← Тафсир

Тафсир · id 23842

التعليق على تفسير الجلالين - عبد الكريم الخضير

عبد الكريم الخضير

Полный текст (768 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

هذا يقول: ثناؤك في الدرس الأول على التصنيف، وأنه يحفظ اسم المصنف يفرحنا كثيراً، ويجعلنا نسأل عن شروحاتك المكتوبة التي نطالبك بها من زمن كشرح نظم النخبة وغيرها، فهل هناك كتب تحت الطبع؟ أما بالنسبة للمكتوب فكثير، لكنه بيد غيري على كثرة التفريغات تحتاج إلى مراجعة، والوقت يعني ما يسعف بمراجعة كل ما كتب فنحتاج إلى شيء من الوقت، أما نظم النخبة فيصدر قريباً -إن شاء الله تعالى-. يقول: ما الكتب التي يعتمد عليها طالب علم الحديث معرفة رجال الأسانيد والحكم عليها، ومن هم شيوخهم وطلابهم مع ذكر أحسن الطبعات؟ معروف أن كتب الرجال كثيرة ومتشعبة، منها تواريخ الإمام البخاري، وسؤالات الإمام أحمد وعلله، ومنها أيضاً ما كتبه الإمام على بن المديني ويحيى بن معين والأئمة الكبار، والجرح والتعديل لأبن أبي حاتم، والثقات والمجروحين لابن حبان، ثم بعد ذلك ما يدور في فلك الكتب الستة الكمال للحافظ عبد الغني، وتهذيبه للحافظ المزي، وتهذيب تهذيبه لابن لحجر، والتقريب والكاشف والتذهيب وغيرها من الكتب، كلها ولله الحمد موجودة ومتداولة، أما ذكر أحسن طبعاته فتحاج إلى وقت لعله أن يتيسر في ذلك شيء مكتوب. يقول: بعض العلماء ألحق الماتريدية والأشاعرة المتقدمين بأهل السنة الحنابلة، وعلل ذلك بكون الخلاف في بعض مسائل الاعتقاد يسوغ لإمكان الاجتهاد فيها، فقد اختلف أصحاب النبي ﷺ في بعضها، وفرق بين المتأخرين منهم والمتقدمين، وقال: بإن المتأخرين أتوا بطوام لم يكن عليها أسلافهم؟ لا شك أن المتأخرين بعد أن ألزموا بلوازم التزموا بها، فأخرجتهم عن مسار أئمتهم المتقدمين، والسفاريني ذكر في مقدمة شرحه لعقيدته أن أهل السنة ثلاث فرق: الأثرية وإمامهم الإمام أحمد بن حنبل. والأشعرية وإمامهم أبو الحسن.

стр. 527

والماتريدية وإمامهم أبو منصور، لكن هذا الكلام لم يوافق عليه، وكون الصحابة اختلفوا في بعض مسائل الاعتقاد كالروية مثلاً، كرؤية النبي ﵊ لربه وما أشبه ذلك، يجعل المتأخر له حق النظر فيما اختلفوا فيه، أما ما اتفقوا عليه فليس له حق النظر، ما اتفقوا عليه وأجمعوا عليه لا يسوغ لأحد النظر فيه، ولا يسوغ فيه خلاف ولا الاجتهاد، ما دام الصحابة اتفقوا على ذلك، فكيف يقال: إن الأشاعرة الذين ينفون الصفات التي أجمع عليها سلف الأمة يتأولونها يقال: هم من أهل السنة لا، نعم لو قيل إنهم أقرب إلى أهل السنة نعم، أقرب من غيرهم في بعض أبواب الاعتقاد مع أنهم في بعض الأبواب هناك بعد بينهم وبين أهل السنة، وهناك لوازم ألزموا بها والتزموا بها، شيء لا يمكن أن يقروا عليه، فالذي ينكر ما ثبت عن الله وعن رسوله ﵊ بالنسبة لما يتعلق بالرب -جل وعلا- من أسماء وصفات وأفعال وما أشبه ذلك هذا لا يمكن أن يكون من أهل السنة ويخالف السنة، وكذلك الماتريدية. يقول: سؤالي عن صحة قول بعض المفسرين: بأن يوسف ﵇ تزوج بامرأة العزيز بعد وفاة زوجها، ووجدها عذراء، ورزق منها بنين؟ هذا يتداوله بعض المفسرين الذين لهم نهم بالإسرائيليات، والله أعلم بصحة ذلك. يقول: لماذا لم يهلك الله هذه الأمم الكافرة به المشركة، رغم أنهم قد فعلوا في الأرض أكثر، وأكثروا فيها الفساد، وفعل، يقول: وفعل بوش وأعوانه للمسلمين كما فعل فرعون وأعوانه بموسى ومن معه، فما الحكمة من عدم إهلاكهم؟

стр. 528

أولاً: الأمم التي أهلكت آذت من لا يستحق الأذى، آذت أنبياء، آذت أولياء، وأما بالنسبة للأمم المتأخرة فلا شك أن فيهم ظلم وطغيان وجبروت، ولديهم من الأسلحة الفتاكة التي يتوصلون إلى أذى المسلمين أكثر مما كان عليه الأمر في السابق، لكنهم سلطوا على المسلمين بذنوبهم هم ظلمة ومستحقون للانتقام من الله -جل وعلا-، لكن بالمقابل الطرف الثاني ﴿فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ﴾ [(٣٠) سورة الشورى] يعني فرق بين من يتصدى لنبي من الأنبياء ويؤذيه ويؤذي أصحابه والمتبعين له المقتدين به، وبين من يؤذي، بعضهم استحق هذا الأذى بذنوبه، والبعض الآخر يبعثون على نياتهم؛ لأن المصائب إذا نزلت عمت الصالح والطالح، وكثير منهم شركاء، والساكت عن الحق والساكت عن الإنكار مستحق للعقوبة، على كل حال هذا ابتلى من الله -جل وعلا- وهذا تمحيص، لا يعني أنهم استحقوا هذا العذاب بمعنى أنه لا يلام من آذاهم؛ لأن الإنسان، والمسائل مثل هذا المسائل يكون فيها أكثر من طرف، يكون فيها أكثر من طرف، دعونا في أمور فردية شخص من المسلمين عاصي سلط عليه ظالم، نقول: سلط عليه بما كسبت يداه هذا بالنسبة لهذا العاصي، وبالنسبة للظالم ﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ اللهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾ [(٤٢) سورة إبراهيم] كل له خطابه من الشرع، كل له ما يخصه من خطاب الشرع، يعني كون هذا مستحق للعقوبة؛ لأنه عاصي لا يعني أن من اعتدى عليه ليس بآثم ولا ظالم لا، فهذا مستحق لهذه العقوبة لتكفير ذنبه، وذاك ظالم بلا شك لاعتدائه على مسلم، وإن كان في الأصل مستحق لكن العقوبة ليست من البشر، العقوبة من الله -جل وعلا-، هو الذي يعاقب على هذه الذنوب، لكن قد يعاقب بعذاب الآخرة وقد يعجل هذه العقوبة على يد ولي أمر يقيم عليه الحد بأمر الله -جل وعلا-، وقد يعاقبه بتسليط ظالم عليه، لكن هذا لا يعفي الظالم من كونه مرتكب لجريمة. يقول: أخذت على نفسي عهداً ألا أحضر درساً يشغلني عن وردي اليومي من القرآن فهل هذا صحيح؟

стр. 529

نعم صحيح، وردك اليومي من القرآن لابد أن تعتني به ولا تتركه على الفراغ؛ لأن بعض طلاب العلم يترك القرآن في أوقات الفراغ، فإذا تقدم إلى الصلاة قبل الإقامة بربع ساعة أو أقل أو أكثر قرأ القران وإلا فلا، هذا لن يقرأ القرآن حتى يكون له ورد مخصص محدد له أول وله أخر في كل يوم، وطالب العلم يليق به جداً أن يقرأ القرآن في سبع ولا يشق عليه ولا يعقه عن أي عمل من الأعمال، في وقت ضائع يصلي الصبح ويجلس في مصلاه يقرأ القرآن حتى تنتشر الشمس، وحينئذ يقرأ القرآن في سبع وهذا لا يعقه عن شيء، لا من أمر دينه ولا دنياه. يقول: عمري خمس وثلاثون سنة، وأقسم بالله أن عندي رغبة شديدة لطلب العلم وبعض الأخوة يقولون: لا تستطيع أن تكون طالب علم مؤصل، فهل أستطيع أن ابدأ بطلب العلم بعد هذا العمر، وكيف ابدأ؟ تستطيع، وحفظ القرآن عجائز جاوزن السبعين من العمر، وصالح بن كيسان بدأ بطلب العلم على أحد الأقوال وعمره تسعون سنة، وأقل ما قيل في عمره خمسون، وتابع الطلب وحفظ الحديث ولازم الزهري حتى عد من كبار الآخذين عن الزهري، مع كثرة من أخذ الحديث عن الزهري يعد صالح بن كيسان من كبارهم ومن أشهرهم، وأقل ما قيل في عمره خمسون سنة فلا تيأس. الحمد لله رب العالمين، وصلى وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين: أما بعد: ـ

стр. 530

فيقول المفسر -رحمه الله تعالى- في قوله -جل وعلا-: ﴿وَلَقَدْ جَاء آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ﴾ [(٤١) سورة القمر] ﴿وَلَقَدْ جَاء آلَ فِرْعَوْنَ﴾ "قومه"، ﴿وَلَقَدْ جَاء آلَ فِرْعَوْنَ﴾ الآل: هم الأهل في الأصل والأتباع، ويدخل فيهم الشخص دخولاً أولياً ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [(٤٦) سورة غافر] مع أنه جاء في سورة هود أنه يقدم قومه فهل يسلم فرعون؟ لأن الله -جل وعلا- قال: ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ﴾ فماذا عن فرعون؟ دخوله في آله دخولاً أولياً ﴿وَلَقَدْ جَاء آلَ فِرْعَوْنَ﴾ "قومه معه"، ﴿النُّذُرُ﴾ "الإنذار"، نذر قضايا أنذرهم بها موسى ﵇ فالمراد بـ ﴿النذر﴾ "الإنذار على لسان موسى وهارون فلم يؤمنوا"، والنذر يأتي ويراد به جمع النذير، والنذير والمنذر بمعنى واحد، جاءهم أكثر من منذر جاءهم موسى، جاءهم هارون، ويطلق الجمع على الاثنين، فأقل الجمع اثنان عند جمع من أهل العلم، أو يكون المراد بالنذر ما أنذرهم به وخوفهم به موسى ﵇. فلم يؤمنوا، بل ﴿كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كُلِّهَا﴾ [(٤٢) سورة القمر]، يقول: أي "التسع التي أؤتيها موسى"، التسع: اليد، والعصى، والقمل، والضفادع، والدم، والطمس وأيضاً، الجراد، والسنين بقت واحدة، نعم. طالب. . . . . . . . . الطوفان إيش لا، الدم نعم تسع. طالب: ذُكر نعم كيف؟ قبل ذلك، طيب نعيد، هات. طالب:. . . . . . . . .

