← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 246

مذهب جمهور الأشاعرة في القرآن

محمد بن عبد الله المقشي

Полный текст (227 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

وقال أيضًا: "ونفس اللفظ والتلاوة والقراءة والكتابة ونحو ذلك لما كان يُراد به المصدر الذي هو حركات العباد وما يحدث عنها من أصواتهم وشكل المداد. ويراد به نفس الكلام الذي يقرؤه التالي ويتلوه ويلفظ به ويكتبه، منع أحمد وغيره من إطلاق النفي والإثبات الذي يقتضي جعل صفات الله مخلوقة، أو جعل صفات العباد ومدادهم غير مخلوق. وقال أحمد: نقول: القرآن كلام الله غير مخلوق حيث تصرف، أي حيث تُلي وكتب وقرئ مما هو في نفس الأمر كلام الله، فهو كلامه، وكلامه غير مخلوق. وما كان من صفات العباد وأفعالهم التي يقرؤون ويكتبون بها كلامه كأصواتهم ومدادهم فهو مخلوق، ولهذا من لم يهتد إلى هذا الفرق يحار؛ فإنه معلوم أن القرآن واحد، ويقرؤه خلق كثير، والقرآن لا يكثر في نفسه بكثرة قراءة القراء، وإنما يكثر ما يقرؤون به القرآن، فما يكثر ويحدث في العباد فهو مخلوق، والقرآن نفسه لفظه ومعناه الذي تكلم الله به، وسمعه جبريل من الله، وسمعه محمد من جبريل، وبلغه محمد إلى الناس وأنذر به الأمم، لقوله تعالى: ﴿لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام:١٩] قرآن واحد، وهو كلام الله ليس بمخلوق" (١).

стр. 142

وقال أيضًا: "التلاوة والقراءة "كاللفظ قد يراد به مصدر تلا يتلو تلاوة وقرأ يقرأ قراءة ولفظ يلفظ لفظًا، ومسمى المصدر هو فعل العبد وحركاته، ... وقد يراد باللفظ الملفوظ، وبالتلاوة المتلو، وبالقراءة المقروء، وهو القول المسموع وذلك هو المتلو، ومعلوم أن القرآن المتلو الذي يتلوه العبد ويلفظ به غير مخلوق، وقد يراد بذلك مجموع الأمرين. فلا يجوز إطلاق الخلق على الجميع، ولا نفي الخلق عن الجميع" (١). وقال الحافظ أبو عبد الله الذهبي: "ومعلوم أنّ التلفظ شيء من كسب القارئ غير الملفوظ، والقراءة غير الشيء المقروء، والتلاوة وحسنها وتجويدها غير المتلو، وصوت القارئ من كسبه فهو يحدث التلفظ والصوت والحركة والنطق، وإخراج الكلمات من أدواته المخلوقة، ولم يحدث كلمات القرآن، ولا ترتيبه، ولا تأليفه، ولا معانيه. فلقد أحسن الإمام أبو عبد الله حيث منع من الخوض في المسألة من الطرفين؛ إذ كل واحد من إطلاق الخلقية وعدمها على اللفظ مُوهم، ولم يأت به كتاب ولا سنة، بل الذي لا نرتاب فيه أن القرآن كلام الله منزل غير مخلوق" (٢).

стр. 143

وقال أيضًا في ترجمة الحسين الكرابيسي: "وكان يقول: القرآن كلام الله غير مخلوق، ولفظي به مخلوق، فإن عنى التلفظ فهذا جيد، فإنّ أفعالنا مخلوقة، وإن قصد الملفوظ بأنه مخلوق، فهذا الذى أنكره أحمد والسلف وعدّوه تجهّمًا" (١). وقال أيضًا بعد أن ذكر قول أحمد بن صالح المصري "لفظنا بالقرآن هو الملفوظ، والحكاية هي المحكي، وهو كلام الله غير مخلوق، من قال: لفظي به مخلوق، فهو كافر. "قلتُ: إن قال: لفظي، وعنى به القرآن، فنعم، وإن قال: لفظي، وقصد به تلفظي وصوتي وفِعْلي أنه مخلوق، فهذا مصيب، فالله تعالى خالقنا وخالق أفعالنا وأدواتنا، ولكن الكف عن هذا هو السنة. ويكفي المرء أن يؤمن بأن القرآن العظيم كلام الله ووحيه وتنزيله على قلب نبيه، وأنه غير مخلوق، ومعلوم عند كل ذي ذهن سليم أن الجماعة إذا قرؤوا السورة أنهم جميعهم قرؤوا شيئًا واحدًا، وأن أصواتهم وقراءاتهم وحناجرهم أشياء مختلفة، فالمقروء كلام ربهم، وقراءتهم وتلفظهم ونغماتهم متباينة، ومن لم يتصور الفرق بين التلفظ وبين الملفوظ، فدعه، وأعرض عنه" (٢).

стр. 144

وقال أيضًا: "اللفظ يطلق على ألفاظ القرآن، وكلماته، وحروفه، التي بلغها جبريل عن الله تعالى إلى نبيه ﷺ . فليس لجبريل ولا للنبي ﷺ في القرآن إلا مجرد البلاغ, ومحض الأداء من غير زيادة حرف فيه، ولا نقصان ولا تصرّف. ويطلق اللفظ أيضًا على تلفّظ القارئ ونطقه وتلاوته للملفوظ المتلو المسموع. تقول: فلان حسن التلفظ، وعذب التلاوة، ومليح القراءة، ورديء الأداء، وبشع القراءة، ولا تقول: فلان حسن الملفوظ ولا المقروء" (١). وقال الحافظ ابن القيم: "الإمامُ أحمد سدّ الذريعة حيث منع إطلاق لفظ المخلوق نفيًا وإثباتًا على اللفظ ... وهذا المنع في النفي والإثبات من كمال علمه باللغة والسنة وتحقيقه لهذا الباب، فإنه امتحن به ما لم يمتحن به غيره، وصار كلامه قدوة وإماما لحزب الرسول ﷺ إلى يوم القيامة. والذي قصده أحمد أنّ اللفظ يراد به أمران: أحدهما: الملفوظ نفسه، وهو غير مقدور للعبد ولا فعل له. الثاني: التلفظ به والأداء له وفعل العبد. فإطلاق الخلق على اللفظ قد يُوهم المعنى الأول وهو خطأ، وإطلاق نفي الخلق عليه قد يوهم المعنى الثاني وهو خطأ، فمنع الإطلاقين" (٢).

