← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 23849

المسالك والممالك للبكري

أبو عبيد البكري

Полный текст (893 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

أموال عظيمة ورقيق كثير كان للرجل منهم ألف خادم وأكثر. فاستباح المرابطون حريمها وجعلوا جميع ما أصابوا فيها فيئا، وقتل فيها عبد الله بن ياسين رجلا من العرب المولّدين من أهل القيروان معلوما بالورع والصلاح وتلاوة القرآن وحجّ البيت يسمّى زباقرة «١» ، وإنّما نقموا عليهم أنّهم كانوا تحت طاعة صاحب غانة وحكمه. ١٤٤٠ وغزا عبد الله بن ياسين أغمات سنة تسع وأربعين، واستولى على بلاد المصامدة (سنة خمسين، وقتل ببرغواطة) «٢» سنة إحدى وخمسين بموضع يسمّى كريفلت، وعلى قبره اليوم مشهد مقصود ورابطة معمورة. ولم يقتل عبد الله بن ياسين حتّى استولى على سجلماسة وأعمالها والسوس كلّه وأغمات ونول «٣» والصحراء. ١٤٤١ وممّا يذكرونه ولا يشكّون فيه من براهين صلاح عبد الله أنّه ذهب في بعض أسفاره فعطشوا فشكوا ذلك إليه، فقال: عسى الله أن يجعل لنا من أمرنا فرجا «٤» . ثمّ سار بهم ساعة وقال لهم: احفروا بين يديّ» . فحفروا فوجدوا الماء بأدنى حفر، فشربوا وسقوا واستقوا أعذب ماء وأطيبه. ويذكرون أنّه نزل منزلا تقرب منه بركة ماء وكانت كثيرة الضفادع لا يسكن نقيقها، فإذا وقف عبد الله على البركة لا يسمع لها ركز. وهم الآن لا تقدّم طائفة منهم أحدا للصلاة بها إلّا من صلّى وراء عبد الله وإن كان في تلك

стр. 842

الطائفة أقرأ «١» منه وأورع ممّن لم يصلّ وراءه. وكان عبد الله نكّاحا للنساء «٢» يتزوّج في الشهر عددا منهنّ ويطلقهنّ، لا يسمع بامرأة حسناء إلّا خطبها، ولا يتجاوز بصدقاتهنّ أربعة مثاقيل. ذكر ما شذّ فيه عبد الله بن ياسين من الأحكام ١٤٤٢ من ذلك أخذه الثلث من الأموال المختلطة، وزعم أنّ ذلك يطيب باقيها ويحلّه، وقد تقدّم ذكرها. هذا وأن الرجل إذا دخل في دعوتهم وتاب عن سالف ذنوبه قالوا له: قد أذنبت ذنوبا كثيرة في شبابك، فيجب أن تقام عليك حدودها وتطهر من إثمها، فيضرب حدّ الزاني مائة سوط وحدّ المفتري ثمانين سوطا وحدّ الشارب «٣» مثلها، وربّما زيد على ذلك. وهكذا يفعلون بمن تغلّبوا عليه وأدخلوه في رباطهم، وإن علموا أنّه قتل قتلوه «٤» سواء أتاهم تائبا طائعا أو غلبوا عليه مجاهرا عاصيا لا تنفعه توبته ولا تغني عنه رجعته. ومن تخلّف عن مشاهدة الصلاة مع الجماعة ضرب عشرين سوطا، ومن فاتته ركعة ضرب خمسة أسواط. ويأخذون الناس بصلاة ظهر أربعا قبل صلاة الظهر في الجماعة، وكذلك في سائر الصلوات، ويقولون: إنّك لا بدّ قد فرطت في سالف عمرك فاقض ذلك. وأكثر عوامّهم يصلّون بغير وضوء إذا أعجلهم الأمر جزعا من الضرب. ومن رفع صوته في المسجد ضرب على قدر ما يراه الضارب (له صلاحا) «٥» . وزكاة الفطر يأخذونها وينفقونها على أنفسهم.

стр. 843

١٤٤٣ وممّا يحفظ من جهل عبد الله بن ياسين أنّ رجلا اختصم إليه مع تاجر غريب عندهم، فقال التاجر في بعض مراجعته لخصمه: حاشى لله أن يكون ذلك. فأمر عبد الله بضربه وقال: لقد قال كلاما فظيعا وقولا شنيعا يوجب عليه أشدّ الأدب. وكان بالحضرة رجل قيرواني فقال لعبد الله: وما تنكر من مقالته؟ والله (قد ذكر ذلك في كتابه فقال) «١» حكاية عن النسوة اللّائي قطعن أيديهنّ في قصّة يوسف: حاش لله ما هذا بشرا إن هذا إلّا ملك كريم «٢» . فرفع الضرب «٣» عن ذلك الرجل. ١٤٤٤ وأمير المرابطين إلى اليوم- وذلك سنة ستّين وأربعمائة- أبو بكر بن عمر، وأمرهم منتشر غير ملتئم ومقامهم بالصحراء، وجميع قبائل الصحراء «٤» يلتزمون النقاب وهو فوق اللثام حتّى لا يبدو منه إلّا محاجر عينيه، ولا يفارقون ذلك في حال من الأحوال ولا يميّز رجل منهم وليه ولا حميمه إلّا إذا تنقّب، وكذلك في المعارك إذا قتل منهم القتيل وزال قناعه لم يعلم (من هو) «٥» حتّى يعاد عليه القناع، وصار ذلك لهم ألزم من جلودهم وهم يسمّون من خالف زيّهم هذا من جميع الناس «٦» أفواه الذبان بلغتهم. وطعامهم صفيف «٧» اللحم الجافّ مطحونا يصبّ عليه الشحم المذاب أو السمن، وشرابهم اللبن قد غنوا به عن الماء، يبقى الرجل منهم الأشهر لا يشرب ماء، وقوّتهم مع ذلك مكينة وأبدانهم صحيحة.

стр. 844

١٤٤٥ ومن سير أهل الصحراء في المتّهم بالسرقة أن يعمدوا إلى عود فيشقّ باثنين ويشدّ على صدغيه في مقدم رأسه ومؤخّره فلا يتمالك أن يقرّ ولا يصبر على ذلك الضغط لحظة «١» لشدّته. ١٤٤٦ وممّا في هذه الصحراء من الحيوان اللمط، وهو دابّة دون البقر لها قرون دقاق حادّة لذكرانها وإناثها، وكلّما كبر منها الواحد طال قرناه حتّى يكون أكبر من أربعة أشبار. وأجود الدرق وأغلاها ثمنا ما صنع من جلود العواتق منها، وهي الّتي طال قرناها لكبر سنّها فمنع الفحل علوّها. ودوابّ الفنك أكثر شيء في هذه الصحراء ومنها يحمل إلى جميع البلاد. وعندهم الكباش الدمانية خلقها خلق الضأن إلّا أنّها أجمل «٢» وشعرها شعر الماعز لا أصواف لها، وهي أحسن الغنم خلقا وألوانا. ولا تنبت هذه الصحراء ولا بلاد أغمات ولا السوس شجر المرسين، وهو شجر الآس وهو عندهم عزيز يجلب إليهم من سائر البلاد. ١٤٤٧ ومن غرائب تلك الصحراء معدن ملح على يومين من المجابة الكبرى وبينه وبين سجلماسة مسيرة عشرين يوما، تحفر عنه الأرض كما تحفر عن سائر المعادن والجواهر، ويوجد تحت قامتين أو دونها من وجه الأرض وتقطع كما تقطع

стр. 845

الحجارة، ويسمّى هذا المعدن «١» تاتنتال وعليه حصن مبني بحجارة الملح، وكذلك بيوته ومشارفه وغرفه كلّ ذلك ملح، ومن هذا المعدن يتجهّز بالملح إلى سجلماسة وغانة وسائر السودان «٢» ، والعمل فيه متّصل والتجّار إليه متسايرون وله غلّة عظيمة. ومعدن للملح آخر «٣» عند بني جدالة بموضع يسمّى أوليل على شاطىء البحر، ومن هناك تتحمّله الرفاق أيضا إلى ما جاوره. ١٤٤٨ وبقرب أوليل في البحر جزيرة تسمّى ايونى، وهي عند المدّ جزيرة لا يوصل إليها من البرّ وعند الجزر يوصل إليها على القدم، ويوجد فيها العنبر، وأكثر معاش أهلها من لحوم السلاحف وهي أكثر شيء عندهم «٤» في ذلك البحر وهي مفرطة العظم، وربّما دخل الرجل منهم في محار «٥» ظهورها فيتصيّد فيها كالقارب. (وسنذكر من كبر السلاحف بطريق تيرقى «٦» ما هو أشنع من هذا) «٧» . ولهم أغنام ومواش، وهذه الجزيرة مرسى من المراسي، والطريق منها إلى نول على ساحل البحر لا يفارقه مسيرة شهرين مشي العير في أرض أكثرها صفى ينبو عنه الحديد وتكلّ فيه المعاول. وإنّما يشربون في طريقهم من قلات «٨» يحتفرونها عند جزر البحر فتبضّ ماء عذبا. وإذا مات لهم ميّت في طريقهم هذا لم يمكنهم مواراته لصلابة الأرض وامتناعها على الحفر، فيسترونه بالحطام والحشيش أو يقذفونه بالبحر.

