بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مُقدّمة
الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضلَّ له، ومن يُضلل فلن تجدَ له وليًّا مرشدًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت، وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، بلَّغ الرسالة، وأدَّى الأمانة، ونصَح الأمة، وجاهَد في الله حقَّ جِهاده حتى أتاه اليقين، ورضي الله تعالى عن الصحابة الأعلام، وأتباعه الذين قعَّدُوا للسنة وكائد، وحفظوها وحافظوا عليها من الأقارب والأباعد، وبذلوا في تحقيق ذلك كلَّ نفيس من كلّ كريم وماجد، فجزاهم الله خيراً عن الأمة والإسلام، ورزقنا السير على منهاجهم، لبلوغ المرام، أما بعد:
فإن السنة النبوية هي المصدر الثاني من مصادر التشريع الإسلامي بعد كتاب الله، فهي موضّحة لأحكام القرآن، ومبيّنة لمعانيه، وقد بدأ بجمع السنة النبوية بشكل رسميٍّ من قِبل الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز، وذلك في آخر القرن الأول الهجري، أو أوّل الثاني؛ امتثالاً لِمَا جاء في السنة النبوية من الحث على جمع السنة وطلب الحديث وفضل أهله، قال رسول الله صلى عليه وسلم: «أَوْلَى النَّاسِ بِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَكْثَرُهُمْ عَلَيَّ صَلَاة» (١).
стр. 2
وعن ابن مسعود مرفوعًا: «نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مِنَّا حَدِيثًا، فَحَفِظَهُ حَتَّى يُبَلِّغَهُ، فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ، وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ لَيْسَ بِفَقِيهٍ» (١).
قال القاضي أبو بكر بن العربي: قال علماءُ الحديث: (ما مِن رجل يَطلب الحديثَ إلا كان على وجهه نُضْرة) (٢).
стр. 3
وعن إبراهيم بن عبد الرحمن العُذْري مرفوعًا: «يَحملُ هذا العلمَ مِن كل خَلفٍ عُدولُهُ، يَنفُون عنه تَحْريفَ الغَالِين، وانتحالَ المُبطِلين، وتأويلَ الجاهِلين» (١).
وذلك في جمع السنة.
وفي الصحيح من حديث معاوية بن أبي سفيان: «لا تزالُ طائفة من أمتي ظاهرين على الحقِّ، لا يَضرُّهم مَن خالفَهم» (٢).
قال علي بن المديني: "هم أصحاب الحديث" (٣).
стр. 4
وقد عُني أئمة الحديث بجمعهِ في مصنفات، وكتب، وجوامع، تتفاوتُ دقة وصحة في الرواية، وفي ضبط الرواة، ومن هذه المصنفات: (المستخرجات)، فما هي هذه المستخرجات؟ ولماذا أُفرِدتْ تصنيفاً؟ وما أشهر هذه المستخرجات؟ هذه الأسئلة وغيرها هي ما كانت دوافع لنا في عقد هذه الرسالة حيث سنعرِّف بـ (المستخرجات) ومصنفيها، والفائدة التي ذكرها أهل العلم من تصنيفها .....
نسأل الله العلي القدير التوفيقَ والسداد، وأن يجعل عملنا هذا ــ وغيره ــ خالصًا لوجهه الكريم، وأن ينفع به.
وكتبه
نايف بن ناصر المنصور
عام ١٤٣٥
стр. 5
هدف البحث والدافع إليه:
إن الغرض من بحثنا هذا هو: التعريف بـ (المُستخرجات)، حيث لم يفرد الكلام عنها في مصنف مستقل!! ويجهلها بعض أهل العلم، وبعض المهتمين بكتب السنة ورواية الحديث, من هنا كان اهتمامنا بذكر بعض التفاصيل العلمية، وإجراء تطبيقات عملية على أحد هذه المصنفات وهو " مستخرج أبي عوانة"؛ حتى يسهُل الرجوع إليها والإفادة منها، ولا نزعم أننا أتينا بما لم يأت به الأولون! بل حسبنا أن نزعم ــ واثقين ــ أن بحثنا تميّز بعرض وافٍ، وإيضاح كافٍ، والله من وراء القصد.
دراسات سبقت بحثنا:
تناول أهل العلم في مصطلح الحديث كتب السنة ومصادرها بالنقد والإيضاح، وعملوا على دراسة الأحاديث رواية ودراية، وميَّزوا صحيحها من سقيمها، وتكلموا على (المستخرجات)، ولكن لم يُفرد كتابٌ! أو تطبيق برأسه لهذه الفوائد على حدِّ عِلمي إلا مجرد بحث عن (المستخرجات) من حيث نشأتها وتطورها قام به الدكتور موفق بن عبد اللَّه بن عبد القادر، وذلك في جامعة أم القرى في مكة المكرمة،
ولكن بحثه هذا لم يفِ بالغرض المرجوّ، حيث اقتصَرَ على ذكر فوائدها، وكان حديثه عاماً!، ولم يُفرد مستخرجًا بعينه يتم تطبيق الفوائد عليها.
стр. 6
سبب اختيار الموضوع:
(المستخرجات) عامة، ومستخرج أبي عوانة نموذجاً، لها من الفوائد العلمية والحديثية الحظّ الكبير، ونظراً إلى أن هذا الجانب لم يُخدَمْ علمياً في العصر الحديث، أحببت في بحثي هذا أن أُعرِّف بهذا الجزء غير المهتم به من قِبَل طلاب العلم في الجامعات والمراكز العلمية، وهو نواة أرجو أن تُتْبَعَ بأبحاثٍ ورسائلَ علميةٍ أخرى؛ لِمَا نعلم مِن أن هذه المستخرجات مُلِئَتْ فوائدَ حديثيةً، وعلينا أن نجلّيَها.
منهج البحث:
قسِّم البحثُ إلى أربعةِ فصول، وفي كل فصلٍ مباحثُ، ثم خاتمةٌ للبحث ,
ثم كان سردٌ منهجي في العمل.
أما الفصل الأول: فتناول التعريف بالسنة.
والفصل الثاني: التعريف بالمستخرجات.
وتضمنت مباحث الفصلين:
المبحث الأول: تعريف المستخرجات
المبحث الثاني: حكم الأحاديث الواردة في المستخرجات.
