Полный текст (476 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
٢ - دَلِيلٌ نَظَرِيٌّ: أَنَّهُ يُقَالُ لِهَذَا الرَّجُلِ العَاصِي: مَا الَّذِي أَعْلَمَكَ أَنَّ اللهَ كَتَبَكَ مُسِيئًا؟ هَلْ تَعْلَمُ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ تَعْمَلَ الإِسَاءَةَ؟! فَجَوَابُهُ حَتْمًا هُوَ النَّفْيُ؛ فَلَمْ يَبْقَ إِلَّا أَنْ يَقُولَ إِنَّهُ هُوَ نَفْسَهُ اخْتَارَ ذَلِكَ.
وَتَأَمَّلْ قَولَهُ تَعَالَى عَنِ المُشْرِكِينَ: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَاسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ * قُلْ فَلِلَّهِ الحُجَّةُ البَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الأَنْعَام: ١٤٨، ١٤٩] حَيثُ جَعَلَ تَعَالَى عَدَمَ عِلْمِهِم بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ حُجَّةً بِالِغَةً عَلَيهِم.
وَقَالَ تَعَالَى أَيضًا عَنْهُم: ﴿وَقَالُوا لَو شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾ [الزُّخْرُف: ٢٠] (١). стр. 72
- المَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: كَيفَ الجَمْعُ بَينَ حَدِيثِ «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ وَأَنْ يُنْسَأَ لَهُ فِي أثَرِهِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ» (١) مَعَ الأَحَادِيثِ الكَثِيرَةِ الصَّرِيحَةِ الَّتِي فِيهَا كِتَابَةُ أَجَلِ الإِنْسَانِ عَلَيهِ، وَمِنْهَا حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ المَرْفُوعُ فِي الصَّحِيحَينِ الَّذِي فِيهِ «إنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَومًا، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يُرْسَلُ إلَيهِ المَلَكُ فَيَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ، وَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ: بِكَتْبِ رِزْقِهِ، وَأَجَلِهِ، وَعَمَلِهِ، وَشَقِيٍّ أَمْ سَعِيدٍ» (٢)؛ وَذَلِكَ فِي كَونِ الأَجَلِ مَكْتُوبًا، وَفِي الحَدِيثِ الأَوَّلِ بَيَّنَ أَنَّهُ قَابِلٌ لِلزِّيَادَةِ (٣)! وَكَقَولِهِ تَعَالَى: ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلَا يَسْتَاخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [يُونُس: ٤٩]؟
الجَوَابُ مِنْ أَوجُهٍ:
١ - أَنَّ هَذَا أَمْرٌ غَيبِيٌّ لَا يُعْلَمُ إِلَّا مِنْ جِهَةِ الشَّرِيعَةِ، فَيَجِبُ إِثْبَاتُ كِلَا الأَمْرَينِ، فَنَقُولُ: العُمْرُ مَكْتُوبٌ؛ وَهُوَ قَابِلٌ لِلزِّيَادَةِ بِسَبَبِ هَذِهِ الأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ.
٢ - أَنَّ الشَّرِيعَةَ قَدْ دَلَّتْ أَصْلًا عَلَى إِمْكَانِيَّةِ حُصُولِ هَذِهِ الزِّيَادَةِ أَوِ النُّقْصَانِ فِي الأَعْمَارِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ﴾ [فَاطِر: ١١] (٤). стр. 73
٣ - أَنَّ هَذِهِ الكِتَابَةَ لَا تُنَافِي وُجُودَ الزِّيَادَةِ أَصْلًا فِي الأَعْمَارِ تَبَعًا لِهَذَهِ الأَسْبَابِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ هَذِهِ الكِتَابَةَ مَقْطُوعٌ بِهَا بِاعْتِبَارِ الخَاتِمَةِ وَالنِّهَايَةِ؛ فَلَا يَمْنَعُ أَصْلًا أَنْ تَكُونَ مُعْتَبَرَةً ضِمْنَ هَذِهِ الكِتَابَةِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ﴾ [فَاطِر: ١١] (١). стр. 74
وَأَيضًا قَولُهُ تَعَالَى: ﴿يَمْحُو اللهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الكِتَابِ﴾
[الرَّعْد: ٣٩] (١) (٢)
٤ - أَنَّ التَّبْدِيلَ هُوَ حَاصِلٌ بِدِلَالَةِ صَرِيحِ الحَدِيثِ لَكِنَّهُ يَكُونُ فِي صُحُفِ المَلَائِكَةِ؛ بِخِلَافِ مَا هُوَ فِي عِلْمِ اللهِ تَعَالَى أَو فِي اللَّوحِ المَحْفُوظِ فَهُوَ لَا يَتَغَيَّرُ (٣). стр. 75
كَمَا ثَبَتَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ ﵁ قَالَ -وَهُوَ يَطُوفُ بِالبَيتِ وَيَبْكِي-: "اللَّهُمَّ! إِنْ كُنْتَ كَتَبْتَ عَلَيَّ شِقْوَةً أَو ذَنْبًا؛ فَامْحُهُ؛ فَإِنَّكَ تَمْحُو مَا تَشَاءُ وَتُثْبِتُ وَعِنْدَكَ أُمُّ الكِتَابِ؛ فَاجْعَلْهُ سَعَادَةً وَمَغْفِرَةً" (١). стр. 76
قُلْتُ: وَهُنَاكَ وَجْهٌ خَامِسٌ أَورَدَهُ بَعْضُهُم، وَهُوَ أَنَّ الزِّيَادَةَ فِي العُمُرِ هِيَ بِمَعْنَى البَرَكَةِ! وَهَذَا الوَجْهُ بَعِيدٌ عَنِ الصِّحَّةِ، وَالرَّاجِحُ مَا أَثْبَتْنَاهُ.
قَالَ شَيخُ الإِسْلَامِ ﵀: "وَقَدْ قَالَ بَعْضُ النَّاسِ: إنَّ المُرَادَ بِهِ البَرَكَةُ فِي العُمْرِ؛ بِأَنْ يَعْمَلَ فِي الزَّمَنِ القَصِيرِ مَا لَا يَعْمَلُهُ غَيرُهُ إِلَّا فِي الكَثِيرِ، قَالُوا: لِأَنَّ الرِّزْقَ وَالأَجَلَ مُقَدَّرَانِ مَكْتُوبَانِ. فَيُقَالُ لِهَؤُلَاءِ: تِلْكَ البَرَكَةُ -وَهِيَ الزِّيَادَةُ فِي العَمَلِ وَالنَّفْعِ- هِيَ أَيضًا مُقَدَّرَةٌ مَكْتُوبَةٌ وَتَتَنَاوَلُ جَمِيعَ الأَشْيَاءِ" (١).
وَفَرَّقَ بَعْضُهُم بَينَ العُمْرِ وَالأَجَلِ؛ فَجَعَلَ العُمْرَ قَابِلًا لِلزِّيَادَةِ وَالنَّقْصِ بِدِلَالَةِ النُّصُوصِ، وَجَعَلَ الأَجَلَ غَيرَ قَابِلٍ لِلزِّيَادَةِ وَالنَّقْصِ أَيضًا بِدِلَالَةِ النُّصُوصِ! قُلْتُ: وَلَكِنَّ التَّفْرِيقَ يَحْتَاجُ لِدَلِيلٍ أَصْرَحَ، وَاللهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. стр. 77
الحَدِيثُ الخَامِسُ: (ردُّ المُحْدَثَاتِ والبِدَعِ)
عَنْ أُمِّ المُؤْمِنِينَ؛ أُمِّ عَبْدِ اللهِ؛ عَائِشَةَ ﵂؛ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيسَ مِنْهُ؛ فَهُوَ رَدٌّ». مُتَّفَقٌ عَلَيهِ (١).
وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيسَ عَلَيهِ أَمْرُنَا؛ فَهُوَ رَدٌّ» (٢).
- كُنِّيَتْ عَائِشَةُ ﵂ بِأُمِّ المُؤْمِنِينَ لِأَنَّهَا إِحْدَى زَوجَاتِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ [الأَحْزَاب: ٦].
وَكُنِّيَتْ بِـ (أُمِّ عَبْدِ اللهِ) بِنِسْبَةِ ابْنِ أُخْتِهَا إِلَيهَا، كَمَا فِي الحَدِيثِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂؛ أَنَّهَا قَالَتْ: "يَا رَسُولَ اللهِ كُلُّ صَوَاحِبِي لَهُنَّ كُنىً، قَالَ: «فَاكْتَنِي بِابْنِكِ عَبْدِ اللهِ» يَعْنِي: ابْنَ أُخْتِهَا" (٣).
قَالَ العَلَّامَةُ ابْنُ القَيِّمِ ﵀: "وَأَذِنَ النَّبِيُّ ﷺ لعَائِشَةَ أَنْ تُكْنَى بِأُمِّ عَبْدِ اللهِ
-وَهُوَ عَبْدُ اللهِ بْنُ الزَّبَيرِ- وَهُوَ ابْنُ أُخْتِهَا أَسمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ. هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ؛ لَا الحَدِيثُ الَّذِي رُوِيَ أَنَّهَا أَسْقَطَتْ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ سَقْطًا فَسَمَّاهُ عَبْدَ اللهِ؛ وَكَنَّاهَا بِهِ، فَإِنَّهُ حَدِيثٌ لَا يَصِحُّ" (٤). стр. 78
وَقَدْ تَزَوَّجَهَا النَّبِيُّ ﷺ وَلَهَا سِتُّ سِنِينَ، وَبَنَى بِهَا وَلَهَا تِسْعُ سِنِينَ.
- هَذَا الحَدِيثُ قَاعِدَةٌ عَظِيمَةٌ مِنْ قَوَاعِدِ الدِّينِ، وَهُوَ مِنْ جَوَامِعِ الكَلِمِ الَّتِي أُوتِيهَا المُصْطَفَى ﷺ ؛ فَإِنَّهُ صَرِيحٌ فِي رَدِّ كُلِّ بِدْعَةٍ وَكُلِّ مُخْتَرَعٍ فِي الدِّينِ، وَيُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى إِبْطَالِ جَمِيعِ العُقُودِ المَمْنُوعَةِ شَرْعًا، وَعَدَمِ وُجُودِ ثَمَرَاتِهَا، وَاسْتَدَلَّ بَعْضُ الأُصُولِيِّينَ بِهِ عَلَى أَنَّ النَّهْيَ يَقْتَضِي الفَسَادَ (١).
- الرِّوَايَةُ الأُخْرَى لِلحَدِيثِ «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيسَ عَلَيهِ أَمْرُنَا؛ فَهُوَ رَدٌّ» صَرِيحَةٌ فِي تَرْكِ كُلِّ مُحْدَثَةٍ؛ سَوَاءً أَحْدَثَهَا فَاعِلُهَا أَو سُبِقَ إِلَيهَا.
- قَولُهُ: «فِي أَمْرِنَا»: أَي: فِي الدِّينِ، وَلَيسَ فِي الدُّنْيَا، وَيَدُلُّ لِذَلِكَ:
١ - أَنَّ فِي بَعْضِ أَلْفَاظِ الحَدِيثِ «مَنْ أَحْدَثَ فِي دِينِنَا مَا لَيسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ» كَمَا أَفَادَهُ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ (٢) (٣).
٢ - أَنَّ إِضَافَةَ الأَمْرِ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَإِلى مَا جَاءَ بِهِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ النَّهْيَ يَتَعَلَّقُ بِالدِّينِ لَا بِالدُّنْيَا.