стр. 846

ذكر بلاد السودان ومدنها المشهورة واتّصال بعضها ببعض والمسافات بينها وما فيها من الغرائب وسير أهلها ١٤٤٩ المصاقبون «١» لبلاد السودان بنو جدالة، هم آخر الإسلام خطّة. وأقرب بلاد السودان منهم صنغانة «٢» ، بين آخر بلادهم وبينها مسيرة ستّة أيّام، ومدينة صنغانة مدينتان على ضفّتي النيل وعمارتها متّصلة إلى البحر المحيط. ويلي مدينة صنغانة ما بين الغرب والقبلة على النيل مدينة تكرور أهلها سودان، وكانوا على ما كان «٣» سائر السودان عليه من المجوسية «٤» وعبادة الدكاكير، والدكور عندهم الصنم، حتّى وليهم وارجابي «٥» بن رابيس فأسلم وأقام عندهم شرائع الإسلام وحملهم عليها وحقّق بصائرهم فيها. وتوفّي وارجابي سنة اثنتين وثلاثين وأربعمائة، فأهل تكرور اليوم مسلمون. ١٤٥٠ (وتسير من مدينة تكرور إلى مدينة سلى، وهي مدينتان على شاطىء النيل أيضا وأهلها مسلمون) «٦» أسلموا على يدي وارجابي ﵀. وبين سلى ومدينة غانة مسيرة عشرين يوما في عمارة السودان القبيلة بعد القبيلة. وملك سلى بحارب كفّارهم وليس بينه وبين أوّلهم إلّا مسيرة يوم واحد، وهم أهل مدينة قلنبو، وهو واسع المملكة كثير العدد يكاد يقاوم ملك غانة. وتبايع أهل سلى بالدرّة والملح وحلق النحاس وأزر لطاف من قطن يسمّونها الشكيات «٧» . والبقر عندهم كثير وليس عندهم ضأن ولا معز، وأكثر نبات

стр. 847

أرضهم الأبنوس ومنه يحتطبون. وفيما يتّصل ببلادهم من النيل في موضع يقال له صحابي حيوان في الماء يشبه الفيل في عظم خلقته وفنطيسته «١» وأنيابه يسمّونه قفوا، وهو يرعى في البراري ويأوي إلى النيل، وهم يميّزون موضعه من النيل بتحرّك الماء على ظهره فيقصدونه بمزاريق حديد، فصار في أسافلها حلق قد شدّت فيها الحبال المديدة، فيرمونه بالعدد الكثير منها فيغوص ويضطرب في أسفل النيل، فإذا مات طفا على الماء، فجذبوه وأكلوا لحمه وصنعوا من جلده هذه الأسواط الّتي تسمّى السريافات، (ومن هناك تحمل إلى الآفاق. ١٤٥١ ويلي هذا البلد مدينة قلنبو بينهما «٢» مسيرة يوم على ما تقدّم، وهي على النيل وأهلها مشركون. وتتّصل بمدينة قلنبو مدينة ترنقة، وهو بلد عريض، وعندهم تصنع «٣» الأزر المسمّاة بالشكيات) «٤» الّتي تقدّم ذكرها، وهي أربعة أشبار في مثلها. وليس في بلدهم كثير قطن غير أنّهم لا تكاد تخلو دار أحدهم من شجرة قطن «٥» . ١٤٥٢ وحكم أهل هذه البلاد «٦» والمذكور قبلها من بلاد السودان أن يخيّر صاحب السرقة في بيع السارق أو قتله، وحكمهم في الزاني أن يسلخ من جلده.

стр. 848

١٤٥٣ ومن ترنقة تصل العمارة بالسودان إلى بلد زافقو «١» ، وهم صنف من السودان يعبدون حيّة كالثعبان العظيم ذا عرف وذنب رأسه كرأس البختي، وهو في مغارة بالمفازة وعلى فم المغارة عريش وأحجار «٢» ومسكن قوم منهم متعبّدين معظّمين «٣» لتلك الحيّة، ويعلّقون نفيس الثياب وجرّ «٤» المتاع على ذلك العريش ويضعون له جفان الطعام وعساس اللبن والشراب. وهم إذا أرادوا إخراجه إلى العريش تكلّموا كلاما وصفروا صفيرا معلوما فيبرز إليهم. وإذا هلك والي من ولاتهم «٥» جمعوا كلّ من يصلح للمملكة وقرّبوهم إليها وتكلّموا بكلام يعلمونه، فتدنو الحيّة منهم فلا تزال تشمّهم رجلا رجلا حتّى تنكز أحدهم بأنفها، فإذا نكزته ولت إلى المغارة فيتبعها ذلك المنكوز بأجدّ ما يقدر عليه من السير، فيجذب من ذنبها أو من عرفها بأشدّ ما يقدر عليه من شعرات، فتكون مدّة ملكه لهم بعدد تلك الشعرات لكلّ شعرة سنة، لا يخطيهم ذلك بزعمهم. ١٤٥٤ وتليهم بلاد الفرويين، وهي مملكة الفرويّين على حدتها، ومن غريب ما فيها بركة يجتمع فيها الماء ينبت فيها نبات أصوله أبلغ شيء في تقوية الباه والعون عليها، والملك يمنع منها ولا يصل منها شيء إلى غيره، وله من النساء عدد عظيم، فإذا أراد أن يطوف عليهنّ أنذرهنّ قبل ذلك بيوم، ثمّ استعمل ذلك الدواء فيطوف عليهنّ كلّهنّ «٦» ولا يكاد ينكسر. وقد أهدى إليه بعض (ملوك المسلمين) «٧» المجاورين له هدية نفيسة واستهداه شيئا من هذا النبات «٨» . فعارضه على هديته وكتب إليه يقول: إنّ المسلمين لا يحلّ لهم

стр. 849

من النساء إلّا قليل، وقد خفت عليك إن بعثت إليك الدواء أن لا تقدر على إمساك نفسك فتأتي بما لا يحلّ لك في دينك «١» ، ولكنّي قد بعثت إليك نباتا «٢» يأكله الرجل العقيم فيولد له. وبلاد الفرويّين يبدّل الملح فيها بالذهب. ذكر غانة وسير أهلها ١٤٥٥ وعانة سمة لملوكهم، واسم البلد أوكار واسم ملكهم اليوم- وهي سنة ستّين وأربعمائة- تنكامنين، وولي سنة خمس وخمسين. وكان اسم ملكهم قبله بسي «٣» ، ووليهم وهو ابن خمس وثمانين سنة، وكان محمود السيرة محبّا للعدل مؤثّرا للمسلمين، وعمي في آخر عمره، فكان يكتم ذلك عن أهل مملكته ويريهم أنّه يبصر وتوضع بين يديه أشياء فيقول: هذا حسن وهذا قبيح وكان وزراؤه يلبسون ذلك على الناس ويلغزون للملك بما يقول، فلا تفهمه العامّة. وبسي هذا خال تنكامنين، وتلك سيرتهم ومذهبهم أنّ الملك لا يكون إلّا في ابن أخت الملك لأنّه لا يشكّ فيه أنّه ابن أخته وهو يشكّ في ابنه ولا يقطع على صحّة اتّصاله به. ١٤٥٦ وتنكامنين هذا شديد الشوكة (عظيم المملكة مهيب السلطان) «٤» . ومدينة غانة مدينتان سهليّتان «٥» إحداهما المدينة الّتي يسكنها المسلمون، وهي مدينة

стр. 850

كبيرة فيها اثنا عشر مسجدا أحدها يجمعون فيه، ولها الأئمّة والمؤذّنون والراتبون، وفيها فقهاء وحملة علم. وحواليها «١» آبار عذبة منها يشربون وعليها يعتملون الخضراوات «٢» . ومدينة الملك على ستّة أميال من هذه وتسمّى بالغابة «٣» والمساكن بينهما متّصلة، ومبانيهم بالحجارة وخشب السنط «٤» . وللملك قصر وقباب، وقد أحاط بذلك كلّه حائط كالسور. وفي مدينة الملك مسجد يصلّي فيه من يفد عليه من المسلمين على مقربة من مجلس حكم الملك. وحول مدينة الملك قباب وغابات وشعراء يسكن فيها سحرتهم، وهم الّذين يقيمون دينهم. وفيها دكاكيرهم (وقبور ملوكهم) «٥» ، ولتلك الغابات حرس ولا يمكن أحدا دخولها ولا معرفة ما فيها، وهناك سجون الملك، فإذا سجن أحد فيها انقطع عن الناس خبره. ١٤٥٧ وتراجمة الملك من المسلمين، وكذالك صاحب بيت ماله وأكثر وزرائه، ولا يلبس المخيط من أهل دين الملك غيره وغير ولي عهده، وهو ابن أخته، ويلبس سائر الناس ملاحف القطن والحرير والديباج على قدر أحوالهم. وهم أجمع «٦» يحلقون لحاهم ونساؤهم يحلقن رؤوسهنّ، وملكهم يتحلّى بحلى النساء في العنق والذراعين ويجعل (على رأسه) «٧» الطراطير المذهّبة عليها عمائم القطن الرفيعة.

