وذهبت الجهمية، والمعتزلة، والمأمون، وأحمد بن أبي دؤاد القاضي، وخلق من المتكلمين، والرافضة إلى أن القرآن كلام الله المنزل مخلوق، وقالوا: الله خالق كل شيء، والقرآن شيء. وقالوا: تعالى الله أن يوصف بأنه متكلم. وجرت محنة القرآن، وعظم البلاء، وضرب أحمد بن حنبل بالسياط ليقول ذلك. نسأل الله السلامة في الدين.
ثم نشأت طائفة، فقالوا: كلام الله تعالى منزل غير مخلوق، ولكن ألفاظنا به مخلوقة - يعنون: تلفظهم وأصواتهم به وكتابتهم له، ونحو ذلك - وهو حسين الكرابيسي ومن تبعه، فأنكر ذلك الإمام أحمد، وأئمة الحديث، وبالغ الإمام أحمد في الحط عليهم، وثبت عنه أن قال: اللفظية جهمية.
وقال: من قال: لفظي بالقرآن مخلوق، فهو جهمي، ومن قال: لفظي بالقرآن غير مخلوق، فهو مبتدع، وسدّ باب الخوض في هذا. وقال أيضا: من قال: لفظي بالقرآن مخلوق، يريد به القرآن، فهو جهمي.
стр. 107
وقالت طائفة: القرآن محدث كداود الظاهري ومن تبعه، فبدّعهم الإمام أحمد، وأنكر ذلك، وثبت على الجزم بأن القرآن كلام الله غير مخلوق، وأنه من علم الله، وكفَّر من قال بخلقه، وبدّع من قال بحدوثه، وبدّع من قال: لفظي بالقرآن غير مخلوق، ولم يأت عنه ولا عن السلف القول بأن القرآن قديم. ما تفوّه أحدٌ منهم بهذا. فقولنا: قديم، من العبارات المحدثة المبتدعة، كما أن قولنا: هو محدث، بدعة.
وأما البخاري، فكان من كبار الأئمة الأذكياء، فقال: ما قلتُ: ألفاظنا بالقرآن مخلوقة، وإنما حركاتهم، وأصواتهم وأفعالهم مخلوقة، والقرآن المسموع المتلو الملفوظ المكتوب في المصاحف كلام الله، غير مخلوق. وصنف في ذلك كتاب (أفعال العباد) مجلد، فأنكر عليه طائفة، وما فهموا مرامه كالذهلي، وأبي زرعة، وأبي حاتم، وأبي بكر الأعين، وغيرهم.
стр. 108
ثم ظهر بعد ذلك مقالة الكلابية، والأشعرية، وقالوا: القرآن معنى قائم بالنفس، وإنما هذا المنزل حكايته وعبارته، ودال عليه.
وقالوا: هذا المتلو معدود متعاقب، وكلام الله تعالى لا يجوز عليه التعاقب ولا التعدد، بل هو شيء واحد، قائم بالذات المقدسة. واتسع المقال في ذلك، ولزم منه أمور وألوان، ترْكُها - واللهِ- من حسن الإيمان" (١).
- وقال ابن أبي العز الحنفي (المتوفى: ٧٩٢ ه): "ولا شك أن من قال: إن كلام الله معنى واحد قائم بنفسه تعالى، وإن المتلو المحفوظ المكتوب المسموع من القارئ حكاية كلام الله، وهو مخلوق، فقد قال بخلق القرآن في المعنى وهو لا يشعر، فإن الله تعالى يقول: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ﴾ [الإسراء:٨٨]، أفتراه يشير إلى ما في نفسه أو إلى المتلو المسموع؟
ولا شك أن الإشارة إنما هي إلى هذا المتلو المسموع؛ إذ ما في ذات الله غير مشار إليه، ولا منزل ولا متلو ولا مسموع.
стр. 109
وقوله: ﴿لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ﴾ [الإسراء:٨٨] أفتراه سبحانه يقول: لا يأتون بمثل ما في نفسي مما لم يسمعوه ولم يعرفوه، وما في نفس الباري لا حيلة إلى الوصول إليه، ولا إلى الوقوف عليه.
فإن قالوا: إنما أشار إلى حكاية ما في نفسه وعبارته، وهو المتلو المكتوب المسموع، فأما أن يشير إلى ذاته فلا - فهذا صريح القول بأن القرآن مخلوق" (١).
- وقال محمد صديق خان القنوجي (المتوفى: ١٣٠٧ هـ): "فالقرآن العظيم هو كتابه المبين، وحبله المتين، أنزله على سيد المرسلين بلسان عربي مبين، وهو سور وآيات، وأصوات، وحروف، وكلمات، له أول وآخر، متلو بالألسنة، محفوظ في الصدور، مكتوب في المصاحف، مسموع بالآذان، قال تعالى: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ [العنكبوت:٤٩]، وقال تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي﴾ [الكهف:١٠٩]، وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ﴾ [الواقعة:٧٧ - ٧٨]،
стр. 110
والقرآن هو هذا الكتاب العربي الذي قال فيه: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ وَلَا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [سبأ:٣١]، وقال بعضهم فيه: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ [المدثر:٢٥]، فتوعده الله بإصلاه سقر، وقال بعضهم: هو شعر فقال تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾ [يس:٦٩]، فلما نفى سبحانه عنه الشعر وأثبته قرآنًا لم تبق شبهة لذي لبّ في أن القرآن هو هذا الكتاب العربي الذي عُلم أوله وآخره، فمن زعم أن القرآن اسم لغيره دونه بان جهله وحمقه، قال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ [البقرة:٢٣] وقال تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء:٨٨] ولا يجوز أن يتحداهم بالإتيان بمثل ما لا يدرى ما هو ولا يعقل معناه" (١).
стр. 111
بعض المحذورات التي وقع فيها الأشاعرة
وبعض اللوازم التي تلزمهم
- قال الشريف الجرجاني الأشعري: "واعلم أنّ للمصنف [أي: العضد الإيجي] مقالة مفردة في تحقيق كلام الله تعالى على وفق ما أشار إليه في خطبة الكتاب، ومحصولها أن لفظ المعنى يطلق تارة على مدلول اللفظ، وأخرى على الأمر القائم بالغير.
فالشيخ الأشعري لما قال الكلام هو المعنى النفسي فهم الأصحاب منه أن مراده مدلول اللفظ وحده، وهو القديم عنده، وأما العبارات فإنما تسمى كلامًا مجازًا لدلالتها على ما هو كلام حقيقي، حتى صرحوا بأن الألفاظ حادثة على مذهبه أيضا لكنها ليست كلامه حقيقة.
