Полный текст (77 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
اللهمَّ يسرْ وأعنْ يا كريمُ
مقدمة المؤلف
قال الشيخ الإمام ناصح الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن نجم بن عبد الوهاب الأنصاري ابن الحنبلي، الحمد لله الحاوي كتابه أنواع العلوم، الدالَّ أمره على الموجود والمعدوم، المشرِّفُ خطابه لذوي العقول والحلوم، الضارب الأمثال لأرباب الألباب والفهوم، القاضي بالحق والفاصل بين الظالم والمظلوم يوم اجتماع الخصوم، مبرم الأمور بقضاءٍ محتومٍ، منزل الماءَ بقدرٍ معلومٍ، ومعلم الإنسان البيان في الأمر المظنون والحكم المجزوم، شارع السبيل المأمون من الكتاب المصون على لسان النبي المعصوم، أحمده حمداً غير منقوص ولا مهضوم، وأؤمنُ به إيماناً غير مظنونٍ ولا موهومٍ، وأشهد أن لاَّ إله إلا اللهُ وحده لا شريك له شهادةً تقي حر
стр. 2
نار السموم، وتفي تكفير ذنب المأثوم، وأشهدُ أن محمداً عبدهُ ورسولُه الحاكم بشرعه على كل حاكم من البرية ومحكوم، المفضل جمعه على كل مفردٍ من الخلق وملموم، صلى اللهُ عليهِ وعلى آله وأصحابه الذين لا تحصى فضائلهم بمنثورٍ ولا منظومٍ، ولا تُجهلُ مآثرهم إلى يوم الوقت المعلوم.
" وبعد " فإن الفقهاءَ ﵃ أرباب النظر والمحرزين أدلة العبر، قد ألَّفُوا في مذاهب الجدال ما يتضمن تحرير الاستدلال وتقرير الجواب والسؤال ألاَّ أن الأمر الاصطلاحي منقوض بمثله وربما نُسِخَ اصطلاحاً اصطلاح بوعره عند قومٍ أو بسهله، والمذهب الذي يرسخ ولا ينسخُ ويعلو فرعه ويشمخ ما كان مجناه من حبات القلوب، وسُقْيَاهُ من الشراب الطهور المنقى من العيوب، الكاشف لأسرار الغيوب (لا يَأْتِيهِ الباطِلُ مِنْ بَيْنِ
стр. 3
يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ تنزيلٌ مِنْ حَكيمٍ حَميد) . وقد استخرت الله تعالى في استنباط طريقٍ من طرقه، وإسكان بعض القاصدين لهذا الفن غرفةً من غرفهِ، وهذا الكتاب يشتمل على ثمانية أبواب، لكل بابٍ فضل في فصل الخطاب، ولكنه وقف على ذوي الحلوم والألباب، ومشارع هذه الأبواب من الكتاب المعصوم من الزلل والارتياب.
"
الباب الأول ": في ذكر الجدل في الكتاب العزيز والممدوح منه والمذموم.
" الباب الثاني ": أول من سن الجدال.
" الباب الثالث ": جدال الأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه للأمم.
" الباب الرابع ": ذكر الأدلة وأنواعها على وجود الصانع سبحانه.
" الباب الخامس ": ذكر الأدلة على أنه واحدٌ.
" الباب السادس ": ذكر أدلة البعث.
"
стр. 4
الباب السابع ": ذكر الأدلة على رسالة محمد ﷺ من القرآن العزيز.
" الباب الثامن ": في السؤال والجواب ونكتٍ من الجدال فهذه ثمانية أبوابٍ، وعلى توفيق الله الإحالة بالصواب.
стр. 5
الباب الأول
في ذكر الجدل والحُجَّة
اعلم أن الله سبحانه ذكر لفظة الجدل وما تصرف منها في كتابه العزيز في تسعة وعشرين موضعاً - ولفظه الحجة وما تصرف منها في سبعة وعشرين موضعاً ولفظة السلطان أيضاً في ثلاثةٍ وثلاثين موضعاً الجميع المراد به الحجةُ سوى
стр. 6
موضعٍ واحدٍ في الحاقة: (هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانْيَةْ) وقيل: المراد به الحجة، فأما الجدل فهو مذمومٌ في كل موضعٍ ذكر إلا في ثلاثة مواضع: " أحدها ": في النحلِ: (ادعُ إلى سبيلِ ربٍّكَ بالحكمةِ والموعظةِ الحسنةِ وجادِلْهم بالتي هَي أحسن) . "
стр. 7
الموضعُ الثاني ": في العنكبوتِ: (ولا تُجادِلُوا أهلَ الكتابِ إلاَّ بالتي هَي أحسنُ) . " الموضعُ الثالث " ُ: في المجادلةِ: (قَدْ سمِعَ اللهُ قولَ الّتي تجادلكَ في زَوْجِها) ، وهذه المرأةُ هي خولةُ بنتُ ثعلبةَ الأنصارية، كانت تحتَ زوجِها أوسِ بنِ الصامتِ والقصةُ مشهورةُ. فأما قوله سبحانه: (وَجَادِلْهُمْ بالتي هيَ أحسنُ) فيحتمل أن يكون المرادُ بالأحسن الأظهر من الأدلة. ويحتمل