стр. 145

وقال العلامة محمد بن إبراهيم الوزير: "فأما الأئمة الذين نهوا عن ذلك [أي: قول القائل: لفظي بالقرآن مخلوق] وضده -كأحمد بن حنبل، وأضرابه- فإنما نهوا عنه كراهية لما يلبس على عوام المسلمين، ويضارع ألفاظ أهل البدع، ويتولد منه المراء والتشويش" (١). وقال الحافظ ابن حجر: "واشتد إنكار الإمام أحمد ومن تبعه على من قال لفظي بالقرآن مخلوق ... وجمع ابن أبي حاتم أسماء من أطلق على اللفظية أنهم جهمية فبلغوا عددًا كثيرًا من الأئمة، وأفرد لذلك بابًا في كتابه الرد على الجهمية. والذي يتحصل من كلام المحققين منهم أنهم أرادوا حسم المادة صونًا للقرآن أن يوصف بكونه مخلوقًا، وإذا حقق الأمر عليهم لم يفصح أحد منهم بأن حركة لسانه إذا قرأ قديمة" (٢). وقال الشيخ حافظ الحكمي: "اشتهر عن السلف الصالح كأحمد بن حنبل وهارون الفروي وجماعة أئمة الحديث أن اللفظية جهمية, واللفظية هم من قال: لفظي بالقرآن مخلوق. قال أئمة السنة رحمهم تعالى: ومن قال لفظي بالقرآن غير مخلوق فهو مبتدع, يعنون غير بدعية الجهمية؛ وذلك لأن اللفظ يطلق على معنيين:

стр. 146

أحدهما: الملفوظ به وهو القرآن وهو كلام الله ليس فعلا للعبد ولا مقدورا له. والثاني: التلفظ، وهو فعل العبد وكسبه وسعيه. فإذا أُطلق لفظ الخلق على المعنى الثاني شمل الأول وهو قول الجهمية, وإذا عُكس الأمر بأن قال لفظي بالقرآن غير مخلوق شمل المعنى الثاني وهي بدعة أخرى من بدع الاتحادية. وهذا ظاهر عند كل عاقل, فإنك إذا سمعت رجلاً يقرأ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] تقول: هذا لفظ سورة الإخلاص, وتقول: هذا لفظ فلان بسورة الإخلاص, إذ اللفظ معنى مشترك بين التلفظ الذي هو فعل العبد، وبين الملفوظ به الذي هو كلام الله . وهذا بخلاف ما ذكر السلف بقولهم: الصوت صوت القاري والكلام كلام الباري, فإن الصوت معنى خاص بفعل العبد لا يتناول المتلو المؤدى بالصوت البتة, ولا يصلح أن تقول هذا صوت ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] ولا يقول ذلك عاقل, وإنما تقول: هذا صوت فلان يقرأ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] ونحو ذلك" (١).

стр. 147

هل ثبت عن الإمام البخاري أنه قال: "لفظي بالقرآن مخلوق "؟ لم يثبت عن الإمام البخاري أنه قال: "لفظي بالقرآن مخلوق"، بل الثابت عنه تكذيب من حكى عنه أنه قال ذلك، فقد ساق الحافظ أبو القاسم هبة الله اللالكائي بسنده إلى أبي عمرو أحمد بن نصر بن إبراهيم النيسابوري المعروف بالخفاف أنه قال: كنا يومًا عند أبي إسحاق القرشي ومعنا محمد بن نصر المروزي, فجرى ذكر محمد بن إسماعيل, فقال محمد بن نصر: سمعته يقول: من زعم أنّي قلت: لفظي بالقرآن مخلوق فهو كذاب, فإني لم أقله. فقلت له: يا أبا عبد الله فقد خاض الناس في هذا وأكثروا فيه. فقال: ليس إلا ما أقول وأحكي لك عنه. قال أبو عمرو الخفاف: فأتيت محمد بن إسماعيل فناظرته في شيء من الحديث حتى طابت نفسه فقلت له: يا أبا عبد الله هاهنا رجل يحكي عنك أنك قلت هذه المقالة. فقال لي: يا أبا عمرو احفظ ما أقول: من زعم - من أهل نيسابور وقومس والري وهمذان وحلوان وبغداد والكوفة والمدينة ومكة والبصرة - أني قلت: لفظي بالقرآن مخلوق, فهو كذاب, فإني لم أقل هذه المقالة, إلا أني قلت: أفعال العباد مخلوقة" (١).

стр. 148

وقال الحافظ ابن حجر: "قد صح عنه [أي: البخاري] أنه تبرّأ من هذا الإطلاق، فقال: كل من نقل عني أني قلت لفظي بالقرآن مخلوق فقد كذب عليّ، وإنما قلت: أفعال العباد مخلوقة. أخرج ذلك غنجار في ترجمة البخاري من تاريخ بخارى بسند صحيح إلى محمد بن نصر المروزي الإمام المشهور أنه سمع البخاري يقول ذلك، ومن طريق أبي عمر وأحمد بن نصر النيسابوري الخفاف أنه سمع البخاري يقول ذلك" (١). والسبب الذي جعل بعضهم يحكي عن الإمام البخاري أنه قال: لفظي بالقرآن مخلوق، أن الإمام البخاري سُئل عن اللفظ بالقرآن؟ فقال: "أفعالنا مخلوقة، وألفاظنا من أفعالنا"، ففهِم بعضُ من حضر مجلسه أنه يقول: لفظي بالقرآن مخلوق. ففي تاريخ نيسابور للحاكم أن الإمام البخاري لما قدِم نيسابور ازدحم الناس عليه، حتى امتلأ السطح والدار، فلما كان اليوم الثاني أو الثالث، قام إليه رجل، فسأله عن اللفظ بالقرآن؟ فقال: أفعالنا مخلوقة، وألفاظنا من أفعالنا.