وهذا الذي فهموه من كلام الشيخ له لوازم كثيرة فاسدة:
كعدم إكفار من أنكر كلامية ما بين دفتي المصحف، مع أنه علم من الدين ضرورة كونه كلام الله تعالى حقيقة.
وكعدم المعارضة والتحدّي بكلام الله تعالى الحقيقي.
وكعدم كون المقروء والمحفوظ كلامه حقيقة إلى غير ذلك مما لا يخفى على المتفطن في الأحكام الدينية" (١).
стр. 112
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "والمقصود هنا أنّ عبد الله بن سعيد بن كلاب وأتباعه وافقوا سلف الأمة وسائر العقلاء على أن كلام المتكلّم لا بد أن يقوم به، ... ثم إنهم مع موافقتهم للسلف والأئمة والجمهور على هذا، اعتقدوا هذا الأصل، وهو أنه لا يقوم به ما يكون مقدوراً له متعلقاً بمشيئته، بناء على هذا الأصل الذي وافقوا فيه المعتزلة، فاحتاجوا حينئذ أن يثبتوا ما لا يكون مقدوراً مراداً، قالوا: والحروف المنظومة والأصوات لا تكون إلا مقدورة مرادة، فأثبتوا معنى واحداً، لم يمكنهم إثبات معان متعددة، خوفاً من إثبات ما لا نهاية له، فاحتاجوا أن يقولوا (معنى واحداً) فقالوا القول الذي لزمته تلك اللوازم التي عظم فيها نكير جمهور المسلمين، بل جمهور العقلاء عليهم. وأنكر الناس عليهم أموراً:
إثبات معنى واحد، هو الأمر والخبر.
وجعل القرآن العربي ليس من كلام الله الذي تكلّم به.
وأن الكلام المنزل ليس هو كلام الله.
وأن التوراة والإنجيل والقرآن إنما تختلف عباراتها، فإذا عبّر عن التوراة بالعربية كان هو القرآن.
وأن الله لا يقدر أن يتكلم، ولا يتكلم بمشيئته واختياره، وتكليمه لمن كلمه من خلقه، كموسى وآدم، ليس إلا خلق إدراك ذلك المعنى لهم، فالتكليم هو خلق الإدراك فقط ... " (١).
стр. 113
وقال أيضًا: "ومن قال: إنّ القرآن عبارة عن كلام الله تعالى وقع في محذورات:
أحدها: قولهم "إن هذا ليس هو كلام الله"، فإن نفي هذا الإطلاق خلاف ما عُلم بالاضطرار من دين الإسلام، وخلاف ما دل عليه الشرع والعقل.
والثاني: قولهم: "عبارة" إن أرادوا أن هذا الثاني هو الذي عبر عن كلام الله تعالى القائم بنفسه، لزم أن يكون كل تال معبرًا عما في نفس الله تعالى. والمعبر عن غيره هو المنشئ للعبارة، فيكون كل قارئ هو المنشئ لعبارة القرآن. وهذا معلوم الفساد بالضرورة.
وإن أرادوا أنّ القرآن العربي عبارة عن معانيه، فهذا حق، إذ كل كلام فلفظه عبارة عن معناه، لكن هذا لا يمنع أن يكون الكلام متناولاً للفظ والمعنى ...
ثم إذا عرف مذهبهم بقي خطؤهم في أصول:
منها: زعمهم أن معاني القرآن معنى واحد هو الأمر والنهي والخبر، وأن معنى التوراة والإنجيل والقرآن معنى واحد، ومعنى آية الكرسي معنى آية الدين. وفساد هذا معلوم بالضرورة.
ومنها: زعمهم أنّ القرآن العربي لم يتكلم الله به" (١).
стр. 114
وقال أيضًا: "قد اشتهر بين علماء الأمة وعامتها أن حقيقة قول هؤلاء: إن القرآن ليس كلام الله، وهو كما اشتهر بين الأمة، وذلك أنهم يصرحون بأن حروف القرآن لم يتكلم الله بها بحال. فهذا إقرار منهم بأن نصف مسمى القرآن وهو لفظه ونظمه وحروفه لم يتكلم الله بها، فلا يكون كلامه. وإن كان قد قال بعض متأخريهم: إنها تسمى كلاما حقيقة فهم بين أمرين: إن أقروا بأنها كلام الله حقيقة مع كونها مخلوقة في غيره بطل أصلهم الذي أفسدوا به قول المعتزلة: إن الكلام إذا قام بمحل كان لذلك المحل، لا لمن أحدثه.
وأما المعاني فإنهم يزعمون أن ليس كلام الله إلا معنى واحد، هو الأمر بكل شيء، والنهي عن كل شيء، والخبر عن كل شيء، وهذا معلوم بالضرورة بعد تصوره، وهو مستلزم لأن تكون معاني القرآن ليست كلام الله أيضًا، إذا [إذ] كان هذا الذي ادعوه لا يجوز أن يكون له حقيقة، فضلاً عن أن يكون صفة لموصوف، أو يكون كلامًا، فتبين أن الله لم يتكلم عندهم بالقرآن لا بحروفه ولا بمعانيه، وهذا أمر قاطع لا مندوحة لهم عنه، وينضم إليه أيضًا أن القرآن المنزل حروفه ومعانيه هم يصرحون أيضًا بأنها ليست كلام الله، فظهر أنهم يقولون إن القرآن ليس كلام الله" (١).
стр. 115
وقال أيضًا: "القرآن كلام الله باتفاق المسلمين، فإن كان كلامه هو المعنى فقط، والنظم العربي الذي يدل على المعاني ليس كلام الله كان مخلوقا خلقه الله في غيره، فيكون كلاما لذلك الغير؛ لأن الكلام إذا خُلق في محل كان كلامًا لذلك الغير كما تقدم، فيكون الكلام العربي ليس كلام الله، بل كلام غيره، ومن المعلوم بالاضطرار من دين المسلمين أنّ الكلام العربي الذي بلغه محمد ﷺ عن الله أعلم أمته أنه كلام الله لا كلام غيره، فإن كان النظم العربي مخلوقًا لم يكن كلام الله، فيكون ما تلقته الأمة عن نبيها باطلاً" (١).
وقال الحافظ ابن القيم: "وعندهم [أي: الأشاعرة] أنّ الذي قال السلف هو غير مخلوق هو عين القائم بالنفس، وأما ما جاء به الرسول وتلاه على الأمة فمخلوق، وهو عبارة عن ذلك المعنى، وعندهم أن الله تعالى لم يكلِّم موسى، وإنما اضطره إلى معرفة المعنى القائم بالنفس من غير أن يسمع منه كلمة واحدة، وما يقرؤه القارئون ويتلوه التالون فهو عبارة عن ذلك المعنى، وفرعوا على هذا الأصل فروعًا، منها: أن كلام الله لا يتكلم به غيره، فإنه عين القائم بنفسه، ومحال قيامه بغيره فلم يتل أحد قط كلام الله ولا قرأه.
