شُرُوعٌ
مثل العنقاء حين تنفضُ عنها غبارَ القرون ناهضةً من سُباتٍ طويل؛ يطلع إلينا اليوم علاءُ الدين القَرَشى (ابن النفيس) بموسوعته الشامل فى الصناعة الطبية بعد وفاته بسبعة قرون.
ومثلما تشرع العنقاءُ أجنحتها الأسطورية الرائعة مُحلِّقةً فى الذرى، بعدما بُعثت من رمادها؛ يفرد العلاءُ أجزاءَ موسوعته الأربعين فيطير مرةً ثانية فى سماوات العلوم وتاريخها، بعد قرونٍ من انطمار الكتاب فى النُّسخ الخطية، وبعد تيهٍ طويل وشتاتٍ بين مكتبات الشرق والغرب.
وكأننى الآن بالعلاء القرشى، يبتسمُ فى عليائه ابتسامةً لا تخلو من اعتدادٍ وابتهاجٍ وسخرية! محدِّثاً نفسه: أَلَمْ أَقُلْ للزَّمَانِ: " لَوْ لَمْ أَعْلَمْ أَنَّ تَصَانِيفى تَبْقَى بَعْدِى عَشْرَةَ آلاَفِ سَنَةٍ، مَا وَضَعْتُهَا ". فَلمْ يُصَدِّقْنى أَهْلُ زَمَانِى.. فَأَيْنَ هُمُ الآنَ؟
стр. 2
وكأننى به.. وقد غلبه الوجدُ الذى، حسب قول الصوفية؛ يكون: عِنْدَ ذِكْرُ مُزْعِجٍ أو خَوْفِ مُقْلِقٍ.. أو أَسَفٍ على فَائِتٍ! فإذا بعينيه وقد اكتستا بسحابةِ أسىً، وبحزنٍ شفيف، لما ضَيَّعه الزمانُ من أجزاء موسوعته الأربعين.. ولا يخلو أساهُ وحزنُهُ، من أملٍ ورجاء فى ظهورها يوماً منزويةً بين جنبات خزانةٍ خطِّيةٍ عتيقة، غفل عنها الأحفاد.
أربعون جزءاً من الشامل ضاعت، وأربعون تخرج اليوم محقَّقةً على يد واحدٍ من أحفادك أيها العلاء.. ليس واحداً، بل هُم نفرٌ من أحفادك وجدوك قطعةً من ذاتٍ مندثرة، حُقَّ لها أن تُبعث ووجودوك ورقةً من كتاب الوعى الغائب، حُقَّ لها أن تُنشر وتُذاع. فها نحن ننشر الأربعين من الشامل ونصبو لخروج الأربعين الأخرى فلا يبقى الشاملُ ناقصاً.
يرد العلاءُ: الشَّامِلُ لَنْ يَكُونَ نَاقِصاً أَبداً! فقد تحسبتُ لأفعال الزمان، فجعلتُ كُلَّ جزءٍ من الشامل منفصلاً عن بقية الأجزاء، قائماً بموضوعه ومُتَّصلاً - فى آنٍ - ببقية الأجزاء، مكمِّلاً لها حتى إذا ظهر جزءٌ واحد، دَلَّ ظهوُره على بقية
стр. 3
الأجزاء، وحدا بكم - من بعدى - إلى التنقيب عنها، والسعى وراء الاكتمال.
ويضيف العلاءُ من عليائه:
لنمض، إذن، قُدُماً فى نشر ما تحت أيدينا من الأجزاء الموجودة، ولْنأمل فى العثور على المفقودة ولْنجعل غايتنا فى ذلك: " نُصْرَةَ الحقِّ وإِعْلاءَ مَنَارِه، وخِذْلاَنَ البَاطِلِ وطَمْسَ آثَارِه " كما قلتُ فى ديباجة شرحى على فصول أبقراط ثم أردفتُ: " وَهْوَ أمرٌ التَزَمْنَاهُ فى كُلِّ فَنٍّ ".. فليكن التزام الأحفاد، كالتزام الأجداد من قبلهم ولا يروعكم تعاقبُ الأجيال، ولا يقعد بكم أنكم فى زمنٍ عربىٍّ ردئ، فهذه أمةٌ لن تخلو - أبداً - من قائمٍ بالحجة، وحاملٍ للمشعل.. وقد دَلَّ النظر العقلى، واستقراءُ أحوال الأزمنة، على أنه: إِذَا تَسَاوَتْ العُقُولُ والهِمَمُ، فَمُتَأَخِّرُ كُلِّ صِنَاعِةٍ، خَيْرٌ مِنْ مُتَقَدِّمِها.
.. وتُثير كلماتُ العلاء كوامن النفس، وتهزُّ القلب والعقل.. بل الكيان كله، فيأخذنى الدَّهَشُ لحظةً، فلا أفيقُ إلا والعلاءُ يغيب عن تلك الحضرة البرزخية، وهو يقول بنبرةٍ هادئةٍ، تفيض رجاءً وتحناناً:
стр. 4
أوصيك، أوصيكم جميعاً، بأن تقرأوا كتابيا.. لترون كيف كان عقلكم العربى يفكر.. ولاتحذونى حَذْوَ التكرار، فهذا مستحيلٌ لن يكون.. وإنما انظروا كيف كانت كتابة الأوَّلين.. ثم اكتبوا من بعدها كتابةً أبهى.. ولتعرِّفوا الدنيا بما كتبناه.. ولتضعوا الشامل أمام أعين العالمين.. من الدارسين لتاريخ العلوم.. والمهْتَمِّين بالتراث العربى / الإسلامى.. والنَّاعين على العقل العربى والثقافة الإسلامية، أولئك الذين صاروا فى يومكم هذا: ناعقين بكل وادٍ.
стр. 5
الشَّامِلُ فى الصِّنَاعَةِ الطِّبِّيَّةِ
دِرَاسَةٌ مُمَهِّدِة
стр. 6
تأتى هذه الدراسة الممهِّدة لتحقيق موسوعة الشامل فى الصناعة الطبية بعد شهرين من صدور كتابنا: علاء الدين (ابن النفيس) القرشى، إعادة اكتشاف. وهو الكتاب الذى اعتبرناه فاتحةً واختتاماً، فهو ختامٌ لسنوات طوال قضيتها فى دَرْس العلاء، ساعياً لاستكشاف صورة هذا الرجل / العلاَّمة، والتجوال فى مفاوز إبداعاته العلمية، دون النزوع الإختزالى الذى يلخِّصه - ويبتسره - فى عبارة: مكتشف الدورة الدموية الصغرى.. واعتبرتُ الكتاب فاتحةً لتحقيق موسوعة الشامل التى تعد، بعد اكتمال صدورها خلال عامين: أضخم كتاب فى التراث العلمى العربى، تخرجه مطابعنا منذ بدء عصر الطباعة.
ومع ذلك، فلابد لنا هنا، قبل الخوض فى بحار الشامل.. من إلقاء بعض الضوء على هذه الموسوعة، ومؤلِّفها، ومخطوطاتها، وما يتعلَّق بها من التباسٍ فى أذهان الدراسين، وما اتَّبعناه من منهجٍ للتحقيق؛ وغير ذلك من التمهيدات الضرورية.. فنقول، وعلى الله قصد السبيل:
الكِتَابُ ومُؤَلِّفُهُ
الشامل بلا منازع، هو أكبر موسوعة علمية فى التاريخ الإنسانى، يكتبها شخصٌ واحد. فالكتابةُ العلمية اتَّجهت منذ بداياتها الأولى، إلى شكل الرسائل القصار، والفوائد الموجزة؛ وهو ما ظهر مع فجر التاريخ العلمى فى نصوصٍ أوَّلية كما هو الحال فى البرديات المصرية القديمة، التى بقيت منها إلى يومنا هذا بضعة برديات، تُعرف بأسماء مكتشفيها أو أماكن حفظها، مثل: بردية هيرست
стр. 7
بردية كاهون بردية برلين.. إلخ، وكلها عبارة عن معلومات طبية مجتزأة ووصْفاتٍ علاجية متتالية، ومعارف من علم التشريح.
وفى الأزمنة الغابرة، كتبت الفرسُ والهندُ والصينُ كتابةً علمية، موجزة عرفناها لما قام بنقلها من أصولها إلى اللغة العربية جماعةٌ من المترجمين، فنقل من الهندية إلى العربية: منكه الهندى، ابن دهن الهندى. ونَقَلَ من الفارسية: ابنُ المقفع، آل نوبخت، البلاذرى. ونَقَلَ من النبطية إلى العربية: ابنُ وحشية النبطى (١) .. فعرف العالم العربىُّ الإسلامى، ومن بعده بقيةُ الدنيا، من كتب الحضارات القديمة، أعمالاً مثل كتاب السموم لشاناق الهندى، وكتاب الفلاحة النبطية لابن وحشية، والأزياج الفلكية الهندية والفارسية.. وغير ذلك كثيرٌ من النصوص العلمية.