стр. 149

فوقع بينهم اختلاف، فقال بعض الناس: قال: لفظي بالقرآن مخلوق، وقال بعضهم: لم يقل، فوقع بينهم في ذلك اختلاف حتى قام بعضهم إلى بعض، فاجتمع أهل الدار وأخرجوهم (١). وحكى الحافظ الذهبي في ترجمة الإمام البخاري قول محمد بن شادل له: هذه المسألة التي تحكى عنك؟ قال: يا بني، هذه مسألة مشؤومة، رأيت أحمد بن حنبل، وما ناله في هذه المسألة، وجعلت على نفسي أن لا أتكلم فيها. ثم قال: "قلتُ: "المسألةُ هي أن اللفظ مخلوق، سئل عنها البخاري، فوقف فيها، فلما وقف واحتج بأن أفعالنا مخلوقة، واستدل لذلك، فهِم منه الذهلي أنه يوجه مسألة اللفظ، فتكلم فيه، وأخذه بلازم قوله هو وغيره" (٢). إذًا لم يثبت عن الإمام البخاري أنه قال: "لفظي بالقرآن مخلوق"، وإنما الثابت عنه أنه قال: "أفعالنا مخلوقة، وألفاظنا من أفعالنا".

стр. 150

ولا شك أنّ مراده بألفاظنا حركاتُنا وأصواتُنا، وهي بلا ريب مخلوقة، إذ هي من أفعالنا، وقد بيّن ذلك وأوضحه تمام الوضوح في كتابه خلق أفعال العباد، حيث قال ﵀: "سمعت عبد الله بن سعيد يقول: سمعت يحيى بن سعيد يقول: ما زلت أسمع من أصحابنا يقولون: إن أفعال العباد مخلوقة. قال أبو عبد الله: حركاتهم وأصواتهم واكتسابهم وكتابتهم مخلوقة، فأما القرآن المتلو المبين المثبت في المصاحف المسطور المكتوب الموعى في القلوب، فهو كلام الله ليس بخلق قال الله ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ [العنكبوت:٤٩]، ... قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَالطُّورِ (١) وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ (٢) فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ﴾ [الطور:١ - ٣]، وَقَالَ: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (٢١) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البروج:٢١ - ٢٢]، فَذَكَرَ أَنَّهُ يُحْفَظُ وَيُسْطَرُ قَالَ: ﴿وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ [القلم:١] " (١).

стр. 151

فالإمام البخاري بيّن مراده باللفظ وأنه هو فعل العبد، وهو مخلوق قطعًا، ولم يُرد باللفظ القرآن العربي، المنزل، المثبت في المصاحف، بل صرّح - كما في النص السابق - أنّ ذلك كلام الله ليس بمخلوق. وبالتالي فالإمام البخاري لم يكن اعتقاده في اللفظ هو نفس اعتقاد اللفظية القائلين: ألفاظنا بالقرآن مخلوقة؛ إذ هم يقصدون باللفظ القرآن الذي جاء به جبريل، المؤلّف من الحروف العربية، المثبت في المصاحف، ويعتقدون أن ذلك مخلوق. أما الإمام البخاري فيعتقد أنّ ذلك كلام الله غير مخلوق كما في النص السابق، وأقواله في أنّ القرآن العربي المنزل غير مخلوق كثيرة، من ذلك ما تقدم وما سيأتي قريبًا (١). ومن ذلك قوله: "القرآن من أوله إلى آخره كلام اللَّه ليس شيء منه مخلوق، ومن قَالَ: إنه مخلوق أو شيء منه مخلوق فهو كافر" (٢). ومن أراد الاستزادة فليرجع إلى كتابه خلق أفعال العباد، فقد صرّح فيه بأن القرآن المنزل غير مخلوق، وأنه من الله بدأ وإليه يعود، وأن الله تعالى يتكلم بصوت.

стр. 152

قال الحافظ الذهبي: "وأما البخاري، فكان من كبار الأئمة الأذكياء، فقال: ما قلتُ: ألفاظنا بالقرآن مخلوقة، وإنما حركاتهم وأصواتهم وأفعالهم مخلوقة، والقرآن المسموع المتلو الملفوظ المكتوب في المصاحف كلام الله، غير مخلوق. وصنف في ذلك كتاب (أفعال العباد) مجلد، فأنكر عليه طائفة، وما فهموا مرامه كالذهلي، وأبي زرعة، وأبي حاتم، وأبي بكر الأعين، وغيرهم" (١). وقال الحافظ ابن القيم: "وأبو عبد الله البخاري ميّز وفصل وأشبع الكلام في ذلك، وفرّق بين ما قام بالرب وبين ما قام بالعبد، وأوقع المخلوق على تلفّظ العباد وأصواتهم وحركاتهم وأكسابهم، ونفى اسم الخلق عن الملفوظ وهو القرآن الذي سمعه جبرائيل من الله تعالى، وسمعه محمد من جبرائيل، وقد شفى في هذه المسألة في كتاب (خلق أفعال العباد) وأتى فيها من الفرقان والبيان بما يزيل الشبهة، ويوضح الحق، ويبين محله من الإمامة والدين، وردّ على الطائفتين أحسن الرد" (٢).

стр. 153

تلخيص شيخ الإسلام ابن تيمية للخلاف والافتراق في مسألة اللفظ بالقرآن وما فيها من اللبس، وبيان الحق في ذلك اختلف أهل الحديث والسنة في مسألة اللفظ بالقرآن، لما فيها من الغموض والدقة، وجرت بسببها مخاصمات ومهاجرات، مع أنّ ما اختلفوا فيه لا يقطع الألفة، وأكثره خلاف لفظي؛ لأنهم مجمعون -كما تقدم- أنّ القرآن غير مخلوق كيفما تصرّف، متلوًا، ومسموعًا، ومحفوظًا، ومكتوبًا. قال الإمام أبو محمد بن قتيبة: "اختلاف أهل الحديث في اللفظ بالقرآن ... وليس ما اختلفوا فيه مما يقطع الألفة، ولا مما يوجب الوحشة؛ لأنهم مجمعون على أصل واحد وهو (القرآن كلام الله غير مخلوق) في كل موضع، وبكل جهة، وعلى كل حال" (١). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "ومسألة اللفظ بالقرآن قد اضطرب فيها أقوام لهم علم وفضل ودين وعقل، وجرت بسببها مخاصمات ومهاجرات بين أهل الحديث والسنة ... والنزاع بينهم في كثير من المواضع لفظي" (٢).