стр. 8
التعجيز عن الإتيان بمثل القرآن، لأنه أحسن الأدلة نظاماً وبياناً وأكملها حسناً وإحساناً وأرجحها من الثواب ميزاناً وأوضحها على اختلاف مدلولاتها كشفاً وبرهاناً. ويحتمل الإصغاءُ إلى شُبههم والرفق بهم في حلها ودحضها. ويحتمل بترك الغلظة عليهم في حال جدالهم لتكون عليهم الحجة أظهر والجحد منهم أنكد وهي سنة الأنبياءِ ﵈، مع الأمم عند الدعوة. والمجادلة من ذلك لما قالوا لمحمدٍ (مجنونٌ. قال:) وَمَا مَسَّنِي السُّوءُ (، أي: جنونٌ من غير أن يقابلهم على ذلك بقولٍ خشنٍ مع
стр. 9
النخوة العربية والعزة الهاشمية. وقالوا لنوح ﵇:) إنْ هُوَ إلا رَجُلٌ بهِ جِنَّةٌ ... قالَ رَبِّ انصُرْني بما كذَّبُون (، وقالوا له:) إنَّا لنراكَ في ضَلاَلٍ مُبينٍ قالَ يا قومِ ليسَ بي ضَلالةٌ ولكنِّي رسولٌ مِنْ رَبِّ العالمين (. وقالوا لصالح:) إنْ هُوَ إلاَّ رَجُلٌ افْتَرَى على اللهِ كذباً ... قالَ رَبِّ انصُرْني بما كذَّبون (، وقالوا لهودٍ:) إنَّا لنراكَ في سَفَاهةٍ وإنَا لنظُنُّكَ مِنَ الكَاذِبينَ. قالَ يا قومِ ليس بي سَفَاهَةٌ ولكنِّي رُسولٌ مِنْ رَبِّ العالمينَ (فلو قابلهم الأنبياءُ بغلظةٍ لنفرت طباعهم وانصرفت عقولهم عن التسديد لما قالوا والتدبر لما جاؤوا به من البينات، فلم تتضح لهم المحجة، ولم تقم عليهم الحجة،
стр. 10
وشاهدُ هذه الحالة قوله تعالى:) وإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللهَ أَخَذَتْهُ العِزَّةُ بالإثمِ) .
стр. 11
الباب الثاني
في أول من سن الجدَال
أول من سن الجدال الملائكة صلوات الله عليهم حيث قالوا: (أَتْجَعلُ فيها مَنْ يُفْسِدُ فيها وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ ونحنُ نُسَبِّحُ بحمدِكَ ونُقَدِّسُ لكَ قالَ إني أعْلَمُ ما لا تعلمونَ) . وهذا منهم استدلال بالترجيح والأولوية، أي: من سبح وقدس لك هو أولى بالإيجاد والجعل فيها ممن يفسد فيها ويسفك الدماء، وكان جواب الله لهم الترجيح أيضاً من جهةٍ أُخرى ولهذا لم يرد عليهم قولهم، إذ قد علم سبحانه أن الذي ظنوه فيهم ووصفوهم به كائن بل عدل الله سبحانه إلى أمر مجملٍ فقال: (إنِّي أَعْلَمُ ما لاَ تَعْلَمُونَ) من ترتيب خلقي وتدبير صنعي المحوط بالحكمة
стр. 12
الدال على القدرة فإني خلقت الملائكة من نورٍ لا ظلمة فيه، فكان منهم الخير المحض بإرادتي، وخلقت الشياطين من ظلمة نار السموم وهو المارج، فكان منهم الشر المحض بإرادتي، وخلقت آدم وذريته من نور وظلمةٍ، فكان منهم الخير والشر بإرادتي، ووضعت فيهم عقلاً يرشد إلى المصالح،
стр. 13
ونفساً ميالةً إلى الهوى المُردي، وأمددت الفريقين بجندينِ يسوقان العقل والنفس إلى ما سبق من التقدير الناشئ عن علم التدبير، وكان حكمي في هذين الفريقين أَنَّ من غلب عقله على هواه فهو من الناجين، ومن غلب هواه على عقله فهو من الهالكين وهذا ما اشتمل عليه قوله تعالى: (إنِّي أعْلَمُ ما لا تعلَمُونَ) . ومما اشتمل عليه (إنِّي أعْلَمُ ما لا تعلَمُونَ) أن اختلاف الصنائع أول دليلٍ على قدرة الصانع، ومما اشتمل عليه (إنِّي أعْلَمُ ما لا تعلَمُونَ) أني ركبتُ فيهمْ منَ الشهوةِ ما لو ركَّبته فيكم لفعلتمُ فِعلهم أو لم تطيقوا صَبْرهم على أنهم قد أحبوني محبةً بذلوا فيها أبدانهم للتمزيق، ودماءهم للإراقةِ، وأرواحهم للذهاب، ومنهم الصابرونَ على أنواع المكارهِ، والصائمونَ في الهواجرِ، والعابدونَ على ضعف القوى، والناهون نفوسهم مع قوةِ الهوى، ويرونَ ذلكَ المرّ حلواً في رضائي، وتسليماً لقضائي وقدري، يسابقُ كلُّ وليٍّ منْهم بالعبادةِ أجلهُ، يؤتونَ ما أُتوا وقلوبهم وَجِلةُ، فظهرت حكمة الله في خلقهم، ورجحت حجة الله سبحانه على الملائكة في قدحهم.