المبحث الثالث: أصول الاستخراج.
المبحث الرابع: المؤلفات في المستخرجات.
стр. 7
والفصل الثالث: اختيار (مسند أبي عوانة)، وفيه ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: تعريف مختصر بصحيح مسلم الذي هو أصل الكتاب.
المبحث الثاني: التعريف بمسند أبي عوانة. وذلك من خلال:
أولاً - المؤلف.
- نسبته.
- سيرته.
ثانيًا: مستخرج أبي عوانة.
ثالثًا: أقوال أهل العلم في مستخرجه.
رابعًا: طبعات الكتاب والتحقيقات.
المبحث الثالث: منهج أبي عَوانة في مُستخرجه.
стр. 8
والفصل الرابع: في فوائد المستخرجات , حيث اشتملت على
ست عشرة فائدة:
(الفائدة الأولى): علو الإسناد.
(الفائدة الثانية): زيادة الثقات.
(الفائدة الثالثة): بيانُ أحكامٍ فِقْهِيَّةٍ في الحديث.
(الفائدة الرابعة): توضيح المقصود في الحديث وشرح غريبه.
(الفائدة الخامسة): القوة بكثرة الطرق.
(الفائدة السادسة): الزيادة في قدر الصحيح.
(الفائدة السابعة): تمييز رواية المختلط.
(الفائدة الثامنة): التصريح بالسماع عند ورود عنعنة المدلس.
(الفائدة التاسعة): التصريح بالأسماء المبهمة في الإسناد، أو المتن.
(الفائدة العاشرة): تعيين الأسماء المهملة في الإسناد، أو في المتن.
(الفائدة الحادية عشرة): التمييز للمتن المحال به على المتن المحال عليه.
(الفائدة الثانية عشرة): تعيين الإدراج في الإسناد، أو في المتن.
(الفائدة الثالثة عشرة): وصل المعلقات.
(الفائدة الرابعة عشرة): رفع الموقوف.
(الفائدة الخامسة عشرة): تصحيح بعض الأسماء في السند.
(الفائدة السادسة عشرة): الفوائد التي يذكرها المستخرج إذا كان إمامًا حافظًا.
ومنها ما يكون:
من مسائل العقيدة
من المسائل الفقهية.
من مسائل الحديث وعلومه.
وأخيراً .... الخاتمة
стр. 9
عملي في البحث:
١ - عزوت الآيات القرآنية الكريمة إلى أماكنها بذكر اسم السورة ورقم الآية فقط على الشكل التالي: [البقرة:١٢٢].
٢ - تخريج الأحاديث الواردة في البحث، وذلك ضمن توجه محدد؛ فما كان في الصحيحين أو أحدهما اكتفيتُ بالعزو إلى الصحيح، وإن لم يكن فيهما، عزوته إلى مصادره، وذكرت كلامَ العلماء على ذلك الحديث قبولاً ورفضاً.
٣ - الاعتماد على أفضل طبعة لمسند أبي عوانة، وهي طبعة (دار المعرفة) بتحقيق أيمن عارف الدمشقي، مع الإضافة التي أكملها أحمد الخضري من خلال جمعه لباقي المسند من كتاب "إتحاف المهرة" لابن حجر العسقلاني.
٤ - ضبط الألفاظ المُشْكِلَةِ التي لا تُقرأ على وجهها الصحيح.
٥ - قمتُ باستعراض كتب علم مصطلح الحديث، وجمعت ما يناسب البحث في المستخرجات، وأحكامها، والمصنفات فيها، وقد حدَّدنا "مستخرج أبي عوانة" على صحيح مسلم، لشهرته وإمامته.
٦ - قمتُ بانتخاب الأمثلة على فوائد المستخرجات منه.
٧ ــ استخرجتُ بعض الفوائد الفقهية والعقدية منه.
стр. 10
٨ - ترجمتُ لبعض الأعلام وبينت حالهم وكلام أبي عَوانة فيهم.
فكان البحث ممزوجًا بالفوائدِ الحديثية والفقهية والعقدية.
٩ - التنبيه على أخطاء وقعت في مستخرج أبي عوانة.
١٠ - وضع فهارس عامة:
أ- فهرس الآيات القرآنية.
ب- فهرس الأحاديث النبوية.
ج- فهرس الآثار.
د- فهرس القواعد والضوابط الفقهية.
هـ - فهرس الأعلام المترجم لهم.
و - فهرس الأماكن والبلدان.
ز - فهرس المراجع والمصادر.
ح - فهرس الموضوعات.
والله الموفق.
стр. 11
الفصل الأول التعريف بالسنة النبوية ومكانتها
السنة النبوية في ميزان الشرع
هي الأصل الثاني بعد القرآن الكريم، والتطبيق العملي لِمَا جاء فيه، وهي الكاشفة لغوامضه، المجلِّيَة لمعانيه، الشارحة لألفاظه ومبانيه، وإذا كان القرآن قد وضع القواعد والأسس العامة للتشريع والأحكام، فإن السنة قد عُنيت بتفصيل هذه القواعد، وبيان تلك الأسس، ولذا فإنه لا يمكن للدين أن يكتمل وأن يتم إلا بأخذ السنة جنبًا إلى جنب مع القرآن، وقد جاءت الآيات الكثيرة والأحاديث المتواترة آمرة بطاعة الرسول ﷺ ، والاحتجاج بسنته والعمل بها، وقد أمر باتّباع السنة والتمسك بها، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ [النساء: ٥٩]، وقوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧].
стр. 12
وجاء في الحديث الصحيح عن العرباض بن سارية ﵁ قال: وعظنا رسول الله ﷺ موعظة وَجلتْ منها القلوبُ، وذرَفتْ منها العُيونُ، فقلنا: يا رسولَ الله، كأنها مَوعظةُ مُودِّع، فأوصِنَا، فقال: أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، وَإِنْ عَبْدًا حَبَشِيًّا، فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ بَعْدِي فَسَيَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا، فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الخُلَفَاءِ المَهْدِيِّينَ الرَّاشِدِينَ، تَمَسَّكُوا بِهَا، وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ، وَإِيَّاكُم وَمُحْدَثَاتِ الأُمُورِ، فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ (١)».