стр. 154

وقد شرح شيخُ الإسلام ابن تيمية في أكثر من موضع مسألةَ اللفظ بالقرآن، وبيّن ما فيها من اللبس، وبيّن ما جرى بين علماء السنة فيها، وفصّل وجه الحق فيها، وما في كلمتي "اللفظ" و"التلاوة" من الإجمال، وبيّن وجه إنكار السلف على الطائفتين الذين يقولون: لفظنا بالقرآن مخلوق، والذين يقولون: لفظنا بالقرآن غير مخلوق، وسنقتصر هنا على إيراد كلامه في درء تعارض العقل والنقل حول هذه المسألة، وسنورده بألفاظه وحروفه مع اختصار يسير لا يخلّ بالمطلوب. قال -رحمه الله تعالى-: "وكذلك مسألة اللفظ، فإنه لما كان السلف والأئمة متفقين على أن القرآن كلام الله غير مخلوق، وقد علم المسلمون أن القرآن بلغه جبريل عن الله إلى محمد ﷺ ، وبلغه محمد إلى الخلق، وأن الكلام إذا بلّغه المبلِّغ عن قائله لم يخرج عن كونه كلام المبلَّغ عنه، بل هو كلام لمن قاله مبتدئاً، لا كلام من بلغه عنه مؤدياً.

стр. 155

فالنبي ﷺ إذا قال «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى» وبلّغ هذا الحديث عنه واحد بعد واحد حتى وصل إلينا كان من المعلوم أنا إذا سمعناه من المحدِّث به إنما سمعنا كلام رسول الله ﷺ الذي تكلم به بلفظه ومعناه، وإنما سمعناه من المبلِّغ عنه بفعله وصوته، ونفس الصوت الذي تكلّم به النبي ﷺ لم نسمعه، وإنما سمعنا صوت المحدِّث عنه، والكلام كلام رسول الله ﷺ ، لا كلام المحدِّث. فمن قال: إن هذا الكلام ليس كلام رسول الله ﷺ ، كان مفترياً، وكذلك من قال: إن هذا لم يتكلم به رسول الله ﷺ ، وإنما أحدثه في غيره، أو إن النبي ﷺ لم يتكلم بلفظه وحروفه، بل كان ساكتاً أو عاجزاً عن التكلم بذلك، فعَلِم غيرُه ما في نفسه، فَنَظَم هذه الألفاظ ليعبّر بها عما في نفس النبي ﷺ ، ونحو هذا الكلام، فمن قال هذا كان مفترياً. ومن قال: إن هذا الصوت المسموع صوت النبي ﷺ كان مفترياً. فإذا كان هذا معقولاً في كلام المخلوق، فكلام الخالق أولى بإثبات ما يستحقه من صفات الكمال، وتنزيه الله أن تكون صفاته وأفعاله هي صفات العباد وأفعالهم، أو مثل صفات العباد وأفعالهم.

стр. 156

فالسلف والأئمة كانوا يعلمون أنّ هذا القرآن المنزل المسموع من القارئين كلام الله، كما قال تعالى ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة:٦]، ليس هو كلاماً لغيره، لا لفظه ولا معناه، ولكن بلّغه عن الله جبريل، وبلّغه محمد رسول الله عن جبريل، ولهذا أضافه الله إلى كل من الرسولين، لأنه بلّغه وأداه، لا لأنه أحدث لا لفظه ولا معناه، إذ لو كان أحدهما هو الذي أحدث ذلك لم يصح إضافة الإحداث إلى الآخر، فقال تعالى ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (٤٠) وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ (٤١) وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٤٢) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الحاقة:٤٠ - ٤٣]، فهذا محمد ﷺ . وقال تعالى ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (١٩) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (٢٠) مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ﴾ [التكوير:١٩ - ٢١]، فهذا جبريل ﵇. وقد توعد الله تعالى من قال ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ [المدثر:٢٥]، فمن قال: إن هذا القرآن قول البشر فقد كفر، وقال بقول الوحيد الذي أوعده الله سقر، ومن قال: إن شيئاً منه قول البشر فقد قال ببعض قوله، ومن قال: إنه ليس بقول رسول كريم، وإنما هو قول شاعر أو مجنون أو مفتر، أو قال: هو قول شيطان نزل به عليه ونحو ذلك، فهو أيضاً كافر ملعون.

стр. 157

وقد علم المسلمون الفرق بين أن يُسمع كلامُ المتكلِّم منه أو من المبلِّغ عنه، وأن موسى سمع كلام الله من الله بلا واسطة، وأنا نحن نسمع كلام الله من المبلِّغين عنه، وإذا كان الفرق ثابتاً بين من سمع كلام النبي ﷺ منه وبين من سمعه من الصاحب المبلِّغ عنه، فالفرق هنا أولى، لأنّ أفعال المخلوق وصفاته أشبه بأفعال المخلوق وصفاته، من أفعاله وصفاته بأفعال الله وصفاته. ولما كانت الجهمية يقولون: إن الله لم يتكلم في الحقيقة بل خلق كلاماً في غيره، ومن أطلق منهم أن الله تكلم حقيقة، فهذا مراده، فالنزاع بينهم لفظي، كان من المعلوم أن القائل إذا قال: هذا القرآن مخلوق كان مفهوم كلامه أن الله لم يتكلم بهذا القرآن، وأنه ليس هو كلامه، بل خلقه في غيره، وإذا فسّر مراده بأني أردت أن حركات العبد وصوته والمداد مخلوق، كان هذا المعنى - وإن كان صحيحاً - ليس هو مفهوم كلامه، ولا معنى قوله، فإن المسلمين إذا قالوا: هذا القرآن كلام الله لم يريدوا بذلك أن أصوات القارئين وحركاتهم قائمة بذات الله، كما أنهم إذا قالوا: هذا الحديث حديث رسول الله ﷺ لم يريدوا بذلك أن حركات المحدِّث وصوته قامت بذات رسول الله ﷺ .

стр. 158

فمن قال: إن هذا القرآن مخلوق أو إن القرآن المنزل مخلوق، أو نحو هذه العبارات، كان بمنزلة من قال: إن هذا الكلام ليس هو كلام الله، وبمنزلة من قال عن الحديث المسموع من المحدّث: إن هذا ليس كلام رسول الله ﷺ ، وإن النبي ﷺ لم يتكلم بهذا الحديث، ومعلوم أن هذا كله باطل. ثم إن هؤلاء صاروا يقولون: هذا القرآن المنزل المسموع هو تلاوة القرآن وقراءته، وتلاوة القرآن مخلوقة، وقراءة القرآن مخلوقة. ويقولون: تلاوتنا للقرآن مخلوقة، وقراءتنا له مخلوقة، ويُدخلون في ذلك نفس الكلام المسموع، ويقولون: لفظنا بالقرآن مخلوق، ويُدخلون في ذلك القرآن الملفوظ المتلو المسموع. فأنكر الإمام أحمد وغيره من أئمة السنة هذا، وقالوا: اللفظية جهمية، وقالوا: افترقت الجهمية ثلاث فرق: فرقة قالت: القرآن مخلوق، وفرقة قالت: نقف فلا نقول مخلوق ولا غير مخلوق، وفرقة قالت: تلاوة القرآن واللفظ بالقرآن مخلوق.

