стр. 386
← Медицина следующие страницы →
Медицина · id 240
الشامل في الصناعة الطبية
ابن النفيس
Полный текст (449 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.
стр. 387
المقالة الحادية والثلاثون فىِ أَحْكَامِ الأُشْنَةِ
وكلامُنا فى ذلك، يشتمل على سبعة فصول.
стр. 388
الفصل الأول فى مَاهِيَّةِ الأُشنَةِ وأَحكَامِها على الإطلاَقِ
الأُشْنةُ هى شيبة (١) العجوز، وهى تلتف على شجر الشربين والبلُّوط والجوز والصنوبر، ولا أصل لها، ولا زهر، ولا بذر. ولها رائحةٌ طيِّبة، ومع ذلك فإنها تكتسب الرائحة من كل ذى رائحة يخالطها، ولذلك تخلط فى الطيوب والذرائر والغوالى، لتكون كالمادة للرائحة. وكذلك أيضاً تكتسب القوة من كل شجر تلتف عليه؛ فتختلف قواها وأفعالها، باختلاف ما تلتف عليه من الشجر.
وطعمها إلى تفاهةٍ، ومرارةٍ وقبضٍ خفيَّين، والمائلة إلى السواد منها رديئة (٢) . وأفضلها البيضاء الطيبة الرائحة، خاصة الجبلية منها، والتى تلتف على شجرة الشربين أفضل، وبعدها ما يلتف على شجر الجوز.
وجوهرها مركَّبٌ من أرضية حارَّةٍ محترقة يسيرة أيضاً، بها تكون مُرَّةً. وفيها مائيةٌ يسيرة جداً؛ فلذلك لا يُعْتَصَرُ منها ما يعتد (٣) به. وفيها هوائية كثيرة ولذلك هى خفيفة. ولذلك تكون تفهةً تفاهةً ليست عن مائية، بل مع نشوفه لأجل أنها هوائية. وتركيبها مع هذه الأجزاء ليس مستحكم، فلذلك يصدر عنها أفعال متناقضة، ولكنْ كلُّ واحدٍ من تلك الأفعال ضعيفٌ، إذ ليس فى أجزائها
стр. 389
ما هو قوِىُّ القوة. أما الأرضية الباردة والحارة، فلأنهما قليلتان جداً، فيكون فعلهما ضعيفاً. وكذلك المائية فإنها فى هذا الدواء يسيرة جداً. وأما الهوائية فإن فعلها إنما يكون بالتسخين، وتسخين الهواء ضعيف؛ فلذلك كانت أفعال الأُشْنَةِ كلهُّا ضعيفةً.
стр. 390
الفصل الثانى فى طَبِيعَةِ الأُشْنَةِ وأَفْعَالِهَا على الإِطْلاَقِ
لما كان جوهرُ الأُشْنَةِ من أرضيةٍ باردة، وأرضيةٍ حارَّة، ومائيةٍ يسيرة وهوائيةٍ كثيرة؛ فهى - لامحالة - قريبة من الاعتدال؛ فلذلك تسخِّن الأعضاء الباردة بما فيها من الأجزاء الحارة، وتبرِّد الأعضاء الحارة بما فيها من الأجزاء الباردة، ويجب أن تكون (١) مع اعتدالها، مائلةً إلى حرارةٍ لطيفة ويبوسة.
أما الحرارة، فلأن المائية التى فيها، وإن كانت شديدة البرد فإنها نَزِرَةٌ (٢) جداً؛ فيكون ما تفعله من البرودة، قليلة جداً. والهوائية وإن كان حرّها قليلاً جداً فإنها لكثرة مقدارها تسخِّن تسخيناً ظاهراً. وأما الأرضية الباردة والحارة فيتعدَّلان (٣) . فلذلك، يكون هذا الدواء مائلاً إلى الحرارة قليلاً. وأما اليبوسة فلأن الهوائية لا مدخل لها فى ترطيب الأعضاء، كما قلناه مراراً.
والمائيةُ فى هذا الدواء يسيرةٌ، لا تفى (٤) بتعديل الأرضيتين (٥) - أعنى الحارة والباردة - فلذلك يكون هذا الدواء مائلاً إلى اليبوسة، ويجب أن تكون هذه اليبوسة أزيد من الحرارة؛ وذلك لأن يبوسة الأرضيتين (٦) شديدة، ورطوبة الماء
стр. 391
مع قلَّته ضعيفة، ورطوبة الهواء لا تأثير لها تأثيراً دوائياً؛ فلذلك تكون يبوسة هذا الدواء كثيرة، ولا كذلك الحرارة التى فيه.
وهذا (١) الدواء فيه قَبْضٌ، وتحليلٌ، وجلاءٌ، وتفتيحٌ، وإنضاجٌ، وتليينٌ وترياقيةٌ. أما قبضُه، فلأجل الأرضية الباردة. وأما تفتيحه، فلأجل ما فيه من الحرارة، وكذلك من (٢) الهوائية ومن الأرضية ومن الأرضية المحترقة. وأما جلاؤه (٣) ، فلأجل ما فيه من حرارة الأرضية المحترقة التى فيه. وأما إنضاجه فلأن حرارته مع اعتدالها مقارنةً لقوةٍ قابضة تُعين على الإنضاج بتضييق مسام العضو الذى يوضع عليه، فيلزم ذلك زيادةُ تسخُّنِ العضوِ بقلَّةِ تحلُّل (٤) الحارِّ الغريزى، وبما يلزم الأبخرة الحارة عند احتباسها اللازم لضيق المسام من السخونة.
وأما تليين هذا الدواء.. بحرارته الضعيفة.. ولا يقوى.. (٥) فهو أكثر تلييناً لأن هذا الشجر فيه قوةٌ مليِّنة (٦) . ومن شأن الأُشْنَةِ أن تستفيد (٧) من الشجر الذى تلتفّ (٨) عليه قوةً. وأما تقوية هذا الدواء، فلما فيه من القَبْضِ والعطرية. وأما ترياقيته، فلأجل ما فيه من العطرية؛ فإنَّ العطرية - كما قلناه - تقوِّى الروح على دفع السموم، وذلك هو الترياقية.