стр. 851

١٤٥٨ وهو يجلس للنّاس «١» والمظالم في قبّة ويكون حوالي القبّة «٢» عشرة أفراس بثياب مذهّبة ووراء الملك عشرة «٣» من الغلمان يحملون الحجف والسيوف المحلاة بالذهب، وعن يمينه أولاد ملوك بلده قد ضفروا رؤوسهم بأنواع الذهب وعليهم الثياب الرفيعة، ووالي المدينة «٤» بين يدي الملك جالس في الأرض وحواليه الوزراء جلوسا على الأرض. (وعلى باب القبّة كلاب منسوبة) «٥» لا تكاد تفارق موضع الملك تحرسه، في أعناقها سواجير الذهب والفضّة يكون في الساجور عدد رمّانات ذهب وفضّة. وهم ينذرون بجلوسه بطبل يسمّونه دبا، (وهو خشبة طويلة منقورة، فيجتمع الناس، فإذا دنا أهل دينه منه جثوا على ركبهم ونثروا التراب على رؤوسهم، فتلك) «٦» تحيتهم له. وأمّا المسلمون فإنّما سلامهم عليه تصفيقا باليدين. ١٤٥٩ وديانتهم المجوسية وعبادة الدكاكير. وإذا مات ملكهم عقدوا له «٧» قبّة عظيمة من خشب الساج ووضعوها في موضع قبره، ثمّ أتوا به على سرير قليل الفرش والوطاء فأدخلوه في تلك القبّة ووضعوا معه حليته وسلاحه وآنيته الّتي كان يأكل فيها ويشرب، وأدخلوا فيها الأطعمة والأشربة وأدخلوا معه رجالا ممّن كان يخدم طعامه وشرابه وأغلقوا عليهم باب «٨» القبّة وجعلوا فوق القبّة الحصر والأمتعة، ثمّ اجتمع الناس فردموا فوقها بالتراب حتّى تأتي كالجبل الضخم، ثمّ يخندقون حولها حتّى لا يوصل إلى «٩» ذلك الكوم إلّا من موضع واحد. وهم يذبحون لموتاهم الذبائح ويقرّبون لهم الخمور.

стр. 852

١٤٦٠ ولملكهم على حمار «١» الملح دينار ذهب في إدخاله البلد وديناران في إخراجه، وله على حمل النحاس خمسة مثاقيل وعلى حمل المتاع عشرة مثاقيل. وأفضل الذهب في بلاده ما كان بمدينة غياروا، وبينها وبين مدينة الملك مسيرة ثمانية عشر يوما في بلاد معمورة بقبائل السودان مساكن متّصلة. وإذا وجد في جميع معادن بلاده الندرة من الذهب استصفاها الملك، وإنّما يترك منها للناس هذا التبر الرقيق، ولولا ذلك لكثر الذهب بأيدي الناس حتّى يهون. والندرة تكون من أوقية إلى رطل، ويذكر أنّ عنده منه ندرة كالحجر الضخم. وبين مدينة غيارو والنيل اثنا عشر ميلا وفيها من المسلمين كثير. وغانة بلدة مستوبية غير آهلة لا يكاد يسلم الداخل فيها من المرض عند امتلاء زرعهم، ويقع الموتان في غربانها عند استحصاد الزرع. [الطريق من غانة إلى غيارو] ١٤٦١ فأمّا الطريق من غانة إلى غيارو فإلى مدينة سامقندى «٢» أربعة أيّام، وأهل سامقندى أرمى السودان بالنشاب. ومنها إلى بلد يسمّى طاقة يومان، وأكثر شجر طاقة شجر يسمّى تادموت، وهو شجر الآراك إلّا أنّ له ثمرا كالبطيخ داخله شيء يشبه القند تشوب حلاوته بحموضة نافع للمحمومين. ومن هناك إلى خليج من النيل يقال له زوغو مسيرة يوم تخوضه الجمال، ولا يعبره الناس إلّا في القوارب. ومنه إلى بلد يقال له غرنتل «٣» ، وهو بلد كبير ومملكة جليلة لا يسكنه مسلمون ولكنّهم يكرمونهم ويخرجون لهم عن الطريق إذا دخلوا بلادهم، وتلد «٤» عندهم الفيلة والزرافات. ومن غرنتل إلى غيارو.

стр. 853

١٤٦٢ وملك غانة إذا احتفل (ينتهي جيشه مائتي ألف، منهم رماة أزيد من أربعين ألفا، وخيل غانة قصار جدّا. وعندهم الأبنوس الجيّد) «١» المجزّع. وهم يزدرعون مرّتين في العام مرّة على ثرى النيل إذا خرج عندهم وأخرى على ثرى أيضا. ١٤٦٣ وبغربيّ غيارو على النيل مدينة يرسنى «٢» (يسكنها المسلمون وما حولها مشركون) «٣» . وفي يرسنى معز قصار، فإذا وضعت الماعزة ذبحوا الذكور وأبقوا الإناث، وعندهم شجر تحتكّ بها هذه المعزة فتحمل من ذلك العود تلد من غير ذكر، وهذا معلوم عندهم غير منكر، وحدّث به جماعة من المسلمين الثقات. ومن يرسنى يجلب السودان العجم المعروفون ببني نغمرانة وهم تجّار التبر إلى البلاد. وما وازاها من ضفّة النيل الثانية مملكة كبيرة أزيد من مسيرة ثمانية أيّام سمة ملكهم دو، وهم يقاتلون بالنشاب. ١٤٦٤ ووراءه بلد اسمه ملل وملكهم يعرف بالمسلماني، وإنّما سمّي بذلك لأنّ بلاده أجدبت «٤» عاما بعد عام، فاستسقوا بقرابينهم من البقر حتّى كادوا يفنونها ولا يزدادون إلّا قحطا وشفاء. وكان عنده ضيف من المسلمين يقرأ القرآن ويعلم السنّة، فشكا إليه الملك ما دهمهم من ذلك فقال له: أيّها الملك لو

стр. 854

آمنت بالله تعالى وأقررت بوحدانيته وبمحمّد ﵊ وأقررت برسالته واعتقدت شرائع الإسلام كلّها لرجوت لك الفرج (ممّا أنت فيه) «١» وحلّ بك، وأن تعمّ الرحمة «٢» أهل بلدك، وأن يحسدك على ذلك من عاداك وناوأك. فلم يزل به حتّى أسلم وأخلص نيّته وأقرأه من كتاب الله ما تيسّر (عليه وعلّمه من الفرائض والسّنن ما لا يسع جهله. ثمّ استأنى به إلى ليلة جمعة فأمره فتطهّر فيها طهرا سابغا) «٣» وألبسه المسلم ثوب قطن كان «٤» عنده، وبرزوا إلى ربوة من الأرض فقام المسلم يصلّي والملك عن يمينه يأتمّ به. فصلّيا من الليل ما شاء الله والمسلم يدعو والملك يؤمّن، فما انفجر الصباح إلّا والله قد عمّهم بالسقي. فأمر الملك بكسر الدكاكير وإخراج السحرة من بلاده، وصحّ إسلامه وإسلام عقبه وخاصّته وأهل مملكته مشركون، فوسموا ملوكهم مذ ذاك بالمسلماني. ١٤٦٥ ومن أعمال غانة المنضافة إليها بلد يسمّى سامة ويعرف أهله بالبكم، بينه وبين غانة مسيرة أربعة أيّام، وهم يمشون عراة إلّا أنّ المرأة تستر فرجها بسيور تضفرها، وهنّ يوفرن شعر العانة ويحلقن شعر الرأس. وحدّث أبو عبد الله المكّي أنّه رأى منهنّ امرأة وقفت على رجل من العرب طويل اللحية، فتكلّمت بكلام لم يفهمه، فسأل الترجمان عن مقالتها فذكر أنّها تمنّت أن يكون شعر لحيته في عانتها. فامتلأ العربي غضبا «٥» وأوسعها سبّا. والبكم لهم حذق بالرماية وهم يرمون بالسهام المسمومة. ويورثون الابن الأكبر مال الأب كلّه.

стр. 855

١٤٦٦ وبغربيّ مدينة غانة مدينة أنبارة، وملكها اسمه تارم «١» وهو معاند لملك غانة. وعلى تسع مراحل من مدينة أنبارة مدينة كوغة وبينها وبين غانة مسيرة «٢» خمس عشرة مرحلة، وأهلها مسلمون وحواليها المشركون. وأكثر ما يتجهّز إليها بالملح والودع والنحاس والفربيون، والودع والفربيون أنفق شيء عندهم. وحواليها من معادن التبر كثير، وهي أكثر بلاد السودان ذهبا. وهناك مدينة ألكن «٣» وملكها يسمّى قنمر بن بسي ويقال إنّه مسلم يخفي إسلامه. ١٤٦٧ وببلاد غانة قوم يسمّون بالهنيهين من ذرّية الجيش الّذي كان بنو أمية أنفذوه إلى غانة في صدر الإسلام، وهم على دين أهل غانة إلّا أنّهم لا ينكحون في السودان ولا ينكحونهم، فهم بيض الألوان حسان الوجوه. وبسلى أيضا قوم منهم يعرفون بالفامان. ١٤٦٨ وببلاد غانة حكم الماء، وذلك أنّه من ادّعي عليه بمال أو دم أو غير ذلك عمد أمينهم إلى عود فيه حرافة «٤» ومرارة ورقّة «٥» وصبّ عليه من الماء قدرا معلوما «٦» ، وسقاه المدّعى عليه، فإن رماه من جوفه علم أنّه بريء وهنّي بذلك، وإن لم يرمه وبقي في جوفه صحّت الدعوة عليه.