стр. 159

فلما انتشر ذلك عن أهل السنة غلطت طائفة فقالت: لفظنا بالقرآن غير مخلوق، وتلاوتنا له غير مخلوقة، فبدَّع الإمامُ أحمد هؤلاء، وأمر بهجرهم. ولهذا ذكر الأشعري في مقالاته هذا عن أهل السنة وأصحاب الحديث، فقال: والقول باللفظ والوقف عندهم بدعة، من قال اللفظ بالقرآن مخلوق فهو مبتدع عندهم، ومن قال غير مخلوق فهو مبتدع. وكذلك ذكر محمد بن جرير الطبري في صريح السنة أنه سمع غير واحد من أصحابه يذكر عن الإمام أحمد أنه قال: من قال لفظي بالقرآن مخلوق فهو جهمي، ومن قال إنه غير مخلوق فهو مبتدع. وكان أهل الحديث قد افترقوا في ذلك، فصار طائفة منهم يقولون: لفظنا بالقرآن غير مخلوق، ومرادهم أن القرآن المسموع غير مخلوق، وليس مراده صوت العبد، كما يذكر ذلك عن أبي حاتم الرازي، ومحمد بن داود المصيصي، وطوائف غير هؤلاء.

стр. 160

وفي أتباع هؤلاء من قد يُدخل صوت العبد أو فعله في ذلك، أو يقف فيه، ففهم ذلك بعض الأئمة، فصار يقول: أفعال العباد أصواتهم مخلوقة، رداً لهؤلاء، كما فعل البخاري ومحمد بن نصر المروزي وغيرهما من أهل العلم والسنة. وصار يحصل بسبب كثرة الخوض في ذلك ألفاظ مشتركة، وأهواء للنفوس، حصل بسبب ذلك نوع من الفرقة والفتنة، وحصل بين البخاري وبين محمد بن يحيى الذهلي في ذلك ما هو معروف، وصار قوم مع البخاري كمسلم بن الحجاج نحوه، وقوم عليه كأبي زرعة وأبي حاتم الرازيين وغيرهما. وكل هؤلاء من أهل العلم والسنة والحديث، وهم من أصحاب أحمد بن حنبل، ولهذا قال ابن قتيبة: إن أهل السنة لم يختلفوا في شيء من أقوالهم إلا في مسألة اللفظ.

стр. 161

وصار قوم يُطلِقون القول بأنّ التلاوة هي المتلو، والقراءة هي المقروء، وليس مرادهم بالتلاوة المصدر، ولكن الإنسان إذا تكلّم بالكلام فلا بد له من حركة، ومما يكون عن الحركة من أقواله التي هي حروف منظومة ومعان مفهومة، والقول والكلام يراد به تارة المجموع فتدخل الحركة في ذلك، ويكون الكلام نوعاً من العمل وقسماً منه، ويراد به تارةً ما يقترن بالحركة ويكون عنها، لا نفس الحركة، فيكون الكلام قسيماً للعمل، ونوعاً آخر ليس هو منه. ولهذا تنازع العلماء في لفظ العمل المطلق: هل يدخل فيه الكلام؟ على قولين معروفين لأصحاب أحمد وغيرهم. فالذين قالوا التلاوة هي المتلو من أهل العلم والسنة قصدوا أن التلاوة هي القول والكلام المقترن بالحركة، وهي الكلام المتلو. وآخرون قالوا: بل التلاوة غير المتلو، والقراءة غير المقروء، والذين قالوا ذلك من أهل السنة والحديث أرادوا بذلك أن أفعال العباد ليس هي كلام الله، ولا أصوات العباد هي صوت الله، وهذا الذي قصده البخاري، وهو مقصود صحيح. وسبب ذلك أن لفظ: التلاوة، والقراءة، واللفظ، مجمل مشترك: يراد به المصدر، ويراد به المفعول.

стр. 162

فمن قال: اللفظ ليس هو الملفوظ، والقول ليس هو المقول، وأراد باللفظ والقول المصدر، كان معنى كلامه أن الحركة ليست هي الكلام المسموع، وهذا صحيح. ومن قال اللفظ هو الملفوظ، والقول هو نفسه المقول، وأراد باللفظ والقول مسمى المصدر، صار حقيقة مراده أن اللفظ والقول هو الكلام المقول الملفوظ، وهذا صحيح. فمن قال: اللفظ بالقرآن - أو القراءة أو التلاوة - مخلوقة، أو لفظي بالقرآن، أو تلاوتي، دخل في كلامه نفس الكلام المقروء المتلو، وذلك هو كلام الله تعالى، وإن أراد بذلك مجرد فعله وصوته كان المعنى صحيحاً، لكن إطلاق اللفظ يتناول هذا وغيره، ولهذا قال أحمد في بعض كلامه: من قال لفظي بالقرآن مخلوق يريد به القرآن فهو جهمي احترازاً عما إذا أراد به فعله وصوته. وذكر اللالكائي أنّ بعض من كان يقول ذلك رأى في منامه كأن عليه فروة ورجل يضربه، فقال له: لا تضربني، فقال: إني لا أضربك، وإنما أضرب الفروة، فقال: إن الضرب إنما يقع ألمه عليّ، فقال: هكذا إذا قلتَ: لفظي بالقرآن مخلوق وقع الخلق على القرآن.

