Полный текст (768 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.
стр. 491
إذا أتم ركعة كاملة، الركعة الكاملة تسمى صلاة، وإذا كان إتمامه للركعتين لا يفوت عليه الركعة فإن هذا يتمها خفيفة، أما إذا لم يكمل ركعة كاملة فإنه لم يمض منه حينئذ صلاة أقل من ركعة لا تسم صلاة.
يقول: ما معنى قوله تعالى: ﴿سيماهم في وجوههم من أثر السجود﴾ [(٢٩) سورة الفتح]؟
الذي يظهر لعموم الناس وهو المتبادر أنه ما يوجد في الجبين من أثر للسجود، لكن القرطبي ﵀ وكثير من أهل التفسير لا يرون مثل هذا؛ لأنه قد يوجد في أفسق الناس؛ لأنه قد يوجد في بعض المنافقين، وبعض الناس يتعمد ويصنعه في نفسه، -يعني يضع على جبينه مادة تحول لونه إلى شيء من هذا الأثر-، ولا شك أن مثل هذا كون الإنسان يقصد إلى أن يوجد هذا الأثر في جبينه هذا مناقض مناقضة تامة للإخلاص، فأهل العلم يقولون: إن ﴿سيماهم في وجوههم﴾ نور يرى في وجه المؤمن المسلم المصلي ولو لم يكن له أثر يميزه عن بقية الوجه، يعني ما يلزم أن يكون في الجبين، أو في طرف الأنف الذي هو مباشر للسجود، المقصود أنه نور ينبعث وترى بعض الناس من أبيض الناس وجها ًثم بعد ذلك ترى عليه الكآبة والظلمة وهو أبيض الوجه، ومنهم من وجهه أقل بياضاً لكن وجهه مشرق من أثر الطاعة والعبادة.
يقول: عندي بقرة مربوطة بحبل منذ سنين؟
يعني عندنا هذا الأمر مستغرب جداً، يعني يوجد بقرة عند شخص مربوطة مستغرب تعرفون أنتم الآن البلديات تمنع وجود هذه البهائم في البيوت؛ لأنها تنبعث منها روائح، وتجتمع عليها الحشرات، وما زال المسلمون على مر العصور عندهم من هذه الحيوانات ما عندهم، عندهم وسائل النقل الحمر مربوطة في البيوت، وعندهم البقر، وعندهم الغنم الحمد الله أمور جرت عليه، ولذلك لما قرأت السؤال! يقول: عندي بقرة مربوطة بحبل منذ سنين كالعادة في ربط البهائم، وجدتها في أحد الأيام قد ماتت، يقول: مكتوية بالحبل أو ملتوية نعم ملتوية بالحبل، هل علي شيء؟
لا شيء عليك إذا كان ربطها ربطا عاديا،، مضى على ذلك سنين فهذا أجلها وهذا حتفها، هل عليه شيء يقصد من الإثم في كونه صار سبباً لتعذيبها؟ وإلا معروف أنه لا كفارة ولا دية إنما لو أساء إليها وعذبها، لا شك أنه أثم لكنه في هذه الحالة لا شيء عليه.
стр. 492
يقول: من المعلوم أن تكرار الآية للتذكير والتنبيه لكن ما مناسبة تكرار قوله: ﴿ولقد يسرنا القرآن﴾ [(١٧) سورة القمر] بين كل قصة وأخرى، مع أن القصص عن الأمم السابقة؟
على كل حال هذا يأتي -إن شاء الله تعالى-.
يقول: أنا من الجنوب مقر إقامتي وعملي في الجنوب، وعندي شقة ملك في جدة وأقضي أكثر الإجازة في جدة، فهل يجوز لي أن أحرم بالعمرة من جدة مع أن النية من الجنوب، أم لا بد أن أرجع إلى الميقات من حيث أنشأت؟
من حيث أنشأت العمرة، إذا أنشأت العمرة من الجنوب فميقاتك ميقات الجنوب، وإن أنشأتها من جدة فمن حيث أنشأت.
يقول: ذكرتم في أحد محاضراتكم أنه من وسائل تدبر القرآن الاستماع لقارئ مؤثر؟ فما هي ضوابط هذا القارئ المؤثر؟
الذي يقرأ القرآن على الوجه المأمور به بالتدبر، والترتيل، والتخشع، وتحسين الصوت وتزيينه، هذا لا شك أن مثل هذا يؤثر لاسيما إذا كان هذا القارئ معروف بصلاحه في الظاهر والباطن -يعني مشهود له-، والتأثر بالقراء لا شك أنه أمر نسبي يختلف من شخص إلى أخر، ولذلكم تجدون الأقوال المتباينة في نظرات الناس إلى القراء، يعني لو وجدت عشرة من طلاب العلم في مجلس وسألتهم من الذي يؤثر فيك من القراء؟ قد لا تجد اثنين متفقين ابدأ يختلفون، هذا يقول فلان، وهذا يقول فلان، وهذا يقول فلان، وهذا في وزن فلان لا شيء، وهذا في وزن فلان كل شيء؛ لأن المسألة مسألة أذواق، يعني كما يختلفون في الألوان، يختلفون في الأشكال، يختلفون في مثل هذا، الأصوات تجد مثلاً من يرجح القارئ الفلاني، وهذا هو القارئ المفضل عنده، والثاني يرجح القارئ الفلاني وهكذا، فالذي يؤثر فيك إلزمه، إلزمه.
يقول: نرى كثيراً من المستقيمين بدؤوا يخففون لحاهم فهل من توجيه؟
على كل حال قبل انتشار الأقوال، والترخص بفعل بعض الصحابة ما عرف هذا بين الناس، والنبي ﵊ كان كث اللحية، وتعرف قراءته من خلفه باضطراب لحيته، وجاء الأمر بإعفاء اللحى، وإكرام اللحى، وتوفير اللحى، وليس لأحد مع هذا كلام البتة.
يقول. . . . . . . . .
نعم أهل العلم ينصون على ذلك.
يقول: يوجد حديث للرسول ﵊ ذكر فيه سورة هود وأخواتها؟
стр. 493
حينما سأله أبو بكر وغيره؛ لأنه جاء من طرق أن النبي ﵊ سئل عن شيبه؟ فقال: ((شيبتني هود وأخواتها))، ((شيبتني هود وأخواتها)) مع أن الشيب فيه ﵊ قد نفاه بعض الصحابة، وبعضهم أثبته، وسبب نفيه أنه قليل، يعني أنه من بعد لا يرى، والذي يحدد ويقرب من النبي ﵊ كأنس يثبت مثل هذا، أما البعيد لا يثبته؛ لأن الشعر البياض إذا كان شعرات معدودة، كما قيل: اثنا عشر، أو إلى عشرين بضعة، عشر شعرة هذه لا، إذا كانت متفرقة لا ترى من بين الألوف من الشعر، الحديث مثل به بعض أهل العلم الحديث المضطرب، وحكموا باضطرابه؛ لأنه جاء على طرق مختلفة متساوية، وابن حجر أمكنه الترجيح بين هذه الطرق فحكم بحسنه، ولا شك أن سورة هود وما فيها من القصص للأمم الماضية المكذبة للرسل وما صنع الله بهم يعني أمر يؤثر في قلب المسلم، قلب الحي، القلب السليم، أما قلوبنا التي قد غطاها الران من أثر المكاسب، وأثر الاختلاط الخلطة والتخليط هذا لا شك أن مثل هذا التأثير ضعف، حتى أن الإنسان يقرأ هود، أو يقرأ أي سورة من السور لا فرق، أو يقرأ أو يسمع القرآن أو يسمع الأخبار لا فرق، قد يتأثر من بعض الأخبار وبعض المناظر أكثر مما يتأثر بالقرآن، والله -جل وعلا- يقول: ﴿فذكر بالقرآن من يخاف وعيد﴾ [(٤٥) سورة ق] فعلى الإنسان أن يحضر القلب عند قراءة القرآن، وعند سماع القرآن.
الحسن يقول: تفقد قلبك في ثلاثة مواطن: في قراءة القرآن، وفي الصلاة، والذكر فإن لم تجده فاعلم أن الباب مغلق، يعني اسعى في فتحه من جديد، إذا أغلق الباب بينك وبين ربك ماذا ترجو؟ وماذا تأمل؟ ومن ترجو سواه اسع إلى فتحه.
يقول: وأخواتها فماذا يعني بأخواتها؟
جاء في بعض الروايات الواقعة، إذا الشمس كورت ونظائرها.
نكتفي بهذا لأن الأسئلة كثيرة يجاب عليها، يعني على بقيتها غدا -إن شاء الله تعالى- لكن هذا كأنه محتاج إلى حل.
يقول: حضرنا من الرياض وكانت لدنيا رغبة في العمرة إن تيسرت لنا، ووصلنا جدة لحضور الفرح، وبعد حضور الفرح أردنا العمرة من أين نحرم من جدة أو نعود للميقات؟
стр. 494
على حسب ما يغلب على الظن، يقول: إن تيسرت لنا يعني هذا التردد إن كان الراجح فيه أنك تعتمر فتحرم من ميقاتك الأصلي، وإن كان الراجح عندك أنك لا تعتمر فتحرم من جدة من حيث أنشأت، وإن ترددت وشككت في ذلك فأحرم من جدة.
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد:
فيقول المفسر -رحمه الله تعالى- في قوله: ﴿كذبت عاد﴾ [(١٨) سورة القمر] ﴿كذبت عاد﴾ "نبيهم هودا" يعني فعندما ذكر من الأنباء التي فيها المزدجر والادكار والاتعاظ ذكر منها قصة نوح مع قومه، وكيف أهلكهم الله -جل وعلا- بالغرق؟ أتبع ذلك بعاد قوم هود، وقصص القرآن في غاية الأهمية، معرفتها في غاية الأهمية بالنسبة لطالب العلم؛ لأنها ما سيقت من أجل المتعة ولا على أساس أنها قصص تاريخية واقعية يتسلى بها الناس، وإنما كما قال الله -جل وعلا- في أخر سورة يوسف: ﴿لقد كان في قصصهم عبرة﴾ [(١١١) سورة يوسف] لكن عبرة لمن ﴿أولي الألباب﴾ فطالب العلم وهو بصدد دراسة قصص القرآن عليه أن يجمع هذه القصص من القرآن، بدأ من قصة آدم ﵇ فيجمعها من جميع المواطن في القرآن، قصة آدم يجمعها من القرآن كله، والحافظ ابن كثير -رحمه الله تعالى- في أول "البداية والنهاية " صنع ذلك.
стр. 495
قد يكتفي ببعض المواطن عن بعض التي يرى أنه ليس فيه زيادة وهذا الاكتفاء ليس بجيد، بل على طالب العلم أن يجمع أطراف القصة الواحدة من جميع القرآن؛ لأن هذه القصة تأتي مختصرة في موضع، تأتي مطولة في موضع أخر، تأتي متوسطة في موضع ثالث وهكذا، فالتصور التام لهذا القصة وتمام الإفادة من عبر هذه القصة إذا تصورت في المواطن كلها، والربط بين هذه المواضع في القصة الواحدة لا شك أنه ينير الطريق لطالب العلم، فيبدأ بقصة آدم وما حصل له من مبدأ خلقه إلى نهايته، يتصور تصوراً كاملاً لهذه القصة ويقرأ ما كتبه أهل العلم من الثقات كالحافظ ابن كثير مثلاً في هذه القصة؛ لأنه يجمع إلى ما جاء في القرآن ما جاء في الحديث والأثر، فقصص القرآن للحافظ ابن كثير مهم جداً بالنسبة لطالب العلم، مع أن طالب العلم عليه أن يستخلص هذه القصة في مواطنها المتعددة من القرآن بنفسه ولا يعتمد على أحد، وهذا أمر متيسر يعني القرآن يمكن الإحاطة به بآياته، وهو يقرأ يصنف القصص ما يتعلق بآدم يضعه في موضع واحد، ما يتعلق بنوح يضعه في موضع واحد، هود كذلك، صالح كذلك إلى آخره ليكون تصوره دقيق، ولا يقع فيما وقع فيه بعض من علق على فتح الباري، البخاري وقع فيه بالنسبة لقصص الأنبياء تقديم وتأخير، والحافظ ابن حجر يذكر عن أبي الوليد الباجي أن نسخة البخاري في هذا الموضع كانت غير محبوكة يعني غير مجلدة-أوراق-، فسقطت بعض الأوراق ووضعت في غير محلها وحصل التقديم والتأخير.