стр. 116
ومنها: أنّ هذا الذي جاء به الرسول ﷺ ليس كلام الله إلا على سبيل المجاز.
ومنها: أنه لا يقال: إن الله تكلّم ولا يتكلم، ولا قال ولا يقول، ولا خاطب ولا يخاطب، فإن هذه كلها أفعال إرادية تكون بالمشيئة، وذلك المعنى صفة أزلية لا يتعلق بالمشيئة.
ومنها: أنهم قالوا: لا يجوز أن ينزل القرآن إلى الأرض، فألفاظ النزول والتنزيل لا حقيقة لشيء منها عندهم.
ومنها: أن القرآن القديم لا نصف له ولا ربع ولا خمس ولا عشر ولا جزء له البتة.
ومنها: أن معنى الأمر هو معنى النهي، ومعنى الخبر والاستخبار، وكل ذلك معنى واحد بالعين.
ومنها: أن نفس التوراة هي نفس القرآن ونفس الإنجيل والزبور، والاختلاف في التأويلات فقط.
стр. 117
ومنها: أن هذا القرآن العربي تأليف جبرائيل أو محمد أو مخلوق خلقه الله تعالى في اللوح المحفوظ، فنزل به جبرائيل من اللوح لا من الله على الحقيقة كما هو معروف من أقوالهم.
ومنها: أن ذلك العين القديم يجور أن تتعلق به الإدراكات الخمس فيسمع ويرى ويشم ويذاق ويلمس إلى غير ذلك من الفروع الباطلة سمعًا وعقلاً وفطرةً" (١).
- قولُ الأشاعرة: كلامُ الله معنى واحد، وأنه هو الأمر بكل مأمور والخبر عن كل مخبر، وأنه إن عبر عنه بالعربية كان قرآناً، وإن عبر عنه بالعبرية كان توراة، وإن عبر عنه بالسريانية كان إنجيلاً.
قولٌ مخالف للعقل، قال عفيف الدين الإيجي: "ما قالوه [أي: الأشاعرة] من كون هذا المعنى النفسي واحداً يخالف العقل، فإنه لا شك أنّ مدلول اللفظ في الأمر يخالف مدلوله في النهي ومدلول الإنشاء، بل مدلول أمر مخصوص غير مدلول أمر آخر، وكذا في الخبر.
стр. 118
ولا يرتاب عاقل أن مدلول اللفظ لا يمكن أن يكون غير القرآن وسائر الكتب السماوية، فيلزم أن يكون كل واحد مشتملاً على ما اشتمل عليه الآخر، وليس كذلك، وكيف يكون معنى واحداً خبراً وإنشاء محتملاً للتصديق والتكذيب، وغير محتمل، وهو جمع بين النفي والإثبات" (١).
و قول الأشاعرة هذا يشبه السفسطة، ومجرّد تصوّره يوجب العلم الضروري بفساده ، قال موفق الدين ابن قدامة: "وإن قالوا: هي [أي: كُتُب الله تعالى] شيء واحد غير متعددة، فقد كابروا، ويجب على هذا أن تكون التوراة هي القرآن والإنجيل والزبور، وأن موسى لما أُنزلت عليه التوراة فقد أُنزل عليه كل كتاب الله تعالى، وأن نبينا ﷺ لما أُنزل عليه القرآن فقد أُنزلت عليه التوراة والإنجيل والزبور، وأن من قرأ آية من القرآن فقد قرأ كل كتاب الله تعالى، ومن حفظ شيئًا منه فقد حفظه كله، ويجب على هذا أن لا يتعب أحد في حفظ القرآن؛ لأنه يحصل له حفظ كل كتاب لله تعالى بحفظ آية منه، ويجب أن يكون النبي ﷺ لما أنزل عليه آية من القرآن أُنزل عليه جميعه، وجميع التوراة والإنجيل والزبور، وهذا خزي على قائله ومكابرة لنفسه.
ويجب على هذا أن يكون الأمر هو النهي، والإثبات هو النفي، وقصة نوح هي قصة هود ولوط، وأحد الضدين هو الآخر، وهذا قول من لا يستحيي ويشبه قول السوفسطائية، وقد بلغني عن واحد منهم أنه قيل له: سورة البقرة هي سورة آل عمران؟ قال: نعم" (٢).
стр. 119
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "إنّ هذا المعنى القائم بالذات الذي زعموا أنه كلام الله، وخالفوا في إثباته جميع فرق الإسلام كما يقرون هم على أنفسهم بذلك كما ذكره الرازي وغيرهم من أن إثباتهم لهذا يخالفهم فيه سائر فرق الأمة قد قال أكثرهم: هو معنى واحد، ...
ومن المعلوم أنّ مجرّد تصور هذا القول يوجب العلم الضروري بفساده كما اتفق على ذلك سائر العقلاء؛ فإن أظهر المعارف للمخلوق أن الأمر ليس هو الخبر، وأن الأمر بالسبت ليس هو الأمر بالحج، وأن الخبر عن الله ليس هو الخبر عن الشيطان الرجيم، ... " (١).
وقال أيضًا: "وعامة العقلاء يقولون: إنّ فساد هذا القول معلوم بالاضطرار؛ فإنا نعلم أن التوراة إذا عُرِّبت لم تكن هي القرآن، ونعلم أن آية الكرسي ليست هي معنى آية الدين.
والله تعالى قد فرق في كتابه بين تكليمه لموسى وإيحائه إلى غيره بقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [النساء:١٦٣] إلى قوله: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء:١٦٤] " (٢).
стр. 120
وقال أيضًا: "قال لهم [أي: للكلابية والأشعرية] جمهورُ الناس: هذا القول مخالف لصريح المعقول وصحيح المنقول؛ فإنا نعلم بالاضطرار أن معنى آية الكرسي ليس هو معنى آية الدين، ولا معنى ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] هو معنى ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ [المسد:١]، وقد عرّب الناس التوراة فوجدوا فيها معاني ليست هي المعاني التي في القرآن، ونحن نعلم قطعًا أن المعاني التي أخبر الله بها في القرآن في قصة بدر وأحد والخندق ونحو ذلك لم ينزلها الله على موسى ابن عمران، كما لم ينزل على محمد تحريم السبت ولا الأمر بقتال عباد العجل، فكيف يكون كل كلام الله معنى واحدا؟!.