٣ - أَنَّ الدُّنْيَا قَدْ دَلَّ الشَّرْعُ عَلَى إِبَاحَةِ التَّوَسُّعِ فِيهَا، كَمَا فِي حَدِيثِ تَلْقِيحِ النَّخْلِ؛ وَأَنَّهُ قَالَ فِيهِ ﵊: «أنْتُمْ أعْلَمُ بِأَمْرِ دُنْياكُمْ» (٤). стр. 79
- قَولُهُ: «رَدٌّ»: أَي: مَرْدُودٌ.
- تَعْرِيفُ البِدْعَةِ: هِيَ طَرِيقَةٌ فِي الدِّينِ مُخْتَرَعَةٌ تُضَاهِي الشَّرْعِيَّةَ، يُقْصَدُ بِالسُّلُوكِ عَلَيهَا المُبَالَغَةُ فِي التَّعَبُّدِ للهِ سُبْحَانَهُ (١).
- البِدَعُ تُقْسَمُ عُمُومًا إِلَى قِسْمَينِ:
١ - بِدَعٌ لُغَوِيَّةٌ: أَي: مِنْ جِهَةِ اللُّغَةِ هِيَ بِدْعَةٌ، وَهِيَ كُلُّ مَا أُحْدِثَ عَلَى غَيرِ مِثَالٍ سَابِق -مُطْلَقًا أَو مُقَيَّدًا بِزَمَانٍ أَو مَكَانٍ-، وَهِيَ عَامَّةٌ تَشْمَلُ مَا أُحْدِثَ فِي الدِّينِ وَالدُّنْيَا، وَتَكُونُ مَذْمُومَةً أَو مَمْدُوحَةً بِحَسْبِ حَالِ مَا أُحْدِثَ، وَهِيَ غَيرُ مَقْصُودَةٍ فِي هَذَا الحَدِيث.
وَمِنَ البِدَعِ اللُّغَوِيَّةِ مَا قَالَ عُمَرُ ﵁ عَنْ جَمْعِ النَّاسِ فِي رَمَضَانَ: " نِعْمَ البِدْعَةُ هَذِهِ" (٢). стр. 80
٢ - بِدَعٌ شَرْعِيَّةٌ: وَهِيَ مَا أُحْدِثَ فِي الدِّينِ عَلَى غَيرِ مِثَالٍ سَابِقٍ لَهَا فِي الشَّرْعِ (١).
وَهِيَ مَذْمُومَةٌ مُطْلَقًا، وَعَلَيهَا مَدَارُ الحَدِيثِ، وَقَدْ كَانَ ﷺ يَفْتَتِحُ خُطَبَهُ أَيضًا بِقَولِهِ: «وَشَرَّ الأُمُورِ مُحْدَثاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٢) وَغَيرُهُ.
وَيَدُلُّ لِمَعْنَاهُ أَيضًا مِنَ القُرْآن قَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيرَ الإِسْلَام دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الخَاسِرِينَ﴾ [آل عِمْرَان: ٨٥]، وَقَولُهُ تَعَالَى أَيضًا:
﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَاذَنْ بِهِ اللهُ﴾ [الشُّورَى: ٢١].
- إِنَّ الالتِزَامَ بِالبِدْعَةِ ضَابِطٌ مُهِمٌّ لِتَسْمِيَتِهِا بِدْعَةً وَلِتَسْمِيَةِ صَاحِبِهَا مُبْتَدِعًا؛ فَلَا يَدْخُلُ فِيهِ مَنْ فَعَلَ فِعْلًا عَلَى خِلَافِ السُّنَّةِ مَرَّةً أَو مَرَّتَينِ وَلَمْ يَلْتَزِمْ بِهِ؛ فَلَا يُوصَفُ بَأَنَّهُ مُبْتَدِعٌ! وَإِنَّمَا يَكُونُ مُخَالِفًا لِلسُّنَّةِ فَحَسْبُ (٣)، وَكَذَا مَنِ اجْتَهَدَ فَأَخْطَأَ وَوَقَعَ فِي البِدْعَةِ.
- هَذَا الحَدِيثُ هُوَ مِيزَانُ الأَعْمَالِ الظَّاهِرَةِ؛ كَمَا أَنَّ حَدِيثَ «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» هُوَ مِيزَانُ الأَعْمَالِ البَاطِنَةِ. стр. 81
وَعَلَيهِ؛ فَيَلْزَمُ بَعْدَ الإِخْلَاصِ فِي العَمَلِ أَنْ يَكُونَ العَمَلُ نَفْسُهُ مُوَافِقًا لِلشَّرْعِ (١)، وَهَذِهِ المُوَافَقَةُ تَكُونُ فِي سِتَّةِ جَوَانِبَ مِنَ العِبَادَةِ، وَالإِخْلَالُ بِوَاحِدَةٍ مِنْهَا يَجْعَلُ العَمَلَ بِدْعَةً، وَهَذِهِ الجَوَانِبُ هِيَ: السَّبَبُ، الجِنْسُ، الكَمِّيَّةُ، الكَيفِيَّةُ، الزَّمَانُ، المَكَانُ (٢)، وَنَاتِي الآنَ عَلَى بَيَانِهَا بِاخْتِصَارٍ فَنَقُولُ:
١ - سَبَبُ العِبَادَةِ: وَذَلِكَ بِأَنْ يَفْعَلَ الإِنْسَانُ عِبَادَةً وُفْقَ سَبَبٍ لَمْ يَجْعَلْهُ اللهُ تَعَالَى سَبَبًا، كَأَنْ يَقْرَأَ سُورَةً مُعَيَّنَةً مِنَ القُرْآنِ كُلَّمَا دَخَلَ بَيتَهُ وَيتَّخِذَهَا سُّنَّةً؛ فَهَذَا مَرْدُودٌ، مَعَ أَنَّ قِرَاءَةَ القُرْآنِ هِيَ مِنْ أَفْضَلِ الأَعْمَالِ؛ لَكِنْ لَمَّا قَرَنَهَا بِسَبَبٍ لَمْ يَكُنْ سَبَبًا شَرْعِيًّا صَارَتْ مَرْدُودَةً.
٢ - جِنْسُ العِبَادَةِ: فَلَو أَنَّ أَحَدًا ضَحَّى بِفَرَسٍ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ مَرْدُودٌ عَلَيهِ
وَلَا يُقْبَلُ مِنْهُ لِأَنَّهُ مُخَالِفٌ لِلشَّرِيعَةِ فِي الجِنْسِ، إِذْ إِنَّ الأَضَاحِيَ إِنَّمَا تَكُونُ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ، وَهِيَ: الإِبِلُ، وَالبَقَرُ، وَالضَّانُ وَالمَعْزُ.
٣ - الكَمِّيَّةُ (القَدْرُ): كَرَجُلٍ تَوَضَّأَ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ -أَي: غَسَلَ كُلَّ عُضْوٍ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ-؛ فَالرَّابِعَةُ لَا تُقْبَلُ لِأَنَّهَا زَائِدَةٌ عَلَى مَا جَاءَتْ بِهِ الشَّرِيعَةُ.
٤ - الكَيفِيَّةُ: كَمَنْ صَلَّى فَسَجَدَ قَبْلَ أَنْ يَرْكَعَ؛ فَصَلَاتُهُ بَاطِلَةٌ مَرْدُودَةٌ لِأَنَّهَا لَمْ تُوَافِقِ الشَّرِيعَةَ فِي الكَيفِيَّةِ.
٥ - الزَّمَانُ: فَلَو صَلَّى الصَّلَاةَ قَبْلَ دُخُولِ وَقْتِهَا؛ فَالصَّلَاةُ غَيرُ مَقْبُولَةٍ لِأَنَّهَا стр. 82
فِي زَمَنٍ غَيرِ مَا حَدَّهُ الشَّرْعُ، وَكَمَا لَو ضَحَّى قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ صَلَاةَ العِيدِ لَمْ تُقْبَلْ لِأَنَّهُ لَمْ يُوَافِقِ الشَّرْعَ فِي الزَّمَانِ.
٦ - المَكَانُ: فَلَو أَنَّ أَحَدًا اعْتَكَفَ فِي غَيرِ المَسَاجِدِ بِأَنْ يَكُونَ قَدِ اعْتَكَفَ فِي المَدْرَسَةِ أَو فِي البَيتِ؛ فَإِنَّ اعْتِكَافَهُ لَا يَصِحُّ لِأَنَّهُ لَمْ يُوَافِقِ الشَّرْعَ فِي مَكَانِ الاعْتِكَافِ، فَالاعْتِكَافُ مَحَلُّهُ المَسَاجِدُ.
- المَصْلَحَةُ المُرْسَلَةُ وَضَوَابِطُهَا:
مِمَّا يتَّصِلُ بِهَذَا الأَمْرِ مِنَ الإِحْدَاثِ أَنَّ هُنَاكَ مُحْدَثَاتٍ لَمْ يَجْعَلْهَا الصَّحَابَةُ مِنَ البِدَعِ، بَلْ أَقَرُّوهَا وَجَعَلُوهَا سَائِغَةً، وَعُمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدَهِم أَيضًا، وَهَذِهِ سَمَّاهَا العُلَمَاءُ فِيمَا بَعْدُ بِالمَصَالِحِ المُرْسَلَةِ، وَمَعْنَى المَصَالِحِ المُرْسَلَةِ أَنَّ هَذَا العَمَلَ أَرْسَلَ -أَطْلَقَ- الشَّارِعُ حُكْمَهُ بِاعْتِبَارِ المَصْلَحَةِ؛ فَإِذَا رَأَى أَهْلُ العِلْمِ أَنَّ فِيهِ مَصْلَحَةً فَإِنَّ لَهُم أَنْ يَاذَنُوا بِهِ (١).
وَعَلَى ذَلِكَ " فَإِذَنْ مِنَ المُهِمَّاتِ فِي هَذَا البَابِ أَنْ نُفَرِّقَ مَا بَينَ البِدْعَةِ وَمَا بَينَ المَصْلَحَةِ المُرْسَلَةِ، وَمِنْ ذَلِكَ:
أَوَّلًا: أَنَّ البِدْعَةَ فِي الدِّينِ مُتَّجِهَةٌ إِلَى الغَايَةِ، وَأَمَّا المَصْلَحَةُ المُرْسَلَةُ فَهِيَ مُتَّجِهَةٌ إِلَى وَسَائِلِ تَحْقِيقِ الغَايَاتِ.
ثَانِيًا: أَنَّ البِدْعَةَ قَامَ المُقْتَضِي لِفِعْلِهَا زَمَنَ المُصْطَفَى ﷺ وَلَمْ تُفْعَلْ، وَالمَصْلَحَةُ المُرْسَلَةُ لَمْ يَقُمِ المُقْتَضِي لِفِعْلِهَا فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ " (٢).
قَالَ الشَّيخُ ابْنُ عُثَيمِين ﵀: " فَالمُهِمُّ أَنْ نَعْرِفَ الفَرْقَ بَينَ الوَسِيلَةِ وَبَينَ стр. 83
القَصْدِ أَوِ الغَايَةِ؛ فَوَسَائِلُ المَشْرُوعُ مَشْرُوعَةٌ، فَالبِدْعَةُ لَا تَكُونُ إِلَّا فِيمَا قُصِدَ لِذَاتِهِ، أَمَّا مَا كَانَ وَسِيلَةً لِغَيرِهِ فَلَا، وَالوَسَائِلُ لَهَا أَحْكَامُ المَقَاصِدِ" (١).
وَنَضْرِبُ لَهَا مِثَالًا وَاحِدًا فَقَط وَهُوَ جَمْعُ القُرْآنِ، فَقَدْ جُمِعَ بَعْدَ وَفَاةِ النَّبِيِّ ﵊، وَالعُلَمَاءُ أَجْمَعُوا -مِنَ الصَّحَابَةِ وَمَنْ بَعْدَهُم- أَنَّ جَمْعَ القُرْآنِ مِنَ الوَاجِبَاتِ العَظِيمَةِ الَّتِي يَجِبُ أَنْ تَقُومَ بِهَا الأُمَّةُ، وَلَكِنَّنَا نُلَاحِظُ فِي هَذَا أُمُورًا:
أ- هَذَا الجَمْعُ نَفْسُهُ لَيسَ مِنْ بَابِ التَّدَيُّنِ بِذَلِكَ.