стр. 496
الذي علق على فتح الباري طبعة الكليات الأزهرية قال: وقدم البخاري قصة مدين نسيت والله بالضبط ليبين أن شعيباً هو نبي ثمود، يعني التقديم والتأخير الذي حصل؛ لأنه ذكر قصة شعيب بعد عاد، والأصل أن تكون متأخرة عنها يعني بعد عاد ثمود فقال: ليبين ﵀ أن شعيباً هو نبي ثمود، وفي القرآن ﴿وإلى ثمود أخاهم صالحا﴾ [(٧٣) سورة الأعراف] يعني يقع في مثل هذا الوهم الذي لا يقع فيه صبي، كله بسبب أنه ما تصور القصص على وجهها، وإلا في مثل هذا الخطأ لا يقع فيه أحد، نعم أوقعه في هذا الخطأ ما استصحبه من دقة الإمام البخاري -رحمه الله تعالى- في النظر والاستنباط والتحرير والترتيب، لكن مع ذلك هو بشر يعني كونه يقدم ويؤخر لا يعني أنه يقضى بكلامه على القرآن، أقول طالب العلم يجمع هذه القصص من جميع المواطن.
стр. 497
هناك كتاب اسمه: "تفصيل آيات القرآن" جمع فيه النظائر إلى بعض، لكنه الرجل ليس بمسلم وهذا الجمع إنما هو على حسب فهمه، فيه أيضاً لبعض المسلمين محاولات جمع للنظائر في القرآن، وموضوعات القرآن، لكن مع ذلك أنا لا أرتضي لطالب علم يريد المتابعة في هذا الطريق والسير على هذه المحجة أن يعتمد على غيره لا في القرآن ولا في السنة ولا في غيرها من العلوم، -يعني إذا تأهل لذلك- أم طالب المبتدئ لا يمكن أن يصنع شيئاً حتى يتأهل، لكن أنا أخاطب طلبة متأهلين لمثل هذا فما المانع أن يمشي على القرآن من أوله إلى آخره، يسجل هذه القصص في كراس، أو في أوراق ما يتعلق بآدم يجعله على حدة في جميع القرآن، ما يتعلق بنوح يجعله على حدة وهكذا إلى أن ينتهي من الأنبياء المسمين وغير المسمين، هذا بالنسبة للقصص، وقصص غير الأنبياء كثير في القرآن، ثم يأتي إلى الأمثال وأهميتها لطالب العلم؛ لأن الله -جل وعلا- قال: ﴿وما يعقلها إلا العالمون﴾ [(٤٣) سورة العنكبوت]، لابد أن نعقل هذه الأمثال عن الله -جل وعلا- يأتي إلى هذه الأمثل ويصنفها، يأتي إلى أقسام القرآن، يأتي إلى أنواع كثيرة في القرآن لابد أن يكون طالب العلم على معرفة تامة بها؛ لأنه إن لم تكن العناية بكتاب الله فبأي شيء تكون، يستفيد أيضا من قصص القرآن فيما كتبه أهل العلم الثقات من المؤرخين، وأيضاً ما جاء في السنة يعني البخاري -رحمه الله تعالى- ذكر هذه القصص، ذكر الأنبياء، وذكر أحوال الأمم الماضية وأبدع في ذكرها، والاستنباط منها، والتراجم عليها ﵀ إلا ما حصل من التقديم والتأخير الذي أشرنا إليه، -والله المستعان-.
стр. 498
الطبعة السلفية من فتح الباري رقموا الأبواب حسب التسلسل التاريخي، فتجده مثلاً قال: واحد، اثنين، ثلاثة، سبعة عشر؛ لأن هذا الباب متأخر جداً عن الذي بعده، ثم رجع إلى أربعة، خمسة، ثم رجع إلى ثمانية عشر، إلى آخره، يعني هذا الترتيب ينبغي أن يعتني به طالب العلم؛ لأن هذا على حساب الترتيب التاريخي، يعني كون طالب العلم يجهل هذه الأمور لا شك أنه نقص وخلل في تحصيله، نعم كثير من طلاب العلم يعتني بالأحكام الحلال والحرام وهي محل عناية؛ لأنه لا يستطيع أن يعبد الله -جل وعلا- على الوجه المأمور به حتى يعرف الحلال من الحرام.
العقائد أيضا رأس المال الفقه الأكبر يعتني بها طلاب العلم، ولله الحمد والعناية واضحة، السنة أيضا لها أهل ولها وجود، ولها من يعتني بها في متونها، وأسانيدها، وشروحها، التفقه منها هذا واضح ولله الحمد، لكن العناية بكتاب الله ليست على المستوى المطلوب اللآئق بكتاب الله، نعم يوجد من يتخصص بكتاب الله، ومن يتخصص بعلوم القرآن، لكن القرآن قاسم مشترك لجميع طلاب العلم، ما يقول: أنا والله متخصص بالسنة ما لي علاقة بالقرآن، هذا ما يمكن أن يقوله طالب علم أو العكس طالب علم متخصص بالقرآن يقول: ما لي علاقة بالسنة، ما يمكن أن يفهم القرآن إلا من خلال السنة، فالعلوم الشرعية متكاملة مترابطة، لما انتهى من قصة نوح مع قومه وما حصل من إغراقهم إهلاكهم بالغرق.
стр. 499
قال: ﴿كذبت عاد فكيف كان عذابي ونذر﴾ [(١٨) سورة القمر] يقول المفسر: ﴿كذبت عاد﴾ "نبيهم هودا فعذبوا" يعني هل يتصور أن طالب علم تخرج في الجامعة من كلية شرعية ما يعرف أن هود هو نبي عاد؟ يوجد لأنه الآن يخرج طلاب يحفظون هذه المذكرات التي كتبها الأساتذة، وفيها خير وفيها علم، لكن ليست متكاملة، الأستاذ يعطى منهج، والمنهج فيه مفردات، قد تكون هذه المفردات على طريقة هذا الشيخ تحتاج إلى سنوات وهذا الشيخ عرف بالتطويل والاستطراد، لكنه لا يأتي على نصف المنهج، هذا الشيء مررنا به، ومر به غيرنا أحيانا ما نستطيع أن ننجز ولا ثلث المنهج، طالب العلم لا يعرف شيء، ويتخرج ويمكن نصف أو أكثر من نصف المناهج ما مرت عليه، ولا شك أن هذه الطريقة طريقة التعليم، وترك الأساتذة كل على منهجه، كل على طريقته، من الأساتذة من أنجز المنهج في شهر وجاء إلى القسم يسأل يقول: ماذا نصنع انتهينا من المنهج، وهو مقرر لثلاثة أشهر؟ قالوا: أنت أنهيته على سبيل الإيجاز فأعده على سبيل البسط ما في إلا هذا الكلام، ويش قال: نعم لا شك أن مثل هذا التدريس ناقص، أيضا بالمقابل بعض الأساتذة يستطرد فيأخذ في الحديث خمس محاضرات، ست محاضرات ثم يأتي في نهاية الفصل وقد شرح خمسة أحاديث أو ستة أحاديث والبقية ما شرحت، أو عشرة أحاديث بقي عشرين، أو ثلاثين حديث ما شرح، هذا أيضا خلل يعني الطريقة المناسبة جداً للموازنة بين الوقت والمنهج أن يتخذ كتاباً معيناً، وليكن شرحه مختصراً ما في إشكال، ثم يضيف إلى هذا الشرح المختصر ما يفتح الله به عليه من علمه، أو من مراجعته للكتب هذا مناسب جداً؛ ليوازن بين الوقت والزمن، وهذا الذي جعلنا نعتمد هذا التفسير وإلا بالإمكان أن نأخذ آية نستطرد فيها ثم ينتهي الوقت وما سوينا حاجة، ولذلك أقول قد يتخرج الطالب في الجامعة من كلية شرعية ويخفى عليه مثل هذا؛ لأنه لا يحفظ القرآن، وما مر عليه التفسير كامل -مر على بعض الآيات- وما مر عليه في قصص القرآن إلا نتف يسيرة، مثل هذا ما يحسن شيئاً يتخرج في كثير من الأبواب جاهل، نعم يعرف شيئاً مما مر عليه ومما ذاكره للامتحان يعرف.
стр. 500
لذلك التعليم النظامي مثل ما قلنا مراراً إنه لا يخرج علماء، نعم يخرج طالب علم هذا المتميز من هؤلاء الطلاب، يخرج طالب العلم يستطيع التعامل مع الكتب بحيث يستطيع أن يتابع التحصيل بنفسه، ولذلك كثير من طلاب العلم لما تخرجوا من الكليات الشرعية وباشروا الأعمال وجاء المحك والامتحان وجدوا أنفسهم محرجين، يسألونهم الموظفين في هذه الدائرة، والطلاب في المدارس، وكذا الجماعة في المسجد هذا تخرج من كلية الشرعية هذا شيخ، ثم بعد ذلك لا شيء، ما عنده شيء، يعني شيء يذكر مما يسأل عنه وإلا قد يكون عنده شيء، لكن ما يسأل عنه ثم بعد ذلك يحبط في نفسه ويتحسر، فإما أن يبدأ الطلب من جديد أو يقول: بلاش من العلم الذي أمضينا فيه بضعة عشرة سنة ثم لا شيء النهاية، فعلى الإنسان أن يهتم بنفسه، ويؤصل نفسه، ويقرأ الكتب كاملة، ويحضر شرح الكتب كاملة عند أهل العلم، ولا يقتصر على الدراسة النظامية، وإن كان بعض الناس ينتقد كلمة نظامية للمدارس والجامعات الرسمية ينتقد كونها نظامية؛ لأنه يفهم من ذلك أن دروس المساجد فوضوية.
إذا كانت هذه منظمة ونظامية فمفاد هذه الكلمة أن الدروس في غير المدارس والجامعات فوضوية؛ لأن النظام والأصل فيه الانتظام وما عدا الانتظام فوضى، وهذا لا يفهم لا من قريب ولا من بعيد، لكن أبداه بعض الناس فينبه عليه لا، لا الانتظام في دروس المساجد أكثر؛ لأنه يبدأ فيها الكتب من أولها إلى أخرها، ما يترك فيها فجوات كما هو في الدارسات الرسمية؛ لأنها غير محدودة بوقت، نعم قد يكون من طبائع بعض الشيوخ شيء من عدم الانتظام، قد يكون في طبيعة بعض الطلاب شيء من عدم الانتظام هذا موجود، لكن الأصل في دروس المساجد ما تحدد بوقت، فتكمل الكتب ولا يقال: والله هذا وقت ضاق علينا فنترك هذا الباب، لا لأنه ما في وقت محدد، قد يمر هذا في الدراسات الرسمية لكن في الدراسات أو في الدروس المساجد لا.
كذبت عاد نبيهم هوداً ﴿فكيف كان عذابي ونذر﴾ ﴿فكيف كان عذابي﴾ هذا السياق مختصر جداً، وفيه طي وحذف قدره المؤلف بقوله: " فعذبوا " ﴿فكيف كان عذابي ونذر﴾ هذا إجمال "أي إنذاري"
стр. 501
﴿فكيف كان عذابي ونذر﴾ "أي إنذاري لهم بالعذاب قبل نزوله أي وقع موقعه" ﴿فكيف كان عذابي ونذر﴾ يعني تصور أيه المسلم كيف عذب قوم هود!، كيف عذبوا؟ عليك أن تبحث كيف عذبوا مما في هذا السورة، وفي غيرها من السور، وما جاء في السنة، وما تناقله المؤرخون الثقات من اجل إيش؟ ما الفائدة؟ نعم، تعتبر تزدجر، تعرف سبب العذاب فتجتنب لئلا يحل بك ما حل بهم، إنذاري ﴿فكيف كان عذابي﴾ الذي وقع بهم بسبب المخالفة، بسبب التكذيب، بسبب الكفر ﴿ونذر﴾ "أي إنذاري لهم بالعذاب قبل نزوله".
الله -جل وعلا- ما ترك لأحد حجة أنذرهم، ورسولهم بينوا وبلغوا البلاغ المبين "أي وقع موقعه وقد بينه بقوله": ﴿إنا أرسلنا عليهم ريحا صرصراً﴾ [(١٩) سورة القمر] "أي شديدة الصوت" ﴿فأقبلت امرأته في صرة﴾ [(٢٩) سورة الذاريات] يعني في صوت ﴿صرصراً﴾ شديدة الصوت، ويأتي الصر صر والصر بمعنى البرد الشديد، فهي شديدة الصوت ويصاحبها برد شديد، ريح باردة شديدة مصوتة مدوية ﴿في يوم نحس﴾ "شوم".