رواه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه.
стр. 13
وقال ﷺ : «كُلُّ أُمَّتِي يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ إِلَّا مَنْ أَبَى»، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَنْ يَأْبَى؟ قَالَ: «مَنْ أَطَاعَنِي دَخَلَ الجَنَّةَ، وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ أَبَى» (١) رواه البخاري. إضافة إلى ما ورد من إجماع الأمة وأقوال الأئمة في إثبات حُجيتها ووُجوب الأخذ بها.
стр. 14
تعريف السنة:
السنة في اللغة: هي الطريقة والسيرة، سواء أكانت محمودة أم مذمومة، وقد ورد استعمالها في القرآن الكريم، وفي الحديث النبوي بهذا المعنى (١).
ففي القرآن يقول تعالى: ﴿قُل لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِن يَنتَهُوا يُغَفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الأَوَّلِينِ﴾ [الأنفال: ٣٨].
ويقول تعالى: ﴿سُنَّةَ مَن قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِن رُّسُلِنَا وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلاً﴾
[الإسراء: ٧٧].
وفي الحديث يقول ﷺ : «لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ قَبْلَكُمْ شِبْرًا بِشِبْرٍ، وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ، حَتَّى لَوْ سَلَكُوا جُحْرَ ضَبٍّ لَسَلَكْتُمُوهُ»، قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، اليَهُودَ، وَالنَّصَارَى؟ قَالَ: «فَمَنْ»؟ (٢).
وأما تعريف السنة عند الفقهاء: فهو ما ثبت عن النبي ﷺ من غير وجوبٍ. فهي أحدُ الأحكام التكليفية الخمسة: الواجب، والحرام، والسنة، والمكروه، والمباح. وقد يستعملونها في مقابل البدعة فيقولون: طلاقُ السنة كذا، وطلاق البدعة كذا.
أما تعريف السنة عند الأصوليين فهو: ما يُثاب فاعله، ولا يعاقب تاركه.
وعند المحدثين: ما أُثِرَ عن النبي ﷺ من قول، أو فعل، أو تقرير، أو صفةٍ، أو سِيرة. وهي بهذا المعنى مرادفة للحديث النبوي عند أكثرهم (٣).
стр. 15
الفصل الثاني
المبحث الأول: تعريف المستخرجات
المبحث الثاني: حكم الأحاديث الواردة في المستخرجات
المبحث الثالث: أصول الاستخراج
المبحث الرابع: المؤلفات في المستخرجات
стр. 16
المبحث الأول: تعريف المستخرجات
(المستخرج) في اللغة: هو اسمٌ مفعول، مُشتق من الفعل: اسْتَخْرَجَ المزيد من الثلاثيّ خَرَجَ، والخرُوج نَقِيض الدّخُول، وخارج كل شيء ظاهرُه، والاستخراج كالاستنباط، واستخرجتُ الشيء من المعدِن: خلصته من ترابه (١).
وفي الاصطلاح
قال الإمام العراقي: المستخرجُ موضوعُه: أن يأتي المصنف إلى كتاب البخاري، أو مسلم .. فيخرِّج أحاديثه بأسانيدَ لنفسه من غير طريق البخاري، أو مسلم، فيجتمع إسنادُ المصنّف مع إسناد البخاري أو مسلم في شيخه، أو مَن فوقه (٢).
وقال السخاوي: والاستخراج: أن يَعمد حافظ إلى"صحيح البخاري" مثلاً فيُورد أحاديثه حديثًا حديثًا بأسانيدَ لنفسه غير ملتزم فيها ثقة الرواة، وإن شذّ بعضُهم حيث جعله شرطًا من غير طريق البخاري إلى أن يلتقي معه في شيخه أو في شيخ شيخهِ، هكذا ولو في الصحابي، كما صرّح به بعضهم. لكن لا يَسوغُ للمُخَرِّج العُدول عن الطريق التي يقرب اجتماعه مع مصنف الأصل فيها إلى البَعيدة إلا لغرض من علو، أو زيادة حكم مُهم، أو نحو ذلك، ومقتضى الاكتفاء بالالتقاء في الصحابي أنهما لو اتفقا في الشيخ مثلاً ولم يتحد سنده عندهما، ثم اجتمع في الصحابي إدخاله فيه، وإن صرّح بعضهم بخلافهِ.
стр. 17
وقال الحافظ الشيخ أحمد بن الصّديق الغماري (ت:١٣٨٠ هـ): وأما الاستخراج، فهو أن يقصد الحافظ إلي مصنف مسند لغيره، فيخرِّج أحاديثه بأسانيد نفسه، من غير طريق صاحب الكتاب، فيَجتمع معه في شيخهِ، أو شيخ شيخهِ،
وهكذا إلي صحابيّ الحديث (١).
وقال الكتاني رحمه الله تعالى: وقد يطلق المستخرَج عندهم على كتاب استخرَجَه مؤلفه؛ أي: جمعَه من كتب مخصوصة، كمُستخرَج الحافظ أبي القاسم عبد الرحمن بن محمد بن إسحاق بن محمد بن يحيى بن مَنْدَهْ، وسماه: "المستخرج من كتب الناس للتذكرة والمستطرف من أحوال الناس للمعرفة"، جمع فيه فأوعَى. وكثيرًا ما ينقل عن مستخرَجه المذكور الحافظ ابنُ حجر في كتبه، فيقول: ذكر ابنُ مَنْدَهْ في" مستخرجه "، وتارة يقول: في "تذكرته". والله أعلم (٢).
стр. 18
المبحث الثاني: شروط المستخرج
ينبني العمل على تخريج أحاديث الكتاب المستخرج عليه بأسانيدَ خاصة، ومجانبة طريق مؤلف الكتاب ما أمكن، والاجتماع مع صاحب الكتاب في بعض طبقات الإسناد
وهذه الأصول، قد لا يطرد وقوعُها للمستخرج، إذ ربما أسقط أحاديث لم يجد له بها سندًا يَرتضيهِ، وربما ذكَرها من طريق صاحبِ الكتاب لكن لا يَسوغُ للمستخرج العدولُ عن الطريق التي يقرُب اجتماعه مع مصنفِ الأصل فيها، إلي الطريق البعيدة، إلا لغرض من عُلُوٍّ، أو زيادة حُكم مهمّ. ذكر ذلك ابنُ حجر (١).
