Полный текст (768 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
لا،. . . . . . . . . ما يحتاج إلى تقدير.
طالب: وين؟
ما نحتاج إلى تقدير الله في أولها أثنى على نفسه.
طالب: هذا سؤالي أنا أقول: على القول الذي يقول: أن أولها من كلام الله لا نحتاج (قولوا) في أولها؟ أين نقدر؟
توك تفهم هذا الكلام، وتوك تقرره، وإلا قبل ما ... ؟
طالب: أقول أين نقدر ...
لا تقدر.
طالب: حتى في آخرها؟
إيه، إياك نعبد معروف أنه ليس من مقول الله.
طالب: يعني نقدر (قولوا) على هذا القول عند إياك نعبد، قولوا إياك نعبد وإياك نستعين؟
إيه، لكن كونك تقدر من أول السورة يقولوا: على شان تكون مساقها واحد، كلها من مقول العباد أولى، وهذا ما قرره ابن جرير وغيره، وعرفنا أنه لا مانع من أن يكون أولها من قول الله، وآخرها من مقول العباد يعني، والقائل هو الله ، وهو المتكلم بالقرآن أوله وآخره، يعني ما يتصور أن القرآن بعضه من الله، وبعضه حكاية عن الله، وما أشبه ذلك، كله من كلام الله ، فقوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [(٥) سورة الفاتحة] الله هو الذي قاله على لسان خلقه، وفي أيضاً في القرآن ما جاء على ألسنة الكفار، وهو من مقول الله ، ولمن قرأه بكل حرف عشر حسنات، يعني حينما يقول فرعون: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [(٢٤) سورة النازعات] حينما يقول: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [(٣٨) سورة القصص] تقول: لا هذا شرك ما يجوز أقوله؟ لا، الله الذي قاله، وأنت مأمور بقراءته، وأيضاً تؤجر على قراءته، والله هو الذي نطق به على لسان فرعون، هذا ظاهر، يعني لا نقول: إن مثل هذا الكلام حكاية عن الله لا، بل هو حكاية الله ، وقوله على ألسنة من نسب إليهم.
البسملة تقدم الحديث عنها من حيث المعنى والحكم، وهل هي آية أو ليست بآية؟ ومن حيث الجهر وعدمه؟
طالب: يمكن لمتكلم أن يقول مثلاً: فرعون قال: ذروني أقتل موسى وليدع ربه، بدون ابتداء يا شيخ؟
قالها بالعربية؟
طالب: لا، يعني ابتداءً يعني كخطيب أو كذا؟
стр. 72
لكن هل قالها بالعربية؟ أو الله قالها بالعربية على لسانه؟ الله الذي قاله، هذا كلام الله، يعني هل يجوز للجنب أن يقرأ مثل هذا الكلام؟ إذاً هو كلام الله بلا شك.
طالب:. . . . . . . . .
الآن استدلوا به على أن كلام أهل الجنة بالعربية أو ليس بالعربية؟
طالب:. . . . . . . . .
وجه الدلالة؟
طالب:. . . . . . . . .
إيه هل قالها مرة أو مرتين؟ ﴿فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى﴾ [(٢٥) سورة النازعات] الأولى ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [(٣٨) سورة القصص] والثاني: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [(٢٤) سورة النازعات] وكان بينهما على ما قيل أربعون سنة ﴿فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى﴾ [(٢٥) سورة النازعات] كونه اختلف مرة قال كذا، ومرة قال كذا، هو مرة قال كذا، ومرة قال كذا، ظاهر؟
طالب: أحسن الله إليك، سمعت أحدهم يقول وهو يرغّب في الحفظ، يقول: إن القرآن عبارة، المصحف هذا عبارة عن ملك يحوله الله يوم القيامة يدافع عن أصحابه هل هذا صحيح؟ الأمر الثاني: هل يلزم على قوله القول أن القرآن مخلوق؟
القرآن يحول إلى ملك؟! القرآن نفسه يحاجّ عن أصحابه، البقرة وآل عمران تحاجان عن صاحبهما.
طالب: كيف تحاجان؟
القدرة الإلهية تنطقه.
طالب: السورة نفسها تنطق؟
سبحان الله القادر على أن يقول للسماء والأرض ائتيا طوعاً أو كرها قالتا أتينا طائعين، وش قالوا؟ وشلون تكلموا؟ لهم لسان يتكلمون؟
القدرة الإلهية صالحة لكل شيء، ما تتخيله وما لا تتخيله.
طالب: يعني إذاً كلامه هذا يعتبر خطأ أن يقال: أنه يتحول إلى ملك؟
ملك، ليس بملك أبداً، القرآن هو القرآن.
طالب: لكن يلزم على كلامه ....
لكن هل الكلام والمحاجة حقيقية أو مجازية؟ هذا محل الكلام، يعني هل حقيقة يتكلم بحرف وصوت ويحاجّ؟ نقول: لا مانع أن يتكلم بحرف وصوت ويحاج ويجادل عن صاحبه،
طالب:. . . . . . . . .
يعني ليش نحوله لملك؟
طالب: لا، أنا أقول: يعني إذا كلامه خطأ، هل يلزم عليه أن القرآن مخلوق؟
لا، لا، ما يلزم أبداً.
طالب: والصحيح أن المحاجة حقيقية؟
حقيقية إيه وش اللي يمنع؟ لا مانع منها.
стр. 73
كأنك مليت أنت يا أبو عبد الله، ضامر، الله المستعان، محنا مسوين شيء؟ أطول من الأول، بس أننا اللغة خففناه وإلا أطول من الأول.
طالب:. . . . . . . . .
والله الأسئلة أنا حقيقةً منعها فيه ما فيه؛ لأنها توضح بعض المراد، أحياناً أنا ما أستطيع أن أبين عما في نفسي فيسأل سائل يكون سبب في الإيضاح، وأحياناً أنا أغفل عن بعض الشيء يكون السائل سبب .. ، وإن كان العلم ما ينتهي، الفاتحة عند الرازي في مجلد، واستنبط منها عشرة آلاف مسألة، وهي محتملة لأضعاف ذلك، لكن العلم ما ينتهي، لا بد من الحسم، إن أردتم النهاية لا بد من الحسم، وإن أردتم الفائدة المسألة مفتوحة.
والآن مع الدرس الرابع
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
قال المصنف -رحمه الله تعالى-: ﴿الْحَمْدُ للهِ﴾ [(٢) سورة الفاتحة] جملة خبرية قصد بها الثناء على الله بمضمونها على أنه تعالى مالك ...
بمضمونها؟
بمضمونها على أنه تعالى ...
كذا عندكم؟ من أنه؟ من أنه
من أنه تعالى مالك لجميع الحمد من الخلق، أو مستحق لأن يحمدوه، والله علم على المعبود بحق.
نعم إيه عدّل من أنه تعالى.
بسم الله الرحمن الرحيم، اللهم صل على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
стр. 74
فيقول المفسر -رحمه الله تعالى-: ﴿الْحَمْدُ للهِ﴾ [(٢) سورة الفاتحة] جملة خبرية، وإذا قدرنا الأمر (قولوا) فتكون هذه الجملة في موقع مقول القول، وحينئذٍ يكون محلها النصب، فهي جملة خبرية قصد بها الثناء على الله ، بلفظها أو بمضمونها؟ ويكون قصد بها الثناء على الله بمضمونها من أنه تعالى مالك لجميع الحمد، اللفظ: الحمد لله، وأيضاً قوله: قصد بها الثناء، هذا ما عليه الجمهور من تفسير الحمد بالثناء، فالحمد عندهم سواء كانوا من المفسرين أو من غيرهم يطلق ويراد به الثناء على الله ، هذا إذا أضيف إلى الله، وإذا أطلق فالمراد به الثناء على المحمود بصفاته الاختيارية بخلاف الصفات الإجبارية، متى يحمد الإنسان؟ يحمد إذا كانت خصاله الاختيارية محلاً للحمد والثناء، أما الصفات الإجبارية كون الإنسان أبيض، كونه طويل أو قصير أو غير ذلك من الصفات الإجبارية التي لا يد له بها، يحمد عليها؟ لا، إنما يحمد على الصفات الاختيارية التي يستطيع فعلها، ويستطيع مفارقتها، وفسّر ابن جرير -رحمه الله تعالى- الحمد بالشكر خالصاً لله -جل ثناؤه- دون سائر ما يعبد من دونه، ودون كل ما برء من خلقه، بما أنعم على عباده من النعم التي لا يحصيها العدد، ولا يحيط بعددها غيره أحد، فالجمهور فسروا الحمد بالثناء، وابن جرير فسره بالشكر، وروى بسنده عن ابن عباس تفسير الحمد بالشكر، والسند إلى ابن عباس ضعيف، وأيضاً روى بسنده مرفوعاً إذا قلت: الحمد لله رب العالمين فقد شكرت الله فزادك، وسنده أيضاً ضعيف. تفسير الحمد بالشكر، وهو ما ذهب إليه ابن جرير معروف أنه على خلاف ما قال جمهور العلماء من أن الحمد غير الشكر، بين الحمد والشكر عموم وخصوص وجهي، فالحمد أعم مطلقاً، وأخص من وجه، أعم من وجه، وأخص من وجه، والشكر أعم من وجه، وأخص من وجه، فالحمد أعم من حيث المتعلق؛ لأنه يحمد على كل حال، في مقابل النعم وفي غير مقابل النعم، بل لا يحمد على مكروهٍ سواه، فهو أعم من هذه الحيثية، فإذا أصاب المرء مصيبة قال: الحمد لله، لكن هل يشكر الله على هذه المصيبة؟ لا، فهو أعم من هذه الحيثية، وأخص من حيث تعلقه باللسان فقط، بخلاف
стр. 75
الشكر، أما الشكر فلا يقع إلا في مقابل نعمة، ويكون باللسان والجوارح والقلب وغيره، فبينهما عموم وخصوص وجهي، هذا ما قرره أهل العلم بالنسبة للحمد والشكر، أما بالنسبة للحمد مع الثناء فالجمهور على ما ذكرنا، يفسرون الحمد بالثناء، والذي حرره ابن القيم -رحمه الله تعالى- في الوابل الصيب أن الحمد غير الثناء، فالحمد هو الإخبار عن الله بصفات كماله مع محبته والرضا به، الإخبار عن الله بصفات كماله مع محبته والرضا به، فلا يكون المحب الساكت حامداً، ولا المثني بلا محبة حامداً، حتى تجتمع له المحبة والثناء، فإن كرر هذا الإخبار عن الله بصفاته، إن كرره كان هذا التكرار ثناءً، يقول: فإن كان المدح بصفات الجلال والعظمة والكبرياء كان مجداً، إذاً صفات كمال وصفات جلال، وبعضهم يضيف صفات جمال، هذا لا يوجد في كلام المتقدمين من السلف، تقسيم الصفات إلى ثلاثة أقسام، نعم يوجد في كلام المتأخرين ..