وَتَأَمَّلْ كَيفَ اسْتَثْقَلَ زَيدٌ ﵁ جَمْعَ المُصْحَفِ، فَقَالَ: " فَوَاللهِ لَو كَلَّفُونِي نَقْلَ جَبَلٍ مِنَ الجِبَالِ؛ مَا كَانَ أَثْقَلَ عَلَيَّ مِمَّا أَمَرَنِي بِهِ مِنْ جَمْعِ القُرْآنِ" (٢)، فَلَو كَانَتْ عِبَادَةً عِنْدَهُ مِنْ جِهَةِ نَفْسِ الجَمْعِ لَمْ يَصْدُرْ مِنْهُ ذَلِكَ القَولُ!
ب- لَمْ يَكُنِ المُقْتَضِي لِذَلِكَ قَائِمًا؛ لِأَنَّ الوَحْيَ لَمْ يَنْقَطِعْ بَعْدُ.
ج- أَنَّهُ وَسِيلَةٌ إِلَى حِفْظِ القُرْآنِ مِنَ الضَّيَاعِ-كَمَا حَصَلَ مَعَ الأُمَمِ المَاضِيَةِ-.
فَفِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ -بَابِ جَمْعِ القُرْآنِ- " أَنَّ حُذَيفَةَ بْنَ اليَمَانِ قَدِمَ عَلَى عُثْمَانَ -وَكَانَ يُغَازِي أَهْلَ الشَّامِ فِي فَتْحِ إِرْمِينِيَةَ وَأَذْرَبِيجَانَ مَعَ أَهْلِ العِرَاقِ-، فَأَفْزَعَ حُذَيفَةَ اخْتِلَافُهُمْ فِي القِرَاءَةِ، فَقَالَ حُذَيفَةُ لِعُثْمَانَ: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ؛ أَدْرِكْ هَذِهِ الأُمَّةَ قَبْلَ أَنْ يَخْتَلِفُوا فِي الكِتَابِ اخْتِلَافَ اليَهُودِ وَالنَّصَارَى" (٣)! فَتَأَمَّلْ كَونَ سَبَبِ الجَمْعِ هُوَ حِمَايَةُ القُرْآنِ مِنَ الضَّيَاعِ. стр. 84
فَوَائِدُ مُتَعَلِّقَةٌ
- الفَائِدَة الأُولَى: قَالَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀: أَخْرَجَ أَحْمَدُ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ عَنْ غُضَيفِ ابْنِ الحَارِثِ؛ قَالَ: " بَعَثَ إِلَيَّ عَبْدُ المَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ فَقَالَ: إِنَّا قَدْ جَمَعْنَا النَّاسَ عَلَى رَفْعِ الأَيدِي عَلَى المِنْبَرِ يَومَ الجُمُعَةِ، وَعَلَى القَصَصِ بَعْدَ الصُّبْحِ وَالعَصْرِ. فَقَالَ: أَمَا إِنَّهُمَا أَمْثَلُ بِدَعِكُمْ عِنْدِي، وَلَسْتُ بِمُجِيبِكُمْ إِلَى شَيءٍ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَا أَحْدَثَ قَومٌ بِدْعَةً إِلَّا رُفِعَ مِنَ السُّنَّةِ مِثْلُهَا» (١) فَتَمَسُّكٌ بِسُنَّةٍ خَيرٌ مِنْ إِحْدَاثِ بِدْعَةٍ". انْتَهَى.
وَإِذَا كَانَ هَذَا جَوَابُ هَذَا الصَّحَابِيِّ فِي أَمْرٍ لَهُ أَصْلٌ فِي السُّنَّةِ؛ فَمَا ظَنُّكَ بِمَا لَا أَصْلَ لَهُ فِيهَا؟! فَكَيفَ بِمَا يَشْتَمِلُ عَلَى مَا يُخَالِفُهَا؟!! وَقَدْ مَضَى فِي كِتَابِ العِلْمِ أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ كَانَ يُذَكِّرُ الصَّحَابَةَ كُلَّ خَمِيسٍ لِئَلَّا يَمَلُّوا، وَمَضَى فِي كِتَابِ الرِّقَاقِ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ: " حَدِّثِ النَّاسَ كُلَّ جُمْعَةٍ؛ فَإِنْ أَبَيتَ فَمَرَّتَينِ"،
وَنَحْوُهُ وَصِيَّةُ عَائِشَةَ لِعُبَيدِ بْنِ عُمَيرٍ، وَالمُرَادُ بِالقَصَصِ التَّذْكِيرُ وَالمَوعِظَةُ، وَقَدْ كَانَ ذَلِكَ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ لَكِنْ لَمْ يَكُنْ يَجْعَلُهُ رَاتِبًا كَخُطْبَةِ الجُمُعَةِ!
بَلْ بِحَسْبِ الحَاجَةِ.
وَأَمَّا قَولُهُ فِي حَدِيثِ العِرْبَاضِ: «فَإِنَّ كُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ» بَعْدَ قَولِهِ: «وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الأُمُورِ» فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ المُحْدَثَ يُسَمَّى بِدْعَةً، وَقَولُهُ: «كُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ» قَاعِدَةٌ شَرْعِيَّةٌ كُلِّيَّةٌ بِمَنْطُوقِهَا وَمَفْهُومِهَا، أَمَّا مَنْطُوقُهَا فَكَأَنْ يُقَالَ: حُكْمُ كَذَا: بِدْعَةٌ، وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ؛ فَلَا تَكُونُ مِنَ الشَّرْعِ! لِأَنَّ الشَّرْعَ كُلَّهُ هُدىً، فَإِنْ ثَبَتَ أَنَّ стр. 85
الحُكْمَ المَذْكُورَ بِدْعَةٌ صَحَّتِ المُقَدِّمَتَانِ وَأَنْتَجَتَا المَطْلُوبَ، وَالمُرَادُ بِقَولِهِ: «كُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ» مَا أُحْدِثَ وَلَا دَلِيلَ لَهُ مِنَ الشَّرْعِ بِطَرِيقٍ خَاصٍّ وَلَا عَامٍّ" (١).
- الفَائِدَة الثَّانِيَة: لَا يَصِحُّ تَصْنِيفُ المَنْهِيَّاتِ ضِمْنَ البِدَعِ المُحَرَّمَةِ! وَذَلِكَ
مِنْ أَوجُهٍ:
١ - أَنَّ مَا دَلَّ الشَّرْعُ عَلَى النَّهْي عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْرُمُ بِذَلِكَ فَقَط دُونَ أَنْ يَكُونَ مُبْتَدَعًا أَو غَيرَ مُبْتَدَعٍ.
٢ - أَنَّ البِدَعَ تَطْرَأُ عَلَى مَا يُتَعَبَّدُ بِهِ، وَعَلَيهِ فَلَا يَصِحُّ إِدْرَاجُ أُمُورِ العَادَاتِ -مِمَّا نُهِيَ عَنْهُ أَو لَمْ يُنْهَ- فِي هَذَا البَابِ كُلِّهِ.
٣ - أَنَّ البِدْعَةَ مُصْطَلَحٌ شَرْعِيٌّ فِي غَالِبِ النُّصُوصِ وَرَدَ عَلَى الذَّمِّ؛ وَعَلَيهِ فَلَا يَصِحُّ تَصْنِيفُ البِدَعِ إِلَى أَصْنَافٍ مُحَرَّمَةٍ وَغَيرِ مُحَرَّمَةٍ (٢)!
قَالَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ تَحْتَ بَابِ البُخَارِيِّ (كِتَابُ الاعْتِصَامِ بِالكِتَابِ وَالسُّنَّةِ - بَابُ مَا يُكْرَهُ مِنَ التَّعَمُّقِ وَالتَّنَازُعِ فِي العِلْمِ وَالغُلُوِّ فِي الدِّينِ وَالبِدَعِ):
" وَأَمَّا البِدَعُ: فَهِيَ جَمْعُ بِدْعَةٍ، وَهِيَ كُلُّ شَيءٍ لَيسَ لَهُ مِثَالٌ تَقَدَّمَ، فَيَشْمَلُ لُغَةً مَا يُحْمَدُ وَيُذَمُّ، وَيَخْتَصُّ فِي عُرْفِ أَهْلِ الشَّرْعِ بِمَا يُذَمُّ، وَإِنْ وَرَدَتْ فِي المَحْمُودِ فَعَلَى مَعْنَاهَا اللُّغَوِيِّ" (٣).
- الفَائِدَة الثَّالِثَة: قَالَ جَمَاعَةٌ مِنَ العُلَمَاءِ: أُصُولُ البِدَعِ أَرْبَعَةُ طَوَائِفَ؛ وَسَائِرُ الثِّنْتَينِ وَالسَّبْعِينَ فِرْقَةً عَنْ هَؤُلَاءِ تَفَرَّقُوا، وَهُمُ: الخَوَارِجُ، وَالرَّوَافِضُ، وَالقَدَرِيَّةُ، стр. 86
وَالمُرْجِئَةُ (١).
- الفَائِدَة الرَّابِعَة: الابْتِدَاعُ يَكُونُ فِي العَقَائِدِ وَالأَقْوَالِ كَمَا يَكُونُ فِي الأَعْمَالِ.
عَنْ نُوحٍ الجَامِع؛ قَالَ: " قُلْتُ لِأَبِي حَنِيفَةَ ﵀: مَا تَقُولُ فِيمَا أَحْدَثَ النَّاسُ مِنَ الكَلَامِ فِي الأَعْرَاضِ وَالأَجْسَامِ؟ فَقَالَ: مَقَالَاتُ الفَلَاسِفَةِ! عَلَيكَ بِالأَثَرِ وَطَرِيقَةِ السَّلَفِ، وَإِيَّاكَ وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ؛ فَإِنَّهَا بِدْعَةٌ" (٢).
- الفَائِدَة الخَامِسَة: رَجَّحَ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ أَنَّ جَمْعَ المُصْحَفِ كَانَ مَامُورًا بِهِ أَصْلًا.
قَالَ السُّيُوطِيُّ ﵀: " وَقَالَ الحَارِثُ المُحَاسَبِيُّ فِي كِتَابِ فَهْمِ السُّنَنِ: كِتَابَةُ القُرْآنِ لَيسَتْ بِمُحْدَثَةٍ! فَإِنَّهُ ﷺ كَانَ يَامُرُ بِكِتَابَتِهِ، وَلَكِنَّهُ كَانَ مُفَرَّقًا فِي الرِّقَاعِ وَالأَكْتَافِ وَالعُسُبِ؛ فَإِنَّمَا أَمَرَ الصَّدِّيقِ بِنَسْخِهَا مِنْ مَكَانٍ إِلَى مَكَانٍ مُجْتَمِعًا، وَكَانَ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ أَورَاقٍ وُجِدَتْ فِي بَيتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِيهَا القُرْآنُ مُنْتَشِرٌ؛ فَجَمَعَهَا جَامِعٌ وَرَبَطَهَا بِخَيطٍ حَتَّى لَا يَضِيعَ مِنْهَا شَيءٌ" (٣). стр. 87
مُلْحَقٌ عَلَى الحَدِيثِ الخَامِسِ
فَوَائِدُ وَمَسَائِلُ مِنْ كِتَابِ (الاعْتِصَامُ) لِلْشَاطِبِيِّ وَغَيرِهِ (١)
- أَهَمِّيَّةُ مَعْرِفَةِ البِدْعَةِ مِنَ السُّنَّةِ:
١ - لِمَعْرِفَةِ العَمَلِ المَقْبُولِ مِنَ العَمَلِ المَرْدُودِ عِنْدَ اللهِ تَعَالَى، كَمَا فِي حَدِيثِ عَائِشَة ﵂ مَرْفُوعًا «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيسَ عَلَيهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» (٢).