هذا يقول: ألا يوجد تعارض بين قوله: ﴿في يوم نحس﴾ وبين نهي النبي ﵊ عن الطيرة أو التشاؤم من الأيام التي تحصل فيها مكروه للعبد؟
стр. 502
لكن هذا في القرآن، والنصوص لا يضرب بعضها ببعض، الله -جل وعلا- سمى ذلك اليوم نحس، الذي أهلك فيه عاد قوم هود سماه نحس -يعني شوم عليهم-، وسمي لملابسة وقوع العذب فيه لا لذاته، وإنما الشؤم الحقيقي في فعلهم الذي أوقعهم في هذه المصيبة وهذه البلية، لكن باعتبار الملابسة صار هذا اليوم ظرفاً لهذا العذاب صار بالنسبة لهم نحس شؤم، لكنه بالنسبة لهود مثلاً لا، بالنسبة لهود خير، وهكذا لا يعارض ما ورد فيه النص من تسميته نحس ونحسات، لا يعارض بهما، ورد عن النبي ﵊ من الطيرة والتشاؤم وما أشبه ذلك؛ لأن الطيرة فيها معارضة للقدر، ومناقضة للقدر، والتشاؤم كذلك كل شيء يرد من غير ما يدل عليه، قد يكون هذا اليوم الذي تراه شؤم أو تتطير فيه ويمنعك من حاجتك قد يكون يمن بالنسبة لك، هذا الذي حصل لك تقول: والله خرجت إلى الدوام فحصل لي حادث فتتشاءم في هذا اليوم حيث وقع لك في أوله ما وقع، ألا تدري أن الله -جل وعلا- قد يكون ادخر لك من أجر هذه المصيبة ما يكفر به سيئاتك أو يرفع به درجاتك فيكون هذا خير لك، وليس بنحس ولا شؤم، لا تدري أن الله -جل وعلا- قد دفع عنك من الشر أضعاف ما وقعك لك فيكون هذا الحادث خير لك، وما الذي يدريك أنه نحس وما الذي يدريك أنه شؤم، لكن الله -جل وعلا- حكم على هذا اليوم بأنه نحس، لكن أنت ليس لك أن تحكم ولو حصل لك فيه ما حصل، أنت افترض أنك خرجت لصلاة الفجر فعثرت في حفرة وانكسرت رجلك ذهبت للمستشفى وجبرت، ثم جئت على العربة لصلاة الظهر فحصل لك ما حصل استطدام بسيارة مثلاً، أو انزلاق من درج. . . . . . . . . حصل لك أكثر، وكذلك في صلاة العصر تقول: خلاص لا أصلي؛ لأن الصلاة صارت شؤم ونحس بالنسبة لي، كل ما خرجت أصلي وقد قالها بعضهم: والله ما عمري طلعت المسجد إللي اصدم، يا أخي هذا كيف تحكم على؟ مثل هذا، أمر أوجبه الله عليك وكلفك به وما يدريك لعل الله -جل وعلا- يرفعك بهذه الأمور دراجات لا تستطيع أن تصل إليها بعملك.
стр. 503
فالمخلوق ليس له أن يسمي إلا ما سماه الله -جل وعلا- أ"وجاءت تسميته بالنص، أما هو لا يدري أين الخيرة حصل له في هذا اليوم ما حصل لكن يمكن دفع عنه من الشر أعظم، ورفع به منازل، وحطت عنه خطايا، وهكذا هذا شأن المصائب، وأشد الناس بلاء الأنبياء فلا يجوز لإنسان أن يتشاءم أو يتطير ﴿إنا أرسلنا عليهم ريح صرصراً﴾ "أي شديدة الصوت" ﴿في يوم نحس﴾ "شؤم" ﴿مستمر﴾ في يوم هل عذاب عاد في يوم واحد، أو في سبع ليالي وثمانية أيام؟ نعم ثمانية أيام من الأربعاء إلى الأربعاء ثمانية أيام، وهنا قال: ﴿في يوم﴾ إما أن يراد باليوم الوقت الذي عذبوا به طال أو قصر كما يقال: فتحدثا ساعة، الساعة هذه ليس المراد به الساعة الفلكية التي هي ستون دقيقة، وإنما هي وقت قد يكون ساعتين، ثلاث، وقد يكون نصف ساعة أو ربع ساعة فلكية، المقصود أن اليوم يطلق والساعة تطلق ولا يراد بها حقيقة الزمن المحدد المقدر كما في قوله في الحديث الصحيح: ((فما رأينا الشمس سبتا)) يعني أسبوعاً من الجمعة إلى الجمعة ليس المراد به السبت فقط، وإنما المراد به الأسبوع الكامل من دعائه ﵊ بالمطر إلى أن دعاء برفعه.
﴿مستمر﴾ يعني "دائم الشؤم أو قويه" كما تقدم من المرة، وهي القوة ذوي مرة يعني ذي قوة، "وكان يوم الأربعاء أخر الشهر" ومعلوم أن عذابهم وهذه الريح التي أرسلها الله عليهم من الأربعاء إلى الأربعاء ثمانية أيام وسبع ليال.
стр. 504
﴿تنزع الناس﴾ [(٢٠) سورة القمر] "تقلعهم من حفر الأرض المندسين فيها وتصرعهم على رؤوسهم فتدق رقابهم فتبين الرأس عن الجسد" ﴿تنزع الناس﴾ يعني هم حفروا حفر ولج ؤ وا إلى الشعاب، وتصدى لأفواه الشعاب رجال من أشدائهم وأقويائهم؛ ليردوا عن النساء والصبيان والضعاف هذه الريح، لكن أول ما بدأت بهؤلاء الشداد، وبعضهم حفر لنفسه حفرة فقتلعته واجتثه من هذه الحفرة، ورفعته ونكسته على رأسه فبان رأسه عن جسده، وبهذا يتم التصوير الدقيق ﴿كأنهم أعجاز نخل منقعر﴾ يعني إذا انتزعت النخلة من مكانها ما الذي يبقى في الأرض؟ حفرة، فيه أصل هذه النخلة، عجز هذه النخلة، عروق هذه النخلة هم أيضاً اجتثوا من الأرض ورفعوا عنها كما تصور رفع النخلة بالشياول والرافعات، لكن هذا الأمر أشد، ريح اجتثتهم من أصولهم إلى أن رفعتهم فنكستهم على رؤوسهم فدقت رؤوسهم وفصلتها عن أجسادهم، ﴿تنزع الناس﴾ "تقلعهم من حفر الأرض المندسين فيها وتصرعهم على رؤوسهم فتدق رقابهم فتبين الرأس عن الجسد" ﴿كأنهم﴾ "وحالهم ما ذكر" يعني وما حل بهم ما صور ﴿أعجاز﴾ "أصول" نخل منقعر، أصول أصل النخلة في قعر من الأرض -ومن أصعب الأمور قلع النخل-، يعني الأشجار الأخرى أسهل منها؛ لأنها راسية ثابتة شديدة، وتشبيههم بالنخل لطولها وقد تميزت عاد بالطول، يقول بعض المفسرين: إن طولهم يبلغ إلى اثني عشر ذراعاً -ستة أمتار-، وإن كان بعضهم ينازع في هذا ويقول: نحن رأينا بعض القبور في ديارهم قبور عادية يعني تصل إلى ثلاثة أذرع مثلاً كغيرهم، أربعة أذرع يعني من المترين فما دون، لكن يشهد لما يقوله المفسرون من أن آدم خلق طوله ستون ذراع، وما زالت ذريته تنقص حتى وصلت إلى ما نشاهد، ولذا أهل الجنة الطول طول أبيهم الطول -ستون ذراعا- صح هذا في الصحيحين وغيرهما طول أبيهم.
على كل حال تشبيههم بالنخل من عدة وجوه:
ومنها ثبات النخل، وشدة وصعوبة اجتثاثها وخلعها صاروا مثلها، بحيث حفروا لأنفسهم وثبتوا أنفسهم بالأرض ومع ذلك نزعتهم هذه الريح.
﴿أعجاز﴾، أصول نخل منقعر، هنا يقول في هذا الطبعة منقطع ومنقلع، إيش عندكم في أحد معه تفسير الجلالين منقلع، منقطع نعم هو الأصل منقلع من القلع وهو الإزالة.
стр. 505
﴿أعجاز نخل منقعر﴾ والتعبير بمنقعر دليل على أنهم وصلوا في حفرهم إلى مبلغ يثبتهم "وقعر الشيء: منتهاه " قعر الشئ منتهاه "منقطع ساقط على الأرض، وشبهوا بالنخل لطولهم، شبهوا بالنخل لطولهم وذكر هنا وأنث في الحاقة" ﴿كأنهم أعجاز نخل خاوية﴾ [(٧) سورة الحاقة] هنا قال: أعجاز نخل منقعر وهناك قال في الحاقة ﴿نخل خاوية﴾ فذكر هنا منقعر، ما قال منقعرة وأنث في الحاقة، ما قال خاوي يقول المفسر: "مراعاة للفواصل في الموضعين" يعني مراعاة لرؤوس الآي، والنخل إن نظر إلى مفرده نخلة فهو مؤنث، وإن نظر إلى الجمع فهو مذكر، والجمع أيضاً يذكر ويؤنث، أعني جمع التكسير يذكر ويؤنث، يذكر باعتبار الجمع ويؤنث باعتبار الجماعة، ﴿فكيف كان عذاب ونذر﴾ يعني كما تقدم، ﴿فكيف كان عذاب ونذر﴾ يعني تأملوا، اعتبروا، تفكروا فيما حل بهم ﴿فكيف كان عذاب ونذر﴾ كيف كان عذابي لهم بهذا الطريقة، وهل تتحملون ما حل بهم، وكيف كان إنذاري إياهم بالآيات البينات، بالعظات البالغات على لسان أفصح قومه؟ وحصل لكم ما حصل من النذر بما لا يدع لأحد أي حجة.
﴿ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر﴾ [(١٧) سورة القمر].
وهذا يقول: من المعلوم أن تكرار الآية للتذكير والتنبيه، لكن ما مناسبة تكرار قوله:
﴿ولقد يسرنا القرآن﴾ بين كل قصة وأخرى، مع أن القصص على الأمة السابقة؟
الخطاب هنا ليس للأمم السابقة، الأمم السابقة كلها مضت، ولم يرد بهذا الخطاب سوانا فكوننا يكرر لنا قوله -جل وعلا-: ﴿ولقد يسرنا القرآن للذكر﴾ نعم الأخبار والقصص للأمم السابقة، وانتهت الأمم، ومضت الأمم السابقة، بقي دورنا ﴿ولقد يسرنا القرآن﴾ المشتمل على هذه القصص وعلى غيرها مما ينفع المكلف في دنياه وأخراه، لكن هل من مدكر؟ هل من متعظ؟.
