وأما إذا استُعمل باللبن الحليب، ففى الأكثر يكون كذلك بقدر خمسة دراهم أو ستة دراهم، وقد يستعمل منه - حينئذٍ - وزن (١) عشرة دراهم، ويُشرب حينئذ بالسكر. وأما إذا استعمل بالخمر، ففى الأكثر يستعمل منه وزن خمسة دراهم؛ وذلك لأجل اجتماع حرارته مع حرارة الخمر، فلا يكثر، كما إذا استُعمل باللبن. وأجود استعماله - حينئذ - أن يُصَرَّ فى خرقة كِتَّان، ويوضع فى الخمر يوماً وليلة، ثم بعد ذلك قد يُستحلب فى ذلك الخمر، بأن (٢) يكرَّر عصير تلك الخرقة فى الخمر، لتخرج منه الأجزاء اللطيفة، ثم يُستعمل ذلك الخمر، إما وحده أو بالسكر. والأجود حينئذ، أن يكون سحقه شديداً، ليكون ما يفعل منه فى الخمر أزيد.
وهذه المقادير كلها، إنما هى غاذيةٌ (٣) ، ويجوز أن (٤) تعين على ذلك ويكون تغيُّرها بحسب مزاج المستعمل له. ولابد وأن يكون معه مثل دهن اللوز ليكسر حدَّته ويبوسته. وكثيرٌ من الأولين كانوا يسقونه مع العسل والملح ومرادهم بذلك: زيادة إذابته للسوداء؛ فإنه أيضاً يخرج بلغماً كثيراً، ومع ذلك فإنه يُعَطِّش، خاصةً المحرورين. وإذا أعوز فقد يبدَّل بالحاشا، ولكن يكون هذا الحاشا أزيد منه وزناً، وذلك لأجل ضعف قوة الحاشا عن قوة الأَفْتِيموُن.
стр. 422
المقالة الرابعة والثلاثون فى أَحْكَامِ الأَفْسَنْتِينِ
وكلامُنا فى ذلك، يشتمل على ثمانية فصول.
стр. 423
الفصل الأول فى مَاهِيَّةِ الأَفسَنتِينِ
إنَّ هذا الدواء نوعٌ من الشيح ولذلك يسمى: الشيح الرومى. وله أصولٌ وساقٌ، وأغصانٌ، وأوراقٌ، وزهرٌ، وبزرٌ (١) ، وعصارة. وهو نباتٌ شجرىٌّ يقوم على ساقٍ واحدةٍ، ذاتِ (٢) أغصانٍ كثيرة، وفى كل غصنٍ أوراقٌ كثيرة صغارٌ، متراكمةٌ، غبْرٌ، تشبه الأُشْنَةِ فى غبرتها. وزهرُهُ أُقحوانىٌّ صغيرٌ، أبيضٌ فى وسطه شئٌ أصفر، وله بزرٌ دقيق، وفى طعمه قَبْضٌ يسيرٌ ومرارةٌ مع الحرافة ويتَّصف باعتبار مَنْبته. واختلف الأطباءُ فى أصنافه (٣) ، فقيل: إنَّ أصنافه هى هذه: خراسانى (٤) ، ورومى، ومشرقى، ومجلوب من جبل اللكام (٥) ، وسوسى وطرسوسى، ونبطى. وفى النبطى عطريةٌ ظاهرة، وغيره ليس كذلك، بل هو كريه (٦) الرائحة. وهذا النبطى أصفر ورقاً وزهراً من غيره. وأجود الأَفْسَنْتِينِ ما
стр. 424
هو زَغَبىُّ (١) اللون، صَبْرِىُ (٢) الرائحة عند الفَرْك، وأفضل ذلك (٣) : السوسى والطرسوسى.
وجوهرُ هذا الدواء مركَّبٌ من أرضيةٍ باردة، بها يصير قابضاً. ومن أرضية محترقة، بها يصير مُرّاً. ومن جوهرٍ نارىٍّ، به (٤) يصير حريفاً. ومن هوائيةٍ، بها يصير خفيفاً. والجزء المائى فيه كثيرٌ؛ ولذلك تُعتصر (٥) منه عصارةٌ كثيرة. وجوهره لطيف؛ لأن الأرضية الباردة فيه قليلة. وأكثر أجزائه لطيفة (٦) جداً ومزاجه من هذه الأجزاء غير مستحكم؛ ولذلك تصدر عنه أفعال متباينة.
وتارةً يستعمل جِرْمُهُ، وتارةً عصارتُهُ، وتارةً شرابُهُ، وتارة بزرُهُ وزهرُهُ. وعُصارتُهُ أقل أرضية - لامحالة - فلذلك هى أقل قَبْضاً. وإنما تكثر (٧) فيها النارية والمائية، فلذلك هى أكثر تحليلاً، وأقل قبضاً.
وتختلف أصنافه فى أفعاله؛ لأجل اختلافها فى الأجزاء التى هى عناصرها فما كان من أصنافه كثيرَ الأرضيةِ الباردةِ، كان أكثرَ قبضاً، وذلك كالنوع المجلوب من نيطس (٨) ولذلك فإن هذا الصنف يُختار لأجل تقوية المعدة والكبد ونحوهما من الأحشاء، خاصةً وهو مع قوة قبضه، عَطِرٌ، قليلُ الحرارة والحِدَّة.