стр. 19
المبحث الثالث: حكم الأحاديث الواردة في المُستخرَجات
قال السَّخَاوي: والكتب المخرَّجة لم يلتزم فيها موافقتها للكتب المخرجة عليها في الألفاظ، فحصَل فيها تفاوت في اللفظ والمعنى (١).
وقال ابن الصلاح: صنَّف على"صحيح مسلم" قوم من الحفاظ، وأدركوا الأسانيد العالية، وفيهم مَن أدرك بعض شيوخ مسلم، فخرَّجُوا أحاديثه في تصانيفِهم تلك، فالتحقتْ به في أن لها سِمَة الصحيح، وإن لم تلتحق به في خصائصه ... ، ثم إنهم لم يلتزموا فيها الموافقة في ألفاظ الأحاديث من غير زيادة ولا نقص، لكونهم يروونها بأسانيد أُخر، فأوجب ذلك بعض التفاوت في بعض الألفاظ.
فلا يجوز أن تنقل منها حديثًا وتقول: هو كذا فيهما إلا أن تقابله بهما، أو أن يقول المصنف: أخرجاه بلفظه (٢).
стр. 20
وحيث إنّ رجال المستخرَجات ليسُوا ثقات كلُّهم، ففيهم الثقة والصَّدُوق ومَن دونهما، بل وُجِدَ فيهم الضعيفُ والمتهم والوضَّاع، وعلى ذلك فإن الزياداتِ التي تفرَّد بها هؤلاء لا يُحكم لها بالصِّحة مطلقًا.
ويرجع تفاوت أصحاب المستخرجات إلى أسبابٍ، منها أنه ليس كلُّ رجال المستخرجات رجالَ الصحيح. قال الحافظ ابن حجر في "النكت" (١/ ٢٩٣): (بل ورأيت في"مُستخرَج أبي نُعيم" وغيره الرّواية عن جماعةٍ من الضعفاء).
وقال السخاوي في "فتح المغيث" (١/ ٤٠): (فرُبَّ حديثٍ أخرجه البخاري من طريق بعض أصحاب الزهري عنه مثلاً، فأورده المخرِّجُ من طريق آخر ممن تُكُلِّمَ فيه عن الزهري بزيادة، فلا يحكم لها حينئذ بالصحة، وقد خرَّج الإسماعيلي في "مُستخرجه"لإبراهيم بن الفضل المخزومي، وهو ضعيفٌ عندهم، وأبو نُعيم لمحمد بن زُبَالة، وقد اتهَّمُوه).
فهؤلاء رجال المُستخرجات كما رأيت يتدرجون من الثقة إلى الاتّهام، ولازمُ ذلك أن تكون زيادات بعض المستخرجات ضعيفة أو دون ذلك، وفي المُستخرجات أحاديث معلَّقة وموقوفة، وفي بعضها نقصُ أحاديث عن الصحيح، وأخرى زائدة.
وربما عزَّ على المصنف - يعني صاحب المستخرج - وجودُ حديث يعني من أحاديث" الصحيح " فيتركه أصلاً، أو يُعلقه على بعض رواته.
стр. 21
المبحث الرابع: المؤلَّفات في المُستخرَجات
[أولاً]: المستخرجات على "الصحيحين" حيث إنها من الأهمية بمكان بالنسبة لأهل العلم، وذلك لفضل الشيخين وقدرهما إذا اجتمعَا خاصةً. وهذه المؤلفات هي:
١ - "المستخرج على الصحيحين": للإمام الحافظ المتقِن الحجّة، أبي عبد الله محمد بن يعقوب بن يوسف الشيبانيّ النيسابُوريّ، المعروف بابن الأخرم، ويُعرَف قديمًا بابن الكرمانيّ (ت:٣٤٤ ه) (١).
٢ - "المستخرج على الصحيحين":للإمام الحافظ أبي علي الحسين بن محمد بن أحمد الماسرسجي (ت:٣٦٥ ه) (٢).
٣ - "المستخرج على الصحيحين": للإمام الحافظ، المعمّر الثقة، شيخ الأهواز أبي بكر، أحمد بن عبدان بن محمد بن الفرَج، الشِّيرازيّ (ت:٣٨٨ ه) (٣).
٤ - " المستخرج على الصحيحين": للإمام الحافظ، العلامة الثقة، شيخ الفقهاء والمحدثين، أبي بكر، أحمد بن محمد بن أحمد بن غالب، الخوارزمي، ثم البَرْقاني (ت:٤٢٥ ه) (٤).
٥ ــ"المستخرج على الصحيحين": للإمام الحافظ المجوّد، أبي بكر، أحمد بن علي بن محمد بن إبراهيم بن مَنْجَويه، اليزديّ، الأصبهانيّ (ت:٤٢٨ ه) (٥).
стр. 22
٦ - "المستخرج على الصحيحين": للإمام الحافظ، الثقة العلامة، أبي نُعيم، أحمد بن عبد الله ابن إسحاق المهرانيّ، الأصبهانيّ (ت:٤٣٠ ه) (١).
٧ - "المستخرج على الصحيحين": للإمام الحافظ المجود، شيخ الحرم، أبي ذر، عبد بن أحمد بن محمد، المعروف ببلده بابن السمّاك، الأنصاريّ، الخراسانيّ، الهرويّ، المالكيّ (ت:٤٣٤ ه) (٢).
٨ - " المستخرج على الصحيحين": للإمام الحافظ المجود، محدث العراق، أبي محمد، الحسن بن محمد بن الحسن بن علي، البغداديّ الخلال (ت:٤٣٩ ه) (٣).
٩ - "المستخرج على الصحيحين": للإمام المحدث الثقة، أبي الحسن، أحمد بن محمد بن أحمد بن منصور، البغداديّ، العتيقيّ (ت:٤٤١ ه) (٤).
١٠ - "المستخرج على الصحيحين": للحافظ العالم المفيد، أبي مَسعود، سليمان بن إبراهيم ابن محمد بن سليمان الأصبهانيّ، الملنجيّ (ت:٤٨٦ ه) (٥).