ولما تسلَّمت اليونان مشعل الحضارة الإنسانية من مصر القديمة وبلاد الشرق كتب علماءُ اليونان وأطباؤهم نصوصاً على شكل الرسائل، تم جمعها فى عصورٍ لاحقة، فى كتبٍ مثل أصول الهندسة لأُقليدس، الذى كان فى الأصل مجموعة مقالات كتبها أُبولونيوس ثم حرَّرها أُقليدس وأضاف إليها مقالات أخرى، فجُمعت كلها بالإسكندرية القديمة، وتُرجمت فى بغداد، وصارت كتاباً واحداً.. ومثل كتاب المجسطى لبطليموس، الذى كان فى أصله ثلاث عشر مقالة جُمعت معاً ونُقلت إلى العربية بعناية يحيى بن خالد البرمكى. وكذلك الأمر فى كتب أرسطو قبل أُقليدس وبطليموس، فقد وضع هذا المعلم
стр. 8
الأول علومه على شكل رسائل وكُتبٍ صغار، جُمعت بعد ذلك على صعيدٍ واحد، فصار لدينا - مثلاً - كتاب المنطق الذى هو مجموعةٌ من الرسائل والكتب القصار: قاطيغورياس بارى أرمنياس، أنالوطيقا.. إلخ، ثم وضع لها فرفوريوس الصورى مدخلاً اشتهر بعنوان: إيساغوجى أو المدخل إلى المنطق.
وفى التراث الطبى، اشتهر من أهل اليونان اثنان من الأطباء المؤلِّفين: أبقراط، جالينوس. وكلاهما كتب بإيجازٍ فى مجالات الطب على اختلافها، ثم جُمع المختلف، فأتلف فى المجموعة الأبقراطية (الاثنى عشر كتاباً) .. وفى (الستة عشر كتاباً) لجالينوس، التى جمعها الإسكندرانيون من رسائله، فصارت تُعرف بعنوان: منتخبات الإسكندرانيين لجالينوس. وكلاهما، أعنى أبقراط وجالينوس سوف يُعرف فى حضارتنا من خلال تلك المؤلَّفات، ويُشهد له بالفضل، فلا يُذكر اسمه إلا مسبوقاً بلقب: الفاضل.
وفى حضارتنا، نحن، سوف تكون أول كتابات علمية موسَّعة، وأول موسوعات علمية فى التاريخ الإنسانى.. ربما لأنها حضارة حفظٍ وتدوين، وربما لأن المعارف كانت قد اتسعت، وربما لأن المسلمين تَشكَّل وعْيُهم من خلال الكتاب أعنى القرآن الكريم.. ومن خلال الحديث الشريف الذى دعا إلى التدوين كما فى قوله r: دوِّنوا العلم بالكتاب.
ودوَّن العربُ المسلمون - أول الأمر - الرسائل الطبية والكنانيش (١) ، ثم عكفوا على كتابة المطوَّلات، فزها تراثنا، وازدان، بموسوعاتٍ طبية مثل: الحاوى.. القانون.. الشامل. ولنتكلم عليها تفصيلاً، لنتعرَّف إلى مكانة الشامل وموضعه من تاريخ الطب العربى / الإسلامى، بل الطبِّ الإنسانى بعامة.
стр. 9
أما الحاوى فهو كتابٌ، كما جاء فى ديباجته: ألَّفه أبو بكر محمد بن زكريا الرازى المتطبِّب، فى طِبِّ جميع الأمراض الكائنة فى بدن الإنسان ومعالجتها، وسمَّاه الحاوى لأنه يحتوى على جميع الكتب وأقاويل القدماء الفضلاء من أهل هذه الصناعة، وقد بدأ بذكر ذلك من رأس الإنسان، وما ينزله من الأمراض (١) .
ولم يكن الحاوى هو الكتاب الوحيد الذى ألَّفه أبو بكر الرازى (المتوفى ٣١٣ هجرية) فقد وضع الرجل من الكتب كثيراً، مثل: المنصورى، منافع الأغذية، كتاب الجدرى والحصبة.. وغيرها من المؤلَّفات التى بلغت ١٤١ كتاباً ورسالة بحسب إحصاء الفهرست (٢) وزادت فى عيون الأنباء (٣) لتصل إلى ٢٣٢ مؤلَّفاً.
غير أن الحاوى ظلَّ دائماً: أهم أعمال الرازى الطبية.. وقد نُشر الكتابُ فى أربعة وعشرين مجلداً، بتحقيق لابأس به، قام به جماعةٌ من فضلاء الهند المعاصرين، بإشراف الدكتور عبد المعيد خان. ولاشك فى أن تحقيق الحاوى ونشره،لم يكن بالعمل الهيِّن، فالكتابُ عبارة عن قصاصات من الورق، توفى الرازى ولم يفسح له الأجل أن يحرِّرها (٤) . فجمعها تلاميذه بعد موته جمعاً غير
стр. 10
محكم، وغير منطقى (١) .
وأما القانون فى الطب للشيخ الرئيس أبى على ابن سينا المتوفى ٤٢٨ هجرية، فهو أول موسوعة طبية كاملة، بالمعنى العلمى الدقيق للكلمة. بدأها مؤلِّفها بقوله، بعد الحمدلة: التمس منى بعضُ خُلَّص إخوانى، ومَنْ يلزمنى إسعافه بما يسمح به وَسَعى، أن أصنِّف فى الطب كتاباً مشتملاً على قوانينه الكلية والجزئية، اشتمالاً يجمع إلى الشرح الاختصارَ، وإلى إيفاء الأكثر حقه من البيان الإيجازَ، فأسعفته بذلك، ورأيتُ أن أتكلَّم أولاً فى الأمور العامة الكلية فى كلا قسمى الطب، أعنى القسم النظرى والقسم العملى، ثم أتكلَّمُ فى كليات أحكام قوى الأدوية.. فإنى أجمع هذا الكتاب، وأقسِّمه إلى كتبٍ خمسة؛ الكتاب الأول: فى الأمور الكلية فى علم الطِّبِّ. الكتاب الثانى: فى الأدوية المفردة. الكتاب الثالث: فى الأمراض الجزئية الواقعة بأعضاء الإنسان عضوٍ عضو، من الفَرْقِ إلى القَدَم، ظاهرها وباطنها. الكتاب الرابع: فى الأمراض التى إذا وقعت، لم تختص بعضو، وفى الزينة. الكتاب الخامس: فى تركيب الأدوية، وهو الأقراباذين (٢) .
وطُبع القانون فى مصر بدون تحقيق، وتوالى تصوير، وتزوير، هذه الطبعة غير المحقَّقة - وإن كانت جيدة - ولم يفكر محقِّقٌ واحد فى إخراجه ونشره محقَّقاً حتى الآن! والمحقِّقون معذورون فى إحجامهم عن تحقيق كتاب مثل القانون فهو علاوة على ضخامته، جامعٌ لشتات المعارف الطبية فى عصره، مما يجعل ملاحقة نصوصه بالضبط والتحرير، عملاً شاقاً فى الجهد، قليلاً فى المجد.. خاصةً فى
стр. 11
wm Hov زمننا هذا الذى يشهد تراجعاً عن إنجاز المشروعات الكبرى؛ وتلك قصةٌ أخرى،لها تفصيلٌ يطول، وليس هذا موضعه.ضعه.
وأما الشامل فى الصناعة الطبية فهو ثالث الموسوعات الكبرى فى تاريخ الطب العربى / الإسلامى، بل الطِّبِّ الإنسانى بعامة. تحدَّى بها العلاء القرشى (ابن النفيس) قِصَر الزمان الإنسانى، ومحدودية القدرة الإنسانية! وقد كان العلاءُ امتداداً للتقاليد الطبية التى أرساها مِن قبله أعلامٌ من نوع الرازى وابن سينا وكانت صلته بالأخير أقوى، وشروحه على مؤلَّفاته أكثر (١) . غير أنَّ إقدامه على تأليف موسوعةٍ بحجم الشامل لا يفسِّره - فقط - كونه امتداداً لهؤلاء الأطباء العظام، وإنما لابد من النظر فى السياق التاريخى الذى انتمى إليه العلاء ولابد من تفحُّص اللحظة التاريخية التى عاشها. وفى هذا الإطار نقول:
لما اهتزَّ كرسى الخلافة العباسية تحت وطأة الشيخوخة العباسية، ومؤامرات القصور، وتهديدات المغول.. بدأت المجالسُ العلمية تنسرب من بغداد إلى الشام ومصر. كان ذلك منذ مطلع القرن السابع الهجرى، الذى وُلد العلاءُ فى السنة السابعة منه - بقرية القَرَشِ القريبة من دمشق - ولما كان العام المشئوم فى منتصف هذا القرن، أعنى سنة ٦٥٦ هجرية.. دخل هولاكو بغداد، فطمس وجهها على نحوٍ،لم يسمح لها باستعادة دورها من بعد ذلك: أبداً.
وازدهر العلمُ فى الشام ومصر، غير أن الشام ابتُليت آنذاك بالوقوع بين شِقَّى الرحى: المغول.. والصليبيين. ولم يكن الحالُ فى مغرب العالم الإسلامى
стр. 12
بأفضل منه فى الشام، فقد آذنت شمسُ الأندلس بالمغيب، وتهدَّدت بلاد المغرب ووَهَنَ منها عَظْمُ المجد والسلطان، فصارت نهباً لأطماع - وحملات - الإسبان وأحقادهم التاريخية، مما دفع ببلاد المغرب إلى ناحية الانزواء الحضارى.