стр. 506
كذبت ثمود بعد ذلك ثلث بقصة ثمود، قوم صالح ﵇ ﴿كذبت ثمود بالنذر﴾ [(٢٣) سورة القمر] "جمع نذير بمعنى منذر، أي بالأمور التي أنذرهم بها نبيهم صالح إن لم يؤمنوا به ويتبعوه" ﴿كذبت ثمود بالنذر﴾ "جمع نذير بمعنى منذر" والمنذر كما يطلق ويراد به من جاء بالنذارة، يطلق ويراد به النذارة نفسها، لأنها تنذر وتحذر، جمع نذير بمعنى بمنذر أي بالأمور التي أنذرهم بها نبيهم صالح، النذر إذا أردنا به الأنبياء الذين أنذروا وحذروا أرسل إليهم صالح، لكن من كذب صالح كذب غيره من الأنبياء؛ لأنه من كذب نبيا واحدا فقد كذب سائر الأنبياء، ولذا قال: ﴿بالنذر﴾ أو كذبوا بما أنذرهم به صالح ﵇ من الأساليب المتعددة التي أنذرهم بها إن لم يؤمنوا به ويتبعوه ﴿فقالوا﴾ [(٢٤) سورة القمر] كان ردهم أن قالوا ﴿فقالوا ابشرا﴾ "منصوب على الاشتغال" يفسره الفعل نتبعه فالتقدير فقالوا: أنتبع بشرا منصوب على الاشتغال ﴿منا واحدا﴾ صفات، أو "صفتان لبشرا" أين الصفتان؟ ﴿منا﴾ هذه صفة؛ لأنها جار ومجرور متعلق بمحذوف تقديره: " كائنا منا" متعلق بمحذوف صفة، ﴿واحدا﴾ صفة ثانية، الآن بشر نكرة حاجته إلى الوصف أكثر من حاجته إلى الحال وصف بكونه منهم، فهل هو بحاجة إلى وصف ثاني؟ أو حاجته إلى بيان حاله، أولى من وصفه؟ بعضهم يقول: ﴿واحدا﴾ حال مقدر، أو مؤولاً بمنفردا -يعني حال كونه منفرداً-، وعلى كل حال النكرة حاجته إلى الصفة والنعت أولى من حاجته إلى بيان الحال، لكن كونه بيُن وصفه بكونه منهم يعني يستوي فيه قوله: ﴿واحدا﴾ أنه وصف له أو بيان لحاله ﴿نتبعه﴾ "مفسرا للفعل الناصب له، مفسراً للفعل الناصب له والاستفهام بمعنى النفي" والاستفهام إنكاري بمعنى النفي، كيف نتبعه ونحن جماعة كثيرة وهو واحد منا وليس بملك، أو ليس بملَك أي لا نتبعه؟ "بمعنى كيف نتبعه ونحن جماعة كثيرة وهو واحد منا يعني منفرد؟ وليس بملًك من غيرنا أي لا نتبعه" ما له وصف يميزه، ما الذي يميزه علينا بأن يدعي ما ادعاء أو يخص من بيننا بالرسالة ﴿إنا إذا﴾ إنا أصلها إننا ﴿إذا﴾ يعني "إن اتبعناه" ﴿لفي ضلال﴾ لفي ضلال يقول المفسر: "ذهاب عن الصواب"، الضلال ضد الهدى إن اتبعنا واحد ليس له
стр. 507
ما يميزه إذا نحن ضالون ولسنا بمهتدين؛ لأنهم يزعمون أن الواحد شاذ، والرأي إنما هو مع الجماعة فكوننا نتبع وآحاد ونترك الجماعة هذا ضلال، هذا على حسب تقديرهم.
﴿لفي ضلال﴾ "ذهاب عن الصواب" ﴿وسعر﴾ أي "جنون" إما أن يكون مفردا أو جمع سعر، إما جمع السعير أو يكون مفرداً ومعناه الجنون، والمادة تدل على هذا التفسير يعني أصلها ومشتقاتها تدل على هذا فيقال: "سَعَر" و"انسعر" الفعل المطاوع إذا أصيب بالجنون أو ما يشبه الجنون، إذا أصيب بالجنون انسعر، وما يشبه الجنون من الافتتان بشيء لا يستحق، إما وراء دنيا ينسعر بها، ويتبعها نفسه، وتهيمن وتسيطر عليه على جميع أركانه وعلى تفكيره هذا انسعار، وهذا شبيه بالجنون، يعني إذا آثر ما يضر وترك ما ينفع هذا تصرف المجانين فقالوا: ﴿إنا إذا﴾ "إن اتبعناه" وليس له ما يميزه فنحن مجانين، انسعرنا وراءه تركنا عقولنا؛ لأن الذي ينسعر بالشيء، ويهتم له ويمشي وراءه من غير تفكير يكون قد ألقى عقله وراء ظهره، وهذا الشيء مشاهد يعني بعض الناس يلهث وراء هذه الدنيا، وتستولي عليه بجميعه بمجموعه بكليته فيتصرف تصرف المجانين، وإلا ماذا يستفيد الشخص إذا جمع مئات الملايين، بل زاد على ذلك، وأمضى وقته كله؟ هذا موجود في مشاهدة الشاشات والبورصات، وينظر ارتفع الذهب نزلت الفضة، ارتفع الدولار نزل الين، إذا ارتفع شيء أكل الحبة حبة الضغط، إذا نزل شيء أكل حبة السكر، إذا كذا وتارك جميع ملذات الدنيا لمشاهدة هذه الشاشات، بالله عليكم هل هذا عاقل وإلا مجنون؟ يعني أولاً ترك ما خلق لأجله وهو تحقيق العبودية لله -جل وعلا-، ترك الأنس بالأهل والأموال والأصحاب، ترك جميع ملذات الدنيا، هل هذه حياة؟ هل هذا عقل؟ يعني يملك ما يكفيه، ويكفي ولده العاشر من بعده إلى الطبقة العاشرة، أو إلى العشرين وهذه حياته، يطلع الفجر وهو على هذه الحالة، هذا انسعار، هذا ضرب من الجنون، ومن الناس من انسعر بأمور أخرى في متابعة النساء، في مشاهدة الأفلام، في كذا وكذا فيما يضر، هذا انسعار، هذا ضرب من الجنون.
стр. 508
ولذا أهل العلم يقولون: لو أوقف شخص وقفاً وقال: تصرف غلته للعقلاء هل ينظر في الأسواق أيهم أكثر كسباً؟ هؤلاء هم العقلاء، لا ينظر إلى العباد هؤلاء هم العقلاء الذين سعوا فيما يخلصهم من عذاب الله -جل وعلا-، الذين حققوا ما خلقوا من أجله، هؤلاء هم العقلاء حقيقة، أما من عداهم فكل بحسبه على حسب ما يسيطر عليه ﴿إنا إذا﴾ "إن اتبعناه" ﴿لفي ضلال﴾ "ذاهب عن الصواب" ﴿وسعر﴾ "جنون".
﴿أؤلقي الذكر عليه﴾ [(٢٥) سورة القمر] أؤلقي يقول: "بتحقيق الهمزتين، أؤلقي بتحقيق الهمزتين وتسهيل الثانية" أؤلقي، كيف تنطق أؤلقي، إيه بتسهيل الثانية "وإدخال ألف بينهما" بين الهمزتين أاؤلقي "على الوجهين" يعني على التحقيق والتسهيل "وتركه" فتكون القراءات أربعاً، ﴿الذكر﴾ "الوحي"، ﴿عليه من بيننا﴾ يعني كيف وقع الاختيار على هذا الشخص من بين المجموعة؟ إذا لم يوح إليه قال: "لم يوحَ إليه" ﴿بل هو كذاب﴾ "في قوله أنه أوحي إليه ما ذكر" يعني ما في ما يميزه من بين جماعته بحيث يوحي إليه، إذا "لم يوح إليه" ﴿بل هو كذاب﴾ "في قوله أنه أوحي إليه ما ذكر" ﴿أشر﴾ "متكبر بطر"، ﴿بل هو كذاب أشر﴾ يعني إذا كان يدعي ما لا دليل عليه حينئذ يكون كذاباً يعني كما نقول: لو قام واحد وقال: هو عيسى بن مريم مثلاً ماذا نقول له؟: كذاب، لو قام أخر وقال: أنا هارون الرشيد نقول: كذاب، لو قال: أنا ويدعي صفة نجزم بكذبه يكذب، لكن هل عندهم من الأدلة ما يجزمون بكذبه؟ ليس عندهم من الأدلة ما يدلهم على كذبه بل عندهم ما يدل على صدقه؛ لأن الأنبياء إنما هم خيار قومهم، خيار قومهم فهو أولاهم بهذه المهمة.
﴿بل هو كذاب﴾ في قوله: إنه أوحي إليه، ﴿أشر﴾ "بطر متكبر" يعني يدعي وصفا يتميز به عن غيره هذه صفة المتكبر، لو ادعى شخص وصف قال: إنه يحمل ثلاث مائة كيلو مثلاً ادعى هذا الوصف، ما الذي دعاه إلى هذه الدعوى؟ ما يدعوه إلا إرادة التميز على غيره والتكبر والأشر عليهم، وإلا فالمتواضع لو كانت حقيقته كذلك ما يقول هذا.
стр. 509
قال تعالى: ﴿سيعلمون غدا﴾ [(٢٦) سورة القمر] يعني "في "الآخرة" ﴿من الكذاب الأشر﴾، ﴿سيعلمون غدا﴾ ويطلق الغد ويراد به الآخرة، ﴿اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد﴾ [(١٨) سورة الحشر] ﴿ما قدمت لغد﴾ يعني ليوم القيامة، وقد يراد بالغد هنا يوم العذاب الآتي ذكره.
﴿سيعلمون غدا﴾ "في الآخرة" ﴿من الكذاب الأشر﴾ "وهو هم الذين كذبوا فيما زعموه أنه كذاب بأن يعذبوا على تكذيبهم نبيهم صالحا"، ﴿سيعلمون غدا من الكذاب الأشر﴾ "وهو هم الذين كذبوه وكذبوا عليه وكذبوا على مرسله فهم أهل الكذب بأن يعذبوا على تكذيبهم نبيهم صالحا".
﴿إنا مرسلو الناقة فتنة لهم﴾ [(٢٧) سورة القمر] ابتلاء اختبار هم طلبوا، قالوا: ما دام تدعي هذه الدعوة فلك إله ولنا آلهة، نطلب من آلهتنا وتطلب من إلهك، الذي يتحقق له ما يطلب هو الإله الحق، الذي يحقق الطلب هو الإله الحق، قالوا: ماذا تريدون؟ قالوا: نريد ناقة عُشَراء وبراء فطلبوا من آلهتهم ما حصل شيء، فطلب من الله -جل وعلا- فأخرج لهم هذه الناقة العشراء الوبراء من صخرة من هضبة.
﴿إنا مرسلو الناقة﴾ "مخرجوها من الهضبة الصخرة كما سألوا" قالوا: تخرج لنا من هذا الصخرة، من هذه الهضبة ناقة عشراء وبراء فخرجت، هذه معجزة لهذا النبي الكريم لكن كما قال الله -جل وعلا-: ﴿وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون﴾ [(١٠١) سورة يونس] ﴿فتنة﴾ محنة وابتلاء واختبار لهم لنختبرهم ما الذي حصل؟ كذبوا استمروا على تكذيبه، وفي النهاية قتلوها، ﴿فارتقبهم﴾ "يا صالح أي انتظر ما هم صانعون وما يصنع بهم"، ارتقب انتظر، انتظر ما هم صانعون، هل يصدقونك ويؤمنون بك، أو يكذبونك ثم بعد ذلك انتظر النتيجة ماذا يصنع بهم؟ وما لهم؟ ﴿واصطبر﴾ "الطاء بدل من تاء الافتعال أي أصبر على آذاهم"، أصلها أصتبر "تاء الافتعال تقلب طا صارت " اصطبر " أي اصبر على آذاهم لا بد من الصبر، لابد من التحمل هذه سبيل الأنبياء، وهذه طريقهم، لا بد من الدعوة إلى الحق ولابد من الصبر على الأذى فيه، أي اصبر على آذاهم.
﴿ونبئهم﴾ أخبرهم أن الماء ﴿قسمة﴾ يعني مقسوم بينهم وبين الناقة فيوم لهم ويم لها.
стр. 510
﴿ونبئهم أن الماء قسمة بينهم﴾ [(٢٨) سورة القمر] يعني "مقسوم" ﴿بينهم﴾ "وبين الناقة فيوم لهم ويوم لها" السياق يحتمل أن الماء يكون مقسوم بينهما فقط هم من غير ذكر للناقة هنا، لكن في موضع أخر ﴿لها شرب﴾ نعم، نعم.
فالآية الأخرى تفسر ما هنا ﴿ونبئهم أن الماء قسمة﴾ يعني "مقسوم" ﴿بينهم﴾ "وبين الناقة فيوم لهم ويوم لها" والجمع، بجمع المذكر لوحظ فيه تغليب الناس مقسوم بينهم وبين الناقة فيوم لهم ويوم لها ﴿كل شرب﴾ "نصيب"، الشرب النصيب، والشرب المصدر، مصدر شرب يشرب أو يشرب "نصيب من الماء" ﴿محتضر﴾ يعني محضور، ليس معناه من الحظر الذي هو المنع لا، إنما هو من الحضور محتضر "يحضره القوم يومهم والناقة يومها" يعني يحضره القوم، يعني قوم صالح في يومهم ونوبتهم، وتحضرها الناقة في يومها ونوبتها، فتمادوا على ذلك"، يعني في يوم يشربون من هذا الماء، في اليوم الثاني تشرب الناقة ويشربون من لبنها، يعني حرمانهم من الماء في اليوم الثاني إلى بدل أفضل منه، فالمتوقع من أناس كرام عقلاء يقدرون الأمور قدرها أن يؤمنوا ويشكروا هذا النعمة، لكن ما الذي حصل؟ فتمادوا على ذلك يعني مشوا عليه مدة ثم ملوه فهموا بقتل الناقة، ولا شك أن هؤلاء قوم لئام هموا بقتل الناقة.
