← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 241

فوائد المستخرجات من خلال مسند أبي عوانة

نايف بن ناصر المنصور

Полный текст (120 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

ثانيًا: مستخرج أبي عوانة (١). من المعلوم أن المستخرجات على"صحيح مسلم" أكثر من المستخرجات على "البخاري"، ويرجع سبب ذلك إلى ما ذكره الذهبي في "سير أعلام النبلاء" في كلامه على "صحيح مسلم"، إذ قال: ليس في "صحيح مسلم" من العوالي إلا ما قلّ ... وهو كتاب نفيس كامل في معناه، فلما رآه الحفّاظ أعجبوا به، ولم يسمعوه لنزوله، فعمَدوا إلى أحاديث الكتاب، فساقوها من مروياتهم عالية بدرجة وبدرجتين، ونحو ذلك، حتى أتوا على الجميع هكذا، وسموه: "المستخرج على صحيح مسلم" (٢).

стр. 37

ثالثًا: أقوال أهل العلم في "مُستخرجه". قال السمعاني في ترجمته (١): (صنف المسندَ الصحيح على"صحيح مسلم بن الحجاج القشيري" وأحسن). وقال السخاوي (٢): (واجتمع له من المرويات بالسماع والقراءة ما يفوق الوصف، وهي تتنوع أنواعًا: أحدها ما رتب على الأبواب الفقهية ونحوها، وهي كثيرة جدًّا، ومنها ما تقيد فيه بالصحيح، كـ "الصحيحين" للبخاري ولمسلم، ولابن خزيمة - ولم يوجد بتمامه -، ولأبي عوانة الأَسْفَرايِينيّ وهو وإن كان مستخرجًا على ثاني "الصحيحين" فقد أتى فيه بزيادات طرق، بل وأحاديث كثيرة). وقال الثعالبي (٣): (صحيح أبي عوانة الأَسْفَرايِينيّ وهو مستخرج على "صحيح مسلم"، وزاد فيه طرقًا في الإشارة وقليلاً من المتون). وقال الدهلوي (٤): "صحيح أبي عوانة"وهو مستخرج على"صحيح مسلم"، ويقال: المستخرج في اصطلاح المحدثين على الكتاب الذي صنّف لإثبات كتاب آخر، على ترتيبه ومتونه وطرق إسناده، ويذكر سنده بحيث يتصل بمصنف ذلك الكتاب، ثم شيخه، ثم شيخ شيخه .. وهلم جراً، وإذا ثبت بطرق أخرى كثُر الاعتماد عليه والوثوق به، ولكن هذا المستخرج إنما يُسمَّى صحيحًا، لإتيانه فيه بزيادة طرق وقليل من المتون، ولهذا قد يقال: إنه كتاب مستقلّ. وقال الذهبي (٥) في ترجمة الإمام مسلم: وأبو عوانة يعقوب بن إسحاق الأَسْفَرايِينيّ، وزاد في كتابه متونًا معروفة بعضُها ليِّن.

стр. 38

رابعًا: طبعات الكتاب توجد نسخة كاملة منه مكتوبة بخط يحيى بن نعيم الأنصاري، موجودة في الخزانة الجرمنية بألمانيا، كما توجد نسخة كاملة أيضاً منه مكتوبة بخط الحافظ ابن حَجَر، موجودة في الخزانة الجرمنية أيضًا. ونسخة صحيحة نفيسة منه موجودة في خزانة الكتب للعلامة أبي الطيب شمس الحق العظيم أبادي ــ الفهرس الشامل للتراث العربي الإسلامي المخطوط الحديث النبوي الشريف وعلومه ورجاله. وفي فهرست الكتبخانة (١/ ٤١١) ذكر أجزاء مخطوطة من "مختصر أبي عوانة" ويوجد مخطوط تحت عنوان "المُسْنَد المُخَرَّج على كتاب مُسْنَدِ ابنِ الحَجَّاج". وكذا قال فؤاد سزكين في "تاريخ التراث العربي" ١/ ١/٣٤٣. وأول طباعة لـ "مسند أبي عوانة" كانت بدائرة المعارف العثمانية بحيدر أباد في الهند، واحتوى على أربع مجلدات: الأول، وبعض الثاني، وبعض الرابع، وبعض الخامس. واشتملت هذه المجلدات على الكتب التالية: الأضاحي، الإيمان، الأحكام، الأشربة، الأطعمة، الإمارة، التيمم، الجماعة، الجمع، الجهاد، الحيض، الخمر، الذبائح، السهو، الصلاة، الصيد، الطهارة، اللباس، المساجد، الوتر. ثم طبع المجلد الثالث مفردًا، وقد كان في عِداد المفقود، طبعته مكتبة السنة بالقاهرة.

стр. 39

وأخيرًا طبع الكتاب في (دار المعرفة) ببيروت بتحقيق أيمن بن عارف الدمشقي، واحتوت هذه الطبعة على المجلدات السابقة نفسها في الطبعة الهندية القديمة، والمجلد الثالث الذي طبع مفردًا، وأضافت جزءًا آخر كان في عداد المفقود أيضاً، احتوى على تكمِلة المجلد الثاني، وتكملة المجلد الرابع. استدرك المجلد الثاني الكتب التالية: الزكاة، الصيام، الحج، فضائل القرآن. واستدرك الرابع الكتب التالية: النذور، الأيمان، المماليك، الحدود، الديات. وبالتالي فإن طبعة (دار المعرفة) هي أكملُ طبعات الكتاب إلى الآن، ولا يَنقصُها إلا جزء من آخر المجلد الخامس، لم يوفَّق السيد المحقِّق أيمن الدمشقي الحصول على نسخهِ الخطية، فقد جاء في نهاية المجلد الخامس من طبعته ما نصه: يتلوه إن شاء الله في الخامس (بيان التشديد في اتخاذ الصُّور في البيوت والأمتعة التي فيها الصور، والعلة التي لها نهي عنه). مع العلم أن محققي كتاب "إتحاف المهرة" لابن حجر قد تمكنوا من الحصول على بعض النُّسَخ الخطية التي لم تقع لأيمن بن عارف، وكانوا يُخرِّجون بعض الأحاديث التي لا يجدونها في طبعة أيمن بن عارف من تلك النسخ الخطية، وانظر على سبيل المثال حاشية المجلد (١٥) صفحة (٨)، والمجلد (١٩) صفحة (٤٧٩)، لكن تلك النسخ الخطية التي كانوا يحيلون عليها لم تغطِّ كامل الجزء المفقود من المجلد الخامس، فلا يزال هناك الكثير من الأحاديث التي ليس لها مرجعٌ إلا ما نقله ابنُ حَجَر في "إتحاف المهرة"!.

стр. 40

وقد قام أحمد الخضري بإلحاق ما تبقى في مُلحق مع المسند، وقال في ذلك: (وبما أن مسند أبي عوانة ما هو إلا مستخرج على "صحيح مسلم"، فقد طابقنا المطبوع منه على "صحيح مسلم"، فوجدنا أنه يُشَكِّل حوَالي ثلاثة أرباع أحاديث "صحيح مسلم"، فعرفنا أن الجزءَ الذي لم يطبع من آخر المجلد الخامس يشكل حوالي ربع الكتاب، لذا قمنا باستدراك هذا النقص من "إتحاف المهرة" لابن حجر، فقد صرح في مقدمته بسماعه لعدة كتب من مستخرج أبي عوانة، هي من القسم الذي لم يطبع، وفيما يلي أسماء هذه الكتب: الحلي، التسمية، الاستئذان، الرقى، الطب، فضائل الأنبياء، مناقب الصحابة، البر والصلة، القدر، العلم، الدعوات. وقد أودعنا الأحاديث المستدركة في ملحق خاص في آخر الكتاب، وعددها (٢٠٦٢) حديثًا، بينما مجموع أحاديث مسند أبي عوانة المطبوع (٨٧١٨) حديثًا، فأصبح مجموع أحاديث الكتاب (١٠٧٨٠) حديثًا. وبهذا يكون الكتاب قد اكتمل بحمد الله، ويظهر من مجموع أحاديثه أنه من الكتب الكبيرة). وثمة رسائل وأطروحات جامعية حَقَّقَتْ أجزاء من المسند في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة قام بها بعض الباحثين فليرجع إليها في مكتبةِ الجامعة.

стр. 41

المبحث الثالث: منهج أبي عوانة في مستخرجه عمد أبو عوانة في مصنِّفه إلى أحاديث كتاب "صحيح مسلم" المرفوعة، والموقوفة، فرواها بإسنادها من غير طريق صاحب الكتاب. فزاد فيه أحاديث كثيرة زائدة على"صحيح مسلم"، وفيها الصحيح، والحسن، بل والضعيف أيضًا. ويقع في "مستخرجه" زيادة في أحاديث، أو تتمة لمحذوف، أو نحو ذلك، فهي تعتبر صحيحة، لكن مع وجود الصفات المشترطة في الصحيح، فيمَن بين صاحب المستخرَج والراوي الذي اجتمعا فيه هو وصاحب الأصل، وقد يقف على أحاديث "صحيح مسلم" من طريق عالٍ لم يكن قد وقف عليه صاحبُ الكتاب. وقد يُعَيِّن مبهمات، أو مهملات كانت في "صحيح مسلم"، ولكنها جاءت مسماة من طريقه (١) وذكر المعلمي في كتابه "التنكيل" (٢): (أصحاب المستخرجات يَلتزمون إخراج كل حديث من الكتب التي يستخرجون عليها، فأبو عوانة جعل كتابه مستخرجًا على "صحيح مسلم" ومعنى ذلك أنه التزم أن يخرج بسند نفسه كلَّ حديث أخرجه مسلم، فقد لا يقع له بسند نفسه الحديث إلا من طريق رجل ضعيف، فيتساهل في ذلك؛ لأن أصل الحديث صحيح من غير طريقه، ومع ذلك زاد أبو عوانة أحاديث ضعيفة لم يَحكم هو بصحتها، وإنما سمَّى كتابه صحيحًا، لأنه مخرَّج على الصحيح، ولأن معظمَ أحاديثه صحيحة، فإخراجه لرجل لا يَستلزم توثيقه ولا تصديقه، بل صاحب "الصحيح" نفسه قد يخرِّج في المتابعات والشواهد لمن لا يُوثقه، وهذا أمر معروف عند أهل الفن).

стр. 42

ويقول أبو عوانة في "مستخرجه على مسلم"بعد أن ساق طرق مسلم كلها: (من هنا لمخرجه)، ثم يسوق أسانيد يجتمع فيها مع مسلم فيمَن فوق ذلك، وربما قال: (من هنا لم يخرجاه)، ولا يظن أنه يعني البخاري ومسلمًا، فالسيوطي ﵀ استقرأ صنيعه في ذلك، فوجده إنما يعني مسلمًا وأبا الفضل أحمد بن سَلمة (١)، فإنه كان قرينَ مسلم، وصنَّف مثلَ مسلم. وربما أسقط المستخرِج أحاديث لم يجد لها سندًا يَرتضيه، وربما ذكرها من طريق صاحب الكتاب، وهذا قليل. ولم يلتزم في مُستخرجه بموافقته لـ "صحيح مسلم" في الألفاظ، لأنه إنما يروي الحديث بالألفاظ التي وقعت له عن شيوخه، فحصَل فيها تفاوتٌ قليل في اللفظ وفي المعنى، كما ذكرنا في حُكم المستخرجات. وقد رتَّبه على كتب الجوامع، بدأه بكتاب الإيمان، وختَمه بكتاب اللباس، ثم قسّم الكتاب الواحد إلى أبواب، وأوردَ في كل باب جملة من الأحاديث والآثار، كما هي عادة الأئمة، بلغ عددها (١٠٧٨٠) حديثًا وأثرًا.

стр. 43

الفصل الرابع: فوائد المستخرجات

стр. 44

فوائد المستخرجات على مسند أبي عوانة: يجب أن نعرف بداية أن العلماء في مصطلح الحديث ذكروا فوائد (١) استنبطوها من كتب المستخرجات تخدم كتب المصنفات في السنة، من هذه الفوائد: ١ - عُلُو الإسنادِ: وهو قِلَّةُ الوسائِط في السَّنَدِ، أو قِدَمِ سَمَاع الرَّاوي، أو وفاته، (٢) وهو سُنَّةٌ مِن السُّنَنِ، ولذلِكَ استُحِبَّت الرِّحْلَة. (٣) قال أحمدُ بنُ حَنبلٍ: طلبُ الإسناد العالي سُنَّة عَمَّن سَلَفَ، لأنَّ أصحابَ عبدالله كانوا يرحلونَ مِنَ الكوفةِ إلى المدينةِ فيتَعَلَّمونَ مِن عُمَرَ وَيَسْمعونَ منهُ (٤)، وعُلوه يُبعِدهُ مِن الخَللِ المتَطَرِّقِ إلى كُلِّ رَاوٍ (٥). ٢ - زيادة الثِّقَات: هو ما نراهُ زائِداً مِنَ الألفاظِ في رواية بعضِ الثِّقاتِ لحديثٍ ما، عما رواهُ الثِّقاتُ الآخرونَ لذلكَ الحديثِ، وتقَعُ هذهِ الزيادة في المتنِ بزيادةِ كلمةٍ، أو جُملةٍ، أو في الإسنادِ برفعِ موقوفٍ، أو وَصْلِ مُرْسَلٍ (٦)

стр. 45

٣ - بيانُ أحكامٍ فِقْهِيَّةٍ: قد تأتي رِوايةٌ مُختصَرةُ الألفاظِ، فتأتي بقيَّةُ الطُّرُقِ الأُخرى فتزيدُ فيها مِنَ الأحكامِ الفقهيَّةِ. ٤ - توضيح المقصود في الحديث: شَرحُ لفظٍ، أو بيانُ معْنَىً مِنَ المعاني، قد تأتي روايةٌ مِنَ الروايات تحتملُ أوجُهَاً مُخْتَلِفَة، فيتبعها المصَنِّفُ برواياتٍ أُخرى لِتُؤكد وجهَاً مِنَ الوجوهِ. ٥ - القوة بِكَثْرَةِ الطُّرُقِ: وفائِدتُهُ التَّرْجيح عندَ المعَارَضَةِ. وهو إذا وجد حديثان متعارضان ولم يمكن الجمع بينهما نلجأ إلى الترجيح. ووجوه الترجيحات كثيرة ذكرها الحازمي في كتابه "الاعتبار في الناسخ والمنسوخ من الآثار" (١) ومنها: كثرة الطرق، وهي مؤثرة في باب الرواية؛ لأنها تقرب مما يوجب العلم، وهو التواتر. ٦ - الزيادةُ في قَدْرِ الصَّحيح: وذلكَ لِمَا يقعُ مِن ألفاظٍ زائِدَةٍ، وتَتِمَّاتٍ في بعضِ الأحاديثِ (٢) ٧ - التَّصريحُ بالسَّماعِ عندَ ورودِ عَنْعَنَة المدَلِّسِ: إذ قد يأتي الحديثُ في رِوايةٍ عن مُدَلِّسٍ بالعَنْعَنَةِ، فتأتي الطُّرُقُ الأخرى بالتَّصْريحِ بالسَّماعِ (٣). ٨ - التَّصريحُ بالأسماءِ المبْهَمَةِ في الإسنادِ، أو المتنِ: كَحَدَّثَنا فُلان، أو رَجُل، أو فلان وغيره، أو غير واحدٍ، أو رأى رجُلاً، فتأتي الطُّرُقُ الأخرى فتُعَيِّنهُ. (٤)

стр. 46

٩ - تَعْيينُ الأسماء المهْمَلَة في الإسْنادِ، أو في المتنِ: كأن يأتي في طريقٍ (مُحَمَّدٌ) مِن غَيرِ ذِكْر ما يُمَيزهُ عن غَيرهِ مِنَ المحَدِّثين، ويكونُ في مشايخِ مَن رواهُ كذلك مَن يُشارِكُهُ في الاسمِ، فتأتي الطُّرُقُ الأخرى فتُمَيزُهُ عن غيرهِ. (١) ١٠ - التَّمييزُ للمَتْنِ المحَال بهِ على المتنِ المحال عليهِ: كما وقع في كتابِ مُسْلِمٍ، فإنَّهُ يُخَرِّجُ الحديثَ على لفظ بعضِ الرُّواةِ، ويُحيلُ بباقي ألفاظِ الرواة على ذلك اللَّفظِ الذي يُورِدهُ فتارةً يقولُ: مثلهُ، فيحملُ على أنَّهُ نظيرٌ سواء. وتارةً يقولُ: نحوهُ أو معناهُ، فتوجد بينهُما مُخالفةٌ بالزِّيادةِ والنَّقْصِ. (٢) ١١ - تَعيينُ الإدْراج في الإسنادِ، أو في المتنِ: إذ قَد تأتي روايَةٌ فيها إدراجٌ، وهو ما كانت فيهِ زيادةٌ ليست منهُ، فتأتي الطُّرُقُ الأُخرى للرِّوايةِ فتكشفُ الإدْراج. (٣) ١٢ - تصحيح بعض الأسماء في السند. ١٣ - الفوائد التي يذكرها المستخرج خاصة إذا كان إماماً حافظاً مثل الحافظ أبي عوانة الأسفراييني.

стр. 47

وفي التفاصيل نقول: فوائد المستخرجات: (الفائدة الأولى): علو الإسناد: وهو قلة الوسائط من الرواة في السند (١). وهو مستحب عند أهل الحديث، وقد قال الإمام أحمد بن حنبل: طلب الإسناد العالي سُنة عمن سلف، لأن أصحاب عبد الله كانوا يرحَلون من الكوفة إلى المدينة فيتعلمون من عمر ويَسمعون منه (٢). وترجع فائدة ذلك بأن العلو في الإسناد يُبعده من الخلل المتطرِّق إلى كل راوٍ، وقد حَرص على ذلك أصحابُ المستخرجات في مُعظَم مَروياتِهم (٣). ومثال ذلك: ما جاء في مسلم: وحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ، وَيَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَعَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ جَمِيعًا، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ، قَالَ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عُمَرَ، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «أَيُّمَا امْرِئٍ قَالَ لِأَخِيهِ: يَا كَافِرُ، فَقَدْ بَاءَ بِهَا أَحَدُهُمَا، إِنْ كَانَ كَمَا قَالَ، وَإِلَّا رَجَعَتْ عَلَيْهِ» (٤). * * *

стр. 48

فقد أخرجه أبو عوانة عن طريق يونس بن عبد الأعلى وهو من شيوخ مسلم قال: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى (١)، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ (٢): أَنَّ مَالِكًا (٣) أَخْبَرَهُ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِذَا قَالَ رَجُلٌ لأَخِيهِ: كَافِرٌ، فَقَدْ بَاءَ بِهِ أَحَدُهُمَا» (٤). * * * [ومثال آخر]: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ، قَالا: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِذَا كَفَّرَ الرَّجُلُ أَخَاهُ فَقَدْ بَاءَ بِهَا أَحَدُهُمَا» (٥). * * * رواه أبو عوانة في "مستخرجه" عن عبد الرحمن بن بشر وهو من شيوخ مسلم، قال: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ بِشْرٍ (٦)، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ (٧)، عَنْ أَيُّوبَ (٨)، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : "مَنْ كَفَّرَ أَخَاهُ فَقَدْ بَاءَ بِهِ أَحَدُهُمَا" (٩). وأيضًا روَى عن محمد بن إسحاق الصَّاغَاني، وهو من شيوخ مسلم، أحاديثَ كثيرةً في مسنده. * * *

стр. 49

(الفائدة الثانية): زيادة الثقة: ما زاد من الألفاظ في رواية بعض الثقات لحديثٍ ما، عما رواه الثقات الآخرون لذلك الحديث، وتقع هذه الزيادة في المتن بزيادة كلمةٍ، أو جملة، أو في الإسناد برفع موقوف، أو وصْلِ مرسَل، ويُعرف هذا بجَمع الطرق للحديث (١). حكمُ زيادة الثقة عندما تأتي في السند (٢): ذهب الجمهور وأكثر أهل الحديث إلى ترجيح رواية الإرسال على الوصل، وترجيح رواية الوقف على الرفع. لكن الراجح الذي عليه المحققون من أئمة هذا الفن هو ترجيح الوصل على الإرسال، والرفع على الوقف، إذا كان راويهما حافظاً متقناً ضابطاً، ولم تكن قرينة أقوى على ترجيح إرساله أو وقفه. قال الخطيب البغدادي (٣): "وهذا القول هو الصحيح عندنا، لأنَّ إرسالَ الراوي للحديث ليس بجرح لمن وصله، ولا تكذيب له، ولعله أيضاً مسند عند الذين رووه مرسلاً أو عند بعضهم، إلا أنهم أرسلوه لغرض أو نسيان، والناسي لا يقضي له على الذاكر، وكذلك حال راوي الخبر إذا أرسله مرة، ووصله أخرى لا يضعف ذلك أيضاً، لأنه قد ينسَى فيُرسله، ثم يذكر بعده فيُسندُه، أو يفعل الأمرين معاً عن قصدٍ منه لغرضٍ له فيه .. ". هذا، وإن مما يصلح مثالاً للزيادة في السند ما ذكرته في الفائدتين ﴿الثالثة عشرة والرابعة عشرة﴾ من وصل المعلقات، ورفع الموقوف ... ولم أشأْ دمج تلك الفائدتين مع الفائدة الثانية ــ هنا ــ لأن كتب المصطلح كفتح المغيث للسخاوي, والنكت على ابن الصلاح قد أفردتْ وصل المعلقات ورفع الموقوف على حدة، ففضّلت ذلك أيضاً , والله أعلم.

стр. 50

أما الزيادة في المتن فقد قال ابن حجر (١): وزيادةُ راويهما، أَيْ: الصحيح والحسن، مقبولةٌ، ما لم تَقَع منافيةً لروايةِ مَنْ هو أوثقُ ممن لم يَذْكر تلك الزيادة؛ لأن الزيادة: ١ - إمّا أن تكون لا تَنافِيَ بينها وبين روايةِ مَن لم يَذْكُرْها، فهذه تُقْبَلُ مطلقاً؛ لأنها في حكم الحديث المستقل الذي ينفرد به الثقة، ولا يرويه عن شيخه غيرُه. ٢ - وإمّا أن تكون منافيةً، بحيث يَلْزم من قبولها ردُّ الرواية الأخرى؛ فهذه التي يقع الترجيح بينها وبين مُعارِضها؛ فَيُقْبَلُ الراجحُ ويُرَدُّ المرجُوحُ. واشتهر عن جمعٍ من العلماء القولُ بقبول الزيادة مطلقاً، من غير تفصيلٍ، ولا يتأتّى ذلك على طريقِ المحدثين الذين يَشترطون في الصحيح أن لا يكون شاذّاً، ثم يُفسِّرون الشذوذَ بمخالفة الثقة مَن هو أوثقُ منه. والعَجَبُ ممن أَغفل ذلك منهم، مع اعترافه باشتراط انتفاءِ الشذوذ في حدّ الحديث الصحيح، وكذا الحسن!. والمنقولُ عن أئمة الحديث المتقدمين: كعبد الرحمن بن مهدي، ويحيى القطانِ، وأحمدَ بنِ حنبل، ويحيى بن معين، وعليّ بن المدِيني، والبُخَارِي، وأبي زُرْعَة، وأبي حاتم، والنسائي، والدارقطني، وغيرهم، اعتبارُ الترجيح فيما يتعلقُ بالزيادة وغيرها، ولا يُعْرَفُ عن أحدٍ منهم إطلاقُ قبولِ الزيادةِ.

стр. 51

وأَعْجَبُ من ذلك إطلاقُ كثيرٍ مِن الشافعية القولَ بقبولِ زيادةِ الثقة، مع أن نَصَّ الشافعي يدل على غير ذلك، فإنه قال -في أثناء كلامه على ما يُعْتَبَرُ به حالُ الراوي في الضبط ما نصه-: ويكونَ إذا شَرِكَ أحداً مِن الحُفَّاظِ لم يخالِفْه، فإنْ خالفه فَوُجِد حديثُه أَنقصَ كان في ذلك دليلٌ على صحة مَخْرَجِ حديثه. ومتى خالف ما وَصفتُ أضَرّ ذلك بحديثه، انتهى كلامه. ومقتضاه أنه إذا خالف فوُجِد حديثُهُ أَزْيَدَ أَضرَّ ذلك بحديثه، فدل على أن زيادة العدل عنده لا يلزم قبولها مطلقاً، وإنما تُقبَلُ من الحفاظ، فإنه اعْتَبَرَ أن يكون حديثُ هذا المخالف أنقصَ مِن حديث مَنْ خَالفه مِنَ الحُفّاظ، وجَعَلَ نقصانَ هذا الراوي مِن الحديث دليلاً على صحته؛ لأنه يدل على تحرّيه، وجَعَلَ ما عدا ذلك مضراً بحديثه، فدخلتْ فيه الزيادة، فلو كانت عنده مقبولةً مطلقاً لم تكن مضِرّةً بحديثِ صاحبها. * * *

стр. 52

فنرى مثل ذلك في "صحيح مسلم": حَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ سَرْحٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُس، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي عُرْوَةُ ابْنُ الزُّبَيْرِ، أَنَّ عَائِشَةَ، زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ أَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا قَالَتْ: كَانَ أَوَّلُ مَا بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنَ الوَحْيِ الرُّؤْيَا الصَّادِقَةَ فِي النَّوْمِ، فَكَانَ لَا يَرَى رُؤْيَا إِلَّا جَاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ، ثُمَّ حُبِّبَ إِلَيْهِ الخَلَاءُ، فَكَانَ يَخْلُو بِغَارِ حِرَاءٍ يَتَحَنَّثُ فِيهِ - وَهُوَ التَّعَبُّدُ - اللَّيَالِيَ أُوْلَاتِ العَدَدِ، قَبْلَ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى أَهْلِهِ، وَيَتَزَوَّدُ لِذَلِكَ، ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى خَدِيجَةَ فَيَتَزَوَّدُ لِمِثْلِهَا، حَتَّى فَجِئَهُ الحَقُّ وَهُوَ فِي غَارِ حِرَاءٍ، فَجَاءَهُ المَلَكُ، فَقَالَ: اقْرَأْ، قَالَ: «مَا أَنَا بِقَارِئٍ»، قَالَ: فَأَخَذَنِي، فَغَطَّنِي حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدَ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي، فَقَالَ: اقْرَأْ، قَالَ: قُلْتُ: «مَا أَنَا بِقَارِئٍ»، قَالَ: فَأَخَذَنِي، فَغَطَّنِي الثَّانِيَةَ حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدَ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي، فَقَالَ: اقْرَأْ، فَقُلْتُ: «مَا أَنَا بِقَارِئٍ»، فَأَخَذَنِي، فَغَطَّنِي الثَّالِثَةَ حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدَ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي، فَقَالَ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: ٢]،

стр. 53

فَرَجَعَ بِهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ تَرْجُفُ بَوَادِرُهُ، حَتَّى دَخَلَ عَلَى خَدِيجَةَ، فَقَالَ: «زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي»، فَزَمَّلُوهُ حَتَّى ذَهَبَ عَنْهُ الرَّوْعُ، ثُمَّ قَالَ لِخَدِيجَةَ: «أَيْ خَدِيجَةُ، مَا لِي» وَأَخْبَرَهَا الْخَبَرَ، قَالَ: «لَقَدْ خَشِيتُ عَلَى نَفْسِي»، قَالَت لَهُ خَدِيجَةُ: كَلَّا أَبْشِرْ، فَوَاللهِ، لَا يُخْزِيكَ اللهُ أَبَدًا، وَاللهِ، إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَصْدُقُ الْحَدِيثَ، وَتَحْمِلُ الْكَلَّ، وَتُكْسِبُ الْمَعْدُومَ، وَتَقْرِي الضَّيْفَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ، فَانْطَلَقَتْ بِهِ خَدِيجَةُ حَتَّى أَتَتْ بِهِ وَرَقَةَ بْنَ نَوْفَلِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى، وَهُوَ ابْنُ عَمِّ خَدِيجَةَ أَخِي أَبِيهَا، وَكَانَ امْرَأً تَنَصَّرَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَكَانَ يَكْتُبُ الْكِتَابَ الْعَرَبِيَّ، وَيَكْتُبُ مِنَ الْإِنْجِيلِ بِالْعَرَبِيَّةِ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَكْتُبَ، وَكَانَ شَيْخًا كَبِيرًا قَدْ عَمِيَ، فَقَالَتْ لَهُ خَدِيجَةُ: أَيْ عَمِّ، اسْمَعْ مِنَ ابْنِ أَخِيكَ، قَالَ وَرَقَةُ بْنُ نَوْفَلٍ: يَا ابْنَ أَخِي، مَاذَا تَرَى؟ فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ خَبَرَ مَا رَآهُ، فَقَالَ لَهُ وَرَقَةُ: هَذَا النَّامُوسُ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَى مُوسَى ﷺ ، يَا لَيْتَنِي فِيهَا جَذَعًا، يَا لَيْتَنِي أَكُونُ حَيًّا حِينَ يُخْرِجُكَ قَوْمُكَ، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «أَوَ مُخْرِجِيَّ هُمْ»؟ قَالَ وَرَقَةُ: نَعَمْ لَمْ يَأْتِ رَجُلٌ قَطُّ بِمَا جِئْتَ بِهِ إِلَّا عُودِيَ، وَإِنْ يُدْرِكْنِي يَوْمُكَ أَنْصُرْكَ نَصْرًا مُؤَزَّرًا (١). * * *

стр. 54

رواه أبو عوانة في مسنده: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى (١) قَالَ: أنبا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ, عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: حَدَّثَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ أَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا قَالَتْ: (كَانَ أَوَّلُ مَا بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ الْوَحْيِ الرُّؤْيَا الصَّادِقَةُ فِي النَّوْمِ، فَكَانَ لَا يَرَى رُؤْيَا إِلَّا جَاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ، ثُمَّ حُبِّبَ إِلَيْهِ الْخَلَاءُ فَكَانَ يَخْلُو بِغَارٍ يَتَحَنَّثُ فِيهِ - وَهُوَ التَّعَبُّدُ - بِاللَّيَالِي أُولَاتِ الْعَدَدِ قَبْلَ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى أَهْلِهِ فَيَتَزَوَّدَ، ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى خَدِيجَةَ فَيَتَزَوَّدُ لِمِثْلِهَا حَتَّى فَجَأَهُ الْحَقُّ وَهُوَ فِي غَارِ حِرَاءَ, فَجَاءَهُ الْمَلَكُ فَقَالَ: اقْرَأْ، فَقَالَ: «مَا أَنَا بِقَارِئٍ»، قَالَ: «فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدَ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَقَالَ: اقْرَأْ، فَقُلْتُ: مَا أَنَا بِقَارِئٍ، قَالَ: فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدَ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَقَالَ: اقْرَأْ، فَقُلْتُ: مَا أَنَا بِقَارِئٍ فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّانِيَةَ, حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدَ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي, فَقَالَ: اقْرَأْ، فَقُلْتُ: مَا أَنَا بِقَارِئٍ، فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّالِثَةَ حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدَ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَقَالَ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: ٢]

стр. 55

فَرَجَعَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تَرْجُفُ بَوَادِرُهُ حَتَّى دَخَلَ عَلَى خَدِيجَةَ، فَقَالَ: «زَمِّلُونِي». فَزَمَّلُوهُ حَتَّى ذَهَبَ عَنْهُ الرَّوْعُ, قَالَ لِخَدِيجَةَ: «أَيْ خَدِيجَةُ, مَا لِي»؟ وَأَخْبَرَهَا الْخَبَرَ، فَقَالَ: «لَقَدْ خَشِيتُ عَلَى نَفْسِي»، فَقَالَتْ لَهُ خَدِيجَةُ: كَلَّا أَبْشِرْ، وَاللَّهِ لَا يَحْزُنُكَ اللَّهُ أَبَدًا، وَاللَّهِ إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَصْدُقُ الْحَدِيثَ، وَتَحْمِلُ الْكَلَّ، وَتَكْسِبُ الْمَعْدُومَ، وَتَقْرِي الضَّيْفَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ، فَانْطَلَقَتْ خَدِيجَةُ حَتَّى أَتَتْ بِهِ وَرَقَةَ بْنَ نَوْفَلِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى وَهُوَ ابْنُ عَمِّ خَدِيجَةَ أَخِي أَبِيهَا، وَكَانَ امْرَءًا تَنَصَّرَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَكَانَ يَكْتُبُ الْكِتَابَ الْعَرَبِيَّ، وَيَكْتُبُ مِنَ الْإِنْجِيلِ بِالْعَرَبِيَّةِ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَكْتُبَ، وَكَانَ شَيْخًا كَبِيرًا قَدْ عَمِيَ، فَقَالَتْ لَهُ خَدِيجَةُ: أَيْ عَمِّ، اسْمَعْ مِنَ ابْنِ أَخِيكَ، فَقَالَ وَرَقَةُ بْنُ نَوْفَلٍ: يَا ابْنَ أَخِي، مَاذَا تَرَى؟ فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَبَرَ مَا رَأَى، فَقَالَ لَهُ وَرَقَةُ: هَذَا النَّامُوسُ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَى مُوسَى، يَا لَيْتَنِي فِيهَا جَذَعًا، يَا لَيْتَنِي أَكُونُ حَيًّا حِينَ يُخْرِجُكَ قَوْمُكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَوَ مُخْرِجِيَّ هُمْ»؟ فَقَالَ وَرَقَةُ: نَعَمْ، لَمْ يَأْتِ رَجُلٌ قَطُّ بِمَا جِئْتَ بِهِ إِلَّا عُودِي، وَإِنْ يُدْرِكْنِي يَوْمُكَ أَنْصُرْكَ نَصْرًا مُؤَزَّرًا، [ثُمَّ لَمْ يَنْشَبْ وَرَقَةُ أَنْ تُوُفِّيَ وَفَتَرَ الْوَحْيُ فَتْرَةً حَتَّى حَزِنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِيمَا بَلَغَنَا، فَغَدَا مِنْ أَهْلِهِ مِرَارًا لِكَيْ يَتَرَدَّى مِنْ رُؤوسِ شَوَاهِقِ جِبَالِ الْحَرَمِ، فَكُلَّمَا أَوْفَى ذِرْوَةَ جَبَلٍ لِكَيْ يُلْقِيَ نَفْسَهُ تَبَدَّى لَهُ جِبْرِيلُ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، إِنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ حَقًّا فَيَسْكُنُ لِذَلِكَ جَأْشُهُ، وَتَقِرُّ نَفْسُهُ وَيَرْجِعُ، فَإِذَا طَالَ عَلَيْهِ فَتْرَةُ الْوَحْيِ غَدَا لِمِثْلِ ذَلِكَ، فَإِذَا أَوْفَى عَلَى ذِرْوَةِ جَبَلٍ تَبَدَّى لَهُ جِبْرِيلُ، فَقَالَ لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ] (١) (٢).

стр. 56

فنرى أن أبا عوانة ذكر زيادة في الحديثِ لم يروها مسلم في "صحيحه" وهي: ثُمَّ لَمْ يَنْشَبْ وَرَقَةُ أَنْ تُوُفِّيَ .. إلى آخر الحديث. ويتضح من الحديث أن ورقة بن نوفل تُوفّيِّ بعد مدةٍ قصيرة من هذه القصة، ولم يتمكن من الدخول في الإسلام، كما بَيَّنَ الحديثُ الحالَ التي كان عليها النبي ﷺ بعد فتور الوحي عنه من الحزن والضيق. * * * وهناك أيضًا ما جاء في مسلم قال: وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، أَخْبَرَنَا قَتَادَةُ، وَثَابِتٌ، وَحُمَيْدٌ، عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ رَجُلاً جَاءَ فَدَخَلَ الصَّفَّ وَقَدْ حَفَزَهُ النَّفَسُ، فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللهِ ﷺ صَلَاتَهُ قَالَ: «أَيُّكُمُ الْمُتَكَلِّمُ بِالْكَلِمَاتِ»؟ فَأَرَمَّ الْقَوْمُ، فَقَالَ: «أَيُّكُمُ الْمُتَكَلِّمُ بِهَا؟ فَإِنَّهُ لَمْ يَقُلْ بَأْسًا». فَقَالَ رَجُلٌ: جِئْتُ وَقَدْ حَفَزَنِي النَّفَسُ فَقُلْتُهَا، فَقَالَ: «قَدْ رَأَيْتُ اثْنَيْ عَشَرَ مَلَكًا يَبْتَدِرُونَهَا، أَيُّهُمْ يَرْفَعُهَا» (١). * * *

стр. 57

وجاءت زيادة عند أبي عوانة في روايته قال: حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ شَاكِرٍ (١) قَالَ: ثَنَا عَفَّانُ قَالَ: ثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ قَالَ: أنبا ثَابِتٌ، وَقَتَادَةُ، وَحُمَيْدٌ، عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ رَجُلاً جَاءَ فَدَخَلَ فِي الصَّفِّ، وَقَدْ حَفَزَهُ النَّفَسُ فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَلَاتَهُ قَالَ: «أَيُّكُمُ الْمُتَكَلِّمُ بِكَلِمَاتٍ»؟ فَأَرَمَّ الْقَوْمُ فَقَالَ: «أَيُّكُمُ الْمُتَكَلِّمُ بِهَا»؟ فَأَرَمَّ الْقَوْمُ، فَقَالَ: «أَيُّكُمُ الْمُتَكَلِّمُ؟ فَإِنَّهُ لَمْ يَقُلْ بَأْسًا» فَقَالَ رَجُلٌ: جِئْتُ وَقَدْ حَفَّزَنِي النَّفْسُ فَقُلْتُهَا، فَقَالَ: «لَقَدْ رَأَيْتُ اثْنَيْ عَشَرَ مَلَكًا يَبْتَدِرُونَهَا أَيُّهُمْ يَرْفَعُهَا». وَزَادَ حُمَيْدٌ: «إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ فَلْيَمْشِ نَحْوَ مَا كَانَ يَمْشِي، فَلْيُصَلِّ مَا أَدْرَكَ وَلْيَقْضِ مَا سَبَقَهُ» (٢). فهذه زيادة في قول الرسول ﷺ بالأمر بالمشي إلى الصلاة بوقار وسكينة لم يروها مسلم إلا في أحاديث في باب غير هذا الباب. * * *

стр. 58

(الفائدة الثالثة): بيانُ أحكامٍ فِقْهِيَّةٍ في الحديث فقد تأتي رِوايةٌ مُختصَرةُ الألفاظِ، فتأتي بقيَّةُ الطُّرُقِ الأُخرى، فتزيدُ فيها مِنَ الأحكامِ الفقهيَّةِ. وفي ذلك أمثلة كثيرة منها: ما أخرجه مسلم: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، وَأَبُو مُعَاوِيَةَ، وَهُشَيْمٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ مُنْذِرِ بْنِ يَعْلَى، - وَيُكْنَى أَبَا يَعْلَى - عَنِ ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ، عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: كُنْتُ رَجُلاً مَذَّاءً وَكُنْتُ أَسْتَحْيِي أَنْ أَسْأَلَ النَّبِيَّ ﷺ لِمَكَانِ ابْنَتِهِ، فَأَمَرْتُ المِقْدَادَ بْنَ الْأَسْوَدِ فَسَأَلَهُ فَقَالَ: «يَغْسِلُ ذَكَرَهُ وَيَتَوَضَّأُ» (١). وعند أبي عوانة: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ سَهْلٍ (٢) قَالَ: ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ (٣)، وَيَزِيدُ بْنُ خَالِدِ بْنِ مُرْشِلٍ (٤) قَالَا: ثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَيَّانَ (٥)، عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ (٦)، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ (٧)، عَنْ عَبِيدَةَ السَّلْمَانِيِّ (٨)، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ: كُنْتُ رَجُلاً مَذَّاءً فَاسْتَحْيَيْتُ أَنْ أَسْأَلَ النَّبِيَّ ﷺ ، فَأَرْسَلْتُ المِقْدَادَ، فَسَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «يَغْسِلُ أُنْثَيَيْهِ وَذَكَرَهُ وَيَتَوَضَّأُ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ» (٩).

стр. 59

فجاءت هنا زيادة «أُنْثَيَيْهِ» (١) في الواجب غسلها. وقد صحح أبو عَوَانة هذه الزيادة في "صحيحه" (٢)، والنووي في "المجموع" (٣)، والحافظ ابن حجر في "التلخيص" (٤). * * *

стр. 60

[مثال آخر] جاء عند مسلم أيضًا: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَا يَبِعْ حَاضِرٌ لِبَادٍ»، وقَالَ زُهَيْرٌ: عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : (أَنَّهُ نَهَى أَنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ) (١). * * * وعند أبي عوانة: حَدَّثَنَا الْمُزَنِيُّ (٢)، عَنِ الشَّافِعِيِّ (٣)، قثنا سُفْيَانَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «لَا يَبِيعُ حَاضِرٌ لِبَادٍ»، وَزَادَ غَيْرُ الزُّهْرِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : «دَعُوا النَّاسَ يَرْزُقِ اللَّهُ بَعْضَهُمْ مِنْ بَعْضٍ» (٤). فجاءت هنا زيادة وهي أمر الرسول بأن يدعوا الناس يجلبون بضاعتهم للبلدة، ولا يتلقوهم، وذلك للمصلحةِ العامة من خوف الاحتكار ورفع الأسعار على أهل البلدة وبخس بضاعة البادي. * * *

стр. 61

وجاء أيضًا في مسلم: حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ، ح وحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «غَطُّوا الْإِنَاءَ، وَأَوْكُوا السِّقَاءَ، وَأَغْلِقُوا الْبَابَ، وَأَطْفِئُوا السِّرَاجَ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَحُلُّ سِقَاءً، وَلَا يَفْتَحُ بَابًا، وَلَا يَكْشِفُ إِنَاءً، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ أَحَدُكُمْ إِلَّا أَنْ يَعْرُضَ عَلَى إِنَائِهِ عُودًا، وَيَذْكُرَ اسْمَ اللهِ، فَلْيَفْعَلْ، فَإِنَّ الْفُوَيْسِقَةَ تُضْرِمُ عَلَى أَهْلِ الْبَيْتِ بَيْتَهُمْ». وَلَمْ يَذْكُرْ قُتَيْبَة فِي حَدِيثِهِ "وَأَغْلِقُوا الْبَابَ (١). * * * وجاءت الرواية عند أبي عوانة: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْأَحْمَسِيُّ (٢)، وَأَبُو دَاوُدَ الْحَرَّانِيُّ (٣)، قَالا: ثَنَا يَعْلَى بْنُ عُبَيْدٍ (٤)، قَالَ: ثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ (٥)، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: (أَمَرَنَا النَّبِيُّ ﷺ ، أَنْ نُغْلِقَ أَبْوَابَنَا، وَنُطْفِئَ سُرُجَنَا، وَنُوكِئَ أَسْقِيَتنَا، وَنُغَطِّيَ آنِيَتَنَا، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَفْتَحُ بَابًا مُغْلَقًا، وَلَا سِقَاءً مُوكَأً، وَلا إِنَاءً مُغَطًّى، وَإِنَّ الْفَأْرَةَ تُضْرِمُ الْبَيْتَ عَلَى أَهْلِهِ بِسِرَاجِهِمْ). فذكر: زَادَ أَبُو دَاوُدَ: (وَنَهَانَا أَنْ نَأْكُلَ بِالشِّمَالِ، وَنَمْشِيَ فِي نَعْلٍ وَاحِدَةٍ، أَوْ يَحْتَبِيَ أَحَدُنَا وَفَرْجُهُ مُفْضِيًا إِلَى السَّمَاءِ، أَوْ نَشْتَمِلَ الصَّمَّاءَ) (٦).

стр. 62

فزاد هذه الأحكام والتوجيهات الوقائية حيث جاء النهي بالأكل بالشمال للتحريم لما جاء في السنة في وجوب الأكل باليمين عن النبي ﷺ : (إذا أكل أحدُكم فليأكُل بيمينه، وإذا شرب فليشرب بيمينه)، وأيضاً في الحديث: (أن النبي ﷺ رأى رجلاً يأكُل بشماله، فقال له: كُلْ بيَمينك، قال: لا أستطيعُ، فقال: لا استطعت! فمَا رفعَها إلى فِيه بعدُ). وفيه إشارة إلى أنه ينبغي اجتنابُ الأفعال التي تُشبهُ أفعالَ الشيطان، وأن للشيطان يدين، وأنه يأكُل ويشرب بشماله. وقيل: إن الرسول ﷺ نهَى أن نمشي في نعل واحدة؛ لأن النعل شُرعتْ وقاية الرِّجل عما يكون في الأرض مِن شَوك أو نحوه، فإذا انفرَدَت إحدى الرِّجْلين احتاج الماشِي أن يَتوقّى لإحدى رِجليه ما لا يَتوقى لأخرى، فيخرُجُ بذلك عن سجِيّة مشيهِ، ولا يأمَن مع ذلك مِن العَثَار. وقيل: لأنه لم يعدل بين جوارحه، وربما نُسِب فاعل ذلك إلى اختلالِ الرأي، أو ضَعْفِهِ، وقيل: للكرَاهة فيه للشُّهرة، فتَمتدُّ الأبصار لمن تَرَى ذلك منه. وجاء النهيُ عن الاحتباء، وهو: أن يقعد على إليتيه، وينصِب ساقيه، ويلف عليه ثوباً. ويقال له: الحبوة، وكانت من شأن العرب (مُفضياً بفَرْجهِ إلى السماء) أي: لم يكن بين فرْجهِ وبين السماء شيءٌ يواريه، فالنهي عن الاحتباء، إنما هو بقيدِ كشفِ الفَرْج، وإلا فهو جائز. وجاء تفسير الصمّاء: أن يحتبي الرجل في ثوب واحد، وليس على فَرْجه منه. قال أهل اللغة: هو أن يُجلل جسدَه بالثوب لا يرفع منه جانباً ولا يَبقى ما يخرج منه يده. قال ابن قتيبة: سُميت صماء؛ لأنه يسُدُّ المنافذَ كلها فتصير كالصخرة الصماء التي ليس فيها خرق. وقال الفقهاء: هو أن يلتحف بالثوب، ثم يرفعه من أحد جانبيه، فيضعه على منكبيه، فيصير فرجه بادياً. قال النووي: فعلى تفسير أهل اللغة يكون مكروهاً لئلا يعرض له حاجة، فيتعسَّر عليه إخراج يده، فيلحقه الضرر، وعلى تفسير الفقهاء يحرُم لأجل انكشاف العَورة * * *

стр. 63

(الفائدة الرابعة): توضيح المقصود من الحديث وشرح غريبه: فمن ناحية توضيح المقصود من الحديث . ما جاء في صحيح مسلم: حَدَّثَنِي عَمْرٌو النَّاقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ ، قَالَ: «مَا أَذِنَ اللهُ لِشَيْءٍ مَا أَذِنَ لِنَبِيٍّ يَتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ» (١). * * * ورواه أبو عوانة: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الْوَاسِطِيُّ (٢)، قَثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ (٣). قَالَ: أنبا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو (٤)، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَا أَذِنَ اللَّهُ لِشَيْءٍ كَأَذَنِهِ لِنَبِيٍّ يَتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ يَجْهَرُ بِهِ» (٥).

стр. 64

حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، قَالَ: قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: قَوْلُهُ: «لَمْ يَتَغَنَّ» التَّغَنِّي وَالِاسْتِغْنَاءُ وَالتَّعَفُّفُ مِنْ مَسْأَلَةِ النَّاسِ، وَاسْتِئْكَالِهِمْ بِالْقُرْآنِ، وَأَنْ يَكُونَ فِي نَفْسِهِ بِحَمْلِهِ الْقُرْآنَ غَنِيًّا، وَإِنْ كَانَ مِنَ الْمَالِ مُعْدَمًا. قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: كَأَذَنِهِ، يَعْنِي: مَا اسْتَمَعَ اللَّهُ لِشَيْءٍ كَاسْتِمَاعِهِ لِنَبِيٍّ، وَكَذَلِكَ قَوْلِهِ: ﴿وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ﴾ [الانشقاق: ٢] قَالَ: اسْتَمَعْتُ يُقَالُ أَذِنْتُ لِلشَّيْءِ أَذِنَ لَهُ أَذِنَا، يَذْهَبُ بِهِ إِلَى الْإِذْنِ مِنَ الِاسْتِئْذَانِ، وَلَيْسَ لِهَذَا وَجْهٌ، وَكَيْفَ يَكُونُ إِذْنُهُ فِي هَذَا أَكْثَرَ مِنْ إِذْنِهِ فِي غَيْرِهِ، وَالَّذِي أَذِنَ لَهُ فِيهِ مِنْ طَاعَتِهِ وَالْإِبْلَاغِ فِيهِ أَكْثَرُ مِنَ الْإِذْنِ فِي قِرَاءَةٍ يَجْهَرُ بِهَا، وَقَوْلُهُ: «يَتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ» عِنْدَنَا تَحْزِينُ الْقِرَاءَةِ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ» فَلَيْسَ مِنْ هَذَا إِنَّمَا هُوَ الِاسْتِغْنَاءُ (١). فذكر أبو عوانة في مسنده قول أبي عُبيد المراد من قوله: «لَمْ يَتَغَنَّ» في الحديث. * * *

стр. 65

وأما مِن ناحية شرح غريب الحديث ففي "صحيح مسلم" حديث: حَدَّثَنِي حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ، حَدَّثَنِي الضَّحَّاكُ بْنُ مَخْلَدٍ، مِنْ رُقْعَةٍ عَارَضَ لِي بِهَا، ثُمَّ قَرَأَهُ عَلَيَّ، قَالَ: أَخْبَرَنَاهُ حَنْظَلَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مِينَاءَ، قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ، يَقُولُ: لَمَّا حُفِرَ الْخَنْدَقُ رَأَيْتُ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ خَمَصًا، فَانْكَفَأْتُ إِلَى امْرَأَتِي، فَقُلْتُ لَهَا: هَلْ عِنْدَكِ شَيْءٌ؟ فَإِنِّي رَأَيْتُ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ خَمَصًا شَدِيدًا، فَأَخْرَجَتْ لِي جِرَابًا فِيهِ صَاعٌ مِنْ شَعِيرٍ وَلَنَا بُهَيْمَةٌ دَاجِنٌ، قَالَ: فَذَبَحْتُهَا وَطَحَنَتْ، فَفَرَغَتْ إِلَى فَرَاغِي، فَقَطَّعْتُهَا فِي بُرْمَتِهَا، ثُمَّ وَلَّيْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَالَتْ: لَا تَفْضَحْنِي بِرَسُولِ اللهِ ﷺ وَمَنْ مَعَهُ، قَالَ: فَجِئْتُهُ فَسَارَرْتُهُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّا قَدْ ذَبَحْنَا بُهَيْمَةً لَنَا، وَطَحَنَتْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ كَانَ عِنْدَنَا، فَتَعَالَ أَنْتَ فِي نَفَرٍ مَعَكَ، فَصَاحَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَقَالَ: «يَا أَهْلَ الْخَنْدَقِ، إِنَّ جَابِرًا قَدْ صَنَعَ لَكُمْ سُورًا فَحَيَّ هَلاً بِكُمْ»، وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لَا تُنْزِلُنَّ بُرْمَتَكُمْ، وَلَا تَخْبِزُنَّ عَجِينَتَكُمْ حَتَّى أَجِيءَ»، فَجِئْتُ وَجَاءَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَقْدَمُ النَّاسَ حَتَّى جِئْتُ امْرَأَتِي، فَقَالَتْ: بِكَ وَبِكَ، فَقُلْتُ: قَدْ فَعَلْتُ الَّذِي قُلْتِ لِي، فَأَخْرَجْتُ لَهُ عَجِينَتَنَا فَبَصَقَ فِيهَا وَبَارَكَ، ثُمَّ عَمَدَ إِلَى بُرْمَتِنَا فَبَصَقَ فِيهَا وَبَارَكَ، ثُمَّ قَالَ: «ادْعِي خَابِزَةً فَلْتَخْبِزْ مَعَكِ، وَاقْدَحِي مِنْ بُرْمَتِكُمْ وَلَا تُنْزِلُوهَا» وَهُمْ أَلْفٌ، فَأُقْسِمُ بِاللهِ لَأَكَلُوا حَتَّى تَرَكُوهُ وَانْحَرَفُوا، وَإِنَّ بُرْمَتَنَا لَتَغِطُّ كَمَا هِيَ، وَإِنَّ عَجِينَتَنَا - أَوْ كَمَا قَالَ الضَّحَّاكُ: - لَتُخْبَزُ كَمَا هُوَ (١).

стр. 66

* * * وفي رواية أبي عوانة: حَدَّثَنَا عَبَّاسُ بْنُ مُحَمَّدٍ الدُّورِيُّ (١)، مَرَّةً مِنْ حِفْظِهِ، قثنا أَبُو عَاصِمٍ النَّبِيلُ (٢) قثنا حَنْظَلَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ، قثنا سَعِيدُ بْنُ مِينَاءَ، قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيَّ، قَالَ: لَمَّا أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِحَفْرِ الْخَنْدَقِ، رَأَيْتُ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ خَمَصًا شَدِيدًا فَانْكَفَأْتُ إِلَى أَهْلِي، فَقُلْتُ: إِنِّي رَأَيْتُ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ خَمَصًا شَدِيدًا فَأَخْرَجَتْ إِلَيَّ امْرَأَتِي مُدًّا مِنْ شَعِيرٍ، فَطَحَنْتُهُ، وَلَنَا بُهَيْمَةٌ دَاجِنٌ، فَذَبَحَتْهَا، وَقَطَّعَتْهَا فِي بُرْمَتِهَا، فَفَرَغَتْ إِلَى فَرَاغِي، فَقُلْتُ: حَتَّى آتِيَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأَدْعُوهُ، فَقَالَتْ: لَا تَفْضَحْنِي بِرَسُولِ اللَّهِ وَمَنْ مَعَهُ، فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَأَخْبَرْتُهُ، فَصَاحَ النَّبِيُّ ﷺ : «يَا أَهْلَ الْخَنْدَقِ، إِنَّ جَابِرًا قَدْ عَمِلَ سُورًا فَهَلُمَّ هَلَّا بِكُمْ»، فَجَاءَ النَّبِيُّ ﷺ فِي أَصْحَابِهِ، فَقَالَ: «يَا جَابِرُ، لَا تَخْبِزُنَّ عَجِينَكُمْ، وَلَا تَطْبُخُنَّ قِدْرَكُمْ حَتَّى أَجِيءَ" فَجِئْتُ إِلَى امْرَأَتِي فَأَخْبَرْتُهَا، فَقَالَتْ: بِكَ وَبِكَ، وَجَاءَ النَّبِيُّ ﷺ فَأَخْرَجْنَا لَهُ عَجِينًا فَبَصَقَ فِيهِ، وَبَارَكَ، وَأَخْرَجْنَا لَهُ قِدْرَنَا فَبَصَقَ فِيهَا وَبَارَكَ، ثُمَّ قَالَ لِامْرَأَتِي: «هَلُمِّي خَابِزَةً تَخْبِزُ مَعَكِ»، قَالَ: ثُمَّ قَالَ: «يَا جَابِرُ أَدْخِلْ عَلَيَّ عَشْرَةً عَشْرَةً»، فَجَعَلْنَا نَقْدَحُ لَهُمْ مِنْ قِدْرِنَا فَيَأْكُلُونَ، ثُمَّ يَدْخُلُ عَشْرَةً حَتَّى أَكَلُوا جَمِيعًا وَهُمْ أَرْبَعُمِائَةٍ، فَأُقْسِمُ بِاللَّهِ لَقَدْ أَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا وَإِنَّ قِدْرَنَا لَتَغِطُّ كَمَا هِيَ وَإِنَّ عَجِينَتَنَا لَتُخْبَزُ كَمَا هِيَ. قَالَ أَبُو عَوَانَةَ: قَالَ لِي الْعَبَّاسُ: جَاءَنِي أَبُو الدَّرْدَاءِ الْمَرْوَزِيُّ فَقَالَ: أُحِبُّ أَنْ تُمْلِيَهُ عَلَيَّ فَأَمْلَيْتُهُ عَلَيْهِ، قَالَ: وَقَالَ لِي يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ: تَكَلَّمَ النَّبِيُّ ﷺ بِالْفَارِسِيَّةِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ، فَقَالَ: «قُومُوا فَإِنَّ جَابِرًا صَنَعَ سُورًا» (٣). فبين ﵀ أن لفظة سورًا هي لفظة (فارسية) معناها: طعامًا يدعو الناس إليه، وهي لفظة غريبة وردَت في الحديث. * * *