стр. 14
فأما إبليس فهو أول من اظهر الخلاف وركب العناد وسار به في البلاد. والفرق بينه وبين الملائكة أن الملائكة لم يظهر منهم خلاف ولا عصيان، بل طلبوا بسؤَالهم الإيضاح والبيان. وإبليس أفتى ودلَّ في مسألته فانقطع في مجادلته وخسر في كَرَّته وبيان فساد تعليله، وإزاغته عن الصواب في تأويله. أنه قال: (خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ) ومعناه: أن النار جوهرٌ لطيفٌ شفافٌ له قوة الإشراق وسلطان الإحراق، والطين جسمٌ مظلمٌ كثيفٌ، ليس باللطيف ولا الخفيف. والسجود خدمة يتضمن تعظيم المسجود له والأَوْلى بها الأعلى منهما، هذا منتهى كلامه ومضمون قوله وهو مردودٌ عليه من وجوه: " منها ": أنه عارض النص بالقياس وهو فساد في الاعتبار وعدم استبصار؛ لأن العمل بالنص مقدم على القياس؛ لأن سهام القياس تصيب مرة وتخطئ أُخرى. وكلام المعصوم المنزه عن الغلط والزلل لا يخطىُْ. " ومنها ": أن الماء والتراب والهواء والنار أصول الأجسام وموادُّ المركبات. فلا يقوم جسم إلاَّ باجتماعها، وإذا كانت متكافئة في
стр. 15
التأثير فاختصاص أحدها بالأفضلية لا دليل عليه. " ومنها ": أن الطين اشتمل على أصلين من الأصول الأربعة وهما: الماء والتراب، فكيف يكون اصل واحدٍ منهما خيراً من أصلين متكافئين. وعلى تقدير تسليم التفاضل فالماء افضل؛ لأن سلطانه يقهر سلطان النار إذا التقيا. " ومنها ": على تقدير صحة قياسه فالترجيح للسجود من وجهين: " أحدهما ": أن مصلحة امتثال الأمر راجحةٌ على الامتناع؛ لأن امتثال الأمر آمن من العقاب المرتب على المخالفة. " الوجه الثاني ": أن الامتناع من السجود بهذا التعليل المذكور من جهته يلزم منه تخطئة الأمر إلى وضع الشيء في غير موضعه، وذلك في غاية الجناية على الإله الحكيم. وقد قال بعض المتكلمين: إن كل شبهةٍ وقعت في الملل فأصلها من شبهتي إبليس. قال المصنف: بل هي شبهةٌ واحدةٌ مطردةٌ في كل مذهب فاسدٍ وقد ذكرنا ذلك في كتاب البروق.
стр. 16
وأما الحجة فهي عبارة عن دليل الدعوى وقد تطلق على الشبهة أيضاً؛ لأنها مستند المخالفة. قال الله تعالى: (حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهْم) ، وقال تعالى:) لِئَلاَّ يُكونَ
لِلنَّاسِ عَلَى الله حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ (، وقوله تعالى:) فللَّهِ الحجةُ البالغةُ (أي الدليل القاطع الذي لا يعارضه معارض، وذلك قوله تعالى:) وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتيناهَا إبراهيمَ عَلَى قومِهِ (، وقد قيل في قوله تعالى إخباراً عن إبليس) ومَا كانَ لي عليكُم مِنْ سُلْطَانٍ (أي حجةٍ وإنما غرهم بالشبهةِ فالحجة حقيقةٌ في الدليل مجازٌ في الشبهةِ. َّاسِ عَلَى الله حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ) ، وقوله تعالى: (فللَّهِ الحجةُ البالغةُ) أي الدليل القاطع الذي لا يعارضه معارض، وذلك قوله تعالى: (وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتيناهَا إبراهيمَ عَلَى قومِهِ) ، وقد قيل في قوله تعالى إخباراً عن إبليس (ومَا كانَ لي عليكُم مِنْ سُلْطَانٍ) أي حجةٍ وإنما غرهم بالشبهةِ فالحجة حقيقةٌ في الدليل مجازٌ في الشبهةِ.