стр. 856

١٤٦٩ ومن الغرائب ببلاد السودان شجرة طويلة الساق دقيقة تسمّى تورزى تنبت في الرمال ولها ثمر كبير منتفخ داخله صوف أبيض تصنع منه الثياب والأكسية ولا تؤثّر النار فيما صنع من ذلك الصوف من الثياب لو أوقدت عليه الدهر (كلّه لم يحترق) «١» . وأخبر «٢» الفقيه عبد الملك أنّ أهل اللامس «٣» بلد هناك ليس لهم لبس إلّا من هذا الصنف. ومن هذا الجنس حجارة بوادي درعة تسمّى بالبربرية تامطغست «٤» تحكّ باليد فتلين إلى أن تأتي في قوام الكتّان فتصنع منها الأمرّة «٥» والقيود للدوابّ، فلا تؤثّر النار في شيء من ذلك. وقد صنع منها كساء لبعض ملوك زناتة بسجلماسة، وأخبرني الثقة أنّه شهد تاجرا قد جلب منه منديلا إلى فردلند صاحب الجلالقة وذكر أنّه منديل لبعض الحواريّين وأنّ النار لا تؤثّر فيه، وأراه ذلك عيانا فعظم موقعه من فردلند وبذل له فيه غناه، وبعث به فردلند إلى صاحب قسطنطينية ليوضع في كنيستهم العظمى، فعند ذلك بعث إليه صاحب قسطنطينية التاج وأمره بالتتويج. وقد حدّث جماعة أنّهم رأوا منه هداب منديل عند أبي فضل البغدادي تحمى عليه النار فيزداد بياضا ويكون له النار «٦» غسلا، وهو كثوب الكتان. ١٤٧٠ وإذا سرت من غانة تريد مطلع الشمس فإنّك تسير في طريق معمورة بالسودان إلى موضع يقال له أوغام يحرثون الذرّة وهو عيشهم، ثمّ تسير من هناك أربعة أيّام إلى موضع يقال له رأس الماء، وهناك تلقى النيل خارجا من

стр. 857

بلاد السودان، وعليه قبائل من «١» البربر مسلمون يسمّون مداسة، وبإزائهم من الشط الثاني مشركو السودان. ثمّ تسير من هناك ستّ مراحل على النيل إلى مدينة تيرقى، ويجتمع في سوق هذه المدينة أهل غانة وأهل تادمكّة. وتعظم السلاحف بتيرقى وتتّخذ في الأرض أسرابا «٢» يمشي فيها الإنسان ولا يطيقون استخراج واحدة منها إلّا بعد شدّ الحبال فيها واجتماع العدد الكثير عليها. وأخبرني الفقيه أبو محمّد عبد الملك بن نخاس الغرفة أن قوما عرسوا في طريق تيرقى، والأرضة هناك تأتي على ما تجده وتفسد ما وصلت إليه وتخرج من التراب أكواما كالروابي، ومن الغرائب «٣» أنّ ذلك التراب ثّر ند والماء هناك غير موجود على أبعد حفر. فلا توضع الأمتعة إلّا على الحجارة المجموعة أو الخشب الموضوعة. فارتاد كلّ واحد من القوم لمتاعه حرزا من الأرضة، وبدر أحدهم فيما ظنّ إلى صخرة كبيرة فأنزل عليها وقر بعيرين كانا معه. فلمّا هبّ «٤» من نومه سحرا لم يجد الصخرة ولا ما كان عليها، فارتاع ونادى بالويل والحرب «٥» . فاجتمعوا إليه يسألونه عن خطبه فأخبرهم فقالوا: لو طرقك لصوص لأخذوا المتاع وبقيت الصخرة. فنظروا فإذا أثر سلحفاة ذاهبة من الموضع، فاقتفوه أميالا حتّى أدركوها وحملا المتاع على ظهرها، وهي الّتي حسبها صخرة. ١٤٧١ ومن تيرقى يرجع النيل نحو الجنوب في بلاد السودان، فتسير عليه نحو «٦» ثلاث مراحل فتدخل بلاد سغمارة «٧» ، وهم قبيل من البربر في عمل تادمكّة، ويحاذيهم من الشطّ الثاني مدينة كوكو للسودان. وسيأتي ذكرها وما والاها إن شاء الله.

стр. 858

[الطريق من غانة إلى تادمكّة] ١٤٧٢ فأمّا الجادة من غانة إلى تادمكّة وبينهما مسيرة خمسين «١» يوما، فمن غانة إلى سفنقو ثلاث مراحل، وهي على النيل وهي آخر عمل غانة. (إلى تادمكرة، وبينهما مسيرة عشرين يوما) «٢» . ثمّ تصحب النيل إلى بوغرات فيه قبيل من صنهاجة يعرفون بمداسة. وأخبر الفقيه (أبو محمّد) «٣» عبد الملك أنّه رأى في بوغرات طائرا يشبه الخطاف يفهم من صوته كلّ سامع إفهاما لا يشوبه لبس: قتل الحسين قتل الحسين يكرّر مرارا، ثمّ يقول: بكربلا مرّة واحدة. قال عبد الملك: سمعته أنا ومن حضر من المسلمين معي. ومن بوغرات إلى تيرقى. ثمّ تسير منها في الصحراء إلى تادمكّة، وتادمكّة أشبه بلاد الدنيا بمكّة (شرفها الله وزادها تشريفا وتعظيما) «٤» . (ومعنى تاد عندهم هيئة إذ أنّها على هيئة مكّة) «٥» ، وهي مدينة كبيرة بين جبال وشعاب، وهي أحسن بناء من مدينة غانة ومدينة كوكو. وأهل تادمكّة بربر مسلمون وهم يتنقّبون كما «٦» يتنقّب بربر الصحراء، وعيشهم من اللحم واللبن ومن حبّ تنبته الأرض من غير اعتمال، ويجلب إليهم الذرّة وسائر الحبوب من بلاد السودان، ويلبسون الثياب المصبّغة (بالحمرة من القطن) «٧» والنولي وغير ذلك، وملكهم يلبس عمامة حمراء وقميصا أصفر وسراويل زرقاء. ودنانيرهم تسمّى الصلع لأنّها ذهب محض غير مختومة. ونساؤهم فائقات الجمال لا تعدل بهنّ أهل بلد حسنا، والزنا عندهم مباح، وهنّ يبادرن التجّار أيّتهنّ تحمله إلى منزلها.

стр. 859

[الطريق من تادمكّة إلى القيروان] ١٤٧٣ فإن أردت من تادمكّة إلى القيروان فإنّك تسير في الصحراء خمسين يوما إلى وارجلان «١» ، وهي سبعة حصون للبربر أكبرها يسمّى أغرم أن يكامن «٢» ، أي حصن العهود «٣» . ومنها إلى مدينة قسطيلية أربعة عشر يوما، (ومن قسطيلية إلى القيروان سبعة أيّام على ما تقدّم. وبين وارجلان وقلعة أبي طويل مسيرة ثلاثة عشر يوما) «٤» . [الطريق من تادمكّة إلى غدامس] ١٤٧٤ ومن تادمكّة إلى غدامس أربعون مرحلة في الصحراء، والماء فيها على مسيرة اليومين والثلاثة أحساء. وغدامس مدينة لطيفة «٥» كثيرة النخل والمياه وأهلها بربر مسلمون. وبغدامس دواميس كانت سجنا للكاهنة الّتي كانت بإفريقية. وأكثر طعام أهل غدامس التمر، والكمأة تعظم عندهم حتّى تتّخذ فيها الأرانب جحرة. وبين غدامس وجبل نفوسة سبعة أيّام في الصحراء، وبين نفوسة ومدينة «٦» أطرابلس ثلاثة أيّام على ما تقدّم.

стр. 860

١٤٧٥ وطريق آخر من تادمكّة إلى غدامس: تسير من تادمكّة ستّة أيّام في عمارة سغمارة، ثمّ في مجابة أربعة أيّام إلى الماء «١» ، ثمّ في مجابة ثانية «٢» أربعة أيّام، وفي هذه المجابة الثانية معدن لحجارة تسمّى تاسي النسمت، وهي حجارة تشبه العقيق وربّما كان في الحجر الواحد ألوان من الحمرة والصفرة والبياض وربّما وجد فيها في النادر الحجر الجليل الكبير، فإذا وصل به إلى أهل غانة غالوا فيه وبذلوا فيه الرغائب، وهو أجلّ عندهم من كلّ علق يقتنى، وهو يجلى ويثقّب بحجر آخر يسمّى تنتواس «٣» كما يجلى الياقوت ويثّقب بالسنباذج، لا يعمل فيه الحديد شيئا إلّا بالتنتواس ولا يوصل إليه ولا يعلم موضعه حتّى ينحر الإبل على معدنه وينضج دمه، فحينئذ يظهر ويلقّط. وفي بونو معدن للتاسي أنسمت أيضا، ومعدن هذه المجابة أفضل. ١٤٧٦ وتسير من هذه المجابة الثانية «٤» إلى مجابة ثالثة، وفي هذه المجابة معدن الشبّ ومنه يحمل إلى البلاد. وتسير من هذه المجابة إلى مجابة رابعة أحد عشر يوما في رمال جرد لا ماء فيها ولا نبت، يتزوّد الرفاق الماء والحطب فيها كما يتزوّد الطعام والعلف، وعلى يسار السائر في هذه المجابة جبل الرمل الأحمر الّذي يتّصل بسجلماسة، وهو الّذي يكون فيه الفنك والثعلب الدهي «٥» ، وهو آخر حدّ إفريقية.