стр. 163

ومن قال: لفظي بالقرآن غير مخلوق، أو تلاوتي، دخل في ذلك المصدر الذي هو عمله، وأفعال العباد مخلوقة، ولو قال: أردت به أن القرآن المتلو غير مخلوق، لا نفس حركاتي قيل له: لفظك هذا بدعة، وفيه إجمال وإيهام، وإن كان مقصودك صحيحاً، كما يقال للأول إذا قال أردت أنّ فعلي مخلوق: لفظك أيضاً بدعة، وفيه إجمال وإيهام وإن كان مقصودك صحيحاً. فلهذا منع أئمة السنة الكبار إطلاق هذا وهذا، وكان هذا وسطاً بين الطرفين، وكان أحمد وغيره من الأئمة يقولون: القرآن حيث تصرّف كلام الله غير مخلوق، فيجعلون القرآن نفسه حيث تصرف غير مخلوق، من غير أن يقترن بذلك ما يشعر أن أفعال العباد وصفاتهم غير مخلوقة. وصارت كل طائفة من النفاة والمثبتة في مسألة التلاوة تحكي قولها عن أحمد، وهم كما ذكر البخاري في كتاب خلق الأفعال وقال: إن كل واحدة من هاتين الطائفتين تذكر قولها عن أحمد وهم لا يفقهون قوله لدقة معناه.

стр. 164

ثم صار ذلك التفرق موروثاً في أتباع الطائفتين، فصارت طائفة تقول: إن اللفظ بالقرآن غير مخلوق، موافقة لـ أبي حاتم الرازي ومحمد بن داود المصيصي وأمثالهما كأبي عبد الله بن منده وأهل بيته، وأبي عبد الله بن حامد، وأبي نصر السجزي، وأبي إسماعيل الأنصاري، وأبي يعقوب الفرات الهروي وغيرهم. وقوم يقولون نقيض هذا القول من غير دخول في مذهب ابن كلاب. مع اتفاق الطائفتين على أنّ القرآن كله كلام الله، لم يُحدث غيرُه شيئاً منه، ولا خَلق منه شيئاً في غيره، لا حروفه، ولا معانيه، مثل حسين الكرابيسي وداود بن علي الأصبهاني وأمثالهما. وحدث مع هذا من يقول بقول ابن كلاب إن كلام الله معنى واحد قائم بنفس المتكلم، هو الأمر بكل ما أمر به، والنهي عن كل ما نهى عنه، والإخبار بكل ما أخبر به، وإنه إن عبر عنه بالعربية كان هو القرآن، وإن عبر عنه بالعبرية كان هو التوراة. وجمهور الناس من أهل السنة والمعتزلة وغيرهم أنكروا ذلك، وقالوا: إن فساد هذا معلوم بصريح العقل فإن التوراة إذا عرّبت لم تكن هي القرآن، ولا معنى ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] هو معنى ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ [المسد:١].

стр. 165

وكان يوافقهم على إطلاق القول بأن التلاوة غير المتلو وأنها مخلوقة، من لا يوافقهم على هذا المعنى، بل قصده أن التلاوة هي أفعال العباد وأصواتهم. وصار أقوام يُطلقون القول بأن التلاوة غير المتلو، وأن اللفظ بالقرآن مخلوق، فمنهم من يعرف أنه موافق لابن كلاب، ومنهم من يعرف مخالفته له، ومنهم من لا يعرف منه لا هذا ولا هذا. وصار أبو الحسن الأشعري ونحوه - ممن يوافق ابن كلاب على قوله - موافقاً للإمام أحمد وغيره من أئمة السنة في المنع من إطلاق هذا وهذا، فيمنعون أن يقال: اللفظ بالقرآن مخلوق أو غير مخلوق، وهؤلاء منعوه من جهة كونه يقال في القرآن: إنه يُلفظ أو لا يلفظ، وقالوا اللفظ: الطرح والرمي، ومثل هذا لا يقال في القرآن. ووافق هؤلاء على التعليل بهذا طائفة ممن لا يقول بقول ابن كلاب في الكلام كالقاضي أبي يعلى وأمثاله، ووقع بين أبي نعيم الأصبهاني وأبي عبد الله بن منده في ذلك ما هو معروف، وصنف أبو نعيم في ذلك كتابه في الرد على اللفظية والحلولية، ومال فيه إلى جانب النفاة القائلين بأن التلاوة مخلوقة، كما مال ابن منده إلى جانب من يقول إنها غير مخلوقه، وحكى كل منهما عن الأئمة ما يدل على كثير من مقصوده لا على جميعه، فما قصده كل منهما من الحق وجد فيه من المنقول الثابت عن الأئمة ما يوافقه.

стр. 166

وكذلك وقع بين أبي ذر الهروي وأبي نصر السجزي في ذلك، حتى صنف أبو نصر السجزي كتابه الكبير في ذلك المعروف بالإبانة، وذكر فيه من الفوائد والآثار والانتصار للسنة وأهلها أموراً عظيمة المنفعة، لكنه نصر فيه قول من يقول: لفظي بالقرآن غير مخلوق، وأنكر على ابن قتيبة وغيره ما ذكروه من التفصيل، ورجح طريقة من هجر البخاري، وزعم أنّ أحمد بن حنبل كان يقول لفظي بالقرآن غير مخلوق، وأنه رجع إلى ذلك، وأنكر ما نقله الناس عن أحمد من إنكاره على الطائفتين، وهي مسألة أبي طالب المشهورة. وليس الأمر كما ذكره، فإن الإنكار على الطائفتين مستفيض عن أحمد عند أخص الناس به من أهل بيته وأصحابه الذين اعتنوا بجمع كلام الإمام أحمد، كـ المروزي والخلال وأبي بكر عبد العزيز وأبي عبد الله بن بطة وأمثالهم، وقد ذكروا من ذلك ما يعلم كل عارف له أنه من أثبت الأمور عن أحمد" (١).

стр. 167

مراد من قال من أهل السنة والحديث: "التلاوة هي المتلو"، أو "التلاوة غير المتلو" من قال من أهل السنة والحديث: التلاوة هي المتلو، فمرادهم بالتلاوة الكلام المتلو- الذي هو حروف منظومة ومعان مفهومة - المقترن بالحركة، وليس مرادهم بالتلاوة أصوات العباد وحركاتهم وأفعالهم. ومَن فرّق من أهل السنة -كالإمام البخاري - بين التلاوة والمتلو، فمرادهم بالتلاوة فِعْلُ العبد الذي هو صوته وحركاته لا الكلام المؤلّف من الحروف، ومرادهم بالمتلو القرآن العربي الذي نزل به جبريل على نبينا محمد ﷺ ، المُثبَت في المصاحف. قال الإمام محمد بن إسماعيل البخاري: "سمعت عبد الله بن سعيد يقول: سمعت يحيى بن سعيد يقول: ما زلت أسمع من أصحابنا يقولون: إن أفعال العباد مخلوقة. قال أبو عبد الله: حركاتهم وأصواتهم واكتسابهم وكتابتهم مخلوقة، فأما القرآن المتلو المبين المثبت في المصاحف المسطور المكتوب الموعى في القلوب، فهو كلام الله ليس بخلق" (١).