стр. 17
الباب الثالث
في جدال الأنبياء ﵈ للأمم
في جدال الأنبياء عليهم الصلاة والسلام للأمم أولهم: جدال نوح ﵇: قال: (استغفِرُوا رَبِّكُم إنَّه كانَ غفاراً. يرسلِ السماءَ عليكُم مدراراً. ويمددكم بأموال وبنينَ ويجعلْ لكُم جناتٍ ويجعلْ لكم أنْهاراً. ما لكُم لا ترجونَ للَّهِ وقاراً. وقد خلقكُمْ أطواراً. ألمْ تَرَوا كيفَ خلقَ اللُهُ سبعَ سماواتٍ طباقاً. وجعل القَمر فيهنَّ نوراً وَجَعَلَ الشمسَ سِرَاجاً. واللهُ أنَبَتكُم مِنَ الأرضِ نباتاً. ثم يُعيدُكم فيها ويخرِجُكُم إخراجاً. والُلهُ جَعَلَ لكُم الأرض
стр. 18
بِسَاطاً لِتسلكُوا منها سُبُلاً فِجاجاً) ، وقال تعالى: (ولقدْ أرسلْنَا نوحاً إلى قومِهِ إني لكُم نذيرٌ مبينٌ. أن لا تعبُدُوا إلاَّ الله إني أخَافُ عليكُم عَذَابَ يومٍ أليم. فقال الملأ الذينَ كفرُوا مِنْ قومِهِ ما نراكَ إلا بَشَراً مِثْلَنَا وما نَرَاكَ اتِّبعكَ إلاَّ الذينَ هُمْ أراذِلُنَا باديَ الرأي وما نَرَى لكُم عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بلْ نَظُنٌّكُم كاذبين) أجابهم نوح ﵇ بالحجةِ العظمى فقال: (يا قومِ أرأيتُم إنْ كنتُ على بيِّنةٍ من ربِّي) إلى هنا هي الحجة العظمى، وهذه الحجة العظمى هي التي أضافها الله إلى نفسه في قوله: (وتلكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إبراهيمَ على قومِهِ) وقد أشبعنا القول فيها في كتاب الحجة العظمى. (قالوا يَا نوحُ قد جادلْتَنَا فأكثرتَ جدالَنَا فأتِنا بِمَا
стр. 19
تَعِدُنَا إنْ كُنْتَ مِنَ الصادِقين) . جدالُ إبراهيمَ وحجاجه وله ثلاثة مقامات " الأول ": مع نفسه. " الثاني ": مع أبيه. " الثالث ": مع نمرود وقومه. " الأول ": رَأَى كوكباً قالَ هذا ربي إلى آخر القصة. وجه ُاستدلاله أنه رأى إنارةَ الكوكب وحسنهُ وعُلوّ مكانه ولم ير قبله مثله، فقال: هذا ربي، بناء على أن الرب لا ينبغي أن يكون له مثل، فلما أفل أدرك نقصهُ وعيبه؛ لان الأفول تغير، والتغيرُ حدوثُ والكامل لا يجوز عليه الحدوث؛ لأنه صانع الحدوث وطرد القياس في الإثبات والنفي على باقي الكواكب بالاعتبار الأول، ومن حيث علم أنها مكونة مصنوعة علم أنها لا بد لها من صانع هو أكملُ منها فقالَ: (وَجَّهْتُ وَجهيَ للذي فَطَرَ السمواتِ والأرضَ) ليدخل في ذلك الكواكب التي اعترضته في طريق الاستدلال. "
стр. 20
المقام الثاني مع أبيه ": قال الله تعالى: (وَاذْكُر في الكتابِ إبراهيمَ إنَّهُ كان صدِّيقاً نبياً. إذ قالَ لأبيهِ يا أبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَالا يسمعُ ولا يُبْصِرُ ولا يُغْنِي عنكَ شيئاً. يا أبتِ إنِّي قدْ جاءني مِنَ العلمِ ما لم يأتكَ فاتَّبِعْني أهدكَ صراطاً سَوِياً. يا أبتِ لا تعبدِ الشيطانَ إنَّ الشيطانَ كان للرحمنِ عَصِياً. يا أبتِ إني أخافُ أنْ يَمسَّكَ عذابُ مِنَ الرحمنِ فتكونَ للشيطانِ وَلِيّاً. قال أراغِبٌ أنت عَنْ آلهتي يا
стр. 21
إبراهيم لئن لم تنته لأرجُمَنَّكَ واهجُرني مَلِيّاً) . فكان جواب أبيهِ جوابَ جاهلٍ، لانه قابله على نُصحه لهُ بالرجمِ والهجر أشبه جواب قومه، وما كانَ جوابَ قومه إلا أن (قَالُوا حَرِّقُوُه وانصُروا آلهتكم) . " المقام الثالث ": مع النمرودِ وقومه وهوَ قوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ إلى الذي حاجَّ إبراهيمَ في رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ الُلهُ الملكَ إذ قَالَ إبراهيمُ رَبِّيَ الذي يُحي ويميتُ قالَ أنا أحيي وأميتُ قالَ إبراهيمُ فإنَّ الله يأتي بالشمسِ مِنَ المشْرِقِ فأتِ بها من المغْربِ فَبُهِتَ الذي كَفَرَ واللهُ لا يهدي القومَ الظالمينَ) . فالصادرُ مْن خَصْمه معارضة إلا أنها فاسدة، لانَّ حقيقةَ الإحياء والإماتة التي فسرها خصمه غير الذي قَصده إبراهيم، فلا يخلو حال نمرود إما أن يكونَ ما فهم حقيقة الإحياء والإماتة، أو فهم إلا أنه قصد المصادمة والمباهتة، وكلاهما يوجب العدولَ إلى
стр. 22
دليلٍ يفضحُ معارضته ويقطعُ حجاجه، ومتى كان الخصم بهذه الصفة جاز لخصمه الانتقال إلى دليلٍ آخر أقرب إلى الفهم وأفلج للحجة، وسيأتي نظيره في قصة موسى ﵇، قال الله تعالى: (وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قالَ أَتُحَاجونِّي في اللهِ وَقَدْ هَدَانِ) وذكر الحجة العظمى فقال: (وَكَيْفَ أَخَافُ) إلى قوله: (فأيُّ الفَريقينِ أَحَقُّ بالأمْنِ) وقد شرحنا هذا في كتاب الحجة العظمى. فإن قيل ما الحكمة أنه جادل الملك بالإحياء والإماتة والإتيان بالشمس من المشرق وكل ذلك يمكن دعوى المعارضة له
والكلام عليه، ولم يدعه بالحجة العظمى وجادل
стр. 23
قومه بالحجة العظمى، فالجواب أن الملك كان يدَّعي الربوبية، فلا يقال انه لا يخلو إما أن يكون لنا إله أو لا بخلاف حال قومه فإنَّهم لم يدَّعُوا ربوبيةً. لام عليه، ولم يدعه بالحجة العظمى وجادل قومه بالحجة العظمى، فالجواب أن الملك كان يدَّعي الربوبية، فلا يقال انه لا يخلو إما أن يكون لنا إله أو لا بخلاف حال قومه فإنَّهم لم يدَّعُوا ربوبيةً.