стр. 76
تفسير الجلالين - سورة الفاتحة (٣)
إلى قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [(٥) سورة الفاتحة]
الشيخ: عبد الكريم الخضير
فالإخبار عن الله بصفات كماله هذا حمد، المدح والثناء بصفات الجلال والعظمة والكبرياء هذا مجد، تكرار المحامد ثناء، يقول: "وقد جمع الله تعالى لعبده الأنواع الثلاثة في أول الفاتحة، فإذا قال العبد: الحمد لله رب العالمين قال الله: حمدني عبدي، وإذا قال: الرحمن الرحيم، قال: أثنى عليّ عبدي، وإذا قال: مالك يوم الدين، قال: مجدني عبدي، هذا في الحديث الصحيح ((قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، فإذا قال العبد: الحمد لله رب العالمين، قال الله: حمدني عبدي، وإذا قال: الرحمن الرحيم، قال: أثنى عليّ عبدي)) فغاير بين الحمد والثناء، وإذا قال: مالك يوم الدين، قال: مجدني عبدي، و (أل) في الحمد لله هذه للاستغراق، فجميع أجناس الحمد، وصنوفه وأفراده لله ، كما جاء في الحديث: ((اللهم لك الحمد كله)) واللام في لله للاختصاص، نقول: للاختصاص أو للملك؟ إذا كان ما قبل اللام معنى كان للاختصاص، إذا قلنا: المسجد لله ملك، وإذا قلنا: المسجد لبني حارثة، وش يجي؟ أو المسجد لبني زريق، جاءت النصوص بهذا، في الحديث الصحيح، اللام هذه لإيش؟ هم يقولون: إذا كان ما قبل اللام معنى كان للاختصاص، المسجد لبني زريق، إذا قلنا هذا، أو مسجد بني زريق، الإضافة تفيد، تفيد الملك؟ لا، شبه الملك؟ لا، القفل للباب، الجل للفرس، المقبرة لبني فلان، على القول بأن المصحف لا يملك، المصحف لفلان، مصحف زيد،
طالب:. . . . . . . . .
نعم، لكن التعريف وش فائدته؟ يعني أيهما أعلى مرتبة الملك أو الاختصاص؟
طالب:. . . . . . . . .
نعم؛ لأن المالك يتصرف في المملوك، بينما المختص لا يتصرف فيما اختص به، قالوا: اللام هنا للاختصاص؛ لأن ما قبلها معنى، هذا جاري على قاعدتهم، لكن إذا قلنا: الملك أرفع من الاختصاص، نعم هو أرفع من الاختصاص في الأجسام، فيما يتصرف فيه، والاختصاص هنا معناه القصر، فقصر الحمد المستغرق بـ (أل) لجميع أنواع المحامد وصنوفه مخصوص لله .
اقرؤوا يالإخوان، خلينا نمشي.
стр. 77
طالب: بالنسبة للتقسيم عند المتأخرين للصفات ما يخالف منهج السلف؟
حصر القسمة في الثلاثة جلال وجمال وكمال، لا يوجد في كلام السلف، تقسيم أو حصر حادث طارئ، لكن وجد في كلامهم صفات الكمال، وجد أن هذا من صفات الكمال لله ، وأيضاً الجلال والعظمة لله معروف هذا، والجمال وصف الجمال، أما تصنيف الصفات إلى ثلاثة أقسام وحصر القسمة فيها هذا لا يعرف، نعم يوجد الألفاظ الثلاثة في كلامهم متفرق، الألفاظ الثلاثة موجودة في كلامهم متفرق، يعني نظير ما قالوا في تقسيم الحديث إلى ثلاثة أقسام، يوجد في كلامهم الصحيح، يوجد في كلامهم الضعيف، يوجد في كلامهم الحسن، لكن حصر القسمة في الثلاثة أول من قال به من؟ حصر القسمة في الثلاثة؟ الخطابي، الخطابي هو أول من حصر القسمة في الثلاثة، وأورد عليه ابن كثير، وأجيب هذه الإيرادات، والقسمة صحيحة، نعم الحصر لا يوجد في كلام المتقدمين، لكن أفرادها موجودة.
﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [(٢) سورة الفاتحة] أي مالك جميع الخلق من الإنس والجن والملائكة والدواب وغيرهم، وكل منها يطلق عليه عالم، يقال: عالم الإنس وعالم الجن إلى غير ذلك، وغُلّب في جمعه بالياء والنون أولي العلم على غيرهم، وهو من العلامة؛ لأنه علامة على موجده.
стр. 78
رب العالمين، الرب يطلق في اللغة على السيد، وعلى المتصرف للإصلاح، وكل ذلك صحيح في حق الله تعالى؛ لأن الرب من التربية، فالرب هو الذي ربى جميع العالمين بنعمه، وهو سيدهم، وهو خالقهم ومالكهم، ولا يستعمل الرب بغير إضافة إلا لله ، أما بالإضافة فيجوز أن يطلق على غير الله ، فتقول: رب الدار، رب الدابة، وغير ذلك، يقول ابن جرير: "والعالمون جمع عالم، والعالم لا واحد له من لفظه، كالأنام والرهط والجيش ونحو ذلك" العالم لا واحد له من لفظه، والعالم اسم لأصناف الأمم فكل صنف منها عالم، وأهل كل قرنٍ من كل صنفٍ منها عالم ذلك القرن، وعالم ذلك الزمان، ولذا جاء تفضيل بن إسرائيل على العالمين، والمراد بهم على زمانهم، وإلا فهذه الأمة أفضل من بني إسرائيل، وغُلّب في جمعه بالياء والنون أولو العلم على غيرهم، أي جمع العالمون جمع مذكر سالم، ومن شرطه أن يكون إيش؟ من شرط جمع المذكر السالم أن يكون لعاقل، فإذا قلنا: من شرط الجمع المذكر السالم أن يكون لعاقل فكيف نقول: من كل صنف من المخلوقات عالم الدواب عالم الطير عالم .. ، كيف نجمعهم جمع مذكر سالم؟ يقول الشارح: غلّبوا يعني العقلاء على غيرهم لشرفهم، فلا شك أن من يعقل أشرف ممن لا يعقل، ومنهم من خصّ العالم بالعقلاء، وعلى هذا إذا خصصنا العالم بالعقلاء، لا نحتاج إلى أن نقول: خصوا بذلك لشرفهم، بل جاء الجمع جمع المذكر السالم على أصله، وهو مروي عن ابن عباس قال في تفسير الآية: رب العالمين رب الإنس والجن، واستدل له القرطبي بقوله تعالى: ﴿لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [(١) سورة الفرقان] والعالمون هنا الإنس والجن، ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [(٥٦) سورة الذاريات] وقال الفراء وأبو عبيدة: "العالم عبارة عما يعقل، وهم الإنس والجن والملائكة والشياطين" يعني ذكر الشياطين له داعي وإلا ما له داعي؟
طالب: ما له داعي.
لماذا؟ لأنهم من الجن والإنس ﴿شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ﴾ [(١١٢) سورة الأنعام] فالشياطين عقلاء، لكن لهم قلوب لا يفقهون بها، أو لا يعقلون بها، الإنس والجن والملائكة، الملائكة عقلاء وإلا ليسوا عقلاء؟
стр. 79
طالب:. . . . . . . . .
ما في خلاف؟
طالب:. . . . . . . . .
الإنس والجن عقلاء؛ لأنهم مكلفون، والتكليف مناطه العقل، الملائكة؟
طالب:. . . . . . . . .
وش هو؟ إذاً ما عندهم عقل!
طالب:. . . . . . . . .
فهم من أعقل المخلوقات، في رسالة اسمها: تنبيه النبلاء إلى الرد على حامد الفقيه في قوله أن الملائكة غير عقلاء، رسالة مطبوعة، الظاهر أنها للمعصومي الخجندي، المقصود أن بحث مثل هذه المسألة يعني إن كان العقل الذي به تشريف العاقل فهم أولى الناس به، وإن كان المراد به العقل الذي هو مناط التكليف، وأنهم به صاروا مكلفين باتباع الأوامر والنواهي فهم متبعون، لا يعصون، ويفعلون ما يؤمرون، فإذا فعلوا ما أمروا به، ولم يعصوا، ولم يرتكبوا ما نهوا عنه، هذا هو عين العقل.
стр. 80
وقوله: وهو العلامة؛ لأنه علامة على موجده، فالعالم هو ما سوى الله حادث، وكل حادث لا بد له من محدث وموجود، فهذه الموجودات وهذه المخلوقات علامة ودليل برهان على موجدها، كما أن الأثر يدل .. ، وكما أن البعرة تدل على البعير، فإذا وجدت أثراً لماشٍ على الأرض تجزم بأن هناك مسير، هناك من سار على هذه الأرض، وإذا وجدت بعرة بعيرة تجزم بأنه قد حل هنا بعير، يقول تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ [(٣٥) سورة الطور] فلا يعقل أنهم خلقوا من غير خالق، ولا يتصور أنهم هم الخالقون لأنفسهم؛ لأن المعدوم لا يخلق ولا يوجد، فلا بد لهم من خالقٍ غيرهم، وهو الله ، وجاء في حديث عن قصة جبير بن مطعم أنه لما سمع النبي ﵊ يقرأ في سورة المغرب من سورة الطور وصل إلى هذه الآية كاد قلبه يطير، حجة دامغة، حجة ملزمة ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ [(٣٥) سورة الطور] كما جاء في المثل، وأن هناك سفينة كبيرة تجري في البحر على ظهرها ما على ظهرها من أنواع البضائع، وصنوف المأكولات والمركوبات والمشروبات وغيرها هذه لا بد لها من موجد، لا بد لها من صانع، وهذه المخلوقات لا بد لها من صانع؛ لأنها لا يتصور أن تخلق نفسها، ولا يتصور أنها وجدت هكذا من غير سبب، ومن غير موجود، لهذا يقول الشاعر:
وفي كل شيءٍ له آية ... تدل على أنه واحد
.
طالب:. . . . . . . . .
جاء في الحديث الصحيح ((والحمد لله)) نعم ها؟
طالب:. . . . . . . . .
أين هي التي تملا؟ من يذكر الحديث كامل؟
طالب:. . . . . . . . .
((الصلاة نور، والصدقة برهان، والصبر ضياء ... ))
طالب:. . . . . . . . .