стр. 67

(الفائدة الخامسة): تقوية الحديث بكثرة طرقه: وهو إذا وجد حديثان متعارضان ولم يمكن الجمع بينهما نلجأ إلى الترجيح, ووجوه الترجيح كثيرة ذكرها الحازمي في كتابه " الاعتبار ... " ومنها كثرة الطرق، وهي مؤثرة في باب الرواية، لأنها تقرب مما يوجب العلم، وهو التواتر. (١) مثال ذلك ما رواه مسلم: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَابْنُ نُمَيْرٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ زِيَادِ بْنِ عِلَاقَةَ، سَمِعَ جَرِيرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ، يَقُولُ: (بَايَعْتُ النَّبِيَّ ﷺ عَلَى النُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ) (٢). * * * وعند أبي عوانة: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ سَيَّارٍ (٣)، قَالَ: ثنا عُبَيْدُ اللَّهِ (٤) قَالَ: أنبا سُفْيَانُ، عَنْ زِيَادِ بْنِ عِلاقَةَ قَالَ: سَمِعْتُ جَرِيرًا يُحَدِّثُ حِينَ مَاتَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ خَطَبَ النَّاسَ فَقَالَ: أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ وَالسَّكِينَةِ وَالْوَقَارِ (فَإِنِّي بَايَعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِيَدِي هَذِهِ عَلَى الْإِسْلَامِ، وَاشْتَرَطَ عَلَيَّ النُّصْحَ لِكُلِّ مُسْلِمٍ). فَوَرَبِّ الْكَعْبَةِ إِنِّي لَكُمْ نَاصِحٌ أَجْمَعِينَ. وَاسْتَغْفَرَ وَنَزَلَ (٥).

стр. 68

أبو عَوَانة في هذا الحديث لم يلتق فيه بمسلم في شيخه، ولا في شيخ شيخه ابن عُيينة، إنما في شيخ ابن عُيينة، ومن الفوائد في الإسناد أن مسلماً روى هذا الحديث من حديث سفيان بن عيينة، ورواه أبو عَوانة من رواية سفيان الثوري متابعةً لابن عُيينة، كلاهما عن زياد، وذلك يعني زيادة طرق للحديث. أما المتن فإنّ مسلمًا لم يروِ هذا الحديث بهذا التمام، وجاء عند أبي عوانة زيادة في الحديث من أن الحديث قيل بعد وفاة المغيرة بن شعبة عندما كان والياً على الكوفة، وأنه قام خطيبًا بالناس، ودعَاهم إلى تقوى اللهِ والتزام السَّكينة والوقار حتى لا يكون فوضى ولغط, وذكر أنه بايع النبي ﷺ وشرط عليه النصيحة للمسلمين. * * *

стр. 69

ومن ذلك أيضًا حديث أصحاب الغار في "صحيح مسلم". قال مسلم في "صحيحه": حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الْمُسَيِّبِيُّ، حَدَّثَنِي أَنَسٌ يَعْنِي ابْنَ عِيَاضٍ أَبَا ضَمْرَةَ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «بَيْنَمَا ثَلَاثَةُ نَفَرٍ يَتَمَشَّوْنَ أَخَذَهُمُ الْمَطَرُ، فَأَوَوْا إِلَى غَارٍ فِي جَبَلٍ، فَانْحَطَّتْ عَلَى فَمِ غَارِهِمْ صَخْرَةٌ مِنَ الْجَبَلِ، فَانْطَبَقَتْ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: انْظُرُوا أَعْمَالاً عَمِلْتُمُوهَا صَالِحَةً لِلَّهِ، فَادْعُوا اللهَ تَعَالَى بِهَا، لَعَلَّ اللهَ يَفْرُجُهَا عَنْكُمْ، فَقَالَ أَحَدُهُمْ: اللهُمَّ إِنَّهُ كَانَ لِي وَالِدَانِ شَيْخَانِ كَبِيرَانِ، وَامْرَأَتِي، وَلِي صِبْيَةٌ صِغَارٌ أَرْعَى عَلَيْهِمْ، فَإِذَا أَرَحْتُ عَلَيْهِمْ، حَلَبْتُ، فَبَدَأْتُ بِوَالِدَيَّ، فَسَقَيْتُهُمَا قَبْلَ بَنِيَّ، وَأَنَّهُ نَأَى بِي ذَاتَ يَوْمٍ الشَّجَرُ، فَلَمْ آتِ حَتَّى أَمْسَيْتُ، فَوَجَدْتُهُمَا قَدْ نَامَا، فَحَلَبْتُ كَمَا كُنْتُ أَحْلُبُ، فَجِئْتُ بِالْحِلَابِ، فَقُمْتُ عِنْدَ رُءُوسِهِمَا أَكْرَهُ أَنْ أُوقِظَهُمَا مِنْ نَوْمِهِمَا، وَأَكْرَهُ أَنْ أَسْقِيَ الصِّبْيَةَ قَبْلَهُمَا، وَالصِّبْيَةُ يَتَضَاغَوْنَ عِنْدَ قَدَمَيَّ، فَلَمْ يَزَلْ ذَلِكَ دَأْبِي وَدَأْبَهُمْ حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ، فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ، فَافْرُجْ لَنَا مِنْهَا فُرْجَةً، نَرَى مِنْهَا السَّمَاءَ، فَفَرَجَ اللهُ مِنْهَا فُرْجَةً، فَرَأَوْا مِنْهَا السَّمَاءَ، وَقَالَ الْآخَرُ: اللهُمَّ إِنَّهُ كَانَتْ لِيَ ابْنَةُ عَمٍّ أَحْبَبْتُهَا كَأَشَدِّ مَا يُحِبُّ الرِّجَالُ النِّسَاءَ، وَطَلَبْتُ إِلَيْهَا نَفْسَهَا، فَأَبَتْ حَتَّى آتِيَهَا بِمِائَةِ دِينَارٍ، فَتَعِبْتُ حَتَّى جَمَعْتُ مِائَةَ دِينَارٍ، فَجِئْتُهَا بِهَا، فَلَمَّا وَقَعْتُ بَيْنَ رِجْلَيْهَا، قَالَتْ: يَا عَبْدَ اللهِ اتَّقِ اللهَ، وَلَا تَفْتَحِ الْخَاتَمَ إِلَّا بِحَقِّهِ، فَقُمْتُ عَنْهَا، فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ، فَافْرُجْ لَنَا مِنْهَا فُرْجَةً، فَفَرَجَ لَهُمْ، وَقَالَ الْآخَرُ: اللهُمَّ إِنِّي كُنْتُ اسْتَأْجَرْتُ أَجِيرًا بِفَرَقِ أَرُزٍّ، فَلَمَّا قَضَى عَمَلَهُ قَالَ: أَعْطِنِي حَقِّي، فَعَرَضْتُ عَلَيْهِ فَرَقَهُ فَرَغِبَ عَنْهُ، فَلَمْ أَزَلْ أَزْرَعُهُ حَتَّى جَمَعْتُ مِنْهُ بَقَرًا وَرِعَاءَهَا، فَجَاءَنِي فَقَالَ: اتَّقِ اللهَ وَلَا تَظْلِمْنِي حَقِّي، قُلْتُ: اذْهَبْ إِلَى تِلْكَ الْبَقَرِ وَرِعَائِهَا، فَخُذْهَا فَقَالَ: اتَّقِ اللهَ وَلَا تَسْتَهْزِئْ بِي. فَقُلْتُ: إِنِّي لَا أَسْتَهْزِئُ بِكَ، خُذْ ذَلِكَ الْبَقَرَ وَرِعَاءَهَا، فَأَخَذَهُ فَذَهَبَ بِهِ، فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ، فَافْرُجْ لَنَا مَا بَقِيَ، فَفَرَجَ اللهُ مَا بَقِيَ» (١). * * *