٢ - لِإِصْلَاحِ مَا أَفْسَدَ النَّاسُ مِنَ السُّنَّةِ، كَمَا فِي الحَدِيثِ «إِنَّ الإِسْلَامَ بَدَأ غَرِيبًا وَسَيَعُودُ غَرِيبًا كَمَا بَدَأ؛ فَطُوبى لِلْغُرَباءِ؛ الَّذِينَ يُصْلِحُونَ مَا أفْسَدَ النَّاسُ بَعْدِي مِنْ سُنَّتِي» (٣). стр. 88
٣ - حِفْظُ الشَّرِيعَةِ الإِسْلَامِيَّةِ مِنَ التَّحْرِيفِ، كَمَا فِي الحَدِيثِ «يَحْمِلُ هَذَا العِلْمَ مِنْ كُلِّ خَلَفٍ عُدُولُهُ، يَنْفُونَ عَنْهُ تَحْرِيفَ الغَالِينَ، وَانْتِحَالَ المُبْطِلِينَ، وَتَاوِيلَ الجَاهِلِينَ» (١).
- تَعْرِيفُ البِدْعَةِ:
لُغَةً: أَصْلُ مَادَّةِ (بَدَعَ): الاخْتِرَاعُ عَلَى غَيرِ مِثَالٍ سَابِقٍ (٢).
وَمِنْهُ قَولُ اللهِ تَعَالَى ﴿بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [البَقَرَة: ١١٧] أَي: مُخْتَرِعُهُمَا مِنْ غَيرِ مِثَالٍ سَابِقٍ مُتَقَدِّمٍ.
وَقَولُهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأَحْقَاف: ٩] أَي: مَا كُنْتُ أَوَّلَ مَنْ جَاءَ بِالرِّسَالَةِ مِنَ اللهِ إِلَى العِبَادِ! بَلْ تَقَدَّمَنِي كَثِيرٌ مِنَ الرُّسُلِ.
وَيُقَالُ: ابْتَدَعَ فَلَانٌ (بِدْعَةً) يَعْنِي ابْتَدَأَ طَرِيقَةً لَمْ يَسْبِقْهُ إِلَيهَا سَابِقٌ، وَهَذَا أَمْرٌ (بَدِيعٌ) يُقَالُ فِي الشَّيءِ المُسْتَحْسَنِ الَّذِي لَا مِثَالَ لَهُ فِي الحُسْنِ؛ فَكَأَنَّهُ لَمْ يَتَقَدَّمْهُ مَا هُوَ مِثْلُهُ وَلَا مَا يُشْبِهُهُ.
وَأَمَّا شَرْعًا: فَهِيَ " طَرِيقَةٌ فِي الدِّينِ مُخْتَرَعَةٌ، تُضَاهِي الشَّرْعِيَّةَ، يُقْصَدُ بِالسُّلُوكِ عَلَيهَا المُبَالَغَةُ فِي التَّعَبُّدِ للهِ سُبْحَانَهُ". стр. 89
- وَصْفُ البِدْعَةِ:
١ - طَرِيقَةٌ مَسْلُوكَةٌ؛ فَيَخْرُجُ بِذَلِكَ مَا فُعِلَ دُونَ التِزَامٍ؛ فيَكُونُ مُخَالَفَةً لِلسُّنَّةِ وَلَا يَكُونُ بِدْعَةً (١).
٢ - أَنَّهَا فِي الدِّينِ، فَخَرَجَتْ بِذَلِكَ أُمُورُ الدُّنْيَا وَمُحْدَثَاتُهَا.
٣ - أَنَّهَا مُخْتَرَعَةٌ خَارِجَةٌ عَمَّا رَسَمَهُ الشَّارِعُ.
٤ - أَنَّهَا تُضَاهِي الطَّرِيقَةَ الشَّرْعِيَّةَ، فَهِيَ تُشَابِهُ الشَّرْعِيَّةَ وَلَكِنَّهَا تَخْتَلِفُ عَنْهَا فِي الحَقِيقَةِ.
٥ - مَقْصُودُهَا المُبَالَغَةُ فِي التَّعَبُّدِ، وَلَيسَ مَا دَفَعَتِ الحَاجَةُ أَوِ المَصْلَحَةُ إِلَيهَا (٢).
- البِدْعَةُ التَّرْكِيَّةُ:
هِيَ تَرْكُ مَا أَحَلَّ اللهُ تَدَيُّنًا مِنْ غَيرِ عُذْرٍ شَرْعِيٍّ (٣). стр. 90
كَمَا فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ قَالَ: بَينَا النَّبِيُّ ﷺ يَخْطُبُ إِذَا هُوَ بِرَجُلٍ قَائِمٍ، فَسَأَلَ عَنْهُ، فَقَالُوا: أَبُو إِسْرَائِيلَ؛ نَذَرَ أَنْ يَقُومَ وَلَا يَقْعُدَ، وَلَا يَسْتَظِلَّ، وَلَا يَتَكَلَّمَ، وَيَصُومَ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «مُرْهُ فَلْيَتَكَلَّمْ، وَلْيَسْتَظِلَّ، وَلْيَقْعُدْ، وَلْيُتِمَّ صَومَهُ» (١).
قَالَ الإِمَامُ مَالِكٌ ﵀: " وَلَمْ أَسْمَعْ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَمَرَهُ بِكَفَّارَةٍ، وَقَدْ أَمَرَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يُتِمَّ مَا كَانَ لِلَّهِ طَاعَةً، وَيَتْرُكَ مَا كَانَ لِلَّهِ مَعْصِيَةً" (٢).
قُلْتُ: وَهَذَا ظَاهِرٌ فِي أَنَّ أَئِمَّةَ السَّلَفِ الصَّالِحِ يَعُدُّونَ الابْتِدَاعَ مَعْصِيَةً. стр. 91
- الأَدِلَّةُ مِنَ النَّظَرِ عَلَى ذَمِّ البِدَعِ:
١ - أَنَّ العَقْلَ لَا يُدْرِكُ مَصْلَحَتَهُ الدُّنْيَوِيَّةَ مُسْتَقِلًّا (١)؛ فَمِنْ بَابِ أَولَى أَنْ لَا يُدْرِكَ مَصْلَحَتَهُ الأُخْرَوِيَّةَ مُسْتَقِلًّا؛ وَالَّتِي مَرْجِعُهَا إِلَى الوَحْي أَصْلًا.
٢ - أَنَّ الشَّرِيعَةَ جَاءَتْ كَامِلَةً لَا تَحْتَمِلُ الزِّيَادَةَ وَلَا النُّقْصَانَ، قَالَ تَعَالَى: ﴿اليَومَ أكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأتْمَمْتُ عَلَيكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لكَمُ الإِسْلَامَ دِينًا﴾
[المَائِدَة: ٣].
٣ - أَنَّ المُبْتَدِعَ مُخَالِفٌ لِلشَّرْعِ؛ حَيثُ زَعَمَ أَنَّ هُنَاكَ طُرُقًا أُخْرَى إِلَى اللهِ غَيرَ مَا جَاءَ بِهِ الشَّرْعُ!
٤ - أَنَّ المُبْتَدِعَ قَدْ جَعَلَ نَفْسَهُ مُضَاهِيًا لِلشَّارِعِ؛ حَيثُ شَرَعَ مَا لَمْ يَاذَنْ بِهِ اللهُ تَعَالَى!
وَاللهُ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿إِنِ الحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ [يُوسُف: ٤٠]، وَكَقَولِهِ تَعَالَى:
﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَاذَنْ بِهِ اللهُ﴾ [الشُّورَى: ٢١].
٥ - أَنَّ المُبْتَدِعَ مُتَّبِعٌ لِلهَوَى؛ لِأَنَّهُ زَادَ عَلَى الهُدَى، وَقَدْ حَصَرَ اللهُ الإِتِّبَاعَ بَينَ أَمْرَينِ هُمَا: هُدًى مِنَ اللهِ، أَو هَوًى مِنَ العَبْدِ. كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيرِ هُدًى مِنَ اللهِ إِنَّ اللهَ لَا يَهْدِي القَومَ الظَّالِمِينَ﴾ [القَصَص: ٥٠]، وَكَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا العَمَى عَلَى الهُدَى﴾ [فُصِّلَت: ١٧]. стр. 92
- الأَدِلَّةُ مِنَ النَّقْلِ (الشَّرْعِ) عَلَى ذَمِّ البِدَعِ:
١ - مِنَ القُرْآنِ، نَذْكُرُ بَعْضَهَا؛ مِنْهَا:
قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وأنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتقِيمًا فاتَّبِعُوهُ وَلَاَ تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لعَلَّكُمْ تتَّقُونَ﴾ [الأَنْعَام: ١٥٣].
وَفِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا؛ قَالَ: " خَطَّ لَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ يَومًا خَطًّا، ثُمَّ قَالَ: «هَذَا سَبِيلُ اللهِ»، ثُمَّ خَطَّ خُطُوطًا عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ، ثُمَّ قَالَ: «هَذِهِ سُبُلٌ، عَلَى كُلِّ سَبِيلٍ مِنْهَا شَيطَانٌ يَدْعُو إِلَيهِ»، ثُمَّ تَلَا: ﴿وأنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتقِيمًا فاتَّبِعُوهُ وَلَاَ تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لعَلَّكُمْ تتَّقُونَ﴾ [الأَنْعَام: ١٥٣] " (١).
وَكَقَولِهِ تَعَالَى: ﴿إنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إلىَ اللهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يفْعَلُونَ﴾ [الأَنْعَام: ١٥٩].
٢ - مِنَ الحَدِيثِ النَّبَوِيِّ، نَذْكُرُ جُمْلَةً مِنْهُ:
- عَنْ عَائِشَةَ ﵂ مَرْفُوعًا «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيسَ فِيهِ فَهُوَ رَدٌّ».
مُتَّفَقٌ عَلَيهِ (٢).
- عَنْ جَابِرٍ ﵁؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا خَطَبَ يَقُولُ: «أَمَّا بَعْدُ؛ فَإِنَّ خَيرَ الحَدِيثِ كِتَابُ اللهِ، وَخَيرَ الهَدْي هَدْيُ مُحَمَّدٍ، وَشَرَّ الأُمُورِ مُحْدَثاتُهَا، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٣). стр. 93
- عَنِ العِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ذَاتَ يَومٍ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَينَا فَوَعَظَنَا مَوعِظَةً بَلِيغَةً ذَرَفَتْ مِنْهَا العُيُونُ وَوَجِلَتْ مِنْهَا القُلُوبُ. فَقَالَ قَائِلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ كَأَنَّ هَذِهِ مَوعِظَةُ مُوَدِّعٍ؛ فَمَاذَا تَعْهَدُ إِلَينَا؟ فَقَالَ: «أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللهِ وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ وَإِنْ عَبْدًا حَبَشِيًّا؛ فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ بَعْدِي فَسَيَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا؛ فَعَلَيكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الخُلَفَاءِ المَهْدِيِّينَ الرَّاشِدِينَ، تَمَسَّكُوا بِهَا، وَعَضُّوا عَلَيهَا بِالنَّوَاجِذِ، وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الأُمُورِ؛ فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (١).
- عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ مَرْفُوعًا «سَيَكُونُ فِي آخِرِ أُمَّتِي أُنَاسٌ يُحَدِّثُونَكُم بِمَا لَمْ تَسْمَعُوا أَنْتُم وَلَا آبَاؤُكُم؛ فَإِيَّاكُم وَإِيَّاهُم». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٢).
وَفِي رِوَايَةٍ «يَكُونُ في آخِرِ الزَّمَانِ دَجَّالُونَ كَذَّابُونَ يَاتُونَكُمْ مِنَ الأَحَادِيثِ بِمَا لَمْ تَسْمَعُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ؛ فَإِيَّاكُمْ وَإِيَّاهُمْ؛ لَا يُضِلُّونَكُمْ وَلَا يَفْتِنُونَكُمْ» (٣).
- عَنْ حُذَيفَةَ بْنِ اليَمَانِ قَالَ: كَانَ النَّاسُ يَسْأَلُونَ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنِ الخَيرِ وَكُنْتُ أَسْأَلُهُ عَنِ الشَّرِّ مَخَافَةَ أَنْ يُدْرِكَنِي، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ إِنَّا كُنَّا فِي جَاهِلِيَّةٍ وَشَرٍّ فَجَاءَنَا اللهُ بِهَذَا الخَيرِ؛ فَهَلْ بَعْدَ هَذَا الخَيرِ مِنْ شَرٍّ؟ قَالَ: «نَعَمْ»، قُلْتُ: وَهَلْ بَعْدَ ذَلِكَ الشَّرِّ مِنْ خَيرٍ؟ قَالَ: «نَعَمْ، وَفِيهِ دَخَنٌ». قُلْتُ: وَمَا دَخَنُهُ؟ قَالَ: «قَومٌ يَهْدُونَ بِغَيرِ هَدْيِي؛ تَعْرِفُ مِنْهُمْ وَتُنْكِرُ»، قُلْتُ: فَهَلْ بَعْدَ ذَلِكَ الخَيرِ مِنْ شَرٍّ؟ قَالَ: «نَعَمْ، دُعَاةٌ إِلَى أَبْوَابِ جَهَنَّمَ مَنْ أَجَابَهُمْ إِلَيهَا قَذَفُوهُ فِيهَا»، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ صِفْهُمْ لَنَا، فَقَالَ: «هُمْ مِنْ جِلْدَتِنَا وَيَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَتِنَا»، قُلْتُ: فَمَا تَامُرُنِي إِنْ стр. 94
أَدْرَكَنِي ذَلِكَ؟ قَالَ: «تَلْزَمُ جَمَاعَةَ المُسْلِمِينَ وَإِمَامَهُمْ»، قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ جَمَاعَةٌ وَلَا إِمَامٌ؟ قَالَ: «فَاعْتَزِلْ تِلْكَ الفِرَقَ كُلَّهَا وَلَو أَنْ تَعَضَّ بِأَصْلِ شَجَرَةٍ حَتَّى يُدْرِكَكَ المَوتُ وَأَنْتَ عَلَى ذَلِكَ» رَوَاهُ البُخَاريُّ (١) (٢).
وَفِي رِوَايَةٍ «فَإِنْ لَمْ تَرَ خَلِيفَةً؛ فَاهْرُبْ فِي الأَرْضِ حَتَّى يُدْرِكَكَ المَوتُ وَأَنْتَ عَاضٌّ عَلَى جِذْلِ (٣) شَجَرَةٍ» (٤).
٣ - الأَدِلَّةُ مِنْ آثَارِ الصَّحَابَة والتَّابِعِينَ، نَذْكُرُ بَعْضًا مِنْهَا:
أ- قَالَ ابْنُ مَسْعُود ﵁: " اتَّبِعُوا وَلَا تَبْتَدِعُوا؛ فَقَدْ كُفِيتُمْ" (٥). стр. 95
ب- عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ﵁؛ قَالَ: " إِنَّ مِنْ وَرَائِكُمْ فِتَنًا يَكْثُرُ فِيهَا المَالُ، وَيُفْتَحُ فِيهَا القُرْآنُ حَتَّى يَاخُذَهُ المُؤْمِنُ وَالمُنَافِقُ وَالرَّجُلُ وَالمَرْأَةُ وَالصَّغِيرُ وَالكَبِيرُ وَالعَبْدُ وَالحُرُّ! فَيُوشِكُ قَائِلٌ أَنْ يَقُولَ: مَا لِلنَّاسِ لَا يَتَّبِعُونِي وَقَدْ قَرَاتُ القُرْآنَ؟! مَا هُمْ بِمُتَّبِعِيَّ حَتَّى أَبْتَدِعَ لَهُمْ غَيرَهُ! فَإِيَّاكُمْ وَمَا ابْتُدِعَ؛ فَإِنَّ مَا ابْتُدِعَ ضَلَالَةٌ" (١).
ج- عَنْ أَبِي إِدْرِيسٍ الخَولَانِيِّ (٢) أَنَّهُ قَالَ: " لَأَنْ أَرَى فِي جَانِبِ المَسْجِدِ نَارًا لَا أَسْتَطِيعُ إِطْفَاءَهَا أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَرَى فِيهِ بِدْعَةً لَا أَسْتَطِيعُ تَغْيِيرَهَا" (٣).
- جُمْلَةٌ مِنَ أَوجُهِ ذَمِّ المُبْتَدِعِ وَبَيَانِ عُقُوبَتِهِ:
١ - حَجْبُ التَّوبَةِ عَنْهُ.
كَمَا فِي الحَدِيثِ «إِنَّ اللهَ حَجَبَ التَّوبَةَ عَنْ كُلِّ صَاحِبِ بِدْعَةٍ حَتَّى يَدَعَ بِدْعَتَهُ» (٤)، وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى الغَالِبِ حَيثُ إِنَّهُ يُصِرُّ عَلَى بِدْعَتِهِ، وَقَلَّمَا يَرْجِعُ.
قَالَ شَيخُ الإِسْلَامِ ﵀: " وَلِهَذَا قَالَ طَائِفَةٌ مِنْ السَّلَفِ -مِنْهُمْ الثَّورِيُّ-: البِدْعَةُ أَحَبُّ إلَى إبْلِيسَ مِنْ المَعْصِيَةِ؛ لِأَنَّ المَعْصِيَةَ يُتَابُ مِنْهَا وَالبِدْعَةُ لَا يُتَابُ مِنْهَا. وَهَذَا مَعْنَى مَا رُوِيَ عَنْ طَائِفَةٍ أَنَّهُمْ قَالُوا: إنَّ اللَّهَ حَجَرَ التَّوبَةَ عَلَى كُلِّ صَاحِبِ بِدْعَةٍ. بِمَعْنَى أَنَّهُ لَا يَتُوبُ مِنْهَا؛ لِأَنَّهُ يَحْسَبُ أَنَّهُ عَلَى هُدًى! وَلَو تَابَ؛ стр. 96
لَتَابَ عَلَيهِ -كَمَا يَتُوبُ عَلَى الكَافِرِ" (١).
وَقَالَ الشَّيخُ الأَلْبَانِيُّ ﵀: " هُوَ إِبَاءٌ كَونِيٌّ لَا شَرْعِيٌّ" (٢).
وَأَخْرَجَ اللَّالكَائِيُّ ﵀ فِي عَقِيدَتِهِ عَنْ رَجُلٍ قَالَ لِأَيُّوبَ (السِّخْتِيَانِيِّ):
"يَا أَبَا بَكْرٍ؛ إِنَّ عَمْرو بْنَ عُبَيدٍ [المُعْتَزِلِيَ] قَدْ رَجَعَ عَنْ رَايِهِ. قَالَ: إِنَّهُ لَمْ يَرْجِعْ. قَالَ: بَلَى يَا أَبَا بَكْرٍ؛ إِنَّهُ قَدْ رَجَعَ. قَالَ أَيُّوبُ: إِنَّهُ لَمْ يَرْجِعْ -ثَلَاثَ مَرَّاتٍ-، أَمَا إِنَّهُ لَمْ يَرْجِعْ! أَمَا سَمِعْتَ إِلَى قَولِهِ: «يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ ثُمَّ لَا يَعُودُونَ فِيهِ حَتَّى يَعُودَ السَّهْمُ إِلَى فُوقِهِ» " (٣).
٢ - الذُّلُّ فِي الدُّنْيَا، وَالغَضَبُ مِنَ اللهِ تَعَالَى.
لِقَولِهِ تَعَالَى: ﴿إنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا العِجْلَ سَيَنَالهُمْ غَضَبٌ مِن رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيا وَكَذَلِكَ نَجْزِي المُفْتَرِينَ﴾ [الأَعْرَاف: ١٥٢] وَالمُبْتَدِعُ مُفْتَرٍ عَلَى اللهِ .
٣ - البُعْدُ عَنْ حَوضِهِ الشَّرِيفُ.
كَمَا فِي الحَدِيثِ عَنْ عُمَرَ مَرْفُوعًا «إِنِّي مُمْسِكٌ بِحُجَزِكُمْ: هَلُمَّ عَنِ النَّارِ؛ وَأَنْتُمْ تَهَافَتُونَ فِيهَا، أَو تَقَاحَمُونَ فِيهَا تَقَاحُمَ الفَرَاشِ فِي النَّارِ، وَالجَنَادِبِ -يَعْنِي: فِي النَّارِ- وَأَنَا مُمْسِكٌ بِحُجَزِكُمْ! وَأَنَا فَرَطٌ لَكُمْ عَلَى الحَوضِ، فَتَرِدُونَ عَلَيَّ مَعًا وَأَشْتَاتًا، فَأَعْرِفُكُمْ بِسِيمَاكُمْ وَأَسْمَائِكُمْ كَمَا يَعْرِفُ الرَّجُلُ الفَرَسَ-وَقَالَ غَيرُهُ: كَمَا يَعْرِفُ الرَّجُلُ الغَرِيبَةَ مِنَ الإِبِلِ فِي إِبِلِهِ-؛ فَيُؤْخَذُ بِكُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ، فَأَقُولُ: إِلَيَّ، стр. 97
يَا رَبُّ؛ أُمَّتِي أُمَّتِي! فَيَقُولُ أَو يُقَالُ: يَا مُحَمَّدُ؛ إِنَّكَ لا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ، كَانُوا يَمْشُونَ بَعْدَكَ القَهْقَرَى! فَلَا أَعْرِفَنَّ أَحَدَكُمْ يَاتِي يَومَ القِيَامَةِ يَحْمِلُ شَاةً لَهَا ثُغَاءٌ؛ يُنَادِي: يَا مُحَمَّدُ! فَأَقُولُ: لا أَمْلِكُ لَكَ شَيئًا؛ قَدْ بَلَّغْتُ. وَلَا أَعْرِفَنَّ أَحَدَكُمْ يَاتِي يَومَ القِيَامَةِ بِبَعِيرٍ لَهُ رُغَاءٌ فَيُنَادِي: يَا مُحَمَّدُ! فَأَقُولُ: لا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللهِ شَيئًا؛ قَدْ بَلَّغْتُ. وَلَا أَعْرِفَنَّ أَحَدَكُمْ يَاتِي يَومَ القِيَامَةِ يَحْمِلُ قَشْعًا؛ فَيَقُولُ: يَا مُحَمَّدُ يَا مُحَمَّدُ! فَأَقُولُ: لا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللهِ شَيئًا؛ قَدْ بَلَّغْتُ» (١).
٤ - الخَوفُ مِنْ أَنْ يَكُونَ كَافِرًا.