стр. 531

الطوفان، الجراد، القمل، الضفادع، الدم هذه خمس، العصى، واليد، والطمس، والسنين تسع بل ﴿كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كُلِّهَا﴾ أي: "التسع التي أؤتيها موسى"، ﴿فَأَخَذْنَاهُمْ﴾ الله -جل وعلا- يملي ويمهل لكنه لا يهمل، وإذا أخذ ﴿أَخْذَ عَزِيزٍ مُّقْتَدِرٍ﴾ يعني ما في مثناوية بقوة، وهذا أمر يسير عليه -جل وعلا-، ﴿فَأَخَذْنَاهُمْ﴾ "بالعذاب" أخذ ﴿عَزِيزٍ﴾ "قوي"، ﴿مُّقْتَدِرٍ﴾ "قادر لا يعجزه شيء"، "قادر لا يعجزه شيء"، يعني إذا نظرنا إلى قدرة البشر مثلاًَ بآلاتهم وبجموعهم وعددهم وعتادهم وجدنا أن هناك شيء من القوة، بل قوة قد تكون مهولة يعني كما حصل من التتار في منتصف القرن السابع، حيث شنوا حروب إبادة للمسلمين وقتل في بغداد وحدها في ثلاثة أيام يعني قيل: "ألف ألف وثمان مئة ألف" -مليون وثمان مئة ألف في ثلاثة أيام- قوة مهولة، وتيمور لما أحاط بدمشق فعل ما فعل نسأل الله العافية آبادها عن بكرة أبيها، محاها من الوجود، ما بقي إلا رسوم يسيرة ونفر يسير لا شأن لهم، والتواريخ ما زالت شاهدة بهذا، وما فعله النصارى بالأندلس قريباً من ذلك، قوى قد ينهار أمامها كثير من الناس لكنها مع ذلك قوى بشريه لا تعدوا أن تكون قوى بشرية، تحت قدرة الباري -جل وعلا- سلط مثل هؤلاء الظلمة على المسلمين بما كسبت أيديهم، يعني لو نظرنا إلى تاريخ المسلمين قبل حروب وغزو التتار، وجدناهم في انصراف عن ما خلقوا له وتشبث بهذه الدنيا، تمسك بها، ولهو وغفلة ومعاصي استحقوا بها هذه العقوبة التي من حكمها التصفية، والرجعة، والعودة إلى الله -جل وعلا- وهكذا حصل.

стр. 532

في الحروب الأخيرة في بعض البلدان المنتسبة أهلها إلى الإسلام حصل فيها شيء من هذا، لكن قبل ذلك ما كان، ماذا عن وضع المسلمين فيها؟ لا يعرفون من الإسلام إلا الاسم، لا يعرفون منه إلا الاسم ليس هناك شر محض، يعني في بلاد البلقان شخص من الدعاة ذهب إليهم قبل الحرب، يقول: إن في شخص كبير في السن ذو لحية كثة بيضاء، ويكرر من قول: لا إله إلا الله يبيع سمك، وعنده مصحف جوامعي قطع كبير، إذا باع سمكة قطع ورقة ولف السمكة فيها وأعطاها الزبون، يعرفون من الإسلام شيئاً هؤلاء؟ ما يعرفون شيئاً، لكن شوف وضعهم الآن، تغير وضعهم فهم ليس هناك شر، ليس هناك شر محض، يعني التفت الناس إلى الدين، وتعلموا الدين، وعملوا بالدين نعم هذا الأمور التي ابتلي بها المسلمون لا يجوز للمسلم أن يفرح بها، لا يجوز للمسلم أن ينظر إلى أخيه المسلم وهو يهان، وهو يقتل، وينتهك عرضه هذا لا يجوز أن يصبر على هذا بل تجب عليه إعانته، لكن مع ذلك الله -جل وعلا- حكيم عليم، تغيرت الأحوال وتبدلت تغيراً كبيراً جداً، يعني لو نظرنا إلى ما فعله الدنمارك بالنسبة لجناب المصطفى ﵊ هذا ليس بشر محض، كثير من بيوت المسلمين لا يعرفون عن النبي ﵊ إلا أن اسمه محمد وأنه رسول، لكن ماذا عن حياته؟ ماذا عن خصائصه، ماذا عن شمائله؟ ماذا عن سيرته؟ ماذا عن أوصافه ﵊؟ ما يعرفون شيئاً، كثير من بيوت المسلمين تقرأ فيها كتب السيرة والشمائل والمغازي الآن بقوة، كثير من طلاب العلم اضطروا إلى أن يرجعوا إلى المصادر فاستفادوا كثيراً، وإذا كان الكلام في عرضه ﵊ فالله -جل وعلا- يقول عنه: ﴿لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ [(١١) سورة النور] نعم خير، شوف الآثار المترتبة على مثل هذا تغيرت أحوال المسلمين بعد غزو التتار، ورجعوا من جديد وعادوا إلى الإسلام من جديد، فلا يعني هذا أننا نفرح بمثل هذا المصائب أبداً، لكن لها جوانب وجوانب أخرى، يعني لو راجعنا مثلاً الجزء الثاني عشر من "النجوم الزاهرة" واطلعنا على ما فعله تيمور بدمشق بحيلة ماكرة، يعني شيء، أمر مخوف يجعل الإنسان يتوقع

стр. 533

العقوبة في أي لحظة؛ لأن حالنا ليست بعيدة من أحوالهم، فعلينا أن نقرأ ونتدبر ونعتبر، وأن ما حل بالقوم يحل بنا مثل ما قص الرب -جل وعلا- عن الأمم الماضية، الآن قص علينا قصة نوح، وقصة هود مع قومه عاد، وقصة ثمود، وقوم لوط، ثم القصة الخامسة قصة فرعون مع موسى ﵇، ومآل الجميع الهلاك والدمار فليخشي الإنسان أن يقع في مثل ما وقعوا فيه، فتكون نتيجته كنتيجتهم كما سيأتي. ﴿أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِّنْ أُوْلَئِكُمْ﴾ [(٤٣) سورة القمر] يعني هل أنتم أفضل منهم؟ ﴿أَمْ لَكُم بَرَاءةٌ فِي الزُّبُرِ﴾ معكم صكوك من الرب -جل وعلا- نزل عليكم كتب تبرئكم مما حل بهم. ﴿فَأَخَذْنَاهُمْ﴾ "بالعذاب" ﴿أَخْذَ عَزِيزٍ﴾ "قوي" ﴿مُّقْتَدِرٍ﴾ "قادر لا يعجزه شيء"، الآن الأمم الكافرة وقد أجلبت على المسلمين بخيلها ورجلها بجموعها بقوتها، هل استطاعوا أن يدفعوا عن أنفسهم ما حل بهم؟ يعني ما هم يشنون حروب إبادة على المسلمين، وقع في بلدانهم كوارث من فيضانات وغرق وحرائق استطاعوا أن يردوا شيئاً، في أثناء هذه الحروب استطاعوا أن يردوا شيئاً ما استطاعوا، لكن الله -جل وعلا- ((إذا أخذ الظالم لم يفلته)) ﴿فَأَخَذْنَاهُمْ﴾ يعني "بالعذاب" ﴿أَخْذَ عَزِيزٍ﴾ "قوي"، ﴿مُّقْتَدِرٍ﴾ "قادر لا يعجزه شيء"، يعني النهاية أن ماتوا غرقاً خلاص، بطريقة لا يقدر عليها إلا الله -جل وعلا-، لما موسى ضرب البحر بعصاه صار طريقاً يبساً ولوجوا فيه، فتبعهم فرعون وقومه لما تكاملوا أغرقوا، ما يحتاجون ولا إلى قبور الآن في أيسر وسيلة قادر لا يعجزه شيء.

стр. 534

﴿أَكُفَّارُكُمْ﴾ أيه المخاطبون من "قريش"، ﴿خَيْرٌ مِّنْ أُوْلَئِكُمْ﴾ "المذكورين من قوم نوح"، قوم هود، قوم صالح، قوم لوط، قوم موسى، يعني هل كفار قريش، ومن يأتي من بعد قريش، هل هم أفضل من أولئك الكفار؟ لا فرق، لا فرق بين كافر وكافر، الكافر من قريش، الكافر من بني هشام مثل الكافر في أبعد وأوضع قبيلة وأبعد قرية لا فرق ﴿أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِّنْ أُوْلَئِكُمْ﴾ "المذكورين من قوم نوح إلى فرعون فلم يعذبوا"، فلم يعذبوا، أكفاركم فلم يعذبوا، أو فلن يعذبوا، لم وإلا لن، والمناسب يعني أكفاركم ممن قد مات فنقول لم يعذبوا، أو ممن هو موجود وقت الخطاب، موجود وقت الخطاب نقول لن يعذبوا في المستقبل، أو من مات منهم لم يعذبوا؛ لأن لم تقلب الفعل المضارع إلى المضي، تقلب الفعل المضارع إلى المضي فلم يعذبوا في الماض، وإذا قلنا لن يعذبوا يعني في المستقبل أيهما أولى، يعني الآن الخطاب لكفار قريش، ﴿أَكُفَّارُكُمْ﴾ "يا قريش"، ﴿خَيْرٌ مِّنْ أُوْلَئِكُمْ﴾ "المذكورين من قوم نوح إلى فرعون" هؤلاء الذين عذبوا، وانتهى أمرهم ﴿أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ﴾ من هؤلاء الذين عذبوا فلن يعذبوا، كفاركم لم يعذبوا؛ لأنهم خير من أولئك. ﴿أَمْ لَكُم﴾ "يا كفار قريش"، ﴿بَرَاءةٌ﴾ "من العذاب"، ﴿فِي الزُّبُرِ﴾ "الكتب"، يعني هل نزل من كتب الله -جل وعلا- جاء عنه ما يدل على أن لكم براء من العذاب ولو كفرتم؟ الجواب عن الأول لا، ليسوا بخير من الكفار السابقين، وليست لديهم براءة من الله -جل وعلا- فالنتيجة هي نتيجة أولئك، النتيجة الحتمية لهؤلاء هي النتيجة الحتمية التي آل إليها أمر أولئك من الأمم السابقة. ﴿أَمْ لَكُم بَرَاءةٌ﴾ "من العذاب" ﴿فِي الزُّبُرِ﴾ يعني "الكتب"، "والاستفهام في الموضعين بمعنى النفي أي: ليس الأمر كذلك"، فلستم بخير من أولئكم ولا يوجد لديكم براءة من الله -جل وعلا- من عذابه، فمصيركم مصيرهم، ومالكم مآلهم.

стр. 535

﴿أَمْ يَقُولُونَ﴾ [(٤٤) سورة القمر] "أي كفار قريش"، ﴿نَحْنُ جَمِيعٌ﴾ "أي: جمع"، ﴿مُّنتَصِرٌ﴾ "على محمد"؛ لأنهم اجتمعوا واتحدوا ضد النبي ﵊ في بدر، يقول: ﴿نَحْنُ جَمِيعٌ مُّنتَصِرٌ﴾ يعني كلامهم قبل بدر لأن الآية مكية، وكان عمر ﵁ يقول: لا أدري ما معنى هذه الآية؟ ﴿يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُّنتَصِرٌ * سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ [(٤٤ - ٤٥) سورة القمر] ما أدري متى؟ لكن لما حصلت وقعة بدر ناشد النبي ﷺ ربه، وألح بالدعاء، ثم خرج فقال: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ فقال عمر: الآن عرفت معنى الآية، ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾. ﴿أَمْ يَقُولُونَ﴾ "أي كفار قريش" ﴿نَحْنُ جَمِيعٌ﴾ "أي جمع"، ﴿مُّنتَصِرٌ﴾ "على محمد"، ولما قال أبو جاهل يوم بدر: إنا جمع منتصر" نزل ﴿سيهزم الجمع ويولون الدبر﴾ "، ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ في أول السورة قال المؤلف: السورة مكية إلا ﴿سيهزم الجمع﴾ بناء على أن الآية نزلت لما قال أبو جهل: إنا جميع منتصر، نزل على إثر ذلك قوله -جل وعلا-: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ مع أن بعضهم يرون أن هذه الآية أيضاً مكية فالسورة كلها مكية، وأنها سيهزم يعني في المستقبل وهذا وعد من الله -جل وعلا- لنبيه ﵊، ولا يلزم أن يكون نزولها في وقت تحققها. ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾، ﴿نَحْنُ جَمِيعٌ مُّنتَصِرٌ﴾، ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ منتصر والدبر، منتصر مفرد، والدبر مفرد، والجميع جمع، والأصل أن يقول: نحن جميع منتصرون، سيهزم الجمع ويولون الأدبار، لكن مراعاة رؤوس الآي، مراعاة رؤوس الآي إنما يكون بالإفراد، ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ "فهزموا ببدر ونصر رسول الله ﷺ عليهم" انتهى الأمر، ما انتهى هذا العذاب الأدنى، هذا العذاب الدنيوي، وهناك عذاب أعظم ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ﴾ [(٢١) سورة السجدة].