стр. 168

وقال أيضًا: "وقال الله : ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء:٨٨] ولكنه كلامُ الله تلفِظُ به العبادُ والملائكةُ" (١). وقال أيضًا: "قال النبي ﷺ «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» فأوضح أن قراءة القارئ وتلاوته غير المقروء والمتلو، وإنما المتلو فاتحة الكتاب لا اختلاف فيه بين أهل العلم" (٢). وقال أيضًا: "وقد كتب النبي ﷺ كتابًا فيه: "وقرأه ترجمان قيصر على قيصر وأصحابه، ولا نشك في قراءة الكفار وأهل الكتاب أنها أعمالهم، وأما المقروء فهو كلام الله العزيز المنان ليس بمخلوق" (٣). وقال أيضًا: "قال النبي ﷺ «اقرؤوا إن شئتم» فالقراءة لا تكون إلا من الناس وقد تكلّم الله بالقرآن من قبل، وكلامه قبل خلقه، ... وقد يقال: فلان حسن القراءة، ورديء القراءة، ولا يقال: حسن القرآن، ورديء القرآن، وإنما نُسب إلى العباد القراءة لا القرآن؛ لأن القرآن كلام الرب جل ذكره، والقراءة فعل العبد" (٤).

стр. 169

وقال أيضًا: "مع أنّ الجهمية والمعطلة إنما ينازعون أهل العلم على قول الله، إن الله لا يتكلم وإن تكلم فكلامه خلق، ... فالمقروء هو كلام الرب الذي قال لموسى ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي﴾ [طه:١٤] إلا المعتزلة فإنهم ادعوا أن فعل الله مخلوق، وأنّ أفعال العباد غير مخلوقة، وهذا خلاف علم المسلمين" (١). وقال الإمام ابن جرير الطبري: "وكذلك القول في قائل لو قال: (قراءتي القرآن مخلوقةً) وزعم أنه يريد بذلك القرآن مخلوقٌ: فكافرٌ لا شك فيه عندنا، ولا أحسب أحداً أُعطي شيئاً من الفهم والعقل يزعم ذلك أو يقوله. فأما إن قال: أعني بقول (قراءتي): فِعْلِي الذي يأجرني الله عليه، والذي حدث مني بعد أن لم يكن موجوداً، لا القرآن الذي هو كلام الله - تعالى ذكره- الذي لم يزل صفةً قبل كون الخلق جميعاً، ولا يزال بعد فنائهم الذي هو غير مخلوقٍ. فإن القول فيه نظير القول في الزاعم أن ذكره الله -جل ثناؤه- بلسانه مخلوقٌ، يعني بذلك فعله لا ربه الذي خلقه وخلق فعله" (٢).

стр. 170

وقال الإمام عبد الواحد الشيرازي: "والتلاوة هي المتلو، والقراءة هي المقروء، ونريد بهذا هو أنّ ما نسمع من القارئ هو نفس كلام الله، لا تلاوته وقراءته" (١). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: و"التلاوة" قد يراد بها نفس الكلام الذي يتلى، وقد يراد بها نفس حركة العبد، وقد يراد بها مجموعهما. فإذا أُريد بها الكلام نفسه الذي يُتلى فالتلاوة هي المتلو، وإذا أُريد بها حركة العبد فالتلاوة ليست هي المتلو، وإذا أريد بها المجموع فهي متناولة للفعل والكلام فلا يطلق عليها أنها المتلو ولا أنها غيره" (٢). وقال أيضًا: "فالذين قالوا: التلاوة هي المتلو من أهل العلم والسنة قصدوا أنّ التلاوة هي القول والكلام المقترن بالحركة، وهي الكلام المتلو. وآخرون قالوا: بل التلاوة غير المتلو، والقراءة غير المقروء، والذين قالوا ذلك من أهل السنة والحديث أرادوا بذلك أنّ أفعال العباد ليس هي كلام الله، ولا أصوات العباد هي صوت الله، وهذا الذي قصده البخاري، وهو مقصود صحيح.

стр. 171

وسبب ذلك أن لفظ: التلاوة، والقراءة، واللفظ، مجمل مشترك: يراد به المصدر، ويراد به المفعول. فمن قال: اللفظ ليس هو الملفوظ، والقول ليس هو المقول وأراد باللفظ والقول المصدر، كان معنى كلامه أنّ الحركة ليست هي الكلام المسموع، وهذا صحيح. ومن قال: اللفظ هو الملفوظ، والقول هو نفسه المقول، وأراد باللفظ والقول مسمى المصدر، صار حقيقة مراده أنّ اللفظ والقول المراد به هو الكلام المقول الملفوظ، وهذا صحيح ... " (١). وقال أيضًا: "وصار قوم [أي: من أهل الحديث والسنة] يُطلقون القول بأنّ التلاوة هي المتلو، والقراءة هي المقروء، وليس مرادهم بالتلاوة المصدر، ولكن الإنسان إذا تكلّم بالكلام فلا بد له من حركة، ومما يكون عن الحركة من أقواله التي هي حروف منظومة ومعان مفهومة. والقولُ والكلامُ يراد به تارة المجموع فتدخل الحركة في ذلك، ويكون الكلام نوعاً من العمل وقسماً منه، ويراد به تارةً ما يقترن بالحركة ويكون عنها، لا نفس الحركة، فيكون الكلام قسيماً للعمل، ونوعاً آخر ليس هو منه" (٢).

стр. 172

المراد بقول ابن كلاب ومن تبعه: "التلاوة غير المتلو" تقدم أنّ الذين قالوا من أهل السنة والحديث: التلاوة هي المتلو، قصدوا بالتلاوةِ القولَ -الذي هو حروف منظومة ومعان مفهومة- المقترن بالحركة، وهي الكلام المتلو، وليس مقصودهم بالتلاوة أصوات العباد وحركاتهم وأفعالهم. وأنّ مَن فرّق من أهل السنة -كالإمام البخاري - بين التلاوة والمتلو، فمرادهم بالتلاوة فِعْلُ العبد الذي هو صوته وحركاته، ومرادهم بالمتلو القرآن العربي الذي نزل به جبريل على نبينا محمد ﷺ ، المُثبَت في المصاحف. أما ابنُ كلاب ومن تبعه فإنهم إذا قالوا: التلاوة غير المتلو، والقراءة غير المقروء، فإنّ مرادهم بالتلاوة والقراءة القرآن العربي الموجود بين دفتي المصحف، وأن الله تعالى لم يتكلم به، ويقصدون بالمتلو والمقروء الصفة القديمة القائمة بالذات.