كَبِدْعَةِ القَدَرِيَّةِ، وَالخَوَارِجِ، وَالبَاطِنِيَّةِ، وَالجَهْمِيَّةِ، وَالرَّافِضَةِ، لِقَولِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [الأَنْعَام: ١٥٩]. стр. 98
- تَاصِيلٌ:
قَبْلَ الخَوضِ فِي الجَوَابِ عَنْ بَعْضِ الشُّبَهِ فِي هَذَا البَابِ لَا بُدَّ مِنْ تَاصِيلٍ مُهِمٍ هُنَا وَهُوَ أَنَّهُ عَلَى فَرْضِ وُجُودِ بَعْضِ الأَدِلَّةِ وَالشُّبَهِ الَّتِي لَمْ يُمْكِنِ الجَوَابُ عَنْهَا؛ أَو لَمْ يُدْرَكْ جَوَابُهَا -وَقَدْ يَسْتَدِلُّ بِهَا مُسْتَدِلٌّ عَلَى جَوَازِ الابْتِدَاعِ-؛ فَمِثْلُ هَذِهِ الأَدِلَّةِ لَا يَجُوزُ أَنْ تُصْرَفَ بِهَا دِلَالَةُ النُّصُوصِ العَامَّةِ فِي الشَّرِيعَةِ مِنْ قُرْآنِ وَسُنَّةٍ نَبَوِيَّةٍ! بَلْ لَا بُدَّ مِنَ التَّوفِيقِ مَعَهَا مَا أَمْكَنَ ذَلِكَ؛ وَلَا نَضْرِبُ النُّصُوصَ بَعْضَهَا بِبَعْضٍ!
بَلْ لَو قُدِّرَ ذَلِكَ؛ فَإِنَّ النُّصُوصَ العَامَّةَ أَقْوَى فِي التَّرْجِيحِ لِأَنَّهَا إِمَّا قُرْآنٌ كَرِيمٌ، أَو سُنَّةٌ نَبَوِيَّةٌ ثَابِتَةٌ مُتَوَاتِرَةٌ أَو مَشْهُورَةٌ، وَفِي أَشْهَرِ كُتُبِ السُّنَّةِ، وَدِلَالَتُهَا أَقْوَى مِنْ حَيثُ العُمُومِ، كَخُطَبِ الحَاجَةِ الَّتِي يَكْثُرُ تِكْرَارُهَا دُونَ تَخْصِيصٍ مِنَ الشَّارِعِ، وَأَقْوَى أَيضًا مِنْ جِهَةِ الدِّلَالَةِ وَالتَّصْرِيحِ؛ كَالنُّصُوصِ الَّتِي تَدُلُّ عَلَى المَنْهَجِ السُّنِّيِّ بِعَامَّةٍ، وَأَيضًا النُّصُوصِ الَّتِي تُبَيِّنُ الخُرُوجَ مِنَ الخِلَافِ وَالفِتَنِ.
لِذَلِكَ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مَوقِفُنَا ابْتِدَاءً هُوَ مُحَاوَلَةُ تَوفِيقِ الدَّلِيلِ -مَوضِعِ الاشْتِبَاهِ- مَعَ النُّصُوصِ العَامَّةِ؛ بِحَيثُ يُحْمَلُ عَلَى مَحْمَلٍ لَا يُصَادِمُ بِهِ عَامَّةَ النُّصُوصِ الأَصْلِ فِي هَذَا البَابِ! فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ ذَلِكَ؛ فَيُسْكَتُ عَنْهُ وَيُتَوَقَّفُ فِيهِ (١) وَيُوكَلُ الأَمْرُ إِلَى عَالِمِهِ مِصْدَاقَ قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَفَوقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يُوسُف: ٧٦]. стр. 99
وَلَا يَجُوزُ لَنَا أَنْ نَجْعَلَ جَهْلَنَا بِتَوجِيهِهِ دَلِيلًا عَلَى نَقْضِ الأُصُولِ! بَلْ نَرُدُّ المُتَشَابِهَ إِلَى المُحْكَمِ (١)، وَإِلَّا كُنَّا كَمَنْ يَبْنِي قَصْرًا فَيَهْدِمُ مِصْرًا! وَذَلِكَ لِأَنَّ هَذَا البَابَ إِذَا فُتِحَ فَلَيسَ لَهُ ضَوَابِطُ تَحْصُرُهُ! لِأَنَّ مَجَالَ التَّحْسِينِ وَالتَّقْبِيحِ العَقْلِيَّينِ مَنُوطٌ بِالعَقْلِ؛ وَالعَقْلُ غَيرُ مَحْصُورٍ فِي شَخْصٍ دُونَ شَخْصٍ، وَلَا بِعَالِمٍ دُونَ عَالِمٍ، وَلَا بِمِلَّةٍ دُونَ مِلَّةٍ! وَمُحَصَّلُ ذَلِكَ ضَيَاعُ الدِّينِ مُطْلَقًا، وَأَيضًا ضَيَاعُ السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ، وَذَلِكَ لِعَدِم الاهْتِمَامِ بِحِفْظِهَا وَالدِّفَاعِ عَنْهَا؛ حَيثُ جُعِلَتِ الشَّرِيعَةُ غَيرَ مَحْصُورَةٍ بِهَا أَصْلًا! بَلْ يُقَالُ: لِكُلِّ مَكَانٍ وَزَمَانٍ دِينُ يُلَائِمُهُ! وَيَحْصُلُ فِينَا كَمَا حَصَلَ مَعَ الأُمَمِ المَاضِيَةِ مِنَ التَّفَرُّقِ فِي دِينِهَا.
وَرَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنِ الصَّحَابِيِّ الجَلِيلِ حُذَيفَةَ -عِنْدَمَا كَانَ يُغَازِي أَهْلَ الشَّامِ فِي فَتْحِ إِرْمِينِيَةَ وَأَذْرَبِيجَانَ مَعَ أَهْلِ العِرَاقِ- فَأَفْزَعَهُ اخْتِلَافُهُمْ فِي القِرَاءَةِ؛ فَقَالَ حُذَيفَةُ لِعُثْمَانَ: " يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ؛ أَدْرِكْ هَذِهِ الأُمَّةَ قَبْلَ أَنْ يَخْتَلِفُوا فِي الكِتَابِ اخْتِلَافَ اليَهُودِ وَالنَّصَارَى" (٢). стр. 100
- أَمْثِلَةٌ عَلَى هَذَا التَّاصِيلِ:
١ - مِنْ جِهَةِ دِلَالَةِ القُرْآنِ:
- قَولُهُ تَعَالَى فِي نِسْبَةِ الابْتِدَاعِ إِلَى أَهْلِ الكِتَابِ: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللهِ فَمَا رَعَوهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ [الحَدِيد: ٢٧].
قَالَ الحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: (وَقَولُهُ: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا﴾ أَي ابْتَدَعَتْهَا أُمَّةُ النَّصَارَى، ﴿مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيهِمْ﴾ أَي: مَا شَرَعْنَاهَا لَهُم؛ وَإِنَّمَا هُم التَزَمُوهَا مِنْ تِلْقَاءِ أَنْفُسِهِم) (١).
- قَولُهُ تَعَالَى فِي بَيَانِ تَمَامِ الدِّينِ: ﴿اليَومَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [المَائِدَة: ٣].
قَالَ الحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: " فَلَا حَلَالَ إِلَّا مَا أَحَلَّهُ، وَلَا حَرَامَ إِلَّا مَا حَرَّمَهُ، وَلَا دِينَ إِلَّا مَا شَرَعَهُ" (٢).
- قَولُهُ تَعَالَى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَاذَنْ بِهِ اللهُ﴾
[الشُّورَى: ٢١].
قَالَ الطَّبَرِيُّ ﵀: " يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: أَمْ لِهَؤُلْاَءِ المُشْرِكِينَ بِاللهِ شُرَكَاءُ فِي شِرْكِهِم وَضَلَالَتِهِم ﴿شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَاذَنْ بِهِ اللهُ﴾ يَقُولُ: ابْتَدَعُوا لَهُم مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يُبِحِ اللهُ لَهُم ابْتِدَاعَهُ" (٣).
قَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى البِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالعُدْوَانِ﴾
[المَائِدَة: ٢]. стр. 101
قَالَ البَغَوِيُّ وَالخَازِنُ رَحِمَهُمَا اللهُ فِي تَفْسِيرَيهِمَا: " ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الإثْمِ وَالعُدْوَانِ﴾ قِيلَ: الإِثْمُ: الكُفْرُ، وَالعُدْوَانُ: الظُّلْمُ، وَقِيلَ: الإِثْمُ: المَعْصِيَةُ، وَالعُدْوَانُ: البِدْعَةُ" (١).
- قَولُهُ تَعَالَى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَولِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [الأَعْرَاف: ٣].
قَالَ الخَازِنُ ﵀: " وَالمَعْنَى: وَلَا تَتَوَلَّوا مِنْ دُونِهِ شَيَاطِينَ الإِنْسِ وَالجِنِّ، فَيَامُرُوكُم بِعِبَادَةِ الأَصْنَامِ، وَاتِّباعِ البِدَعِ وَالأَهْوَاءِ الفَاسِدَةِ" (٢).
٢ - مِنْ جِهَةِ دِلَالَةِ السُّنَّةِ:
- كَالحَدِيثِ الخَامِسِ مِنَ الأَرْبَعِينَ النَّوَوِيَّةِ، وَهُوَ فِي الصَّحِيحَين مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا «مَنْ أحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيسَ منهُ فَهُوَ رَدٌّ»، وَفِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيسَ عَلَيهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» وَقَدْ سَبَقَ (٣).
- وَكَحَدِيثِ العِرْبَاضِ مَرْفُوعًا «فَعَلَيكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الخُلَفَاءِ المَهْدِيِّينَ الرَّاشِدِينَ» (٤).
- وَكَحَدِيثِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرو بْنِ العَاصِ مَرْفُوعًا «وَتَفْتَرِقُ أُمَّتِي عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ مِلَّةً؛ كُلُّهُمْ فِي النَّارِ إِلَّا مِلَّةً وَاحِدَةً»، قَالُوا: وَمَنْ هِيَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «مَا أَنَا عَلَيهِ وَأَصْحَابِي» (٥). стр. 102
- وَكَحَدِيثِ أَبي هُرَيرَةَ مَرْفُوعًا «تَرَكْتُ فيكُمْ شَيئَينِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُمَا: كِتابَ اللهِ وسُنَّتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقا حَتَّى يَرِدا عَلَيَّ الحَوضَ» (١).
- وَكَحَدِيثِ أَبي هُرَيرَةَ مَرْفُوعًا «كُلُّ أُمَّتِي يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ إِلَّا مَنْ أَبَى»، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، وَمَنْ يَابَى؟ قَالَ: «مَنْ أَطَاعَنِي دَخَلَ الجَنَّةَ، وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ أَبَى». رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٢).
- وَكَحَدِيثِ الذَّودِ عَنِ الحَوضِ، وَقَدْ سَبَقَ.
٣ - مِنْ جِهَةِ دِلَالَةِ النُّصُوصِ الَّتِي تُبَيِّنُ الخُرُوجَ مِنَ الخِلَافِ وَالفِتَنِ:
- كَمَا فِي الحَدِيثِ «يُوشِكُ أَنْ يَاتِيَ زَمَانٌ يُغَرْبَلُ النَّاسُ فِيهِ غَرْبَلَةً، تَبْقَى حُثَالَةٌ مِنَ النَّاسِ قَدْ مَرِجَتْ عُهُودُهُمْ وَأَمَانَاتُهُمْ وَاخْتَلَفُوا فَكَانُوا هَكَذَا» وَشَبَّكَ بَينَ أَصَابِعِهِ. فَقَالُوا: وَكَيفَ بِنَا يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «تَاخُذُونَ مَا تَعْرِفُونَ، وَتَذَرُونَ مَا تُنْكِرُونَ، وَتُقْبِلُونَ عَلَى أَمْرِ خَاصَّتِكُمْ، وَتَذَرُونَ أَمْرَ عَامَّتِكُمْ» (٣).