стр. 861

١٤٧٧ وإذا سار السّائر من بلاد كوكو على شاطىء البحر غربا انتهى إلى مملكة يقال لها الدمدم «١» يأكلون من وقع إليهم، ولهم ملك كبير وملوك تحت يده، وفي بلدهم قلعة عظيمة عليها صنم في صورة امرأة يتألهون له ويحجّونه. ١٤٧٨ وبين تادمكّة ومدينة كوكو تسع مراحل، والعرب تسمّي أهلها البزركانيّين «٢» . وهي مدينتان مدينة للملك ومدينة للمسلمين، وملكهم يسمّى قندا. وزيّهم كزي السودان (من الملاحف وثياب الجلود وغير ذلك بقدر جدّة الإنسان منهم، وهم يعبدون الدكاكير كما يفعل السودان) «٣» . ويضرب لجلوس الملك الطبل وترقص النساء السودانيات بالشعور الجثلة «٤» . المسترسلة، ولا يتصرّف أحد منهم في مدينته حتّى يفرغ من طعامه ويقذف باقيه في النيل، فيجلبون عند ذلك ويصيحون فيعلم الناس أنّه قد فرغ من طعامه. وإذا ولي منهم ملك دفع إليه خاتم وسيف ومصحف يزعمون أنّ أمير المؤمنين بعث بذلك إليهم. وملكهم مسلم لا يملّكون غير المسلمين، ويزعمون أنّهم إنّما سمّوا كوكو لأنّ الّذي يفهم «٥» من نغمة طبلهم ذاك، وكذلك أزور وهيروزويلة يفهم من نغمة طبلهم زويلة زويلة. وتجارة أهل بلد كوكو بالملح وهو نقدهم، والملح يحمل من بلاد البربر يقال لها توتك من معادن تحت الأرض إلى تادمكّة، ومن تادمكّة إلى كوكو. (وبين توتك) «٦» وتادمكّة ستّ مراحل.

стр. 862

ذكر نبذ من سير البربر وسياساتهم سوى ما وقع منها مفترقا في موضعه من هذا الكتاب ١٤٧٩ ذكروا أنّ رجلا شيخا خرج مع امرأته وكانت شابّة يريد قلعة حماد، فصحبه في بعض الطريق (فتى شابّ) «١» كلف بتلك المرأة وكلفت به، فتواطيا على أن يدّعي كلّ واحد منهما زوجيّة الآخر ويسقطا الشيخ. فلمّا وصلا إلى القلعة شكا ذلك الشيخ إلى حماد ما دهمه من أمرهما ووصف له حاله معهما. فوقف حماد الشاب والمرأة فتقارا على نكاحهما وأنكرا ما يدّعيه الشيخ. فجعل حماد يباحث الشيخ هل صحبهم في طريقهم أحد أو هل له شبهة «٢» ، فقال: ما صحبنا في طريقنا أحد غير هذا الكلب، فأندلى لكلب كان معه. فأمر الشيخ بربط الكلب إلى تمرة أو وتد (كان هناك، ثمّ أمر المرأة بحلّه، فذهبت إليه فأرسلته) «٣» . ثمّ أمرها بربطه والكلب لا ينكر شيئا من ذلك. ثمّ قال للشابّ: قم فارسل الكلب ثمّ اربطه. فلمّا همّ بذلك نبحه الكلب وأنكره، فقال للمرأة: هذا زوجك الشيخ وهذا الفاسق يخلّفك «٤» عليه. وأمر بضرب عنق الفتى. ١٤٨٠ وذكر أنّ رجلا «٥» كان له امرأتان وكان كلفا بآخرتهما نكاحا. فقالت له الأولى: إنّ هذه الّتي تكلف بها تخونك وإنّها تفجر مع غلام لها. فاستعمل الركوب والسقوط عن الدابّة وسيق إلى منزل امرأته الأخيرة محمولا لا يقلّب

стр. 863

عضوا بزعمه، فاجتمع أهله ونساؤه إليه يمرّضونه ويلطّفونه إلى أن مضى هزيع من اللّيل «١» ، فعزم عليهم وصرفهم إلى منازلهم، وبقي مع امرأته واستعمل النوم والتثاقل حتّى كأنّه مغمى عليه. فرأى امرأته قد خرجت عنه إلى البيت الّذي كان فيه المتّهم بها، فجمع حسّه وصار عند باب البيت يستمع «٢» ، فسمعه يقول لها: أبطأت عليّ وتركتني بلا عشاء. فقالت «٣» : حبسني عنك شغلي بهذا الرجل، فلا تلمني فأنت للنفس وهو للولد. فصمت على ما سمع وتغافل عنه ورجع إلى مضجعه. فما كان إلّا ضحى الغد حتّى تنادى حي ذلك الموضع وأصباحاه. فثاروا إلى العدوّ ورأى هذا الساقط التحامل على نفسه والأنفة من تخلّفه، فلبس سلاحه وركب فرسه وحمل ذلك المتّهم فيمن حمل من أتباعه معهم السلاح. فلمّا برزوا إلى عدوّهم أمر ذلك المتّهم بالتقدّم بين يديه، فلم يجد الى الحيدة سبيلا. فلما خالط «٤» به العدو وكلل عنه مدبرا، فكان اول صريع ولم يعلم احد شيئا من أمرهما. ثمّ انصرف إلى منزله فحمدت امرأته الله على سلامته، فقال لها: لكنّ الّذي للنفس لم يسلم، فإنّي إنّما للولد. فعلمت أنّه قد سمع مقالتها فقالت: أرسلني إلى أهلي. فقال: اذهبي. فلمّا أبطأت عليه أتى أهلها فقال: ما بال امرأتي لا تعود إلى منزلها؟ فقالوا له: إنّا لا نقدر على صرفها. فقال: وأنا لا أقدر على فراقها. فلجّ بهم الأمر حتّى افتدت منه بجميع ما حمل إليها في صداقها وما تكلّف لها عند إملاكها، فلمّا قبض ذلك ووصل إليه قال لهم: أمّا إذ وصلت إلى حقّي فإنّ الشأن كيت وكيت، وأخبرهم بالقصّة. فقرّرها أهلها واستبانوا الريبة فيها فقتلوها. فبلغ بسياسته إلى التشفّي منها بغير يده وتخلّص من عشيرته «٥» وعشيرة امرأته واسترجع جميع حقّه.

стр. 864

١٤٨١ وشبيه بهذا عن بعض كبرائهم أيضا أنّه اتّهم امرأته وأخبر أنّه إذا غاب خالفه رجل من أهل ناحيته إلى امرأته. فاستعمل سفرا بعيدا وذكر ذلك لقبيله، فتجهّز معه نفرا لذلك «١» . فلمّا صاروا وانتهوا إلى أدنى مرحلة اعتذر لهم بعذر يضطرّه إلى الانصراف (وعزم عليهم في النفوذ لطيّتهم) «٢» فكرّ راجعا حتّى أتى بعض الشعاب مساء، فأخفى فيه فرسه وسلاحه وأتى أهله متستّرا متجسّسا «٣» ، فتسلّق جدارا أو مكانا يطلع منه على منزله آمنا أن يعلم به منه. فرأى امرأته على ما يكره مع ذلك الرجل المتّهم. فولّى راجعا إلى الشعب ولبس سلاحه وركب فرسه وأتى المنزل. فلمّا علم به أهله ارتاعوا وأخفوا ذلك الفاجر في بيت من الدار. ودخل ربّ المنزل غير مكترث واعتذر في رجوعه بعذر قبلته امرأته وجعلت «٤» تحاول له طعاما. فلمّا كمل قربته إليه، فقال: احضري ضيفك. قالت: وهل لي من ضيف؟ قال: نعم هو ذاك في البيت الكذا. فناكرته فقام إليه واستخرجه وقال: هلمّ إلى طعامنا. فقال له: ما لي إلى الأكل من حاجة وإنّي إلى الموت أحوج لما نالني من هذه الفضيحة. قال: لا بأس عليك فقد افتتن من هو خير منك، ولم يزل به حتّى طعم. ١٤٨٢ ثمّ أرسله عن منزله مستترا مسلّما لم يربه بريب. ثمّ أقبل على امرأته فقال: لا تعيي ممّا جرى لك فإنّ النساء قد يزللن ويملن بهواهنّ، والمعصوم من الناس قليل، وعندي من الستر لأمرك والطي لخبرك ما يسرّك، وقد علمت أنّه لم يحملك على ما صنعت إلّا هوى غلب عليك غيّه، وأنا تارك بينك وبين هذا الّذي أحببته تنكحينه وتتشفّين منه جهارا من غير ريبة، على أن تشترطي