стр. 425
وما كانت هذه الأرضية فيه قليلة، فهو أقل قبضاً، وأقل برداً؛ ولذلك كانت (١) عصارة هذا الدواء أشد حرارة، وجِرْمُهُ؛ لأجل قلة الأرضية فيها؛ ولذلك هى كالفاقدة (٢) للقبض. وكذلك ما يكون فيه عطرية كالصنف النبطى منه؛ فإنه يكون أكثر تقويةً للأحشاء وللروح، مما ليس كذلك
стр. 426
الفصل الثانى فى طَبِيعَة الأَفسَنتِينِ وأَفعَالِهِ على الإِطلاَقِ
إنَّ هذا الدواء، لما كان مركَّباً من أرضية بعضها باردٌ قابضٌ (١) ، وبعضها حارٌّ مُرّ (٢) ، ومن ناريةٍ حريفة، ومن هوائيةٍ بها هو خفيف، ومن مائيةٍ ليست بيسيرة؛ فلابد وأن يكون هذا الدواء حاراًّ يابساً، ولابد وأن تكون حرارته يسيرة؛ لأجل كثرة المائية، ولابد وأن تكون يبوسته زائدة؛ لأن الأرضية كثيرة ويبوسة الأرضية شديدة. وأما المائية فمع ضعف رطوبتها، هى أقل من الأرضية ولذلك فإن هذا الدواء ليس فيه تفاهةٌ ظاهرة. وأما الهوائية التى فيه، فلا تأثير لها فى الرطوبة؛ فلذلك يجب أن تكون يبوسة هذا الدواء شديدةً، خاصةً والجزء النارى فيه جوهره يابسٌ.
وتحليل هذا الدواء يُعين على يبوسته؛ ولذلك هو مجفِّف، وعصارته أشدُّ حرارةً من جِرْمِهِ، وأقلُّ يبوسةً؛ وذلك لأن الأرضية فى العصارة، لابد وأن تكون أقل. وأما النارية فتكون فيها أزيد؛ لأنها لأجل لطافتها تصحب المائية المعتصرة، وتفارق.. (٣) فلذلك تكون هذه العصارة لذاعة، قليلة.. (٤) فلذلك تضر المعدة، مع أن الأَفْسَنْتِيَ نافعٌ لها جداً. ومنه ((٥) أكثر برداً وتقويةً، وأقل
стр. 427
تحليلاً، لأن المائية الباردة القابضة فيه أكثر.
وقد علمت أن جوهر هذا الدواء لطيفٌ (١) . فأقول أيضاً: إنه ملطِّفٌ وذلك بما فيه من النارية. وهذا الدواء بما فيه من القَبْضِ يقوِّى، ويشدُّ، ويجمع أجزاء العضو. وبما فيه من المرارة يجلو ويحلِّل قليلاً. وبما فيه من الحرافة، يحلِّل كثيراً ويفتِّح، وكذلك يفعل ذلك بما فيه من المرارة. وبما فيه من المائية، يغسل. وبما فيه من اليبوسة مع التحليل، يجفف.
ولأجل تجفيفه مع التحليل والجلاء، هو منقّ (٢) . وبما فى النبطى من العطرية يُفَرِّح، ويقوِّى القلبَ والروح، فَتَقْوَى على دفع السموم، فيكون بذلك تِرياقاً بوجهٍ ما. وفى الأَفْسَنْتِينِ مع التجفيف تليينٌ؛ لأن حرارته ليست شديدة جداً. فلذلك هو نافعٌ من الصلابات الباطنة؛ ولأنه قوىَّ التفتيح، فهو لذلك مُدِرٌّ.
ولما كان هذا الدواء مُرًّ، حريفاً، لطيفاً؛ فهو - لامحالة - مباينٌ لطبيعة الغذاء؛ فلذلك يكون دواءً صرفاً. ولأجل مرارته ينافى طبيعة الحيوان؛ فلذلك هو يقتل الديدان، ويمنع تسوُّس النبات، ويحفظ الكاغد من القرض بالأَرَضَة (٣) ونحوها. وإذا جُعل هو وماؤه (٤) مع المداد، وكُتب به، لم تقرض الفأرُ الكتابَ ويحفظ الكتاب من التغيُّر، بتجفيف الرطوبات المائية الفضلية، التى تعدُّه للفساد.
стр. 428
الفصل الثالث في طَبِيعَةِ الأَفسَنتِينِ فى أَعضَاءِ الرَّأسِ
إنَّ هذا الدواء - لأجل قبضه - إذا شُرب قبل الشراب، منع الخمار وسرعة السُّكْر، وذلك لتقويته فم المعدة، ومنعه من (١) تصعُّد أبخرة الشراب. وكذلك إذا تنقَّل ((٢) بشرابه على الشراب، وَلعِقَ جِرْمُهُ بشرابٍ قابضٍ، كشراب الآس ونحوه. والنبطى بهذا أولى، لأنه أكثر قبضاً من غيره.