стр. 392
وإذ هذا الدواء محلِّلٌ، فهو - لامحالة - مرقِّق المواد، إذ (١) التحليل - كما بيَّنَّاه - إنما يتم بترقيق أجزاء المادة، حتى تصير (٢) بحيث يسهل خروجها من المسام بخاراً، ويلزم ذلك أن يكون هذا الدواء ملطِّفاً. ولابد وأن يكون جوهره لطيفاً ضرورة كثرة الهوائية فيه، ومع قلة الأرضية الباردة. وكل دواء لطيف فيه جلاء وتحليل، فهو لامحالة مفتِّحٌ؛ فلذلك هذا الدواء لابد وأن يكون مفتِّحاً. ولأن هذا الدواء يابسٌ، وهو مع ذلك محلِّلٌ، وذلك مما يلزمه نقصان الرطوبات. فلذلك هذا الدواء لابد وأن يكون مجفِّفاً، وإذ هو مجفِّفٌ، فهو (٣) لامحالة جالٍ، فهو لامحالة مُنقٍّ.
стр. 393
الفصل الثالث فى فِعلِ هَذا الدَّواءِ فى أَعضَاءِ الرَّأسِ
لما كان (هذا الدواء (١) قابضاً باعتدال، مجفِّفاً تجفيفاً معتدلاً، وهو مع ذلك (٢) ملطِّف، وليس فيه كيفية رديئة، ولا لذَّاعة، ولا مُباينة للاعتدال. فهو - لامحالة - من الأدوية الشديدة النفع للعين؛ وذلك لأن هذا الدواء بتجفيفه المعتدل، يحفظ (٣) صحة العين ويزيل ما يكون بها من الرطوبات الفضلية وينشِّف الدمعة. وبما فيه من القبض اللطيف، يقوِّى جِرْمَ العينِ، من غير أن يبلغ إلى حد يكثِّف جِرْمَهَا تكثيفاً ضارّاً. ويعين على ذلك، ما فى هذا الدواء من العِطريَّة. وبما فى هذا الدواء من التلطيف، يلطِّف الروح التى فى العين، ويلزم ذلك أن يكون مُحِداًّ للإبصار.
وبخلوِّ هذا الدواء عن الطعوم، ونحوها من الكيفيات المفرطة والضارة؛ ليس يحدث منه (٤) فى العين أمرٌ يؤذيها، فلذلك: هو من أوفق أدوية العين. وهو ينفع أورام العين الباردة، وكذلك الحارَّة - فى انتهائها وبعد ذلك - بما فيه من التحليل. ويسكِّن أوجاع العين إذا ضُمِّدت به، وذلك بما فيه من التحليل والتقوية.
стр. 394
وقد قالوا: إنَّ الأُشْنَةَ تنفع من حرارة العين وحُمرتها. ويشبه أن يكون ذلك بما فيها من التقوية المانعة من توجه المواد المسخِّنة والمحمِّرة إليها، ومع ذلك فإن هذا الدواء ينفع العين مشروباً؛ وذلك بسبب تقويته للمعدة، فيقلُّ ما يتبخَّر إلى العينين من الأبخرة التابعة لضعف الهضم.
والشراب المنقوع فيه الأُشْنَةُ إذا شُرب، نَوَّمَ شاربه تنويماً معتدلاً، وكان تنويمه للصبيان أكثر. وإذا ضُمِّد بالأُشْنَةِ ما خلف الأذنين، قوىَ ذلك الموضع، بما فى الأُشْنَةِ من القَبْضِ
стр. 395
الفصل الرابع فى فِعل الأُشنَةِ فى أَعضَاءِ الصَّدرِ
إنَّ هذا الدواء لما كان فيه قبضٍ معتدل وعطريَّة، مع الخلو عن الكيفيات الردئية والمضرة؛ فهو - لامحالة - يقوِّى القلب، خاصةً إذا شُرب طبيخه. خاصةً، إذا كان ذلك بالشراب. ولأجل هذه التقوية، هو ينفع الخفقان؛ ومع ذلك، فإنه يلطِّف الروح بتلطيفه، ويَسْهُل نفوذه إليها بلطافته، ويقوِّيها ((١) بعطريته. فلذلك، هو من الأدوية الترياقية، والأدوية المفرِّحَة.
стр. 396
الفصل الخامس فى فِعلِ الأُشنَةِ فى أَعضَاءِ الغِذَاءِ
إنَّ هذا الدواء بما فيه من القبض والعطريَّة والتجفيف، هو يقوِّى المعدة ويجفِّف بلَّتها، وينقِّيها بما فيه من التجفيف والجلاء. ويلزم ذلك، أن يقوِّى هضمها، ويقطع القئ والفواق، ويطيِّب المعدة، ويقوِّى الأحشاء الأخرى - خاصةً الكبد - ويفتِّح سُدَدَهَا. وشراب طبيخه، يسكِّن أوجاع الكبد.
وإذا طُبخت الأُشْنَةُ بالشراب، وشُرب ذلك الشراب، قوَّى المعدة جداً وحلَّل الرياح والنفح. وإذا سُحقت بالخلِّ وضُمِّد بها الطحال المتورِّم، انتفع بذلك، بما فيها من التلطيف والتحليل (١) .
وقد تُعمل الأُشْنَةُ فى الخبز، وذلك بأن تُسحق وتُعجن مع الدقيق ويتَّخذ (٢) من ذلك الخبزَ، فيكون ذلك الخبزُ نافعاً لضعف المعدة.
стр. 397
الفصل السادس فى فِعلِ الأُشنَةِ فى أعضَاءِ النَّفضِ
إنَّ هذا الدواء من شأنه إدرار البول؛ وذلك لأجل قوة تفتيحه. وإذا جُلِسَ فى طبيخه؛ أدرَّ الطمث، وسكَّن أوجاع الرحم. وإذا شُرب، فتَّت الحصاة خاصةً مع شراب السكنجبين (١) وذلك لما فى هذا الدواء من التلطيف والجلاء والحدَّة، والظاهر أن هذا الفعل، لا يتجاوز حصاة الكلية. والأُشْنَة تفتِّح سُدَدَ الرَّحمِ.