﴿فنادوا صاحبهم﴾ [(٢٩) سورة القمر] قدار بن سالف أشقى القوم، "قدارا ليقتلها" ﴿فتعاطى﴾ -يعني "تناول السيف" - ﴿فعقر﴾ "به الناقة"، يعني ضربها في الأول مع رجلها بالسيف أو بسهم، يقولون: فرغت وبركت ثم جاء فأجهز عليها بالسيف، ﴿إذ انبعث أشقاها﴾ [(١٢) سورة الشمس] أشقى القوم، أشقى القبيلة الذي باشر، وإلا فالعقر نسب إليهم جميعهم؛ لأنهم أمروا به ورضوا به فالفعل ينسب إلى المباشر كما ينسب إلى المتسبب، وينسب إلى الراضي به ومن أعان عليه، ولذا جاء ﴿فعقروها﴾ [(١٥٧) سورة الشعراء] وهنا ﴿فتعاطى فعقر﴾ "أي قتلها موافقة لهم" فنسب إليه؛ لأنه هو المباشر، ونسب إليهم؛ لأنهم أمروا بذلك وأقروه ورضوا به، فالفعل ينسب إلى الجميع، ولذا نزل العقاب عليهم بعامة -نسأل الله العافية-.
стр. 511
﴿فكيف كان عذابي ونذر﴾ [(٢١) سورة القمر] "أي إنذاري لهم بالعذاب قبل نزوله أي وقع موقعه" والسنن الإلهية لا تتبدل ولا تتغير ولا تتحول، سنن مضطردة من أول الناس إلى أخرهم هذه عاقبة المكذبين، ولم يستثنى من ذلك إلا قوم يونس، لما رأوا العذاب أمنوا فكشف عنهم، أما بالنسبة لمن عداهم فالسنن واحدة والخشية من هذه السنن؛ لأن من ارتكب ما ارتكبوا عذب بما عذبوا به جزاء وفاقا "وبينه بقولهم: ﴿إنا أرسلنا عليهم صيحة واحدة فكانوا كهشيم المحتظر﴾ [(٣١) سورة القمر] أي الذي يجعل أو الذي يجعل المحتظر "هو الذي يجعل لغنمه حظيرة من يابس الشجر والشوك يحفظهن فيها من الذئاب والسباع وما سقط من ذلك فداسته يسمى الهشيم" فعيل بمعنى مهشوم مفعول؛ لأنه هشم هشمته هذه التي حظر عليها ومنع من دخول ما يؤذيها ومنعة من الخروج أيضا؛ لأن راعي الغنم وراعي الإبل وراعي المواشي يضع لها حظيرة إما من خشب وهذا كثير غالب، أو بسور مثلا، وفي البادية قد لا يتيسر لهم شيء من ذلك، فيضعون أشجاراً وأشواكاً وما أشبه ذلك تمنعها من الخروج، وتمنع من دخول غيرها إليها، ما يتساقط من هذا المواد التي احتظر بها تدوسه هذه الماشية، فإذا جاءته الريح ذرته هشيم تذروه الرياح، يطير.
﴿فكانوا﴾، ﴿إنا أرسلنا عليهم صيحة واحدة فكانوا كهشيم المحتظر﴾ [(٣١) سورة القمر] وما زال العامة في مزارعهم يضعون أو يجعلون شيئاً يسمونه حضار من هذا الباب، ـويتساقط منه أشياء وهو هشيم تذروه الرياح إذا جاءت الرياح طارت به، كناية على رقته وخفته وضعفه، يقول الشاعر:
ولكن البلاد إذا اقشعرت ... وصوح نبتها رعي الهشيم
стр. 512
يعني إذا ما بقي إلا هو إلى الله المشتكى، يعني كما يكون في بعض البلدان، في بعض الأزمان، يعني يحتاج الناس إلى أصغر طلاب العلم يسألونه، يعني يأتي مفتي مثلاً من بلاد من البلدان البعيدة تجده ما يعادل طالب علم صغير والأمة كلها متعلقة به؛ لأن البلاد اقشعرت وصوح نبتها ما فيها إلا هذا، لكننا نجد بعض أهل العلم الكبار يصدرون الفتوى بمثل هذا البيت، يعني وجدنها في فتوى كثيرة من أهل العلم كبار كبار بالفعل، علماء ربانيين يسأل فيصدر الفتوى بهذا البيت يعني من باب التواضع، وإلا قد يلجأ الناس إلى مثل من يتصف بهذا الوصف إذا ما وجد في البلد غيره، ولذا على طالب العلم أن يسعى جاهداً في خلاص نفسه وخلاص غيره، خلاص نفسه يكون بالعلم المؤسس المبنى على أساس متين من نصوص الوحيين، وفهم لكلام أهل العلم، واطلاع على أقوال فقهاء الأمة من أجل ألا يأتي بأقوال شاذة فلا يكون هشيما يتصف بهذا الوصف؛ لأن الناس قد يثقون بشخص ويسألونه ثم بعد ذلك إذا تتابع الناس عليه وتداركوا عليه اضطر أن يفتي بعلم وبغير علم، وهذا يوجد بكثرة في مثل هذه الأيام كما جاء في الحديث الصحيح ((إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من صدور العلماء، وإنما يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يبق عالماً اتخذ الناس رؤساء جهال، فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا)) وهذا موجود الآن يعني الوسائل تعددت، وكثير ممن يقول: ابن اعرفوني يتصدر لمثل هذا الأمور، بينما لو قرأنا في سير السلف وجدناهم يتدافعون الفتي، قد يتردد الشخص بين عشرة لا يجد من يفتيه والمسألة الاحتياط فيها صعب، والتحري فيها أيضاً مع منازعة النفس حظوظها فيه أيضاً ما فيه، فعلى الإنسان أن يسعى في خلاص نفسه، إذا كان العلماء الأئمة الكبار يصدرون الفتوى أنا وقفت عليها كثيراً ما هو بافتراض هذا إذا إيش البيت:
ولكن البلاد إذا اقشعرت ... وصوح نبتها رعي الهشيم
стр. 513
فهو يعتبر نفسه هشيم، وبعض طلاب العلم الصغار يعتبرون أنفسهم أئمة، لاشك أن مثل هذا منذر بخطر، ونسمع من يفتي بالفتاوى الشاذة المخالفة للنصوص، والمخالفة لما عليه صنيع الأئمة، ويبادر قد يسأل غيره في المجلس، يسأل شيخ كبير وهو حاضر فيبادر بالجواب قبله، تبي عافية لأن هذ مسؤولية وعليها تبعة؛ لأن الذي يفتي بغير علم هذا يكذب على الله -جل وعلا- ﴿وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلاَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ﴾ [(١١٦) سورة النحل] هذا كذب على الله -جل وعلا- ويدخل مثل هذا دخول أوليا في قوله -جل وعلا-: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ﴾ [(٦٠) سورة الزمر] فالإنسان يحرص على ألا يتعجل في مثل هذه الأمور، نعم إذا احتيج إليه واضطر إليه ما في البلد غيره، ولا يمكن الاتصال بغيره، المسألة ضاق وقتها يجتهد إذا كان من أهل الاجتهاد، وإذا كان يحفظ فتوى لأهل العلم يقول: أنا أحفظ لفلان، أنا أحفظ قول لفلان، لا يكلف نفسه ولا يحمل نفسه ما لا يطيق ﴿فكانوا كهشيم المحتضر﴾.
﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ﴾ [(١٧) سورة القمر] كررت مراراً ولقد يسرنا القرآن للذكر للتذكر سهل ولله الحمد، وهذه الأمة أناجيلها في صدوها، لكن لمن يدكر، لمن يتذكر لا لأهل الغفلة، لا لأهل الأماني ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ﴾ [(١٧) سورة القمر].
стр. 514
﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ﴾ [(٣٣) سورة القمر] انتهى من قوم نوح وعاد وثمود، ثم ذكر قوم لوط ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ﴾ [(٣٣) سورة القمر] "أي بالأمور المنذرة لهم على لسانه" على لسان لوط وهو ابن أخي إبراهيم -عليهم الصلاة والسلام-، ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ﴾ "أي بالأمور المنذرة لهم على لسانه" قوم لوط تكثر النسبة لمن يفعل الفاحشة نسبته إلى لوط فيقال: لوطي مثلاً نسبة إلى هذا النبي الكريم، ويفعل الفاحشة الفعلة يقال: لها لواط يعني فإذا قيل الفاحشة أما زنا أو لوط، والقذف الرمي بالزنا أو باللواط، فإذا قيل: فلان لوطي بمعنى أنه يرتكب هذه الفاحشة، فهل هذه النسبة لوطي إلى النبي لوط أو إلى الفعلة الخبيثة اللواط؟ يعني من فعل الفاحشة ينسب إلى لوط أو إلى الفاحشة نفسها؟ الفاحشة بلا شك، كما يقال: "زاني" يقال: " لوطي " بالنسبة إلى هذه الفاحشة، بعض الناس يستنكر هذه النسبة؛ لأن لوطي أضيفت ياء النسب إلى لوط فانتسب إليه كما يستنكر أيضا النسبة إلى المسيح، فالنصارى الذين بدلوا وحرفوا لا ينسبون إلى المسيح، فلا يقال: فلان مسيح؛ لأن ديانته اختلفت عن ديانة المسيح بالتحريف والتبديل والتغيير، فالمخالفة لا تنسب إلى الأنبياء فيقال: نصراني، ولا يقال: مسيحي، وهنا ماذا نقول بالنسبة لمن ارتكب هذه الفاحشة وهذه الفعلة الشنيعة المخالفة للفطر؟ حتى قال الوليد بن عبد الملك: لولا أن الله ذكر هذه الفاحشة في كتابه ما توقعت ولا صدقت أن ذكراً يعلوا ذكراً، فطر سليمة، فهل يقال لوطي، أو الأولى أن يقال: لواطي نسبة إلى الفعل لواط يعني أصل التسمية باللواط، لا شك أن يعني التسمية فيها شيء من اسم هذا النبي الكريم عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والتسليم، فيها وإلا ما فيها، لكن لواط اسم منحوت من فعلت قومه، من فعلت قومه فهل الأولى النسبة لهذه الفعلة الفاحشة أن يقال: لوطي باعتبار أن المسالة الفعلة نحتت من اسمه، أو نقول: لواطي نسبة إلى الفعلة نفسها، مع أن الألف قد تحذف في النسب، وقد تزاد في النسب فالنسب أمر فيه سعة قد تحذف منه الألف وقد، يعني النسائي والنسئي، يماني ويمني تحذف وتزاد، مسألة النسب أمرها فيه
стр. 515
سهولة، ومن هذه الحيثية كثر التعبير بالنسبة إلى هذا اللفظ، وإلا فالأصل أن النسبة إلى الفعل لواطي حذفت الألف تخفيفاً في النسبة.
﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ﴾ "أي بالأمور المنذرة لهم على لسانه".
﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا﴾ [(٣٤) سورة القمر] يعني عذابهم بهذا ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا﴾ "ريحاً ترميهم بالحصباء وهي صغار الحجارة الواحد دون ملء الكف فهلكوا" ريحاً ﴿حَاصِبًا﴾ ريحاً لأن حاصب اسم فاعل، الحاصب الفاعل للحصب وهو الرمي بالحصباء، فالذي ترميهم بالحصباء هي الريح، "ريح ترميهم بالحصباء وهي صغار الحجارة الواحد دون ملء الكف فهلكوا".
﴿إِلَّا آلَ لُوطٍ﴾ يعني عذابهم حصل بأن جبريل ﵇ رفع القرى، قرى قوم لوط إلى عنان السماء حتى سمع الملائكة صياح ديكتهم ونباح كلابهم، ثم نكسها فأتبعوا بالحجارة، وبهذا قال جمع من أهل العلم: إن فاعل هذه الفعلة الشنيعة يفعل به هكذا، يرمى من شاهق ويتبع بالحجارة، وقال بعضهم: إنه يرجم على أي حال؛ لأنهم أهلكوا بهذا الحاصب ﴿إِلَّا آلَ لُوطٍ﴾ "وهم ابنتاه معه" لما جاء الملائكة إلى لوط بعد مرورهم بإبراهيم ﵇ وإكرامه لهم، جاءوا إلى لوط فامرأة لوط أخبرت القوم بأن عنده أضياف على أحسن صورة، فجاءوا إلى لوط طرقوا الباب فلم يفتح لهم حاولوا الاقتحام يعني على ما جاء في التفاسير فقال جبريل: دعهم افتحوا الباب فطمست أعينهم كما سيأتي، طمست أعينهم فلم يروهم وقالوا للوط: رأيناهم دخلوا فأين ذهبوا؟ فأين ذهبوا؟ -الله المستعان-.