وبهذا الوجه، فإن الأَفْسَنْتِينَ إذا استُعمل، نفع من الصداع الكائن من بخار المعدة. وأما عصارة الأَفْسَنْتِينِ فإنها إذ استُعملت على هذه الصورة (٣) أعنى مشروبةً أو ملعوقةً ونحو ذلك؛ فإنها تُصدِّع؛ وذلك لأنها - لقلة الأرضية القابضة فيها - ليست تقبض قوياً؛ فلذلك ليست تُقوِّى فم المعدة بقوة، فلا تمنع البخار عن التصعُّد؛ ولذلك فإنها لاتنفع فى الخمار. ومع أنها لا تمنع الخمار فإنها تبخِّر بقوة حرارتها، وتلذع المعدة بحدَّتها، وذلك من أسباب الصداع فلذلك كانت (٤) عصارة الأَفْسَنْتِينِ مصدِّعةً (٥)
وإذا ضُمِّد الرأس بالأفسنتين قوَّاه، وجفّف رطوباته الفضلية، وذلك بما فيه
стр. 429
من القَبْضِ والتجفيف والتحليل؛ فلذلك قد ينفع جداً من النزلات. وفعل العصارة فى ذلك أقل، لقلَّة تجفيفها، وخلوِّها من التقوية القوية.
وبخار الأَفْسَنْتِينِ المطبوخ إذا حوذى (١) به الأذن، قوَّاها لامحالة، وحلَّل فضولها. فلذلك، ينفع من أوجاع الأذن. والعصارة تنفع أيضاً فى ذلك، ولكنها لاتقوى كثيراً، بل تحلِّل مادة الوجع بقوة (٢) . وكذلك الأَفْسَنْتِينُ نفسه، إذا ضمِّدت به الأذن الوَجِعَة، سكَّن وجعها، خاصةً معجوناً بالعسل، وإذا ضُمِّدت به أورام ما خلف الأذن، نفع منها، بتحليله مع قلَّة قبضه. ونَفْعُ العصارة فى هذه الأورام، أكثر. ولذلك (٣) النبطى من الأَفْسَنْتِينِ أكثر من نفع غير النبطى لأن النبطى أقوى قبضاً، وأضعف تحليلاً.
وإذا أُدخل فى الأذن فتيلةُ من الأَفْسَنْتِينِ المعجون بالعسل ونحوه، نفع من رطوبات الأذن؛ وذلك لأجل تجفيفه. ونَفْعُ النبطى فى هذا أكثر؛ لأنه أكثر أرضية. وإذا طُبخ فى دهن اللوز، ثم أُضيف إليه مرارة الماعز، وقُطِّر فى الأذن حلَّل رياحها، ونقَّى قروحها، ونفع من الصمم (٤) سريعاً جداً.
وإذا شُرب الأَفْسَنْتِين بالعسل (٥) ، نفع من السكتة؛ وذلك لأجل منعه (٦) الأبخرة من الدماغ مع تجفيفه له، وتقويته إياه. وكذلك أيضاً ينفع من الصرع
стр. 430
والفالج. وإذا اكتُحل بالأفسنتين؛ نفع من الرمد العتيق؛ وذلك لأجل زيادة تجفيفه مع التقوية. والنبطىُّ فى هذا أَنفع، لأنه مع زيادة تجفيفه وتقويته - لأجل زيادة قبضه وأرضيته - فإنه عَطِرٌ، وأقلُّ لَذْعاً للعين؛ وذلك لأجل قِلَّةِ حرارته.
وعصارة الأَفْسَنْتِينِ أقل فعلاً فى ذلك؛ لأجل قوَّة حرارتها، وحِدَّتها، مع قلة تقويتها، وتجفيفها. وإذا ضُمدت العين بالأفسنتين يفعل ذلك. وإذا ضُمد به مع المِيبَخْتَجِ (١) سكَّن ضربات العين، أو فى موضع آخر (٢) ؛ وذلك لأجل تحليله الدم الجامد، والعصارة فى هذا أولى.
وإذا اكتُحل بالأفسنتين؛ نفع من الغشاوة - خاصةً معجوناً بالعسل - وذلك لأجل تحليله مع تقوية جرْمِ العين. وهو يحدُّ البصر بما فيه من التلطيف الملطِّف للروح، مع تقويته للعين، وتحليل فضولها، لأجل جلائه (٣) . وكذلك إذا اكتُحل به؛ نفع من الوَدَقة (٤) بتحليله مادتها (٥) . وكذلك إذا ضُمدت به العين؛ نفع من
стр. 431
أورامها، خاصةً القليلة الحرارة والباردة، وهو شديد النفع لغلظ الأجفان. وإذا ضُمدِّت به العين المطروفة، مسحوقاً، مصروراً فى خرقةٍ كتانٍ مغموسة فى ماءٍ حارٍّ؛ نفع الطرفة جداً، وحلَّل ما يكون قد احتبس فيها من الدم؛ حتى قيل إن ذلك الدم يخرج إلى الأَفْسَنْتِينِ حتى إذا اعتُصِرَت تلك الصُّرَّة، خرج منها ذلك الدم.
стр. 432
الفصل الرابع فى فِعلِ الأَفسَنتِينِ فى أعضَاءِ الصَّدرِ
لما كان هذا الدواء مقوِّياً، فهو - لامحالة - يقوِّى القلب، خاصةً النبطى منه؛ فإنه وإن كان أقل قَبْضاً، فإنه عَطِرٌ؛ والعطريَّةُ أقوى تقويةً (١) للقلب (٢) . وكذلك فإن هذا النبطى ينفع من الخفقان؛ ولأن ما (٣) فيه مع العطرية يلطِّف فلذلك هو يلطِّف الروح مع تقويته لها بالعطرية، وليس فيه من الحرارة والحِدَّة ما يجعل الروح شديدة الاستعداد للحركة إلى خارج دفعةً، بل إنما يعدُّها لتلك الحركة برفق؛ فلذلك هو مفرِّح، وليس يغضب إلا فى الأبدان الحارَّةِ جداً.