стр. 536

﴿بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ﴾ [(٤٦) سورة القمر] ما انتهى الأمر، ﴿بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ﴾ "بالعذاب"، ﴿وَالسَّاعَةُ﴾ "أي: عذابها" يعني ما يعقبها من عذاب، ﴿أَدْهَى﴾ أي "أعظم بلية"، ﴿وَأَمَرُّ﴾ "أشد مرارة من عذاب الدنيا"، والساعة يعني العذاب الذي يعقبها، ﴿أَدْهَى﴾ أي "أعظم بلية" من عذاب الدنيا، من العذاب الأدنى، ﴿وَأَمَرُّ﴾ "أشد مرارة من عذاب الدنيا"، والمرارة إنما تذاق بالفم، الطعوم كلها إنما تدرك بالذوق عن طريق الفم، وسيأتي قوله: ﴿ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ﴾ [(٤٨) سورة القمر]، ﴿ذوقوا مس سقر﴾. والذي قال: ﴿أَدْهَى وَأَمَرُّ﴾ يعني "أشد مرارة من عذاب الدنيا". ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ﴾ [(٤٧) سورة القمر] ﴿فِي ضَلَالٍ﴾ يقول: "في هلاك بالقتل في الدنيا"، والضلال إنما يقابله الهدى، فهم ضالون: المجرمون ضالون عن طريق الله المستقيم، حائدون مائلون عنه ملحدون جائرون عن سواء السبيل، وهنا قال: ﴿فِي ضَلَالٍ﴾ يعني "في هلاك بالقتل في الدنيا"، ﴿وَسُعُرٍ﴾ "نار مسعرة بالتشديد"، "نار مسعرة بالتشديد"، مسعرة "أي مهيجة في الآخرة"، موقدة، مسجرة -نسأل الله العافية-، مسعرة يصلونها يوم الدين. ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ﴾ [(٤٨) سورة القمر] يعني "في الآخرة"، بعضهم يقول: ﴿يُسْحَبُونَ فِي﴾ بمعنى إلى، -يسحبون يجرون يدعون-، ﴿يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ﴾، وأشرف ما في الإنسان وجهه، وإذا سحب على وجهه وجر على وجهه، ماذا يبقى له من الإكرام والاحترام؟ إذا كان يسحب على وجهه، هل يبقى له شيء من التقدير والاحترام والإكرام والإنعام؟ أبداً. ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ﴾ أي "في الآخرة، ﴿ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ﴾ يعني يقال لهم: ﴿ذوقوا﴾ وكثيراً ما يحذف القول ويقدر، يعني مثل ما ذكرنا في درس سابق ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكْفَرْتُم﴾ [(١٠٦) سورة آل عمران] يعني يقال لهم: أكفرتم، "وهنا يقال لهم: ﴿ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ﴾ إصابة جنهم لكم" وتمسكم النار.

стр. 537

﴿مَسَّ سَقَر﴾ -نسأل الله العافية-، و ﴿سَقَر﴾ اسم من أسماء النار، ﴿ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ﴾ ممنوع من الصرف؛ لأنه علم من الأعلام بالنسبة للنار، وهي مؤنثة علمية وتأنيث فهو ممنوع من الصرف. ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ﴾ [(٤٩) سورة القمر] "منصوب بفعل يفسره" خلقناه، ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ﴾ الأصل إننا، إنا دخلت على نون ناء المتكلم والأصل أنها للجمع، والعرب تؤكد فعل الواحد بضمير الجمع، ﴿إنا﴾ أصلها إننا، وناء بالنسبة للجماعة المتكلمين، لكن العرب تؤكد فعل الواحد بضمير الجمع، وهذا ذكره الإمام الحافظ في صحيحه في تفسير سورة ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ﴾ [(١) سورة القدر] العرب تؤكد فعل الواحد بضمير الجمع، ﴿إِنَّا كُلَّ﴾ "منصوب بفعل يفسره" خلقناه، يعني إنا خلقنا كل شيء، ﴿خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ ﴿بِقَدَرٍ﴾ يعني "بتقدير"، وفي هذا إثبات للقدر والإيمان به ركن من أركان الإيمان لا يصح إلا به، وظهر في أواخر عصر الصحابة من ينكر وينفي القدر، ويزعمون أن الأمر أنُف كما جاء في صحيح مسلم من حديث ابن عمر، وابن عمر قال: أخبرهم أنهم لو أنفقوا مثل أحد ذهب لم يتقبل منهم حتى يؤمنوا بالقدر، فالإمام بالقدر معروف ركن من أركان الإيمان. ورأي أهل السنة والجماعة فيه وسط بين القدرية النفاة مجوس هذه الأمة، وبين الجبرية، أولئك ينفون القدر وأن الله -جل وعلا- لا يعلم الأشياء قبل وجودها، ولم يقدر على أحد شيئاً، والإنسان يتصرف بكامل الحرية، وله مشيئة وإرادة مستقلة عن إدارة الله ومشيئته، فيثبتون خالقاً مع الله -جل وعلا-، والجبرية على الضد من ذلك يرون أن الإنسان مجبور، وأن تصرفات المكلف وغير المكلف إنما هي كحركة ورق الشجر في مهب الريح ليس له أي دور في أعماله.

стр. 538

﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [(٩٦) سورة الصافات] فهما على طرفي نقيض، وأهل السنة وسط بين القدرية الغلاة في النفي، وبين أولئك الجبرية الغلاة في الإثبات، أهل السنة وسط بينهما يرون أن المكلف له حرية، وله اختيار، وله مشيئة لكنها تابعة لمشيئة الله -جل وعلا- وإرادته، وأنه لن يخرج عما قدره الله عليه، ولن يحصل في ملك الله إلا ما يريد، وله حرية، ما أجبر على عمل لا يستطيعه، ما سلب الحرية والاختيار ثم قيل له افعل؛ ليكون تعذيبه في الجهتين تعذيبه ظلم، صار مجبور على الفعل تعذيبه ظلم، وفر القدرية من هذه الشبهة إلى ما هو شر منها فأثبتوا مع الله -جل وعلا- خالقاً أخراً، ولذا جاء الخبر بتسميتهم مجوس هذه الأمة، وأهل السنة مثل ما قلنا وسط في البابين يثبتون الحرية واختيار، ومع ذلك هذه الحرية والاختيار ليست مطلقة بل مقيدة بإرادة الله -جل وعلا-. ﴿بِقَدَرٍ﴾ يقول: "حال من كل -يعني إن خلقنا كل شيء خلقناه- مقدراً"، مقدراً "حال من كل مقدراً"، "وقرئ ﴿كل﴾ بالرفع مبتدأ خبره خلقناه"، إذا عرفنا الناصب لكل، وننتبه للمقارنة بهذه الآية ﴿إِنَّا كُلَّ﴾ هذا هو المرجح قراءة النصب هي المرجح، قرئ ﴿كُلُ﴾ بالرفع وسيأتي ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ﴾ [(٥٢) سورة القمر] المرجح الرفع مع أنه بالإمكان أن يقول: فعلوا كل شيء ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ﴾ يكون منصوب بفعل يفسره المذكور تقديره: فعلو كل شيء فعلوه فهنا المرجح النصب، وهناك المرجح الرفع لماذا؟ ما الفرق، وما السبب في ترجيح النصب هنا وترجيح الرفع هناك، إذا قلنا ﴿كُلُ﴾ بالرفع جعلناها مبتدأ خبره خلقناه ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [(٤٩) سورة القمر]، ما الذي يترتب على هذا؟ طالب. . . . . . . . . الشيخ: لا لا المسألة مسألة متعلقة بالاعتقاد نعم. طالب. . . . . . . . . كل شيء مخلوق مثل القرآن

стр. 539

الشيخ: لا لا خالق كل شيء ما في إشكال، يعني يرد شيء مما لا يتعلق به الله -جل وعلا- من أسمائه وصفاته هذا خارج ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ﴾ يعني إنا خلقنا كل شيء، يعني المخلوق كله مقدر لله -جل وعلا-، وإذ قدرنا يعني على رواية الرفع ﴿كلُ شيء﴾ كل شيء هذا مبتدأ خلقناه ﴿بِقَدَرٍ﴾ فيكون القدر متعلق بخلقناه ما هو متعلق بكل شيء على رواية النصب، القدر متعلق بكل شيء لا يخرج شيء عن تقدير الله -جل وعلا-، وإذا قلنا كل شيء خلقناه صار التقدير: بقدر متعلق بخلقناه، فيكون هناك أشياء لا يتناولها القدر مما لم يخلق؛ لأن خلقنا فعل ماضي يعني مما لم يخلق بعد لا يتعلق به القدر، يعني لو نظرنا إلى ﴿إِنَّ اللَّه عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [(٢٠) سورة البقرة] بعضهم يقول: إن الله على ما يشاء قدير، أيهما أعم؟ نعم. طالب. . . . . . . . . الأولى أعم بلا شك؛ لأن القدرة متعلقة بكل شيء ما يشاءه وما لا يشاءه، قدرة الله -جل وعلا- علقتها بكل شيء مما شاءه الله -جل وعلا- ومما لم يشاءه، منهم من يقول: إن الأمر في ذلك سهل؛ لأن الذي لا يشاءه الله -جل وعلا- ليس بشيء يعني عدم والعدم لا يتعلق به موجود، مثل مسألة من الدقائق تحتاج إلى انتباه، الطبري ﵀ في أول سورة الملك قال: إن الله على ما يشاء قدير، والمفسر هنا ماذا قال في أول موضع؟ ﴿إِنَّ اللَّه عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [(٢٠) سورة البقرة] الآية عشرين من سورة البقرة ﴿إِنَّ اللَّه عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ماذا قال؟ إن الله على كل شيء شاءه قدير هذا الكلام صحيح وإلا ليس بصحيح؟ نعم ليس بصحيح. هذا الأصل أن القدرة باقية على عمومها وأنها تتناول كل شيء، لكن يشكل على هذا في صحيح مسلم في حديث أخر من يخرج من النار، لما يقول له: تمنى فيتمنى، ((يقول الله -جل وعلا-: فإني على ما أشاء قادر)). هذا يشكل على ما قررناه وإلا ما يشكل؟ يشكل، كيف نخرج من هذا الإشكال؟ يعني الطبري ما فيه، سهل نرد عليه، يعني لو لم يرد إلا كلام الطبري وهو إمام من أئمة السنة، يعني في أوائل سورة الملك قال: فإن الله على ما يشاء قادر، والمؤلف قال ذلك، والآية مطلقة.

