى بالناس وصار في طريقهم، أو اشتدت الحاجة إليه، كما استثنى النبي ﵊ الإذخر، ويبقى إذا صح الخبر أن الأصل المنع.
﴿عِندَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى * عِندَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى﴾ [(١٤ - ١٥) سورة النجم] سدرة المنتهى جاء في الحديث الصحيح: إنها في السماء السابعة، وجاء ما يدل على أنها في السماء السادسة، وجاء ما يدل على أنها في السماء السادسة، القرطبي وابن حجر وجمع من أهل العلم قالوا: أصلها في السادسة، وورقها وفروعها في السابعة، وبهذا يتم الجمع بين الروايتين.
следующие страницы →