ونحن نعلم بالاضطرار أن الكلام معانيه وحروفه تنقسم إلى خبر وإنشاء، والإنشاء منه الطلب، والطلب ينقسم إلى أمر ونهي، وحقيقة الطلب غير حقيقة الخبر، فكيف لا تكون هذه أقسام الكلام وأنواعه، بل هو موصوف بها كلها " (١).
стр. 121
وقال الحافظ ابن القيم: "مذهب الأشعري ومن وافقه أنه [أي: الكلام] معنى واحد قائم بذات الرب، وهو صفة قديمة أزلية ليس بحرف ولا صوت، ولا ينقسم، ولا له أبعاض ولا له أجزاء، ... إذا عبر عن ذلك المعنى بالعربية كان قرآنًا، وإن عبر عنه بالعبرانية كان توراة، وإن عبر عنه بالسريانية كان اسمه إنجيلا، والمعنى واحد، وهذه الألفاظ عبارة عنه ولا يسميها حكاية، وهي خلق من المخلوقات، والبلية العظمى نسبة ذلك إلى الرسول ﷺ ، وأنه جاء بهذا ودعا إليه الأمة، وأنهم أهل الحق، ومن عداهم أهل الباطل، وجمهور العقلاء يقولون: إنّ تصور هذا المذهب كاف في الجزم في بطلانه، وهو لا يتصور إلا كما تتصور المستحيلات الممتنعات" (١).
وقول الأشاعرة هذا من أعجب ما في مذهبهم وأشده غرابة، والفضلاء منهم يعترفون بضعف لوازمه، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "والفضلاء من أصحاب الأشعري يعترفون بضعف لوازم هذا القول مع نصرهم لكثير من أقواله الضعيفة" (٢).
стр. 122
وقد اعترف العزُّ بن عبد السلام أنّ الاعتقاد بأن كلام الله معنى واحد قائم بالذات صعْبٌ جدًا على المعتقدين لذلك، فضلاً عن غيرهم، قال ﵀: "وكيف نُكِّفر العامة الذين لا يعرفون أن كلام الله معنى قديم قائم بنفسه متجه مع القضاء بكونه أمرًا ونهيًا ووعدًا ووعيدًا وخبرًا واستخبارًا ونداء ومسموعًا مع أنه ليس بصوت، وأنّ اعتقاد مثل هذا لصعب جدًا على المعتقدين الذاهبين إلى أنه من القواطع، المكفِّرين لجاحديه" (١).
- ويقال أيضًا للأشاعرة القائلين بأن كلام الله معنى واحد: لمّا كلَّم اللهُ موسى ﵇ هل أفهمه كلامه كلّه أو بعضه؟ فإن قالوا: كله، فقد صار موسى يعلم علم الله، وهذا من أعظم الباطل، وإن قالوا: بعضه، فقد تبعّض كلام الله وهم يقولون: إنه لا يتبعض. وفي هذا إبطال لقولهم.
قال الحافظ أبو نصر السجزي: "وقول الأشعري: إنّ كلام الله شيء واحد، لا يدخله التبعيض"، فإذا قال: إنّ الله أفهم موسى كلامه، لم يخل أمر من أن يكون قد أفهمه كلامه مطلقاً، فصار موسى ﵇ عالماً بكلام الله حتى لم يبق له كلام من الأزل إلى الأبد إلا وقد فهمه. وفي ذلك اشتراك مع الله في علم الغيب، وذلك كفر بالاتفاق ...
стр. 123
وإن قالوا: أفهمه ما شاء من كلامه، رجعوا إلى التبعيض الذي يكفِّرون به أهل الحق، ويخالفون فيه نص الكتاب حيث قال الله سبحانه: ﴿ومن الأحزاب من ينكر بعضه﴾ ﴿وَمِنَ الْأَحْزَابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ﴾ [الرعد:٣٦] وقال: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ [البقرة:٨٥] والكتاب عند السلف هو القرآن باتفاق المسلمين كلام الله " (١).
وقال الإمام يحيى ابن أبي الخير العمراني: "ويقال للأشعرية: هل أسمع الله موسى وأفهمه جميع كلامه أو بعض كلامه؟
فإن قالوا: أفهمه وأسمعه جميع كلامه، فقد جعلوا موسى عالمًا بما في نفس الله وعالمًا بالغيب، وقد أخبر سبحانه أنه لا يعلم ما في نفسه أحد، ولا يعلم الغيب إلا هو، وأخبر سبحانه أنه لو كان البحر مدادًا لكلماته لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات الله، ويؤدي قولهم هذا أن موسى ﵇ قد فهم التوراة والإنجيل والفرقان، وأنّ المشروع بالقرآن والإنجيل كان مشروعا على بني إسرائيل وهذا باطل بالإجماع. وإن قالوا: أسمع موسى ﵇ وأفهمه ما شاء من كلامه، رجعوا إلى ما عليه أهل الحق، وأن كلام الله ليس بشيء واحد.
стр. 124
وإن قالوا: لم يسمع الله موسى كلامه القائم بذاته وإنما أسمعه العبارة عن كلامه وهي التوراة، أدى قولهم هذا إلى معان فاسدة، ... ومنها: أن موسى يخرج عن أن يسمى كليم الله، وهذا ترك لما ورد به نص القرآن وأجمع عليه المسلمون، ورجعوا بذلك إلى قول المعتزلة الذين هم حوله يدورون، وعليه يعولون، وهو أن الله ما كلّم موسى وإنما خلق كلامًا في الشجرة أسمعه موسى ﵇" (١).
- ويلزم الأشاعرة أيضًا أن يقولوا في بقية صفات الله تعالى ما قالوه في صفة الكلام، وذلك أنه إذا جاز أن يجعلوا الحقائق المتنوعة - كآية الدين، وآية الكرسي، والنهي عن الزنا وعن الربا، والقرآن والتوراة والإنجيل - شيئاً واحدًا، فيلزمهم أن يجوزوا أن يكون العلم والقدرة والكلام والسمع والبصر والحياة والإرادة، صفة واحدة. أو أنهم يقولون بالتعدد في الكلام كما يقولونه في الصفات، من أن العلم غير القدرة، والإرادة غير الحياة، وإن كانت صفات قائمة بالله تعالى.
стр. 125
وهذا الإلزام لا محيد لهم عنه، وقد اعترف بذلك بعض أئمتهم منهم الآمدي حيث ذكر هذا الاعتراض، وذكر جواب أصحابه الأشاعرة عنه - ثم قال معلقا على جواب هذا الاعتراض: "وفيه نظر"، ثم قال: "والحق أنّ ما أوردوه من الإشكال على القول باتحاد الكلام وعود الاختلاف إلى التعلقات والمتعلقات مشكل، وعسى أن يكون عند غيري حلّه، ولعسر جوابه فرّ بعض أصحابنا إلى القول بأن كلام الله القائم بذاته خمس صفات مختلفة، وهي الأمر والنهي والخبر والاستخبار والنداء" (١).