فهؤلاء في طغيانهم يعمهون -نسأل الله السلامة والعافية- وهذا شأن من ابتلي بهذه الشهوة، تجده لا ينظر إلى من أمامه، لا ينظر إلى شهوته، ولذلك يقولون: من ابتلي بهذه الشهوة سواء كانت بالنسبة للنساء أو للذكور تجده لا ينظر ما أمامه عقوبة من الله، وتجده سهل من السهل جداً أن يعثر عليه يعمى عما أمامه، ﴿إِلَّا آلَ لُوطٍ﴾ "وهم ابنتاه معه".
стр. 516
﴿نَّجَّيْنَاهُم بِسَحَرٍ﴾ بسحر من الأسحار، قال من الأسحار لماذا؟ ليبين أن لفظ سحر هنا نكرة؛ لأنه لو كان معرفة لمنع من الصرف لقيل ﴿نجيناهم بسحرَ﴾ بسحر "من الأسحار أي وقت الصبح من غير يوم معين"، يقول: ﴿إِلَّا آلَ لُوطٍ﴾ "وهم ابنتاه معه" وأما النسبة لامرأته فقد ضرب الله بها مثلاً للذين كفروا مع امرأة نوح، وهما ابنتاه معه ﴿نَّجَّيْنَاهُم بِسَحَرٍ﴾، بسحر يعني من الأسحار ليبين أنه نكرة في أي وقت الصبح من يوم غير معين؛ لأنه كان في يوم معين صار معرفة، معروف فيمنع من الصرف، يقول: "لو أريد من يوم معين لمنع من الصرف؛ لأنه معرفة معدول عن السحر، لأن حقه أن يستعمل في المعرفة بأل" وإذا كان معدول عن المعرفة فيمنع للعدل كما في عمر معدول عن عامر، والعدل من العلل كما هو معروف، أي: وقت الصبح الأصل في السحر أنه ما بين في أخر الليل قبل طلوع الصبح، لكن جاء في موضع آخر موعدهم الصبح وليس الصبح بقريب.
طيب لو كان يوم معين صار معرفة ومنع من الصرف، يعني مثل مصر إذا أريد به المصر المعروف وقال: ﴿وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِن مِّصْرَ﴾ [(٢١) سورة يوسف] منع من الصرف، وإذا كان مصر أي مصر من الأمصار فإنه يصرف كما في قوله تعالى
طالب. . . . . . . . .
هاه.
стр. 517
﴿اهْبِطُواْ مِصْراً﴾ [(٦١) سورة البقرة] يقول: وهل أرسل الحاصب على آل لوط أو لا؟ ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا إِلَّا آلَ لُوطٍ نَّجَّيْنَاهُم بِسَحَرٍ﴾ [(٣٤) سورة القمر] هذا الاستثناء هل يدل على أنه أرسل إليهم الحاصب كقوم لوط؟ أو أن الاستثناء إلا آل لوط لم يرسل عليهم؟ أو أرسل عليهم لكن ﴿نَّجَّيْنَاهُم بِسَحَرٍ﴾ الذي يظهر أنهم نجوا بسحر قبل الصبح الذي وقت حلول العذاب، ولذا يقول المؤلف: "وهل أرسل الحاصب على آل لوط أو لا؟ قولان" والذي يظهر أنه لم يرسل إليهم، نجاهم الله -جل وعلا- بالسحر قبل أن يحل هذا العذاب على قوم لوط في الصبح، "وعبر عن الاستثناء على الأول بأنه متصل"، يعني أرسل إليهم فالاستثناء متصل المستثنى من جنس المستثنى منه، كلهم أرسل إليهم "وعبر عن الاستثناء عن الأول بأنه متصل وعلى الثاني" على الأول بأنه متصل "وعلى الثاني بأنه منقطع" أنهم لم يرسل إليهم، لأنهم ليسوا من جنسهم، هم من جنسهم على كل حال، هم من الجنس على كل حال من الجنس البشري فهو متصل، اللهم إلا إذا قلنا إن من كذب جنس ومن آمن جنس قلنا استثناء منقطع، "وعلى الثاني بأنه منقطع وإن كان من الجنس تسمحاً"، هو من الجنس يعني باعتبار الجنس البشري، وباعتبار الموافقة والمخالفة من غير الجنس، وعلى كل حال آله الذين أمنوا به نجوا معه ﴿إِلَّا آلَ لُوطٍ﴾ ويدخل لوط في آله دخولاً أولياً، يدخل لوط في آله يعني هل يقال: إنه نجا آله وما يدرى عن مصيره، نجا من باب أولى والشخص يدخل في آله دخولاً أولياً كما في قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [(٤٦) سورة غافر] وهو معه بل هو يقدمهم نسأل الله العافية.
стр. 518
﴿نِعْمَةً﴾ "مصدر، أي إنعاماً" ﴿مِّنْ عِندِنَا﴾، ﴿إلا آل لوط نجيناهم بسحر* نِعْمَةً مِّنْ عِندِنَا﴾ [(٣٥) سورة القمر] "مصدر، أي أنعاما من عندنا" ﴿كَذَلِكَ﴾ "أي مثل ذلك الجزاء" ﴿نَجْزِي مَن شَكَرَ﴾ "أنعمنا وهو مؤمن"، الشاكر هل نحتاج أن نقول وهو مؤمن، أو من أمن بالله ورسوله وأطاعهما، يعني هل يمكن أن يكون الشكر من كافر، ﴿كَذَلِك َنَجْزِي مَن شَكَرَ﴾ الشكر من شرطه، صحة الشكر من شرطه الإيمان، أي مثل ذلك الإيمان ﴿نَجْزِي مَن شَكَرَ﴾ "أنعمنا وهو مؤمن أو من أمن بالله ورسوله وأطاعهما"؛ لأن الإيمان شرط لقبول الأعمال التي منها الشكر.
﴿وَلَقَدْ أَنذَرَهُم﴾ [(٣٦) سورة القمر] "خوفهم لوط" ﴿بَطْشَتَنَا﴾ أي: "أخذتنا إياهم بالعذاب" ﴿وَلَقَدْ أَنذَرَهُم﴾ "خوفهم لوط ﵇" ﴿بَطْشَتَنَا﴾ أي: "أخذتنا إياهم بالعذاب" ﴿فَتَمَارَوْا﴾ "تجادلوا وكذبوا"، تماروا من المراء والامتراء وهو الجدال، أو من المرية وهي الشك، شكوا في ذلك ﴿بِالنُّذُرِ﴾ أي: "بإنذاره".
﴿وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَن ضَيْفِهِ﴾ [(٣٧) سورة القمر] ﴿وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ﴾ قومه راودوا لوط عن ضيفه أي: "أن يخلي بينهم وبين القوم الذين أتوه في صورة الأضياف ليخبثوا بهم، وكانوا ملائكة"، ملائكة جاءوا من أجل تنفيذ ما أمر الله به -جل وعلا- من عذابه، مروراً بإبراهيم حين أكرمهم ثم بلوط ﵇، هؤلاء جاءهم الخبر أن لوطاً عنده أضياف على صور شباب في غاية من الحسن والبهاء والجمال، جاءوا فراودوه يعني تفاوضوا معه وكرروا ذلك "أن يخلي بينهم وبين القوم الذين أتوه في صورة الأضياف ليخبثوا بهم"، يعني ليفعلوا بهم هذا العمل الخبيث الشنيع "وكانوا ملائكة" ﴿فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ﴾ "أعميناهم وجعلناها بلا شق كباقي الوجه" طمس مسح ما في فتحات للعيون، ومنهم من يقول: إنهم أخذت أبصارهم وبقية عيونهم قائمة.
стр. 519
﴿فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ﴾ "أعميناهم وجعلناها بلا شق كباقي الوجه بأن صفقها جبريل بجناحه"، ﴿فَذُوقُوا﴾ "فقلنا لهم ذوقوا"، "فقلنا لهم ذوقوا" وكثيراً ما يقدر القول ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكْفَرْتُم﴾ [(١٠٦) سورة آل عمران] يعني فيقال لهم: أكفرتم وهنا ﴿فَذُوقُوا﴾ "فقلنا لهم ذوقوا" ﴿عَذَابِي وَنُذُرِ﴾ "أي إنذاري وتخويفي أي ثمرته وفائدته" هذه النتيجة، ذوقوا هذه النتيجة المرة؛ لأن الذوق يبين الطعم ﴿فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ﴾ "أي إنذاري وتخويفي أي ذوقوا ثمرته وفائدته" فالثمرة هي التي تذاق.
﴿وَلَقَدْ صَبَّحَهُم بُكْرَةً﴾ [(٣٨) سورة القمر] "وقت الصبح من يوم غير معين" للعلة السابقة في سحر، ﴿عَذَابٌ مُّسْتَقِرٌّ﴾ "دائم متصل بعذاب الآخرة" ﴿مُّسْتَقِرٌّ﴾ "دائم متصل بعذاب الآخرة" يعني مستقر، يعني متواصل على أن هلكوا جميعهم، ومباشرة بوشروا بعذاب البرزخ الذي يتلوه عذاب النار -نسأل الله السلامة والعافية- ﴿فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ﴾ [(٣٩) سورة القمر] كما تقدم.
﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ﴾ [(٤٠) سورة القمر].
والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. . . . . . . . .؛؛؛
стр. 520
تفسير الجلالين - تفسير سورة القمر (٣)
من الآية ٤١ إلى آخر السورة
الشيخ: عبد الكريم الخضير
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
هذا يقول: خرجت مع أهلي إلى السوق، واشتريت لهم أغراضاً ورجعت إلى البيت بعد العشاء، لكن رأيت كثيراً من النساء متكشفات لا يغطين شعورهن وأيديهن يقول: لو أخبرنا أحد أن هذا في غير بلاد المسلمين ممكن نصدق، لكن هذا الشيء موجود في بلاد غير بعيدة عن الحرمين الشريفين؟
على كل حال التبرج موجود والمخالفات موجودة، التبرج موجود في بلاد الحرمين وغيرها من البلدان، ولا شك أن هذا تساهل من أولياء الأمور بالنسبة للنساء، والنساء بحاجة إلى أن يحزم أمرها من قبل وليها ولا يترك لها هذا الأمر؛ لأنها ضعيفة وسريعة التأثر والتقليد، النساء من القدم على هذا إلا من منّ الله عليها بالهداية، ولذا جاء النهي عن التبرج في نصوص الكتاب والسنة ﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ [(٣٣) سورة الأحزاب]، لكن كما أخبر النبي ﵊ ((لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القُذة بالقُذة)) وذكر القرطبي أن من مظاهر تبرج الجاهلية الأولى يقول: شق القميص من الجانبين، نظرت إلى أسواق المسلمين وما يعرض فيها وجدت هذا الأمر موجوداً، وهي معصية من المعاصي مخالفة من المخالفات، ولا شك أن لها أثرها على الشباب وغير الشباب ممن يفتتن بهذه المظاهر والمناظر، فهي شريكة لمن يفتتن بها بل هي السبب في فتنة الرجال بها.
وفتنة الرجال بالنساء هي أخوف ما يخافه النبي ﵊ على هذه الأمة، وقد وقع ما خافه وجد التبرج، وجد التحرش من الجنس الثاني، ولا شك أن الطرفين شريكان في هذا الأمر والمسؤولية والتبعية تقع أولاً على ولي أمر المرأة، المرأة نفسها المباشرة، ثم على ولي أمرها، ثم على ولاة الأمر عامة، وولاة الأمر كما هو معلوم وظفوا لمن ينكر هذا الأمور في الأسواق، ولكن لا شك أن المسألة تحتاج إلى مزيد عناية ومزيد حزم في هذا الباب ونسأل الله التوفيق للجميع.
يقول: هل وضع لافتة على الطريق مراقب بالرادار يعد من الكذب؟
стр. 521
يعني إن كان ليس بمراقب فهو كذب، إن خالف الواقع صار غير مراقب بالفعل فهو كذب.