стр. 81
((وسبحان الله، والحمد لله تملآن، أو تملأ)) الآن المفاضلة بين التسبيح والحمد، أيهما أفضل؟ المفاضلة بين التسبيح والحمد، إذا قلنا: تملآن أو تملأ ما بين السماء والأرض، ولا إله إلا الله لو وضعت في كفة والسماوات السبع والأراضين السبع لمالت ورجحت بهن لا إله إلا الله، لا شك أن لا إله إلا الله، هي أفضل الأذكار، وجاء في الحديث الصحيح: ((خير الدعاء، وخير ما قلت أنا والنبيون من قبلي لا إله إلا الله)) فأفضل الأذكار على الإطلاق لا إله إلا الله، والمفاضلة عند أهل العلم بين التسبيح والتحميد، فالتسبيح هو التنزيه، والتحميد هو الإخبار عن الله بصفات كماله، وعلى كلٍ هن الباقيات الصالحات، سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا يضرك بأيهن بدأت، وفي كل واحدةٍ منها شجرة في الجنة، في الحديث الصحيح عن إبراهيم ﵇: ((أقرئ أمتك مني السلام، وأخبرهم أن الجنة قيعان وغراسها: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر))
أو ما علمت بأنها القيعان ... فاغرس ما تشاء بذا الزمان الفاني
وغراسها التسبيح والتحميد ... والتكبير والتوحيد للرحمنِ
المقصود أن هذه الكلمات الأربع خفيفة على اللسان، ثقيلة في الميزان، ثوابها عظيم، وهن الباقيات الصالحات، ﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾ [(٤٦) سورة الكهف] والحديث الصحيح الذي ختم به الإمام البخاري صحيحه: ((كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم)) لكن الحرمان لا نهاية له، وفضل الله لا يحد، فمن وفّق، وجعل لسانه رطباً بذكر الله سواءً كان بتسبيح أو تحميد أو تهليل أو تكبير أو غيرها مما جاءت به الأخبار فهو الموفق، ومن حرم فصمت فهو محروم، ومن نطق بمفضول أو ممنوع فأشد في الحرمان، فهو الخسران، نسأل الله العافية.
طالب: الاشتقاق -يا شيخ- العالم من العِلْم وإلا العَلَم؟
стр. 82
العالم مشتق من إيش؟ من العلامة؛ لأنه علامة على خالقه وموجده، أو من العِلْم لأن من شأنه أن يعلم، فالذي يخص العالم بالعقلاء يقول: من العِلْم، والذي يجعل العالم عام لجميع ما سوى الله -جل وعلا- هو قول الأكثر يجعله من العلامة.
﴿الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ [(٣) سورة الفاتحة] أي ذي الرحمة، وهي إرادة الخير لأهله.
نعم، تقدم تفسير الرحمن الرحيم في تفسير البسملة، والمفسر هنا جرى على طريقة الأشعرية في تأويل صفة الرحمة لله بإرادة الخير، تفسير الصفة بلازمها، بإرادة الخير لأهله أي لمن يستحقه، فراراً من إثبات صفة الرحمة لله ، والذي عليه أهل السنة والجماعة إثبات ما أثبته الله لنفسه، وما أثبته له رسوله ﷺ من صفات الكمال، ونعوت الجلال على ما يليق بجلاله وعظمته من غير تكييف، ولا تمثيل، ولا تأويل، ولا وتعطيل، وفي صحيح البخاري: الرحمن الرحيم اسمان من الرحمة، الرحيم والراحم بمعنىً واحد، كالعليم والعالم، وذكر الحافظ ابن حجر ﵀ في فتح الباري عن ابن المبارك: الرحمن إذا سئل أعطى، والرحيم إذا لم يسأل يغضب، الرحمن إذا سئل أعطى، والرحيم إذا لم يسأل يغضب، ثم قال: ومن الشاذ ما روي عن المبرد وثعلب أن الرحمن عبراني، والرحيم عربي، وقد ضعفه ابن الأنباري والزجاج وغيرهما، وقد وجد في اللسان العبراني لكنه بالخاء المعجمة، يقول: الرحمن عبراني، نعم هو وجد بالعبرانية لكنه بالخاء المعجمة، ومعروف اللغة العبرية أكثرها خاء، الشين والخاء لا تكاد تخلو منها جملة من جمله.
﴿مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [(٤) سورة الفاتحة] أي الجزاء، وهو يوم القيامة، وخص بالذكر لأنه لا ملك ظاهراً فيه لأحد إلا لله تعالى، بدليل ﴿لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ﴾ [(١٦) سورة غافر] ومن قرأ مالك فمعناه مالك الأمر كله في يوم القيامة، أو هو موصوف بذلك دائماً كغافر الذنب، فصح وقوعه صفةً لمعرفة.
стр. 83
﴿مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [(٤) سورة الفاتحة] أي الجزاء، قرئ مالك وملك وكلاهما صحيح، بل متواتر، ويقال أيضاً: مليك بالياء، وأشبع نافع كسرة الكاف فقرأ ملكي يوم الدين، وحكي عن أبي حنيفة أنه قرأ: ملَك يوم الدين، على أنه فعل وفاعل ومفعول، ملَك يوم الدين، قال ابن كثير: وهذا غريب شاذ جداً، يعني ينقل عن أبي حنيفة قراءات كما هنا: ملَك يوم الدين، والله أعلم بثبوتها عنه، ونقل عنه أيضاً: إنما يخشى اللهُ من عباده العلماء، هذه قراءة منقولة عن أبي حنيفة، ولا تثبت عنه، لا هذه ولا تلك، قال ابن كثير: "وهذا غريب شاذ جداً، أما القراءتان المتواتران مالك وملك فقد رجّح كلاً منهما مرجحون، من حيث المعنى، ملك ومالك، فمن رجح ملك بدون ألف استدل بما أشار إليه المفسر؛ لأنه لا ملك ظاهراً فيه لأحد إلا لله ، بدليل قوله تعالى: ﴿لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾؟ الجواب: ﴿لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [(١٦) سورة غافر] لا ملك لأحد يوم القيامة، وقد أضيف الملك إلى يوم الدين الذي هو يوم الجزاء يوم القيامة، ولا ملك لأحدٍ معه ، فمن رجح ملك بدون ألف استدل بما أشار إليه المفسر بدليل قوله: ﴿لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾؟ وجوابه: ﴿لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [(١٦) سورة غافر] أي لا ملك لأحدٍ إلا لله ، كما قال تعالى: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ﴾ [(٢٦) سورة الفرقان] ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ﴾ متى؟ يوم القيامة، ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ﴾ [(٢٦) سورة الفرقان] بدليل: ﴿وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا﴾ [(٢٦) سورة الفرقان] قال ابن كثير: "وتخصيص الملك بيوم الدين لا ينفيه عما عداه" يقول ابن كثير: "وتخصيص الملك بيوم الدين لا ينفيه عما عداه" لماذا؟ لأنه تقدم الإخبار بأن الله رب العالمين، وذلك عام في الدنيا والآخرة، وإنما أضيف إلى يوم الدين لأنه لا يدعي أحد هنالك شيئاً، ولا يتكلم أحد إلا بإذنه ، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَّا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرحْمَنُ﴾
стр. 84
[(٣٨) سورة النبأ] ومن قرأ: مالك بالألف، فمعناه مالك الأمر كله يقول: ومن قرأ مالك يعني بالألف معناه مالك الأمر كله متى؟ في يوم القيامة، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا﴾ [(٤٠) سورة مريم] فالوارث مالك، ﴿إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا﴾ [(٤٠) سورة مريم] قال القرطبي: "اختلف العلماء أيما أبلغ ملك أو مالك؟ فقيل: ملك أعم وأبلغ من مالك، لماذا؟ إذ كل ملكٍ مالك، وليس كل مالك ملكاً؛ ولأن أمر المُلك، أو أمر المَلك نافذ على المالك في ملكه، حتى لا يتصرف إلا عن تدبير الملك، قاله أبو عبيدة والمبرد" ملك أعم وأبلغ من مالك إذ كل ملكٍ مالك، وليس كل مالكٍ مالكاً؛ ولأن أمر المَلك نافذ على المالك في ملكه، حتى لا يتصرف إلا عن تدبير الملك قاله أبو عبيدة والمبرد" هذا مشاهد، أقول: هذا مشاهد، شخص عنده قطعة أرض يريد أن يعمرها، قال له الملك ولي الأمر، أو من ينيبه ادخل عن الشارع، قدر عرض الشارع، ادخل مترين ثلاثة عن الشارع، كما هو مطبق الآن لما يرون من المصلحة، الآن أمر الملك نفذ على المالك في ملكه، نفذ عليه في ملكه، لكن هل المالك يتصرف دون إذن الملك؟ وقيل: مالك أبلغ، مالك أبلغ؛ لأنه يكون مالكاً للناس وغيرهم، فالمالك أبلغ تصرفاً وأعظم، إذ إليه إجراء قوانين الشرع، ثم عنده زيادة التملك، مالك أبلغ؛ لأنه يكون مالكاً للناس وغيرهم، فالمالك أبلغ تصرفاً وأعظم إذ إليه إجراء قوانين الشرع، نفترض المسألة في الأرض السابقة، أيهما أبلغ تصرف في هذه الأرض المالك أو الملك؟ أيهما أبلغ تصرف؟ الآن في الصورة السابقة قلنا: أن أمر الملك نفذ على المالك؟ لكن هل يستطيع الملك بوصفه ملكاً أن يتصرف في هذه الأرض بجملتها ويأخذها من صاحبها، ويلغي ملكه عليها وتصرفه فيها؟ لا يمكن؛ لأن هذا هو الظلم بعينه، فالمالك أبلغ في التصرف فيما يخصه من الملك، لكن الملك تصرفه من حيث العموم والشمول، بحيث أنه يستطيع أن يتصرف تصرفاً لا يضر بالمالك في ملك هذا المالك وملك غيره، فهو أبلغ من هذه الحيثية، لكن التصرف الخاص إنما هو للمالك لا للملك، ثم قال القرطبي بعد ذلك: "وقد احتج بعضهم على أن مالكاً أبلغ -يعني
стр. 85
من ملك- لأنه فيه زيادة حرف الألف، فلقارئه عشر حسنات زيادةً عمّن قرأ ملك" وهذا نظر إلى الصيغة لا إلى المعنى، كونه يزداد أجراً لا يعني أنه أبلغ من غيره، بدليل أن حذر أبلغ من حاذر، نعم القاعدة عندهم أن الزيادة في المبنى تدل على زيادة المعنى، وبذا رجحوا الرحمن على الرحيم، قالوا: لإن زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى، لكن الثواب المرتب على القراءة غير البلاغة، والمسألة في أيهما أبلغ؟ وقد يتكلم الإنسان بكلامٍ طويل فيه إطناب أو مساواة، وأبلغ منه الاختصار والإيجاز، فكونه فيه زيادة حرف، ويترتب على القراءة به زيادة الفضل، مسألة خارجة عن كونه أبلغ أو أقل بلاغة، لكن إذا قلنا: إن هذا أبلغ، وهذا أكثر أجر، فماذا نرجح؟ إذا قلنا: ملك كما نقول: حذر أبلغ من مالك كحاذر، ومالك فيه زيادة حرف، وفيه زيادة عشر حسنات، فأيهما أرجح؟
طالب:. . . . . . . . .
لماذا؟
طالب:. . . . . . . . .
أكثر حسنات، أولاً: نعرف أن القراءتين متواترتان، فبأيهما قرأ القارئ فمصيب، لكن ما الذي يختاره الإنسان لنفسه؟ هل يقرأ مالك؛ لأن فيه زيادة حرف، وفيه زيادة عشر حسنات، أو يقرأ ملك لأنها أبلغ؟
طالب:. . . . . . . . .
لكن إذا قرأ ملك فرط بعشر حسنات، أولاً: ما المراد بالحرف الذي يرتب عليه الثواب؟ نعم هل هو حرف المبنى أو حرف المعنى؟ معنى وإلا مبنى؟
طالب:. . . . . . . . .
стр. 86
ما قال: (أ َ) حرف؟ لكن أيهما أكثر ثواباً (ألف لام ميم) أو (ألم)؟ إذا قلنا: إن المقصود حرف المبنى، قلنا: أن (ألم) في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ﴾ [(٦) سورة الفجر] مثل: ﴿الم﴾ [(١) سورة البقرة] لا فرق، بل نحتاج إلى أن نقول: ﴿الم﴾ ما هي ثلاثة حروف، تسعة حروف، والفرق ليس بالشيء اليسير، إما أن يكون القرآن ثلاثمائة ألف حرف أو سبعين ألف حرف، الفرق كبير، إما أن تكون الختمة بثلاثة ملايين حسنة، أو سبعمائة ألف حسنة، الفرق ليس باليسير، وعلى كلٍ في لغة العرب يطلق الحرف ويراد به هذا، ويراد به ذاك، وشيخ الإسلام ﵀ يميل إلى أن المراد بالحرف حرف المعنى، ولذا لو قرأت: مالك وملك أجرك واحد، يعني إذا قلنا: مالك وملك حرف واحد، وإذا قلنا: ملك ثلاثة حروف، ومالك أربعة على أن المراد حرف المبنى اختلف، لكن على أن المراد حرف المعنى الكلمة حرف واحد، كلها كلمة واحدة ملك ومالك، ما في فرق، والذي يراه الأكثر أن المراد حروف المباني، ولا شك أن فضل الله وما يرجوه المسلم ثواب عظيم جزيل في قراءة القرآن يطمعه في أن يكون المراد حرف المبنى، وإن عظم القائل بالقول الآخر، بل ثقتنا بفضل الله وكرمه وجوده أعظم من ثقتنا بعلم شيخ الإسلام وقوة حجته ودليله، نعم.
طالب:. . . . . . . . .
الكلمة حرف عندهم، سواءً كانت حرف أو اسم أو فعل، هي حرف، فملك حرف، وكيف حرف، والهمزة بمفردها حرف.
طالب:. . . . . . . . .
هو ما قاله زميلك قبل قليل، لكن تظن أن قولك: ﴿الم﴾ [(١) سورة البقرة] فيها من الأجر مثل (ألم)؟ ﴿الم﴾ [(١) سورة البقرة] مثل (ألم)؟
طالب:. . . . . . . . .
لا، أنت إذا نطقت بالكلمة خرج لك من ﴿الم﴾ [(١) سورة البقرة] تسعة حروف، ما هي ثلاثة ها؟
طالب:. . . . . . . . .
وش الصوت؟
طالب:. . . . . . . . .
طيب الفاء هذه أليس لها اعتبار في ألف؟ ما لها أجر وليس لها ثواب؟ لا، لا، المسألة ترى ما هي بسهلة مثل ما تتصور.
طالب:. . . . . . . . .
стр. 87
أن تكون ﴿الم﴾ [(١) سورة البقرة] حرف واحد، لا، لكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف، نفى أن يكون ﴿الم﴾ [(١) سورة البقرة] الثلاثة الحروف نفى أن تكون حرفاً واحداً.
طالب:. . . . . . . . .
كيف كلمة واحدة؟ لا، إذا فصلتها ثلاث كلمات، ألف كلمة، ولام كلمة، وميم كلمة.
والله إني بعيد العهد جداً، وكأن ابن الجزري نقله عنه أيضاً، بعيد عن موضعه من كلام شيخ الإسلام.
طالب:. . . . . . . . .
الحرف الذي ينطق به، باسمه غير الذي ينطق بلفظه، فرق بين أن تقول: (أ َ) وألف؟ وبين أن تقول: (كَ) وكاف؟
طالب: يعني لو كتبت (كَ) إذا سئل ما هذا الحرف قال: كاف، ولو قيل له انطق: قال: (كَ) إن كان في كلمة، وإن كان مفرد قال: كاف، فكيفية نطق الحرف. . . . . . . . . تركيبه من عدمه .. ؟
لكن الثواب المرتب على النطق وإلا على الصورة؟
طالب: الثواب مرتب على أن يقرأ هذا الحرف أيِّ كان على صفته التي أنزله الله بها.
تأمل، تأمل تجد، على كلٍ كون القرآن ثلاثمائة ألف حرف أحسن للقارئ من أن يكون سبعين ألف حرف، والمراد بالحرف الكلمة.
стр. 88
في صحيح البخاري: الدين الجزاء في الخير والشر، كما تدين تدان، وقال مجاهد: بالدين الحساب، مدينين: محاسبين، قال ابن حجر: "وللدين معانٍ أخرى منها: العادة والعمل والحكم والحال والخلق والطاعة والقهر والملة والشريعة والورع والسياسة وشواهد ذلك يطول ذكرها" ﴿مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ﴾ [(٧٦) سورة يوسف] إيش معنى دين الملك؟ من معاني الدين السياسة، من معاني الدين الشريعة، وقوله: ومن قرأ مالك فمعناه مالك الأمر كله في يوم القيامة، أي هو موصوف بذلك دائماً كغافر الذنب، فصح وقوعه صفةً للمعرفة، هو الآن يريد أن يتنصل من إشكال، وإلا ما الداعي لذلك كله، مالك معناه مالك الأمر كله في يوم القيامة، وينتهي الإشكال، لكن قال: أي هو موصوف بذلك دائماً، فصح وقوعه صفةً للمعرفة، وقوله: أي هو موصوف بذلك دائماً، أي بكونه مالكاً بالألف، وهذا جواب عن سؤال، وهو أن إضافة اسم الفاعل إضافة غير حقيقية، فلا تكون معطيةً بمعنى التعريف، فكيف ساغ وقوعه صفةً للمعرفة؟ الآن مالك يوم الدين صفة لإيش؟ لله، والله معرفة، بل هو أعرف المعارف على ما تقدم عند سيبويه، مالك يوم الدين اسم فاعل مالك، وإضافة اسم الفاعل تفيد التعريف وإلا ما تفيد؟ لأنها غير حقيقية، إضافة لفظية، فكيف يوصف المعرفة بما لم يستفد التعريف من المضاف إليه؟ الجواب كما في قول المفسر أنه موصوف بذلك دائماً، فهو موصوف بذلك بكونه مالك على الاستمرار والدوام، وحينئذٍ تكون إضافته حقيقية، إذا كان موصوف بذلك على الدوام كانت إضافته حقيقية، لماذا؟ لأنه إنما تكون إضافة اسم الفاعل غير حقيقية إذا أريد باسم الفاعل الحال أو الاستقبال، وحينئذٍ تكون الإضافة في تقدير الانفصال كقولك: مالك الدار الساعة أو غداً، فأما إذا قصد المضي أو الاستمرار كانت الإضافة حقيقية، كما في قوله تعالى: ﴿غَافِرِ الذَّنبِ﴾ [(٣) سورة غافر] أي أنه يغفر الذنوب دائماً، يغفر الذنوب في الحال وفي الاستقبال، كما أنه يغفرها في الماضي، ظاهر وإلا ما هو بظاهر؟ فمعناه مالك الأمر كله في يوم القيامة، أي هو موصوف بذلك دائماً، الآن عندنا الأصل القواعد، القواعد هي الأصل، وما خالف
стр. 89
القواعد يحتاج إلى تأويل، هذا عند من؟ عند النحاة، وإذا كان المخالف من النصوص حديث هذا لا يشكل عليهم كثيراً؛ لأنهم يقولون: الحديث مروي بالمعنى، والراوي قد يكون ممن لا يحتج به في اللغة، لكن إذا كان المخالف للقاعدة آية من كتاب الله متواترة يحتاجون أن يؤولوا، وأن يقدروا من أجل أن تنضبط قواعدهم ﴿إِذَا السَّمَاء انشَقَّتْ﴾ [(١) سورة الانشقاق] ﴿إِذَا السَّمَاء انفَطَرَتْ﴾ [(١) سورة الانفطار] السماء مرفوع إيش؟ فاعل بإيش؟ بفعلٍ محذوف يفسره المذكور، لا بد أن تقول: إذا انشقت السماء انشقت، إذا انفطرت السماء انفطرت، على شان إيش؟ على شان تنضبط قاعدتهم، لماذا لا نضبط القواعد على القرآن؟ المحفوظ من التغيير والتبديل، علماً بأن هذه القواعد مهما حاولوا وجدّوا في ضبطها فهي مخرومة، سواء كانت بالنصوص، أو كانت لغات العرب الأخرى، ولذا تجدون الخلاف الطويل العريض بين الكوفيين والبصريين، وعلل النحاة تكاد تنضبط، فهم يحاولون أن ينزلوا النصوص على قواعدهم، الآن إذا كان معك ساعة تريد أن تضبط الساعة أنت تضبطها على الشمس وطلوعها وغروبها زوالها، أو تحكم على الشمس بزوالها وغروبها وطلوعها تحكم على ذلك بساعتك؟ أيهما الأصل أن تضبط ساعتك على الثوابت التي تعرف بها الأوقات، بخلاف من يضبط هذه الأوقات بالساعة، لو افترضنا أن ساعته قدمت أو أخرت، ضعف الحجر أو نسي؛ لأنه كانت الساعات ما هي على الأحجار تتعبى، يعشيها نعم، هذا نظير ما عندنا، يعني نضبط الثابت بالمتغير، والأصل العكس أن نضبط المتغير بالثابت، الآن القرآن محفوظ من التغيير والتبديل، ولذلك تجدون الإشكال كبير عندهم في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالصَّابِؤُونَ﴾ [(٦٩) سورة المائدة]
طالب:. . . . . . . . .
стр. 90
لا المشكلة إيش؟ الصابئون، هذه التي تشكل عليهم، وهذه التي تحتاج إلى جواب؟ ليس البرُّ أن تولوا، أو ليس البرَّ؟ على كلٍ هذه أمرها سهل؛ لأن أنّ وما دخلت عليه في تأويل مصدر اسم ليس، هذا ما فيه إشكال، الإشكال في مثل قوله تعالى: ﴿وَالصَّابِؤُونَ﴾ [(٦٩) سورة المائدة] وهي معطوفة على اسم (إنّ) فتحتاج أن تقدر لـ (إنّ) خبر، لكي تكون الجملة قد تمّت، ثم تستأنف.
وجائز رفعك معطوفاً على ... معمول إنّ بعد أن تستكملا
هنا كلامهم كثير في كتب التفسير من أجل أن إضافة اسم الفاعل لفظية، وليست محضة معنوية، وحينئذٍ كيف يوصف المعرفة بما إضافته لفظية؟ لم يكتسب التعريف من الإضافة، فاضطروا أن يقولوا مثل هذا الكلام أن مالك يوم الدين يقصد به الاستمرار، كيف يقصد الاستمرار وهو مضاف إلى يوم الدين؟ هو في المعنى مستمر بلا شك؛ لأنه مالك ليوم الدين، وما قبل يوم الدين، فهو موصوف بـ (مالك) على الاستمرار، وصفه بالملك مستمر، وحينئذٍ ساغ وصف المعرفة به.
﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [(٥) سورة الفاتحة] أي نخصك بالعبادة من توحيد وغيره ونطلب المعونة على العبادة وغيرها.
стр. 91
﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ أي نخصك بالعبادة من توحيدٍ وغيره وبطلب أو ونطلب؟ نخصك بالعبادة ونخصك بطلب المعونة على العبادة وغيرها؛ لأن الاختصاص كما جاء في العبادة جاء في الاستعانة، جاء في طلب الاستعانة، والاختصاص مأخوذ من أين؟ من تقديم المعمول على عامله، والاختصاص بالعبادة، يعني نخصك بالعبادة من توحيدٍ وغيره، وهو أيضاً مخصوص بطلب المعونة على العبادة وغيرها من الأمور، في حاشية الجمل يقول: "لما ذكر الحقيقة بالحمد، ووصفه بصفاتٍ عظامٍ تميّز بها عن سائل الذوات خوطب بإياك نعبد، والمعنى: يا من هذا شأنه نخصك بالعبادة والاستقامة ليكون أدل على الاختصاص والترقي من البرهان إلى العيان، والانتقال من الغيبة إلى الشهود، وكأن المعلوم صار عياناً، والمعقول مشاهداً، والغيبة حضوراً، كيف جاء الترقي؟ ترقي بعد أن كنت تثني على الله ، فتقول: الحمد لله، وأنت تتصوره غائباً عنك، لكن لما زدت في ثنائك عليه قلت: لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، كأنك وصلت إلى الحضرة، فكأنك تراه وتخاطبه، ولهذا التفت من الغيبة إلى الخطاب فقلت: إياك، ما قلت: إياه، الحمد لله إياه، هذا مناسب، لكن فيه التفات من الغيبة إلى الخطاب فقلت: إياك نعبد وإياك نستعين، هذا يسمونه التفات، ابن جني -أبو الفتح- يسمي الالتفات شجاعة العربية، كأنه عنى أنه دليل على حدة ذهن البليغ، وتمكّنه من تصريف أساليب كلامه كيف شاء، كما يتصرف الشجاع في مجال الوغى بالكر والفر، شجاعة العربية، من أمثلة الالتفات قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم﴾ [(٢٢) سورة يونس] ما قال: وجرين بكم ويقول الحافظ ابن كثير -رحمه الله تعالى-: "وتحول الكلام من الغيبة إلى المواجهة بكاف الخطاب مناسب" لماذا؟ لأنه لما أثنى على الله فكأن اقترب وحضر بين يديه، فلهذا قال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [(٥) سورة الفاتحة] وفي هذا دليل على أن أول السورة خبر من الله تعالى بالثناء على نفسه الكريمة بجميل صفاته الحسنى، وإرشاد لعباده أن يثنوا عليه بذلك، يقول: في هذا دليل على أن أول السورة خبر من
стр. 92
الله تعالى، بالثناء على نفسه الكريمة بجميل صفاته الحسنى، خبر، وتقدم لنا في الدرس الماضي في قول المفسر أنه لا بد أن يقدّر، ويقدّر في أولها قولوا ليكون ما قبل إياك نعبد مناسباً له لكونها من مقول العباد، نعم هو من الله ابتداءً، وهو إرشاد للعباد بأن يقولوا هذا الذكر.
و ﴿إِيَّاكَ﴾ بتشديد الياء في قراءة السبعة، وقرأ عمرو بن فايد بتخفيفها مع الكسر، وين أبو عمر؟ من عمرو بن فايد هذا؟ يقولون: وقرأ عمرو بن فايد بتخفيفها مع الكسر، بن فايد، إيا، إيا، قالوا: وهي قراءة شاذة مردودة، قال ابن كثير: لأن إيا ضوء الشمس.
طالب:. . . . . . . . .
لا، لا، هذا عمرو بن فايد، وقراءته هذه شاذة مردودة، قال: لأن إيا ضوء الشمس، على هذا كأنهم قالوا: ضوء شمسك نعبد، هذا مردود بلا شك، وقرأ بعضهم: أيّاك، بفتح الهمزة وتشديد الياء، وقرأ بعضهم: هياك بالهاء بدل الهمزة، وإياك ضمير خطاب، ضمير نصب، قالوا: والأظهر أن كلمة إيا جعلت ليعتمد عليها الضمير، يعني ليست بجزء من الضمير، إنما جيء بها ليعتمد عليها الضمير، لماذا؟ لأن الضمير الكاف ضمير متصل، وضمير المتصل ضابطه لا يُبتدئ به، ضابطه أن لا يُبتدئ به، ولا يقع بعد إلا في حالة الاختيار، يعني جاء في حالة الاضطرار مثاله؟
طالب:. . . . . . . . .
هاته، صحيح، على كلٍ إيا هنا جيء بها ليعتمد عليها الضمير، ليصح أن يقع في أول الكلام، وإلا فالضمير هو الكاف، ولذلك لزمها الضمائر نحو: إيّاي وإياك وإياهم، ومن النحاة من جعل إيَّ ضميراً منفصلاً ملازماً حالةً واحدة، وجعل الضمائر التي معه أضيفت إليه للتأكيد، وجعل الضمائر التي معه أضيفت إليه للتأكيد، ومنهم من جعل إيا اسماً ظاهراً مضافاً للمضمرات، يعني ومنهم من جعل إياك كلها ضمير نصب، كما جعل إياهم وإياي وإيانا وإياكِ .. الخ.
стр. 93
﴿نَعْبُدُ﴾ [(٥) سورة الفاتحة] قرأ الحسن وأبو المتوكل وأبو مجلز: يُعبد، بضم الياء وفتح الباء، اختلف في المراد بالعبادة على ثلاثة أقوال، أحدها: أنها بمعنى التوحيد، روي عن علي وابن عباس في آخرين، والثاني: أنها بمعنى الطاعة، كما في قوله تعالى: ﴿أَن لَّا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ﴾ [(٦٠) سورة يس] والثالثة: أنها بمعنى الدعاء كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾ [(٦٠) سورة غافر] والعبادة في اللغة التذلل، يقال: طريق معبد، وبعير معبد، أي مذلل، وفي الشرع عبارة عما يجمع كمال المحبة والخضوع والخوف، قاله ابن كثير، وقال شيخ الإسلام: "اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة، ويقول ابن القيم ﵀ في نونيته:
وعبادة الرحمن غاية حبه ... مع ذل عابده هما قطبانِ
و ﴿نَسْتَعِينُ﴾ [(٥) سورة الفاتحة] بفتح النون في قراءة الجميع سوى يحيى بن وثاب والأعمش فإنهما كسراها قالوا: نِستِعين، هي موجودة في قراءة بعض العوام من بعض الجهات، وهي لغة بني أسد وربيعة وبني تميم وقيس، وقدّم الضمير المفعول، وكرر للاهتمام والحصر، إياك نعبد وإياك نستعين، قدم للاهتمام والحصر، أي لا نعبد إلا إياك، ولا نستعين ولا نتوكل إلا عليك، وهذا هو كمال الطاعة، قال الحافظ ابن كثير والدين كله يرجع إلى هذين المعنيين، وهذا كما قال بعض السلف، الفاتحة سر القرآن، وسرها هذه الكلمة: إياك نعبد وإياك نستعين، فالأول تبرؤ من الشرك، والثاني تبرؤ من الحول والقوة والتفويض إلى الله ، وهذا المعنى في غير ما آيةٍ من كتاب الله ، كما قال تعالى: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [(١٢٣) سورة هود] وقال: ﴿قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا﴾ [(٢٩) سورة الملك] ولابن القيم -رحمه الله تعالى- كتاب عظيم أسماه: مدارج السالكين من منازل إياك نعبد وإياك نستعين.
والآن مع الدرس الخامس
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 94
قال -رحمه الله تعالى-: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [(٥) سورة الفاتحة] أي نخصك بالعبادة من توحيد وغيره ونطلب المعونة على العبادة وغيرها.
بسم الله الرحمن الرحيم، اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
في تفسير هذه الآية: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ أشار الشارح إلى أن تقديم المعمول يفيد الاختصاص، ولذا قال: نخصك بالعبادة، وهذا مأخوذ من تقديم المعمول على عامله، والعبادة تشمل التوحيد، التوحيد العلمي والتوحيد العملي، والعبادات من زكاةٍ وصيام وحجٍ وغيرها وجهاد وغيرها مما يبتغى به وجه الله ، نخصك بالعبادة، ونخصك أيضاً بطلب المعونة على هذه العبادة وغيرها، فالله هو المستعان على أمور الدنيا، وأمور الآخرة، وفي حاشية الجمل قال: لما ذكر الحقيقة بالحمد ووصفه بصفاتٍ عظام تميز بها عن سائر الذوات خوطب بإياك نعبد، فبداية السورة الحمد لله رب العالمين، ذكر المفسر سابقاً أنه لا بد من تقدير: قولوا: الحمد لله رب العالمين، لماذا؟ قولوا: الحمد لله رب العالمين؟
طالب:. . . . . . . . .
نعم، ليناسب هذه الآية ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [(٥) سورة الفاتحة] ليكون ما جاء في السورة كلها من مقول الخلق بأمر الله ، ثم يقول الجمل: "والمعنى يا من هذا شأنه نخصك بالعبادة والاستعانة ليكون أدل على الاختصاص والترقي من البرهان إلى العيان، والانتقال من الغيبة إلى الشهود، الحمد لله، هذا ذكر لغائب، وإن كان حاضراً مع حامده وذاكره بمعيته الخاصة والعامة، لكن الأسلوب أسلوب غيبة، الحمد لله، ولذا ما قيل: الحمد لك يا الله، الترقي من البرهان إلى العيان، والانتقال من الغيبة إلى الشهود، لكن لما قال: إياك نعبد، انتقل من أسلوب الغيبة إلى أسلوب الشهود، يقول: وكأن المعلوم صار عياناً، والمعقول مشاهداً، والغيبة حضوراً.
طالب:. . . . . . . . .
стр. 95
في العربية التفات، وابن جني يسمي الالتفات: شجاعة العربية، إيش معنى شجاعة العربية؟ يقول: كأنه عنى أنه دليل على حدة ذهن البليغ، وتمكنه من تصريف أساليب كلامه كيف يشاء؟ كما يتصرف الشجاع في مجال الوغى بالكر والفر، ومن الأمثلة على الالتفات في القرآن: ﴿حَتَّى إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم﴾ [(٢٢) سورة يونس] وإلا في الأصل أن يقال: وجرين بكم، يقول الحافظ ابن كثير -رحمه الله تعالى-: "تحول الكلام من الغيبة إلى المواجهة بكاف الخطاب، وهو مناسب لأنه لما أثنى على الله فكأنه اقترب وحضر بين يدي الله تعالى فلهذا قال: إياك نعبد وإياك نستعين، وفي هذا دليل على أن أول السورة خبر من الله تعالى بالثناء على نفسه الكريمة بجميل صفاته الحسنى، وإرشاد لعباده أن يثنوا عليه بذلك" هل في هذا مخالفة لما قدره المفسر سابقاً؟ بقوله: قولوا الحمد لله رب العالمين، يقول: وفي هذا دليل على أن أول السورة خبر من الله تعالى بالثناء على نفسه الكريمة بجميل صفاته الحسنى، وإرشاد لعباده أن يثنوا عليه بذلك، يعني إذا قدرنا قولوا فالحمد لله رب العالمين في أول السورة يكون كلام من؟
طالب:. . . . . . . . .
стр. 96
القرآن كله كلام الله، لكن قد يكون كلام الله على لسان أحدٍ من خلقه، فقوله تعالى على لسان فرعون: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [(٢٤) سورة النازعات] هو كلام الله لكنه على لسان ذلك الطاغية، فقولنا: الحمد لله رب العالمين، يعني قاله الله من تلقاء نفسه، وأمر بقوله، ولذا قدرنا في أوله: قولوا الحمد لله رب العالمين، فهل نقول: إن الحمد لله رب العالمين من مقول الله حمد من الله لنفسه؟ أو حمد من المخلوق لله ؟ يعني هل الآية الحمد لله رب العالمين حمد من الله لنفسه؟ وهذا مما يقال في تقسيم الحمد أنه حمد قديم لقديم كما قالوا، وهو حمد الله لنفسه، وحمد قديم لحادث، كحمد الله ومدحه لبعض خلقه، وحمد حادثٍ لقديم وهو حمد المخلوق لربه، وحمد حادثٍ لحادث، وتقدم الفرق بين الحمد والمدح، وهو أنه هل يتأتى بالنسبة للمخلوق أن يحمد أو يمدح؟ والخلاف في ذلك تقدم كله، يقول الحافظ ابن كثير ﵀ في هذا دليل على أن أول السورة خبر من الله تعالى بالثناء على نفسه الكريمة، يعني حينما نقول في ابتداء قراءتنا الحمد لله رب العالمين فنحن نثني على الله بذلك، هل نقول: بعد أن أمرنا الله بالثناء عليه، وبحمده، أو نقول: اقتداءً بثناء الله على نفسه، وإرشاد لعباده أن يثنوا عليه بذلك، وعلى كل سواء كانت خبر، أو امتثال أمر، فالخبر يأتي ويقصد به الأمر، وحينئذٍ يكون أبلغ في المراد من الأمر الصريح ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ﴾ [(٢٢٨) سورة البقرة] هذا خبر، لكن مفاده الأمر، ولذا ما في أحدٍ من أهل العلم قال بأن العدة مباحة؛ لأن هذا خبر وليس بأمر، وليس فيه من قال: إن العدة مندوبة فقط، بل أوجبوا الاعتداد، اعتداد المطلقة، والآية وإن كان لفظها الخبر إلا أن المراد منها الأمر، والحمد سواء قدرنا قولوا أو لم نقدر، فنحن مطالبون بأن نحمد الله ، نعم، بإيش؟
طالب:. . . . . . . . .
هو ما في تقدير قولوا إلا لتكون السورة كلها متسقة من كلام العباد بس.
стр. 97
﴿إِيَّاكَ﴾ [(٥) سورة الفاتحة] قرأ السبعة بتشديد الياء، وقرأ عمرو بن فايد بتخفيفها مع الكسر إياك، وهي قراءة شاذة مردودة قال ابن كثير: لأن إيا ضوء الشمس، وقرأ بعضهم أياك بفتح الهمزة وتشديد الياء، وقرأ بعضهم هياك بالهاء بدل الهمزة، وإياك ضمير خطاب، ضمير رفع وإلا نصب؟ ضمير نصب، والأظهر أن كلمة إيا .. ، الآن هل الضمير إياك كلها أو الكاف؟ لأن الخلاف قائم، هل هو جميع الكلمة هو الضمير؟ أو الكاف أو إيا، والأظهر أن كلمة إيا جعلت ليعتمد عليها الضمير عند انفصاله، ولذلك لزمها الضمائر نحو إياي وإياك وإياهم .. الخ، ومن النحاة من جعل إيا ضميراً منفصلاً ملازماً حالةً واحدةً، وجعل الضمائر التي معه أضيفت إليه للتأكيد، ومنهم من جعل إيا اعتماداً للضمير كما كانت أي اعتماداً للمنادى الذي فيه (أل)، يعني كما سيأتي في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ [(٢١) سورة البقرة] ومنهم من جعل إيا اسماً ظاهراً مضافاً للمضمرات، على كلٍ سواء كانت الكلمة كلها ضمير، أو الضمير الكاف، فالمقصود ظاهر منها، هل يجوز حذف إيا إذا قلنا: إن الضمير كاف، في مثل هذا؟
طالب:. . . . . . . . .
لماذا؟ لا بد له من معتمد، لا بد له من شيء يعتمد عليه؛ لأن المضير المتصل لا يبدأ به في الكلام، ولا يقع بعد إلا، في حال الاختيار، وإن وقع في حال الاضطرار.
стр. 98
﴿نَعْبُدُ﴾ [(٥) سورة الفاتحة] قرأ أبو المتوكل والحسن وأبو مجلز: يُعبد، بضم الياء وفتح الباء، اختلف في المراد على العباد بالعبادة على ثلاثة أقوال: أحدها: أنها بمعنى التوحيد، وهذا مروي عن علي وابن عباس في آخرين، والثاني: أنها معنى الطاعة كقوله تعالى: ﴿لَّا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ﴾ [(٦٠) سورة يس] والثالث: أنها بمعنى الدعاء، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾ [(٦٠) سورة غافر] والمراد دعائي، والعبادة في اللغة من الذلة، يقال: طريق معبد، وبعير معبد، أي مذلل، وفي الشرع: عبارة عما يجمع كمال المحبة والخضوع والخوف، قال شيخ الإسلام ابن تيمية في تعريفها: "العبادة اسم جامع لما يحبه الله من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة" ابن القيم ﵀ يقول:
وعبادة الرحمن غاية حبه ... مع ذل عابده هما قطبانِ
стр. 99
و ﴿نَسْتَعِينُ﴾ [(٥) سورة الفاتحة] بفتح النون في قراءة الجمع سوى الأعمش ويحيى بن وثاب فإنهما كسراها قالا: نِستِعين، وهي لغة بني أسد وربيعة وبني تميم وقيس، وما زالت قائمة عند بعض الجهات وبعض القبائل، وقدم الضمير إياك في الموضعين، وكرر للاهتمام والحصر، وإلا فالأصل: نعبدك ونستعينك، ولو قيل: إياك نعبد ونستعين صح التعبير، لكن كرر للاهتمام والحصر، قال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [(٥) سورة الفاتحة] أي لا نعبد إلا إياك، ولا نستعين ولا نتوكل إلا عليك، وهذا هو كمال الطاعة، يقول الحافظ ابن كثير -رحمه الله تعالى-: "والدين كله يرجع إلى هذين المعنيين" يعني العبادة والاستعانة، وهذا كما قال بعض السلف: الفاتحة سر القرآن، وسرها هذه الكلمة: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ فالأول: تبرؤ من الشرك، والثاني: تبرؤ من الحول والقوة، وهذا المعنى جاء في القرآن في آياتٍ كثيرة من كتاب الله تعالى، كما قال تعالى: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ [(١٢٣) سورة هود] وقال: ﴿قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا﴾ [(٢٩) سورة الملك] ابن القيم -رحمه الله تعالى- كتاب عظيم، أقول: له كتاب عظيم في منازل إياك نعبد وإياك نستعين، في ثلاثة مجلدات اسمه معروف: مدارج السالكين في منازل إياك نعبد وإياك نستعين، وعلى كلٍ من السلف من قال: الفاتحة سر القرآن، وسرها هذه الكلمة، وهذا خلافاً لما يقوله بعض الغلاة، ممن يعتني بالإشارة دون العبارة، فيقول: الفاتحة سر القرآن، وسرها البسملة، وسر البسملة الباء، وسر الباء في نقطتها، هم يهتمون بإشارة، ما يهتمون بعبارة هم، هذا موروث، مذكور عن بعضهم، بعض الصوفية من يهتم بالإشارة يقول: إن أسرار القرآن في الفاتحة، وأسرار الفاتحة في البسملة، وأسرار البسملة في الباء، وأسرار الباء في نقطتها، وعلى كلٍ هذا قول مخترع لا يدل عليه أي دليل عقلي أو نقلي، ولم يؤثر عن أحدٍ ممن يعتبر ...
стр. 100
تفسير الجلالين - سورة الفاتحة (٤)
من قوله تعالى: ﴿اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ﴾ [(٦) سورة الفاتحة] إلى آخر السورة
الشيخ: عبد الكريم الخضير
стр. 101
على كلٍ النقطة وإن كانت مفقودة سابقاً، فهي مروية، يعني فرق بين السين والشين، فهي وإن لم تذكر فهي مقصودة يعني، وتقديم أيهما؟ العبادة أو الاستعانة؟ الاستعانة على العبادة وغيرها، لكن نظراً لأهمية العبادة وأنها هي المقصود من خلق الخلق قدمت، وإلا بالنسبة للوجود الاستعانة طلب المعونة من الله في جميع الأحوال، وعلى سائر الصفات على العبادة وغيرها، لكن لما كانت العبادة هي المقصود من خلق الجن والإنس قدمت؛ لأنها هي الغاية من باب تقديم الغاية على الوسيلة، في الأهمية وإن كان الترتيب الزمني ينبغي أن تكون الاستعانة متقدمة على العبادة، لكن إذا تصورنا أن الإنسان لا يستطيع أن يزاول أي عمل إلا بمعونة الله سواء كان من أمور دينه أو دنياه، لا يستطيع أن يزاول أي عمل إلا بعون الله وتوفيقه وتسديده، فيستعين الله على جميع أعماله التي منها العبادة، يقول الحافظ ابن كثير -رحمه الله تعالى-: "فإن قيل فما معنى النون في قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [(٥) سورة الفاتحة] فإن كانت للجميع فالداعي واحد -يعني الفرد وهو يقرأ القرآن يقول: إياك نعبد ما يقول: إياك أعبد- فإن كانت للجميع فالداعي واحد، وإن كانت للتعظيم فلا تناسب المقام، وقد أجيب بأن المراد بذلك الإخبار عن جنس العبادة، الإخبار عن جنس العباد، والمصلي فرد منهم لا سيما إن كان في جماعة أو إمام، فأخبر عن نفسه وعن إخوانه المؤمنين بالعبادة التي خلقوا لأجلها وتوسط لهم بالخير، ومنهم من قال: يجوز أن تكون للتعظيم، كأن العبد قيل له: إذا كنت في العبادة فأنت شريف، وجاهك عريض، فقل: إياك نعبد وإياك نستعين، ومنهم من قال: إياك نعبد ألطف في التواضع من إياك أعبد، لما في الثاني من تعظيم نفسه من جعله نفسه وحده أهلاً لعبادة الله تعالى الذي لا يستطيع أحد أن يعبده حق عبادته، ولا يثني عليه كما يليق به، والإمام البخاري -رحمه الله تعالى- في صحيحه في تفسير سورة ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ﴾ [(١) سورة القدر] قال: إن العرب تؤكد فعل الواحد بضمير الجمع، يعني ولو كان واحداً، يجوز أن يقول: نعبد ونستعين مؤكداً
стр. 102
فعله بهذا، فإذا كان من معاني النون التعظيم فليكن من معانيها التأكيد، لما ذكره الإمام البخاري -رحمه الله تعالى-.
والعبادة مقام عظيم يشرف به العبد لانتسابه إلى جناب الله تعالى، وقد سمى الله رسوله بعبده في أشرف مقاماته، فقال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ﴾ [(١) سورة الكهف] وقال: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ﴾ [(١٩) سورة الجن] وقال: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً﴾ [(١) سورة الإسراء] .. الخ، هذه المقامات الثلاثة، وهي أشرف مقامات النبي ﵊ عبّر فيها بالعبودية، وحكى الرازي في تفسيره عن بعضهم أن مقام العبودية أشرف من مقام الرسالة، لماذا؟ يقول: لكون العبادة تصدر من الخلق إلى الحق، والرسالة من الحق إلى الخلق، هذا يقتضي شرف؟ نعم، يقتضي العكس، لكون العبادة تصدر من الخلق إلى الحق، والرسالة من الحق إلى الخلق؛ ولأن الله متولي مصالح عبده، والرسول متولي مصالح أمته، يقول الحافظ ابن كثير: "وهذا القول خطأ، والتوجيه أيضاً ضعيف لا حاصل له مع أن الرازي لم يتعرض له بتضعيفٍ ولا رد، اقرأ.
﴿اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ﴾ [(٦) سورة الفاتحة] أي أرشدنا إليه، ويبدل منه ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ﴾ [(٧) سورة الفاتحة] بالهداية، ويبدل من الذين بصلته، ﴿غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ﴾ [(٧) سورة الفاتحة] وهم اليهود، ﴿وَلاَ﴾ وغير ﴿الضَّالِّينَ﴾ وهم النصارى، ونكتة البدل إفادة أن المهتدين ليسوا يهوداً ولا نصارى، والله أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً دائماً أبداً، وحسبنا الله ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
هذه الخاتمة لمن؟ لجلال الدين المحلي، في نهاية تفسير سورة الفاتحة انتهى نصيبه الذي يبدأ من الكهف إلى نهاية سورة الفاتحة، ثم يبدأ نصيب السيوطي من أول البقرة إلى نهاية سورة الإسراء على ما تقدم.
стр. 103
يقول: اهدنا الصراط المستقيم أي أرشدنا إليه، ولما تقدم الثناء على المسؤول ﵎ ناسب أن يُعقَب بالسؤال، كما جاء في الحديث الصحيح ((فنصفها لي ونصفها لعبدي، ولعبدي ما سأل)) وهذا أكمل أحوال السائل أن يمدح مسؤوله، ثم يسأل حاجته، وحاجة إخوانه المؤمنين بقوله: اهدنا؛ لأنه أنجح للحاجة وأنجع للإجابة، والهداية: الدلالة والإرشاد، والتوفيق والإلهام، وطلبها هنا ممن اهتدى؛ لأن الذي يقول: هو القارئ للقرآن سواء كان في الصلاة أو في غيرها، وهو ممن هدى الله، فطلبها ممن اهتدى للدوام والاستمرار، كما في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ آمِنُواْ﴾ [(١٣٦) سورة النساء] يعني اثبتوا على إيمانكم ودوموا عليه، واستمروا عليه، وجاء في الحديث: ((قل آمنت بالله ثم استقم)) أيضاً يستفاد من طلب الهداية هنا الزيادة منها ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى﴾ [(١٧) سورة محمد] فالعبد بحاجة إلى أن يدعو الله ليل نهار في أن يثبته ليستمر على هذه الهداية، وأن لا يزيغ قلبه، ويصرفه عن هذه الهداية، وجاء في دعاءه ﵊: ((يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك)) وهو أشرف الخلق، وأيضاً العبد وإن كان ممن اهتدى إلا أنه بحاجة إلى مزيدٍ من هذه الهداية؛ لأن الإيمان قابل للزيادة والنقصان على مذهب أهل الحق من أهل السنة والجماعة، فنحن بحاجة إلى أن نسأل الله طلب المزيد من الهداية ومن الإيمان، وأن نبذل السبب يعني نسأل الهداية، ونسأل المزيد منها، ونسأل الثبات ونترك الأسباب؟! لا، لا بد من بذل الأسباب، والهداية نوعان: هداية الدلالة والإرشاد، وهذه مثبتة لغير الله كما قال: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [(٥٢) سورة الشورى] وأما النوع الثاني من أنواع الهداية: وهو التوفيق والقبول، هذه منفية عمن سوى الله ، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاء﴾ [(٥٦) سورة القصص] الهداية في قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [(٩) سورة الإسراء] من النوع الأول
стр. 104
أو الثاني؟ يعني يدل الناس ويرشدهم؟
طالب:. . . . . . . . .
من النوعين، ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي﴾ [(٩) سورة الإسراء] ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [(٥٢) سورة الشورى] هنا دلالة وإرشاد ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [(٩) سورة الإسراء] أما هداية الدلالة والإرشاد فلا إشكال فيها موجودة، من اتبع القرآن قادة ودله إلى طريق الجنة، لكن الهادي هو القرآن أو الله المتصف بهذه الصفة وهي صفة الكلام؟ هل نستطيع أن نقول: إن القرآن يهدي بمعنى يوفق ويلهم؟
طالب:. . . . . . . . .
هو كلام الله بلا شك، ومنه بدأ وإليه يعود .. إلى آخر ما هو مقرر في مكانه، وكون القرآن يدل ويقود إلى الطريق المستقيم وإلى جناتٍ نعيم ورضوانه ، هذا لا إشكال فيه، لكن هل نستطيع أن نقول: إن القرآن يوفق.
طالب:. . . . . . . . .
هل نستطيع أن نقول: شاءت الإرادة الإلهية، أو الله شاء؟ الآن القسم بالله ، القسم بصفة من صفات الله يجوز وإلا ما يجوز؟ يجوز، نسبة بعض أفعال الله إلى بعض صفاته كما هنا، التوفيق والقبول لله ، ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [(٥٦) سورة القصص] وهو أفضل الخلق، ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاء﴾ بمعنى يوفق، ويجعل الإنسان يذعن ويقبل من الله ، لا من غيره، ولذا نفاه عن أشرف خلقه، والقرآن كلام الله، ليس بمخلوق ليدخل في هذا النفي، فالهداية المنسوبة إلى القرآن لا شك أنها هداية دلالة وإرشاد، هذا ما في إشكال، لكن بقية النوع الثاني: الدلالة والقبول، القبول والإذعان قالوا: هذه منفية عما سوى الله .
طالب:. . . . . . . . .
يهدي المؤمن بكلامه، لكن من الذي هدى المؤمن كلام الله أو الله ؟
طالب:. . . . . . . . .
يهتدي، يهتدي بلا شك، لكن هداية دلالة بمعنى أن القرآن دله، والله وفقه، الله هو الموفق أولاً وآخراً، لكن هل نقول: إن مثل هذا مثل القسم يجوز أن يقسم به؟
طالب:. . . . . . . . .
стр. 105
بلا شك أن له ميزة، والله يوفق من اعتنى بكتابه، هذا ما فيه إشكال، لكن هل الذي وفقه الكتاب أو الله بكتابه كما أنه أدخل المؤمن الجنة برحمته، ترى الموضوع دقيق يا إخوان ما هو ..
طالب: لو صح أن يسأل التوفيق و. . . . . . . . . لكلام الله صح أن يدعى، يدعى كلام الله، وأن كلام الله يهديه ..
إيه دعاء الصفة معروف عندهم، دعاء الصفة معروف عندهم.
طالب:. . . . . . . . .
إيه، قد يقرأ القرآن ولا يوفق، إذا لم يرد الله له التوفيق قد يقرأ القرآن، إيه بلا شك، بلا شك أن الموفق هو الله .
طالب: لكن يا شيخ حفظك الله لما تدل الآية على دلالة التوفيق والإلهام ليست .... ، بناءً على القرآن صفة من صفات الله -جل وعلا-؟
طيب لكن هل هذه الصفة توفق أو أن الموفق هو الله ؟
طالب: وهل في فرق بين الله -جل وعلا- وبين كلامه؟ أو بين الله وبين صفاته؟
طالب آخر: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَةٌ﴾ [(٨٢) سورة الإسراء] القرآن ما هو الذي يشفي، الشفاء يكون بهذه الصفة، بهذا الأمر، لبركة هذا الكلام ليست لغيره من المخلوقات ....
إذاً يكون سبب للشفاء، والشافي هو الله ، كما أنه سبب للهداية، والهادي هو الله .
طالب:. . . . . . . . .
يهتدي نعم.
طالب:. . . . . . . . .
وضل، وضل، نعم.
طالب:. . . . . . . . .
لا حتى من المسلمين، من اتبع المتشابه وهو من القرآن زاغ.
طالب:. . . . . . . . . ما قال من قرأ القرآن ...
لا إذا قلنا: لذاته بغض النظر عن قائله يلزم عليه هذا، وعلى كلٍ المسألة ظاهرة، الهادي هو الله ، الهادي أولاً وآخراً هو الله .
طالب: الأمر الثاني يا شيخ هل يجوز ....
لا ما يجوز؛ لأن دعاء الصفة ما يجوز، على كلٍ ما نطيل أكثر من كذا؛ لأن المسألة تحتاج إلى تحرير.
طالب: حفظك الله يا شيخ الثاني. . . . . . . . .
أيُ؟
طالب:. . . . . . . . . التوفيق والإلهام؟
يعني القرآن يلهم؟
طالب:. . . . . . . . .
على كلٍ تبحث المسألة -إن شاء الله تعالى-.
стр. 106
و ﴿الصِّرَاطَ﴾ [(٦) سورة الفاتحة] وقرئ بالسين، وقرئ بالزاي، والزاي كما قال الفراء: لغة بني عذرة، وبني كلب وبني القين، والصراط كما قال ابن جرير: الطريق الواضح الذي لا اعوجاج فيه، ويقول جرير:
أمير المؤمنين على صراطٍ ... إذا اعوج الموارد مستقيم
وقد تستعيره العرب فتستعمله في كل قولٍ وعملٍ وصف باستقامةٍ أو اعوجاج، فتصف المستقيم باستقامته، والمعوج باعوجاجه، ويقول ابن الجوزي: "يقال: إن أصله بالسين السراط؛ لأنه من الاستراط وهو الابتلاع، فالسراط كأنه يسترط المارين عليه، ومن قرأه بالصاد فلأنها أخف على اللسان" هذا كلام ابن الجوزي، والمراد بالصراط هاهنا أربعة أقوال: اختلف في المراد بالصراط هنا على أربعة أقوال: أحدهما: أنه كتاب الله، وهذا رواه علي عن النبي ﷺ كما في حديث الترمذي الطويل، والثاني: أنه دين الإسلام كما قاله ابن مسعود وابن عباس والحسن وآخرون، والثالث: أنه الطريق الهادي إلى دين الله، رواه أبو صالح عن ابن عباس، وبه قال مجاهد، والرابع: أنه طريق الجنة، نقل عن ابن عباس أيضاً، ننظر في الأقوال: كتاب الله –الصراط-، ودين الإسلام، الطريق الهادي إلى دين الله، طريق الجنة، في اختلاف بينها وإلا ما في؟
طالب:. . . . . . . . .
стр. 107
نعم، اختلاف تنوع وليس باختلاف تضاد، ويبدل منه من الصراط، المنصوب بإهدانا، اهدنا الصراط يبدل منه صراط الذين أنعمت عليهم، أنعم عليهم بأي شيء؟ بالهداية؛ لأنه كما سيأتي أن ممن ضل منعم عليه بأنواع من النعم، لكن المطلوب الهداية إلى صراطهم المنعم عليهم بالهداية، ويبدل من الذين بصلته الذين أنعمت عليهم يبدل منه غير المغضوب عليهم، ولذا وافقه في الإعراب، الذين مجرور بصراط مضاف إليه وغير مجرور؛ لأنه تابع للذين، ولذا قال: "ويبدل من الذين بصلته غير المغضوب عليهم، وهم اليهود، ولا غير، كما جاء في بعض القراءات، ولعلها عن عمر ﵁ غير المغضوب عليهم وغير الضالين، ولذا قال: "ولا يعني غير الضالين، وهم النصارى، ونكتة البدل إفادة أن المهتدين ليسوا يهوداً ولا نصارى، ونكتة البدل صراط الذين أنعمت عليهم، ألا يكفي ويغني عن قولنا: غير المغضوب عليهم ولا الضالين؟ في الأصل يكفي، صراط الذين أنعمت عليهم، وهم مَن يُذكرون في آية النساء على ما سيأتي، ويكفي عن قولنا: غير المغضوب عليهم ولا الضالين، هذا في الأصل، لكن لأن من المغضوب عليهم ومن الضالين اليهود والنصارى ممن يدعي أنهم منعم عليهم، بل ممن من غيرهم من الطوائف من يزعم أن اليهود والنصارى منعم عليهم؛ لأنهم أهل كتاب، فاحتيج إلى التنصيص عليهم؛ لأنهم أهل كتاب، فهم وإن أنعم عليهم بكتاب، وإن أنعم الله عليهم بكتاب إلا أنهم غضبوا عليهم لأنهم علموا وعرفوا ما في هذا الكتاب وخالفوه، وأيضاً أنعم على آخرين بكتاب لكنهم أعرضوا عن تعلمه فجهلوه، وعبدوا الله على جهل، فضلوا بسبب ذلك، ولذا في حديث أنس وغيره: ((إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالماً -أو لم يبق عالم- اتخذ الناس رؤوساً)) وفي روايةٍ: ((رؤساء جهالاً سئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا)) ولذا من عبد الله على جهل ضل، ومن عرف الحق وحاد عنه ومال عنه إلى غيره لأي شيء من الأسباب فهو مغضوب عليه لمشابهته اليهود، ولذا يقول بعضهم: "من ضل أو من حاد من علماء هذه الأمة ففيه شبه باليهود، ومن حاد عن الطريق من عباد هذه الأمة ففيه شبه
стр. 108
بالنصارى" نسأل الله العافية.
يبدل من اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم، فصراط الثانية بدل كل من كل، من الصراط الأولى، وهو في حكم تكرير العامل، اهدنا الصراط المستقيم، صراط في حكم تكرير العامل، فكأن فيه اهدنا صراط الذين أنعمت عليهم، وفائدته التوكيد والتنصيص على أن الصراط المستقيم هو المشهود، والمشهود عليه بالاستقامة على آكد وجهٍ وابلغه، ويبدل من الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم، أي بدل كل من كل، وقيل: بدل نكرة من معرفة، وقيل: نعت وهو مشكل؛ لأن غير نكرة والذين معرفة وقد أجيب .. الخ، الآن قولهم: بدل كل من كل، ويبدل من الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم، ولا الضالين، بدل كل من كل، فالذين أنعم الله عليهم إذا قلنا: كما قال المفسر: المغضوب عليهم هم اليهود، والضالين هم النصارى فكيف نقول: إن غير المغضوب عليهم وغير الضالين غير اليهود والنصارى منعم عليهم؟ لأنه يقول: بدل كل من كل مفهومه أن من عدا اليهود والنصارى منعم عليه؟ لكن ألا يوجد من فرق الضلال، وفرق المغضوب عليهم من غير اليهود والنصارى؟ إذاً كيف يقولون: بدل كل من كل؟
طالب:. . . . . . . . .
إذاً الآية ما عليها استدراك، الاستدراك على تخصيص التفسير بالمغضوب عليهم هم اليهود فقط، بحيث لا يدخل فيهم غيرهم ممن شابههم، والضالين هم النصارى فقط بحيث لا يدخل في الآية من شابههم؟
طالب: أغلب المغضوب عليهم اليهود، أغلب الضالين النصارى.
стр. 109
لكن إذا قلنا: بدل كل من كل إذا نظرنا إلى الآية من غير تفسير الكلام ما فيه إشكال، فكل شخص لم يغضب عليه ولم يضل فهو منعم عليه، وكل منعم عليه ليس بمغضوبٍ عليه، وليس بضال، هذا بدل كل من كل، لكن إذا قلنا: إن المغضوب عليهم هم اليهود فقط، والضالون هم النصارى فقط نحتاج إلى ألا نقول: بدل كل من كل، بل بدل بعض من كل، وعلى كلٍ التفسير جاء مرفوع إلى النبي ﷺ من حديث عدي بن حاتم على ما سيأتي أن المغضوب عليهم هم اليهود، والضالين هم النصارى، لكن هذا تفسير بالمثال، ولا يعني هذا أن له مفهوم أن غيرهم اليهود والنصارى ليسوا بمغضوب عليهم ولا ضالين، لا، بل يدخل في هذا الوصف من شابه اليهود، فيكون مغضوباً عليه، ويدخل في الضلال من شابه النصارى فيمن عبد الله على جهل، اليهود هم ضالون، والنصارى مغضوب عليهم؛ لأن منهم علماء شابهوا اليهود، ومن اليهود من هم جهال وعبدوا على .. ، شابهوا النصارى، لكن هذا تفسير باعتبار الأعم، اليهود الغالب عليهم العلم، والغالب عليهم أيضاً الانحراف مع العلم، والنصارى الغالب عليهم العمل لكنه على جهل، ولذا جاء في قوله تعالى: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُواْ وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ قَالُوَاْ إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا﴾ [(٨٢) سورة المائدة] عباد، لكنهم عبدوا الله على جهل، فيدخل في وصفهم من شابههم، وكل ممن هذه صفته له نصيبه من هذه الآية.
طالب:. . . . . . . . .
стр. 110
بدل كل من كل إذا نظرنا إلى الآية من غير تفسيرها، أو إذا فسرنا الآية بأن المغضوب عليهم هم اليهود، ومن شابههم، والضالين النصارى ومن شابههم، فيدخل فيهم من غضب عليهم ممن ينتسب إلى الإسلام وغيرهم من طوائف الزيغ، قالوا: هو مشكل، إذا قلنا: بدل كل من كل، غير المغضوب عليهم بدل من الذين أنعمت عليهم، وقيل: نعت وهو مشكل، (غير) مجرورة نعت للذين، وهو مشكل لماذا؟ لأن (غير) نكرة، و (الذين) معرفة، طيب (غير) مضاف و (المغضوب عليهم) مضاف إليه، كيف صارت نكرة؟ الإضافة لفظية لا تفيد التعريف فـ (الذين) الموصولات من المعارف، و (غير المغضوب) إضافتها لفظية فلا تفيد التعريف، فكيف يوصف المعرفة بنكرة؟ أجيب عن هذا بجوابين: أحدهما: أن (غير) إنما تكون نكرة إذا لم تقع بين ضدين، أحدهما: أن (غير) إنما تكون نكرة إذا لم تقع بين ضدين، فأما إذا وقعت بين ضدين فقد انحصرت الغيرية، فتتعرف حينئذٍ بالإضافة كما تقول: الحركة غير السكون، والثاني: وهو أن الموصول أشبه بالنكرات في الإبهام الذي فيه، فعومل معاملة النكرات، الموصول فيه شمول، وفيه عموم، ولذا من صيغ العموم الموصولات، فهي من حيث عمومها وعدم تخصيصها تشبه النكرة، فجاز وصفها بالنكرة لقربها منها، والمراد بالمنعم عليهم المذكورون في قوله تعالى: ﴿وَمَن يُطِعِ اللهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [(٦٩) سورة النساء] الآن نحن مأمورون بأن نسأل الله أن يهدينا صراط الذين أنعم الله عليهم، ومن هؤلاء المنعم عليهم ما جاء في سورة النساء: ﴿فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ﴾ [(٦٩) سورة النساء] لأن الترتيب على طريق التدني من الأعلى إلى الأدنى، النبيين يليهم الصديقون، يليهم الشهداء، يليهم الصالحون، بهذا استدل على صحة إمامة أبي بكر ﵁، لماذا؟ لأنه من الصديقين، أبو بكر صديق بالنص، ونحن مأمورون بأن نسأل الله أن يهدينا طريق
следующие страницы →