стр. 398
الفصل السابع فى فِعلِ الاُشنَةِ فى الأَمراضِ التى لا اختِصَاصَ لها بعُضوٍ
إنَّ هذا الدواء، من شأنه تقوية الأعضاء والمفاصل، إذا نُطل بطبيخه أو جُلِسَ فيه. وهو يحلُّ الإعياء (إذا) (١) جُلِسَ فى طبيخه، أو نُطل به، أو طُبخ هذا الدواء فى الدهن ومُرِّخَ به. ويقع هذا الدواء كثيراً فى الأدهان المراد بها (٢) تقويةُ الأعضاء، أو تحليلُ الإعياء، أو شَدُّ المفاصل.
وهذا الدواء يقوِّى (٣) الأعضاءَ الضعيفةَ ويشدُّها، سواءً (٤) كان ضعفها لمرضٍ، أو خِلْقةٍ - كما فى الأرنبتين، والإبطين، وخلف الأذنين. ومن شأنه (أن) (٥) يسكن الأوجاع، لما فيه من التحليل مع التقوية. وكذلك أيضاً من شأنه النفع من الأورام لما فيه من القبض والتحليل سواء ضُمِّدت به الأورام، أو نُطلت بطبيخه.
وينفع من الصنان، ويطيِّب رائحة البدن، لأجل ما فى هذا الدواء من التجفيف للرطوبات الفضلية، المفسدة لرائحة البدن بعفوصتها، وبما فى هذا
стр. 399
الدواء من العطرية. وهو يدخل فى الطيوب، ليكون محدّاً (١) للرائحة.
وإذا طُبخ هذا الدواء فى شراب، وشُرب، كان نافعاً من نهش الهوام وذلك لما فيه من الترياقية، كما بينَّاه أولاً. وإذا أعوزت الشيبة، كان بدلها القردمانا كما قالوه.
стр. 400
المقالة الثانية والثلاثون (فىِ أَحْكَامِ) أَظْفَارِ الطيبِ
وكلامُنا فى ذلك، يشتمل على ستة فصول.
стр. 401
الفصل الأول فى مَاهِيَّةِ أَظفَارِ الطِّيبِ (١)
هذه قِطعٌ عظيمةٌ، شبيهةٌ فى رِقَّتها - مع استطالتها - بُقلاَّمةِ أظفارِ الناسِ عطريةُ الرائحة، تستعمل فى الدخن (٢) ، وهى غطاءُ (٣) حيوانٍ صَدَفىِّ، والصدفية منه (٤) تُجمع من المواضع التى تكون فيها مياهٌ قائمة مدَّة، ثم تجفُّ تلك المياه فتوجد هذه الأظفار فى مواضعها.
ولها رائحة الناردين لأن هذا الحيوان من شأنه أن يرعى (٥) الناردين فلذلك إنما تكون (٦) هذه الأظفار هناك، فى البلاد التى (٧) ينبت فيها الناردين. ومن هذه ما يوجد على ساحل القلز، ومنه دسومة، ولونه إلى البياض. ومنها بابلى فى
стр. 402
ناحية بابل، لونه أسود، وهو أصغر من الأول. وكلاهما (١) طيبُ الرائحة، إذا دُخِّنَ بهما، كان فى رائحتهما شئٌ يشبه رائحة الجندبيدستر (٢) .
وقد قيل: إنَّ أجود أظفار الطيب هى القرشية (٣) . وأظن - والله أعلم - أن هذه منسوبة إلى القِرْش وهو حيوانٌ عظيمٌ فى البحر فتكون هذه فلوسه، وصفة هذه أنها حمراء مقعَّره كفلوس السمك، إلا أنها قليلة العرض، مستطيلة غير ذاهبة (٤) على الاستقامة، بل مع انحناءٍ ما.
ومن أَظْفَارِ الطِّيب ما يوجد على ساحل جَدَّة، وهى المكِّيَّة. ومنها ما يوجد فى بحر اليمن، وقد قيل إنها هى القرشية.
وجوهر أظفار الطيب هو جوهرُ العظام والأصداف، وجميع هذه فإن جواهرها (٥) أرضية. فلذلك، أظفار الطيب جوهرها أرضىٌّ، وفيها - لامحالة - هوائية؛ ولذلك هى خفيفة الوزن، خاصة الدسمة منها، فإنَّ الدسومة، كما بيناه أولاً، إنما تتحقَّق بجسمٍ فيه هوائية كثيرة. وفى هذه الأرضية نارية قليلة، فلذلك هى حادة الرائحة، وأرضيتها لطيفة جداً، يابسة؛ ولذلك، هى قابلة للتصعُّد بالحرارة النارية بسهولة، فلذلك تتدخَّن سريعاً.
стр. 403
الفصل الثانى (١) فى طَبِيعَةِ أَظفَارِ الطِّيبِ وأَفعَالِها على الإِطلاَقِ
لما كان جوهر هذا الدواء مركَّبٌ من أرضيةٍ لطيفة، وناريةٍ يسيرة وهوائية. وكانت المائيةُ فيه قليلةً جداً؛ فمزاجه يجب أن يكون - لامحالة - حارّاً يابساً. أما الحرارة فلأجل النارية؛ فإنها تقوِّى الحرارة، وبرودة الأرضية والمائية لاتفى بتعديل تلك الحرارة، لأن برودة الأرضية ضعيفةٌ جداً. وأما المائية - وإن كانت شديدة البرد - فإنها لقلَّتها (٢) ، ليست تبرِّد تبريداً شديداً يقاوم حرارة النارية، خاصةً والهوائية التى فى هذا الدواء، لابد وأن تسخِّن إسخاناً ما
- لامحالة - فلذلك تكون حرارة هذا الدواء شديدة. واما اليبوسة فإنها أيضاً يجب أن تكون شديدة جداً لأن يبوسة الأرضية لابد وأن تكون شديدة، والمائية لقلتها وضعف رطوبتها، لاتفى بتعديل (٣) تلك اليبوسة، والناريةُ يابسةٌ لا محالة.