والأَفْسَنْتِينُ ينفع من التمدُّد تحت الشراسيف، لتحليل المواد الفاعلة لذلك مع تقويته لهذه الأعضاء. وإذا ضمِّد به داخل الحنك مع النطرون نفع من الخنَّاق الباطن.
стр. 433
الفصل الخامس فى فِعلِ الأَفسَنتِينِ فى أعضَاءِ الغِذَاءِ
إنك قد علمتَ أن الأَفْسَنْتِينَ ((١) بعيدٌ جداً عن جوهر الغذاء؛ فلذلك (٢) ليس يغذو (٣) شيئاً من الأعضاء. وعلمتَ أنه يقوِّى المعدة، وأن عصارته تضرُّ المعدة وفمها، لما فيها من اللذع - بزيادة الحرارة والنارية - مع قلَّة القَبْضِ المقوِّى، لأجل قلة الأرضية. وكذلك الحشيش (٤) من غير النبطى يضرُّ فم المعدة، بخلاف النبطى فإن النبطى لزيادة أرضيته الباردة القابضة تشتد تقويته لفم المعدة من غير لذع يحدثه؛ لأجل قلة مرارته، ومع ذلك فإنه عَطِرٌ؛ فلذلك هو موافقٌ لفم المعدة وينفع من أورامها؛ لأنه ليس بلاذعٍ كما فى الحشيش.
وجميع أجزاءُ الأَفْسَنْتِينِ وشرابه وعصارته، كل ذلك يردُّ الشهوة جداً ويقوِّيها (٥) ، وذلك إذا استُعمل من مائهِ أو طبيخه، كل يوم، ثلاثُ أوثولاسات (٦) ولزم ذلك عشرة أيام. وهو دواءٌ عجيبٌ لذلك، لما فيه من التقوية مع الجلاء والتجفيف والتنقية من الفضول. وكذلك شرابه يفعل ذلك، إذا أُديم
стр. 434
عليه. وكذلك إذا شُرب من شرابه كل يوم ثلاث أواقٍ (١) ؛ نفع جداً من اليرقان لأجل قوة تفتيحه مع تقويته للكبد (٢) ، وكذلك إذا شرب طبيخ الأَفْسَنْتِينِ أو شُربت عصارته.
والتضميد به ينفع (٣) من الإستسقاء (٤) ؛ وذلك لأجل تجفيفه وتحليله، مع تفشيته للرياح، خاصةً إذا ضُمِّد به مع التين والنطرون ودقيق الشَيْلَمِ. فإن (٥) الأَفْسَنْتِينَ كما علمت فيه جلاءٌ، فلذلك من شأنه إحدار ما يجده فى المعدة ونواحيها، وذلك إذا كان ما هناك سَهْل (٦) الانحدار، سهل القبول للانفعال عن الجالى. فلذلك، كان الأَفْسَنْتِينُ يحدِّرُ الصفراء عن المعدة ونواحيها، بما فيه من الجلاء؛ لأن الصفراء شديدة القبول لذلك. وأما البلغم، خاصةً الغليظ اللزج فإن الأَفْسَنْتِينَ ليس يقوى على إحداره عن المعدة، فضلاً عن المحتبس فى الصدر أو فى الرئة؛ وذلك لأجل عسر قبول هذا البلغم للانفعال عن فعل الجالى. وأكثر إخراجه للصفراء من المعدة، إنما هو بالإدرار، وذلك لما فيه من القوة المدرَّة على ما تعلمه بعد.
وهو شديدُ النفع لأورام الأحشاء، خاصةً المعدة والكبد والطحال؛ وذلك لأجل تحليله مع القَبْضِ، وهو شديدُ التسكين لأوجاع (٧) هذه الأعضاء إذا ضُمِّدت به؛ فلذلك تضمَّد به المعدة الوَجِعَة، مخلوطاً بدهن الورد والشمع.
стр. 435
وكذلك، يضمَّد به الطحال مخلوطاً بالتين، والنطرون، ودقيق الشيلم. وكذلك تضن به الخاصرة معجوباً بالموم (١) المذاب فى دهن الحنَّاء، فيسكن (بذلك (٢) أوجاع هذه الأعضاء. وشراب الأَفْسَنْتِينِ ينفع الأحشاء جداً ويقوِّيها، ويبرئ من الأمراض) (٣) التى يبرئ منها جِرْمُهُ، وكذلك إذا لم تكن (٤) حمى تمنع من شربه. وقد كان جماعةٌ من الأولين يشربونه لحفظ الصحة (٥) .
ولأجل نفع الأَفْسَنْتِينِ وشرابه للأحشاء، هو نافعٌ جداً للاستسقاء، ولسوء القنية، وينفع الصلابات الباطنة شرباً وضماداً. وهو مع حرارته يقوِّى المعدة الحارة والصفراوية؛ وذلك لأجل إخراجه المادة الحارة الحادة منها؛ فلذلك هو شديدُ النفع لضعف العصب وبرده (٦) ، إذا كانت معدته حارة صفراوية؛ لأنه بحرارته وقبضه يقوِّى العصب ويسخِّنه، وبتنقيته للمعدة من المرار يقوِّيها ويصلحها ويرد شهوتها الباطلة (٧) . وإذا طُبخ بالخل وضمِّد به الطحالُ؛ نفع من وجعه. وقد يُطبخ مع الزبيب والزيت، ويضمَّد به الكبد الوارمة فى آخر ورمها فينفعها بتحليل بقايا ذلك الورم.