стр. 70

وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ (١)، قَالا: أَخْبَرَنَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، ح وحَدَّثَنِي سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ (٢)، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، ح وحَدَّثَنِي أَبُو كُرَيْبٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ طَرِيفٍ الْبَجَلِيُّ (٣)، قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ، حَدَّثَنَا ... أَبِي، وَرَقَبَةُ بْنُ مَسْقَلَةَ، ح وحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَحَسَنٌ الْحُلْوَانِيُّ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ يَعْنُونَ ابْنَ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، كُلُّهُمْ عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمَعْنَى حَدِيثِ أَبِي ضَمْرَةَ، عَنْ مُوسَى ابْنِ عُقْبَةَ وَزَادُوا فِي حَدِيثِهِم: «وَخَرَجُوا يَمْشُونَ»، وَفِي حَدِيثِ صَالِحٍ «يَتَمَاشَوْنَ» إِلَّا عُبَيْدَ اللهِ فَإِنَّ فِي حَدِيثِهِ: «وَخَرَجُوا» وَلَمْ يَذْكُرْ بَعْدَهَا شَيْئًا (٤). * * *

стр. 71

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَهْلٍ التَّمِيمِيُّ، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ بِهْرَامَ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ - قَالَ ابْنُ سَهْلٍ: حَدَّثَنَا، وقَالَ الْآخَرَانِ: أَخْبَرَنَا - أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَخْبَرَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، يَقُولُ: «انْطَلَقَ ثَلَاثَةُ رَهْطٍ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، حَتَّى آوَاهُمُ الْمَبِيتُ إِلَى غَارٍ» وَاقْتَصَّ الْحَدِيثَ بِمَعْنَى حَدِيثِ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ مِنْهُمْ: «اللهُمَّ كَانَ لِي أَبَوَانِ شَيْخَانِ كَبِيرَانِ، فَكُنْتُ لَا أَغْبِقُ قَبْلَهُمَا أَهْلاً وَلَا مَالاً»، وَقَالَ: «فَامْتَنَعَتْ مِنِّي حَتَّى أَلَمَّتْ بِهَا سَنَةٌ مِنَ السِّنِينَ، فَجَاءَتْنِي فَأَعْطَيْتُهَا عِشْرِينَ وَمِائَةَ دِينَارٍ» وَقَالَ: «فَثَمَّرْتُ أَجْرَهُ حَتَّى كَثُرَتْ مِنْهُ الْأَمْوَالُ، فَارْتَعَجَتْ». وَقَالَ: «فَخَرَجُوا مِنَ الْغَارِ يَمْشُونَ» (١). فهذه القصة رواها أبو عوانة من طريق ثلاثين من شيوخه عن عدد من الصحابة، هم عبدالله بن عمر بن الخطاب وأنس بن مالك وأم المؤمنين عائشة والنعمان بن بشير وعلي بن أبي طالب وأبي هريرة وعقبة بن عامر. قال ابن حجر عنه في "فتح الباري" (٢): جمع أبو عوانة طرق هذا الحديث.

стр. 72

وقد أوردت حديثاً واحداً لكل صحابي اختصاراً للمسألة، ففي مسند أبي عوانة: قال أبو عوانة: حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ مُسْلِمٍ (١)، قثناحَجَّاجٌ (٢)، قَالَ: أنبا ابْنُ جُرَيْجٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «بَيْنَا نَفَرٌ ثَلَاثَةٌ يَمْشُونَ أَخَذَهُمْ مَطَرٌ، فَأَوَوْا إِلَى غَارٍ فِي جَبَلٍ، فَانْحَطَّتْ عَلَى غَارِهِمْ صَخْرَةٌ مِنَ الْجَبَلِ، فَأَطْبَقَتْ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: انْظُرُوا أَعْمَالاً عَمِلْتُمُوهَا صَالِحَةً، فَادْعُوا اللَّهَ بِهَا لَعَلَّهُ يُفَرِّجُهَا، فَقَالَ أَحَدُهُمْ: اللَّهُمَّ إِنَّهُ كَانَ لِي وَالِدِانِ شَيْخَانِ كَبِيرَانِ، وَامْرَأَتِي وَصِبْيَةٌ صِغَارٌ فَكُنْتُ أَرْعَى عَلَيْهِمْ، فَإِذَا رُحْتُ عَلَيْهِمْ حَلَبْتُ، فَبَدَأْتُ بِوَالِدَيَّ أَسْقِيهِمَا قَبْلَ صِبْيَتِي وَأَهِلِّي، وَإِنِّي أُحْتُبِسْتُ يَوْمًا فَلَمْ آتِ حَتَّى أَمْسَيْتُ، فَوَجَدْتُهُمَا قَدْ نَامَا، فَحَلَبْتُ كَمَا كُنْتُ أَحْلُبُ، وَجِئْتُ بِالْحِلَابِ، فَقُمْتُ عِنْدَ رُءُوسِهِمَا أَكْرَهُ أَنْ أُوقِظَهُمَا مِنْ نَوْمِهِمَا، وَأَكْرَهُ أَنْ أَبْدَأَ بِالصِّبْيَةِ قَبْلَهُمَا وَالصِّبْيَةُ يَتَضَاغَوْنَ عِنْدَ رِجْلَيَّ، فَلَمْ يَزَلْ ذَلِكَ دَأْبِي، وَدَأْبَهُمْ، حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ، فَأَنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ، فَافْرُجْ لَنَا فُرْجَةً نَرَى مِنْهَا السَّمَاءَ، فَفَرَجَ اللَّهُ مِنْهَا فُرْجَةً فَرَأَوُا السَّمَاءَ،

стр. 73

وَقَالَ الْآخَرُ: اللَّهُمَّ إِنَّهُ كَانَتْ لِي بِنْتُ عَمٍّ أَحْبَبْتُهَا كَأَشَدِّ مَا يُحِبُّ الرَّجُلُ النِّسَاءَ، فَطَلَبْتُ إِلَيْهَا نَفْسَهَا، فَأَبَتْ حَتَّى آتِيَهَا بِمِائَةِ دِينَارٍ، فَسَعَيْتُ فِيهَا، حَتَّى جَمَعْتُ مِائَةَ دِينَارٍ، فَجِئْتُهَا بِهَا فَلَمَّا قَعَدْتُ بَيْنَ رِجْلَيْهَا، قَالَتْ: يَا عَبْدَ اللَّهِ اتَّقِ اللَّهَ، وَلَا تَفُضَّ الْخَاتَمَ إِلَّا بِحَقِّهِ، فَقُمْتُ عَنْهَا فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ، فَافْرُجْ لَنَا مِنْهَا فَفَرَجَ اللَّهُ لَهُمْ فُرْجَةً، وَقَالَ الْآخَرُ: اللَّهُمَّ إِنِّي كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي كُنْتُ اسْتَأْجَرْتُ أَجِيرًا بِفَرَقِ رُزٍّ فَلَمَّا قَضَى عَمَلَهُ، قَالَ: أَعْطِنِي حَقِّي فَعَرَضْتُ عَلَيْهِ فَرَقَهُ، فَتَرَكَ وَرَغِبَ عَنْهُ فَلَمْ أَزَلْ أَزْرَعُهُ حَتَّى جَمَعْتُ مِنْهُ بَقَرًا وَرَاعِيَهَا، ثُمَّ جَاءَنِي، فَقَالَ: يَا عَبْدَ اللَّهِ لَا تَظْلِمْنِي وَأَعْطِنِي حَقِّي، فَقُلْتُ: اذْهَبْ إِلَى تِلْكَ الْبَقَرِ وَرَاعِيهَا، قَالَ: اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تَهْزَأْ بِي، فَقُلْتُ لَهُ: إِنِّي لَا أَهْزَأُ بِكَ خُذْ تِلْكَ الْبَقَرَ وَرَاعِيَهَا فَأَخَذَهَا، فَقَالَ: أَتَهْزَأُ بِي فَقُلْتُ: اذْهَبْ فَخُذْهَا فَذَهَبَ بِهَا، فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ, فَافْرُجْ لَنَا فَفَرَجَ اللَّهُ عَنْهُمْ») (١).

стр. 74

وأما الحديث المروي عن أنس فقد قال أبو عوانة: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَوْفٍ الْحِمْصِيُّ (١)، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ الْهَيْثَمِ الْبَلَدِيُّ (٢) قثنا الْهَيْثَمُ ابْنُ جَمِيلٍ (٣)، قثنا مُبَارَكُ بْنُ فَضَالَةَ (٤)، عَنِ الْحَسَنِ (٥)، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : "أَنَّ ثَلَاثَةَ نَفَرٍ أَوَوْا إِلَى غَارٍ فَانْطَبَقَ الْغَارُ» وَذَكَرَ الْحَدِيثَ (٦).

стр. 75

(الفائدة السادسة):الزيادةُ في قَدْرِ الصَّحيح: وذلكَ لِمَا يقعُ مِن ألفاظٍ زائِدَةٍ، وتَتِمَّاتٍ في بعضِ الأحاديثِ والحديث المروي عن أمِّ المؤمنين عائشة بنت أبي بكر ﵄ قال أبو عوانة: حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ مُسلمٍ (١)، وَعَبْدَانُ الْمَرْوَزِيُّ (٢)،قَالا: ثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ (٣) قثنا مْرُو بْنُ وَاقِدٍ (٤)، قثنا عُمَرُ بْنُ يَزِيدَ [الْنصْرِيُّ] (٥)، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ (٦)، عَنْ عَائِشَةَ (٧)، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : (أَنَّ ثَلَاثَةَ نَفَرٍ دَخَلُوا إِلَى غَارٍ، فَطُبِقَ الْجَبَلُ) وَذَكَرَ الْحَدِيثَ (٨).
следующие страницы →