وعلق شيخ الإسلام على كلام الآمدي فقال: "قول القائل: إن الكلام خمس صفات أو سبع أو تسع أو غير ذلك من العدد لا يزيل ما تقدم من الأمور الموجبة تعدد الكلام.
وقد رأيت أنه يلزم من قال باتحاد معنى الكلام اتحاد الصفات كلها، ثم رفعها بالكلية وجعلها نفس الذات" (٢).
стр. 126
- ومما يلزم مذهب الأشاعرة أيضًا تخطئةُ السلف الصالح، فالأشاعرة - كما تقدم- مصوِّبون للمعتزلة في قولهم بخلق القرآن الذي بين دفتي المصحف، ويحصرون الخلاف بينهم وبين المعتزلة في إثبات أمر آخر وراء ذلك، ولم يكن الخلاف بين السلف والجهمية والمعتزلة كما قدمنا إلا في القرآن المنزل على نبينا محمد ﷺ ، المثبت في المصاحف، فإذا كان قولُ المعتزلة صوابًا فلا شك أن القول الآخر -وهو قول السلف - ليس بصواب.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "لا ريب أنه قد اشتهر عند العامة والخاصة اتفاق السلف على أن القرآن كلام الله وأنهم أنكروا على من جعله مخلوقًا خلقه الله كما خلق سائر المخلوقات من السماء والأرض، ... وأنتم [يعني: الأشاعرة] فلا ريب أن كلما يقول هؤلاء إنه مخلوق، لا تنازعونهم في أنّ الكلام الذي يقولون هو مخلوق، بل تقولون أنتم أيضًا إنه مخلوق.
فالذي قال هؤلاء إنه مخلوق إما أن يكون مخلوقًا أو لا يكون، فإن لم يكن مخلوقًا كنتم أنتم وهم ضالين حيث حكمتم جميعًا بخلقه.
وإن كان مخلوقًا لم يجز ذمّ من قال إنه مخلوق ولا عيبه بذلك، ولا يقال إنه جعل كلام الله الذي ليس بمخلوق مخلوقًا، ولا أنه جعل كلام الله في المخلوق ولا أنه جعل الشجرة هي القائلة إنني أنا الله، ونحو ذلك من الأقوال التي وَصف بها السلفُ مذهبَ الجهمية ...
стр. 127
وغاية ما يعاب به عندكم أنه نفى عن الله معنى آخر تثبتونه له، ذلك المعنى أكثر الناس لا يتصورونه لا المعتزلة ولا غيرهم، فضلا عن أن يحكموا عليه بأنه مخلوق، وذلك المعنى لا يتصور أن يقوم بالشجرة ولا غيرها، حتى تكون الشجرة هي القائلة له، والسلف لم يعيبوهم بهذا، ولا قالوا لهم: ما ذكرتم أنه مخلوق فهو مخلوق، لكن ثَمّ معنى آخر ليس بمخلوق، ولا قالوا: هذا الذي قلتم إنه مخلوق هو مخلوق، لكنه ليس هو بكلام الله، ولا نحو ذلك.
فإن كان هذا الذي قالوا هو مخلوق هو مخلوق كما قالوا ليس هو كلام الله، وإنما كلام الله معنى آخر، فلا ريب أنّ السلف مخطئون ضالون في هذه المسألة، فأحد الأمرين لازم إما تضليلكم المعتزلة أو تضليل السلف، والثاني ممتنع، فتعين الأول.
يؤيد هذا ... أن الأمة إذا اختلفت في مسألة على قولين لم يكن لمن بعدهم إحداث قول ثالث، فإذا لم يكن في صدر الأمة إلا قول السلف وقول المعتزلة تعين أن يكون الحق في أحد القولين" (١).
стр. 128
- ويلزمهم أيضًا أن لا يحكوا عن المعتزلة القول بخلق القرآن وأن لا يذموهم بذلك؛ لأن الذي قالت المعتزلة إنه مخلوق فهم يوافقونهم في أنه مخلوق.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "لا يحل لكم أن تحكوا عن المعتزلة أنهم قالوا بخلق القرآن أو بخلق كلام الله كما يحكيه عنهم السلف وأئمة الحديث والسنة، وكما يقولون هم ذلك، وإن حكيتم ذلك عنهم فلا يحل لكم أن تذموهم بذلك كما ذموهم السلف به، بل تمدحونهم بذلك كما يمدحون بذلك أنفسهم، فلا بد لكم من مخالفة السلف والمعتزلة جميعًا، أو مخالفة السلف وموافقة المعتزلة؛ وذلك لأن الذي قالت المعتزلة إنه مخلوق فأنتم تقولون إنه مخلوق أيضًا، وذلك واجب عندكم، ومن قال عن ذلك إنه ليس بمخلوق فهو ضال عندكم أو كافر" (١).
стр. 129
مراد الأشاعرة بقولهم:
"القرآن قديم "
يُطلِقُ كثيرٌ من علماء الأشاعرة في مصنفاتهم عبارة "القرآن قديم"، ويظنّ من لا خبرة له بمذهبهم أن مرادهم بذلك القرآن المنزل على نبينا محمد ﷺ ، الموجود بين دفتي المصحف، وليس الأمر كذلك؛ بل مرادهم بالقرآن القديم الكلام النفسي القائم بالذات، الذي لم يُنزل ولم يُسمع ولم يقرأ.
وبالتالي فلا تعارض بين ما قدمناه عنهم من كونهم يقولون بأن القرآن المنزل الموجود بين دفتي المصحف مخلوق ومحدث وحادث، وبين قولهم: "القرآن قديم"، فالقديم عندهم هو الكلام النفسي لا القرآن المُثبَت في المصاحف الذي نعرفه ويعرفه المسلمون جميعًا (١).
وإليك - إضافةً إلى ما تقدم- بعض أقوال أئمة وعلماء الأشاعرة من المتقدمين والمتأخرين التي فيها التصريح بأنّ القرآن القديم هو الكلام النفسي القائم بذات الله لا القرآن المثبت في المصاحف المحفوظ في الصدور:
стр. 130
- قال إمام الحرمين الجويني: "والكلام الذي يقضي أهل الحق بقدمه وهو الكلام القائم بالنفس" (١).
- وقال الإمام الغزالي: "فقد انكشف الغطاء ولاح وجود معنى هو مدلول اللفظ زائداً على ما عداه من المعاني، ونحن نسمي ذلك كلاماً وهو جنس مخالف للعلوم والإرادات والاعتقادات، وذلك لا يستحيل ثبوته لله تعالى، بل يجب ثبوته؛ فإنه نوع كلام، فإذًا هو المعني بالكلام القديم" (٢).