стр. 436
الفصل السادس فى فِعلِ الأَفسَنتِينِ فى أَعضَاءِ النَّفضِ
قد بيَّنَّا أولاً أن هذا الدواء مُسهلٌ، وأنه يُسهل بما فيه من الجلاء. وبيَّنَّا أنَّ جلاءه ليس بشديدٍ جداً؛ فلذلك إنما يُسهِّل ما يَسْهُل إخراجه بالجلاء، وإنما يكون ذلك إذا كان المخرج رقيق القوام، سهل الانفعال، وذلك كالصفراء والفضول المائية؛ فلذلك كان هذا الدواء يسهل المائية والصفراء، وإسهاله للصفراء ليس بقوىٍّ (١) جداً؛ فلذلك إنما يسهلها إذا كانت فى المعدة ونواحيها ولا يسهلها إذا كانت بعيدة، خاصةً إذا كانت عند الجلد أو فى المفاصل.
وأما البلغم فإنه لغلظه ولزوجته، ليس يسهل إخراجه بالجلاء، ما لم يكن ذلك الجلاء قوياً جداً.وهذا الدواء ليس كذلك؛ لأن هذا الدواء فيه أرضيةٌ باردة وقَبْضٌ، وذلك ينافى الجلاء؛ فلذلك هذا الدواء ليس يَقْوَى على إسهال البلغم اللزج، وإن كان فى المعدة أو فى الأمعاء، فضلاً عن الكائن فى الرئة ونحوها من أعضاء الصدر.
وإذ (٢) هذا الدواء ليس يقوى على إسهال البلغم، فأن (٣) تعجز قوته عن إسهال السوداء، أولى؛ وذلك لأن إسهالها (٤) أعْسَرٌ - لامحالة - من إخراج البلغم
стр. 437
فلذلك، كان إسهال هذا الدواء خاصّاً بالصفراء، وذلك إذا كانت الصفراء فى المعدة وما يقرب منها. وإذ إسهال هذا الدواء ضعيفٌ، فإنما يقوى على الإسهال إذا كانت المادة سهلة الإجابة، وإنما يكون كذلك إذا كانت نضيجة؛ فلذلك هذا الدواء إذا استُعمل بعد النضج، أسهل برفق؛ وإن استعمل قبل النضج لم يقو (١) على الإسهال، وكان قابضاً بقبضه؛ فلذلك يكون - حينئذ - محرِّكاً للمادة تحريكاً ضاراً.
وقد بيَّنَّا أن هذا الدواء يجب أن يكون قوىَّ التفتيح؛ وذلك لأنه مع حرارته ومرارته، وحرافته؛ لطيفُ الجوهر. وجميع ما هو كذلك، فهو قوىُّ التفتيح. وإذا كان كذلك، فهو - لامحالة - مُدِرٌّ. وإذن، يجب أن يكون هذا الدواء مدرًّ والإدرار قد يكون للبول، وقد يكون للحيض. وهذا الدواء يُدِرُّهُمَا جميعاً وذلك لأجل حدَّته وتحريكه للدم.
وإخراج الصفراء بالإدرار، لاشك أنه أسهل كثيراً من إخراج البلغم بذلك فلذلك، أكثر إدرار هذا الدواء، إنما هو للصفراء، وذلك إنما يكون بتحريك الصفراء إلى محدَّب الكبد، إما من جهة الأمعاء، أو من جهة العروق. لكن ما كان من الصفراء فى الأمعاء أو فى المعدة، كان إخراجه بالإسهال أولى؛ لأن ذلك أقرب، وكذلك ما يكون منها فى مُقَعَّر الكبد. فلذلك إدرار هذا الدواء للصفراء، أكثره إنما يكون من الصفراء التى فى العروق. فلذلك هذا الدواء يشفى من الحميات العتيقة والبثور الصفراوية ونحو ذلك.
وكذلك هو دواءٌ يحفظ الصحة؛ لأنه بإخراجه ما فى العروق من المواد يخلِّص البدن من فضول الصفراء، وذلك مما يؤمن معه حدوث الأمراض الصفراوية
стр. 438
كالحميات ونحوها. وهذه الأمراض قد بيَّنَّا أنها أكثر الأمراض الواقعة؛ فلذلك كان هذا الدواء مخلِّصَ البدن من الأمراض الواقعة فى أكثر الأمر، وما كان كذلك فهو - لامحالة - حافظٌ للصحة.
فلذلك، هذا الدواء حافظٌ للصحة، ومع ذلك فإنه يحفظ الصحة بإسهال الصفراء، وبإدرار الحيض، وبتقويته الأعضاء الهاضمة كلها؛ فلذلك كان الأوَّلون يستعملون شراب هذا الدواء كثيراً، لأجل حفظ الصحة. ومع أنه يخلِّص البدن من الأمراض الصفراوية، فإنه أيضاً ينفع أصحاب المرَّة السوداء نفعاً كثيراً وذلك إذا كانت سوداؤهم صفراويةً؛ وسبب ذلك: إخراجه لمادة هذه السوداء التى هى الصفراء. والشربة من هذا الدواء إما (١) منِ جرْمِهِ فمن مثقالٍ إلى درهمين، وإما من طبيخه ونقيعه فمن خمسة دراهم إلى سبعة دراهم، هذا إذا أخذ هذا الدواء مع غيره.