- وَكَحَدِيثِ حُذَيفَةَ فِي الخَيرِ وَالشَّرِّ وَالتَّمَسُّكِ بِجَمَاعَةِ المُؤْمِنِينَ وَإِمَامِهِم الَّذِي فِيهِ قَولُهُ ﷺ : «تَعْرِفُ مِنْهُم وَتُنْكِرُ»، وَقَدْ سَبَقَ. стр. 103
- جُمْلَةٌ مِنَ الشُّبَهِ وَجَوَابُهَا:
الشُّبْهَةُ الأُولَى:
قَولُهُ ﷺ : «مَنْ سَنَّ في الإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ مِنْ غَيرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيءٌ» (١)؛ فِيهِ دليلٌ عَلَى جَوَازِ الابْتِدَاعِ فِي الدِّينِ!
وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ فِيمَنْ أَنْشَأَ بِدْعَةً ابْتِدَاءً قَولُهُ: «مَنْ سَنَّ» حَيثُ نَسَبَ الاسْتِنَانَ إِلَى المُكَلَّفِ دُونَ الشَّارِعِ، وَلَو كَانَ المُرَادُ (مَنْ عَمِلَ سُنّةً ثَابِتَةً فِي الشَّرْعِ) لَمَا قَالَ: «مَنْ سَنَّ»! فَالمَعْنَى إِذَن: (مَنِ اخْتَرَعَهَا مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ) لَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ تَكُونَ حَسَنَةً؛ فَلَهُ مِنَ الأَجْرِ مَا ذُكِرَ!
الجَوَابُ مِنْ أَوجُهٍ:
١ - قَولُهُ: «مَنْ سَنَّ في الإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً» لَيسَ المُرَادُ بِهِ الاخْتِرَاعَ! وَإِنَّمَا المُرَادُ بِهِ إِحْيَاءُ العَمَلِ مِمَّا غُفِلَ عَنْهُ مِنَ السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ، لِأَنَّ السَّبَبَ الَّذِي جَاءَ لِأَجْلِهِ الحَدِيثُ هُوَ الصَّدَقَةُ المَسْنُونَةُ، وَأَنَّ فِعْلَ الرَّجُلِ -المَوصُوفِ فِي الحَدِيثِ- كَانَ إِحْيَاءَ سُّنَّةٍ نَبَوِيَّةٍ غَفَلَ عَنْهَا الحَاضِرُونَ -كَمَا سَتَجِدُهُ فِي لَفْظِ الحَدِيثِ نَفْسِهِ-، وَأَنَّ الحَدِيثَ لَيسَ فِيهِ عَمَلٌ جَدِيدٌ مُحْدَثٌ فِي الشَّرْعِ! لَكِنَّهُ مُحْدَثٌ بِاعْتِبَارِ تَنَبُّهِ النَّاسِ إِلَيهِ، وَأَنَّهُ أَحْيَا سُّنَّةً غَفَلَ عَنْهَا النَّاسُ حِينَهَا.
وَتَأَمَّلِ الحَدِيثَ الآخَرَ «مَنْ أَحْيَا سُنَّةً مِنْ سُنَّتِي فَعَمِلَ بِهَا النَّاسُ؛ كانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ مَنْ عَمِلَ بِهَا لَا يُنْقَصُ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيءٌ، وَمَنِ ابْتَدَعَ بِدْعَةً فَعُمِلَ بِهَا؛ كانَ عَلَيهِ مِثْلُ أَوزَارِ مَنْ عَمِلَ بهَا لَا يُنْقَصُ مِنْ أَوزَارِهِمْ شَيءٌ» (٢). стр. 104
وَالحَدِيثُ -مَوضُوعُ البَحْثِ- بِتَمَامِ أَلْفَاظِهِ هُوَ كَالآتِي:
عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵁؛ قَالَ: " كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي صَدْرِ النَّهَارِ، فَجَاءَهُ أَقْوَامٌ حُفَاةٌ عُرَاةٌ مُجْتَابِي النِّمَارِ أَوِ العَبَاءِ، مُتَقَلِّدِي السُّيُوفِ، (وَلَيسَ عَلَيهِم أُزُرٌ وَلَا شَيءٌ غَيرُهَا) عَامَّتُهُم مِنْ مُضَرَ، بَلْ كُلُّهُم مِنْ مُضَرَ، فَتَمَعَّرَ (وَفِي رِوَايَةٍ: فَتَغَيَّرَ، وَمَعْنَاهُمَا وَاحِدٌ) وَجْهُ رَسُولِ اللهِ ﷺ لِمَا رَأَى بِهِم مِنَ الفَاقَةِ، فَدَخَلَ ثُمَّ خَرَجَ، فَأَمَرَ بِلَالًا فَأَذَّنَ وَصَلَّى (الظُّهْرَ، ثُمَّ صَعِدَ مِنْبَرًا صَغِيرًا)، ثُمَّ خَطَبَ (فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيهِ) فَقَالَ: «أَمَّا بَعْدُ؛ فَإِنَّ اللهَ أَنْزَلَ فِي كِتَابِهِ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيكُمْ رَقِيبًا﴾ [النِّسَاء: ١]، وَالآيَةَ الَّتِي فِي الحَشْرِ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ * وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الفَاسِقُونَ * لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الجَنَّةِ أَصْحَابُ الجَنَّةِ هُمُ الفَائِزُونَ﴾ [الحَشْر: ١٨ - ٢٠]، تَصَدَّقُوا قَبْلَ أَنْ يُحَالَ بَينَكُم وَبَينَ الصَّدَقَةِ، تَصَدَّقَ رَجُلٌ مِنْ دِينَارِهِ، مِنْ دِرْهَمِهِ، مِنْ ثَوبِهِ، مِنْ صَاعِ بُرِّهِ، (مِنْ شَعْيرِهِ)، مِنْ صَاعِ تَمْرِهِ»، حَتَّى قَالَ: «وَلَا يَحْقِرَنَّ أَحَدُكُم شَيئًا مِنَ الصَّدَقَةِ، وَلَو بِشِقِّ تَمْرَةٍ، فَأَبْطَأُوا حَتَّى بَانَ فِي وَجْهِهِ الغَضَبُ»، قَالَ: فَجَاءَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ بِصُرَّةٍ مِنْ وَرِقٍ (وَفِي رِوَايَةٍ: مِنْ ذَهَبٍ) كَادَتْ كَفُّهُ تَعْجَزُ عَنْهَا، بَلْ قَدْ عَجَزَتْ (فَنَاوَلَهَا رَسُولَ اللهِ ﷺ وَهُوَ عَلَى مِنْبَرِهِ)، (فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ هَذِهِ فِي سَبِيلِ اللهِ)، (فَقَبَضَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ، (قَامَ أَبُو بَكْرٍ فَأَعْطَى، ثُمَّ قَامَ عُمَرُ فَأَعْطَى، ثُمَّ قَامَ المُهَاجِرُونَ وَالأَنْصَارُ فَأَعْطَوا)، ثُمَّ تَتَابَعَ النَّاسُ
стр. 105
(فِي الصَّدَقَاتِ)، (فَمِنْ ذِي دِينَارٍ، وَمِنْ ذِي دِرْهَمٍ، وَمِنْ ذِي، وَمِنْ ذِي) حَتَّى رَأَيتُ كَومَينِ مِنْ طَعَامٍ وَثِيَابٍ، حَتَّى رَأَيتُ وَجْهَ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَتَهَلَّلُ كَأَنَّهُ مُذْهَبَةٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَنَّ سَنَّ فِي الإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أَجْرُهَا، وَمِثْلُ أَجْرِ مَنْ عَمِلَ بِهَا بَعْدَهُ مِنْ غَيرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِم شَيءٌ، وَمَنْ سَنَّ سُنَّةً فِي الإِسْلَامِ سَيِّئَةً كَانَ عَلَيهِ وِزْرُهَا، وَمِثْلُ وِزْرِ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ مِنْ غَيرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَوزَارِهِم شَيءٌ»، (ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الآيَةَ: ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾)، (قَالَ: فَقَسَمَهُ بَينَهُم) " (١).
قُلْتُ: قَدْ رَوَى الإِمَامُ مُسْلِمُ ﵀ هَذَا الحَدِيثَ فِي صَحِيحِهِ ثُمَّ أَتْبَعَهُ
بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيرَةَ مَرْفُوعًا «مَنْ دَعَا إِلَى هُدَى؛ كَانَ لَهُ مِنَ الأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ تَبِعَهُ لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيئًا. وَمَنْ دَعَا إِلَى ضَلَالَةٍ؛ كَانَ عَلَيهِ مِنَ الإِثْمِ مِثْلُ آثَامِ مَنْ تَبِعَهُ لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ آثَامِهِمْ شَيئًا» (٢) مِمَّا يُصَحِّحُ الوَجْهَ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ مِنْ مَعْنَى الحَدِيثِ.
٢ - أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ حَمْلُ الحَدِيثِ عَلَى الاخْتِرَاعِ؛ لَأَنَّهُ يُصْبِحُ بِذَلِكَ مُعَارِضًا لِلعُمُومَاتِ الكُلِّيَّةِ الَّتِي هِيَ قَوَاعِدُ الدِّينِ؛ وَالتِي كَانَ يُحَافِظُ عَلَيهَا النَّبِيُّ ﷺ فِي خُطَبِهِ، كَمِثْلِ حَدِيثِ «كُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ»، وَحَدِيثِ «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيسَ عَلَيهِ أَمْرُنَا» وَقَدْ سَبَقَتْ، فَالأَصْلُ حَمْلُ النُّصُوصِ المُتَشَابِهَةِ عَلَى المُحْكَمَةِ، وَالتَّوفِيقُ بَينَهَا مَا أَمْكَنَ، وَلَيسَ رَدَّ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ!
٣ - أَيضًا يُقَالُ: لَا يُمْكِنُ حَمْلُ الحَدِيثِ عَلَى الاخْتِرَاعِ؛ لِأَنَّهُ لَا سَبِيلَ لِلعَقْلِ стр. 106
فَالنَّاظِرُ فِي السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ يَجِدُ كَثِيْرًا مِنَ النُّصُوصِ تَدُلُّ عَلَى ذَمِّ كَثِيْرٍ مِنَ المُبْتَدَعَاتِ رُغْمَ أَنَّ فَاعِلَهَا لَمْ يَرَ فِيْهَا بَأْسًا، بَلِ اسْتَحْسَنَهَا، وَظَنَّ نَفْسَهُ مَعَ السَّابِقِيْنَ فِي الخَيْرَاتِ!
стр. 107
وَهَاكَ بَعْضُ أَمْثِلَةٍ:
أ- حَدِيثُ: جَاءَ ثَلَاثَةُ رَهْطٍ إِلَى بُيُوتِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ يَسْأَلُونَ عَنْ عِبَادَةِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَلَمَّا أُخْبِرُوا؛ كَأَنَّهُمْ تَقَالُّوهَا. فَقَالُوا: وَأَينَ نَحْنُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ ؛ قَدْ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ؟! قَالَ أَحَدُهُمْ: أَمَّا أَنَا؛ فَإِنِّي أُصَلِّي اللَّيلَ أَبَدًا، وَقَالَ آخَرُ: أَنَا أَصُومُ الدَّهْرَ وَلَا أُفْطِرُ، وَقَالَ آخَرُ: أَنَا أَعْتَزِلُ النِّسَاءَ؛ فَلَا أَتَزَوَّجُ أَبَدًا. فَجَاءَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَيهِمْ، فَقَالَ: «أَنْتُمُ الَّذِينَ قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا؟ أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لَأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَتْقَاكُمْ لَهُ؛ لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ؛ فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيسَ مِنِّي» (١).