وفى العقود الأخيرة من القرن السابع الهجرى، وجدت القاهرة نفسها وحيدةً، وسط عالمٍ يرتجُّ؛ فالمشرقُ الإسلامى - بلاد فارس وما بعدها - لايزال يترنَّح من عنف الضربات المغولية، التى توالت طيلة خمسين سنة، ابتدأت بخروج جنكيز خان للثأر من محمد خوارزمشاه، وانتهت بتأسيس الدولة الإسلامية المغولية على يد بركة خان حفيد جنكيز خان، زعيم القبيلة الذهبية، بعد انكسار ابن عمه هولاكو على يديه.. والمغربُ الإسلامى كان قد انزوى، وصار منطقة طردٍ حضارىٍّ واجتماعى، وفزع منه الناسُ إلى مصر والشام، مثلما التجأ العلماءُ والصوفية؛ أمثال: ابن عربى، التلمسانى، الششترى، الشاذلى، المرسى. ومِن قبلهم: موسى بن ميمون الطبيب الفيلسوف، ابن البيطار العَشَّاب المعروف وغيرهما. جاء هؤلاء من المغرب إلى مصر، من الشام جاءها - فى حدود سنة ثلاثين وستمائة - علاءُ الدين القرشى.
وكان على مصر وهى الحاضرة الإسلامية الوحيدة التى ظلت مزدهرة، أن تقوم بدور كبير لإنقاذ الكيان الحضارى العربى / الإسلامى، فتعيَّن عليها عسكرياً صَدَّ فلول المغول وجحافل الصليبيين. كما تعيَّن عليها سياسياً إحياء الخلافة الإسلامية، ولو كان إحياءً رمزياً. كما تعيَّن عليها اجتماعياً واقتصادياً أن تستوعب الهجرات الوافدة عليها من المغرب، ومن العراق والشام.
وأدَّت مصرُ ما عليها فى ذلك كله، حتى دخل القرن الثامن الهجرى، وقد استتبَّ الحال فى مصر، وصارت القاهرة - آنذاك - أهم مركز حضارى فى العالم الإسلامى، وأكثر العواصم العربية أمناً وازدهاراً.. حتى أن ابن خلدون، كتب
стр. 13
- فى أواخر القرن الثامن الهجرى - قائلاً إن مَنْ أراد أن يرى عِزَّ الإسلام فلْيذهب إلى القاهرة.
وكانت ذاكرةُ الأمة قد هدَّدها الاندثار، فقد ضاعت ألوف المخطوطات التى هى كتاب الحضارة ودُمِّرت المكتباتُ فى المشرق والمغرب. وكان المغولُ والصليبيون يحرصون على طمس التراث العربى / الإسلامى، بالتخريب وإفناء المخطوطات.. وقد اشتهرت فى التاريخ، واقعةُ إفراغ هولاكو لمخطوطات بغداد فى نهر دجلة، لغسل مادوَّنته الأمة، ومحو ما خلَّفته القرون.
من هنا، كان على مصر أن تقوم بدورٍ هائل لحفظ ذاكرة الأمة، وإنقاذ هويتها من الانطماس. فبدأ علماءُ مصر، من بعد سقوط بغداد، فى تدوين المطوَّلات والكتب الضخمة والموسوعات - فى شتى مجالات العلم - مع أنَّ الملاحظ فى كتابات المصريين طيلة القرون السابقة على القرن السابع الهجرى أنها كانت تأتى دوماً، على هيئة كتب صغار، ورسائل، ومساجلات علمية. لكن الحال تغيَّر مع جهود علماء من أمثال علاء الدين القرشى (ابن النفيس) الذى وضع ما يقرب من عشرة شروح على موسوعة ابن سينا (القانون فى الطب) بغية إعادة بعثها مرةً أخرى إلى أذهان المشتغلين بالطب، ومن هنا قال ابن فضل الله العمرى، إن العلاء: هو الذى جَسَّر الناس على قانون ابن سينا.
ومن بعد بعثه للقانون، يعكف العلاء (ابن النفيس) على تدوين موسوعة الشامل فى الصناعة الطبية فيضع المسودات بحيث تأتى فى ثلاثمائة مجلد، بيَّض منها ثمانين ثم وافته المنية - عن ثمانين سنة - سنة ٦٨٧ هجرية بالقاهرة، وأهدى المجلدات الثمانين، بل كل مكتبته وداره وأمواله، إلى البيمارستان المنصورى بالقاهرة - مستشفى قلاوون حالياً - الذى كان مشرفاً عليه، باعتباره أكبر
стр. 14
مستشفيات القاهرة آنذاك، ومحل عمل رئيس أطباء مصر وهو المنصب الذى شغله العلاء (ابن النفيس) حتى وفاته فى السنة المذكورة.
وقريبٌ من هذا (النمط) من الكتابة الموسوعية الحافظة للذاكرة، وفى مجالٍ آخر غير الطب؛ سوف يضع ابن فضل الله العمرى - المتوفى ٧٤٩ هجرية - موسوعته التاريخية (مسالك الأبصار) فيؤرِّخ لكل شئ: الملوك، العلماء، الوقائع ويتحدَّث عن كل شئ: الأقاليم، النبات، الحيوان.. إلخ. وقد كان ابن فضل الله - مثل العلاء القرشى - من أصلٍ شامىٍّ، ثم توطَّن فى مصر وارتبط بها بقية عمره، حتى أن الناصر محمد بن قلاوون لما أراد أن يعاقبه، نفاه إلى الشام.. ولما رضى عنه، بعد حين؛ أعاده إلى القاهرة!
وفى القرن الثامن الهجرى، فى القاهرة؛ سوف يكتب شهاب الدين النويرى المتوفى ٧٣٢ هجرية، موسوعته الأدبية الهائلة: نهاية الأَرَب فى فنون الأدب. فيقع كتابه فى ثلاثين مجلداً تشتمل على خمسة فنون، الأول: فى السماء والآثار العلوية والأرض والمعالم السفلية. الثانى: فى الإنسان وما يتعلَّق به. الثالث: فى الحيوان الصامت. الرابع: فى النبات. الخامس: فى التاريخ.. وقد لخص النويرى فى كتابه، كتباً متوناً من التراث السابق عليه، منها: إحياء علوم الدين، اللمعة النورانية، الملل والنِّحَل، فقه اللغة، نزهة المشتاق فى اختراق الآفاق، القصيدة العبدونية (قصيدة ابن عبدون فى التاريخ) وشَرْحها لابن بدرون، مباهج العبر.. بالإضافة إلى ديوان الحماسة لأبى تمام ودواوين الشعراء: المتنبى، البحترى، البستى؛ وغيرهم.. وكأنه بذلك، يبعث هذه المتون للحياة مرةً أخرى، مثلما بعث العلاءُ قانون ابن سينا، وجسَّر الناس عليه.
وفى القرن الثامن نفسه، عَاشَ فى القاهرة، وكَتَبَ، واحدٌ من أغزر
стр. 15
المؤلِّفين فى تاريخ الإسلام: ابن حجر العسقلانى. وكلنا نعرف ضخامة وأهمية، مؤلَّفاته فى التاريخ وعلوم الدين، وقد كانت لأعماله أصداءً واسعة فى أرجاء الأرض. وقد حكى لنا المقريزى أنه حين انتهى ابن حجر من (فتح البارى بشرح صحيح البخارى) عُمل حفلٌ خارج سور القاهرة، أُنفقت فيه على الذبائح وحدها: خمسمائة دينار! ويوم الحفل وصلت وفودٌ من ملوك الأرض تطلب نسخاً من الكتاب.. وهكذا صارت القاهرة هى المركز الثقافى الأول فى المنطقة الإسلامية الممتدَّة الأرجاء، تلبيةً لحاجة حضارية مُلحَّة، شارك بالاستجابة لها علماءٌ من كل فن.. كان منهم العلاء القرشى، الذى اشتهر بين معاصرينا بلقب: ابن النفيس (١) .
وأخيراً.. فلابد من إشارةٍ إلى عدم توقف هذا الدور المصرى، التدوينى الحافظ للذاكرة؛ عند حدود القرن الثامن الهجرى، فقد تعدَّاه إلى القرن التاسع الهجرى، الذى عاش فيه بمصر مؤلِّفٌ من أغزر المؤلفين مادةً - فى التاريخ الإنسانىكله - أعنى به: جلال الدين السيوطى المتوفى ٩١١ هجرية. ذلك الرجل كتب فى علوم اللغة المزهر وفى علوم الدين جمع الجوامع وفى التاريخ حُسن المحاضرة.. وكلها مجلدات كبار، وله بجانب ذلك مؤلَّفاتٌ صغار الحجم جاءت على شكل رسائل حافظة للملامح الثقافية فى تفصيلاتها، وفى طرافتها فكتب: منهل اللطائف فى الكنافة والقطائف، در الغمامة فى الطيلسان والعمامة، الدوران الفلكى على ابن الكركى.. ولم يتحرَّج، وهو العالم الجليل عن كتابة أعمالٍ عنوانها: الوشاح فى فوائد النكاح، الجواهر الثمينة فى فضائل السمينة، نواضر الأيك فى نوادر ال (..) !
стр. 16
وهكذا كان السيوطى حلقةً من حلقات المشروع المصرى لحفظ ذاكرة الأمة وتدوين ثقافتها - فى أَجَلِّ الصفات وأدق التفصيلات - وهو ما نجح علماءُ مصر فى تحقيقه، بجهودٍ تأليفية جبارة.. لولاها، لكان تراثنا قد انطمس.