وإن أخذ جِرْمُهُ مفرداً فقدر شربته من مثقالٍ إلى مثقال ونصف، وأزيد من ذلك قليلاً. وهو وشرابه، كُلٌّ منهما ينفع البواسير، وشقاق المقعدة شرباً وكذلك إذا ضمِّد بجِرْمِ هذا الدواء مع أدويةٍ تناسب هذا المرض، ومع المراهم المتَّخذة له، وكذلك إذا نُطلت المقعدة بطبيخه؛ وسبب ذلك. ما فى هذا الدواء من القبض والتقوية (٢) .
وطبيخه بانفراده أو مع الأرز أو العدس، إذا شرب بالعسل، قتل الدود وأخرجه، وليَّن البطن قليلاً. وكذلك شرابه يفعل ذلك، مع أنه ينقِّى العروق من الخلط المرارى، وهو الفضل المائى؛ وذلك لأجل قوة إدراره وتحريكه الفضول إلى
стр. 439
جهة البول. وكذلك إذا تُحُمِّلَ به مع العسل. أَدَرَّ الحيض بقوة، وعصارته - فيما أظن - أقوى إدراراً للبول وللطمث؛ وذلك لأجل زيادة حِدَّتها، مع قِلَّة قَبْضِها.
стр. 440
الفصل السابع فى فِعلِ الأفسَنتِينِ فى الأَمرَاضِ التى لا اختِصَاصَ لها بعُضوٍ
قد بيَّنَّا أنَّ هذا الدواء قوىُّ الإدرار للمرار الأصفر، وللفضول المائية، وأنه (١) يسهل الصفراء، ويحرِّك دم الطمث، ويدرُّه بقوة؛ فلذلك هذا الدواء شديد النفع من الأمراض الصفراوية، بل من الأمراض الحادة كلها؛ لأن أكثر الأمراض الحادة صفراوية، والتى منها (٢) ليست كذلك، فإن الصفراء لابد وأن تكون معها ما ينبغى أن ينقَّى البدن منه؛ فلذلك هذا الدواء نافعٌ من الأمراض الحادة كلها. ومن جملة هذه الأمراض الحميات، فلذلك ينبغى أن يكون هذا الدواء نافعاً فيها.
ولكن الحرارة الموجبة، لابد وأن تكون فى الحميات شديدة، وهذا الدواء كما علمت حارٌّ؛ لا بما هو منقٍّ؛ فلذلك إذا بطل إضراره بالحرارة لم يكن - حينئذ - ضارَّاً، وذلك إذا كانت تلك الحميات فى آخرها؛ فإنَّ أواخر الحميات تستعمل (٣) فيها الأدوية القليلة الحرارة؛ وذلك لأجل شدة الحاجة - حينئذ - إلى التحليل.
وإذ هذا الدواء ينقِّى الدم من الفضول الصفراوية والمائية، بالإدرار والإسهال ويخرج الطمث؛ فهو - لامحالة - محسِّنٌ اللَّون؛ لأن الدم إنَّ نُقِّى من هذه الفضول
стр. 441
كان المتحرِّك منه إلى ناحية الجلد جيداً مشرقاً، ويلزم ذلك أن يكون اللون أحسن خاصةً وخروج الحيض ينقِّى الدم من الفضول جميعها، وذلك بما يوجب حُسن اللون؛ فيكون محسِّناً للون البدن، خاصةً وهذا الدواء بتلطيفه يرقّق قوام الدم وبحرارته يحرِّك الدم الصحيح إلى ناحية الجلد، ويلزم ذلك أن يحسِّن اللون. وأما الدم الردئ فإن هذا الدواء، وإن حرَّكه فإنما يحرِّكه إلى جهة الرحم، ليخرج طمثاً، وذلك مما يعين على تحسين اللون.
وكذلك هذا الدواء نافعٌ من الأورام والبثور، أما إذا شرب فظاهرٌ (١) وذلك لأجل تنقيته البدن من المادة المولِّدة لها. وأما إذا استعمله من خارج فلأجل ما فى هذا الدواء من التحليل، مع القبض والتقوية.
ونَفْعُ هذا الدواء - إذا شرب للشَّرَى (٢) أَزْيد؛ وذلك لأجل إخراجه المادة المحدثة لغليان الدم المحدث للشَّرَى (٣) وذلك لأن هذا الدواء يخرج الصفراء والفضول المائية، وذلك مما يبطل غليانه المحدث للشرى؛ لأن حدوث الشرى إنما يكون إذا حدث للدم غليانٌ، تروم الطبيعة به دفع الفضل الذى يعدُّه (٤) لقبول العفونة، وهذا الفضل هو الفضل (٥) المائى. وإذا كان فى الدم فضلٌ صفراوى
стр. 442
كان حدوث العفونة عند زيادة المائية أكثر؛ لأن الصفراء بحرارتها تفعل العفونة فى الدم المستعد لها. فلذلك إذا خلا الدم من الفضل المائى، والفضل الصفراوى كان بعيد جداً عن حدوث الغليان، وذلك مما لا يكون معه شرى.