وأما الهوائية فإنها وإن كانت فى نفسها (٤) مفرطة الرطوبة، فإنها لا مدخل لها فى ترطيب الأعضاء. فلذلك، هذا الدواءُ يجب أن تكون يبوسته أزيد من حرارته. وكلتاهما (٥) قويتان، لكن اليبوسة أقوى، لما ذكرناه.
стр. 404
ولذلك، هذا الدواء حارٌّ، شديدُ اليبوسة، أرضىٌّ. فهو - لامحالة - مجفِّفٌ. ويجب أيضاً أن يكون تجفيفه شديداً؛ لأجل قوة تحليله بسبب قوة حرارته. فلذلك، يجب أن يكون هذا الدواء قوىَّ الحرارة، قوىَّ اليبوسة، قوىَّ التحليل مفرطَ التجفيف. وذلك محلِّلٌ، فهو - لامحالة - ملطِّفٌ.
فلذلك، يجب أن يكون هذا الدواء ملطِّفاً، وأن يكون تلطيفه شديداً لأجل قوة تحليله؛ لأن أرضية هذا الدواء لطيفة، ومائيته قليلة، وفيه ناريةٌ وهوائية. فهو - لامحالة - لطيفٌ جداً. وجميع الأدوية اللطيفة فإنها - لامحالة - أسرع فعلاً وأبعد فعلاً؛ فيجب أن يكون هذا الدواء كذلك.
وإذ فى هذا الدواء أرضيةٌ كثيرة، فهو - لامحالة - قابضٌ، وكل قابضٍ فهو - لامحالة - مقوٍّ. والعطرية تقتضى التقوية، ولذلك هذا الدواء شديدُ التقوية. وأما قبضه فليس بقوىّ (١) ؛ لأن أرضيته ليست باردة. وكل دواء لطيف، فيه تحليل فهو - لامحالة - مفتِّح؛ ولذلك هذا الدواء لابد وأن يكون مفتِّحاً. وكل دواءٍ فيه قَبْضٌ، وتقويةٌ عطرية، وتفتيحٌ؛ فهو - لامحالة - نافعٌ جداً للأحشاء فلذلك هذا الدواء لابد وأن يكون شديد النفع للأحشاء. ولأنه محلِّلٌ، مقوٍّ؛ ففيه - لامحالة - عطرية، وتفتيحٌ؛ فهو - لامحالة - نافعٌ جداً للأحشاء؛ فلذلك هذا الدواء لابد وأن يكون شديد النفع للأحشاء. ولأنه محلِّلٌ، مقوٍّ؛ فهو - لامحالة - مسكِّنٌ للأوجاع.
стр. 405
الفصل الثالث فى فِعلِ أَظفَارِ الطِّيبِ فى أَعضَاءِ الرَّأسِ
إنَّ هذا الدواء، لما كانت أرضيته لطيفةً، فهى (١) - لامحالة - قابلة للتدخين. فلذلك، إذا حصل هذا الدواء فى داخل البدن، تدخَّنت منه أجزاءٌ كثيرة. ولما كان هذا الدواء حارّاً، يابساً بقوة، كان ما يتدخَّن منه - لامحالة - كذلك. فلذلك، إذا بلغت دخانية هذ
االدواء إلى الدماغ، فلابد وأن تُحْدِث فيه أمرين:
أحدهما: ثقل الرأس. وذلك لأن هذه الدخانية هى - لامحالة - أجزاءٌ أرضية، والأجزاء الأرضية ثقيلةٌ لامحالة، وإذا حصل الثقيل فى جسمٍ، صار أثقل (٢) لامحالة؛ فلذلك هذا الدواء إذا ورد إلى داخل البدن، أحدث ثقلاً فى الرأس لامحالة.
وثانيهما: صداعٌ. وذلك لأجل حرارة دخانية هذا الدواء ويبوستها، ويلزم ذلك أن يوجع هذا الدخان بكيفيته. ولأن الدخان إذا حصل فى مكان، فلابد وأن يتحرَّك، وتلزم حركته حركة ما يلقاه أمامه إلى جهة حركته؛ فلذلك هذا الدخان لابد وأن يحرِّك الأعضاء التى فى داخل الرأس إلى جهات حركته؛ ويلزم ذلك أن تُمَدَّد تلك الأعضاء، وهذا التمديد يلزمه تفريق اتصال تلك الأعضاء وذلك - لامحالة - مؤلمٌ مصدِّعٌ. فلذلك، ما يرتفع إلى الرأس من دخانية هذا الدواء، لابد وأن يوجع ويصدع بكيفيته وبتمديده جميعاً؛ فلذلك كان هذا
стр. 406
الدواء، المسمَّى بأظفار الطيب، إذا ورد إلى داخل البدن، فلابد وأن يحدث ثِقلاً فى الرأس، وصداعاً، ومع ذلك فإنه لايحدث صَرَعاً ولا سكتةً ونحو ذلك وذلك لأن هذا الدخان هو لطيفُ المادة؛ لأنه من أرضيةٍ لطيفة - كما قلناه أولاً - ومع ذلك فإنه شديدُ الحرارة واليبوسة، وما كان كذلك فهو لامحالة يتحلَّلُ بسرعة، فلا يحدث عنه ذلك.
وأما اشتمام هذا الدواء بالتدخين؛ لأن (١)) من مادة لطيفة، وقد ازدادت لطافةً بالحرارة النارية والمدخِّنة لها؛ فلذلك هذه الدخانيةُ تُحدث فى الدماغ أموراً:
أحدها: أنها فى أول الأمر تسكِّن الصداع البارد؛ وذلك لأجل تعديلها مزاج الدماغ حينئذٍ. فإن أُفرط فى استعمال هذا الدخان، فإنه - لامحالة - يملأ الدماغ؛ فلذلك قد يصدِّع بفرط التسخين والتليين (٢) ، وبالتحديد.