جاء الشاملُ إذن، كحلقة كبرى من حلقات مشروع حضارىٍّ كبير تبنَّته مصر منذ أواسط القرن السابع الهجرى، سعياً لحفظ ذاكرة الأمة وتدوين علومها.. ومن هنا، كان على العلاء - رئيس الأطباء - أن يصوغ المعرفة الطبية فى عصره، صياغتها الأخيرة، المكتملة، بعد خمسة قرون من تطور الطب العربى / الإسلامى، وعلى نحوٍ لم يتم تجاوزه، ولو بعد قرونٍ من حياة العلاء.
مَخْطُوَطاتُ الشَّامِلِ
بدأتُ قبل عشر سنوات، فى جمع مخطوطات الشامل من مكتبات العالم وكان ظَنِّى المتفاءل، يرجِّح أن تكون أغلب النسخ الخطية من الكتاب محفوظةً بمصر، خاصةً مع ما ذكره ابن فضل الله العمرى من أنه: شاهد المجلدات الثمانين فى البيمارستان المنصورى بالقاهرة. غير أنها لم تكن سوى أُمنية والأمانى كما يقولون: خوادع! إذ لم يكن بمصر غير جزئين فقط من الكتاب كلاهما محفوظ بدار الكتب المصرية، التى ذكر فهرسها البدائى المعمول به حالياً خمس مخطوطات من الشامل ثم اتضح لى أن ثلاثة منها، مصورات. فكان رصيد دار الكتب المصرية من مخطوطات موسوعتنا، هو الآتى:
١ - مخطوطة رقم ٦٠٥٧/ل، ناقصة من أولها وآخرها، ومنسوبة فى الفهرس لغياث الغيث - وسوف نعود للكلام عنه بعد قليل - وتضم مقدمة الشامل، والكتب الثلاثة الأولى من الفن الأول.
стр. 17
٢ - مخطوطة رقم ٦٨١/طب، بدون تاريخ. وهى تحتوى على الكتاب الثالث والعشرين من الجزء الثانى من الفن الثالث من الشامل وهو كتاب اللام من كتاب الأغذية والأدوية. والمخطوطة أوراقها ١٣٨ ورقة، الورقة صفحتان.
٣ - مخطوطة رقم ٣/٤، طب
٤ - مخطوطة رقم ٤٢٣/طب تيمور.
٥ - مخطوطة رقم ٦٢٠/طب طلعت.
والنسخ الثلاث الأخيرة، ليست سوى مصورات من كتاب اللام الذى احتوت عليه المخطوطة المحفوظة بالدار تحت رقم ٦٨١/ طب.
ومع أننى قمت بفهرسة عدد كبير من المكتبات الخطية فى مصر، حتى بلغ عدد ما فهرسته حوالى ١٨.٠٠٠ مخطوطة، موزَّعة على تسع مكتبات؛ غير أننى لم أجد مخطوطةً واحدة من الشامل، بين هذه الألوف من المخطوطات! وفى غير مصر، وجدتُ من مخطوطات الشامل ما يلى:
١ - نسخة مخطوطة بمتحف الآثار العامة (بغداد) برقم ١٢٧١، تقع فى ١٠٤٥ ورقة (الورقة صفحتان) وتضم هذه المجموعة ما يلى:
* الكتاب السابع من الجزء الثانى من الفن الثالث فى الأدوية والأغذية المفردتين التى تبدأ بحرف الخاء وهو يقع فى ١٠ مقالات وخاتمة.
* الكتاب الثامن فى الأدوية والأغذية التى تبدأ بحرف الدال يقع فى ٦ مقالات وخاتمة.
* الكتاب التاسع فى الأدوية والأغذية التى تبدأ بحرف الذال يقع فى ٣ مقالات.
стр. 18
* الكتاب العاشر فى الأدوية والأغذية التى تبدأ بحرف الراء يقع فى ١٠ مقالات وخاتمة.
* الكتاب الحادى عشر فى الأدوية والأغذية التى تبدأ بحرف الزاى يقع فى ١٩ مقالة وخاتمة.
* الكتاب الثانى عشر فى الأدوية والأغذية التى تبدأ بحرف السين يقع فى ١٣ مقالة وخاتمة (ناقص من أوله) .
* الكتاب الحادى والعشرون فى الأدوية والأغذية التى تبدأ بحرف القاف يقع فى ٢٥ مقالة.
* الكتاب الثانى والعشرون فى الأدوية والأغذية التى تبدأ بحرف الكاف يقع فى ٣٠ مقالة.
وفى نهاية الكتاب الأخير، كتب ناسخ المخطوطة عمر بن أبى بكر البدراوى الشافعى ما نصُّه: وكان الفراغ منه يوم الإثنين السابع من شهر رجب سنة ثمان وستين وتسعمائة.. ثم تتوالى بعد ذلك بقية الكتبُ التالية:
* الكتاب الثالث والعشرون: حرف اللام يقع فى ١١ مقالة.
* الكتاب الرابع والعشرون: حرف الميم يقع فى ٢٢ مقالة.
* الكتاب الخامس والعشرون: حرف النون يقع فى ١١ مقالة.
* الكتاب السادس والعشرون: حرف الهاء يقع فى ٣ مقالات.
* الكتاب السابع والعشرون: حرف الواو يقع فى ٥ مقالات.
* الكتاب الثامن والعشرون: حرف الياء يقع فى مقالتين وخاتمة
стр. 19
وبانتهاء كتاب الياء ينتهى: الجزءُ الثانى من الفن الثالث من كتاب الشامل فى الصناعة الطبية
٢ - نسخة مخطوطة بمكتبة ليدن (هولندا) برقم Mcccxv III God ٨١ Col وتضم كتب الأدوية المفردة من الضاد إلى العين على المنوال الذى ذكرناه فى مخطوطة بغداد السابقة.
٣ - نسخة مخطوطة بمكتبة الظاهرية بدمشق، حالياً: مكتبة الأسد محفوظة تحت رقم ٨٥٤٧. تقع فى ٣١٩ من القطع الكبير، وهى مشكولة بالكامل، وتضم الكتب: من الهمزة إلى الزاى على المنوال السابق ذكره. أى أنها جزءٌ من الجزء الثانى من الفن الثالث من كتاب الشامل.
ومع أن هذه المخطوطة ناقصة من أولها بمقدار عدة أوراق، إلا أنها عالية الأهمية نظراً لدقتها.. وسوف نَصِفُها بعد قليل، عند الكلام عن النسخ التى استخرجنا منها هذا الجزء (الأول) من الشامل.
٤ - مجموعة مخطوطة بمكتبة بودليان بأكسفورد تحت أرقام Pococke ٢٩٠ - ٢٩١ - ٢٩٢ مجموع أوراقها ١٦٥٩ ورقة، مؤرَّخة بسنة ٩٨٣ هجرية. وتضم المجموعة: من الكتاب الأول إلى الكتاب الثامن والعشرين من الجزء الثانى من الفن الثالث من الشامل.. وقد اعتمدنا عليها فى التحقيق، وسوف نصفها بعد قليل.
٥ - مجموعة أخرى بالمكتبة نفسها، محفوظة تحت أرقام Pococke ٢٤٨ - ٣٥٦ - ٥٣٩ وتشتمل على ثلاثة كتب من الجزء الرابع من الفن الأول وهى على الترتيب: كتاب أسباب الوجع كتاب النبض كتاب البول. والمجموعة مؤرَّخة بسنة ٦٨٧ هجرية، وهى سنة وفاة علاء الدين (ابن النفيس) .
стр. 20
٦ - مجموعة مخطوطة بمكتبة لاين Lean الطبية، بجامعة ستانفورد، تحت رقم Z،٢٧٦ مؤرَّخة بسنة ٦٤١ هجرية، جاء فيها أنها كُتبت على المؤلِّف.. بعد فحص المجموعة، تبين أنها تحتوى على ثلاثة مجلدات، كالتالى:
* المجلد الأول يحمل العنوان مقالة فى النبات، المجلد الثانى بعد الأربعين من كتاب الشامل وهذه المخطوطة تبدأ بالمقالة الثانية والعشرين فى أحكام البقلة الحمقاء تليها مقالة فى البلسان مما يعنى أنه الجزء الخاص بالأدوية والأغذية التى تبدأ بحرف الباء وبذلك يكون هذا الجزء هو: الكتاب الثانى من الجزء الثانى من الفن الثالث من كتاب الشامل.. وهو كما بدا من العنوان الذى يحمله، يمثل المجلد ٤٢ من الشامل بحسب هذه النسخة التى كُتبت فى حياة مؤلفها.
* المجلد الثانى يحتوى على الكتاب الثالث من الجزء الثانى من الفن الثالث فى الأدوية والأغذية التى تبدأ بحرف التاء؛ يليه كتاب الثاء ثم كتاب الحاء.
* المجلد الثالث يبدأ بالنمط الأول من الجزء الثانى من الفن الثانى من كتاب الشامل.. ويتناول هذا النمط: الأصول الكلية فى صناعة الطب.
ونظراً لسوء حالة المجموعة، فهناك العديد من آثار الترميم والإصلاح بها ويُلاحظ أن أحدهم أعاد كتابة الكلمات الباهتة، والتى كادت تختفى بفعل الزمن.