جدال موسى ﵇ قال الله سبحانه: (فَأْتِيا فِرْعَونَ فقولاَ إِنَّا رسولُ رَبِّ العالمينَ) إلى أن قال سبحانه: (قَالَ فِرْعَونَ وَمَا رَبُّ
стр. 24
العالمين. قالَ ربُّ السمواتِ والأرضِ وَمَا بينهُما إنْ كُنتم مُوقنينَ. قالَ لمن حَوْلَهُ أَلا َتستمعُون. قالَ رَبَّكُم وربُّ آبائِكُمْ الأولين. قالَ إنَّ رسولَكُم الذي أُرْسِلَ إليكُم لمجنُونُ. قالَ رَبُّ والمشرقِ والمغربِ وَمَا بَينهُمَا إنْ كنتم تعِقُلون. َ قال لئِنِ اتخذْت إلهاً غَيْرِي لاجعلنَّكَ مِنَ المسجُونيَنَ. قالَ أَوَ لَوْ جئتكَ بشيءٍ مُبينٍ. قالَ فأتِ بهِ إن كنْتَ مِنَ الصَّادقينَ فَألقى عَصَاهُ فإذا هَي ثُعْبانٌ مبينٌ وَنَزَعَ يَدَهُ فإذا هيَ بيْضَاءُ للناظرينَ) والإشارةُ إلىَ وجْهِ الدلالةِ منْ ذلكَ أنَّ فرعونَ لما قال: (وَمَا رَبُّ العالمينَ) علمَ موسى أنهُ سؤالُ عنْ ماهية ربَّ العالمينَ، وربُّ العالمين لا ماهية لهُ، لانهُ الأول فلا شيءَ قبله فيكونُ منهُ، بلْ هوَ مكِّونُ ما تتكونُ الأشياء منهُ، فلمْ يشتغلْ مُوسى برِّد سؤاِلِهِ وبيانِ فسادِهِ، وكانَ المقصودُ تعريفَ الربَّ جلَّ وعلاَّ بصفتهِ فقال: (رَبُّ السمواتِ والأرض وماَ بينَهما)
стр. 25
فحصرَ الكائناتِ في ثلاث كلماتٍ فلما قال: (أَلا تستَمعونَ. قالَ ربكُم وربّ آبائِكم الأولين) رداً على فرعونَ قوله (أنا ربُكُم الأعلى) فلما قالَ: (إن رسولَكم الذي أُرسِلَ إليكم لمجنون) أردفَ ما ُذِكرَ بشاهديْنِ آخرينِ فقالَ: (رَبُّ المشرِق والمغربِ ومَاَ بينَهما) ؛ لانَّ المشرق والمغربَ آيتانِ عظيمتانِ لا يقدرُ فرعونُ على ادُّعائِهما، فلَّما اندحضتْ حُجَّتُهُ قال: (لئن اتَّخَذْتَ إلهاً غَيْرِي لاجعلنَّكَ مِنَ المسجُونيَنَ. قالَ أَوَ لَوْ جئتكَ بشيءٍ مُبينٍ. قالَ فأتِ بهِ إن كنْتَ مِنَ الصَّادقينَ فَألقى عَصَاهُ فإذا هَي ثُعْبانٌ مبينٌ وَنَزَعَ يَدَهُ فإذا هيَ بيْضَاءُ للناظرينَ) آيتان عظيمتان في انقلاب اعيانهما، وإنما كانت الآية في العصا؛ لأنها أنزلت على آدم بسبب الكلب لما نبح عليه لما تعاظمت دعوى فرعون قوبل بها إهانةً له واستحقاراً، وكونها ظهرت في صورة
стр. 26
ثعبانٍ مناسب لحاله؛ لأن مسها لين وفعلها قاتل. وفرعون بإظهار كرمهِ وعدلهِ لينٌ وفعله قاتلٌ لنفسهِ وغيرهِ. فأما يدهُ البيضاءُ فالإشارة فيها جئتكَ بالشرع النير الأبيض الذي لا ظلمةَ فبه، كما قال رسول الله (جئتكم بها بيضاءَ نقية) ولما كانت آية موسى ﵇ حِسِّيةً، ومعجزاتهُ مرئيةً لم يخاطبهمْ بالحجةِ العظمى؛ لأنها عقلية، ولما همُّوا بقتلهِ الهم اللهُ سبحانهُ مؤمنَ آلِ فرعون الحجة العظمى فقال: (أتقتلونَ رجلاً أنْ يقولَ رَبِّيَ اللهُ وقدْ جَاءَكُمْ بالبيناتِ من رَبِّكُم وإنْ يَك كاذباً فعليهِ كَذِبُهُ وَإنْ يَكُُ صادِقاً يِصبْكُمْ بعضُ الذي يعدُكُم) وقد شرحنا ذلك في كتاب الحجة العظمى. وأما جدال رسول الله (لكفار قريش واليهود فسيأتي في ذكر الأدلة الدالة على صِدْق رسالته.
стр. 27
الباب الرابع
في ذكر الأدلة على وجود الصانع سبحانه
في ذكر الأدلة على وجود الصانع سبحانه: أعلم أنها لا تحصى لأن كل موجودٍ عن عدم فهو دليل على وجود موجدٍ كما قال سبحانه:) وَإنْ مِنْ شيءٍ إلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ) وذلك التسبيح إذعان لموجده وعبادةٌ لربه كما قيل:
وفي كلِّ شيءٍ لهُ آيةٌ ... تدلُّ على أنهُ الواحدُ
فأما أدلة الكتاب العزيز فمنها قوله تعالى: (
стр. 28
أفَلاَ يَنْظُرُونَ إلى الإبلِ كيفَ خُلِقَتْ. وإلى السَّمَاءِ كيفَ رُفِعَتْ. وإلى الجبالِ كيفَ نُصبتْ. وإلى الأرضِ كيفَ سُطِحَتْ. فَذَكِّرْ إنما أنتَ مُذَكِّرٌ) ، وقال تعالى: (ألم نجعلِ الأرضَ مِهَاداً. والجبالَ أوْتَاداً. وَخَلَقْنَاكمْ أزواجاً. وجعلنا نومَكُمْ سُبَاتاً. وجعلْنَا الليلَ لباساً. وجعلْنَا النهارَ معاشاً. وَبَنَيْنَا فَوْقَكمْ سَبْعاً شِدَاداً. وجعلْنَا سِرَاجاً وَهَّاجاً. وأنزلْنَا من المعصِرَاتِ مَاءٍ ثجاجاً. لنُخرِجَ بِهِ حَبّاً ونباتاً. وجَنَّاتٍ ألفافاً) وصرف سبحانه هذه الكلمات في كتابه العزيز وصرف هذه الأدلة منها الدلالة على
стр. 29
وجوده وقدرته وحكمته، وأنه لا مشارك له ولا معاضد ولا مغالب فقال: (أأنُتمْ أشدُّ خلقاً أم السَّماءُ بناهَا. رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاها. وأغْطَشَ لَيْلَها وأخرَجَ ضُحَاهَا. والأرضَ بعدَ ذلكَ دحاهَا. أخرجَ منها ماءَهَا ومرعَاهَا. والجبالَ أرسَاهَا متاعاً لكم ولأنعامِكم) ، وقال تعالى: (وهوَ الذي مَدَّ الأرضَ وجعلَ فيها رواسِيَ وأَنْهاراً ومِنْ كُلِّ الثمراتِ جعلَ فيها زوجَيْنِ اثنينِ يُغْشي الليلَ النهارَ إنَّ في ذلكَ لآياتٍ لقومٍ يتفكرونَ. وفي الأرضِ قِطَعٌ متجاوراتٌ وجناتٌ مِنْ أعنابٍ وزرعٌ ونخيلٌ صنوانٌ وغيرُ صِنوانٍ يُسقى بماءٍ واحدٍ ونفضّلُ بعضَها على بعضٍ في الأُكُلِ إنَّ في ذلكَ لآياتٍ لقومٍ يعقلونَ) ، وقال تعالى: (إنَّ في خلقِ السمواتِ والأرضِ واختلافِ الليل والنهارِ والفُلْكِ التي تَجْري في البحْرِ بما ينفعُ النَّاسَ وما أنزلَ الُلهُ مِنَ السماءِ من ماءٍ فأحيا بِهِ الأرضَ بعدَ موتِهَا وبثَّ فيها من كُلِّ دابةٍ وتصريفِ الرياحِ والسحاب المسخَّرِ بينَ السماءِ والأرضِ لآياتٍ لقومٍ يعقلونَ) ، وقال تعالى: (هوَ الذي جعلَ الشمسَ ضياءً والقمرَ نوراً وقَدَّرَهُ منازلَ
стр. 30
لِتَعْلمُوا عَدَدَ السنينَ والحسابَ ما خلقَ اللهُ ذلكَ إلاَّ بالحقِّ يُفصِّلُ الآياتِ لقومٍ يعلمونَ) ، وقال تعالى: (تُوِلجُ الليلَ في النَّهارِ وتولجُ النَّهارَ في الليلِ وَتُخْرجُ الحيَّ من الميتِ وتُخرجُ الميتََ منَ الحيِّ وترزُقُ منْ تشاءُ بغيرِ حسابٍ) ، وقال تعالى: (إنَّ اللهَ فالقُ الحبِّ والنَّوى يُخرجُ الحيِّ من الميتِ ومخرجُ الميتِ مِنَ الحيِّ ذلكمُ اللهُ فأنَّى تُؤفكونَ فالِقُ الإصباحِ وجَعَلَ الليلَ سكنَاً والشمسَ والقمرَ حُسباناً ذلكَ تقديرُ العزيزِ العليمِ وهوَ الذي جعلَ لكُم النجومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا في ظُلُماتِ البَرِّ والبحرِ قدْ فصَّلْنَا الآياتِ لقومٍ يعلمون وهو الذي أنشأَكُم مِنْ نفسٍ واحدةٍ فمستقرٌ ومستودعٌ قد فصَّلْنا الآياتَ لقومٍ يفقهونَ) ، وقالَ تعالى: (هوَ الذي يُسيركُم في الَبِّر والبحْرِ حتَّى إذاَ كنتم في الُفلكِ وَجَرْينَ بهمْ بريحٍ طيبةٍ وفرِحُوا بها جاءَتها ريحٌ عاصفٌ وجاءَهُمُ الموجُ من كُلِّ مكانٍ وظَنوا أنَّهم أحيطَ بهمْ