стр. 865

لي شرطا وتعقد لي على نفسك عقدا تلتزمينه. فأجابته إلى ذلك وقالت: ما شرطك؟ قال: إنّك إذا أكملت عنده عاما أن ترسلي إليّ فأمرّ بك وهو حاضر، فتخرجين إليّ متزيّنة في ثياب تشفّ «١» وتتكلّمين معي في أمره وتتشكّين سوء عشرته فستحمله الغيرة على طلاقك، فأعود إلى حالي معك بعد أن تقضي حاجة نفسك وترتفع عنّي الريب في أمرك باختيارك لي على هذا الّذي قد مال بك. وقد علم سوء خلق صاحبه وتهافته إلى الشرّ وقلّة ملكه لنفسه «٢» . فعاقدته على ذلك. ١٤٨٣ ثمّ أرسل إلى أبيها وأهل بيتها فصنع لهم طعاما فأطعمهم، ثمّ قال لهم: سلوا ولّيتكم كيف كانت «٣» صحبتي لها ومعاشرتي إيّاها. فسألوها فأثنت خيرا ووصفت مجاملة وبرّا. فقال: اسألوها ما بالها أتريد المقام عندي. فسألوها فقالت: إنّي أكرهه وأبغض قربه وأحبّ بعده ولا أجد من نفسي معينا على غير ذلك، وقد جاهدتها على الاستمرار «٤» في صحبته، فعزفت بي عن ذلك عزوفا لا رجعة معه، فلا تتركوني معه فإنّ ذلك يقتادني إلى الحمام ويفضي بي إلى أنواع السقام، وقد تبرّأت إليه من جميع حقّه. والزوج في ذلك كلّه يظهر الرغبة فيها والاشفاق من مفارقتها. فما انفض «٥» جمعهم حتّى ملكت أمرها ورجعوا «٦» على زوجها ما صيّر إليها من حقّها وشكروه على برّه بها وولوها الملامة في جميع أمرها. فلمّا حلّت «٧» للأزواج كان الغادر «٨» بها أوّل خاطب لها، فتزوّجته ومكثت معه حولا وهي تستبطي مرور الحول لما خبرته من فضل الأوّل على هذا. فلمّا انقضى بعثت إلى الأوّل على ما عاقدته معه، فخرج مارّا على منزلها فتلقّته في قميص يصفها «٩» وينمّ بجسمها تشكو زوجها وهو قاعد مع جماعتها «١٠» . فلمّا رأى ذلك لم يتمالك

стр. 866

غيرة أن قام إليها وطعنها طعنة كانت فيها نفسها. فعمد إليه أهلها وإخوتها فقتلوه. واختلف الفريقان وزحف بعضهم إلى بعض، فكادت الحرب تفنيهم. وتمّ للزوج الأوّل المراد فيهما ولم يرزأ في نفسه ولا في ماله بمقدار قلامة. ١٤٨٤ وحدّثوا أنّ حمادا قال: ما تداهى أحد قطّ عليّ ولا خدعني إلّا امرأة وكعاء من البربر «١» . قيل له: وكيف كان ذلك؟ قال: نعم إنّ صاحبا كان لي بالقيروان نشأ معي نشأة واحدة لم يفرق بيننا مكتب ولا مشهد «٢» ، وكنت قد خلطته بنفسي وجعلته محلّ أنسي. فلم يزل على ذلك حتّى صرت إلى ما أنا فيه ففقدته فجعلت أفتقده فلا أقدر عليه ولا أجد سببا للوصول إليه. فلمّا أن عتبت على أهل باغاية وشننت عليها الغارات لم أنشب «٣» صبيحة ذلك اليوم أن سمعت مناديا ينادي: يا لله يا للأمير «٤» . فقلت: ما بالك ومن أنت؟ فقال: أنا فلان بن فلان. فإذا به صاحبي المطلوب قد حبسه عنّي نسكه وغلب على هواه ورع يملكه. فأظهرت البشر بمكانه والجذل «٥» بشأنه، ولو شفع في جميع أهل باغاية لشفعته. فجعلت ألطّفه وأؤنّسه وهو كالولهان، فسألته عن أمره فقال إنّه فقد بنته فيمن فقد من النساء. فقلت له: والله لو خرجت إليّ بالأمس لحقنت دماء أهل بلدك «٦» لحرمتك عندي. فقال: القدر غالب والمحروم خائب.

стр. 867

١٤٨٥ قال حماد: ثمّ أمرت القواد فأحضروا جميع ما كان في جيوشهم من النساء فعرف فيهنّ بنته. قال: فأمرت بسترها وحملها مع أبيها، فرفعت صوتها قائلة: لا والله يا حماد، لا رجعت مع أبي ولا رجعت مع الّذي غصبني. قلت: وما تريدين ويلك؟ قالت: إنّي لا أصلح إلّا للملوك فلا حاجة لي في السّوقة. فلمّا سمع ذلك أبوها سكن ما كان في نفسه وظنّ أنّها قد فتنت وفسدت عليه. قال حمّاد: فقلت لها: ومن أين لا تصلح إلّا للملوك؟ قالت: لأنّ عندي علما لا أشارك فيه ولا يدّعيه غيري. قلت: ألا أريتنا شيئا من ذلك؟ فقالت: نعم، تأمر بقتل إنسان «١» تحضر أمضى سيف أتكلّم عليه بكلمات تمنع من تأثيره «٢» ويعود بيد حامله أكلّ من قائمه. قال حمّاد: فقلت: الّذي يجرّب هذا فيه لمغرور. قالت: أو يتّهم أحد أن يريد قتل نفسه؟ قلت «٣» لا. قالت: فإنّي أريد أن يجرّب ذلك فيّ. فتكلّمت على سيف اختاروه ومدّت عنقها، فضربها السيّاف ضربة أبان رأسها. فاستيقظت من غفلتي وعلمت أنّها تداهت عليّ وكرهت العيش بعد الّذي جرى لها وعليها «٤» . واستبان لأبيها من ذلك مثل الّذي بان لي، فجعل يلقي بنفسه عليها ويتمرّغ في دمها أسفا لما حلّ به منها واغتباطا بها لما رأى من عظم أنفتها واختيارها الموت على ما نزل بها. ١٤٨٦ وبنو وارسيفان «٥» قبيل من البربر إذا أرادوا مباشرة «٦» الحرب تقرّبوا بذبح بقرة سوداء للشماريخ- وهم عندهم الشياطين- ويقولون: هذا ذبح للشماريخ، ويفتحون أوعيتهم في تلك الليلة من الطعام والعلف فلا «٧» يكون له «٨» وكاء ولا سداد، ويقولون: هذا طعام وعلف للشماريخ. فإذا غدوا

стр. 868

للقتال توقّفوا «١» حتّى يروا زوابع الريح فيقولون: قد جاءت الشماريخ أولياؤكم لتفديكم «٢» ، فيحملون عند ذلك فينتصرون بزعمهم. ويقولون إنّ ذلك لا يخطيهم وجماعتهم يعتقد ذلك غير مستترين به. وهم إذا أضافوا الضيف جعلوا من طعامه للشماريخ ويزعمون أنّه يأكلونه «٣» الّذي يوضع لهم. وينهون عن ذكر اسم الله عند شيء من ذلك «٤» . ذكر بلاد الأندلس وخواصّها والمشهور من مدنها «٥» ١٤٨٧ ذكر أنّ اسمها في القديم إبارية «٦» من وادي أبره «٧» ، ثمّ سمّيت بعد ذلك باطقة «٨» من وادي بيطى «٩» ، وهو نهر قرطبة، ثمّ سمّيت إشبانية من أجل «١٠» رجل ملكها في القديم كان اسمه إشبان. وقيل إنّما «١١» سميّت بالاشبان لأنّ الأشبان سكنوها «١٢» في أوّل الزمان على جرية النهر وما والاه «١٣» . وقال قوم إنّ اسمها على الحقيقة إشبارية مسمّاة من بشيرى، وهو الكوكب «١٤» المعروف بالأحمر. وسمّيت بعد ذلك بالأندلس من أسماء الأندليش «١٥» الّذين سكنوها على ما يأتي ذكره.

стр. 869

١٤٨٨ وحدّث الأوائل عن الأندلس بعبارات مختلفة، وحدّها قسطنطين حدودا ستّة جعل الجزء الأوّل من حدودها من مدينة نربونة «١» ، وهو حدّ ما بين غاليش «٢» وبين الأندلس، وأضاف إليها سبع مدن بما حواليها وهي بطرّش وطليوشة ومقلونة «٣» ونومشو وقرقشونة. وفي قرقشونة هذه الكنيسة العظمى عندهم تسمّى شنت مرية غراثية «٤» فيها سبع سوار «٥» من فضّة ولها يوم عيد يرده العجم من الآفاق. وبينها وبين برشلونة «٦» مسيرة «٧» خمسة وعشرين يوما. ١٤٨٩ وجعل الجزء الثاني من مدينة براقرة «٨» وهو حوز جليقية وشلطيانة «٩» وهو بلد ابن غومس، وجعل لها اثنتي عشرة مدينة (بما حواليها، منها مدينة) «١٠» برطقال ومدينة توذي ومدينة أورية ومدينة لكّه ومدينة برطانية ومدينة أشتيرقية «١١» ومدينة شنتا ياقو «١٢» ، وفيها كنيسة الذهب ولها يوم يرد «١٣» فيه من إفرنجة ومن رومة ومن جميع نواحيهم كلّها، ومدينة إيرية «١٤» ومدينة بطقة «١٥» ومدينة شارة.