وقال أيضًا: "فنقول: ها هنا ثلاثة ألفاظ: قراءة، ومقروء، وقرآن.
أما المقروء فهو كلام الله تعالى، أعني صفته القديمة القائمة بذاته. وأما القراءة: فهي في اللسان عبارة عن فعل القارئ الذي كان ابتدأه بعد أن كان تاركاً له، ...
وأما القرآن، فقد يطلق ويراد به المقروء [أي: الصفة القديمة القائمة بذاته كما تقدم]، فإن أُريد به ذلك فهو قديم غير مخلوق، وهو الذي أراده السلف رضوان الله عليهم بقولهم القرآن كلام الله تعالى غير مخلوق" (٣).
стр. 131
وقال أيضًا: "فكل ما أورده المسلمون من وصف القرآن بما هو قديم، كقولهم القرآن كلام الله تعالى غير مخلوق، أرادوا به المقروء [أي: الصفة القديمة القائمة بذاته تعالى كما تقدم]، وكل ما وصفوه به مما لا يحتمله القديم، ككونه سوراً وآيات ولها مقاطع ومفاتح، أرادوا به العبارات الدالة على الصفة القديمة" (١).
- وقال الفخر الرازي: "وعندهم [أي: المعتزلة] القرآن ليس إلا ما تركب عن هذه الحروف والأصوات، فكانت الدلائل التي ذكروها دالة على حدوث هذه الحروف والأصوات. ونحن لا ننازع في ذلك، وإنما ندّعي قِدم القرآن بمعنى آخر" (٢).
وقال أيضًا: "فنحن نُثبتُ لله تعالى كلامًا مغايرًا لهذه الحروف والأصوات، وندّعي قدم ذلك الكلام" (٣).
стр. 132
- وقال أبو الحسن الآمدي: "على أن لا تنازع [أي: بين الأشاعرة والمعتزلة] في أن ما جاء به الرسول من الحروف المنتظمة والأصوات المقطعة معجزة له وأنه يسمى قرآنًا وكلامًا، وأنّ ذلك ليس بقديم، وإنما النزاع في مدلول تلك العبارات هل هو صفة قديمة أزلية أم لا" (١).
- وقال أحمد بن غنيم النفراوي الأزهري المالكي (المتوفى: ١١٢٦ هـ): "المراد بالقرآن اللفظ المنزل على محمد وهو مخلوق حادث، والقديم مدلوله" (٢).
- وقال حسن بن محمد العطار: "هذه الألفاظ دالة على الصفة النفسية القديمة، فالدال حادث والمدلول قديم، وهذا المدلول هو المراد بقولهم المقروء قديم" (٣).
стр. 133
- وقال الباجوري: "فإنّ من أُضيف له كلام لفظي دل عرفًا أن له كلاماً نفسيًا، وقد أُضيف له تعالى كلام لفظي كالقرآن، فإنه كلام الله قطعًا بمعنى أنه خلقه في اللوح المحفوظ، فدل التزامًا على أنه له تعالى كلامًا نفسيًا، وهذا هو المراد بقولهم: القرآن حادث، ومدلوله قديم، فأرادوا بمدلوله الكلام النفسي" (١).
- وقال عبد الحميد الشرواني: "المقرر في علم الكلام أن القديم إنما هو الكلام النفسي، لا اللفظي" (٢).
стр. 134
سببُ منع الإمام أحمد وغيره
إطلاق: "لفظي بالقرآن مخلوق "
منعَ الإمامُ أحمد وغيره من أئمة أهل السنة إطلاق "لفظي بالقرآن مخلوق"؛ لأنّ اللفظ يُراد به أمران:
الأول: التلفظ، وهو فعل العبد وحركاته، وذلك مخلوق.
والثاني: الملفوظ الذي يلفظ به اللافظ، وذلك هو القرآن المتلو، ومعلوم أن القرآن المتلو الذي يتلوه العبد ويلفِظُ به غير مخلوق.
وكان الجهمية يتوصلون بقولهم: "لفظي بالقرآن مخلوق" إلى القول بخلق القرآن العربي، المؤلف من الحروف والكلمات والآيات والسور، فكان الإمام أحمد يجهِّم من يقول ذلك.
ومقصود الإمام أحمد مِن تجهيم اللفظية القائلين: ألفاظنا بالقرآن مخلوقة، تجهيمُ مَن يقصد باللفظِ القرآنَ العربي المنزل على نبينا محمد ﷺ ، لا من أراد التلفّظ الذي هو فعل العبد وحركته وصوته، وقد بيّن ذلك بقوله ﷺ عمن يقول إن ألفاظنا بالقرآن مخلوق: "من زعم هذا فقد زعم أن جبريل ﷺ جاء بمخلوق، وأن النبي ﷺ تكلّم بمخلوق" (١).
стр. 135
وقال يعقوب الدورقي: قال أحمد بن حنبل: اللفظية إنما يدورون على كلام جهم، يزعمون أن جبريل ﷺ إنما جاء بشيء مخلوق إلى مخلوق. يعني: جبريل مخلوق، جاء به إلى محمد ﷺ (١).
وعن عبد الله بن الإمام أحمد قال: سمعت أبي ﵀ يقول: كل من يقصد إلى القرآن بلفظ أو غير ذلك يريد به مخلوق فهو جهمي" (٢).
فقوله: "كل من يقصد إلى القرآن بلفظ ... يريد به مخلوق" احترازٌ عمن قال: لفظي بالقرآن مخلوق، وأراد به فعل العبد الذي هو حركته وصوته.
وقال أيضًا: سمعت أبي يقول: من قال: لفظي بالقرآن مخلوق يريد به القرآن، فهو كافر" (٣)
فقوله: "يريد به القرآن" احترز به عن تكفير من يقول: "لفظي بالقرآن مخلوق" ويريد به حركة العبد وصوته، لا نفس الكلام المتلو المقروء.
وقال أبو مسعود أحمد بن الفرات: من قال: لفظي بالقرآن مخلوق، يريد أن يحتال في القرآن بشيء من الأشياء أو بوجه من الوجوه مما يدعو ذلك إلى أن يقول القرآن مخلوق، فهو جهمي خبيث" (٤).
стр. 136
وقال الحافظ أبو بكر الإسماعيلي: "ومن قال بخلق اللفظ بالقرآن يريد به القرآن فهو قد قال بخلق القرآن" (١).
وقال الحافظ أبو نعيم الأصبهاني: "وأنه [أي: القرآن] بألفاظنا كلام الله غير مخلوق، وأن الواقفة واللفظية من الجهمية، وأن من قصد القرآن بوجه من الوجوه يريد به خلق كلام الله فهو عندهم من الجهمية" (٢).