стр. 540

وشيخ الإسلام رد على من قيدها لأن من المفسرين من قال: لا يوجد عام إلا وقد دخله الخصوص، وذكروا منها هذا، وشيخ الإسلام في الفتاوى قال: إن في سورة الفاتحة والورقة الأولى من سورة البقرة عمومات كثيرة جداً لم يدخلها خصوص -محفوظة- باقية على عمومها ومنها هذه الآية، لكن لا يشكل علينا إلا ما جاء في حديث مسلم: ((فإني على ما أشاء قادر))، وفي سورة الشورى ﴿وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاء قَدِيرٌ﴾ [(٢٩) سورة الشورى] هذه ترد علينا وإلا ما ترد؟ ﴿وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاء قَدِيرٌ﴾ يعني هل مفهومها أنه إذ لم يشأ لا يقدر؟ نعم أجيبوا يا أخوان، نعم، يعني يكون في ذلك ما يعرف بتعارض القُدَر، تعارض القدر ويكون هذا من باب المحال، والمحال كما قال شيخ الإسلام: ليس بشيء، ليس بشيء فلا يدخل في كل شيء، ليس بشيء أصلاً ما يتعلق به شيء لا نفي ولا إثبات، المسألة تحتاج إلى فهم دقيق يعني المسألة من دقائق المسائل، يعني لما أورد مثلاً بعض المبتدعة والمجلس مجلس علم وإلا مثل هذ الكلام ما يقال في مجالس عامة، لما أورد بعضهم بعض المفتونين قال: هل يستطيع الرب -جل وعلا- --تعالى الله عما يقولون- أن يخلق صخرة لا يستطيع تفتيتها، قالوا هذا في مثل هذا تعارض القدر فيه نفي وإثبات في آن واحد، لشيء واحد، متجهة لذات واحدة فهذا من باب النقيض، والنقيض عدم لا يتعلق به بشيء؛ لأنه محال، محال أن يوجد النقيضان في آن واحد أو ينتفيان في آن واحد، فمثل هذا لا يتعلق به حكم لا نفي ولا إثبات.

стр. 541

نكتفي بهذا لأن الموضع كل ما يبسط أظنه يزداد تعقيداً، هذا شأن المباحث الكلامية مشكلتها أنها لا تنتهي إلى حد مع أن الأمور محسومة شرعاً، يعني ولذلك الذي لا تدرك عقولهم مثل هذه الأشياء عليهم ألا يخوضوا فيها كما في مسائل القضاء والقدر، أهل العلم يحسمون هذه المسائل وينهون ويؤكدون على مسألة الكف عن الخوض فيها؛ لأنها قد توجد شبهات يضعف الإنسان عن حلها، فإذا ضعف الإنسان عن حلها صارت عالقة بذهن السامع بحيث لا يستطيع لا فهم الحل، لذا يحذرون من طرح هذه المسائل على عامة الناس، أما بالنسبة لطلاب العلم فسواء طرحت عليهم في الدروس، أو قراؤها في الكتب لا بد أن يطلعوا عليها، لابد أن يطلعوا عليها. يقول -رحمه الله تعالى- في قوله: ﴿وَمَا أَمْرُنَا﴾ [(٥٠) سورة القمر] "لشيء نريد وجوده" ﴿إِلَّا وَاحِدَةٌ﴾ "إلا أمرةُ" ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾ يقول: "وما أمرنا لشيء نريد وجوده، ﴿إلا﴾ أمرةُ، ﴿واحدةُ كلمح بالبصر﴾ في السرعة وهي قول: كن فيوجد" ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [(٨٢) سورة يس]، ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾ وهذا لا شك أنه تقريب وإلا إذا أراد شيئاً كان وما يشاءه يكون، قد يقول قائل: إن لمح البصر وإن كان في غاية من الخفة والسرعة إلا أنه يحتاج إلى وقت، إيش معنى وقت، يعني لا يلزم أن يكون وقت دقيقة أو أكثر أو أقل لا، المقصود أن لمح البصر يحتاج إلى وقت وإن كان يسيراً جداً بحيث لا يعتبر شيئاً يعني مثل ما جاء في ((لو أن أولكم وأخركم وإنسكم وجنكم اجتمعوا في صعيد واحد، فسألوني فأعطيت كل واحد مسألته ما نقص ذلك من ملكي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر)).

стр. 542

المخيط ينقص شيئاً من البحر وإلا ما ينقص، يعني يخرج يابس وإلا رطب، نعم رطب إذاً ينقص مهما كان ولو شيء يسير جداً، ما علمي وعلمك يقول الخضر يقول لموسى: ((علمي وعلمك إلا بمقدار ما نقص هذا العصفور من البحر)) لعصفور شرب من البحر، لكن كل هذا أمثلة تقريبية للمكلف، وإلا فالحقيقة لا ينقص شيئاً وهذا لا يحتاج إلى وقت البتة ولا كلمح البصر، لكن هذه أمور باعتبار أن البصر المخلوق لا يدرك أقل منها، المخلوق لا يدرك أقل من هذه الأمور فقربت له. ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَاعَكُمْ﴾ [(٥١) سورة القمر] "أشباهكم في الكفر من الأمم الماضية"، يعني كما تقدم في إهلاك قوم نوح، وقوم هود، وقوم صالح، وقوم لوط، وقوم فرعون في هذه السورة خمس من الأمم أهلكت وكلهم أشياع لقريش، لأنهم أمثال لهم ونظراء لهم، "أشباهكم في الكفر من الأمم الماضية"، ﴿فَهَلْ مِن مُّدَّكِر﴾؟ "استفهام بمعنى الآمر، أي ادكروا واتعظوا". ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ﴾ [(٥٢) سورة القمر] "أي العباد مكتوب"، ﴿فِي الزُّبُرِ﴾ "كتب الحفظة"، أو في اللوح المحفوظ في كتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة، ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ﴾ [(٥٢) سورة القمر] "أي العباد مكتوب"، ﴿فِي الزُّبُرِ﴾ "كتب الحفظة" ﴿مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [(١٨) سورة ق]، وأهل العلم يقررون مثل هذه المسائل فيقولون: إن الحفظة تكتب كل شيء سواء كان فيه ثواب أو عليه عقاب، أو لا ثواب فيه ولا عقاب وهو مقتضى النصوص العامة، ومنهم من يقول: إنه لا يكتب إلا ما عليه حساب ثواب أو عقاب؛ لأن ما لا حساب عليه لا ثوب فيه ولا عقاب يعني من قبيل المباح ما الداعي إلى كتابته؟ يقول لا فائدة من كتاباته، لكن النصوص العامة تثبت أن الملائكة تكتب كل شيء، ولذا يقول: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ﴾.

стр. 543

﴿وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ﴾ [(٥٣) سورة القمر] "من الذنب أو العمل" ﴿مُسْتَطَرٌ﴾ "مكتوب في اللوح المحفوظ" في كتاب ﴿لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا﴾ [(٤٩) سورة الكهف] وهنا يقول: ﴿كُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ﴾ "من الذنب أو العمل" ﴿مُسْتَطَرٌ﴾ "مكتوب في اللوح المحفوظ"، ومكتوب أيضاً في كتب الحفظة. ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ﴾ [(٥٤) سورة القمر] هناك ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ﴾ [(٤٧) سورة القمر] وهنا ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ﴾ [(٥٤) سورة القمر] القرآن مثاني إذا تحدث عن حال الكفار تحدث عن حال المؤمنين، هناك ﴿فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ﴾ وهنا ﴿فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ﴾. ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ﴾ "بساتين" ﴿وَنَهَرٍ﴾ "وأريد به الجنس" وإلا فلأصل أنهار فيها أنهار، "أريد به الجنس"، وعدل عن الجمع إلى المفرد مراعاة لرؤوس الآي كما تقدم نظيره مراراً وإلا فالمراد الجنس، "وقرئ بضم النون والهاء نُهُر جمعاً كأسد وأُسُد المعنى أنهم يشربون من أنهارها الماء واللبن والعسل والخمر" ﴿فِيهَا أَنْهَارٌ مِّن مَّاء غَيْرِ آسِنٍ﴾ [(١٥) سورة محمد] إلى آخره وهذه الأنهار تجري من تحتهم، وتجري بغير أخاديد ولا تحيد ولا تميل يميناً ولا شمالاً. أنهارها في غير أخدود جرت ... سبحان ممسكها عن الفيضان

стр. 544

لا تحيد يميناً ولا شمالاً مع أنها ليس فيها أخاديد وتجري من تحتهم، وفيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، يعني هل يخطر على قلب بشر أن النهر يجري من تحت الإنسان؟ لا يصيبه، وليس فيه أخدود، ولا يميل يميناً ولا شمالاً، يعني من العجائب أن يوجد عين تنبع عين ضعيفة جداً تنبع وتسير على الأرض، وتقصد الجهة المرتفعة دون النازلة يعني هذا شيء مذهل بالنسبة للإنسان؟ هذا شيء مذهل، يعني وجدت هذه في الدنيا فكيف بأنهار الجنة، يعني الناس ينظرون إلى هذا العين وهي ضعيفة جداً تنبع من الأرض والأرض قريبة من الاستواء إلا أن جهة من جهاتها فيها شيء من الارتفاع وتصعد، هذه بالنسبة لعقل البشر وتقدير البشر ووسائل البشر فيها شيء من الاستغراب، لكن فكيف بهذه الأنهار، أنهار تتدفق تجري من تحتهم، وهذا نهر ماء، وهذا نهر لبن، وهذا نهر خمر، وهذا نهر عسل، وكلها من غير أخاديد ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍَ﴾ [(١٧) سورة السجدة] فهذه الأمور حقيقة ينبغي أن يقف عندها المسلم لا سيما طالب العلم؛ لأنها تحدوه إلى العمل. منهم من فسر ﴿نهر﴾ بالضياء أخذاً من النهار الذي فيه الضياء، ﴿في جنات﴾ وضياء لا ظلام؛ لأن بساتين الدنيا بأشجارها قد تحجب هذه الأشجار الأنوار، فيكون فيه شيء من الظلام لا سيما فجر الليل وما قرب منه، يقول: ﴿ونهر﴾ فيه ضياء، وذكروا في هذا قول الشاعر: لست بليل ولكني نهِر ... لا أدرج الليل ولكن أبتكر يعني من النهار نهاري وليس بليلي ما يسهر، وعمله كله بالنهار، على كل حال هذا قول فيه بعد والنهر واحد الأنهار، وأُثر الإفراد مراعاة لرؤوس الآي.

стр. 545

﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ﴾ [(٥٥) سورة القمر] "مجلس حق لا لغو فيه ولا تأثيم وأريد به الجنس" ﴿مَقْعَدِ صِدْقٍ﴾، مقعد مضاف والمفرد إذا أضيف أفاد العموم، ﴿مَقْعَدِ صِدْقٍ﴾ "مجلس حق لا لغو فيه ولا تأثيم، وأريد به الجنس" يعني مقاعد ومجالس، ((المقسطون على منابر من نور، المقسطون على منابر من نور، عن يمين الرحمن الذين يعدلون في أنفسهم وأهليهم وما ولوا وما ولو)) وقرئ ﴿مقاعد﴾ في مقاعد صدق، "المعنى أنهم في مجالس من الجنات سالمة، في مجالس من الجنات سالمة من اللغو والتأثيم بخلاف مجالس الدنيا" التي لا تسلم غالباً من اللغو والتأثيم، "فقل أن تسلم من ذلك وأعرب هذا خبراً ثانياً". ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ﴾ [(٥٤) سورة القمر]، ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ﴾ [(٥٥) سورة القمر] خبر ثاني، خبر بعد خبر، خبر ثاني وأعرب "بدلاً وهو صادق ببدل البعض، ﴿فِي جَنَّاتٍ﴾، ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ﴾ مقعد الصدق بعض من الجنات يعني إن المتقين في جنات في مقعد صدق، يعني خبر بعد خبر وتتعدد الأخبار. من يك ذا بت فهذا بت ... مصيف مقيض مشت أخبار متتابعة، ويجوز أن يكون بدل بدل بعض من كل، ﴿في مقعد﴾ المقعد بعض بالنسبة للجنة وصادق ببدل البعض وغيره الذي هو بدل اشتمال، بدل اشتمال يصدق به أيضاً؛ لان الجنة مشتملة على المقعد فيكون من باب بدل الاشتمال، "وهو صادق ببدل البعض وغيره". ﴿عِندَ مَلِيكٍ﴾ [(٥٥) سورة القمر] فعيل صيغة مبالغة، يقول: "مثال مبالغة" من ملك، وملك أيضاً مبالغة، فعل، مبالغة والأصل مالك اسم الفاعل، وهذه صيغ المبالغة التي منها فعيل وفعل، ﴿مَلِيكٍ﴾ مثال مبالغة أي عزيز الملك، "عزيز الملك واسعه". ﴿مُّقْتَدِرٍ﴾ "قادر لا يعجزه شيء وهو الله -جل وعلا-" قادر، وأي قدرة أعظم من أن يجازي آخر من يدخل الجنة أخر من يخرج من النار بعشرة أمثال ملك أعظم ملك في الدنيا، يعني لو تصورنا ملك ذو القرنين أو ملك هارون الرشيد على سعته، يكفيك ملك هارون الرشيد يقول نعم، ((لك ومثله ومثله إلى عشرة أمثاله))، ﴿مُّقْتَدِرٍ﴾ "قادر لا يعجزه شيء وهو الله تعالى".