٧ - نسخة مخطوطة بجامعة كامبردج (إنجلترا) برقم ١٥٤٦ Or؟ ١٠؟ ، تبدأ بالباب التاسع فى علامات البول وهى بدون تاريخ، ويرجِّح فهرس المكتبة أن تكون قد كُتبت فى القرن الثامن الهجرى.. ونرجِّح، نحن، أنها بخط المؤلِّف.
стр. 21
وكانت رحلة جمع هذه المخطوطات رحلةً شاقة، وشائقة! وقد حكيتُ طرفاً منها فى مقالةٍ نشرتها بمناسبة مرور ٧٢٧ سنة على وفاة العلاء (ابن النفيس) منها قولى:
لم أجد فى كافة مكتبات مصر العريقة إلا قطعة من الكتاب تقع فى ١٩٤ ورقة مخطوطة بدار الكتب المصرية. أما مكتبة بودليان بأُكسفورد (إنجلترا) فهى تحتوى على مجموعتين من الكتاب المجموعة الأولى مخطوطة تضم ١٦٥٩ ورقة من الشامل والمجموعة الأخرى تضم عدداً أقل من الأوراق. ولقد أرسلت للمكتبة خطاباً فى منتهى التلطُّف والتزلُّف، أطلب فيه تصوير المجموعتين وإبلاغى بالمصروفات المطلوبة. فطلبوا مبلغاً عظيماً بالجنيهات الإسترلينية، فعاودت الكتابة لمديرة المكتبة (آن نيكلسون) وقلت لها فى خطابى أن الجنيهات الإسترلينية التى طلبتها تساوى رقما كبيراً بالجنيهات المصرية، وأن احتياجى لهذه المخطوطات هو لعملٍ علمى وليس لعمل تجارى، وأن هذا التراث فى الحقيقة ملك لنا فى الأصل! ولقد كانت السيدة غاية فى الظرف، فردَّت على خطابى، قائلةً ما ترجمته: بخصوص الفاتورة الأولى، فيمكنك أن تدمرها! ولقد وجدت لك حلاً فنحن نصنع كل بضعة أعوام نسخة ميكروفيلمية احتياطية لجميع المخطوطات التى نحتفظ بها ولسوف أرسل لك هذه النسخة القديمة، ونقوم بعمل غيرها وفى هذه الحالة سيكون المطلوب دفعه، مبلغاً قليلاً.. وبالفعل دفعتُ هذا المبلغ القليل (حوالى ثلاثة آلاف جنيه) وحصلت على هذه الأجزاء المهمة من الشامل.
стр. 22
وفى مكتبة لاين الطبية بجامعة ستانفورد الأمريكية، ثلاثة مجلدات من الكتاب مؤرَّخة بسنة ٦٤١ هجرية، فأرسلت فى طلبها وإعلامى بالمصروفات، فجاء خطابٌ لطيف يشكرنى على اهتمامى بهذا التراث! ويدلنى على بعض البحوث فى هذا الموضوع، ومع الخطاب صورة من مقال نشرته الصحافة الأمريكية فى الثلاثينيات عن هذه المخطوطات الثلاث بالذات عنوانه: كنوز المخطوطات الطبية هنا. وطلبت المكتبة مبلغاً معقولاً بالدولارات، ولم تكن السوق المصرفية المصرية قد افتتحت بعد، ورفضت البنوك تحويل المبلغ (حفاظاً على اقتصاد الوطن) فرحت أتسكع فى ميدان المنشية بالإسكندرية، حتى صادفنى تاجرُ عملة، حصلت منه على المبلغ المطلوب، وأرسلته نقداً فى خطابٍ مسجل، وأنا أرتجف، فوصل المبلغ ووصلنى طردٌ صغير به صورة ميكروفيلمية من المخطوطات، فى نفس الوقت الذى وصلتنى فيه ميكروفيلمات البودليان.. فكانت الواقعة.
أرسلت لى هيئة البريد خطاباً مستعجلا فذهبت أدور على المكاتب وأُواجه تحقيقا إدارياً غبياً من الموظفين: ما هذه الأشرطة؟ وما هى صلتك بانجلترا وأمريكا؟ وهل حصلت على تصريح خاص من المخابرات؟ وإلى ماذا تهدف من الحصول على هذه الميكروفيلمات؟ .. وظللت أشرح وأشرح، حتى بدأ لى أنهم اقتنعوا. لكنهم طلبوا تصريحاً من جهاز المراقبة على المصنفات الفنية، كى يسلِّموها لى! ثم كان الزمان كريماً، فوقعت على
стр. 23
موظَّفٍ متفهِّم، اقتنع بأن الأشرطة (الميكروفيلمات) تحتوى على صور كتاب، ولا علاقة لها بالفن ولا الرقابة! لكنه عاد وأفهمنى أن هناك مشكلة فى تحديد الرسوم المطلوبة جمركياً على تلك البضائع المستوردة. وبعدما أظلمت الدنيا فى وجهى، استطاع الموظَّفُ العبقرىُّ أن يجد حلا للمشكلة، إذ أفرج عن الميكروفيلمات، وسلَّمها لى، باعتبارها (عينات) وبالتالى فلا رسوم جمركية عليها!
وفى مكتبة المتحف العراقى ببغداد توجد مجموعة خطية من الشامل تقع فى ١٠٣٤ ورقة فسعيتُ للحصول على صورة منها كان الأوان أوان حرب الخليج (الأولى) بين العراق وإيران فأردت السفر إلى بغداد - ولم أكن قد خرجت قبل ذلك من مصر - فحذَّرنى بعض الإخوان من رداءة أحوال بغداد، ومن صواريخ إيران بعيدة المدى، ومن احتمال أن يكون المتحف العراقى قد أغلق أبوابه وانتقلت مخطوطاته خشية القصف.. وأسقط فى يدى ثم هدأت الأحوال، وأوصيت صديقاً يعمل فى العراق، بأن يحصل لى على صورة من المخطوطة، ولقد حصل عليها بالفعل وأرسل لى ليبلغنى بذلك، ففرحت ثم حزنت حين صودرت منه فى مطار بغداد!
وفى أحد المؤتمرات تعرَّفت إلى أستاذٍ جامعى من العراق كانت زوجته تعمل فى المتحف العراقى، فوعد بتصوير المخطوطة وإرسالها فى أقرب فرصة، ورجع من مصر إلى العراق. وبعد
стр. 24
رجوعه إلى هناك بأيام سبعة اجتاح صدَّامُ الكويت.. وقامت حربُ الخليج الثانية.
وكان معهد المخطوطات العربية بالقاهرة يمتلك صورة مخطوطة بغداد، لكنه كان مغلقاً. فلما انفتحت أبوابه، فتح الله علينا بتصوير المخطوطة، ثم سمح الزمان أيضاً بالحصول على مخطوطة كامبردج (انجلترا) التى تضم أجزاءاً أُخرى من الكتاب وعلى المخطوطة إشارات تدل على أنها بخط مؤلِّفها.. وهكذا اكتملت العدة، واجتمعت صور المخطوطات الباقية من هذه الموسوعة الهائلة.
وفى اللحظة التى وضعت فيها هذا الكم من المخطوطات معا (حوالى عشرة آلاف صفحة من كتابٍ واحدٍ مخطوط) شعرت بعظمة (ابن النفيس) وشعرت أيضاً بأن: العمر قصير والعلم طويل!
وها أنا أشرع اليوم فى تحقيق هذا الكتاب، أو بالأحرى تحقيق الأربعين مجلداً التى بقيت منه، ولأننى لا أضمن امتداد العمر حتى الانتهاء من التحقيق، فقد جمعت الميكروفيلمات كلها - بعد تصويرها على الورق - فاحتفظت بالصورة الورقية وأهديت النسخ الميكروفيلمية إلى معهد المخطوطات العربية بالقاهرة، وأوصيتهم أن يصوروها لمن يأتى من بعدى، فى حالة موتى أو عدم إنجازى لتحقيق الكتاب، حتى يتمكَّن باحثٌ آخر
стр. 25
من إتمام المهمة، دون المرور بهذه الرحلة الشاقة التى قطعتها بحثاً عن: كتاب واحد مخطوط (١) .
الشامل للشيرازي
أثناء الرحلة الطويلة التى قطعتها باحثاً عن مخطوطات الشامل هنا وهناك ظل يخايلنى كتابٌ آخر بالعنوان نفسه، لمؤلفٍ آخر غير العلاء. وبلغت المخايلة غايتها فى دار الكتب المصرية، حيث تحتفظ الدار بمخطوطةٍ من الشامل الذى أبحثُ عنه، منسوبةً فى فهرس الدار - وهو فهرسٌ بدائىٌّ أقرب إلى القائمة الحصرية منه إلى الفهرس بمعناه العلمى - إلى مؤلِّفٍ اسمه: أبو سعيد بن أبى مسلم بن أبى الخير، الملقَّب بغيات الغيث.
وقبل الدخول فى تفاصيل هذا الإشكال الذى ألمحتُ إليه فى كتابى السابق دون الوصول إلى رأىٍّ حاسمٍ حوله (٢) . أقول، قبل الدخول إلى ذلك، تجدر الإشارة إلى أن المفهرس التراثى العظيم: حاجى خليفة (مصطفى بن عبد الله القسطنطينى، المعروف بملا كاتب جلبى، المتوفى ١٠٦٧ هجرية) كان قد ذكر فى كتابه الرائد: كشف الظنون (٣) .. أربعةَ عشر كتاباً بعنوان الشامل منها كتابان فى الطب! والكتب الأربعة عشر، هى:
* شَامِلُ التفاسير (٤) .
стр. 26
* الشَّامِلُ فى الأصول (١) .
* الشَّامِلُ فى أصول الدين، للجوينى.
* الشَّامِلُ من البحر الكامل (٢) ، للطبسى.
* الشَّامِلُ فى تهذيب الذوات الإنسانية (فى التصوف) لعبد الخالق ابن أبى قاسم المصرى.
* الشَّامِلُ فى الجبر والمقابلة، لابن أسلم
* الشَّامِلُ فى علم الحرف، للسكَّاكى.
* الشَّامِلُ فى فروع الحنفية، للبيهقى.
* الشَّامِلُ فى فروع الشافعية، لابن الصباغ.
* الشَّامِلُ فى فروع المالكية، لبهرام الدميرى.
* الشَّامِلُ فى القراءات، للنيسابورى.
* الشَّامِلُ، لأبى الفضل محمد بن أبى جعفر المنذرى (٣) .
* الشَّامِلُ فى الطِّبِّ، لأبى سعيد بن أبى مسلم بن أبى الخير الملقب بغيات الطبيب.
стр. 27
* الشَّامِلُ فى الطِّبِّ، للشيخ علاء الدين (على بن أبى الحزم القرشى ابن النفيس، الطبيب، المصرى، صاحب الموجز)
وفى تذييله على كشف الظنون أورد إسماعيل باشا البغدادى مزيداً من الكتب التى حملت عنوان الشامل.. بحيث صار لدينا عشرون كتاباً بهذا العنوان. وما أورده البغدادى، هو العناوين التالية:
* الشَّامِلُ فى علم القرآن، لأبى بكر الصولى.
* الشَّامِلُ فى فضائل الكامل، لابن خلف المصرى.
* الشَّامِلُ فى فقه الزيدية، ليحيى بن حمزة.
* الشَّامِلُ فى اللغة، لأبى منصور الأصبهانى.
* شَامِلُ اللغة، لعماد الدين القرَّه حصارى.
* الشَّامِلُ للعوامل، لمحمد البرزنجى (١) .
ومع وجود هذا العدد الكبير من الكتب التى تحمل عنوان الشامل ومع هذا (التداخل) الذى أحدثه مفهرس دار الكتب المصرية، حينما نسب المخطوطة إلى أبى سعيد مسلم بن أبى الخير.. وهو لم يكن يتوهَّم - فى واقع الأمر - وَهْماً كبيراً، فقد أورد المفهرسُ الكبير حاجى خليفة ما يدعم مفهرس الدار.. المهم أن الأمر اقتضى مزيداً من البحث، والحسم، لهذا الموضوع المتعلِّق تعلُّقا مباشراً بالموسوعة التى نحن بصدد نشرها محققةً. وقد انتهى بحثنا، إلى الآتى:
стр. 28
أولاً: بصدد مخطوطة دار الكتب المنسوبة إلى أبى سعيد مسلم بن أبى الخير وهى المحفوظة بالدار تحت رقم ٦٠٥٧/ ل؛ ظهر أنها تضم الثلاثة أجزاء الأولى من موسوعة العلاء (ابن النفيس) وأنها تطابق طريقة الشامل فى الصناعة الطبية من حيث الأسلوب ونظام التقسيم الداخلى.. إلخ.
كما وجدنا مخطوطة أخرى منها، محفوظة بالظاهرية تحت رقم ٧١٧٠/طب، ومنسوبةً هناك صراحةً للعلاء (ابن النفيس) .. وقد قدَّمتُ نماذج متطابقة من المخطوطتين، فى ملحق كتابى الأخير، حيث أوردتُ مجموعةً من المخطوطات النادرة التى ألَّفها العلاءُ، أو ارتبطت به (١) .
ثانياً: بالتنقيب وراء الكتاب (الآخر) الذى بعنوان الشامل تبيَّن أن هناك مخطوطتين منه. الأولى محفوظة بدار الكتب المصرية، ذاتها، تحت رقم ٦٠٢/طب طلعت. والأخرى محفوظة بمكتبة أحمد الثالث باسطنبول، تحت رقم ٢١٠٨ وقد جاء بأولها أنها: كتاب الشامل لابن الصورى! وجاء على بطاقة فهرستها: الشامل فى الطب، لأبى سعيد بن أبى الإمام أبى مسلم الشيرازى.
ثالثاً: بخصوص اسم المؤلِّف، ليس هناك طبيبٌ يكنَّى غياث الغيث وإنما وجدنا: غياث الدين أبا المعالى، العز بن أبى الفضل بن أبى العباس الأبرقوهى الشيرازى. ووجدنا: ابن الصورى رشيد الدين أبا المنصور بن أبى الفضل بن على الصورى. والأخير منهما، طبيبٌ عَشَّابٌ من أهل الشام، ولد سنة ٥٧٣ بمدينة صور، ونشأ بها، ثم انتقل عنها، واشتغل بصناعة الطب ووضع من الكتب: الأدوية المفردة، الرد على كتاب التاج فى الأدوية المفردة. وكانت وفاته، وفق ما ذكره مواطنه ومعاصره ابن أبى أصيبعة: يوم الأحد، أول شهر
стр. 29
رجب، سنة ٦٣٩ هجرية، بدمشق (١) .
رابعاً: بعد الحصول على مخطوطتىْ الكتاب المشار إليهما سابقاً، وجدنا هذا الشامل فى النسختين، يبدأ بما يلى: الحمد لله الفاطر، البديع، العلام المؤمن، المهيمن، السلام، المنزه ذاته عن مطارح الأبصار ومعارج الأوهام المقدَّس صفاته عن هواجس الأفكار ووساوس الأوهام.
ثم يرد اسم المؤلِّف على النحو التالى: قال (الشيخ) الإمام الأعظم الأفضل (الأعلم) مالك مملكة الفضائل والحكم، جامع الفروع والأصول، حاوى أصناف المنقول والمعقول: غياث الملة والدين، جلال الإسلام والمسلمين، أبو سعيد بن الإمام أبى مسلم بن أبى الخير الطبيب (الشيرازى) أدام الله تعالى مبانى الفضل عليه، وكثَّر فى الإسلام أمثاله.. إلخ.
وبعد هذه الديباجة، التى من الواضح أنها من وضع الناسخ الأصلى للكتاب، وهو الناسخ الذى كان معاصراً للمؤلِّف (٢) ؛ تبدأ ديباجةُ المؤلِّف التى يقول فيها: لما ظهر نورُ الحقِّ من أفق العدم، فاستضاءت (٣) بشعاعه بوادى الظُلَمِ، واقتضت (٤) عنايته إيجاد آدم من القِدَمِ، ثم (٥) اصطفاه واجتباه وشرَّفه بخطاب ﴿وفضلناهم على العالمين﴾ (٦) وجعلناه خليفةً فى الأرضين.. فإذن
стр. 30
كان أولى ما تتولَّى (١) عليه الهممُ العوالى.. تعلُّم حفظ صحة صاحب هذه المناقب والمعالى (٢) .. وهو علم الأبدان الذى هدانا إليه الخالق الدَّيَّان. ثم يصرِّح المؤلِّف بعنوان كتابه، وبالسبب الذى دعاه لاختيار هذا العنوان؛ فيقول: ورتَّبته ترتيب الإيجاز والإقلال، محترزاً من السآمة والإملال، وسميته: الشامل لاشتماله على المطلوب واحتوائه على المقصود، معتصماً بالله الودود.
ويذكر المؤلِّف أنه جعل كتابه على قسمين: الأول: فى حفظ الصحة وبنيانه على أربع مقالات. الأولى: فى الوصايا.. الثانية: فى إصلاح الأمور الطبيعية.. الثالثة: فى حفظ الصحة فى الفصول الأربعة.. الرابعة: فى حفظ صحة الأعضاء الرئيسية والمرؤسة.. القسم الثانى، فيه مقدمة وست مقالات (٣) . وفى كل مقالة عددٌ من الفصول، ذكر المؤلِّف عناونيها فى المقدمة ثم شرع فى الكتاب الذى جاء فى ٢٧٣ ورقة مقاس (٢٠× ١٣سم) فى مخطوطة أحمد الثالث، التى تنتهى بقوله: يُعالج بعلاج القروح الأُخرى، والله أعلم، تمت المقالة الأولى بتوفيق الله جل وعلا.
أما مخطوطة القاهرة، التى تقع فى ٢٦٥ ورقة من القطع الكبير (مقاس ٢٢×١٥سم) فهى تنتهى بقول المؤلِّف: الباب الرابع عشر، فى طرد الهوام.. وما يطرد الهوام والحيَّات خاصةً، التبخير بأظلاف الماعز وقرون الأبل (٤) .
ويظهر مما سبق، أن الكتاب ليس لابن الصورى، وليس لغياث الغيث! فكلاهما انتحالٌ من عمل المتأخِّرين، أما المؤلِّف الحقيقى - على الأرجح - فهو
стр. 31
المذكور فى ديباجة الكتاب، أعنى: غياث الدين الشيرازى.. وبالبحث عنه وجدنا له ترجمةً عند السخاوى فى ضوئه اللامع، نصُّها:
محمد بن إسحق بن أحمد بن إسحق بن أبى بكر، غياث الدين أبو المعالى، العز بن أبى الفضل بن أبى العباس الأبرقوهى الشيرازى، وكان أبوه قاضيها المكى، ويعرف بالكتبى. ولد سنة خمس وعشرين وسبعمائة بأبرقوه، ودخل دمشق فسمع بها على ست العرب حفيدة الفخر (١) الشمائل النبوية (٢) للترمذى. وقدم مكة فقطنها نحو ثلاثين سنة، على طريقةٍ حسنة من كَفِّ الأذى والإقبال على الخير والعبادة. وجرت على يديه، من قبل (شاه شجاع، صاحب فارس) لكونه كان من جماعته، صدقاتٌ لأهلها ومآثرٌ بها. وكان بارعاً فى الطبِّ، انتفع به أهل مكة فيه كثيراً سيما وهو يحسن إليهم بما يحتاجونه من أدوية وغيرها. وصنَّف فيه كتاباً حسناً. مات بعد انقطاعه فى بيته لضعفه وعجزه عن الحركة فى جمادى الأولى سنة خمس (٣) ، ودفن بالمعلاة ذكره الفاسى فى (أخبار) مكة، ثم التقى بن فهد فى معجمه، وشيخنا فى إنبائه (٤) والمقريزى فى عقوده، وآخرون (٥) .
стр. 32
والفقرة السابقة نقلها د. أحمد عيسى بتمامها، فى معجمه الذى استكمل به عيون الأنباء فى طبقات الأطباء وختمها بإشارة إلى ترجمة الشيرازى فى الطبقات لابن قاضى شهبة، حوادث سنة ٨٠٥ هجرية (١) (وهى سنة وفاة الشيرازى)
وتبقى، مع ذلك؛ جملةُ إشكالات. الأول: أن مولد غياث الدين الشيرازى وفقاً لما ذكره السخاوى، كان سنة ٧٢٥ هجرية. وقد ذكر حاجى خليفة، أن (غياث الطبيب) انتهى من الكتاب سنة ٧٣٦ هجرية (٢) .. فكيف يتفق أنه كتب كتابه فى الحادية عشر من عمره؟! والإشكال الآخر: أن أول الكتاب فى المخطوطتين، يطابق أوله عند حاجى خليفة، وكذلك وَصْف الكتاب وأقسامه بيد أن المؤلِّف فى المخطوطة: غياث الملة والدين.. أبو سعيد بن أبى مسلم بن أبى الخير الشيرازى. وهو فى كشف الظنون: أبو سعيد بن أبى مسلم بن أبى الخير الملقب بغيَّاث. وهو فى كليهما، عبارة عن كُنى لا أسماء، بل لايوجد فيه اسمٌ واحد! بينما الاسم عند السخاوى: محمد بن إسحاق بن أحمد غياث الدين الشيرازى فذكر اسم أبيه وجده، من غير كنى.. وقد أشار السخاوى إلى كتابه، من غير ذِكْر العنوان بقوله: وكان بارعاً فى الطب.. وصنَّف فيه كتاباً حسناً. فهل كان السخاوى يقصد كتابه: الشامل؟!
والإشكال الأخير هنا: أن الشيرازى إذ يختار عنواناً لكتابه؛ هل ضاقت عليه العناوين، فاختار عنواناً مطابقاً لعنوان موسوعة العلاء - الذى سبقه بأكثر من مائة عام - أم تراه لم يسمع أصلاً بموسوعة الشامل فى الصناعة الطبية؟!
стр. 33
وعلى أية حال، وعلى الرغم من هذه الإشكالات؛ فقد عرفنا أن هناك كتابين فى تراثنا الطبى، بعنوانٍ واحد.. وإن اختلفا فى المؤلِّف، وفى طريقة التأليف، وفى حجم الكتاب! فالشامل للشيرازى، لايزيد فى حجمه عن بعض أجزاء الشامل للعلاء القَرَشى (ابن النفيس) .
منهجُ التَّحْقِيقِ
كان أول ما صنعناه عند البدء فى تحقيق الشامل فى الصناعة الطبية هو رسم شجرة لأقسام الكتاب، بحسب المخطوطات التى بين أيدينا، وبحسب ما أشار إليه العلاءُ فى ثنايا الأجزاء الموجودة.. فظهر أمامنا ما يلى:
الفن الأول من الشامل .
وهو يشتمل على: قواعد الجزء النظرى من الطب. ويقع فى أربعة أجزاء على النحو التالى:
١ - الجزء الأول: فى علم الأمور الطبيعية. ويشتمل على مقدمةٍ وسبعة كتب وهى: كتاب الأركان، كتاب الأمزجة، كتاب الرطوبات، كتاب الأعضاء، كتاب الأرواح، كتاب القوى، كتاب الأفعال.
٢ - الجزء الثانى: فى علم الأمراض.
٣ - الجزء الثالث: فى علم الأسباب.
٤ - الجزء الرابع: فى علم الدلائل. ويشتمل على ثلاثة كتب: الكتاب الأول فى الوجع. الكتاب الثانى فى النبض؛ ويضم ثلاثة تعاليم: التعليم الأول فى ماهية النبض، التعليم الثانى فى أجناس النبض، التعليم الثالث فى أسباب النبض. الكتاب الثالث فى البول.
стр. 34
الفن الثاني من الشامل
وهو يشتمل على أربعة أجزاء، الجزء الثانى منها يشتمل على نمطين، النمط الأول منها يضم ثلاثة كتب، الكتاب الثالث منها موضوعه (الجراحة) أو: عمل اليد، ويقع فى ثلاثة تعاليم:
١ - التعليم الأول، فى الأصول الكلية.
٢ - التعليم الثانى، فى الآلات.
٣ - التعليم الثالث، فى أجناس العمل باليد.
وأغلب أجزاء هذا الفن (الثانى) مفقودة، وإن كانت هناك إشارات فى ثنايا كلام العلاء، تفيد أنه كتبها بالفعل.
الفن الثالث من الشامل
وهو يشتمل على جزئين، الأول منها مفقودٌ بالكامل، والجزء الثانى موجودٌ كاملاً! وهو الجزء الذى يقع فى ثمانية وعشرين كتاباً، فى الأدوية المفردة.
* * *
وهكذا تعَّين علينا البدء بالكتب الثمانية والعشرين، الكاملة، التى تمثل الجزء الثانى من الفن الثالث.. وتأجيل الأجزاء الأخرى من الشامل على أمل ظهور المزيد من مخطوطاتها أثناء الفترة التى سيستغرقها نشرُ الكتب الثمانية والعشرين، ومن بعدها الكتب المتفرِّقة من الفن الأول والثانى؛ وهى الفترة التى قد تمتد لعامين كاملين.
стр. 35
وعلى هذا، فإن الكتاب الذى بين أيدينا، هو الجزء الأول من أول كتب الأغذية والأدوية المفردة؛ كتاب الهمزة. وقد استخرجنا نصَّه بعد المقابلة بين مخطوطتين لابأس بهما، هما: مخطوطة الظاهرية ومخطوطة بودليان.
(أ) وَصْفُ النُّسَخِ الخِّطَّيةِ
مخطوطة المكتبة الظاهرية كما سبق أن أشرنا، هى نسخةٌ جيدة، كُتبت بقلم نسخى دقيق، فى القرن التاسع الهجرى تقديراً، وهى تشتمل على الأحد عشر كتاباً الأولى من كتب الأدوية والأغذية.. وهى محفوظة تحت رقم ٨٥٤٧ بالظاهرية، التى توجد حالياً بمكتبة الأسد بدمشق. أوراقها ٣١٩ ورقة من القطع الكبير، ومسطرتها ٣٣ سطراً، يحتوى السطر الواحد على قرابة ١٥ كلمة.. وهى على هذا النحو، تعدُّ من المخطوطات المزدحمة بالكلمات!
والمخطوطة كتبها ناسخٌ محترف، وإن كان غير متخصِّص فى الطِّبِّ. وهو يضبط الكلمات فى أغلب الأحيان، وإن كان ضبطه لايُعتمد عليه - فى أغلب الأحيان - لأنه ينقل من مخطوطة غير مضبوطة، لعلها نسخة المؤلف؛ ولأنه يضبط وفق ما يبدو له، من غير معرفة بالمفردات والمصطلحات الطبية.
ومع أهمية هذه المخطوطة، التى رمزنا لها فى هوامش التحقيق بحرف هـ.. فإن بها ثلاثة عيوب خطيرة: الأول أنها ناقصة من أولها بمقدار ورقتين. والثانى أن عديداً من أوراقها، سقطت أثناء التجليد. والثالث أن الناسخ حين يعجز عن فهم كلمة من الأصل الذى نقل عنه، فإنه يسقطها من الكلام، ويمر عليها مرور الكرام! دون تنبيه إلى ما تركه من كلمات.. ولولا مخطوطة بودليان لما كان من الممكن استخراج النص المحقَّق بالاعتماد على مخطوطة الظاهرية وحدها، نظراً لهذه العيوب الخطيرة.
стр. 36
ومخطوطة بودليان أو المكتبة البودلية بأكسفورد، المحفوظة تحت رقم ٢٩٠/ بوكوك. نسخةٌ خطية جيدة، كُتبت سنة ٩٨٣ هجرية، نقلاً من مخطوطة الظاهرية، أو نقلاً من المخطوطة التى نقل عنها ناسخ مخطوطة الظاهرية. وهى نسخة كاملة، ضخمة من حيث عدد الأوراق (١٦٥٩ ورقة) ومن حيث مقاس الورقة الواحدة (٣٠×١٨سم) ومسطرتها ٢٣ سطراً فى الصفحة، يشتمل على كل سطر على قرابة ١٤ كلمة. وخطُّها معتادٌ، وقلمُ النسخ سميكٌ وناسخُها لم يذكر اسمه فى آخرها، أو بين ثناياها.
وعيبُ هذه النسخة، أن ناسخها يرسم الكلمات دون تدبُّر لمعناها. ويبدو أنه كان مكلَّفا بنسخها فى وقت محدَّد، فكان يُسرع بالنسخ دونما تدقيق فى معانى النص. وقد ظهرت فى هذه النسخة، كل الهنات والأخطاء الموجودة فى مخطوطة الظاهرية، حتى أن هناك سطرٌ (مكرر) فى المخطوطتين! بيد أن الأوراق الساقطة من مخطوطة الظاهرية هـ موجودة فى مخطوطة بودليان..، فكان لا غنى لنا عن هذه المخطوطة، التى رمزنا إليها فى هوامش التحقيق بحرف ن.
ويعلم الله كم لاقيتُ الأمرين، عند مقابلة المخطوطتين، لاستخراج النصِّ المحقق من هاتين المخطوطتين، اللتين سأستخرج منهما عديداً من الأجزاء التالية من الشامل. ومع ذلك، فهما المخطوطتان الوحيدتان فى العالم - فيما نعرف - اللتان يضمان الأجزاء الأولى من كتب الأغذية والأدوية. ولولا الصبر أمام الكلمات ولولا مراجعة مالا حصر له من مصادر ضابطة تعرضت للموضوعات نفسها، ولولا الاستعانة بمعرفتى السابقة بأسلوب العلاء (ابن النفيس) ومفرداته.. لولا ذلك كله، لعسر استخراج هذا النص المحقق.
стр. 37
(ب) الَهَوَامِشُ
اشتملت هوامش التحقيق على نتاج المقابلة بين المخطوطتين، حيث تم استبعاد الكلمات غير الصائبة إلى هامش الصفحات. كما وضعنا بالهوامش بعض التعليقات التى وجدناها ضرورية، وشروحاً للمفردات والاصطلاحات الواردة فى النص المحقَّق.
وقد رجعنا فى شرح المفردات والمصطلحات، إلى كثير من المصادر والمراجع بعضها فى اللغة، وبعضها الآخر فى الطب والصيدلة. وقد ذكرنا هذه المصادر والمراجع فى مواضعها، ونكتفى هنا بالإشارة إلى أهمها، مما كثر رجوعنا إليه:
* لسان العرب، لابن منظور.
* الحاوى فى الطب، للرازى.
* القانون فى الطب، لابن سينا.
* الجامع لمفردات الأغذية والأدوية، لابن البيطار.
* تفسير كتاب دياسقوريدس، لابن البيطار.
* المعتمد فى الأدوية المفردة، للملك المظفر.
* تذكرة أولى الألباب، لداود الأنطاكى.
* معجم الألفاظ الفارسية المعربة، للسيد أدى شير.
стр. 38
ملاَحَظَاتُ التَّحْقِيقِ
ظهرت لنا أثناء تحقيق النص، بعض الملاحظات التى تجدر الإشارة إليها قبل الخوض فى بحار الشامل.. وهو ما يمكن إجماله فى الآتى:
أولاً: تمثل الكتب الثمانية والعشرين المخصَّصة للأغذية والأدوية المفردة أضخم عمل صيدلانى فى تاريخ الإسلام والحضارات القديمة. فهى تفوق من حيث استيفائها الكلام على كل غذاءٍ ودواء، كافة الكتابات السابقة على العلاء فى هذا الموضوع؛ بما فى ذلك الأعمال المشهورة، مثل: كتاب الحشائش لديسقوريدس، كتاب الجامع لابن البيطار، وهما أهم مرجعين فى الصيدلة قبل العلاء.. كما تفوق: المعتمد للملك المظفر التذكرة لداود الأنطاكى، وهما أهم مرجعين كُتبا بعد العلاء. ناهيك عن التفوق الكمى والنوعى للكتب الثمانية والعشرين، على الفصول التى خصَّصها الرازى وابن سينا للأغذية والأدوية، فى كتابيهما: الحاوى، القانون.
ثانياً: انطلق العلاءُ (ابن النفيس) فى تناوله التفصيلى للأغذية والأدوية، من النظريات التى انطلقت منها بحوثه وكتاباته الطبية الأخرى، كنظرية الطبائع والأُستقصات، والعلاج بالضد، والقوة الشافية الكامنة فى الجسم، وحركة الدم بالطاقة - أو: الأرواح - داخل الشرايين والأوردة.
كما انطلق العلاءُ من قاعدةٍ منهجية مفادها أن الطبيب يهتم من النباتات بأفعالها فى بدن الإنسان، لا بخواصها من حيث هى نباتات - فهذا عملُ الطبيعيين - وهو ما كان أبو بكر الرازى قد حدَّده بوضوح فى الحاوى حين قال تحت عنوان (كتاب صيدلة الطب) ما نصُّه:
стр. 39
المعرفةُ بالأدوية، وتمييزُ جيدها ورديئها (١) ، وخالصها ومغشوشها؛ وإن كان ليس بلازمٍ للطبيب ضرورة - كما يحسبه جُهَّالُ الناس - فهو أحرى وأزين به (٢) .. ولايجوز أن يسمَّى أعرف الناس بأنواع الأدوية وأشكالها وألوانها وخالصها: طبيباً، بل إنما يسمى الطبيب، مَنْ عرف أفاعيل هذه فى أبدان الناس.. لأن للأدوية أفاعيل باطنة، وهى التى تسمَّى الخواص، لا يبلغ الطبيب استخراجها (٣) .
وعلى هذا النهج سار العلاءُ، وأشار إليه غير مرة بعباراتٍ مثل قوله فى الفصل الثانى من المقالة الثانية والعشرين من كتاب الهمزة عند تناوله لطبيعة الأسل:
ولما فى هذا النبات من الهوائية، فإنها وإن كانت فى نفسها بالغة الرطوبة، إلا أن هذه الرطوبة لا مدخل لها فى التأثير فى بدن الإنسان. وكلامنا ها هنا فى أمزجة الأدوية، إنما هو باعتبار فعلها فى بدن الإنسان.
وهو ما أكّده في الفصل الثاني من المقالة التالية - الثالثة والعشرين - بقوله أثناء في طبيعة الآس:
إن كلامنا ها هنا في أمزجة الأدوية، إنما هو في أمزجتها المعتبرة، بحسب فعلها في بدن الإنسان، لا التي هي في
стр. 40
أنفسها والهوائية التى فى الآس، وإن كانت تفيد الآس نفسه رطوبةً فإنها ليست بعللٍ تثبته لبدن الإنسان.
ويستفاد مما سبق، أن العلاءَ (ابن النفيس) مع أنه وضع أوسع موسوعة صيدلانية بكتبه الثمانية والعشرين، إلا أنه لم يقصد الصيدلة بذاتها، وإنما كان يستكمل كافة التخصُّصات الداخلة فى الصناعة الطبية.. ليكون كتابه شاملاً.
ثالثاً: مع ضخامة الموسوعة التى نحن بصدد الدخول إلى نصها المحقَّق وبلوغ صفحاتها المئات،بل الألوف؛ إلا أن مؤلِّفها ظل دوماً حيوىَّ الأسلوب.. دافقه.. ولم يغب عن باله القارئ! ولذا، فهو لايفتأ يتوجَّه لقارئه بالخطاب بعبارات مثل: إنك قد علمت.. وستعرف كيفية ذلك كله، فيما بعد.. على ما تعرفه فى موضعه.. إلخ.
ومع تدفُّق قلم العلاء، إلا أنه كان حريصاً كل الحرص على الوضوح والإبانة، واستعمال الألفاظ السهلة، والعبارات المنسابة، والخروج من المزالق التى لاطائل تحتها، متخلِّصاً منها بعبارات مثل: ولستُ بالذى يخوض فى ذلك.. ولا مشاحة فى الألفاظ.. ومن أراد تحقيق هذا الأمر فعليه بالمراجعة.. ولانريد التطويل.. إلخ.
غير أن اندفاق عبارات العلاء، وكون كتابته غير منقوطة فى أغلب المواضع - وقد كان يكتب بيده - جعل النُّسَّاخ من بعده يخطئون فى رسم الكلمات وفى كتابه الضمائر والمفردات. وقد اجتهدنا فى تصويب تلك الأخطاء، عند التحقيق.
رابعاً: كان الشامل مرجعاً لكثير من الأطباء الذين جاءوا بعد العلاء، وقد أشار إليه واقتبس منه كثيرون، مثل الملك المظفر فى كتابه: المعتمد والقوصونى