ولما كان هذا الدواء ينقِّى البدن من الفضل المائى، فهو - لامحالة - شديدُ النفع من سوء القنية، ومن الاستسقاء، خاصة وهو مع فعله ذلك يقوِّى الأعضاء الهاضمة كلها، وذلك من أعظم أسباب بطلان الاستسقاء.
وكذلك، هذا الدواء ينفع من داء الثعلب، وداء الحية. أما إذا استُعمل من خارج؛ فلأجل ما فيه من الجلاء والتحليل، وأما إذا استعمل من داخل، فلأجل تنقية البدن. وهذا إنما يكون - حينئذ - إذا كان داء الثعلب وداء الحية حادثْينِ عن مادة حادة.
وكذلك، هذا الدواء ينفع جداً من أوجاع المفاصل، وذلك إذا كان حدوث ذلك الوجع من خلطٍ حاد، وإنما كان كذلك لأن هذا الدواء من شأنه استفراغ الفضل الصفراوى الحادِّ، وتنقية العروق منه (١) .
стр. 443
الفصل الثامن فى حَالِ هذا الدَّوَاءِ فى التِّرْيَاقِيَّةِ ومُقَابِلها
إِنَّا قد بيَّنَّا أن هذا الدواء ليس يخلو من ترياقية؛ فلذلك لابد وأن يكون نافعاً فى دفع السموم. وله سموم يختصُّ بدفعها ودفع أذاها، وهذه السموم هى الحادثة عن نهش التنين البحرى، والحادثة عن لذع العقرب، وعن نهشة موغالى، وعن تناول الشوكران، وذلك إذا شُرب هذا الدواء بالشراب.
وكذلك هو نافعٌ من حنق الفطر، وذلك إذا شرب بالخل. وإذا رُش طبيخه فى البيت، أمات البقَّ والبراغيث. وإذا بَلَّ طبيخه أو نقيعه المداد (١) ؛ لم تقرض الفأرُ الكتاب الذى يكتب به. وإذا أعوز أُبدل بالجعدة أو بالشيح الأرمنى ويقوم مقامه فى تقوية المعدة الأسارون مع نصفه إهليلج.
стр. 444
المقالة الخامسة والثلاثون فىِ أَحْكَامِ الأَفْيُونِ
وكلامُنا فى ذلك، يشتمل على أربعة فصول.
стр. 445
الفصل الأول فى مَاهِيَّةِ الأَفيُونِ
إنَّ الأفيون (١) دواءٌ مصرى يتَّخذ بأرض مصر، خاصةً بالصعيد (٢) منها خاصةً فى مدينة تعرف (٣) بسيوط (٤) . واتخاذه هو من الخشخاش الأسود وذلك على وجهين.
أحدهما: أن تجمع رؤوس ذلك الخشخاش وأوراقه، ويعتصران باللبوب المعمول (٥) لعصر ما يحتاج إلى عصره بقوة، ثم تؤخذ تلك العصارات وتُسحق على صلاية، سحقاً محكماً ثم تقرَّص وتجفَّف (٦) فى الشمس، وما يتَّخذ على هذا الوجه، فإنه يُخَصَّ باسم منفونيون (٧) .
стр. 446
وثانيهما: أن يُشرط (١) رأس ذلك الخشخاش بسكين ونحوها، شرطاً لا يبلغ إلى حدِّ يخرق جِرْمَهَا. ثم يشرط من جانب هذا الرأس شرطاً آخر طولانياً مستقيماً، مبتدئاً من الشَّقِّ (٢) الأول، وذاهباً على الاستقامة فى طول رأس الخشخاشة. ثم يؤخذ ما يخرج - حينئذ - من الصمغ، ويُجعل فى صدفه ويُعاود ذلك مراراً، كلما حصل فى ذلك الشَّقِّ شئٌ من ذلك الصمغ أُخذ، وقد يُستمر ذلك إلى اليوم الثانى. وإذا جمع هذا الصمغ جميعه، بولغ فى سحقه على صلاية، ثم يقرَّص ويرفع. والمعمول على هذا الوجه أقوى قوَّةً، وأجود، من المعمول على الوجه الأول.
والمشهور عند المتأخرِّين، أنَّ المعمول على الوجه الثانى هو لبن ذلك الخشخاش (٣) ، أعنى الأسود، وليس ذلك بحق؛ فإن هذا الأفيون دهنىٌّ، ولذلك يشتعل إذا قُرِّب من النار (أو) (٤) لهب السراج ونحوه، واللبن ليس كذلك. ومن تأمَّله عَلِمَ أن جوهره جوهر الصموغ لا جوهر الألبان، ولذلك كان هذا الدواء يُغَش بصموغ أُخر، ولولا مشابهته لما أمكن ذلك.
ولما كان هذا الدواء صمغاً، ففيه - لامحالة - دهنيةٌ، ودسومةٌ، وهوائيةٌ وحرارةٌ، وأرضيةٌ، ومائيةٌ. وذلك لأنَّا بيَّنَّا أن جواهر الأدهان جميعها، تُحقَّق بأرضيةٍ لطيفة، تخالطها هوائيةٌ، وحرارةٌ، ومائيةٌ يسيرة. وبيَّنَّا أن جواهر الصموغ كلها مركَّبة مما قلناه، ومن جملة ذلك: هذا الدواء، وهو الأفيون.