стр. 546

وعند، ﴿الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ﴾ يعني بالنسبة للمخلوق، إذا قيل: عند مليك معناه هكذا الملك جالس هنا، وهذا عنده هذا بالنسبة للمخلوق واضح ولذا يقول: "وعند، إشارة إلى الرتبة والقربة من فضله تعالى"، أو منه صفة القرب ثابتة، وإلا ما هي بثابتة؟ ثابتة بالنسبة لله -جل وعلا- قرب يليق بجلاله وعظمته فلا نحتاج إلى مثل هذا إشارة إلى الرتبة والقربة من فضله تعالى، فصفة القرب ثابتة لله -جل وعلا-، ومعروف أن القرب يكون من الجانبين، فإذا كان الرب قريب من ربه، فالعبد قريب من ربه، وأقرب ما يكون العبد قريب من ربه وهو ساجد. والله اعلم، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين ...

стр. 547

تفسير الجلالين - سورة الرحمن (١) من آية: (١ - ٢٧) الشيخ/ عبد الكريم بن عبد الله الخضير السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله أصحابه أجمعين، أما بعد: فمتابعة لتفسير المفصل من القرآن الكريم الذي بدأناه .. أما بعد: فاستكمالاً لما بدأناه من مشروع تفسير المفصل من القرآن الكريم في مواقع متعددة يكون نصيب هذا الجامع المبارك تفسير سورة الرحمن. ولست بصدد تكرار ما قلناه مراراً في أهمية تفسير القرآن الكريم لطالب العلم ولغيره من عموم المسلمين؛ لأن القرآن كلام الله وخطاب الله لعباده، وأوامره ونواهيه، دستوره الخالد الذي لا يمكن العمل به إلا بعد فهمه، وكان الصحابة -رضوان الله عليهم- في طريقتهم لفهم القرآن، وتبعهم على ذلك سلف هذه الأمة وأئمتها أنهم لا يتجاوزون العشر الآيات من هذا القرآن إلا وقد عرفوا ما فيها من علم وعمل؛ لأن الغاية من فهم الكلام العمل به، الغاية من فهم كلام الله -جل وعلا-، وكلام نبيه ﵊ العمل، العمل هو الثمرة العظمى، نعم قراءة القرآن فيها ثواب، وفيها فضل عظيم، وفي كل حرف عشر حسنات، لكن الثمرة العظمى هي العمل؛ لأنها من أجلها طلب العلم والتعلم، والجاهل لا يستطيع أن يعبد الله -جل وعلا- على مراده حتى يتعلم ما يدله على العمل الصحيح، وما ينير له الطريق، وما يوصله إلى الله -جل وعلا-. هذا الكلام رددناه في مناسبات كثيرة، في مطلع كل سورة، فلسنا بحاجة إلى أن نفيض فيه، ونذكر الفوائد وكيفية التعلم لكتاب الله -جل وعلا-، هذا ما كررناه مراراً ولا داعي لذكره في هذا المقام؛ لأن تفسير سورة الرحمن فيه شيء من الطول، لكن مع ذلك نسدد ونقارب بقدر الإمكان أن تنتهي في ثلاثة الأيام المحددة -إن شاء الله تعالى-.

стр. 548

اعتمدنا في تفسير المفصل على أن يكون بأيدي الإخوان تفسير الجلالين، وذكرنا أن هذا أفضل من التفسير المرسل، الذي لا يتقيد بكتاب؛ لأن التفسير المرسل لا ينتهي، لا ينتهي، ويكون الكلام في بعض الآيات على حساب الكلام في البعض الآخر، كالمنهج بيد طالب العلم أن يعتني بتفسير مختصر، يكرر النظر فيه ويراجعه، يكون بيده سفراً وحضراً، ومن أنسب التفاسير المختصرة لعموم طلاب العلم، بل لعامة المثقفين تفسير الشيخ ابن سعدي، وتفسير الشيخ فيصل بن مبارك (توفيق الرحمن لدروس القرآن) تفسير الجلالين هذا تفسير متين لا يصلح إلا لطالب علم ينوي تأصيل نفسه في هذا الفن، وأشبه ما يكون بالمتون، ولذلك وضعت عليه الحواشي الكثيرة لأهميته لطالب العلم، ولمتانة أسلوبه وقوته، فيه بعض المخالفات العقدية التي يمر التنبيه عليها -إن شاء الله تعالى- في مواطنها، إضافة إلى ما مر سابقاً، تفسير النصف الثاني من الكهف إلى آخره لجلال الدين المحلي الشافعي، بدأ من الكهف إلى أن انتهى ثم عاد ففسر الفاتحة ثم وافته المنية قبل إكماله فأكمله جلال الدين السيوطي على نفس الطريقة والمنهج، ولذا قيل له: تفسر الجلالين، جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي. يقول -رحمه الله تعالى-: "سورة الرحمن مكية" والسورة مكية وعرفنا الفائدة من بيان المكي من المدني، قلنا: في مناسبات ما قاله أهل العلم في الحد الفاصل بين المكي والمدني: أن المكي ما نزل قبل الهجرة والمدني ما نزل بعدها، يستفاد من ذلك معرفة المتقدم من المتأخر، وبذلك نستطيع أن نعرف الناسخ من المنسوخ.

стр. 549

يقول: "مكية" يعني كلها وهذا قول، "أو إلا ﴿يَسْأَلُهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [(٢٩) سورة الرحمن] وهذا هو القول الثاني "الآية فمدنية" والعلماء يقولون: إن الآية التي تليها معها ﴿فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [(٣٠) سورة الرحمن] فيكون المستثنى من كونها مكية آيتين لا آية واحدة، ويقول: "مكية" هذا القول معروف، هذا قول أكثر أهل العلم، القول الثاني: "أو إلا ﴿يَسْأَلُهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [(٢٩) سورة الرحمن] الآية .. " يعني اقرأ الآية، والآية التي بعدها تبع لها ﴿فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [(٣٠) سورة الرحمن]، فالمستثنى آيتان لا آية واحدة، ومنهم من قال: إن السورة كلها مدنية هذا قول ثالث في المسألة، لكنه قول مرجوح؛ لأنه ثبت أن النبي ﵊ قرأها ليلة الجن، وهذه بمكة على ما سيأتي من عتاب الصحابة، من عتاب النبي ﵊ لصحابته حينما قرأ عليهم وسكتوا ولم يتكلموا بشيء، وسيأتي الإشارة إليه -إن شاء الله تعالى-.

стр. 550

يقول: "وهي ست أو ثمان وسبعون آية" وهي ست أو ثمان وسبعون آية، يعني الفرق بين القولين آيتين، قد يقول قائل: أين ذهبت الآيتين على القول بأنها ست وسبعون؟ ومن أين جيء بالآيتين على القول بأنها ثمان وسبعون آية؟ الخلاف في العد لا في الزيادة والنقصان، القرآن مصون عن الزيادة والنقصان، تولى الله -جل وعلا- حفظه، وتكفل بذلك، ولم يكله إلى غيره، الكتب المنزلة كلها استحفظوا عليها فلم يحفظوها ووقع فيها التحريف والتبديل، وأما هذا القرآن فقد تولى الله -جل وعلا- حفظه ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [(٩) سورة الحجر] فهو مصون من الزيادة والنقصان، من زعم أن هناك حرف زائد أو ناقص هذا يكفر عند علماء الإسلام؛ لأن ما بين الدفتين اتفق عليه الصحابة، فما كان خارج عن مصحف عثمان، الذي أرسله إلى الأمصار، واتفق فيه مع الصحابة ليس بقرآن، قد يروى قراءات لكنها إلى التفسير أقرب، أو من الحروف المنسوخة؛ لأن القرآن أنزل على سبعة أحرف مراعاةً لحال من أنزل إليهم؛ لأن فيهم الكبير الذي لا يطاوعه لسانه لقراءة بعض الكلمات فوسع على الناس، وسع على الناس أن يقرؤوا القرآن على سبعة أحرف، وهذا شيء مشاهد، لو يأتي عامي عمره سبعون أو ثمانون سنة وهو لم يقرأ تريد أن تقرئه سورة تعبت معه تعباً شديداً، تعبت معه تعباً شديداً، وسمعت من يلقن عامياً في فجر يوم الجمعة سورة الكهف، سورة الكهف نصف جزء تحتاج إلى عشر دقائق بالترتيل، بالقراءة المأمور بها، إلى عشر دقائق أو اثنا عشر دقيقة وبالهذ يكفيها خمس ست دقائق، يلقنه هذه السورة في ساعة ونصف حرفاً حرفاً، فكبار السن لا تطاوعهم ألسنتهم، ونزل القرآن على جمع من هذا النوع، فاحتيج إلى أن يوسع في الأمر مراعاةً لهم فيقرؤونه على سبعة أحرف، وإلى وقت قريب والقراءة في الكتاتيب تجمع الصغير والكبير، وأعرف شخصاً ترك القرآن من أجل كلمة عجز أن ينطقها، فلم يتجاوزها القارئ المكتِب المعلم ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَى﴾ [(٦) سورة العلق] وهو يقرأها ليطقى، ثم يضربه المعلم، ثم يعود إليها فيكررها، أخيراً ترك قراءة القرآن، لو وفق المعلم وتجاوز هذه الكلمة كونه يترك كلمة ثم يعود

стр. 551

إليها يعرفها فيما بعد -إن شاء الله تعالى- فمراعاة حال هؤلاء وهذه نصيحة لإخواننا الذين يتولون تعليم القرآن بالنسبة للكبار سواءً من الرجال أو من النساء أن يرفقوا بهم، ويعاملوهم على حد أو على حسب ما يطيقون؛ لأن البديل الترك، الترك ليس بحل، البديل لهؤلاء الترك أن يتركوا تعلم القرآن، وهذا ليس بحل، وكونهم يدركون ما يدركون منه على أي وجه لا يدخل في المحظور بركة. القرآن مصون من الزيادة والنقصان وهنا يقول: "ست أو ثمان وسبعون آية" لا زيادة حرف ولا نقص حرف، إنما الاختلاف في عد البسملة آية فيكون الفرق آية واحدة، وعد ﴿الرَّحْمَنُ﴾ [(١) سورة الرحمن] آية مستقلة، أو بعض آية، فيكون ﴿الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ﴾ [(١ - ٢) سورة الرحمن] آية، وهذا في جميع القرآن، يعني العد البصري والعد الكوفي والعد كذا على حسب ما يرون في البسملة، وفصل بعض الآيات عن بعضها، بعضهم يجعل الآية آيتين، وبعضهم يجعلها آية واحدة، مثل الفاتحة الآن، الفاتحة سبع آيات ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِّنَ الْمَثَانِي﴾ [(٨٧) سورة الحجر] سبع آيات، وتجدون في المصاحف بعضها البسملة معدودة والعدد سبع، وفي بعضها البسملة غير معدودة والعدد سبع، والسبب ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ﴾ [(٧) سورة الفاتحة] إما أن تكون آية كاملة أو نصف آية، فإن عددنا البسملة قلنا: نصف آية، وأكملنا إلى آخر السورة آية واحدة، وإذا قلنا: البسملة آية .. ، إذا قلنا: إنها آية عددنا الآيتين ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ﴾ [(٧) سورة الفاتحة] آية واحدة، وإذا قلنا: البسملة ليست بآية، وبدأنا من ﴿الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [(٢) سورة الفاتحة] الأولى قسمنا هذه الآية إلى آيتين، وهذا أمر معروف، وهذا لا يتأثر به القرآن، القرآن مصون من الزيادة والنقصان، يعني العد هذا لا تأثير له، لكن الإشكال أن يفهم أنه ما دام قال واحد: ست وسبعين وقال: ثمان وسبعين الفرق آيتين وين راحت الآيتين؟ أين ذهبت الآيتان؟ لا، لا ما ذهب شيء ولا يحتمل زيادة ولا نقصان إنما مرد الخلاف هذا.