يقول: أنا من الذين يتمنون العلم، وأعمل جاهداً لعمل برامج للمراجعة سواء للقرآن أو الدروس، لكنها لا تنجح؟ فبماذا تنصحونني؟
على كل حال المسألة إذا عرفت قدر العلم، إذا عرفت قدر ما تطلب ولن تعرف ذلك إلا بقراءة النصوص الواردة، والنظر في سير أهل العلم الذين صبروا على شدائد التحصيل، هذا يعطيك دفعة قوية لمضاعفة الجهد، فعليك أن تعنى بهذا الأمر وتتابع الحفظ والمراجعة.
يقول: رجل لا يستطيع المشي ويسكن في الدور الثاني؟ هل يجب عليه أن يذهب إلى صلاة الجماعة ولو بشراء عربية يركب عليها؟
صلاة الجماعة واجبة بالنسبة لمن يسمع النداء، لما جاء ابن أم مكتوم ورجل أعمى بعيد عن المسجد، وبينه وبين المسجد وادي وفيه مشقة عليه، رخص له النبي ﵊ في أول الأمر، ثم قال له: ((أتسمع النداء))، قال: نعم، قال: ((أجب لا أجد لك رخصة)) فإذا كان يستطيع شراء العربية بما لا يشق عليه في ماله فما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
يقول: أنا شخص كنت أقوم الليل، أقوم من الليل كهدي النبي ﷺ ثم إني بدأت أترك القيام شيئاً فشيئا حتى تركته؟ فما الأسباب المعينة على قيام الليل؟
أولاً: تعلم أن النبي ﵊ "إذا عمل عملاً أثبته" وأنت لو أنك من الأصل ما تقوم كان أسهل من كونك تقوم ثم تترك؛ لأن ترك الشيء عدولاً عنه ورغبة عنه يدل على ضعف في التدين -ضعف طارئ-، كنت على قدر من التدين قوي ومتين ثم بعد ذلك أصبحت تتنازل عنه، ((وأحب الأعمال إلى الله أدومه وإن قل))، فحاول أن تعود إلى قيام الليل تدريجياً، وإن كنت لا تستطيع أن تقوم بعد النوم فتوتر قبل أن تنام.
يقول: يكثر في مدينة جدة نقل الطالبات والمعلمات، والغالب على من يقوم بتوصيلهن مجموعة من الأخوة المستقيمين، فهل يعتبر إذا لم تبق في الحافلة إلا واحدة من الطالبات خلوة مع وجود فاصل زجاجي داخل المدينة، وهل هذا يعد من الدخول على النساء؟
لاشك أن هذه خلوة، وعلى الذي ينقل الطالبات داخل البلاد دون سفر أن يتخذ محرماً من محارمه؛ لئلا تحصل الخلوة المحرمة.
стр. 522
يقول: ما حكم الاحتفال بليلة الإسراء والمعراج؟
بدعة ما فعله النبي ﵊، ولا صحابته الكرام، ولا سلف هذه الأمة ولو كان خيراً لسبقونا إليه.
الأمر الثاني: أن معرفة الليلة التي أسري فيها بالنبي ﵊ محل خلاف بين أهل العلم لم يتفق عليها.
وما حكم صنع الحلويات في هذا اليوم؟
تابع له، المرتب على البدعة بدعة أيضاً.
وهل ورد أثر في تخصيص هذا اليوم بعبادة أو صوم أو ... ؟
لم يرد فيه شيء، جميع ما ورد فيه لا أصل له.
يقول: ما حكم إزالة شعر الوجه للمرأة من غير الحاجبين؟
المرأة، الشعر الذي يخرج في وجه المرأة إزالته داخل في النمص إلا ما يقذرها، بحيث تقذر به، وتعاب به، ومن ذلك كما قال أهل العلم: لو خرج في موضع الشارب أو اللحية فإنها تزيله.
يقول: هل جلوس الإمام في غرفة تابعة للمجسد يذكر الله يدخل في أجر من جلس إلى الإشراق، وهل الحديث ((ثم جلس في مصلاه)) يعم جميع المسجد؟
المسجد كله مصلى، ما كان داخل سور المسجد فهو كله مصلى، لكن المصلى الأخص هو المكان الذي أدى فيه الصلاة، فإن أمكنه أن يجلس فيه بلا مشقة فدخوله في النص قطعي يبقي بقية أجزاء المسجد، إن كان جلوسه في مكان أخر أرفق به ومما يعينه على الجلوس فالمسجد كله مصلى.
هذه من المغرب تقول: هل اللعب على الورق وما يمسى بالكارطا عندنا جائز، كما أنني حلفت ألا ألعبها وبعد ذلك حنثت فهل علي كفارة؟
نعم الكفارة لازمة، واللعب بالورق إذا كان لمجرد التسلية وليس فيه ضياع للوقت، ولا صد عن ذكر الله، ولا عن الصلاة، ولا يترتب عليه ألفاظ بذيئة، وليس فيها جعل مالي فإذا توافرت هذه الشروط فجمع من أهل العلم يطلقون الكراهة في مثل هذا، ولمشابهته للشطرنج التي جاء التحذير منها منع جمع من أهل العلم هذا الباب بالكلية وسدوه بالكلية، لكن العبث اليسير الذي لا يترتب عليه شيء، لا شك أن له أصل عبث يسير لا يترتب عليه شيء، كنتف عود مثلاً، أو إدخال للخاتم ولعب به وما أشبه ذلك هذا كله لا يؤثر، هذا من العبث واللهو الذي له أصل، أما ما عدا ذلك مما يترتب عليه شحناء وبغضاء كالعلل الموجودة في تحريم الخمر فإن هذه لا تجوز بالكلية البتة.
стр. 523
يقول: ((ما من امرأة خلعت ثيابها في غير بيت زوجها إلا هتكت الستر بينها وبين ربها)) هل هذا الحديث صحيح؟
نعم، ثابت.
وهل يدخل في هذا إذا خلعت المرأة ثيابها في غرف تبديل الملابس في بعض المحلات لتجرب الفستان؟
نعم يدخل فيه.
وهل يدخل أيضاً إذا خلعت ملابسها في المشاغل النسائية لإزالة الشعر وغيره؟
نعم يدخل فيه، لكن لو زارت أهلها أو أحداً من محارمها أو أقاربها أو احتاجت أن تسكن في بيت أخر غير بيت زوجها، ثم احتاجت إلى خلع الملابس فلا مانع؛ لأن النبي ﵊ قال لفاطمة بنت قيس: ((اعتدي عند ابن أم مكتوم فإنه رجل أعمى تضعين ثيابك)).
يقول: ما نصيحتكم لنا من الآن حتى نعان على العبادة في رمضان؟
عليك أن تتعرف على الله -جل وعلا- في الرخاء، يعني في أيام السعة في مثل هذه الأيام؛ لأن أيام المواسم إنما يستفيد منها ويستغلها من تعرف على الله في الرخاء، أما شخص عاش على اللهو والغفلة ثم بعد ذلك إذا جاءت أيام المضاعفات أراد أن يستغلها فهذا في الغالب لا يعان.
يقول: هل يجوز مشاهدة الصور الجنسية، أو الأفلام بحجة تعلم فنون المعاشرة؟ وهل يجوز للزوج إجبار زوجته على مشاهدة مثل هذه الأفلام؟
لا يجوز له هو فضلاً عن أن يجبر زوجته، ولا يجوز له اقتناء مثل هذا الأفلام.
هذا يقول: ما هي أحكام الزينة المتعلقة بالعروس سواء ليلة الدخلة أم ليلة العقد، وهل تظهر بكامل زينتها للنساء أم هو خاص للزوج فقط، مع العلم بوضع رموش تركيبة على رموش العين، ورسم الحواجب بقلم الكحل الأسود، أو بني، أو إدعاج العين برسم من الألوان المختلفة؟
الزينة ليلة العرس معروف أنها مطلوبة لكنها في الأصل للزوج، الأصل أن التزين إنما يكون للزوج، ولا مانع أن تخرج بزينتها للنساء بالحدود الشرعية بالأمور المباحة؛ لأن حكم النساء حكم المحارم فلا تبدي من بدنها ما لا يجوز إظهاره لغير المحارم.
مع العلم بوضع رموش تركيبة على رموش العين؟
هذا وصل لا يجوز.
رسم الحواجب بقلم الكحل الأسود أو بني أو إدعاج العين؟
стр. 524
هذا إذا سلم من التشبه وكان بلون الشعر، أو بلون أخر غير لون البشرة، بحيث إذا رآها الرائي قال: إنها نامصة، فهذا، وسلم الأمر في ذلك كله من التشبه، فالأمر في سعة -إن شاء الله تعالى-.
يقول: بخصوص كفارة الإطعام، هل يجوز إخراج نوع من الطعام لا يحبه المخرج، بينما يحبه من يأكله؟
﴿لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [(٩٢) سورة آل عمران] ﴿وَلاَ تَيَمَّمُواْ الْخَبِيثَ﴾ [(٢٦٧) سورة البقرة] كل هذا يدل عل أن الإنسان عليه أن يخرج مما يحب، لكن قد يكون كما هو حال بعض الناس يحب أشياء يتفرد بها، بينما غيره لا يحبها فينظر إلى الأنفع للمتصدق عليه.
بخصوص العدد، هل يكون احتساب العدد بالنسبة لمن يأكل هذا المقدار، أو بالنسبة لمن يكفيهم هذا الطعام؟
إذا كان الطعام نيئاً غير مطبوخ فالمعتبر أنه بالكيل المعروف نصف صاع، نصف صاع لكل مسكين -خمسة آصع- كفارة اليمين، أما إذا كان مطبوخاً وقدر مثلاً أن هذا الطعام طعام على ما يقولونه في المطاعم عشرة أنفار فإن هذا يكفي؛ لأن القصد الإطعام.
يقول: هناك بعض المطاعم تأتي بلحوم من خارج المملكة، ويقول: ولقد وردني أن طريقة ذبحها غريبة، يقول: إن هناك جهاز ينطق ببسم الله وهو نفس الجهاز ويذبح الحيوان دجاج أو غنم أو بقر؟
هذه ليست بذبحية، الذبح إنما هو يكون بيد مكلف، ويذكر اسم الله عليه، والمكلف إما مسلم أو كتابي لا يجوز ذبح الآلات من غير حضور مكلف وتسمية المكلف.
يقول: في قوله تعالى في أواخر سورة الزمر: ﴿لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [(٥٨) سورة الزمر] أنه لم يقل فأكون من المسلمين، أو من المؤمنين، بل ذكر الإحسان؛ لأنه أعلى الدرجات؟
هو بعد ما عاين وتمنى الرجعة لا شك أنه لن يتمنى الأدنى مع قدرته على الأعلى، وكل واحد حتى من الأحياء من المسلمين يتمنى أن يكون محسناً مع أن من تمنى هذا الأمنية بعد أن عاين، أخبر الله -جل وعلا- عنه وعن أمثاله أنه سوف يعود إلى ما كان عليه قبل وفاته ﴿وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ﴾ [(٢٨) سورة الأنعام].
стр. 525
يقول: عندما يريد طالب العلم قراءة تفسير مختصر القرآن، هل من أول القرآن لآخره من قراءة سريعة، بحيث يأخذ فكرة عامة عن معنى هذه الآيات التي في السور؟ ومن ثم يقرأ من المطولات، أم أنه يبدأ من أول القرآن بتفسير مطول مفصل مثل: تفسير ابن كثير والطبري، أو يبدأ بالأجزاء الأخيرة ويقرأ في تفسيره على مختلف درجاتها؟
على كل حال الطالب المبتدئ يقرأ في المختصرات، ويقرأ في كتاب واحد يعتمده أما تفسير الشيخ ابن سعدي، أو تفسير الشيخ فيصل بن المبارك، ويقرآه من أوله إلى آخره قراءة درس كمتن من المتون، ويهتم بالكلمات الغريبة، ويراجع تفسير غريب القرآن للسجستاني، أو ابن قتيبة، أو المفردات للراغب، أو غيرها، يهتم؛ لأن معرفة الغريب يحل عند طالب العلم كثير من الإشكالات، ويعني أيضا بالإشكال بالنسبة للمعاني، المشكلات من ذلك مشكل القرآن لابن قتيبة وغيره، ويقرأ بعد ذلك ما يناسب الطبقة التي تلي طبقته من الكتب المتوسطة، فإذا قرأ في تفسير الشيخ ابن سعدي وتفسير الشيخ فيصل مع الجلالين استفاد فائدة عظيمة، ثم ينتقل إلى تفسير ابن كثير والشوكاني ثم بعد ذلك ينتقل إلى التفاسير المطولة.
يقول: يوجد في الأسواق أسور يوضع على معصم اليد يفيد في إزالة الموجات الكهربائية من الجسم، ما حكم استخدامه وهل يعتبر تِولة؟
ينظر فيه الآن هو اتخذ سبب لإزالة هذه الموجات، كونه سبب شرعي، ليس بسبب شرعي؛ لأنه لم يرد فيه نص، كونه سبب عادي إذا اتفق أهل الخبرة والمعرفة وجرب واضطرد في ذلك، واحتيج إليه، احتاج إليه بعض الناس ممن تزيد عنده هذه الموجات ووصف له كعلاج لا بأس إذا كان مضطرداً، أما إذ لم يعرف بذلك فهو من الشرك؛ لأنه ليس بسبب عادي ولا شرعي فلابد أن ينتبه لهذا، وقد يحتاجه فلان فيصرف له، وقد لا يحتاجه فلان فيكون من النوع الثاني.
يقول: نريد دورة في التفسير في منطقتنا بأبهى لقلة الدروس عندنا وحاجتنا إلى ذلك؟
على كل حال النظر في الطلب يجري -إن شاء الله تعالى- ولعل الله ييسر.
стр. 526
هذا يقول: ثناؤك في الدرس الأول على التصنيف، وأنه يحفظ اسم المصنف يفرحنا كثيراً، ويجعلنا نسأل عن شروحاتك المكتوبة التي نطالبك بها من زمن كشرح نظم النخبة وغيرها، فهل هناك كتب تحت الطبع؟
أما بالنسبة للمكتوب فكثير، لكنه بيد غيري على كثرة التفريغات تحتاج إلى مراجعة، والوقت يعني ما يسعف بمراجعة كل ما كتب فنحتاج إلى شيء من الوقت، أما نظم النخبة فيصدر قريباً -إن شاء الله تعالى-.
يقول: ما الكتب التي يعتمد عليها طالب علم الحديث معرفة رجال الأسانيد والحكم عليها، ومن هم شيوخهم وطلابهم مع ذكر أحسن الطبعات؟
معروف أن كتب الرجال كثيرة ومتشعبة، منها تواريخ الإمام البخاري، وسؤالات الإمام أحمد وعلله، ومنها أيضاً ما كتبه الإمام على بن المديني ويحيى بن معين والأئمة الكبار، والجرح والتعديل لأبن أبي حاتم، والثقات والمجروحين لابن حبان، ثم بعد ذلك ما يدور في فلك الكتب الستة الكمال للحافظ عبد الغني، وتهذيبه للحافظ المزي، وتهذيب تهذيبه لابن لحجر، والتقريب والكاشف والتذهيب وغيرها من الكتب، كلها ولله الحمد موجودة ومتداولة، أما ذكر أحسن طبعاته فتحاج إلى وقت لعله أن يتيسر في ذلك شيء مكتوب.
يقول: بعض العلماء ألحق الماتريدية والأشاعرة المتقدمين بأهل السنة الحنابلة، وعلل ذلك بكون الخلاف في بعض مسائل الاعتقاد يسوغ لإمكان الاجتهاد فيها، فقد اختلف أصحاب النبي ﷺ في بعضها، وفرق بين المتأخرين منهم والمتقدمين، وقال: بإن المتأخرين أتوا بطوام لم يكن عليها أسلافهم؟
لا شك أن المتأخرين بعد أن ألزموا بلوازم التزموا بها، فأخرجتهم عن مسار أئمتهم المتقدمين، والسفاريني ذكر في مقدمة شرحه لعقيدته أن أهل السنة ثلاث فرق:
الأثرية وإمامهم الإمام أحمد بن حنبل.
والأشعرية وإمامهم أبو الحسن.
стр. 527
والماتريدية وإمامهم أبو منصور، لكن هذا الكلام لم يوافق عليه، وكون الصحابة اختلفوا في بعض مسائل الاعتقاد كالروية مثلاً، كرؤية النبي ﵊ لربه وما أشبه ذلك، يجعل المتأخر له حق النظر فيما اختلفوا فيه، أما ما اتفقوا عليه فليس له حق النظر، ما اتفقوا عليه وأجمعوا عليه لا يسوغ لأحد النظر فيه، ولا يسوغ فيه خلاف ولا الاجتهاد، ما دام الصحابة اتفقوا على ذلك، فكيف يقال: إن الأشاعرة الذين ينفون الصفات التي أجمع عليها سلف الأمة يتأولونها يقال: هم من أهل السنة لا، نعم لو قيل إنهم أقرب إلى أهل السنة نعم، أقرب من غيرهم في بعض أبواب الاعتقاد مع أنهم في بعض الأبواب هناك بعد بينهم وبين أهل السنة، وهناك لوازم ألزموا بها والتزموا بها، شيء لا يمكن أن يقروا عليه، فالذي ينكر ما ثبت عن الله وعن رسوله ﵊ بالنسبة لما يتعلق بالرب -جل وعلا- من أسماء وصفات وأفعال وما أشبه ذلك هذا لا يمكن أن يكون من أهل السنة ويخالف السنة، وكذلك الماتريدية.
يقول: سؤالي عن صحة قول بعض المفسرين: بأن يوسف ﵇ تزوج بامرأة العزيز بعد وفاة زوجها، ووجدها عذراء، ورزق منها بنين؟
هذا يتداوله بعض المفسرين الذين لهم نهم بالإسرائيليات، والله أعلم بصحة ذلك.
يقول: لماذا لم يهلك الله هذه الأمم الكافرة به المشركة، رغم أنهم قد فعلوا في الأرض أكثر، وأكثروا فيها الفساد، وفعل، يقول: وفعل بوش وأعوانه للمسلمين كما فعل فرعون وأعوانه بموسى ومن معه، فما الحكمة من عدم إهلاكهم؟
стр. 528
أولاً: الأمم التي أهلكت آذت من لا يستحق الأذى، آذت أنبياء، آذت أولياء، وأما بالنسبة للأمم المتأخرة فلا شك أن فيهم ظلم وطغيان وجبروت، ولديهم من الأسلحة الفتاكة التي يتوصلون إلى أذى المسلمين أكثر مما كان عليه الأمر في السابق، لكنهم سلطوا على المسلمين بذنوبهم هم ظلمة ومستحقون للانتقام من الله -جل وعلا-، لكن بالمقابل الطرف الثاني ﴿فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ﴾ [(٣٠) سورة الشورى] يعني فرق بين من يتصدى لنبي من الأنبياء ويؤذيه ويؤذي أصحابه والمتبعين له المقتدين به، وبين من يؤذي، بعضهم استحق هذا الأذى بذنوبه، والبعض الآخر يبعثون على نياتهم؛ لأن المصائب إذا نزلت عمت الصالح والطالح، وكثير منهم شركاء، والساكت عن الحق والساكت عن الإنكار مستحق للعقوبة، على كل حال هذا ابتلى من الله -جل وعلا- وهذا تمحيص، لا يعني أنهم استحقوا هذا العذاب بمعنى أنه لا يلام من آذاهم؛ لأن الإنسان، والمسائل مثل هذا المسائل يكون فيها أكثر من طرف، يكون فيها أكثر من طرف، دعونا في أمور فردية شخص من المسلمين عاصي سلط عليه ظالم، نقول: سلط عليه بما كسبت يداه هذا بالنسبة لهذا العاصي، وبالنسبة للظالم ﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ اللهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾ [(٤٢) سورة إبراهيم] كل له خطابه من الشرع، كل له ما يخصه من خطاب الشرع، يعني كون هذا مستحق للعقوبة؛ لأنه عاصي لا يعني أن من اعتدى عليه ليس بآثم ولا ظالم لا، فهذا مستحق لهذه العقوبة لتكفير ذنبه، وذاك ظالم بلا شك لاعتدائه على مسلم، وإن كان في الأصل مستحق لكن العقوبة ليست من البشر، العقوبة من الله -جل وعلا-، هو الذي يعاقب على هذه الذنوب، لكن قد يعاقب بعذاب الآخرة وقد يعجل هذه العقوبة على يد ولي أمر يقيم عليه الحد بأمر الله -جل وعلا-، وقد يعاقبه بتسليط ظالم عليه، لكن هذا لا يعفي الظالم من كونه مرتكب لجريمة.
يقول: أخذت على نفسي عهداً ألا أحضر درساً يشغلني عن وردي اليومي من القرآن فهل هذا صحيح؟
стр. 529
نعم صحيح، وردك اليومي من القرآن لابد أن تعتني به ولا تتركه على الفراغ؛ لأن بعض طلاب العلم يترك القرآن في أوقات الفراغ، فإذا تقدم إلى الصلاة قبل الإقامة بربع ساعة أو أقل أو أكثر قرأ القران وإلا فلا، هذا لن يقرأ القرآن حتى يكون له ورد مخصص محدد له أول وله أخر في كل يوم، وطالب العلم يليق به جداً أن يقرأ القرآن في سبع ولا يشق عليه ولا يعقه عن أي عمل من الأعمال، في وقت ضائع يصلي الصبح ويجلس في مصلاه يقرأ القرآن حتى تنتشر الشمس، وحينئذ يقرأ القرآن في سبع وهذا لا يعقه عن شيء، لا من أمر دينه ولا دنياه.
يقول: عمري خمس وثلاثون سنة، وأقسم بالله أن عندي رغبة شديدة لطلب العلم وبعض الأخوة يقولون: لا تستطيع أن تكون طالب علم مؤصل، فهل أستطيع أن ابدأ بطلب العلم بعد هذا العمر، وكيف ابدأ؟
تستطيع، وحفظ القرآن عجائز جاوزن السبعين من العمر، وصالح بن كيسان بدأ بطلب العلم على أحد الأقوال وعمره تسعون سنة، وأقل ما قيل في عمره خمسون، وتابع الطلب وحفظ الحديث ولازم الزهري حتى عد من كبار الآخذين عن الزهري، مع كثرة من أخذ الحديث عن الزهري يعد صالح بن كيسان من كبارهم ومن أشهرهم، وأقل ما قيل في عمره خمسون سنة فلا تيأس.
الحمد لله رب العالمين، وصلى وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين:
أما بعد: ـ
стр. 530
فيقول المفسر -رحمه الله تعالى- في قوله -جل وعلا-: ﴿وَلَقَدْ جَاء آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ﴾ [(٤١) سورة القمر] ﴿وَلَقَدْ جَاء آلَ فِرْعَوْنَ﴾ "قومه"، ﴿وَلَقَدْ جَاء آلَ فِرْعَوْنَ﴾ الآل: هم الأهل في الأصل والأتباع، ويدخل فيهم الشخص دخولاً أولياً ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [(٤٦) سورة غافر] مع أنه جاء في سورة هود أنه يقدم قومه فهل يسلم فرعون؟ لأن الله -جل وعلا- قال: ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ﴾ فماذا عن فرعون؟ دخوله في آله دخولاً أولياً ﴿وَلَقَدْ جَاء آلَ فِرْعَوْنَ﴾ "قومه معه"، ﴿النُّذُرُ﴾ "الإنذار"، نذر قضايا أنذرهم بها موسى ﵇ فالمراد بـ ﴿النذر﴾ "الإنذار على لسان موسى وهارون فلم يؤمنوا"، والنذر يأتي ويراد به جمع النذير، والنذير والمنذر بمعنى واحد، جاءهم أكثر من منذر جاءهم موسى، جاءهم هارون، ويطلق الجمع على الاثنين، فأقل الجمع اثنان عند جمع من أهل العلم، أو يكون المراد بالنذر ما أنذرهم به وخوفهم به موسى ﵇.
فلم يؤمنوا، بل ﴿كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كُلِّهَا﴾ [(٤٢) سورة القمر]، يقول: أي "التسع التي أؤتيها موسى"، التسع:
اليد، والعصى، والقمل، والضفادع، والدم، والطمس وأيضاً، الجراد، والسنين بقت واحدة، نعم.
طالب. . . . . . . . .
الطوفان إيش لا، الدم نعم تسع.
طالب: ذُكر
نعم كيف؟ قبل ذلك، طيب نعيد، هات.
طالب:. . . . . . . . .
следующие страницы →