стр. 31
دَعَوا الله مخلصينَ لَهُ الدينَ لئنْ أنجيتناَ مِنْ هذِهِ لنكُونَنَّ مِنَ الشاكرينَ) ، وقال تعالى: (وَإذا مسَّكم الضُّرُّ في البحرِ ضلّ مَنْ تدعون إلا إيَّاهُ) ، وقال تعالى: (وآيةٌ لهمُ الأرضُ الميتُة أحييناها وأخرجْنا مِنهْا حباً فمنه يأكلُونَ. وجعلْنَا فيها جناتٍ مِنْ نخيلٍ وأعنابٍ وفجرنا فيها مِنْ العيون. ليأكلوا مِنْ ثمرِهِ وما عملَتْهُ أيديهمْ أفلاَ يشكرونَ سبحانَ الذي خلقَ الأزواجَ كلَّها مما تنبتُ الأرض ومنْ أنفسِهم وممَّا لا يعلمون. وآيهٌ لهمْ الليلُ نسلخُ منه النهارَ فإذا هم مظلمونَ. والشمسُ تجري لمستقرٍّ لها ذلِكَ تقديرُ العزيز العليمِ. والقمرَ قدرناهُ منازِلَ حتَّى عادَ كالعرجونِ. القديم لا الشمسُ ينبغي لها أن تدرِكَ القمرَ ولا الليلُ سابقُ النهارِ وكلٌّ في فَلَكٍ يَسْبَحُونَ. وآيةٌ لهم أنَّا حملنا ذريتَّهم في الفلكِ المشحونِ وخلقْنَا لهمْ مِنْ مثله ما يركبون. وإن نَشأ نُغْرِقْهُمْ فلا صريخَ لهمْ ولا هم يُنْقَذُونَ. إلا رحمةً مِنَّا ومتاعاً إلى حينٍ) ،
стр. 32
وقال تعالى: (أوَ لم يَرَوا أنَّا خلقنْا لهمْ ممَّا عمِلَتْ أيدينا أنعاماً فهم لها مَالِكُونَ وذللناهَا لَهُمْ فمنها رَكُوبهمْ وَمِنْهَا يأكلونَ. ولهم فيها منافعُ ومشارِبُ أفلا يشكرونَ) ، وقال
تعالى: (أفرأيتُم ما تمنونَ. أأنتُم تَخْلُقُونَهُ أم نحنُ الخالِقُونَ) ، وقال تعالى: (أفرأيتُم الماءَ الذي تشربُونَ. أأنتُم أنزلتموهُ مِنْ المزنِ أمْ نحنُ المنزلون) ، وقال: (أفرأيتُم النَّارَ التي تُورُونَ. أأنتُم أنشأتُمْ شجرَتَها أم نحنُ المنشئون) ، وقال تعالى: (وَلَقَدْ خلقناَ الإنسان مِنْ سُلاَلةٍ مِن طينٍ. ثم جعلناهُ نطفةً في قرارٍ مَكينٍ. ثم خلقنا النطفة علقةً) إلى قوله: (فتباركَ اللهُ أحسنُ الخالقين) ، وقال تعالى: (فلينظرِ الإنسانُ إلى طعامهِ أَنَّا صَبَبْنَا الماءَ صبَّاً ثم شققنا الأرض شقٌاً) إلى قوله: (متاعاً لَكُمْ ولأنعامِكُمْ) ، فوجه الدلالة من هذه الآيات جليٌّ لمن سبقت له السعادات. قال تعالى: (انظرْ كيفَ نصرِّفُ الآياتِ) وقد مدح اللهُ تعالى قوماً أدتهم الفكر إلى معرفة العبر. قال : (ويتفكرونَ في خلقِ السموات والأرضِ ربَّنَا ما خلقتَ هذا باطلاً سبحانَكَ فقِنا عذابَ النَّارِ) .: (أفرأيتُم ما تمنونَ. أأنتُم تَخْلُقُونَهُ أم نحنُ الخالِقُونَ) ، وقال تعالى: (أفرأيتُم الماءَ الذي تشربُونَ. أأنتُم أنزلتموهُ مِنْ المزنِ أمْ نحنُ المنزلون) ، وقال: (أفرأيتُم النَّارَ التي تُورُونَ. أأنتُم أنشأتُمْ شجرَتَها أم نحنُ المنشئون) ، وقال تعالى: (وَلَقَدْ خلقناَ الإنسان مِنْ سُلاَلةٍ مِن طينٍ. ثم جعلناهُ نطفةً في قرارٍ مَكينٍ. ثم خلقنا النطفة علقةً) إلى قوله: (فتباركَ اللهُ أحسنُ الخالقين) ، وقال تعالى: (فلينظرِ الإنسانُ إلى طعامهِ أَنَّا صَبَبْنَا الماءَ
стр. 33
صبَّاً ثم شققنا الأرض شقٌاً) إلى قوله: (متاعاً لَكُمْ ولأنعامِكُمْ) ، فوجه الدلالة من هذه الآيات جليٌّ لمن سبقت له السعادات. قال تعالى: (انظرْ كيفَ نصرِّفُ الآياتِ) وقد مدح اللهُ تعالى قوماً أدتهم الفكر إلى معرفة العبر. قال : (ويتفكرونَ في خلقِ السموات والأرضِ ربَّنَا ما خلقتَ هذا باطلاً سبحانَكَ فقِنا عذابَ النَّارِ) .