стр. 23
[ثانيًا]: المستخرجات على صحيح البخاري:
١ - "المستخرج على صحيح البخاري": للإمام الحافظ أبي العباس محمد بن أحمد بن حمدان بن علي الحيريّ النيسابوريّ (ت:٣٦٠ ه) (١).
٢ - "المستخرج على صحيح البخاريّ": للحافظ الكبير الثبت الجوّال، الإمام أبي علي، الحسين ابن محمد بن الحسين بن عيسى بن ماسرجس الماسرجسي، النيسابوري (ت:٣٦٥ ه) (٢).
٣ - "المستخرج على صحيح البخاري": للإمام الحافظ الرحالة النحوي أبي محمد، وأبي القاسم، عبد الصمد بن محمد بن حيويه البخاري (ت ٣٦٨ ه) (٣).
٤ - "المستخ (٤) ٧١ ه) (٥).
стр. 24
٥ - "المستخرج على صحيح البخاري": للإمام الحافظ المجود الرحالة، أبي أحمد محمد بن أحمد بن حسين العبدي، الغطريفي، الجرجاني (ت:٣٧٧ ه) (١).
٦ - "المستخرج على صحيح البخاري": للإمام الحافظ، رئيس أصبهان، أبي عبد الله، محمد بن أحمد بن محمد بن عصم ابن أبي ذهل العصمي الضبي الهروي (ت:٣٧٨ ه) (٢).
٧ - "المستخرج على صحيح البخاري": للحافظ المجوّد العلامة، محدث أصبهان، أبي أيوب، أحمد بن موسى بن مردويه بن فورك الأصبهانيّ (ت:٤١٠ ه) (٣).
٨ - "المستخرج على البخاري": للإمام الحافظ، الثقة العلامة، أبي نعيم، أحمد بن عبد الله بن إسحاق المهرانيّ، الأصبهانيّ (ت:٤٣٠ ه) (٤).
стр. 25
[ثالثًا]: المستخرجات على " صحيح مسلم":
١ - "المستخرج على صحيح مسلم": للإمام الحافظ أبي بكر، محمد بن محمد بن رجاء الأَسْفَرايِينيّ (ت:٢٨٦ ه) (١).
٢ - " المستخرج على صحيح مسلم": للإمام الحافظ الحجة، أبي الفضل، أحمد بن سلمة النيسابوري، البزاز (ت:٢٨٦ ه) (٢).
٣ - "المستخرج على صحيح مسلم": للإمام الحافظ الزاهد شيخ الإسلام، أبي جعفر،
أحمد بن حمدان بن علي الحيريّ النيسابوريّ (ت:٣١١ ه) (٣).
٤ - "المستخرج على صحيح مسلم": للإمام الحافظ أبي عوانة، يعقوب بن إسحاق بن
إبراهيم بن يزيد النيسابوري الأصل، الأَسْفَرايِينيّ (٤).
٥ - "المستخرج على صحيح مسلم": للإمام الكبير، شيخ الإسلام، أبي عِمران، موسى بن العباس، الخُراساني، الجويني (ت:٣٢٣ ه) (٥).
стр. 26
٦ - "المستخرج على صحيح مسلم": للإمام الحافظ المفيد، أبي محمد أحمد بن محمد بن إبراهيم الطوسي البلاذريّ (ت:٣٣٩ ه) (١).
٧ - "المستخرج على صحيح مسلم": للإمام الحافظ العلامة محدث الأندلس، أبي محمد، قاسم ابن أصبَغ بن محمد القرطبيّ (ت:٣٤٠ ه) (٢).
٨ - "المستخرج على صحيح مسلم": للإمام الحافظ الفقيه القُدوة شيخ الإسلام، أبي النضر, محمد بن محمد بن يوسف، الطوسيّ، الشافعيّ (ت:٣٤٤ ه) (٣).
٩ - "المستخرج على صحيح مسلم": للإمام الحافظ المتقن الحجة، أبي عبد الله محمد بن يعقوب ابن يوسف الشيبانيّ النيسابوريّ، المعروف بابن الأخْرَم، ويعرف قديمًا بابن الكِرْمَاني (ت:٣٤٤ ه) (٤)
١٠ - "المستخرج على صحيح مسلم": للإمام الحافظ المفتي، شيخ خراسان أبي الوليد حسان بن محمد بن أحمد بن هارون النيسابوري، الشافعي (٥).
стр. 27
١١ - "المستخرج على صحيح مسلم": للحافظ المجود، أبي سعيد، أحمد بن محمد بن
سعيد بن إسماعيل الحيريّ النيسابوريّ الشهيد (١).
١٢ - "المستخرج على صحيح مسلم": للعلامة الحافظ أبي حامد، أحمد بن محمد بن شارك، الهروي، الشافعي (ت:٣٥٨ ه) (٢).
١٣ - "المستخرج على صحيح مسلم": للحافظ الكبير الثبت الجوال الإمام أبي علي، الحسين بن محمد بن أحمد بن الحسين بن عيسى بن ماسرجس الماسرجسي النيسابوري (ت:٣٦٥ ه) (٣).
١٤ - "المستخرج على صحيح مسلم": للإمام الحافظ الصادق، محدث أصبهان، أبي محمد عبد الله بن محمد بن جعفر بن حيان، المعروف بأبي الشيخ (ت:٣٦٩ ه) (٤).
стр. 28
١٥ - "المستخرج على صحيح مسلم": للإمام الحافظ الحجة الفقيه، شيخ الإسلام، أبي بكر أحمد بن إبراهيم بن إسماعيل الجرجاني الإسماعيلي الشافعي (ت:٣٧١ ه) (١).
١٦ - "المستخرج على صحيح مسلم": للمحدث الحافظ الجوال، أبي عبد الله، الحسين بن أحمد ابن محمد الشماخي، الهروي، الصفار (٣٧٢ ه) (٢).
١٧ - "المستخرج على صحيح مسلم": للإمام الحافظ المجود، أبي بكر، محمد بن عبد الله بن محمد بن زكريا الشيباني الخراساني الجوزقي (ت:٣٨٨ ه) (٣).
١٨ - "المستخرج على صحيح مسلم": للإمام الحافظ، الثقة العلامة، أبي نعيم، أحمد بن
عبد الله بن إسحاق المهراني، الأصبهاني، الصوفي (٤).
стр. 29
[رابعًا]: المستخرجات على السنن وغيرها:
١ - "المستخرج على سنن أبي داود": للإمام الحافظ العلّامة، شيخ الأندلس ومسندها، أبي عبد الله محمد بن عبد الملك بن أيمن بن فرج القرطبي (١).
٢ - "المستخرج على سنن أبي داود": للإمام الحافظ المجود، أبي بكر، أحمد بن علي بن محمد بن إبراهيم بن مَنْجَويه، اليَزدِي، الأصبهاني (٢).
٣ - "المستخرج على سنن أبي داود": للإمام الحافظ العلّامة محدّث الأندلس، أبي محمد،
قاسم بن أصبَغ بن مُحمد القرطبي (ت:٤٣٠ ه) (٣).
٤ - "المستخرج على جامع الترمذي": للإمام الحافظ المجود، أبي علي، الحسن بن علي بن نصر ابن منصور، الطوسي، المعروف بمكردش (ت:٣١٢ ه) (٤).
٥ - "المستخرج على جامع الترمذي": للإمام الحافظ المجود، أبي بكر، أحمد بن علي بن محمد بن إبراهيم بن مَنجُويه، اليزدي، الأصبهاني (ت:٤٢٨ ه) (٥).
стр. 30
٦ - "الأموال":لأبي أحمد حميد بن مخلد بن قتيبة بن عبد الله الأزدي النسائي، المعروف بابن زنجويه، وهو لقب أبيه. وكتابه كالمستخرج على كتاب "الأموال" لأبي عُبيد (١).
٧ - "المنتقى": للإمام الحافظ العلامة محدث الأندلس، أبي محمد، قاسم بن أصبغ بن محمد القرطبي (ت: ٣٤٠ هـ). قال الكتاني: وكتاب "المنتقى" لأبي محمد قاسم بن أصبغ، وهو على نحو كتاب "المنتقى" لابن الجارود (عبد الله بن علي ت ٣٠٦، أو ٣٠٧ هـ، وهو كالمستخرج على صحيح ابن خزيمة)، وكان قد فاته السماع منه ووجده قد مات، فألفه على أبواب كتابه بأحاديث خرجها عن شيوخه. قال أبو محمد ابن حزم: وهو خير انتقاء منه (٢).
٨ - "المستخرج على كتاب التوحيد لابن خزيمة": للإمام الحافظ، الثقة العلامة، أبي نعيم،
أحمد بن عبد الله بن إسحاق المهراني، الأصبهاني (٣).
٩ - "المستخرج على المستدرك للحاكم النيسابوري": للإمام أبي الفضل عبد الرحيم بن الحسين بن عبد الرحمن العراقي (ت:٨٠٦ ه) (٤).
стр. 31
الفصل الثالث: اختيار (مسند أبي عَوَانة)
المبحث الأول: تعريف مختصر بصحيح مسلم الذي هو أصل الكتاب
المبحث الثاني: التعريف بمسند أبي عوانة (المؤلف: نسبه وسيرته).
المبحث الثالث: منهج أبي عوَانة في مستخرجه
стр. 32
المبحث الأول: تعريفٌ مُختصر بصحيح مسلم الذي هو أصل الكتاب .
الإمام مسلم رحمه الله تعالى:
هو مسلم بن الحجاج القشيريّ النيسابوريّ، يُنسب إلى بني قُشَير، ولد - رحمه الله تعالى - في السنة التي تُوفِّيَ فيها إمامان عظيمان: الشافعي، وأبو داود الطيالسيّ، وذلك في السنة الرابعة بعد المائتين للهجرة. ووفاته ﵀ بعد وفاة البخاري بنحو خمس سنين، فالبخاري تُوفِّيَ في سنة ست وخمسين ومائتين، ومسلم تُوفِّيَ في نحو سنة إحدى وستين ومائتين.
وعدد أحاديث "صحيح مسلم" نحو أربعة آلاف حديث، سوى المكرر، وبالمكرر يصل إلى اثني عشر ألف حديث تقريبًا، وقد مكث في تأليف هذا الكتاب خمس عشرة سنةً حسب ما قول تلميذه وقرينه أحمد بن سَلمة.
وقد أعجب كثيرٌ من أهل العلم بـ "صحيح مسلم" غاية الإعجاب، وذلك بسبب حُسن ترتيبه وتلخيصه لطرق الحديث بغير زيادةٍ ولا نقصان، واحترازه من التحول في الأسانيد عند اتفاقها من غير زيادة ولا نقصان، وتنبيهه على ألفاظ الرواة من اختلاف في متن أو إسناد ولو في حرف.
ولم يمزج حديث النبي ﷺ بغيره، كما أنه ﵀ يجمع طرق الحديث في مكانٍ واحد.
كما اعتنى بالطرق في ترتيبها، فنجد أنه يُقدم الطريق التي فيها أصحِّية، ويقدم الطريق التي فيها إجمال، ثم يردفها بالطريق المبينة لها، ويُقدّم الطريق المنسوخة ثم يأتي بعد ذلك بالطريق الناسخة (١).
стр. 33
المبحث الثاني: التعريف بمسند أبي عوانة (المؤلف: نسبه وسيرته) .
أولاً: المؤلف:
أبو عوانة الأسْفَرايِينِيّ (١) (صاحب المستخرج)
هو أبو عوانة يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم النيسابوري الإمام الحافظ الكبير، أبو عوانة
يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم بن يزيد النيسابوري الأصل، الأَسْفَرايِينيّ، وُلِدَ في ٢٣٠ من الهجرة.
- نسبته:
وأسفرايين بلدةٌ بنواحي نيسابور على منتصف الطريق من جُرجان، وقد أكثرَ الترحال في طلب العِلم.
- سيرته:
وقد سمع: بالحرمين، والشام، ومصر، واليمن، والثُّغور، والعراق، والجزيرة، وخراسان، وفارس, وأصبهان. سمع: يونس بن عبد الأعلى، وعلي بن حرب الطائي، ومحمد بن يحيى الذُّهْليّ، وأحمد بن عبد الرحمن بن وهب، وشُعيب بن حرب الضبعي، وزكريا بن يحيى بن أسد المروزي، وسعد بن مسعود المروزي، وسعدان بن نصر، وعمر بن شبّة، وعيسى بن أحمد البَلْخي، وعلي بن إشكاب ثور، وعبد السلام بن أبي فَرْوة النصيبي - صاحباً لابن عُيينة ــ وعطية بن بقية بن الوليد، وأبا عمرو ابن سعد بن عمرو الشعباني - صاحباً لابن وهب ــ ومحمد بن سليمان ابن بنت مطر، وأبا زرعة الرازي، وأبا جعفر بن المنادي، ومحمد بن عقيل النيسابوري، ومحمد بن إسماعيل الأحمسي ومحمد
ابن عبد الله بن ميمون الإسكندراني، وموسى بن نصر الرازي، وأبا سلمة المسلم بن محمد بن المسلم ابن عفان الصنعاني الفقيه. وسمع من الإمام مسلم صاحب الصحيح في بغداد، فقد صرَّح أبو عوانة بأنه سمع الكتابَ إملاءً من مسلم كما في "مُستخرجه" (٥٨٠٧) إذ قال: حدّثنا مسلم بن الحجاج أبو الحسين إملاءً ببغداد (٢).
стр. 34
حدث عنه: أحمد بن علي الرازي الحافظ، وأبو علي النيسابوري الحافظ، ويحيى بن منصور، وسليمان بن أحمد الطبراني، وأبو أحمد بن عَدي، وأبو بكر الإسماعيلي، وحُسَيْنَك بن علي التميمي، وولده؛ أبو مصعب محمد بن أبي عوانة، وأبو أحمد محمد بن أحمد الغِطريفي، وجماعة، خاتمتهم: ابنُ ابنِ أخته أبو نعيم عبد الملك بن الحسن.
وحجّ خمس مرات. وقال: كنت بالمصيصة، فكتب إلي أخي محمد بن إسحاق، فكان في كتابه:
فإن نحن التقينا قبل موتٍ ... شفينا النفس من مَضَض العِتاب
وإن سبقت بنا أيدي المنايا ... فكم من عاتبٍ تحت التراب
قال أبو عبد الله الحاكم: أبو عوانة من علماء الحديث وأثباتهم، سمعت ابنه محمدًا يقول: إنه تُوفِّيَ سنة ست عشرة وثلاث مئة. وقال ابن أخت أبي عوانة؛ المحدث الحسن بن محمد الأَسْفَرايِينيّ: توفي أبو عوانة في سلخ ذي الحجة، سنة ست عشرة وثلاث مئة. وقال غيره: بُنِيَ على قبر أبي عوانة مشهد بأسفرايين يزار، وهو في داخل المدينة، وكان ﵀ أول من أدخل إلى أسفرايين مذهب الشافعي وكتبه، أخذ ذلك عن الربيع المراديّ، والمزنيّ. ومن قول الحاكم في "تاريخه": أبو عوانة سمع: محمد بن يحيى، ومسلمَ بن الحجاج، وأحمد بن سعيد الدارميّ، وأبا زرعة، وأبا حاتم، وابن وارة، ويعقوب بن سفيان، وسعدان، وابن عبد الحكم، والمزني، وصالح بن أحمد بن حنبل، وعمرو بن عبد الله الأودي، ومحمد بن المقرئ، وأحمد بن سنان، وأسيد بن عاصم، وهارون بن سليمان .. .، وسمى جماعة، ثم أثنى عليه.
стр. 35
قال الذهبي عنه: الإمام الحافظ الكبير الجوال، أكثر الترحال، وبرَع في هذا الشأن، وبَذَّ (١) الأقران.
وقال أيضًا: الحافظ الثقة الكبير، طوف الدنيا وعُني بهذا الشأن وهو ثقة جليل، وقال عنه: كان مع حفظهِ فقِيهًا شافعيًّا إمامًا (٢).
وقال السَّمْعَاني: من مشاهير المحدثين، أحد حفاظ الدنيا، ومَن رحَل في طلب الحديث، وعُني بجمعه، وعُني بكتابته، وكان زاهدًا عفيفًا متعبِّدًا متقللاً (٣).
وقال ابنُ خلِّكان: أحد الحفاظ الجوالين، والمحدثين المكثرين (٤).
стр. 36
ثانيًا: مستخرج أبي عوانة (١).
من المعلوم أن المستخرجات على"صحيح مسلم" أكثر من المستخرجات على "البخاري"، ويرجع سبب ذلك إلى ما ذكره الذهبي في "سير أعلام النبلاء" في كلامه على "صحيح مسلم"، إذ قال: ليس في "صحيح مسلم" من العوالي إلا ما قلّ ... وهو كتاب نفيس كامل في معناه، فلما رآه الحفّاظ أعجبوا به، ولم يسمعوه لنزوله، فعمَدوا إلى أحاديث الكتاب، فساقوها من مروياتهم عالية
بدرجة وبدرجتين، ونحو ذلك، حتى أتوا على الجميع هكذا، وسموه: "المستخرج على صحيح مسلم" (٢).
стр. 37
ثالثًا: أقوال أهل العلم في "مُستخرجه".
قال السمعاني في ترجمته (١): (صنف المسندَ الصحيح على"صحيح مسلم بن الحجاج القشيري" وأحسن).
وقال السخاوي (٢): (واجتمع له من المرويات بالسماع والقراءة ما يفوق الوصف، وهي تتنوع أنواعًا: أحدها ما رتب على الأبواب الفقهية ونحوها، وهي كثيرة جدًّا، ومنها ما تقيد فيه بالصحيح، كـ "الصحيحين" للبخاري ولمسلم، ولابن خزيمة - ولم يوجد بتمامه -، ولأبي عوانة الأَسْفَرايِينيّ وهو وإن كان مستخرجًا على ثاني "الصحيحين" فقد أتى فيه بزيادات طرق، بل وأحاديث كثيرة).
وقال الثعالبي (٣): (صحيح أبي عوانة الأَسْفَرايِينيّ وهو مستخرج على "صحيح مسلم"، وزاد فيه طرقًا في الإشارة وقليلاً من المتون).
وقال الدهلوي (٤): "صحيح أبي عوانة"وهو مستخرج على"صحيح مسلم"، ويقال: المستخرج في اصطلاح المحدثين على الكتاب الذي صنّف لإثبات كتاب آخر، على ترتيبه ومتونه وطرق إسناده، ويذكر سنده بحيث يتصل بمصنف ذلك الكتاب، ثم شيخه، ثم شيخ شيخه .. وهلم جراً،
وإذا ثبت بطرق أخرى كثُر الاعتماد عليه والوثوق به، ولكن هذا المستخرج إنما يُسمَّى صحيحًا، لإتيانه فيه بزيادة طرق وقليل من المتون، ولهذا قد يقال: إنه كتاب مستقلّ.
وقال الذهبي (٥) في ترجمة الإمام مسلم: وأبو عوانة يعقوب بن إسحاق الأَسْفَرايِينيّ، وزاد في كتابه متونًا معروفة بعضُها ليِّن.
стр. 38
رابعًا: طبعات الكتاب
توجد نسخة كاملة منه مكتوبة بخط يحيى بن نعيم الأنصاري، موجودة في الخزانة الجرمنية بألمانيا،
كما توجد نسخة كاملة أيضاً منه مكتوبة بخط الحافظ ابن حَجَر، موجودة في الخزانة الجرمنية أيضًا.
ونسخة صحيحة نفيسة منه موجودة في خزانة الكتب للعلامة أبي الطيب شمس الحق العظيم أبادي ــ الفهرس الشامل للتراث العربي الإسلامي المخطوط الحديث النبوي الشريف وعلومه ورجاله.
وفي فهرست الكتبخانة (١/ ٤١١) ذكر أجزاء مخطوطة من "مختصر أبي عوانة" ويوجد مخطوط تحت عنوان "المُسْنَد المُخَرَّج على كتاب مُسْنَدِ ابنِ الحَجَّاج". وكذا قال فؤاد سزكين في "تاريخ التراث العربي" ١/ ١/٣٤٣.
وأول طباعة لـ "مسند أبي عوانة" كانت بدائرة المعارف العثمانية بحيدر أباد في الهند، واحتوى على أربع مجلدات: الأول، وبعض الثاني، وبعض الرابع، وبعض الخامس.
واشتملت هذه المجلدات على الكتب التالية: الأضاحي، الإيمان، الأحكام، الأشربة، الأطعمة، الإمارة، التيمم، الجماعة، الجمع، الجهاد، الحيض، الخمر، الذبائح، السهو، الصلاة، الصيد، الطهارة، اللباس، المساجد، الوتر.
ثم طبع المجلد الثالث مفردًا، وقد كان في عِداد المفقود، طبعته مكتبة السنة بالقاهرة.
стр. 39
وأخيرًا طبع الكتاب في (دار المعرفة) ببيروت بتحقيق أيمن بن عارف الدمشقي، واحتوت هذه الطبعة على المجلدات السابقة نفسها في الطبعة الهندية القديمة، والمجلد الثالث الذي طبع مفردًا، وأضافت جزءًا آخر كان في عداد المفقود أيضاً، احتوى على تكمِلة المجلد الثاني، وتكملة المجلد الرابع.
استدرك المجلد الثاني الكتب التالية: الزكاة، الصيام، الحج، فضائل القرآن.
واستدرك الرابع الكتب التالية: النذور، الأيمان، المماليك، الحدود، الديات.
وبالتالي فإن طبعة (دار المعرفة) هي أكملُ طبعات الكتاب إلى الآن، ولا يَنقصُها إلا جزء من آخر المجلد الخامس، لم يوفَّق السيد المحقِّق أيمن الدمشقي الحصول على نسخهِ الخطية، فقد جاء في نهاية المجلد الخامس من طبعته ما نصه: يتلوه إن شاء الله في الخامس (بيان التشديد في اتخاذ الصُّور في البيوت والأمتعة التي فيها الصور، والعلة التي لها نهي عنه). مع العلم أن محققي كتاب "إتحاف المهرة" لابن حجر قد تمكنوا من الحصول على بعض النُّسَخ الخطية التي لم تقع لأيمن بن عارف، وكانوا يُخرِّجون بعض الأحاديث التي لا يجدونها في طبعة أيمن بن عارف من تلك النسخ الخطية، وانظر على سبيل المثال حاشية المجلد (١٥) صفحة (٨)، والمجلد (١٩) صفحة (٤٧٩)، لكن تلك النسخ الخطية التي كانوا يحيلون عليها لم تغطِّ كامل الجزء المفقود من المجلد الخامس، فلا يزال هناك الكثير من الأحاديث التي ليس لها مرجعٌ إلا ما نقله ابنُ حَجَر في "إتحاف المهرة"!.
стр. 40
وقد قام أحمد الخضري بإلحاق ما تبقى في مُلحق مع المسند، وقال في ذلك: (وبما أن مسند أبي عوانة ما هو إلا مستخرج على "صحيح مسلم"، فقد طابقنا المطبوع منه على "صحيح مسلم"، فوجدنا أنه يُشَكِّل حوَالي ثلاثة أرباع أحاديث "صحيح مسلم"، فعرفنا أن الجزءَ الذي لم يطبع من آخر المجلد الخامس يشكل حوالي ربع الكتاب، لذا قمنا باستدراك هذا النقص من "إتحاف المهرة" لابن حجر، فقد صرح في مقدمته بسماعه لعدة كتب من مستخرج أبي عوانة، هي من
القسم الذي لم يطبع، وفيما يلي أسماء هذه الكتب: الحلي، التسمية، الاستئذان، الرقى، الطب، فضائل الأنبياء، مناقب الصحابة، البر والصلة، القدر، العلم، الدعوات.
وقد أودعنا الأحاديث المستدركة في ملحق خاص في آخر الكتاب، وعددها (٢٠٦٢) حديثًا، بينما مجموع أحاديث مسند أبي عوانة المطبوع (٨٧١٨) حديثًا، فأصبح مجموع أحاديث الكتاب (١٠٧٨٠) حديثًا.
وبهذا يكون الكتاب قد اكتمل بحمد الله، ويظهر من مجموع أحاديثه أنه من الكتب الكبيرة).
وثمة رسائل وأطروحات جامعية حَقَّقَتْ أجزاء من المسند في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة قام بها بعض الباحثين فليرجع إليها في مكتبةِ الجامعة.