стр. 447
ولكن أرضية هذا الأفيون بعضها لطيفةٌ جداً، حارَّةٌ، شديدةُ المرارة وهى التى بها تحدث الدُّهنية وبها يكون هذا الدواء مُراًّ. وبعضها - وهو أكثرها - شديدة (١) البرد جداً، جامدة بقوة البرد. وقد علمْتَ أن جميع الأجسام اليابسة فإن البرد الشديد يُحدث فيها سواداً (٢) ؛ فلذلك هذه الأرضية لونها أسود بسبب قوة البرد. وأما الأرضية الأخرى المرة المحترقة؛ فإنها أرضية تخالطها مائية يسيرة لأنها هى الأرضية التى بها هذا الدواء يكون دهنياً؛ فلذلك يكون حال هذه الأرضية عند فعل الحرارة فيها، كحال الحطب الرطب؛ فلذلك تكون الحرارة المحرقة لها مُسَوِّدة لها، كما يحدث الفحمُ عن الحطب الرطب، إذا فعلت فيه النار فعلاً ليس بالشديد جداً، وكذلك الحرارة المحرقة لهذه الأرضية. ومن سواد هاتين الأرضيتين، يكون هذا الدواء أسود اللون؛ ولأجل ما فيه من الهوائية يكون هذا السواد ليس بمفرط؛ وذلك لأن الهوائية إذا دخلت الأجسام بيَّضتها؛ فلذلك فإن الصبر مع سواده إذا سحق ابيَضَّ، وذلك لأجل مخالطة الهوائية له. وبهذه الهوائية يكون جوهر الأفيونِ خفيفاً، مع أن الأرضية فيه كثيرة.
وإذا جُعل هذا الأفيونُ على النار، وذلك بأن يُقلى على صحيفة ونحوها قلَّ سواده، وصار لونه أحمر. وما ذاك إلا لأن سواد الأرضية الجامدة، يبطل (٣) حينئذ ويبقى السواد، إذ إنما هو للأرضية الأخرى، وهى المرة.
وقد علمت أن البرد من شأنه إخماد الروائح، وضعف الآثار، وأن الحرارة من شأنها خلاف ذلك؛ فلذلك الأرضيةُ الحارّةُ التى فى هذا الدواء، تظهر
стр. 448
للحاسة (١) فيظهر (٢) طعمها، بخلاف الباردة الجامدة؛ فإنها وإن كانت أكثر مقداراً؛ فإنها تِفهة الطعم، ولا رائحة لها؛ وذلك لأجل البرد. فلذلك، يكون هذا الأفيون - مع برده الشديد - مُرُّ الطعم، حادُّ الرائحة.
وأما سواده، فلأجل سواد الأرضيتين اللتين سواد إحداهما لإفراط البرد وسواد الأخرى لقلة الحرِّ. وقلة سواده لأجل الهوائية، ولأجلها هو خفيفٌ. ولأجل ما فيه من المائية اليسيرة، هو متماسكٌ. ولأجل قلَّة (٣) هذه المائية جداً هو يشتعل بدهنيته. ولأجل أن جمود أرضيته الباردة هو بإفراط البرد، صار الأفيونُ يذوب إذا جُعل فى الشمس الحارة. ولأجل أن أرضيته كثيرةٌ، هو ينداف (٤) فى الماء؛ لأن أرضيته تتصغر أجزاؤها، وتخالط الماء.
وإنما يذوب الأفيونُ بالشمس، ولا يذوب عند القلى؛ لأن الحرارة النارية الغالبة، شديدةُ اليبوسة، فهى تعقد ما تغلب فيه الأرضية، لا تُذيبه. وأفضل الأفيونِ ما كان رزيناً، حادَّ الرائحة، هشَّاً، سهلَ الانحلال فى الماء، وفى الشمس يشتعل بسهولة، وشعلته غير مظلمة.
стр. 449
الفصل الثانى فى طَبِيعَةِ الأَفيُونِ وأَفعَالِهِ على الإِطلاَقِ
إنَّ هذا الدواء لما كان كثيرُ الأرضية، قليلُ المائية جداً، وَجَبَ - لامحالة - أن يكون شديدَ اليبوسة، خاصةً وما فيه من الهوائية؛ فإنها كما علمت لامدخل لها فى ترطيب (١) البدن. فلذلك، هو شديدُ اليبوسة، إذ (٢) جوهر الأرض كذلك.
ويجب أيضاً أن يكون شديد البرد؛ لأن الأرضية الباردة فيه كثيرةٌ (٣) جداً فإنه لولا هذه الأرضية الباردة جداً، لما كان الأفيونُ يذوب فى الشمس، مع أن المائية فيه قليلة، وإلا لما كان يشتعل بسهولة. ولولا كثرة هذه الأرضية (٤) الباردة لما كان يخثر الماء تخثراً (٥) كثيراً إذا أُديف (٦) فيه، مع أن الأرضية الحارة قليلة جداً ولولا قلَّتها جداً، لما كان الأفيونُ يحْمَرُّ عند القلى؛ لأن تلك الأرضية الحارّة لو كانت كثيرة، لكانت تفى - حينئذٍ (٧) - بسواده القوى؛ فلذلك لابد وأن تكون