стр. 870

١٤٩٠ وجعل الجزء الثالث من مدينة طركونة وأضاف إليها مدينة سرقسطة «١» وأشقة ولاردة «٢» وطرطوشة وتطيلة وأعمال بلد ابن شانجو كلّها وبلد بليارش وبرشلونة وجرندة «٣» ومدينة أنبوريش «٤» ومدينة بنبلونة ومدينة أوقة ومدينة قلهرّة ومدينة طرسونة ومدينة أماية. ١٤٩١ وجعل الجزء الرابع عشرين مدينة قاعدتها مدينة طليطلة وأضاف إليها مدينة أوريط ومدينة شقوبية ومدينة أركبيقة «٥» ومدينة وادي الحجارة «٦» ومدينة شقونسة ومدينة أكشومة «٧» ومدينة بلنسية ومدينة بلازية ومدينة أوريولة ومدينة آلش «٨» ومدينة شاطبة ومدينة دانية ومدينة بياسة ومدينة قسطلونة (ومدينة منتيشة ومدينة وادي آش) «٩» ومدينة بسطة ومدينة أرش وهي بجّانة. ١٤٩٢ وجعل الجزء الخامس قاعدته مدينة ماردة «١٠» وأضاف إليها اثنتي عشرة مدينة وهي باجة ومدينة أكشونبة (ومدينة صيوتلة) «١١» ومدينة يابرة وشنترة وشنترين والأشبونة وقلنبرية وقورية وشلمنقة «١٢» وصمورة وهي محدثة برّا إلى شنت ياقوب «١٣» .

стр. 871

١٤٩٣ وجعل الجزء السادس قاعدته مدينة إشبيلية وأضاف إليها لبلة وقرطبة وقرمونة ومورون ومدينة مرشانة والجزيرة وتاكرنا وريه وأشبونة واستجة «١» وقبرة وأعمالها إلى بجّانة وإلبيرة وجيان ومنتيشة «٢» (وبيرة وأرجونة) «٣» وملكونة وأبدة وبياسة. ١٤٩٤ وبلد الأندلس مثلّث الشكل، فالركن الواحد منها الموضع الّذي فيه صنم قادس بين المغرب والقبلة بإزاء جبل إفريقية المسمّى أدلانية «٤» ، ومنه يخرج إلى «٥» البحر المتوسّط الخارج إلى الشام الآخذ بقبلي الأندلس. والركن الثاني هو بشرقي الأندلس بين مدينة نربونة «٦» ومدينة برذيل بإزاء «٧» جزيرتي ميورقة ومنورقة بمجاورة البحرين البحر المحيط والبحر الشامي المتوسّط، وبينهما المدخل الّذي يعرف بالأبواب، وهو المدخل إلى الأندلس من الأرض الكبيرة على بلد إفرنجة، ومسافته بين البحرين مسيرة يومين، ويقابل مدينة برذيل مدينة نربونة على البحر المحيط. والركن الثالث حيث ينعطف البحر من الجوف إلى الغرب حيث المنارة في الجبل الموفي على البحر، فيه الصنم العالي المشبه بصنم قادس، وهو البلد الطالع على بلد برطانية «٨» . وقال أوروشيوش «٩» : يسمّى البلد الّذي فيه الصنم برغشية، وحيث هذا الصنم ينقطع حوز جليقية.

стр. 872

١٤٩٥ فمن جوفي الأندلس وغربيه البحر المحيط، وفي قبليه البحر الشامي وهو البحر المعروف ببحر تيران، ومعناه الّذي يشقّ دائرة الأرض. وفي شرقيه منحرفا إلى الجوف يسيرا بلد البشكنش آخذا مع نهر أبره إلى بلد شنت مرية. وذكر بطليموس «١» أنّ قلوباطرة «٢» فتحت في الجبل الحاجز بين الأندلس وإفرنجة طريقا بالحديد والنار والخلّ، وكان فعلها ذلك من العجائب. ذكر فضل الأندلس وغريب أخبارها . ١٤٩٦ والأندلس شامية في طيبها وهوائها، يمانية في اعتدالها واستوائها، هندية في عطرها وذكائها، أهوازية في عظيم جبايتها «٣» ، صينية في جواهر معادنها، عدنية في منافع سواحلها. فيها آثار عظيمة (للأوّل من اليونانيّين) «٤» أهل الحكمة وحاملي الفلسفة. وكان من ملوكهم (الّذين أثروا) «٥» الآثار بالأندلس هرقلش، وله الأثر في الصنم بجزيرة قادس وصنم جليقية والآخر «٦» في مدينة «٧» طركونة الّذي لا نظير له.

стр. 873

[ذكر جبال الأندلس ١٤٩٧ ومن الجبال المشهورة بالعظم في بلد الأندلس، منها جبل إلبيرة وهو جبل الثلج، وهو متّصل بالبحر «١» المتوسّط منتظم بجبل ريه ولاصق بالجزيرة مع البحر. ويذكر ساكنوه أنّهم لا يزالون يرون الثلج نازلا «٢» فيه شتاء وصيفا. وهذا الجبل يرى من أكثر بلاد الأندلس ويرى من عدوة البحر ببلاد البربر. وفي هذا الجبل أصناف الفواكه العجيبة، وفي قراه المتّصلة به يكون أفضل الحرير والكتّان «٣» الّذي يفضّل على كتّان الفيوم. ١٤٩٨ ومنها جبل ألبرت، وهو الحاجز بين بلاد الإسلام وبلد غاليش ومبتدأه من البحر القبلي (المتوسّط المجاور) «٤» طرطوشة ومنتهاه إلى البحر الغربي بين الأشبونة وجليقية. ومنها الجبل الحاجز بين بلاد إفرنجة وبلاد الصقالبة.

стр. 874

ذكر ما خصّت به الأندلس من الأشجار والمعادن والأحجار ١٤٩٩ يوجد «١» في ناحية دلاية من إقليم البشرة عود النضوح لا يقارنه العود الهندي ذكاء وعطرا، وقد سيق منه إلى خيران الصقلبي «٢» صاحب ألمرية أصل كان منبته بين أحجار هناك. وبأكشنبة جبل يعرف بجبل الجنّة كثيرا ما يتضوّع منه ريح العود الذكي إذا أرسلت فيه النار. وببحر شحذونة يوجد أطيب العنبر العربي الوردي، وفي جبل المنتلون المحلب «٣» الّذي لا يعدل به. قال أحمد بن محمّد بن موسى الرازي: وهو المقدم في الأفاوه المفضّل في أنواع الاشنان لا ينبت بشيء من الأرض إلّا بالهند وبالأندلس. ١٥٠٠ وفي جبل بإلبيرة السنبل الفائق الطيب، وبنواحي المنتلون يكون البرباريس العجيب. وبجبل أندة يوجد القسط الطيّب المرّ المذاق، ويوجد أيضا بالجبل المنسوب إليه جبل القسط، وهو بين حصن «٤» قاشتروا ومارتش. والجنطيانا يجلب «٥» من الأندلس إلى جميع الآفاق، وهو عقير رفيع يوجد بلبلة. ١٥٠١ وبجزيرة سطين الزبد النفيس المصمّغ الطرفين، ويوجد بجبال قلعة أيوب المرّ الطيّب، وأطيب كهرباء الأرض بشذونة درهم منها يعدل دراهم من

стр. 875

المجلوبة. وأطيب القرمز قرمز الأندلس وأكثر ما يكون بنواحي إشبيلية ولبلة وشذونة وبلنسية، ومن الأندلس يحمل إلى الآفاق. وبناحية لورقة «١» من ناحية تدمير يكون حجر الأزورد الجيّد، وقد يوجد في غيرها. وعلى مقربة من حصن منتون من عمل قرطبة معدن البلّور بجبل شجيران، وهو بشرقي قبرة. وحجر البجادي موجود بناحية مدينة الأشبونة، في جبل هناك يتلألأ فيه ليلا كالسرج. والياقوت الأحمر يوجد في ناحية حصن منت ميور من عمالة مالقة، إلّا أنّه دقيق جدّا لا يصلح للاستعمال لصغره. وحجر يشبه الياقوت الأحمر في ناحية مدينة بجّانة في خندق بقرب قرية ناشر يوجد أشكالا مختلفة كأنّه مصنوع حسن اللون صبورا على النار. ١٥٠٢ وحجر المغنطيس الجاذب للحديد يوجد بموضع يعرف بالصنهاجيّين من كورة تدمير. وحجر الشادنة بجبل قرطبة كثير، وهو يرقي الدم ويستعمل في ذلك التذاهيب. والحجر اليهودي «٢» في ناحية حصن البونت، وهو أنفع شيء للحصى. وحجر المرقشيتا الذهبية في جبال أنطاندة الّتي لا نظير لها في الدنيا ومن الأندلس يحمل إلى جميع الآفاق لفضلها. والمغنيسيا بالأندلس كثير، وكذلك حجر الطلق، ويوجد اللؤلؤ بناحية مدينة برشلونة، إلّا أنّه جامد اللون. والمرجان يخرج من بحر الأندلس، وقد خرج منه في ساحل بحر إلبيرة «٣» من عمل المرية ما لقط منه في أقلّ من شهر نحو ثمانين قنطارا. ومعدن الذهب بنهر لادرة يجمع بها منه كثير، ويجمع أيضا في ساحل الأشبونة.