" فصل ": وقد حصلت معرفة الله سبحانه لقوم مخصوصين من طريق آخر وهم الملائكة وما جرى لهم من سؤال وجواب. وفي قصة إبليس كفاية له عن التنويع فيما يقيس والتجنيس، وحصل العلم اليقيني لآدم فيما حدث من أمره وتقادم فاستسلم وسالم. والأنبياءُ مائة ألف نبي وأربعة وعشرون ألف نبي
стр. 34
الكل عرفوا الصانع معرفة اليقين، منهم المرسلون ثلثمائة وثلاثة عشر أغنى عيان الآيات عندهم عن الخبر، ففي نوحٍ ودعوته ونجاة أهل سفينته، وفي إبراهيم وناره وحياة أطياره، ويوسف وبراءته بشهادة غلامه وإجابته في قضاء حاجاته وإهلاك عدوه من جميع جهاته، ويونس وحوته، وزكريا وسكوته، ومريم وابنها، آياتٌ بيناتٌ، ويتبع هذا الجمع جمعٌ لا تُحَدُّ لهم كثرة كلهم أخبر عن وجود إلهٍ واحدٍ قادرٍ مريدُ عالمٍ حيٍّ. والأنبياءُ وأتباعهم هم حجج الخلق وعلماؤهم وأعيان العلماء ونبلاؤهم. ولو لم يكن هناك دليل على وجود الإله
стр. 35
سوى اتفاقهم على وجوده بالصفات المذكورة كان ذلك كافباً في حصول العلم واليقين بخبرهم إذ كانوا جميعاً لا يُتَصَوَّرُ التواطُؤ منهم على الكذب واللهُ الهادي بفضلهِ.
стр. 36
الباب الخامس
في ذكر الأدلة على أنه واحدٌ سبحانه
ذكر الأدلة على أنه واحدٌ سبحانه. ومن حيث ثبت أنه موجود بصفة الوجوب ثبت أنه واحدٌ؛ لأن الصنعة مفتقرة إلى الصانع وليست مفتقرة إلى ما زاد على الصانع، فصار وجود ما زاد على الصنعة جائزاً والجائز الوجود لا يجوز أن يكون إلهاً مبدعاً قديماً. وأما أدلة الكتاب العزيز فكثيرة، من ذلك قوله ﵎: (لو كانَ فِيْهِمَا آلهةٌ إلاَّ اللهُ لفسدَتَا) وهذا الدليل معتمد أرباب الكلام من أهل الإسلام، وقد نقل عن بعض علماء السلف أنه قال: نظرت في سبعين كتاباً من كتب التوحيد فوجدت مدارها على قوله تعالى: (لو كانَ فِيْهِمَا آلهةٌ إلاَّ اللهُ لفسدَتَا) دليل آخر في سورة المؤمنين قوله تعالى: (
стр. 37
ما اتخذَ اللهُ مِنْ ولدٍ وما كان مَعَهُ من إلهٍ إذاً لذهبَ كُلُّ إلهٍ بما خلقَ ولعلاَ بعضُهُمْ على بعضٍ سبحانَ اللهِ عمَّا يصفُونَ) وفي الكلام حذفٌ وتقديره ولو كان معه آلهةٌ وإنما حذف للإيجاز. والإيجاز مستحسنٌ في كل مكان وههنا اكمل حسناً لئلاَّ يتكرر ذكر الإله؛ لأنه إبطالٌ على تقدير، وإنما ذهب كل إلهٍ بما خلق لأجل طلب الاستعلاء بالعلو والقدرة، وذلك منشأ المخالفة والمنافسة والتغالب والمغلوب لا يكون إلهاً. " دليل آخر " قوله سبحانه: (قُلْ لو كانَ معهُ آلهةٌ كما يقولونَ إذاً لابتغَوا إلى ذي الرشِ سبيلاً) ومعناه أن الآلهة تطلب المنازعة والمخالفة في المراد فحينئذٍ يقع الفساد إذ يريد أحدهما حياة شخص ولآخر موته، أو إسعاده والآخر إشقاءَه، فإن قيل الشبهة على هذه الأدلة من وجهين: "
стр. 38
أحدهما ": يجوز أن يكون اثنان تتفق إرادتهما فلا يقع خلاف فلا يقع فساد. " الشبهة الثانية ": قالوا لما رأينا وجود الشيء وضده من الموت والحياة، والنور والظلمة، والخير والشر، وما يقتضي الحكمة وينافيها من النقض بعد البناء والعجز بعد القوة، جاز أن ينسب إلى مدبرين اثنين. والجواب عن الشبهة الأولى: استحالة الإرادة وجود اثنين لا تنفك ارادة أحدهما عن إرادة الآخر متكافئين في العلم والقدرة والإرادة والحكمة والتدبير على وجهٍ لا تتقدم صفة
стр. 39
الآخر في الأعيان والأذهان فإذا هما واحدٌ سموه اثنين.
والجواب عن الشبهة الثانية: أن صدور الشيء وضده أدل على قدرة الصانع، وقد نبه سبحانه على ذلك في عدة مواضع من الكتاب العزيز من ذلك قوله تعالى: (تُسْقَى بماءٍ واحدٍ ونفضِّلُ بعضَهَا على بعضٍ في الأُكُلِ) .
стр. 40
الباب السادس
في ذكر أدلة البعث في الكتاب العزيز
ذكر أدلة البعث في الكتاب العزيز:
следующие страницы →