وثانيها: أن هذه الدخانية تنفع (٣) النزلات الباردة جداً؛ وذلك لأجل تعديلها (٤) لمزاج الدماغ، وتجفيفها لرطوباته الفضلية المحدِثة للنزلات.
وثالثها: أن هذه الدخانية بقوة حرارتها ويبوستها وتجفيفها، لابد وأن تحلِّل ما تلقاه فى داخل الرأس من الرطوبات الفضلية، وأن تلطِّف تلك الرطوبات بما فيها من التلطيف، وتجفِّفها (٥) بقوة تجفيفها؛ فلذلك تُبرئ من الصرع، والسكتة والسُّبات والنسيان، ونحو ذلك من الأمراض الرطبة الدماغية.
стр. 407
وأظفار الطيب لأجل عطريتها، تدخل فى أقسام الطُّيوب كلها، وشَمُّها يقوِّى الدماغ البارد تقويةً كثيرة (١) ؛ وذلك لما فيها من التقوية مع التعديل للمزاج.
стр. 408
الفصل الرابع في فعل أظفار الطيب في أعضاء الصدر (١)
إنَّ هذا الدواء قد ثبت أنه قابضٌ قبضاً متوسِّطاً، وأنه مقوٍّ، وهو (٢) - لامحالة - عَطِرٌ. وجميع ما هو كذلك فهو - لامحالة - مقوٍّ (٣) للقلب، خاصةً وهو لعطريته يقوِّى الروح. ويلزم ذلك، أن يكون شديد التقوية للقلب؛ فلذلك هذا الدواء ينفع جداً من الخفقان، خاصةً ما كان منه حادثاً عن مادة باردة جداً كالبلغم الفجِّ.
ولما كان هذا الدواء عطرياً، وكل دواء عَطِرٌ فقد بيَّنَّا أنه ينبغى أن يكون ترياقيّاً ومقرِّحاً. وقد بيَّنَّا أن هذا الدواء لابد وأن يكون شديد الحرارة واليبوسة وما كان كذلك من الأدوية التى تنفذ إلى (٤) الروح، فهو - لامحالة - يحدُّ مزاج الروح، ويشعلها، ويلهبها. وما كان كذلك فإنه يجعل الروح شديدة الاستعداد للحركة إلى الخارج دفعةً، وسريعاً جداً. وما كان كذلك، فإنه يجعل الروح شديدة الاستعداد لما به يحدث الغضب؛ فلذلك كان هذا الدواء من الأدوية المغضبة، لا من الأدوية المفرحة. وهذه السخونة واليبوسة يحيلان (٥) الروح
стр. 409
стр. 410
الفصل الخامس فى فِعلِ أَظفَارِ الطِّيِب فى أَعضَاءِ الغِذَاءِ
إنَّ هذا الدواء، قد بيَّنَّا أن جوهره من أرضيةٍ لطيفة، وناريةٍ، وهوائيةٍ وأن مائيته قليلة. وما كان كذلك، فإنه بعيدٌ جداً عن التغذية، خاصةً وهو شديد اليبوسة، مفرطُ التجفيف؛ وذلك مما ينافى التغذية. فلذلك، هذا الدواء من الأدوية الصرفة.
وقد بيَّنَّا أن هذا الدواء مفتِّح، محلِّلٌ، مقوٍّ، قابضٌ. فهو لذلك، شديدُ النفع للأحشاء كلها، وبيَّنَّا أن هذا الدواء مسكِّنٌ لأوجاع المعدة والكبد وغيرهما من الأحشاء، وأنه (١) يقوِّى فم المعدة جداً؛ وذلك لما فيه من القَبْضِ والعطرية.
стр. 411
الفصل السادس فى فِعلِ أَظفَارِ الطِّيبِ فى أَعضَاءِ النَّفض (١)
إنَّ هذا الدواء لأجل عطريته، وقَبْضه، وتقويته؛ هو شديد الملائمة لجميع الأعضاء. وما كان من الأعضاء بارداً عصبياًّ، فهو له أكثر ملائمة لامحالة، لأن هذا الدواء شديد الحرارة واليبوسة. فلذلك، كان هذا الدواء شديدُ الملائمة جداً للرَّحم، خاصةً وهو لشدة تجفيفه يناسب الرحم، إذا الرحم لابد وأن تكون الفضول فيه كثيرة؛ لأنها تتحرك إليه بالطبع؛ فلذلك كان الرحم شديد الانتفاع بهذا الدواء، شديد الميل إليه، وهو يطيِّب رائحته إذا بُخِّرَ به. فلذلك، إذا بُخِّرَ رحم صاحبه اختناق (٢) الرحم بهذا (٣) الدواء، نفعها ذلك جداً، ورَدَّ ميلان الرحم؛ وذلك لأجل شدة ميله إلى جهته، لأجل شدة ملائمته لجوهره.
وينبغى أن يكون هذا التبخُّر بقُمعٍ يُدخل فى الفرج، ويُترك الموضع المتسع من القُمْع، قبالة بخار هذا الدواء، لكى يصل ذلك البخار إلى الرحم، من غير أن يصل (٤) إلى الأنف من خارج. وكذلك، إذا جلست المرأة على إجانةٍ مثقوبة بحذاء فم الرحم، وكان تدخينُ هذا الدواء تحت تلك الإجانة.
стр. 412
وأما اشتمامُ المختنقة (١) الرحم (٢) لرائحة هذا الدواء، ووصول دُخَّانُه إلى أنفها، فإنه شديد الضرر بها جداً؛ وذلك لأن الرحم يعرض له - حينئذ - زيادة التقلُّص إلى فوق، طلباً إلى رائحة هذا الدواء. لأجل عطريته (مع تقويته، وشدة ملائمته للرحم، ونقائه من الفضول، وطيب رائحته فى ذلك، لأنه مع عطريته) (٣) يجفِّف الرطوبات المحدثة للعفونة، المفسدة للرائحة. ولذلك، فإن هذا الدواء يطيِّب (٤) رائحة البدن إذا تُدلِّك به، وكذلك إذا ذُرَّ على مواضع الصنان، ونحو ذلك.