ب- حَدِيثُ «مَنْ صَامَ الدَّهْرَ ضُيِّقَتْ عَلَيهِ جَهَنَّمُ هَكَذَا -وَعَقَدَ تِسْعِينَ-» (٢).
ج- جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ يَسْأَلُهُ عَنِ الوُضُوءِ، فَأَرَاهُ ثَلَاثًا ثَلَاثًا، ثُمَّ قَالَ: «هَكَذَا الوُضُوءُ؛ فَمَنْ زَادَ عَلَى هَذَا فَقَدْ أَسَاءَ وَتَعَدَّى وَظَلَمَ» (٣).
د- عَنْ عَمْرِو بْنِ سَلَمَةَ؛ قَالَ: " كُنَّا نَجْلِسُ عَلَى بَابِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَبْلَ صَلَاةِ الغَدَاةِ؛ فَإِذَا خَرَجَ مَشَينَا مَعَهُ إِلَى المَسْجِدِ، فَجَاءَنَا أَبُو مُوسَى الأَشْعَرِيُّ؛ стр. 108
فَقَالَ: أَخَرَجَ إِلَيكُمْ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ بَعْدُ؟ قُلْنَا: لَا، فَجَلَسَ مَعَنَا حَتَّى خَرَجَ، فَلَمَّا خَرَجَ قُمْنَا إِلَيهِ جَمِيعًا، فَقَالَ لَهُ أَبُو مُوسَى: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ؛ إِنِّي رَأَيتُ فِي المَسْجِدِ آنِفًا أَمْرًا أَنْكَرْتُهُ، وَلَمْ أَرَ -وَالحَمْدُ لِلَّهِ- إِلَّا خَيرًا، قَالَ: فَمَا هُوَ؟ فَقَالَ: إِنْ عِشْتَ فَسَتَرَاهُ، رَأَيتُ فِي المَسْجِدِ قَومًا حِلَقًا جُلُوسًا يَنْتَظِرُونَ الصَّلَاةَ، فِي كُلِّ حَلْقَةٍ رَجُلٌ -وَفِي أَيدِيهِمْ حَصىً-، فَيَقُولُ: كَبِّرُوا مِائَةً؛ فَيُكَبِّرُونَ مِائَةً، فَيَقُولُ: هَلِّلُوا مِائَةً؛ فَيُهَلِّلُونَ مِائَةً، وَيَقُولُ: سَبِّحُوا مِائَةً؛ فَيُسَبِّحُونَ مِائَةً، قَالَ: فَمَاذَا قُلْتَ لَهُمْ؟ قَالَ: مَا قُلْتُ لَهُمْ شَيئًا انْتِظَارَ رَأْيِكَ -أَوِ انْتِظَارَ أَمْرِكَ-. قَالَ: أَفَلَا أَمَرْتَهُمْ أَنْ يَعُدُّوا سَيِّئَاتِهِمْ وَضَمِنْتَ لَهُمْ أَنْ لَا يَضِيعَ مِنْ حَسَنَاتِهِمْ! ثُمَّ مَضَى وَمَضَينَا مَعَهُ حَتَّى أَتَى حَلْقَةً مِنْ تِلْكَ الحِلَقِ فَوَقَفَ عَلَيهِمْ فَقَالَ: مَا هَذَا الَّذِي أَرَاكُمْ تَصْنَعُونَ؟ قَالُوا: يَا أَبَا عَبْدِ الَّرحْمَنِ؛ حَصىً نَعُدُّ بِهِ التَّكْبِيرَ وَالتَّهْلِيلَ وَالتَّسْبِيحَ، قَالَ: فَعُدُّوا سَيِّئَاتِكُمْ؛ فَأَنَا ضَامِنٌ أَنْ لَا يَضِيعَ مِنْ حَسَنَاتِكُمْ شَيءٌ، وَيحَكُمْ يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ؛ مَا أَسْرَعَ هَلَكَتَكُمْ! هَؤُلَاءِ صَحَابَةُ نَبِيِّكُمْ مُتَوَافِرُونَ، وَهَذِهِ ثِيَابُهُ لَمْ تَبْلَ، وَآنِيَتُهُ لَمْ تُكْسَرْ! وَالَّذِي نَفْسِي فِي يَدِهِ إِنَّكُمْ لَعَلَى مِلَّةٍ هِي أَهْدَى مِنْ مِلَّةِ مُحَمَّدٍ؛ أَو مُفْتَتِحُوا بَابِ ضَلَالَةٍ، قَالُوا: وَاللَّهِ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ مَا أَرَدْنَا إِلَّا الخَيرَ! قَالَ: وَكَمْ مِنْ مُرِيدٍ لِلْخَيرِ لَنْ يُصِيبَهُ، إِنَّ رَسُولَ اللهِ حَدَّثَنَا أَنَّ قَومًا يَقْرَءُونَ القُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ، وَايمُ اللهِ مَا أَدْرِي لَعَلَّ أَكْثَرَهُمْ مِنْكُمْ، ثُمَّ تَوَلَّى عَنْهُمْ. فَقَالَ عَمْرُو ابْنُ سَلَمَةَ: رَأَينَا عَامَّةَ أُولَئِكَ الحِلَقِ يُطَاعِنُونَا يَومَ النَّهْرَوَانِ مَعَ الخَوَارِجِ" (١). стр. 109
الشُّبْهَةُ الثَّانِيَةُ:
إِنَّ الصَّحَابَةَ ﵃ قَدْ عَمِلوا بِمَا لَمْ يَاتِ بِهِ كِتَابٌ وَلَا سُنَّةٌ مِمَّا رَأَوهُ حَسَنًا وَأَجْمَعُوا عَلَيهِ -وَلَا تَجْتَمِعُ أُمَّةُ مُحَمَّدٍ عَلَى ضَلَالَةٍ-؛ فَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى جَمْعِ القُرْآنِ وَكَتْبِهِ فِي المَصَاحِفِ، وَعَلَى جَمْعِ النَّاسِ عَلَى المَصَاحِفِ العُثْمَانِيَّةِ أَيضًا، وَطَرْحِ مَا سِوَى ذَلِكَ مِنَ القِرَاءَاتِ الَّتِي كَانَتْ مُسْتَعْمَلَةً فِي زَمَنِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ؛ وَلَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ نَصٌّ! وَكَذَا جَمْعُ الحَدِيثِ الشَّرِيفِ بَعْدَ وَفَاةِ النَّبِيِّ ﷺ !
الجَوَابُ مِنْ أَوجُهٍ:
١ - إِنَّ جَمِيعَ مَا ذُكِرَ إِنَّمَا هُوَ مِنْ قَبِيلِ المَصَالِحِ المُرْسَلَةِ (١)؛ لَا مِنْ قَبِيلِ البِدْعَةِ المُحْدَثَةِ! فَكُلُّ ذَلِكَ لَهُ أَصْلٌ يَشْهَدُ لَهُ فِي الجُمْلَةِ وَهُوَ:
- الأَمْرُ بِتَبْلِيغِ الشَّرِيعَةِ وَحِفْظِهَا،
- وَدَعَتْ إِلَيهِ الحَاجَةُ وَهِيَ: حِفْظُ القُرْآنِ مِنَ الاخْتِلَافِ فِيهِ،
- وَلَمْ يَكُنْ الدَّاعِي إِلَيهِ مَوجُودًا زَمَنَ النَّبِيِّ ﷺ حَيثُ كَانَ الوَحْيُ مُتَجَدِّدًا لَمْ يَنْقَطِعْ بَعْدُ، وَلِذَلِكَ أَجْمَعَ عَلَيهِ السَّلَفُ الصَّالِحُ.
وَأَمَّا مَا سِوَى المُصْحَفِ مِنْ جَمْعِ الحَدِيثِ؛ فَالأَمْرُ فِيهِ أَسْهَلُ، فَقَدْ ثَبَتَ فِي السُّنَّةِ كِتَابَةُ الحَدِيثِ، فَفِي الحَدِيثِ قَولُهُ ﷺ : «اكْتُبوا لِأَبِي شَاه» مُتَّفَقٌ عَلَيهِ (٢)، وَأَبُو شَاه: رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ اليَمَنِ أَرَادَ أَنْ تُكْتَبَ لَهُ خُطْبَةُ النَّبِيِّ ﷺ يَومَ فَتْحِ مَكَّةَ.
فَالكِتَابَةُ هَذِهِ هِيَ مِنْ قَبِيلِ القَاعِدَةِ المَشْهُورَةِ (مَا لَا يَتِمُّ الوَاجِبُ إِلَّا بِهِ؛ فَهُوَ وَاجِبٌ). стр. 110
٢ - أَنَّ إِجْمَاعَ الصَّحَابَةِ رِضْوَانُ اللهِ عَلَيهِم عَلَى فِعْلِ ذَلِكَ هُوَ دَلِيلُ صِحَّتِهِ شَرْعًا؛ إِذْ إِنَّ الإِجْمَاعَ حُجَّةٌ شَرْعِيَّةٌ، كَمَا فِي الحَدِيثِ «إِنَّ اللهَ قَدْ أَجَارَ أُمَّتِي أَنْ تَجْتَمِعَ عَلَى ضَلَالَةٍ» (١)، وَعَلَيهِ فَلَا يَصِحُّ الاسْتِدْلَالُ بِهَذِهِ الوَاقِعَةِ عَلَى جَوَازِ الابْتِدَاعِ أَصْلًا!
قَالَ الإِمَامُ السُّيُوطِيُّ ﵀: " وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي دَاوُدَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ سُوِيدِ ابْنِ غَفَلَةَ قَالَ: قَالَ عَلِيٌّ: لَا تَقُولُوا فِي عُثْمَانَ إِلَّا خَيرًا! فَوَاللَّهِ مَا فَعَلَ الَّذِي فَعَلَ فِي المَصَاحِفِ إِلَّا عَنْ مَلَأٍ مِنَّا؛ قَالَ (٢): (مَا تَقُولُونَ فِي هَذِهِ القِرَاءَةِ؟ فَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّ بَعْضَهُمْ يَقُولُ: إِنَّ قِرَاءَتِي خَيرٌ مِنْ قِرَاءَتِكَ! وَهَذَا يَكَادُ يَكُونُ كُفْرًا)، قُلْنَا: فَمَا تَرَى؟ قَالَ: (أَرَى أَنْ يُجْمَعَ النَّاسُ عَلَى مُصْحَفٍ وَاحِدٍ فَلَا تَكُونُ فُرْقَةٌ وَلَا اخْتِلَافٌ)، قُلْنَا: نِعْمَ مَا رَأَيتَ" (٣).
٣ - أَنَّ الَّذِي أَمَرَ بِالجَمْعِ هُوَ الخَلِيفَةُ الرَّاشِدُ أَبُو بَكْرٍ ﵁ -وَمِنْ ثُمَّ جَمْعُ عُثْمَانَ ﵁؛ وَأَمْرُهُ مُعْتَبَرٌ شَرْعًا لِكَونِهِ خَلِيفَةَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، كَمَا فِي الحَدِيثِ «فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ بَعْدِي فَسَيَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا؛ فَعَلَيكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الخُلَفَاءِ المَهْدِيِّينَ الرَّاشِدِينَ» (٤)، فَهَذَا أَيضًا يُخْرِجُ هَذِهِ الوَاقِعَةَ مِنْ أَدِلَّةِ جَوَازِ الابْتِدَاعِ أَصْلًا.
قَالَ الشَّيخُ مُلَّا عَلِي القَارِيِّ ﵀: " قَولُهُ: «فَعَلَيكُم بِسُنَّتِي»: اسْمُ فِعْلٍ بِمَعْنَى следующие страницы →