وقال شيخ الإسلام أبو عثمان الصابوني: "والذي حكاه [أي: ابن جرير الطبري] عن أحمد ﵀ وأرضاه أنّ اللفظية جهمية فصحيح عنه، وإنما قال ذلك لأنّ جهمًا وأصحابه صرحوا بخلق القرآن، والذين قالوا باللفظ تدرَّجوا به إلى القول بخلق القرآن، وخافوا أهل السنة في ذلك الزمان من التصريح بخلق القرآن، فذكروا هذا اللفظ وأرادوا به أن القرآن بلفظنا مخلوق، فلذلك سماهم أحمد ﵀ جهمية" (٣).
стр. 137
وقال الحافظ أبو القاسم التيمي الأصبهاني: "وقولهم: لفظي بالقرآن مخلوق خطأ، لأنّ قائل هذا يريد أن يتدرج إلى أن يقول القرآن مخلوق، وهو لا يجسر أن يفعله ظاهرًا، فيقوله باطنًا" (١).
وكما أن الإمام أحمد اشتهر عنه وتواتر أنه كان يجهِّم من يقول: "لفظي بالقرآن مخلوق"، فإنه كان يُبدِّع من يقول: "لفظي بالقرآن غير مخلوق" (٢)، فاللفظ كما تقدم يراد به التلفظ - وهو حركة العبد وصوته - وهو مخلوق، ويراد به الكلام الملفوظ المتلو الذي يتلوه العبد، وذلك غير مخلوق، فهو كلام الله تعالى وليس كلام القارئ، فإطلاق الخلق على اللفظ قد يُوهم المعنى الثاني وهو خطأ، وإطلاق نفي الخلق عليه قد يوهم المعنى الأول وهو خطأ، فَمَنع الإمامُ أحمد الإطلاقين.
стр. 138
قال الحافظ الذهبي: "الذي استقر الحال عليه أن أبا عبد الله [أي: أحمد بن حنبل] كان يقول: من قال: لفظي بالقرآن غير مخلوق، فهو مبتدع، وأنه قال: من قال: لفظي بالقرآن مخلوق، فهو جهمي.
فكان ﵀ لا يقول هذا ولا هذا، وربما أوضح ذلك، فقال: من قال: لفظي بالقرآن مخلوق - يريد به القرآن - فهو جهمي" (١).
وعن أبي بكر ابن زنجويه قال: سمعت أحمد بن حنبل يقول: من قال لفظي بالقرآن مخلوق فهو جهمي، ومن قال غير مخلوق فهو مبتدع لا يكلّم" (٢).
وقال الإمام ابن جرير الطبري: "سمعت جماعة من أصحابنا لا أحفظ أسماءهم يذكرون عنه [أي: الإمام أحمد] أنه كان يقول: من قال لفظي بالقرآن مخلوق فهو جهمي، ومن قال هو غير مخلوق فهو مبتدع" (٣).
стр. 139
وقال عبد الله بن الإمام أحمد: "وكان أبي ﵀ يكره أن يتكلم في اللفظ بشيء، أو يقال: مخلوق، أو غير مخلوق" (١).
وقال الإمام البخاري: "فأما ما احتج به الفريقان لمذهب أحمد ويدّعيه كلٌ لنفسه فليس بثابت كثير من أخبارهم، وربما لم يفهموا دقّة مذهبه، بل المعروف عن أحمد وأهل العلم أنّ كلام الله غير مخلوق، وما سواه مخلوق، وأنهم كرهوا البحث والتنقيب عن الأشياء الغامضة، وتجنبوا أهل الكلام، والخوض والتنازع إلا فيما جاء فيه العلم وبيّنه رسول الله ﷺ " (٢).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "كان الإمام أحمد بن حنبل وغيره من أئمة السنة يقولون: من قال اللفظ بالقرآن، أو لفظي بالقرآن مخلوق فهو جهمي، ومن قال: إنه غير مخلوق فهو مبتدع، وفي بعض الروايات عنه: من قال لفظي بالقرآن مخلوق يعني به القرآن فهو جهمي؛ لأنّ اللفظ يراد به مصدر لفظ يلفظ لفظًا، ومسمى هذا فعل العبد، وفعل العبد مخلوق.
стр. 140
ويراد باللفظ القول الذي يلفظ به اللافظ، وذلك كلام الله لا كلام القارئ، فمن قال إنه مخلوق فقد قال إن الله لم يتكلم بهذا القرآن، وإن هذا الذي يقرؤه المسلمون ليس هو كلام الله، ومعلوم أن هذا مخالف لما علم بالاضطرار من دين الرسول" (١).
وقال أيضًا: و"اللفظ" في الأصل مصدر لفظ يلفظ لفظًا، وكذلك "التلاوة" و"القراءة" مصدران، لكن شاع استعمال ذلك في نفس الكلام الملفوظ المقروء المتلو، وهو المراد باللفظ في إطلاقهم.
فإذا قيل: لفظي أو اللفظ بالقرآن مخلوق، أشعر أنّ هذا القرآن الذي يقرؤه ويلفظ به مخلوق.
وإذا قيل: لفظي غير مخلوق أشعر أن شيئًا مما يضاف إليه غير مخلوق، وصوته وحركته مخلوقان، لكن كلام الله الذي يقرؤه غير مخلوق" (٢).
стр. 141
وقال أيضًا: "ونفس اللفظ والتلاوة والقراءة والكتابة ونحو ذلك لما كان يُراد به المصدر الذي هو حركات العباد وما يحدث عنها من أصواتهم وشكل المداد.
ويراد به نفس الكلام الذي يقرؤه التالي ويتلوه ويلفظ به ويكتبه، منع أحمد وغيره من إطلاق النفي والإثبات الذي يقتضي جعل صفات الله مخلوقة، أو جعل صفات العباد ومدادهم غير مخلوق.
وقال أحمد: نقول: القرآن كلام الله غير مخلوق حيث تصرف، أي حيث تُلي وكتب وقرئ مما هو في نفس الأمر كلام الله، فهو كلامه، وكلامه غير مخلوق.
وما كان من صفات العباد وأفعالهم التي يقرؤون ويكتبون بها كلامه كأصواتهم ومدادهم فهو مخلوق، ولهذا من لم يهتد إلى هذا الفرق يحار؛ فإنه معلوم أن القرآن واحد، ويقرؤه خلق كثير، والقرآن لا يكثر في نفسه بكثرة قراءة القراء، وإنما يكثر ما يقرؤون به القرآن، فما يكثر ويحدث في العباد فهو مخلوق، والقرآن نفسه لفظه ومعناه الذي تكلم الله به، وسمعه جبريل من الله، وسمعه محمد من جبريل، وبلغه محمد إلى الناس وأنذر به الأمم، لقوله تعالى: ﴿لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام:١٩] قرآن واحد، وهو كلام الله ليس بمخلوق" (١).