стр. 876

١٥٠٣ ومعادن الفضّة بالأندلس كثيرة في كورة تدمير وجبال حمّة بجّانة، وبإقليم كرتيش من عمل قرطبة معدن فضّة جليل. وبأكشونبة «١» معدن القصدير لا نظير له يشبه الفضّة، وله معادن بناحية إفرنجة وليون «٢» . ومعدن الزئبق في جبل البرانس ومن هناك يتجهّز به إلى الآفاق. ومعدن الكبريت الأحمر بالأندلس ومعادن الأصفر كثيرة. ومعادن التوتيا الطيّبة بساحل إلبيرة بقرية تسمّى بطرنة، وهي أزكى توتيا وأقوى في صنع النحاس، وبجبال قرطبة توتيا وليست كالبطرنية. ومعدن الكحل المشبه بالاصبهاني بناحية مدينة طرطوشة يحمل منها إلى جميع البلاد. ومعادن الشبوب والحديد والنحاس والرصاص بالأندلس أكثر من أن تحصى. ١٥٠٤ والأندلس دار جهاد وموطن رباط قد أحاط بشرقها وشمالها وبعض غربها أصناف أهل الكفر. وروي عن عثمان بن عفان رضه أنّه كتب إلى من انتدب إلى غزو الأندلس: أمّا بعد فإنّ القسطنطينية إنّما تفتح من قبل الأندلس وإنّكم إن استفتحتموها كنتم شركاء من يفتحها في الأجر والسلام. وروي عن كعب الأحبار أنّه قال: يعبر البحر إلى الأندلس أقوام يفتحونها يعرفون بنورهم يوم القيامة. ١٥٠٥ ودخل الأندلس رجل واحد من أصحاب النبي ﷺ ، وقال عبد الملك بن حبيب: اسمه المنيذر الإفريقي. ويروى عن النبي ﷺ أنّه قال: من قال

стр. 877

رضيت بالله ربّا إلى آخرها فأنا الزعيم له لآخذنّ بيده فأدخله الجنّة. ودخلها من التابعين حنش بن عبد الله بن عمرو بن حنظلة بن نهر بن قنان بن ثعلبة بن ثامر النسائي يكنّى أبا راشد، وهو صنعاني من صنعاء الشام ويعدّ في المقرّبين، ويقال حنشن بن علي، والصواب بن عبد الله، وهو الّذي أسّس المسجد الجامع بسرقسطة، وكان مع علي بالرّقة. فلمّا قتل انتقل إلى مصر، وموضع محرابه وقبره بسرقسطة معلوم. ومنهم علي بن ربّاح «١» اللخمي البصري ويكنّى أبا موسى، لقي أبا هريرة وعمرو بن العاص وعلقمة بن عامر وروى عنهم، وقبره أيضا بمدينة سرقسطة معلوم. ومنهم حيوة بن رجاء التميمي وأبو عبد الرحمان بن عبد الله بن يزيد الجبلي «٢» الأنصاري وعياض بن عقبة الفهري وموسى بن نصير بن عبد الرحمان بن يزيد يقال بكري ويقال لخمي. ويقال إنّ نصيرا وحمدان مولى عثمان من سبي عين التمر وإنّ نصيرا أعتقه صبيح مولى أبي العاص بن أميّة. ومن كتب الخزانة غير المترجم أنّ نصيرا أصابه خالد بن الوليد في علوج عين التمر وادّعوا أنّهم رهن وأنّهم من بكر بن وائل، فصار نصير وصيفا لعبد العزيز بن مروان فأعتقه، فمن أجل هذا يختلف فيه. ١٥٠٦ وعقد الوليد لموسى على إفريقيّة سنة ثلاث وثمانين، وكان مولد موسى سنة تسع عشرة في خلافة عمر بن الخطّاب رضه. وكان معاوية قد جعل نصيرا أبا موسى على حرسه «٣» ، فلم يقاتل معه عليّا رضه. فقال له معاوية: ما منعك في الخروج معي على علي ولم تكاف يدا لي عليك؟ فقال له: لم يمكنّي أن أشكرك بكفر من هو أولى بشكري منك. قال: ومن هو؟ قال: الله تعالى.

стр. 878

١٥٠٧ ومسافة ما يملك المسلمون من الأندلس- وذلك من أكشونبة «١» إلى مدينة أشقة- فذلك ثلاثمائة فرسخ طولا، ومن قرطاجنة الحلفاء إلى الفهمين ثلاثون فرسخا عرضا. ذكر مدينة قرطبة ١٥٠٨ ذكر أنّ تفسير قرطبة بلسان القوط قرظبة بالظاء المعجمة، ومعناه بلسانهم القلوب المختلفة، وقيل: معنى «٢» قرطبة آخر «فاسكنها» . ودور «٣» مدينة قرطبة في كمالها ثلاثون ألف ذراع، [ولها من الأبواب باب القنطرة وهو بقبليّها ومنه يعبر النهر على القنطرة، والباب الجديد وهو بشرقيّها، وباب عامر وهو بين الغرب والجوف منها، وغيرها. وقصر مدينة قرطبة بغربيّها متّصل بسورها القبلي والغربي. وجامعها بإزاء القصر من جهة الشرق، وقد وصل بينهما بساباط يسلك الناس تحته من المحجة العظمى الّتي بين الجامع والقصر إلى باب القنطرة] «٤» . وكان طول مسقف البلاطات من المسجد الجامع وذلك من القبلة إلى الجوف قبل الزيادة مائتين وخمسا وعشرين ذراعا، والعرض من الشرق إلى الغرب قبل الزيادة مائة ذراع وثلاثين ذراعا. (ثمّ زاد الحكم في طوله في القبلة مائة ذراع وخمس أذرع) «٥» . فكمل الطول [ثلاثمائة ذراع وثلاثين ذراعا] «٦» . وزاد محمّد بن أبي عامر بأمر هشام بن الحكم في (عرضه من) «٧» جهة الشرق ثمانين ذراعا. فتمّ العرض مائتين (وثلاثين ذراعا) «٨»

стр. 879

١٥٠٩ وكان عدد بلاطاته أحد عشر بلاطا عرض أوسطها ستّ عشرة ذراعا، [وعرض كلّ واحد من اللّذين يليانه شرقا واللّذين يليانه غربا أربع عشرة ذراعا] «١» وعرض كلّ واحد من الستّة الباقية إحدى عشرة ذراعا. وزاد ابن أبي عامر فيه ثمانية بلاطات عرض كلّ واحد عشرة أذرع. وطول الصحن من المشرق إلى المغرب مائة وثمان وعشرون ذراعا، وعرضه من القبلة إلى الجوف مائة وخمس أذرع، وعرض السقائف المستديرة بصحنه عشر أذرع فتكسيره ثلاثة وثلاثون ألف ذراع ومائة وخمسون ذراعا. ١٥١٠ وعدد أبوابه تسعة منها ثلاثة في صحنه غربا وشرقا وجوفا وأربعة في بلاطاته اثنان غربيان واثنان شرقيان، وفي مقاصير النساء من السقائف بابان. وجميع ما فيه من الأعمدة ألف عمود ومائتا «٢» عمود وثلاثة وتسعون عمودا أساطين «٣» رخام كلّها. وقباب «٤» مقصورة الجامع مذهّبة وكذلك جدار المحراب وما يليه قد أجرى فيه الذهب على الفسيفساء، وثريات المقصورة فضّة محضة. وارتفاع الصومعة اليوم- وهي من بناء عبد الرحمان بن محمّد- ثلاث وسبعون ذراعا إلى أعلى القبّة المفتّحة الّتي يستدير فيها المؤذّنون. وفي رأس هذه القبّة تفّاح ذهب وفضّة وارتفاعها إلى مكان الآذان أربع وخمسون ذراعا، وطول كلّ حائط من حيطانها على الأرض ثماني عشرة ذراعا. وعدد المساجد «٥» بقرطبة على ما أحصي وضبط أربعمائة وواحد وتسعون مسجدا.

стр. 880

١٥١١ وبقرطبة أقاليم كثيرة وكور جليلة، وكانت جباية هذه الأقاليم في أيّام الحكم بن هشام «١» من ناضّ الحشر وناضّ الطبل وناضّ البيزرة للعام مائة ألف دينار وعشرين ألف دينار، ومن وضيفة القمح مديا أربعة آلاف مدي وستّمائة مدّي وسبعة وأربعين مدّيا، ومن الشعير سبعة وأربعين ألف مدّي. ١٥١٢ قال المؤلّف: عقب الفتنة الّتي كانت على رأس أربعمائة من الهجرة واستمرّت إلى وقتنا هذا- وهو سنة ستّين وأربعمائة- عفت آثار هذه القرى وغيّرت رسوم ذلك العمران، فصار أكثرها خلاء بندب «٢» ساكنيه. وكذلك حكم الله في كلّ جديد أن يبليه وفي كلّ أهل أن يخليه حتّى يرث الله الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين. ذكر مدينة إشبيلية ١٥١٣ وهي قديمة أوّلية، زعم أهل العلم باللسان اللطيني «٣» أنّ أصل تسميتها إشبال «٤» معناه المدينة المنبسطة، ويقال إنّ الّذي بناها يوليش قيصر وإنّه أوّل من تسمّى قيصر. وكان سبب بنائه إيّاها أنّه لمّا دخل الأندلس ووصل إلى مكانها أعجب بكرم ساحته وطيب أرضه وجبله المعروف بجبل «٥»
следующие страницы →