وبعض أصناف هذا الدواء قوىُّ الجلاء؛ فلذلك إذا شُرب فى بعض الرطوبات كثَّر (٥) البطن بإفراط جلائه (٦) . وأما أكثره (٧) ، فإنه يعقل البطن بما فيه من القبض مع التجفيف. وإذا شُرب من هذا الدواء قدر درخميين بماءٍ حارٍّ أخرج الدم الجامد المنعقد من الكلى والمثانة؛ وذلك لأجل إذابته لذلك الدم بقوة حرارته. وكذلك، هذا الدواء (٨) يخرج الحيض المحتبس، لأجل انسداد مجاريه بالبلغم الغليظ اللزج؛ وإدامة تدخين الرحم به، يفعل ذلك أيضاً.
стр. 413
المقالة الثالثة والثلاثون فىِ أَحْكَامِ الأَفْتِيمُونِ
وكلامُنا فى ذلك، يشتمل على أربعة فصول.
стр. 414
الفصل الأول فى مَاهِيَّةِ الأَفتِيموُنِ (١)
إنَّ هذا النبات شبيهٌ فى قوته بالحاشا (٢) ، حتى ظُنَّ أنه نوع من الحاشا لكن الحاشا أضعف قوَّةً منه. وسنتكلم فى قوى الحاشا فى كتاب الحاء (٣) . والمستعمل كثيراً من هذا النبات، الذى هو الأَفْتِيموُن إنما هو أطرافه، وهى بذورٌ وزهرٌ، وقضبانٌ دقاقٌ خفيفه متهشِّمة، حُمْرُ الألوان، حادة الرائحة، حريفة الطعم. وأجود ذلك ما كان أشدُّ حْمَرةً، وأحَدُّ رائحةً، وأطيبُ طعماً. وكان نباته فى اقريطس أو فى البيت المقدس.
وجوهرُ هذا النبات جوهرٌ نارىٌّ هوائى، وهوائيته أزيدُ من ناريته؛ ولذلك فإن حرافته ضعيفة، وليست تظهر عند أول ملاقاته للسان، بل بعد مضغه فلذلك لابد وأن يكون فيه مائيةٌ تخفى تأثير ناريته، إلى أن ينفذ إلى باطن اللسان وهذه المائية ليست بكثيرةٍ فيه، وليس فيه أرضية يعتدُّ بها. ويدل على كثرة هوائيته، زيادة خِفَّته.
стр. 415
الفصل الثانى فى طَبِيعَةِ الأَفتِيموُنِ وأَفعَالِهِ على الإِطلاَقِ
لما كان جوهرُ هذا الدواء من هوائيةٍ كثيرة، وناريةٍ يسيرة، تقارنها مائية يسيرة أيضاً. وفيه أرضيةٌ قليلةٌ جداً، وأرضيته (١) حارّةٌ؛ إلا أنها (٢) لم تبلغ إلى حَدِّ الاحتراق المحدث للمرارة. فلذلك، لابد وأن يكون هذا الدواء حاراّ (٣) يابساً ويجب أن تكون حرارته أزيد من يبوسته؛ وذلك لأن حرارته تحدث من ناريته وهوائيته، وحرارة (٤) النارية شديدة جداً؛ فلذلك يكون التكاثر بحرارة ما فى هذا الدواء من النارية والهوائية، إنما هو المائية فقط، وهى فى هذا الدواء يسيرة؛ فلذلك تكون حرارة هذا يبوسة النارية ضعيفة، ويبوسة الأرضية وإن كانت قوية جداً، إلا أن هذه الأرضية قليلة الدواء قوية.
وأما يبوسته، فليست بشديدةٍ جداً؛ لأن المقدار فى هذا الدواء فلذلك يجب أن تكون يبوسته ضعيفة.
وجوهرُ هذا الدواء شديدُ اللطافة جداً؛ وذلك لأجل قلَّة أرضيته وكثرة هوائيته؛ فلذلك قُواه تتحلَّل بسرعة جداً. وذلك (٥) ينبغى أن لا يُبالغ (٦) فى طبخه
стр. 416
لأجل سرعة انحلال قوته. وإذا كان كذلك، فإن حرارته وإن كانت فى نفسها شديدة؛ فإنه ليس يسخن إسخاناً قوياً كثيراً جداً؛ وذلك لأجل انحلال قوته بسرعة، فلا يبقى فى البدن بقدر ما تشتد (١) قوته.
وقد يستعمل هذا الدواء مطبوخاً، وقد يستعمل جِرْمُهُ نَفْسُهٌ مسحوقاً، وقد يستعمل نقيعه. ويجب أن يكون دواءً محلِّلاً؛ وذلك لما فيه من الحرارة النارية وأن يكون مُدفئاً (٢) وذلك لأجل تلك الحرارة؛ وأن يكون ملطِّفاً، وإلا لم يكن محلِّلاً؛ فإن التحليل إنما يتم بترقيق الأجزاء، وذلك هو التلطيف.
فلذلك، كان هذا الدواء يُخرج البلغم والسوداء، وإخراجه للسوداء أكثر وذلك لأجل إذابته لهذين الخلطين وترقيقه لقوامهما، فيهيِّأ للطبيعة - بذلك - دفعهما. ومع ذلك فإنه لا يخلو (٣) عن قوة تحدث الخلطين (٤) وتسهلهما.
ولابد وأن يكون هذا الدواء قوىَّ التفتيح؛ وذلك لأجل لطافته مع قوة تحليله، وبهذا التفتيح يعين - لامحالة - على إخراج السوداء والبلغم الغليظ؛ وذلك لأجل اتساع الطرق لهما.
ولما كان هذا الدواء خالياً (٥) عن العِطريَّة، لا جَرَمَ لم يكن هذا الدواء من الأدوية التِّرياقية ولا المفرحة، إلا بما يخرجه من السوداء. ولما (٦) لم يكن فيه قَبْضٌ ظاهر، لم يكن فيه تقويةٌ يُعتد بها. فلذلك، ليس يقوِّى القلب، إلا بما يدفع عنه السوداء.