стр. 552

يقول: " ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ " سور القرآن افتتحت بالبسملة بدءاً من الفاتحة وختماً بالناس، يختلف أهل العلم في البسملة هل هي آية من كل سورة أو ليست بآية مطلقاً وإنما كتبها الصحابة للفصل بين السور؟ أو هي آية واحدة آية واحدة نزلت للفصل بين السور، هي آية لا من سورة بعينها بعد إجماعهم على أنها بعض آية من سورة النمل، بعض آية من سورة النمل في أثنائها، وأنها ليست بآية بالاتفاق في أول براءة، وما عدا ذلك هو محل الخلاف وبسطه لا يحتمله المقام. ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿الرَّحْمَنُ﴾ [(١) سورة الرحمن] اسم من الأسماء الحسنى، لا يسمى به غير الرب -جل وعلا-، لا تجوز التسمية به، وأما تسمية مسيلمة الكذاب برحمن اليمامة هذا من شدة عتوه وعناده وعناد أتباعه، وإلا فالاسم خاص بالله -جل علا-، وأما بالنسبة للفظ الجلال (الله) فهذا الله -جل وعلا- قبض الألسنة عن أن يسمى به، وهو خاص به، وهناك أسماء مشتركة مثل الكريم، الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، العزيز ﴿قَالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ﴾ [(٥١) سورة يوسف] والله -جل وعلا- هو العزيز. هناك أسماء مشتركة وهناك أسماء خاصة بالله -جل وعلا-، والرحمن من الأسماء الخاصة بخلاف الرحيم، الرحيم مشترك، والرحمن تقدم شرحه في البسملة يعني في أول الفاتحة، وشرحنا البسملة هناك من أراد أن يراجع شرحها فهي موجودة ومتداولة، تفسير الفاتحة موجود يعني في أربعة أشرطة متداول.

стр. 553

﴿الرَّحْمَنُ﴾ [(١) سورة الرحمن] على القول بأنها آية مستقلة قالوا: نحتاج إلى تقدير إما مبتدأ أو خبر، فإما أن نقول: اللهُ الرحمنُ هذا على تقدير مبتدأ، أو يقال: الرحمن ربنا، على تقدير أن الرحمن مبتدأ يحتاج إلى خبر، ﴿الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ﴾ [(١ - ٢) سورة الرحمن] يقول: "علم من شاء القرآن" الرحمن الرب -جل وعلا- علم من شاء القرآن، يعني من شاء هدايته، ومن شاء أن يكون من خير هذه الأمة ((خيركم من تعلم القرآن وعلمه)) من شاء له التوفيق في أمور دينه ودنياه يعلمه القرآن، بخلاف من صد عن تعلم القرآن، أو تعلمه ولم يقم به، علم من شاء، وبعضهم يقدر المفعول الأول بجبريل، علم جبريل القرآن، وجبريل نزل به إلى النبي ﵊، ومنهم من يقدر المفعول الأول بدلاً من التعميم من شاء بمحمد ﵊، علم محمداً القرآن، وهذا رد لقول المشركين ﴿إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ [(١٠٣) سورة النحل] والتعميم يشمل جبريل ﵇، ومحمد ﵊، ويشمل من أراد الله به خيراً من هذه الأمة، وفيهم كثرة -ولله الحمد-، سلف هذه الأمة وأئمتها عنايتهم بالقرآن لا تحتاج إلى استدلال، فلا يعرف عالم من علماء المسلمين المتقدمين من ليس له عناية بالقرآن أبداً، نعم قد يوجد في العصور المتأخرة من ينتسب إلى العلم ويهتم بالحديث ويقصر في القرآن، يوجد من يعنى بالعقيدة ويقصر في جانب القرآن، يوجد من يعنى بالفقه والأحكام من الحلال والحرام ويقصر في القرآن، لكن من علماء الأمة الربانيين الذين يستحقون هذا اللقب هذا لا يعرف فيهم، ولذا في تراجمهم ما عرفنا إلا في ترجمة ابن أبي شيبة قالوا: إنه لا يحفظ القرآن، وأما غيره ما نص عليه، دليل على أن تعلم القرآن وتعليم القرآن قاسم مشترك للعلماء كلهم من مفسرين ومحدثين وفقهاء وغيرهم، ممن له عناية بالعلم الشرعي، وعلم من شاء القرآن، فـ (علّم) يتعدى إلى مفعولين، والقرآن يطلق ويراد به المصدر القراءة، ويطلق ويراد به اسم المفعول أي المقروء، وإذا تعلم القراءة تعلم المقروء؛ لأن القرآن كما يطلق على ما بين الدفتين من كلام الله -جل علا- يطلق أيضاً على القراءة.

стр. 554

. . . ... يقطع الليل تسبيحاً وقرآناً يعني قراءة للقرآن، ومن فروع هذه المسألة الخلاف في اللفظ بالقرآن هل المراد به المقروء الملفوظ به أو يراد به اللفظ الذي هو المصدر القراءة؟ وهذه مسألة معروفة عند أهل العلم ومبحوثة وشددوا فيها، شدد فيها سلف هذه الأمة؛ لئلا يتطرق القول أو إلى عقيدة المسلم القول بخلق القرآن، ومعروف الخلاف في مسألة اللفظ بين الإمام البخاري والذهلي، وكلهم من أئمة الإسلام، لكن سلف هذه الأمة وأئمتها يحسمون هذه المادة، ولا يقبلون التفصيل في هذا. ﴿عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الْإِنسَانَ﴾ [(٢ - ٣) سورة الرحمن] خلقه أوجده من العدم، والمراد بالإنسان "الجنس" جنس الإنسان، من آدم ﵇ إلى آخر مخلوق من هذا الجنس، الله -جل وعلا- هو خالقه، وأما ما يزعمه البشر من أنهم يخلقون نعم يفعلون ويصنعون، والله -جل وعلا- هو خالقهم، وخالق ما يعملون، خالق أفعالهم، ويزعمون أنهم يخلقون إنسان يسمونه آلي، لكنه في الحقيقة ليس بإنسان، فالخالق للإنسان هو الله -جل وعلا-، والإنسان هو الذي يأنس ويؤنس به، فهذه الآلة التي يخلقونها ويزعمون أنها إنسان آلي لا تأنس ولا يؤنس بها جماد، ولن يستطيعوا أن يخلقوا ما فيه روح، ولو اجتمعوا على ذلك، وتضافروا عليه، ولن يستطيعوا أن يخلقوا أقل المخلوقات شأناً وهو الذباب، ولو اجتمعوا له، يعني لو اجتمعت قوى الشرق والغرب ما استطاعوا أن يخلقوا ذباباًَ، كما قال الله -جل وعلا- في آخر سورة الحج.

стр. 555

﴿خَلَقَ الْإِنسَانَ﴾ [(٣) سورة الرحمن] أي جنس الإنسان ﴿عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ [(٤) سورة الرحمن] والمراد بالبيان "النطق" ما يبين به عما في ضميره، النطق هذا هو الذي يميز الإنسان عن غيره من المخلوقات، يشارك كثيراً من الحيوانات النامية في الحياة والنمو لكنه ينفصل عنهم، وينفرد عنهم بالنطق، فإذا قيل: حيوان ناطق، لا يدخل فيه غير الإنسان، هذا وصف كاشف مخرج لجميع أفراد ما ينطبق عليه الحيوان، فإذا قيل: ناطق، انتهى، خرج ما عدا الإنسان، ولذلك قال: ﴿عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ [(٤) سورة الرحمن] "النطق" فهو الذي يستطيع أن يبين عما في نفسه، وبقية الحيوانات عجماوات، وجاء في الحديث: ((العجماء جبار)) يعني جناية العجماء –الدابة- جبار؛ لأنها عجماء لا تبين عن نفسها، عما في نفسها فهي عجماء، من ذلك سمي الأعاجم والعجم هذا الذين لا ينطقون بالعربية، فباعتبار أن العربية هي لغة الكتاب والسنة فكأن ما عداها لا قيمة له، لا يستطيع أن يبين عما في نفسه بالنسبة لهذه اللغة، ولذلك قوبلت الأعجمية بالعربي ﴿أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ﴾ [(٤٤) سورة فصلت]

стр. 556

﴿عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ [(٤) سورة الرحمن] "النطق" ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾ [(٥) سورة الرحمن] قال: "يجريان" لكن لو قدم المتعلق الذي هو الفعل وهو في الحقيقة خبر على ما يتعلق به لكان أولى، لو قال: الشمس والقمر يجريان بحسبان، اللي معه التفسير يلحظ هذا، قال: ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾ [(٥) سورة الرحمن] "يجريان" لو قال: الشمس والقمر يجريان بحسبان؛ لأن الأصل تقديم المتعلق، فبحسبان جار ومجرور متعلق بيجريان، الشمس تجري لمستقر لها والقمر كذلك يجري، وكل في فلكه، فلا يتقدم أحدهما على الآخر بنظام بديع مرتب، لا يختل إلا إذا اختل حال العالم ﴿لَا الشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ﴾ [(٤٠) سورة يس] أمور مرتبة بدقة عجيبة متتابعة تتابعاًَ بديعاً، فالشمس آية النهار، والقمر آية الليل، محيت آية الليل فصار فيه الظلام، وبقيت آية النهار مبصرة فصار فيها الضوء والإشراق، ولذا يقولون: في الصباح ما يغني عن المصباح، إذا طلع الصباح انتهى، وفي الليالي المقمرة شيء من الضوء لكنه إشراق بدون إحراق، ضوء ضعيف بخلاف ضوء الشمس، وهما آيتان من آيات الله، أجراهما على هذا النظام البديع، ولا يتغيران ولا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته، بل هما آيتان يخوف الله بهما عباده، وفائدتهما والحكمة من خلقهما لا تخفى على أحد، كما هي حكمة التغاير بين الليل والنهار، يعني لو تصورنا أن الكون كله مظلم، كله ليل سرمدي، أو نهار سرمدي اختل النظام، لا يتم المعاش على هذه الأرض على الوجه المطلوب، لا تدري اليوم من الأمس من الغد، معاملات الناس كلهم وأمورهم كلها تضطرب، لكن جعل هاتين الآيتين مما يتميز به الليل والنهار، وقبل وضع التاريخ فيه ليل ونهار، لكن فيه أيضاً شيء من الاضطراب، يعني وجود الليل والنهار يحل الإشكال، آتيك غداً نهاراً، آتيك غداً ليلاً، أو يحل المبلغ في النهار، يحل المبلغ في الليل، يحل شيء من الإشكال، لكن أيضاً معرفة التاريخ في غاية الأهمية، الذي هو من نتاج تغاير هاتين الآيتين، يعني جيء لعمر بصك فيه دين يحل في شعبان قبل التاريخ، فقال: شعبان الماضي أو شعبان المستقبل؟

стр. 557

قالوا: ما ذكر شيء، الوثيقة في شعبان، فوضع التاريخ ﵁ وأرضاه-، هذه الأمور معاش الناس لا يستقيم إلا بها، لا يستقيم أمر الناس إلا بها، وكان الناس يحددون ويؤرخون بالوقائع، ثم بعد ذلك صاروا يؤرخون بالسنين، وهذا من فائدة هاتين الآيتين المميزتين لليل من النهار، يجريان بحسبان، الشمس تجري، لكن ماذا عن قول أهل الهيئة وأنها ثابتة والأرض تدور حولها؟ هذا مخالفة للنص القطعي، ولذا أفتي بكفر من يقول بهذا القول، ثبوت الشمس القول به مخالف لقول الله -جل وعلا-: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي﴾ [(٣٨) سورة يس] وأيضاً الشمس تجري في فلكها لا تحيد عنه ولا تميل ومع ذلك تسجد في آخر كل ليلة تحت العرش، وتستأذن بالطلوع في الحديث الصحيح، الحديث صحيح في أن الشمس تسجد تحت العرش في آخر كل ليلة تستأذن في أن تطلع من المغرب أو المشرق، ومع ذلكم هي في فلكها، لا يحس بها، وما جاء في النصوص الصحيحة لا بد من الإيمان به، ما يقول قائل: إنها تفقد .. ، كيف تفقد؟ يعني لو ذهبت وسجدت تحت العرش لا بد أن تفقد من فلكها والمشاهد أنها خلال الأربعة والعشرين ساعة تجري؟ نقول: نؤمن بهذا، ونسلم بما جاء عن وعن رسوله ﵊ دون نقاش، ولا يقول قائل: إن الإسلام يلغي العقول، لا، إنما أتى بأمور تحتار فيها العقول؛ ليعرف الإنسان قدر نفسه، ولذا يقول أهل العلم: قنطرة الإسلام لا تثبت أو قدم الإسلام لا تثبت إلا على قنطرة التسليم، يعني هناك أمور لا بد أن تقف دونها، يعني العقل لا يمكن أن يدرك كل شيء، العقل محدود، يعني كما قرر في حديث النزول مثلاً إن الله ينزل في آخر كل ليلة يقرر شيخ الإسلام أن العرش لا يخلو منه؛ لأنه مستوٍ على عرشه، بائن من خلقه، هذه أمور لا بد من التسليم فيها، لا بد من أن يسلم الإنسان فيها، وإذا حصل عنده أدنى شك فيما ثبت عن الله وعن رسوله فمآله ومصيره إلى الضلال المبين، كما حصل لأصول أو لكبار المبتدعة ابتلوا بمثل هذه المناقشات، وزعموا أن عقولهم تدرك كل شيء وبعد ذلك صدر عنهم ما يضحك منه المجانين والأطفال، عقوبة من الله -جل وعلا-، فعلى الإنسان الحريص على سلامته أن يستسلم، والإسلام هو الاستسلام، هو الاستسلام لله

стр. 558

-جل وعلا-. ﴿وَالنَّجْمُ﴾ [(٦) سورة الرحمن] والنجم يقول المفسر: "ما لا ساق له من النبات" ﴿وَالشَّجَرُ﴾ [(٦) سورة الرحمن] ما له ساق" يعني النجم لا ساق له مما يمتد على وجه الأرض، يمتد على وجه الأرض، ما له ساق يرفعه عن الأرض، والشجر الذي له ساق، له جذع، وله فروع، أما النجم يمتد على وجه الأرض، ولا ساق له يرفعه عنها، هذا ما مشى عليه المؤلف وهو أحد القولين بالنسبة للنجم، فمنهم من يقول: إن النجم هو جنس النجوم الموجودة في السماء، والتي تظهر للناظر بالليل، النجم واحد النجوم، أو هو جنسها لأن (أل) هذه يحتمل أن تكون جنسية فتشمل جميع النجوم، ويحتمل أن تكون عهدية فتطلق على نجم واحد، وهو الثريا كما تقدم فيما مضى ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾ [(١) سورة النجم] النجم "ما لا ساق له من النبات" نعم يطلق عليه نجم في لغة العرب "والشجر ما له ساق" ﴿يَسْجُدَانِ﴾ [(٦) سورة الرحمن] ﴿وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ﴾ [(٦) سورة الرحمن] لله -جل وعلا-، فيخضعان لما يراد منهما، وسجود كل شيء بحسبه؛ لأنه قد يقول قائل: أنا والله ما رأيت عمري كله أنا فلاح منذ سبعين سنة ما رأيت شجرة ساجدة، لكن أنت لا تحس بمثل هذا، لا تحس بمثل هذا، لكن ﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ﴾ [(٤٤) سورة الإسراء] تسبح تذكر الله على حسب حالها، إما بلسان المقال والقدرة الإلهية صالحة لمثل هذا، بل أعظم منه ﴿قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [(١١) سورة فصلت] أو بلسان الحال بعدم امتناعها مما يطلب منها، ولذا يقول: ﴿يَسْجُدَانِ﴾ [(٦) سورة الرحمن] "يخضعان لما يراد منهما" هل تمتنع الشجرة من الإثمار المراد منها؟ نعم قد يوجد قد لا يوجد السبب، وقد يوجد السبب ويوجد مانع، لكن إذا وجد السبب وانتفى المانع فالأثر حاصل بإذن الله -جل وعلا-، فيخضعان لما يراد منهما، يراد من الشجر الثمرة، يراد من الشجرة الظل، يراد من النجم كذلك، يراد من النجم على القول بأنه نجوم السماء ما خلقت من أجله من الحكم الثلاث المعروفة: زينة للسماء، وهداية للناس، ورجوم للشياطين، هل يؤمر النجم بأن يرجم شيطان فيتأخر؟ لا، "يخضعان لما يراد منهما".

стр. 559

﴿وَالسَّمَاء رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ﴾ [(٧) سورة الرحمن] السماء رفعها: منصوب بفعل يفسره المذكور، التقدير ورفع السماء رفعها، ووضع الميزان "أثبت العدل" لأن العدل إنما يتم في الموزونات بالوزن، وفي المكيلات بالكيل، في المذروعات بالذراع وهكذا، ﴿وَوَضَعَ الْمِيزَانَ﴾ [(٧) سورة الرحمن] المراد منه العدل، والظلم محرم، حرمه الله -جل وعلا- على نفسه، كما جاء في الحديث القدسي: ((يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً، فلا تظالموا)) ولذا توزن أعمال العباد يوم القيامة؛ لئلا يكون للناس حجة على الله -جل وعلا-، والله عالم بما يعملون قبل عملهم، وعالم به بعد عملهم به، وما يؤولون إليه، وكتب على كل إنسان ما يؤول إليه أمره من سعادة أو شقاوة، ومع ذلكم وضع الموازين ليقطع الحجج على المحتجين، وإلا فالمعتزلة كما هو معروف ينكرون الميزان، يقولون: ما له داعي، الله -جل وعلا- يعرف أعمال العباد حسنها وسيئها، لكنه الله -جل وعلا- جرت حكمته على إخراج هذا المعلوم من عالم الغيب إلى عالم الشهادة، بحيث يراه الإنسان ويطمئن، أحياناً تأتي إلى البائع ويكون ثقة وتقول له: أعطني عشرة كيلو من كذا فيعطيك، يعطيك شيء في كيس جاهز، يقول: هذه عشرة كيلو، وهو ثقة نعم تأخذ هذا لكنك يبقى في نفسك شيء لماذا لا يزن الميزان موجود؟ يا أخي ضعه في الميزان من أجل إيش؟ أن يطمئن قلبي، من أجل أن يطمئن قلبي، فإذا وضعه في الميزان خلاص انتهى الإشكال ما في أدنى تردد، فالله -جل وعلا- رفع السماء بغير عمد ترونها، بغير عمد ترونها، وما قاله أهل العلم في القيد "ترونها" هل هو وصف مؤثر أو غير مؤثر؟ له مفهوم أو لا مفهوم له؟ هذا محل خلاف بين أهل العلم؛ لأن مفاد قوله: ﴿تَرَوْنَهَا﴾ [(١٠) سورة لقمان] أن لها عمد، لكن هذه العمد لا ترى، هذا إذا قلنا: إن الوصف مؤثر، وإذا قلنا: إنه غير مؤثر ولا مفهوم له، قلنا: إن السماء رفعت بغير عمد البتة، وقوله: ﴿تَرَوْنَهَا﴾ [(١٠) سورة لقمان] يعني من شأن المعدوم ألا يرى، وإنما هو مجرد وصف لا مفهوم له، وإذا قلنا: إن له مفهوم قلنا: إن السماء رفعت بعمد لكنها لا ترى.

стр. 560

﴿وَالسَّمَاء رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ﴾ [(٧) سورة الرحمن] من أجل العدل، وضع الميزان ليتعامل به الناس، ووضعه أيضاً يوم القيامة ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ﴾ [(٤٧) سورة الأنبياء] فمن أجل العدل وضع الميزان، وضعه بالنسبة إلى الخلق فيما بينهم، وبالنسبة لوزن أعمالهم، ووزنهم أو وزن بعضهم يوم القيامة، فيؤتى بالرجل السمين يوم القيامة فلا يزن عند الله جناح بعوضة، فأحياناً يكون الموزون العمل، وأحياناً يكون الموزون العامل، وأحياناً يكون العامل مع عمله. ﴿أَلَّا تَطْغَوْا﴾ [(٨) سورة الرحمن] "أي: لأجل أن لا تجوروا" لأجل أن لا تجوروا، ﴿أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ﴾ [(٨) سورة الرحمن] من أجل إيش؟ ألا تجوروا، ولا تظلموا غيركم، والطغيان مجاوزة الحد، لو لم يوجد هذا الميزان وقلت له: أعطني بمبلغ كذا من هذا التمر أو من هذا البر فلا يؤمن أن يطغى البائع أو الشاري، فالبائع يطفف ويعطيه أقل مما يستحق، وإن ترك الأمر للمشتري زاد في الكمية، لكن وجد هذا الميزان من أجل ألا تطغوا، ألا تطغوا أي لأجل ألا تجوروا في الميزان، يعني ما يوزن به، ذو الكفتين، الميزان له كفتان، واحدهما، أو واحدتهما إيش؟ كفة، وبالنسبة لما يوضع في الثوب يقال له: كُفة، يقولون: كل مستدير كِفة، وكل مستطيل كُفة. ﴿وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ﴾ [(٩) سورة الرحمن] "بالعدل" وأقيموا الوزن بالقسط يعني بالعدل، وكرر الأمر بالعدل والوزن والميزان ولئلا تطغوا، ولئلا تجوروا، كل هذا من أجل بيان شناعة الظلم والبغي والطغيان؛ لأنه هو المقابل للعدل. ﴿وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ﴾ [(٩) سورة الرحمن] أقيموا الوزن بالقسط، بالعدل، لا يزيد، الأصل أن لسان الميزان مستوي، لسان الميزان مستوي لا يزيد ولا ينقص، هذا الأصل، هذا العدل، لكن هناك فضل، تجد بعض الناس إذا وزن ما يجعل لسان الميزان مستوي ينزل شوية وهذا فضل، أما بالنسبة لو عكس وجعل الموزون أخف من المطلوب هذا تطفيف -نسأل الله العافية-.

стр. 561

﴿وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ﴾ [(٩) سورة الرحمن] "تنقصوا الموزون" فالأصل أن يتساوى لسان الميزان .. ، الموزون مع ما يوزن به هذا الأصل، هذا هو العدل، لكن إن زاد فهو فضل وإن نقص فهو تطفيف ﴿وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ﴾ [(٩) سورة الرحمن] أي: "تنقصوا الموزون" لأن بعض الناس من شدة تحريه للعدل وإن كان الفضل أفضل من العدل الفضل أفضل من العدل، تجده إذا وزن برتقال مثلاً إن وضع واحدة رجحت وإن رفعها قل الموزون، وهذا لا يريد أن يتفضل ما جبل على فضل، نعم، وهذا شاهدناه من بعض الناس، يصير مجبول على شيء من الشح ولا ... ، يمكن لو يتيسر له أنه يطفف يمكن ما يتأخر لكن الزبون أمامه، فلا يريد الفضل هو فيأتي بمادة ثانية من نوع ثاني فاكهة أخرى تكون أخف فيضعها من أجل لا تظلمون ولا تظلمون، هذا عدل ما في إشكال، لكن يبقى أن الفضل لا تنسوا الفضل.

стр. 562

والوزن كما يكون بالمحسوسات يكون أيضاً في المعاني، والعدل كما يطلب في وزن المحسوسات يطلب أيضاً في وزن المعاني، لا بد من العدل، العلماء حينما تكلموا في الرواة جرحاً وتعديلاً اهتموا بمسألة العدل، لا يجوز أن يجرح الراوي بأكثر مما فيه، كما أنه لا يجوز أن يعطى من الأوصاف والثناء ما يغرر بقبول خبره، وهو مما لا يقبل خبره، يعني لا بد أن يوزن الرجال بالقسط، وأعني بالرجال من يحتاج إلى وزنهم، من يحتاج إلى وزنهم، السنة لا تثبت إلا بالأسانيد، والأسانيد مشتملة على رواة، وكل راوٍ من الرواة له منزلة عند أهل العلم، لا يجوز أن ينزل عنها بحيث يرد خبره، ولا يجوز أن يرفع من شأنه بحيث يقبل خبره، وهو في الأصل لا يقبل خبره، لا بد من العدل، لا بد من الإنصاف، تجد بعض الناس إذا تكلم في بعض الأشخاص نسي الحسنات، وبعضهم إذا تكلم نسي السيئات، أولاً: الكلام في الناس وفي أعراضهم ينبغي أن يتقيه، أن يتقيه المسلم المتحري الحريص على براءة ذمته إلا بقدر الحاجة، يعني إن احتيج إليه، جاء شخص يسألك يستشيرك يقول: تقدم لنا فلان لخطبة البنت مثلاً تشير عليه، إذا كان فيه ما يمدح بسببه تمدح، وإذا كان فيه ما يذم بسببه تذم، ويكون هدفك بذل النصح لصاحبك، لا يكون هدفك التفكه بعرض فلان أو علان، ويكون بقدر الحاجة، وما زاد عن الحاجة يعود إلى الأصل وهو المنع، وأعراض المسلمين حفرة من حفر النار، يقول ابن دقيق العيد: "وقف على شفيرها العلماء والحكام" فالعلماء يحتاجون إلى الكلام في الناس، الحكام يحتاجون إلى الكلام في الناس، فلا تجوز الزيادة عن الحاجة، وأن يكون الكلام بالعدل بالقسط، لا يزاد في حق فلان ولا .. ؛ لأنه لو زدت في حقه ورفعته فوق شأنه إن كان راوياً جعلت الناس يقبلون خبره، وهو في الحقيقة خبره غير مقبول، هذا ضرر عظيم، وإن نقصت من شأنه جعلت الناس يردون حديثه، وقد يكون حديثه مقبول، فأنت غررت بهم، وإن كان مما يسأل عنه من أجل ولاية ونحوها إن رفعت من شأنه غششت به الأمة، وإن حططت من شأنه ظلمته وظلمت غيره، فلا بد من العدل، والإنسان ما دام في عافية ما علق هذا الأمر به ولا أنيط به فعليه أن يحرص على إبراء ذمته؛ لأن العدل في مثل هذه

стр. 563

الأمور فيه صعوبة، يعني إذا سئلت عن شخص قد تمدحه اليوم وتذمه غداً، إما أن يكون قد ظهر لك من أمره ما لم يظهر، أو يكون تعامله معك في هذا اليوم تغير، مع أن العدل مطلوب سواءً تعامل معك على وجه حسن ترضاه ويروق لك، أو خلاف ذلك، فنعتني بهذا ونهتم به، والإنسان لا يأتي يوم القيامة مفلساً، يجمع الحسنات من الصيام والصلاة والزكاة والبر وغيرها وطلب العلم والتعليم ثم بعد ذلك يأتي يوزع هذه الحسنات على غيره، فيكون مفلساً، كما جاء في الحديث الصحيح، يحرص على أن يحافظ على ما اكتسبه، والوزن مثل ما ذكرنا كما يكون في المحسوسات يكون أيضاً في المعنويات، فلا بد من العدل، ولا بد من القسط. ﴿وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ﴾ [(١٠) سورة الرحمن] وضعها: "أثبتها" وثبتها وأرساها لئلا تميد ولا تضطرب؛ لأنها لو مادت أو اضطربت ما تم العيش عليها براحة، والأرض وضعها: أثبتها، وبالجبال أرساها، أرساها بالجبال الرواسي لتثبت، فلا تميد بالخلق بالأنام الذين على ظهرها من الجن والإنس وغيرهم، ولو مادت واضطربت وحصل لها ذلك لأصيب الناس بالذعر، كما هو شأن الهزات الأرضية والزلازل -نسأل الله السلامة والعافية-، والحكمة من وجود هذه الجبال هو إرساء الأرض وتثبيتها من أجل أن تثبت لهؤلاء الأنام، لهؤلاء الخلق الذين جعلت لهم كالمهد، فيلازمونها كما يلازم الصبي مهده، ولذا القضاء على هذه الجبال لا شك أنه مخالف للحكمة الإلهية من وجودها، ونرى الأمر يزداد في هذه الأيام في إزالة الجبال من أجل .. ، لا شك أنه من أجل الانتفاع بهذه الأرض، لكن هل المقصود بالانتفاع لذاته أو للكسب المادي؟ لا شك أن الذين يفعلون هذا يريدون الكسب، وكونهم يزيلون هذه الجبال التي حكمتها إرساء الأرض وتثبيت الأرض، يقولون: نضع مكان هذه الجبال مشاريع عملاقة، عمارات طويلة أطول من هذا الجبل، نقول: مهما كانت لن تكون بمنزلة هذا الجبل في إرساء الأرض، نعم إذا دعت مصلحة عامة صار هذا الجبل في طريق لا بد منه، لا بد من سلوكه فهذا له شأن، لكن تبقى الجبال من أجل إرساء الأرض وتثبيتها.

стр. 564

﴿وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا﴾ [(١٠) سورة الرحمن] يعني "أثبتها" ﴿لِلْأَنَامِ﴾ [(١٠) سورة الرحمن] "للخلق للجن والإنس وغيرهم" لمن يعيش على ظهرها، ومن يقول بأن الأرض تدور مثلاً وأهل الهيئة يتفقون على أنها تدور حول الشمس، وعرفنا أن من يقول بأن الشمس ثابتة حكم أهل العلم بكفره؛ لأنه مصادم للنص، وبالنسبة للأرض والقول بدورانها مسألة معروفة عند أهل الهيئة ويتفقون عليها، واستنكر هذا القول، ورد عليه في أول الأمر، ثم بدأ الناس من كثرة ما يسمعون من هذا الكلام، وما ذكر لهم من أدلة قد يقتنع بها بعضهم، وما زال أهل العلم يرون أن الأرض ثابتة راسية، على ما جاء في النصوص، وإن كان بعضهم يقول: إن دورانها لا ينافي ثبوتها ولا رسوها، ثابتة باعتبار أنها لا تضطرب ولا تهتز ولا يتأثر من فيه، وتتحرك حركة لا يشعر بها، كما جاء في الجبال يوم القيامة ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾ [(٨٨) سورة النمل] فهذه الأرض تدور بمن فيها على ما قالوا، ومثل هذه المسائل التي لا يسأل عنها الإنسان، وليس لها نتيجة عملية، لو ترك البحث فيها كان أولى؛ لأن بعض الناس يصرف الوقت الطويل لبحث مثل هذه المسائل فيما لا جدوى له، سواءً كانت ثابتة أو تدور على ظهرها، على الإنسان أن يعبد الله -جل علا- على حسب ما طلب منه، وهو تحقيق العبودية، وبعض العلماء مثل الشيخ ابن باز ﵀ ألف في المسألة مؤلف، ألف في هذه المسألة مؤلف، وشدد في مسألة دوران الأرض، وبعضهم من حكم بكفره من يقول: بدورانها؛ لأن النصوص جاءت بأنها راسية وثابتة، وإن كان الطرف الثاني يقول: إنها مع دورانها راسية وثابتة، يعني مثل ما تقول في بعض السيارات وهي تسير تمشي عليها مائة وخمسين مائة وستين تكون راسية وهي ليست ثابتة تمشي، على كل حال مثل هذه الأمور الخلاف فيها ليست له ثمرة ولا جدوى، ولسنا بمسئولين عنه إذا قبرنا.

стр. 565

﴿فِيهَا﴾ [(١١) سورة الرحمن] يعني في الأرض أقرب مذكور ﴿فَاكِهَةٌ﴾ فيها فاكهة، ﴿وَالنَّخْلُ﴾ ﴿فِيهَا فَاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ﴾ [(١١) سورة الرحمن] يقول: "المعهود" النخل المعهود؛ ليبين أن (أل) هنا للعهد، وفيها فاكهة فما السر في تنكير فاكهة وتعريف النخل؟ نعم؟ طالب:. . . . . . . . . كيف؟ طالب:. . . . . . . . . ﴿فِيهَا فَاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذَاتُ الْأَكْمَامِ﴾ [(١١) سورة الرحمن] ما قال: فيها فاكهة ونخل، أو فيها الفاكهة والنخل، نعم الفاكهة كثيرة الأشكال، كثيرة الأجناس، كثيرة الأنواع، النخل شيء واحد ثمره التمر، والفاكهة متنوعة، فالتنكير هنا للتعميم، وأما بالنسبة للنخل فالمراد به النخل المعهود المثمر للتمر فقط. ﴿وَالنَّخْلُ ذَاتُ الْأَكْمَامِ﴾ [(١١) سورة الرحمن] جمع كِم، جمع كم، وهذا يقال له: كِم وإلا كُم؟ كُم، وواحد الأكمام كِم، وهو وعاء الطلع، وعاء الطلع، الظرف الذي يكون فيه الطلع، ولذا قال: ﴿ذَاتُ الْأَكْمَامِ﴾ [(١١) سورة الرحمن] "أوعية الطلع" أوعية الطلع ﴿وَالْحَبُّ﴾ [(١٢) سورة الرحمن] كالحنطة والشعير الحب الذرة الدخن والحبوب كثيرة، ﴿وَالْحَبُّ﴾ "كالحنطة والشعير" ﴿ذُو الْعَصْفِ﴾ العصف قال: "التبن" لأن الحب له قشر، له قشر وله سنبل، كل هذا إذا استخلص الحب الباقي تعصف به الريح، يكون خفيف تعصف به الريح، ولذا قال: ذو العصف، الحب له عصف، له قشور، وله تبن، وله أشياء إذا استخلص الحب الباقي تعصف به الريح، ومنهم من يقول: ذو العصف المراد به ورق الشجر إذا يبس وسقط منها عصفت به الريح، لكن إضافته للحب إضافته للحب تدل على أنه ملازم للحب، مما يتصف به الحب، الحب ذو، الحب ذو، موصوف بكونه صاحب العصف، والفعْل هنا مقصود به اسم المفعول، كالحمل بمعنى المحمول، العصف يعني المعصوف به وهو التبن وما في حكمه مما يخف للريح فتعصف به.
следующие страницы →