стр. 142
وقال أيضًا: "التلاوة والقراءة "كاللفظ قد يراد به مصدر تلا يتلو تلاوة وقرأ يقرأ قراءة ولفظ يلفظ لفظًا، ومسمى المصدر هو فعل العبد وحركاته، ... وقد يراد باللفظ الملفوظ، وبالتلاوة المتلو، وبالقراءة المقروء، وهو القول المسموع وذلك هو المتلو، ومعلوم أن القرآن المتلو الذي يتلوه العبد ويلفظ به غير مخلوق، وقد يراد بذلك مجموع الأمرين. فلا يجوز إطلاق الخلق على الجميع، ولا نفي الخلق عن الجميع" (١).
وقال الحافظ أبو عبد الله الذهبي: "ومعلوم أنّ التلفظ شيء من كسب القارئ غير الملفوظ، والقراءة غير الشيء المقروء، والتلاوة وحسنها وتجويدها غير المتلو، وصوت القارئ من كسبه فهو يحدث التلفظ والصوت والحركة والنطق، وإخراج الكلمات من أدواته المخلوقة، ولم يحدث كلمات القرآن، ولا ترتيبه، ولا تأليفه، ولا معانيه.
فلقد أحسن الإمام أبو عبد الله حيث منع من الخوض في المسألة من الطرفين؛ إذ كل واحد من إطلاق الخلقية وعدمها على اللفظ مُوهم، ولم يأت به كتاب ولا سنة، بل الذي لا نرتاب فيه أن القرآن كلام الله منزل غير مخلوق" (٢).
стр. 143
وقال أيضًا في ترجمة الحسين الكرابيسي: "وكان يقول: القرآن كلام الله غير مخلوق، ولفظي به مخلوق، فإن عنى التلفظ فهذا جيد، فإنّ أفعالنا مخلوقة، وإن قصد الملفوظ بأنه مخلوق، فهذا الذى أنكره أحمد والسلف وعدّوه تجهّمًا" (١).
وقال أيضًا بعد أن ذكر قول أحمد بن صالح المصري "لفظنا بالقرآن هو الملفوظ، والحكاية هي المحكي، وهو كلام الله غير مخلوق، من قال: لفظي به مخلوق، فهو كافر.
"قلتُ: إن قال: لفظي، وعنى به القرآن، فنعم، وإن قال: لفظي، وقصد به تلفظي وصوتي وفِعْلي أنه مخلوق، فهذا مصيب، فالله تعالى خالقنا وخالق أفعالنا وأدواتنا، ولكن الكف عن هذا هو السنة.
ويكفي المرء أن يؤمن بأن القرآن العظيم كلام الله ووحيه وتنزيله على قلب نبيه، وأنه غير مخلوق، ومعلوم عند كل ذي ذهن سليم أن الجماعة إذا قرؤوا السورة أنهم جميعهم قرؤوا شيئًا واحدًا، وأن أصواتهم وقراءاتهم وحناجرهم أشياء مختلفة، فالمقروء كلام ربهم، وقراءتهم وتلفظهم ونغماتهم متباينة، ومن لم يتصور الفرق بين التلفظ وبين الملفوظ، فدعه، وأعرض عنه" (٢).
стр. 144
وقال أيضًا: "اللفظ يطلق على ألفاظ القرآن، وكلماته، وحروفه، التي بلغها جبريل عن الله تعالى إلى نبيه ﷺ .
فليس لجبريل ولا للنبي ﷺ في القرآن إلا مجرد البلاغ, ومحض الأداء من غير زيادة حرف فيه، ولا نقصان ولا تصرّف.
ويطلق اللفظ أيضًا على تلفّظ القارئ ونطقه وتلاوته للملفوظ المتلو المسموع. تقول: فلان حسن التلفظ، وعذب التلاوة، ومليح القراءة، ورديء الأداء، وبشع القراءة، ولا تقول: فلان حسن الملفوظ ولا المقروء" (١).
وقال الحافظ ابن القيم: "الإمامُ أحمد سدّ الذريعة حيث منع إطلاق لفظ المخلوق نفيًا وإثباتًا على اللفظ ... وهذا المنع في النفي والإثبات من كمال علمه باللغة والسنة وتحقيقه لهذا الباب، فإنه امتحن به ما لم يمتحن به غيره، وصار كلامه قدوة وإماما لحزب الرسول ﷺ إلى يوم القيامة.
والذي قصده أحمد أنّ اللفظ يراد به أمران: أحدهما: الملفوظ نفسه، وهو غير مقدور للعبد ولا فعل له. الثاني: التلفظ به والأداء له وفعل العبد.
فإطلاق الخلق على اللفظ قد يُوهم المعنى الأول وهو خطأ، وإطلاق نفي الخلق عليه قد يوهم المعنى الثاني وهو خطأ، فمنع الإطلاقين" (٢).
стр. 145
وقال العلامة محمد بن إبراهيم الوزير: "فأما الأئمة الذين نهوا عن ذلك [أي: قول القائل: لفظي بالقرآن مخلوق] وضده -كأحمد بن حنبل، وأضرابه- فإنما نهوا عنه كراهية لما يلبس على عوام المسلمين، ويضارع ألفاظ أهل البدع، ويتولد منه المراء والتشويش" (١).
وقال الحافظ ابن حجر: "واشتد إنكار الإمام أحمد ومن تبعه على من قال لفظي بالقرآن مخلوق ... وجمع ابن أبي حاتم أسماء من أطلق على اللفظية أنهم جهمية فبلغوا عددًا كثيرًا من الأئمة، وأفرد لذلك بابًا في كتابه الرد على الجهمية.
والذي يتحصل من كلام المحققين منهم أنهم أرادوا حسم المادة صونًا للقرآن أن يوصف بكونه مخلوقًا، وإذا حقق الأمر عليهم لم يفصح أحد منهم بأن حركة لسانه إذا قرأ قديمة" (٢).
وقال الشيخ حافظ الحكمي: "اشتهر عن السلف الصالح كأحمد بن حنبل وهارون الفروي وجماعة أئمة الحديث أن اللفظية جهمية, واللفظية هم من قال: لفظي بالقرآن مخلوق.
قال أئمة السنة رحمهم تعالى: ومن قال لفظي بالقرآن غير مخلوق فهو مبتدع, يعنون غير بدعية الجهمية؛ وذلك لأن اللفظ يطلق على معنيين: