Полный текст (893 стр.). Показаны 876–893 · переход к 881.
стр. 876
١٥٠٣ ومعادن الفضّة بالأندلس كثيرة في كورة تدمير وجبال حمّة بجّانة، وبإقليم كرتيش من عمل قرطبة معدن فضّة جليل. وبأكشونبة «١» معدن القصدير لا نظير له يشبه الفضّة، وله معادن بناحية إفرنجة وليون «٢» . ومعدن الزئبق في جبل البرانس ومن هناك يتجهّز به إلى الآفاق. ومعدن الكبريت الأحمر بالأندلس ومعادن الأصفر كثيرة. ومعادن التوتيا الطيّبة بساحل إلبيرة بقرية تسمّى بطرنة، وهي أزكى توتيا وأقوى في صنع النحاس، وبجبال قرطبة توتيا وليست كالبطرنية. ومعدن الكحل المشبه بالاصبهاني بناحية مدينة طرطوشة يحمل منها إلى جميع البلاد. ومعادن الشبوب والحديد والنحاس والرصاص بالأندلس أكثر من أن تحصى.
١٥٠٤ والأندلس دار جهاد وموطن رباط قد أحاط بشرقها وشمالها وبعض غربها أصناف أهل الكفر. وروي عن عثمان بن عفان رضه أنّه كتب إلى من انتدب إلى غزو الأندلس: أمّا بعد فإنّ القسطنطينية إنّما تفتح من قبل الأندلس وإنّكم إن استفتحتموها كنتم شركاء من يفتحها في الأجر والسلام.
وروي عن كعب الأحبار أنّه قال: يعبر البحر إلى الأندلس أقوام يفتحونها يعرفون بنورهم يوم القيامة.
١٥٠٥ ودخل الأندلس رجل واحد من أصحاب النبي ﷺ ، وقال عبد الملك بن حبيب: اسمه المنيذر الإفريقي. ويروى عن النبي ﷺ أنّه قال: من قال
стр. 877
رضيت بالله ربّا إلى آخرها فأنا الزعيم له لآخذنّ بيده فأدخله الجنّة. ودخلها من التابعين حنش بن عبد الله بن عمرو بن حنظلة بن نهر بن قنان بن ثعلبة بن ثامر النسائي يكنّى أبا راشد، وهو صنعاني من صنعاء الشام ويعدّ في المقرّبين، ويقال حنشن بن علي، والصواب بن عبد الله، وهو الّذي أسّس المسجد الجامع بسرقسطة، وكان مع علي بالرّقة. فلمّا قتل انتقل إلى مصر، وموضع محرابه وقبره بسرقسطة معلوم. ومنهم علي بن ربّاح «١» اللخمي البصري ويكنّى أبا موسى، لقي أبا هريرة وعمرو بن العاص وعلقمة بن عامر وروى عنهم، وقبره أيضا بمدينة سرقسطة معلوم. ومنهم حيوة بن رجاء التميمي وأبو عبد الرحمان بن عبد الله بن يزيد الجبلي «٢» الأنصاري وعياض بن عقبة الفهري وموسى بن نصير بن عبد الرحمان بن يزيد يقال بكري ويقال لخمي. ويقال إنّ نصيرا وحمدان مولى عثمان من سبي عين التمر وإنّ نصيرا أعتقه صبيح مولى أبي العاص بن أميّة. ومن كتب الخزانة غير المترجم أنّ نصيرا أصابه خالد بن الوليد في علوج عين التمر وادّعوا أنّهم رهن وأنّهم من بكر بن وائل، فصار نصير وصيفا لعبد العزيز بن مروان فأعتقه، فمن أجل هذا يختلف فيه.
١٥٠٦ وعقد الوليد لموسى على إفريقيّة سنة ثلاث وثمانين، وكان مولد موسى سنة تسع عشرة في خلافة عمر بن الخطّاب رضه. وكان معاوية قد جعل نصيرا أبا موسى على حرسه «٣» ، فلم يقاتل معه عليّا رضه. فقال له معاوية: ما منعك في الخروج معي على علي ولم تكاف يدا لي عليك؟ فقال له: لم يمكنّي أن أشكرك بكفر من هو أولى بشكري منك. قال: ومن هو؟ قال: الله تعالى.
стр. 878
١٥٠٧ ومسافة ما يملك المسلمون من الأندلس- وذلك من أكشونبة «١» إلى مدينة أشقة- فذلك ثلاثمائة فرسخ طولا، ومن قرطاجنة الحلفاء إلى الفهمين ثلاثون فرسخا عرضا.
ذكر مدينة قرطبة
١٥٠٨ ذكر أنّ تفسير قرطبة بلسان القوط قرظبة بالظاء المعجمة، ومعناه بلسانهم القلوب المختلفة، وقيل: معنى «٢» قرطبة آخر «فاسكنها» . ودور «٣» مدينة قرطبة في كمالها ثلاثون ألف ذراع، [ولها من الأبواب باب القنطرة وهو بقبليّها ومنه يعبر النهر على القنطرة، والباب الجديد وهو بشرقيّها، وباب عامر وهو بين الغرب والجوف منها، وغيرها. وقصر مدينة قرطبة بغربيّها متّصل بسورها القبلي والغربي. وجامعها بإزاء القصر من جهة الشرق، وقد وصل بينهما بساباط يسلك الناس تحته من المحجة العظمى الّتي بين الجامع والقصر إلى باب القنطرة] «٤» . وكان طول مسقف البلاطات من المسجد الجامع وذلك من القبلة إلى الجوف قبل الزيادة مائتين وخمسا وعشرين ذراعا، والعرض من الشرق إلى الغرب قبل الزيادة مائة ذراع وثلاثين ذراعا. (ثمّ زاد الحكم في طوله في القبلة مائة ذراع وخمس أذرع) «٥» .
فكمل الطول [ثلاثمائة ذراع وثلاثين ذراعا] «٦» . وزاد محمّد بن أبي عامر بأمر هشام بن الحكم في (عرضه من) «٧» جهة الشرق ثمانين ذراعا. فتمّ العرض مائتين (وثلاثين ذراعا) «٨»
стр. 879
١٥٠٩ وكان عدد بلاطاته أحد عشر بلاطا عرض أوسطها ستّ عشرة ذراعا، [وعرض كلّ واحد من اللّذين يليانه شرقا واللّذين يليانه غربا أربع عشرة ذراعا] «١» وعرض كلّ واحد من الستّة الباقية إحدى عشرة ذراعا. وزاد ابن أبي عامر فيه ثمانية بلاطات عرض كلّ واحد عشرة أذرع. وطول الصحن من المشرق إلى المغرب مائة وثمان وعشرون ذراعا، وعرضه من القبلة إلى الجوف مائة وخمس أذرع، وعرض السقائف المستديرة بصحنه عشر أذرع فتكسيره ثلاثة وثلاثون ألف ذراع ومائة وخمسون ذراعا.
١٥١٠ وعدد أبوابه تسعة منها ثلاثة في صحنه غربا وشرقا وجوفا وأربعة في بلاطاته اثنان غربيان واثنان شرقيان، وفي مقاصير النساء من السقائف بابان. وجميع ما فيه من الأعمدة ألف عمود ومائتا «٢» عمود وثلاثة وتسعون عمودا أساطين «٣» رخام كلّها. وقباب «٤» مقصورة الجامع مذهّبة وكذلك جدار المحراب وما يليه قد أجرى فيه الذهب على الفسيفساء، وثريات المقصورة فضّة محضة. وارتفاع الصومعة اليوم- وهي من بناء عبد الرحمان بن محمّد- ثلاث وسبعون ذراعا إلى أعلى القبّة المفتّحة الّتي يستدير فيها المؤذّنون. وفي رأس هذه القبّة تفّاح ذهب وفضّة وارتفاعها إلى مكان الآذان أربع وخمسون ذراعا، وطول كلّ حائط من حيطانها على الأرض ثماني عشرة ذراعا.
وعدد المساجد «٥» بقرطبة على ما أحصي وضبط أربعمائة وواحد وتسعون مسجدا.
стр. 880
١٥١١ وبقرطبة أقاليم كثيرة وكور جليلة، وكانت جباية هذه الأقاليم في أيّام الحكم بن هشام «١» من ناضّ الحشر وناضّ الطبل وناضّ البيزرة للعام مائة ألف دينار وعشرين ألف دينار، ومن وضيفة القمح مديا أربعة آلاف مدي وستّمائة مدّي وسبعة وأربعين مدّيا، ومن الشعير سبعة وأربعين ألف مدّي.
١٥١٢ قال المؤلّف: عقب الفتنة الّتي كانت على رأس أربعمائة من الهجرة واستمرّت إلى وقتنا هذا- وهو سنة ستّين وأربعمائة- عفت آثار هذه القرى وغيّرت رسوم ذلك العمران، فصار أكثرها خلاء بندب «٢» ساكنيه. وكذلك حكم الله في كلّ جديد أن يبليه وفي كلّ أهل أن يخليه حتّى يرث الله الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين.
ذكر مدينة إشبيلية
١٥١٣ وهي قديمة أوّلية، زعم أهل العلم باللسان اللطيني «٣» أنّ أصل تسميتها إشبال «٤» معناه المدينة المنبسطة، ويقال إنّ الّذي بناها يوليش قيصر وإنّه أوّل من تسمّى قيصر. وكان سبب بنائه إيّاها أنّه لمّا دخل الأندلس ووصل إلى مكانها أعجب بكرم ساحته وطيب أرضه وجبله المعروف بجبل «٥»
стр. 881
الشرف، فردم على النهر الأكبر مكانا وأقام فيه المدينة وأحدق عليها بأسوار «١» من صخر صلب، وبنى في وسط المدينة قصبتين متقنتين عجيبتين تعرفان بالأخوين، وجعلها «٢» أمّ قواعد الأندلس واشتقّ لها اسما من اسمه ومن اسم رومية فسمّاها مدينة «٣» رومية يوليش، ولم تزل معظّمة عند العجم من ذلك الوقت. وقد كان منها رجال ولوا قيادة العجم العظمى والمملكة بمدينة رومية. وروى ابن وضّاح أنّ المرأة الّتي قتلت يحيى بن زكريا ﵇ من إشبيلية من قرية طالقة. وقد قيل إنّ رأس إشبيلية لقيصر أكتبيان «٤» .
١٥١٤ ومدينة إشبيلية موفية «٥» على النهر وهو في غربيّها. ويذكر في بعض الأخبار أنّ إشبان بن طيطش من ذرّية طوبيل «٦» بن يافث بن نوح ﵇، كان أحد أملاك الاشبانيّين «٧» خصّ بملك أكثر الدنيا وأنّ بدء ظهوره كان من إشبيلية، فغلظ أمره وبعد صيته وتمكّن في كلّ ناحية سلطانه. فلمّا ملك نواحي الأندلس وطاعت له أقاصى البلاد خرج في السفن من إشبيلية إلى إيليا فغنمها وهدمها وقتل بها من اليهود مائة ألف وسبى مائة ألف وفرّق في البلاد «٨» مائة ألف، وأنقل «٩» رخامها إلى إشبيلية وماردة وباجة «١٠» ، وأنّه صاحب المائدة الّتي ألفيت بطليطلة وصاحب الحجر الّذي وجد بماردة وصاحب قليلة الجوهر الّتي كانت بماردة أيضا على حسب ما ذكر (في فتح الأندلس) «١١» ، وأنّه حضر خراب بيت المقدس الأوّل مع بخت نصر وحضر الخراب الّذي كان مع قيصر بشبشيان وأدريان «١٢» ، ويذكر أنّه من طالقة «١٣» إشبيلية. وفي سنة عشرين من دولته أتقن بنيان إيلياء. وكان
стр. 882
من «١» مضى من ملوك الأعاجم يتداولون بمسكنهم أربعة من مدن الأندلس: إشبيلية وماردة وطليطلة وقرطبة، ويقسمون أزمانهم على الكينونة بها.
١٥١٥ وكان سور إشبيلية من بناء الإمام عبد الرحمان بن الحكم بناه بعد غلبة المجوس عليها بالحجر أحكم بناء. وكذلك جامعها اليوم من بنائه وهو من «٢» عجيب المباني وجليلها، وصومعته بديعة الصنعة غريبة العمل أركانها الأربعة عمد (فوق عمد) «٣» إلى أعلاها، في كلّ ركن ثلاثة أعمدة. فلمّا مات عبد الرحمان بن إبراهيم بن حجّاج- وذلك في محرّم سنة إحدى وثلاثمائة- (قدّم أهلها) «٤» أحمد بن مسلمة، وكان من أهل البأس والنجدة، فأظهر العناد وجاهر «٥» بالخلاف، فأخرج إليه (عبد الرحمان بن محمّد) «٦» قائدا (من قوّاده) «٧» بعد قائد حتّى افتتحها على يدي الحاجب يوم الاثنين لخمس خلون من جمادى الأولى سنة إحدى وثلاثمائة «٨» ، (واستعمل عليها سعيد) «٩» بن المنذر المعروف بابن السليم، فهدم سورها وألحق أعاليه بأسفله وبنى القصر (القديم المعروف بدار الإمارة) «١٠» وحصنه بسور صخر رفيع وأبراج منيعة «١١» ، وهو على ذلك إلى اليوم. وبنى سور المدينة (في الفتنة بالتراب. وله من) «١٢» الأبواب باب أبي العاص «١٣» غربي ومنه الخروج إلى الشرق، وباب حميدة غربي أيضا (بإزاء المقبرة، وباب قرمونة) «١٤» شرقي.
ويطلّ على إشبيلية جبل الشرف، وهو شريف البقعة كريم التربة دائم الخضرة فراسخ في فراسخ طولا وعرضا، لا تكاد تشمس منه بقعة لالتفاف زيتونه واشتباك غصونه. ولها كور جليلة ومدن «١٥» كثيرة وحصون شريفة.
стр. 883
١٥١٦ وبإشبيلية آثار للأوّل كثيرة، وبها أساطين [عظام تدلّ على هياكل كانت بها] «١» . وإشبيلية من الكور (المجنّدة نزلها جند حمص) «٢» ، ولواؤهم في الميمنة بعد لواء جند دمشق.
١٥١٧ ولإشبيلية من الأقاليم: إقليم المدينة، (إقليم ألية) «٣» ، إقليم السهل، إقليم الشعراء، إقليم البصل، إقليم طالقة، إقليم الشرف «٤» ، إقليم الوادي، إقليم طشانة، إقليم الفحص، إقليم قرطشانة «٥» ، إقليم المنستير. وانتهت جبايتها في أيّام الأمير الحكم بن هشام خمسة وثلاثين ألف دينار ومائة دينار.
وفي إقليم طالقة وجدت صورة جارية من مرمر (معها صبي وكأنّ حيّة تريده) «٦» ، لم يسمع في الأخبار ولا رئي في الآثار صورة أبدع منها جعلت في بعض الحمّامات وتعشّقها جماعة من العوامّ.
[ذكر الجزيرة]
١٥١٨ ومدينة «٧» الجزيرة على ربوة مشرفة على البحر ولها أقاليم «٨» . وكانت جباية كورة الجزيرة ستّمائة دينار وثمانية عشر دينارا. قال محمّد بن وضّاح: حدّثنا زهير بن عبّاد الكلاعي عن ابن عمّ وكيع بن الجرّاح الكوفي [قال] : لقيته
стр. 884
بمصر ولقيته في رحلتي الثانية بالشام وأخذت عنه علما كثيرا شيخ ثبت، قال: أهل الجزيرة من بلاد الأندلس هم الّذين أبوا أن يضيفوا موسى والخضر ﵉. بها أقام الخضر الجدار وخرق السفينة وأسلم الجلندى، وكان يأخذ كلّ سفينة غصبا كما قال الله تعالى في كتابه العزيز «١»
ذكر ماردة وبطليوس
١٥١٩ ماردة بجوفي قرطبة منحرفة إلى الغرب قليلا، وكانت مدينة ينزلها الملوك الأوائل «٢» ، فكثرت بها آثارهم والمياه المستجلبة إليها. وكان قد أحدق بها سور عرضه اثنتا عشرة ذراعا وارتفاعه ثماني عشرة ذراعا، وعلى بابها كتابة ترجمتها: براءة لأهل إيليا من عمل في «٣» سورها خمس عشرة ذراعا.
ولماردة حصون وأقاليم، من ذلك مدلّين وحصن مورش (وحصن أمّ غزالة وحصن الأرش) «٤» وحصن أمّ جعفر وحصن الجزيرة وحصن الجناح وحصن الصخرة المعروفة بصخرة أبي حسّان وحصن لقرشان وحصن سنت أقروج «٥» في غاية الارتفاع لا يعلوه طائر البتّة لا نسر ولا غيره، وغيرها من الحصون (يكثر ذكرها) «٦» .
١٥٢٠ وبطليوس هي حديثة الاتّخاذ، بناها عبد الرحمن بن مروان المعروف بالجلّيقي بإذن الأمير محمّد لمّا أخرجه من قلعة الحنش «٧» ولجأ إلى حصن مرنيط «٨»
стр. 885
من حصون جلّيقية، انعقد سلمه «١» على أن يستقرّ ببطليوس ويتّخذها دارا، وهي إذ ذاك خالية، فبناها لنفسه ومن معه. فلمّا توطّد «٢» له الملك كتب إلى الأمير عبد الله- وقد تولّى الأمر- أن يجدّد له سجلّا على بلده وعقدا على قومه المولّدين، فأجابه إلى ذلك. ثمّ كتب إليه ألّا مسجد جامع له يعلن فيه الدعاء للأمير ولا حمّام يغتسل فيه، فهم على كثرتهم بادية وإن تحضّروا.
وسأله أن يرسل إليه فعلة يبنون له الجامع والحمّام فيلحق البلد بالحواضر، فأجابه إلى ما أراد. ولبطليوس أقاليم وحصون كثيرة.
ذكر مدينة طليطلة
١٥٢١ معنى طليطلة باللطيني تولاظو، معناه فرح ساكنها يريدون لحصانتها ومنعتها.
وفي كتب الحدثان كان يقال: طليطلة الأطلال، بنيت على الهرج والقتال، إذا وادعوا الشرك، لم يقم لهم سوقة ولا ملك، على يد أهلها يظهر الفساد، ويخرج الناس من تلك البلاد. ومدينة طليطلة قاعدة القوط ودار مملكتهم، ومنها كانوا يغزون عدوّهم وإليها كان يجتمع جنودهم، وهي إحدى القواعد الأربع المتقدّم ذكرها وهي أقدمهنّ، ألفتها القياصرة مبنية، وهي أوّل الإقليم الخامس من السبعة الأقاليم الّتي هي ربع معمور الأرض، وإليها ينتهي حدّ الأندلس الأدنى ويبتدئ بعدها الذكر للأندلس الأقصى. وأوفت على نهر تاجه وبها كانت القنطرة الّتي كان يعجز الواصفون عن وصفها «٣» ، وكان خرابها في أيّام الإمام محمّد. ومن خواصّها أنّ حنطتها لا تتغيّر ولا تسوّس على مرّ السنين (يتوارثها الخلف) «٤» عن السلف، وزعفران طليطلة هو الّذي يعمّ البلاد ويتجهّز به إلى الآفاق، وكذلك الصمغ السماوي «٥» .
стр. 886
١٥٢٢ وأوّل من نزل بها من ملوك الأندلس لوبيان، [وهو الّذي بنى مدينة رقوبل، وهي على مقربة من طليطلة، وسمّاها باسم ولده، ومنها ولّى الأساقفة على الكور وبها مجتمعهم للمشورة، وكان عددهم ثمانين أسقفا لثمانين مدينة من حوز الأندلس كجلّيقية وطركونة وقرطاجنة. وكانت قبل ولايته فرقا، فائتلف أمر الناس وانقطع الخلاف وأحبّه الخاصّ والعامّ. وهو الّذي بنى الكنائس الجليلة والمعالم الرفيعة، وبنى الكنيسة المعروفة بالمردقة واسمه مزبور على بابها، وهي بين حاضرة إلبيرة ووادي آش] «١» .
(ولها أقاليم وحصون) «٢» .
[ذكر طلبيرة]
١٥٢٣ ومدينة طلبيرة أقصى «٣» ثغور المسلمين وباب من الأبواب الّتي يدخل منها إلى أرض المشركين، وهي قديمة على نهر تاجه «٤» .
стр. 887
[ذكر تطيلة]
١٥٢٤ وكان بتطيلة «١» بعد الأربعمائة من الهجرة أو على رأسها امرأة لها لحية كاملة سابغة «٢» كلحى الرجال، وكانت تتصرف في الأسفار وسائر ما يتصرّف فيه الناس حتّى أمر قاضي الناحية «٣» نسوة من القوابل «٤» بالنظر إليها، فأحجمن عن ذلك «٥» لما عايّنه «٦» من منظرها فأكرههنّ على ذلك فإذا بها امرأة، فأمر القاضي بحلق لحيتها وأن تتزيّا بزيّ النساء ولا تسافر إلّا مع ذي محرم.
ولتطيلة مدن وبناءات، منها طرسونة «٧» وغيرها، وقلعة أيّوب «٨» محدثة.
[ذكر مدينة بربشتر]
١٥٢٥ ومدينة بربشتر من بلاد بربطانية «٩» وبعضها في ملك المسلمين وبعضها للعجم اليوم. وحصن بربشتر على نهر تارة «١٠» ، وبربشتر من أمّهات مدن الثغر الفائقة في الحصانة البائنة في الامتناع.
стр. 888
١٥٢٦ وقد غزاها على غرّة (وقلّة عدد من أهلها) «١» وعدّة أهل غاليش والروذمانون، وكان عليهم رئيس يسمّى البيطين وكان في عسكره نحو أربعين ألف فارس، فحاصرها أربعين يوما حتّى افتتحها، وذلك سنة ستّ وخمسين وأربعمائة. فقتلوا عامّة رجالها وسبوا فيها من ذراري المسلمين ونسائهم ما لا يحصى كثرة «٢» . ويذكر أنّهم اختاروا من أبكار جواري «٣» المسلمين وأهل الحسن منهنّ «٤» خمسة آلاف جارية وأهدوهنّ إلى صاحب القسطنطينية وأصابوا فيها من الأموال والأمتعة ما يعجز عن وصفه. وفتحها بعد ذلك أحمد (بن سليمان) «٥» بن هود صاحب سرقسطة مع أهل الثغور واستنجد «٦» بحلفائه من رؤساء الأندلس [ونهد إليها في جمع كثيف ذوي جدّ وحدّ، ففتحها الله على يديه عنوة، فقتل المقاتلة وسبى النساء والذرية] «٧» وأدخل منها سرقسطة نحو خمسة آلاف سبية ونحو ألف فرس وألف درع وأموالا كثيرة وثيابا جليلة. وكان افتتاحه لها لثمان خلون من جمادى الأولى سنة سبع وخمسين وأربعمائة. ومنذ ذلك تسمّى أحمد بن سليمان المقتدر بالله.
ولبربشتر حصون ...
[ذكر مدينة برشلونة]
١٥٢٧ وأمّا مدينة برشلونة فهي من القسم الثالث من الأندلس مسوّرة على ساحل
стр. 889
البحر، واليهود بها يعدلون النصارى كثرة ولها ربض «١» خارج منها.
وصاحب برشلونة اليوم راي مند بن بلنقير بن برّيل، وكان خرج يريد بيت المقدس سنة ستّ وأربعين وأربعمائة فنزل مدينة نربونة على رجل من كبراء أهلها، فتعشّق امرأته وتعشّقته، ثمّ تمادى في سفره حتّى وصل بيت المقدس، ثمّ كرّ راجعا حتّى أتى نربوتة فنزل على ضيفه بها، وليس له همّ إلّا امرأته، فتحكّم ذلك التعاشق بينهما واتّفق معها على أن تعمل الحيلة في الهروب إليه من بلدها فيزوّجها من نفسه. فلمّا وصل إلى برشلونة أرسل إليها قوما من اليهود في ذلك. ودخل «٢» صاحب طرطوشة في الأمر فأوصلهم في الشواني إلى نربونة، فلم تتوجّه اليهود الحيلة في أمرها وأحسّ «٣» زوجها ببعض شأنها وكان بها كلفا، فثقّفها فكان تثقيفه لها سببا لمعونة «٤» أهلها على مرادها. فوصلت مع قوم منهم إلى برشلونة، فنزل راي مند عن امرأته وتزوّج النربونية، فلبست الأولى المسوح وخرجت مع جماعة من أهل بيتها إلى رومة حتّى أتت عظيمها وصاحب الدين بها، وهو الّذي يسمّونه البابه، فشكت إليه ما صنع زوجها وأنّه تركها بغير سبب، وهو أمر لا يحلّ في دينهم، وأنّه «٥» لا يجوز لهم فعله، وإنّما حمله على ذلك عشقه للنربونية «٦» . وشهد لها شهود قبلهم، فحرم البابه على صاحب برشلونة دخول الكنائس وأمر ألّا يدفن له ميّت وأن يتبرّأ منه جميع «٧» من يعتقد النصرانية. فلمّا علم ذلك علم أنّه لا حيلة له معه ولا بقاء في أفق يكون فيه لنصراني حكم. فبذل الأموال ودسّ مشاهير الأساقفة والقسيسين وأوطأهم على الشخوص إلى البابه وأن يشهدوا له بأنّه تقصّى «٨» عن نسب المرأة الّتي ترك فوجدها منه بقربى يحرّمها عليه، وأنّ النربونية فرّت من زوجها لذلك لأنّه كانت منه بنسب وكان يكرهها على المقام معه. فنفذ القوم إلى البابه وشهدوا للقومس «٩» ما أوطأهم عليه، فقبلهم «١٠» وأباح له دخول الكنائس ودفن من مات له وسائر ما حجر عليه.
стр. 890
ذكر بلد جلّيقية
١٥٢٨ قسمه الأوائل على أربعة أقسام، فالقسم الأوّل هو الّذي يلي «١» الغرب وينحرف إلى الجوف. وساكنوه هم الجلالقة وموضعهم جلّيقية، وكانوا حوالي مدينة براقرة الّتي هي متوسّطة الغرب. ومدينة براقرة هي مدينة أوّلية «٢» من بنيان الروم، وقواعدهم ودور مملكتهم شبيهة «٣» بمدينة ماردة في إتقان بنائها وصنعة أسوارها «٤» ، وهي اليوم مهدومة الأكثر خالية هدمها المسلمون وأجلوا «٥» أهلها.
١٥٢٩ القسم الثاني هو المسمّى (بأشتورش وسمّي) «٦» بذلك بواد لهم يقال له أشتر ومنه شرب جميع بلادهم. والقسم الثالث ما كان (من جلّيقية بين الغرب) «٧» والقبلة ويسمّى أهله البرتقالش «٨» . والقسم الرابع ما كان بين الشرق والقبلة ويسمّى بقشتيلة «٩» ، وقشتيلة القصوى وقشتيلة الأدنى، فالأدنى «١٠» من حصونها (غرنون والقصير وبرغش وأماية) «١١» .
стр. 891
جملة القول في بلاد الجلّيقيّين وغيرهم من قبائل النصارى إلى بلد الصقالبة على ما أورده إبراهيم بن يعقوب الإسرائيلي الطرطوشي
١٥٣٠ قال إبراهيم «١» : بلد الجلّيقيّين سهل جميعه والغالب على أرضه «٢» الرمل وأكثر أقواتهم «٣» الدخن والذرّة، ومعولهم في الأشربة على شراب التفاح والبشكة «٤» ، وهو شراب يتّخذ من الدقيق. وأهله أهل غدر «٥» ودناءة أخلاق لا يتنظّفون ولا يغتسلون في العام إلّا مرّة أو مرّتين بالماء البارد، ولا يغسلون ثيابهم منذ يلبسونها إلى أن تنقطع عليهم، ويزعمون أنّ الوسخ»
الّذي يعلوها من عرقهم تنعم أجسامهم (وتصحّ أبدانهم) «٧» . وثيابهم أضيق الثياب وهي مفرّجة يبدو من تفاريجها أكثر أبدانهم. ولهم بأس وشدّة «٨» لا يرون الفرار عند اللقاء (في الحرب) «٩» ويرون الموت دونه.
ذكر بلاد إفرنجة
١٥٣١ في وسط الإقليم الخامس، وهواؤها غليظ لشدّة بردها ومصيفها معتدل.
وهو بلد كثير الفاكهة غزير الأنهار المنبعثة من ذوب «١٠» الثلج، ومدائنه متقنة الأسوار محكمة البناء. وآخر حدودها بحر الشام وحدّ آخر البحر المحيط، البحر
стр. 892
الشامي بقبليّها والبحر المحيط بجوفيّها، وتتّصل ببلاد رومة أيضا [من ناحية القبلة وتتّصل أيضا] «١» من ناحية الجوف ببلاد الصقالبة بينهما شعراء ملتفّة مسيرة الأيّام الكثيرة، وتتّصل في الشرق أيضا بالصقالبة وتتّصل في الغرب بالبشكنس «٢» ، وتتّصل أيضا ببلاد بيورة «٣» وهم الّذين يعرفون بالأمانيش «٤» ولهم كلام غير كلام الإفرنج.
١٥٣٢ وتتمادى [أعمال] إفرنجة في الطول والعرض مسيرة شهرين في شهرين مع غيرها من القبائل، ويحجز بين بلاد إفرنجة وبلاد الصقالبة في الجوف والشرق الجبل المعترض بين البحرين. فيتمادى بلد الإفرنج مع ساحل البحر القبلي الشامي حتّى يلزق «٥» بجزيرة رومة وبلد لنقبرذية «٦» . ويتمادى مع الجبل المعترض في الجوف إلى البحر المحيط. ويتّصل بالصقالبة بلاد المجوس المعروفين بالأنقلش. وسيوف إفرنجة تفوق سيوف الهند.
[ومنها يرد الرقيق من بلاد الصقالبة، ولا يكاد يرى ببلاد إفرنجة زمن ولا ذو عاهة. والزنا في غير ذوات الأزواج عند الإفرنج غير منكر، وإذا حلف أميرهم أو كبيرهم حانثا استهانوه ولم يزالوا يعيّرونه بذلك. وأبناء الأشراف عندهم يسترضعونهم في الأباعد ولا يعرف الابن أبويه حتّى يعقل، وإذا عقل ردّ إليهما فيراهما كالسيّدين ويكون لهما كالعبد. وكانت مملكتهم مجتمعة وأمرهم ملتئما حتّى ثار على رجل من ملوكهم يسمّى قارله قومس مع ملك يقال له رودبيرت، وذلك في عهد الإمام عبد الله، فحشد له قارله وزحف بعضهما إلى بعض فقتله قارله وأسر أصحاب رودبيرت قارله فمكث أسيرا أربعة أعوام، ثمّ هلك بأيديهم فافترق ملكهم واقتسم] «٧» .
стр. 893
[ويحكى أنّ موسى بن نصير لمّا غزا الأندلس أراد أن يخرق ما بقي عليه من بلاد إفرنجة ويفتح الأرض الكبيرة حتّى يتّصل بالناس إلى الشام مؤملا أن يتّخذ مخترقة تلك الأرض طريقا مهيعا يسلكه أهل الأندلس في مسيرهم ومجيئهم من المشرق وإليه على البرّ لا يركبون بحرا، وأنّه أوغل في بلاد إفرنجة حتّى انتهى إلى مفازة كبيرة وأرض سهلة ذات آثار. فأصاب فيها صنما عظيما قائما كالسارية مكتوبا فيه بالنقر كتابة عربية قرئت فإذا هي: يا بني إسماعيل انتهيتم فارجعوا. فهاله ذلك فقال: ما كتب هذا إلّا بمعنى. فشاور أصحابه في الاعراض عنه وجوازه إلى ما وراءه، فاختلفوا عليه. فأخذ برأي جمهورهم وانصرف بالناس، وقد أشرفوا على قطع البلاد وتقصّي الغاية] «١»
ذكر البرتونين