стр. 417
الفصل الثالث فى فِعلِ الاَفتِيموُنِ فى أَعضَاءِ الرَّأسِ والصَّدرِ
إنَّ هذا الدواء لما لم (١) يكن فيه قَبْضٌ ظاهر، لا جَرَمَ لم يكن فيه تفريحٌ ولا تقويةٌ للقلب ولا ترياقيةٌ، وإنما يفرِّح ويقوِّى القلب بما يدفع من السوداء ويلطِّف الأرواح والأخلاط الغليظة التى عند القلب، وبالقرب منه. ولكن (٢) بحرارته قد يحدث همَّاً وكَرْباً، وإحداثه الكرب أزيد، وخاصة بالمحرورين والشُّبَّان. ولكنه لإخراجه السوداء وتنقيته الروح منها، يجعل أرواح الدماغ جيدةً، صافيةً؛ لأجل ما يصل إليه من الروح الحيوانى. ومع ذلك فإنه يقلِّل ما ينفذ إلى الدماغ من الدخانية؛ وذلك لأجل إخراجه السوداء؛ فذلك كان هذا الدواء نافعاً جداً من الماليخوليا والصَّرَع.
أما (نفعه) (٣) من الماليخوليا فظاهرٌ؛ لأنه يزيل ما فى الدماغ من الأبخرة السوداوية، ومن الفضول السوداوية المكدِّرة لأرواحه، وذلك (٤) يصلح الفكرة ويدفع الوسواس السوداوى، والوحشة التى تحدث لقوى الدماغ بظلمة السوداء وكدورتها.
وأما نفع هذا النبات من الصرع؛ فلأنه إذا منع الدخانية عن الدماغ، منع - لامحالة - حدوث الرياح فيه؛ فإن حدوث الرياح إنما يكون من الدخانية. وإذا
стр. 418
قلَّت الرياح فى الدماغ، قَلَّ حدوث الصرع أو فُقِدَ، وذلك لأنَّا سنبيِّن أن أكثر حدوث الصرع إنما هو عن الرياح التى تحصل فى الدماغ، ولا تجد منفذاً تخرج منه من الدماغ سوى مسام الأعصاب. وينفع هذا الدواء للصرع السوداوى أكثر؛ وذلك لأجل كثرة إخراجه للسوداء.
ولما كان الدماغ باردَ المزاجِ رَطِبَهُ، لاجَرَم لم يكن فى الأَفْتِيموُنِ إضرارٌ به إلا أن يكون شديد الحرارة، وحينئذٍ قد يحدث عن الأَفْتِيموُنِ صداعٌ حارٌّ أو سَهَرٌ ونحو ذلك. وأما الأعصابُ، فإنها تنتفع بالأفتيمون؛ وذلك لأجل تعديله لمزاجها؛ فلذلك كان الأَفْتِيموُنُ نافعاً من التشنُّج (١) الامتلائى (٢) ، وذلك إذا لم يكن الامتلاء فى الأعصاب كثيراً جداً؛ فإنه - حينئذٍ - لأجل تسخينه قد يحرِّك تلك المادة الكثيرة الآتية (٣) للعصب، فيكون بذلك مُزيداً فى التشنُّج.
وكثير (٤) من الناس قد يعرض له (٥) عند شرب الأَفْتِيموُنِ ما يُسمُّونه بالعقال وهو تشنُّج ريحى يذهب سريعاً (٦) ؛ وذلك لأجل تحريكه ما يكون فى أعصاب هؤلاء من الرطوبات، وإحالته لها رياحاً، لأجل حرارته.
стр. 419
الفصل الرابع فى فِعلِ الأَفتِيموُنِ فى أَعضَاءِ الغِذَاءِ وأَعضَاءِ النَّفضِ
إنَّ هذا الدواء لأجل كثرة هوائيته، مع النارية التى فيه، مع قلة الأرضية والمائية هو - لامحالة - منافٍ بجوهره لجوهر الغذاء، إذْ جوهرُ الغذاء يحتاج أن يكون كثير الأرضية والمائية، وأن يكون امتزاجهما مستحكماً ليكون بكثرة (١) الأرضية مناسباً لجوهر الأعضاء، وبكثرة مائيته (٢) سهل (٣) الانفعال، وبقوة امتزاج هذين الجوهرين فيه، يكون جوهره لَدِناً شبيهاً بجواهر الأعضاء.
والأَفْتِيموُنُ مع قِلَّة أرضيته ومائيته، فإن امتزاجهما (٤) واهٍ؛ فلذلك يسهل انحلال قوته. فلذلك كان الأَفْتِيموُنُ بعيداً جداً عن التغذية، فلذلك هو من الأدوية الصِّرْفة.
ولأجل قوة حرارته، هو يحلِّلُ الرياح والنفخ. فلذلك، هو نافع من المغص الريحى، وربما نفع من القولنج (٥) الذى هو كذلك. ولكنه لأجل (٦) هذا التسخين
стр. 420
القوى هو يُكرب ويغثِّى ويقيِّئ، خاصة للمحرورين، والصفراويين، والشبان. ولذلك، فإن الأَفْتِيموُنَ أوفق للمبرودين، والكهول (١) ، والمشايخ؛ منه لغيرهم (٢) .
وهو يُخرج السوداء بالإسهال، ويسكِّن عاديتها. وأكثر استعماله فى زماننا لذلك، هو فى المطبوخات. وله مطبوخٌ يخصُّه يُعرف بمطبوخ الأَفْتِيموُن يستعمل فى السوداويين. وقد يستعمل جِرْمه فى الحبوب، وقد يستعمل بانفراده مع ماء الجبن، أو باللبن الحليب. وقد يُنقع فى الشراب، ويُستعمل.
وإذا استُعمل فى المطبوخات، لم يُبالغ فى طبخه، بل يُوضع فى آخر الطبخ؛ وذلك لأجل ضعف قوة الأجزاء التى تفضل (٣) منه فى طبيخه. ومن الناس مَنْ يضعه فى المطبوخات، مصروراً فى خرقةٍ من كِتَّان ونحوه؛ والغرض بذلك: مَنْعُ قوته من مبادرة التحلُّل إليها.
وأكثر ما يستعمل فى المطبوخات، أربعة دراهم، وأقل ذلك درهمان. وأما فى الحبوب فقد يُستعمل منه درهمان، وقد يقتصر على وزن درهمٍ واحد والوسط مثقال. وأما فى ماء الجبن ففى الأكثر يستعمل منه أربعة دراهم، وقد يقتصر على ثلاثة دراهم أو درهمين، وذلك إذا كان معه غيره، وقد يستعمل منه - حينئذٍ - خمسة دراهم، وذلك إذا كان بانفراده، ويكون شُربه حينئذٍ بالسكر أو بالسكنجبين (٤) .
стр. 421
وأما إذا استُعمل باللبن الحليب، ففى الأكثر يكون كذلك بقدر خمسة دراهم أو ستة دراهم، وقد يستعمل منه - حينئذٍ - وزن (١) عشرة دراهم، ويُشرب حينئذ بالسكر. وأما إذا استعمل بالخمر، ففى الأكثر يستعمل منه وزن خمسة دراهم؛ وذلك لأجل اجتماع حرارته مع حرارة الخمر، فلا يكثر، كما إذا استُعمل باللبن. وأجود استعماله - حينئذ - أن يُصَرَّ فى خرقة كِتَّان، ويوضع فى الخمر يوماً وليلة، ثم بعد ذلك قد يُستحلب فى ذلك الخمر، بأن (٢) يكرَّر عصير تلك الخرقة فى الخمر، لتخرج منه الأجزاء اللطيفة، ثم يُستعمل ذلك الخمر، إما وحده أو بالسكر. والأجود حينئذ، أن يكون سحقه شديداً، ليكون ما يفعل منه فى الخمر أزيد.
وهذه المقادير كلها، إنما هى غاذيةٌ (٣) ، ويجوز أن (٤) تعين على ذلك ويكون تغيُّرها بحسب مزاج المستعمل له. ولابد وأن يكون معه مثل دهن اللوز ليكسر حدَّته ويبوسته. وكثيرٌ من الأولين كانوا يسقونه مع العسل والملح ومرادهم بذلك: زيادة إذابته للسوداء؛ فإنه أيضاً يخرج بلغماً كثيراً، ومع ذلك فإنه يُعَطِّش، خاصةً المحرورين. وإذا أعوز فقد يبدَّل بالحاشا، ولكن يكون هذا الحاشا أزيد منه وزناً، وذلك لأجل ضعف قوة الحاشا عن قوة الأَفْتِيموُن.
стр. 422
المقالة الرابعة والثلاثون فى أَحْكَامِ الأَفْسَنْتِينِ
وكلامُنا فى ذلك، يشتمل على ثمانية فصول.
стр. 423
الفصل الأول فى مَاهِيَّةِ الأَفسَنتِينِ
إنَّ هذا الدواء نوعٌ من الشيح ولذلك يسمى: الشيح الرومى. وله أصولٌ وساقٌ، وأغصانٌ، وأوراقٌ، وزهرٌ، وبزرٌ (١) ، وعصارة. وهو نباتٌ شجرىٌّ يقوم على ساقٍ واحدةٍ، ذاتِ (٢) أغصانٍ كثيرة، وفى كل غصنٍ أوراقٌ كثيرة صغارٌ، متراكمةٌ، غبْرٌ، تشبه الأُشْنَةِ فى غبرتها. وزهرُهُ أُقحوانىٌّ صغيرٌ، أبيضٌ فى وسطه شئٌ أصفر، وله بزرٌ دقيق، وفى طعمه قَبْضٌ يسيرٌ ومرارةٌ مع الحرافة ويتَّصف باعتبار مَنْبته. واختلف الأطباءُ فى أصنافه (٣) ، فقيل: إنَّ أصنافه هى هذه: خراسانى (٤) ، ورومى، ومشرقى، ومجلوب من جبل اللكام (٥) ، وسوسى وطرسوسى، ونبطى. وفى النبطى عطريةٌ ظاهرة، وغيره ليس كذلك، بل هو كريه (٦) الرائحة. وهذا النبطى أصفر ورقاً وزهراً من غيره. وأجود الأَفْسَنْتِينِ ما
стр. 424
هو زَغَبىُّ (١) اللون، صَبْرِىُ (٢) الرائحة عند الفَرْك، وأفضل ذلك (٣) : السوسى والطرسوسى.
وجوهرُ هذا الدواء مركَّبٌ من أرضيةٍ باردة، بها يصير قابضاً. ومن أرضية محترقة، بها يصير مُرّاً. ومن جوهرٍ نارىٍّ، به (٤) يصير حريفاً. ومن هوائيةٍ، بها يصير خفيفاً. والجزء المائى فيه كثيرٌ؛ ولذلك تُعتصر (٥) منه عصارةٌ كثيرة. وجوهره لطيف؛ لأن الأرضية الباردة فيه قليلة. وأكثر أجزائه لطيفة (٦) جداً ومزاجه من هذه الأجزاء غير مستحكم؛ ولذلك تصدر عنه أفعال متباينة.
وتارةً يستعمل جِرْمُهُ، وتارةً عصارتُهُ، وتارةً شرابُهُ، وتارة بزرُهُ وزهرُهُ. وعُصارتُهُ أقل أرضية - لامحالة - فلذلك هى أقل قَبْضاً. وإنما تكثر (٧) فيها النارية والمائية، فلذلك هى أكثر تحليلاً، وأقل قبضاً.
وتختلف أصنافه فى أفعاله؛ لأجل اختلافها فى الأجزاء التى هى عناصرها فما كان من أصنافه كثيرَ الأرضيةِ الباردةِ، كان أكثرَ قبضاً، وذلك كالنوع المجلوب من نيطس (٨) ولذلك فإن هذا الصنف يُختار لأجل تقوية المعدة والكبد ونحوهما من الأحشاء، خاصةً وهو مع قوة قبضه، عَطِرٌ، قليلُ الحرارة والحِدَّة.
стр. 425