стр. 173

قال الإمام أبو الحسن الأشعري: "فأما عبد الله بن كلاب فالقراءة عنده هي غير المقروء، والمقروء قائم بالله" (١). وقال القاضي أبو بكر الباقلاني الأشعري: "التلاوة غير المتلو، لأن التلاوة فعل الرسول وهو المأمور بها، والمتلو كلامه القديم، ولم يأمره أن يأتي بكلامه القديم؛ لأن ذلك لا يتصور الأمر به ولا يدخل تحت قدرة مخلوق، إنما أمر بتلاوة كلامه، كما أُمر بعبادته، وعبادته غيره، فكذلك تلاوة كلامه غير كلامه، فحصل من هذا: تال وهو الرسول ﷺ ، وتلاوته صفة له. ومتلو: وهو كلام الله القديم الذي هو صفة له" (٢). وقال أيضًا: "كذلك القراءة صفة القارئ التي هي له عبادة وطاعة، والمقروء كلام الله القديم الموجود قبل القارئ وقبل قراءته" (٣). وقال أبو حامد الغزالي: "فنقول: ها هنا ثلاثة ألفاظ: قراءة، ومقروء، وقرآن. أما المقروء فهو كلام الله تعالى، أعني صفته القديمة القائمة بذاته" (٤).

стр. 174

وقال أيضًا: "فكل ما أورده المسلمون من وصف القرآن بما هو قديم، كقولهم القرآن كلام الله تعالى غير مخلوق، أرادوا به المقروء [أي: الصفة القديمة القائمة بذاته تعالى كما تقدم]، وكل ما وصفوه به مما لا يحتمله القديم، ككونه سوراً وآيات ولها مقاطع ومفاتح، أرادوا به العبارات الدالة على الصفة القديمة" (١). وقال الإمام يحيى ابن أبي الخير العمراني: "والجواب أن يقال له [أي: الغزالي]: قد أقررت أن القرآن هو هذه السور والآيات، ودعواك أنّ المقروء هو كلام الله القائم بذاته غير مسلّم، ولا دليل له على ذلك من كتاب ولا سنة ولا إجماع، بل إجماعُ السلف أنّ لا قرآن إلا هذا المسموع المتلو" (٢). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وصار ابنُ كلاب يريد بالتلاوة القرآن العربي، وبالمتلو المعنى القائم بالذات، وهؤلاء إذا قالوا: التلاوة غير المتلو وهي مخلوقة: كان مرادهم أن الله لم يتكلم بالقرآن العربي، بل عندهم أن القرآن العربي مخلوق.

стр. 175

وهذا لم يقله أحد من أئمة السنة والحديث. ويظن هؤلاء أنهم يوافقون البخاري أو غيره ممن قد يفرّق بين التلاوة والمتلو وليس الأمر كذلك" (١). وقال أيضًا: "لما ظهر القول بأن القرآن كلام الله غير مخلوق، وأطفأ الله نار الجهمية المعطلة، صارت طائفة يقولون: إن كلام الله الذي أنزله مخلوق، ويعبرون عن ذلك باللفظ، فصاروا يقولون: ألفاظنا بالقرآن مخلوقة، أو تلاوتنا أو قراءتنا مخلوقة، وليس مقصودهم مجرّد كلامهم وحركاتهم، بل يُدخلون في كلامهم نفس كلام الله الذي نقرأ بأصواتنا وحركاتنا" (٢). وقال حسن بن محمد العطار الأشعري: "هذه الألفاظ دالة على الصفة النفسية القديمة، فالدال حادث والمدلول قديم، وهذا المدلول هو المراد بقولهم المقروء قديم" (٣).

стр. 176

ملحق فيه بعض الفوائد * تظافر نصوص الكتاب والسنة على أن الله يتكلم بمشيئته: لم يزل الله تعالى متكلمًا إذا شاء، وكلماته سبحانه لا نهاية لها، قال تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ [الكهف:١٠٩]. وكلامه سبحانه متعلِّق بمشيئته، قال الإمام أحمد: "إن الله لم يزل متكلمًا إذا شاء" (١). وسئل ﷺ : اللهُ يكلِّمُ عبده يوم القيامة؟ فقال: نعم، فمن يقضي بين الخلائق إلا الله ؟! يكلّم عبده ويسأله، الله متكلّم، لم يزل الله متكلماً، يأمر بما يشاء، ويحكم بما يشاء، وليس له عدل ولا مثل، كيف شاء وأين شاء" (٢). وقال الحافظ أبو نصر السجزي: "فأما الله تعالى فإنه متكلّم فيما لم يزل، ولا يزال متكلماً بما شاء من الكلام، يُسمع من يشاء من خلقه ما شاء من كلامه إذا شاء ذلك، ويكلم من شاء تكليمه بما يعرفه ولا يجهله، ...

стр. 177

وكلامه أحسن الكلام، وفيه سور وآي وكلمات، وكل ذلك حروف، وهو مسموع منه على الحقيقة سماعاً يعقله الخلق، ولا كيفية لتكلّمه وتكليمه، وجائز وجود أعداد من المكلَّمين يكلّمهم سبحانه في حال واحدة بما يريده من كل واحد منهم، من غير أن يشغله تكليم هذا عن تكليم هذا" (١). ونصوص الكتاب والسنة متظافرة على أنّ الله يتكلم بمشيئته، وسنقتصر هنا على إيراد كلام الحافظ ابن القيم في بيان تظافر هذه النصوص وتكاثرها. قال ﵀: "وقد دل القرآن وصريح السنة والمعقول وكلام السلف على أن الله سبحانه يتكلم بمشيئته، كما دل على أن كلامه صفة قائمة بذاته، وهي صفة ذات وفعل، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل:٤٠]، وقوله: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس:٨٢]. فـ (إذا) تخلص الفعل للاستقبال، (وأن) كذلك، (ونقول) فعل دال على الحال والاستقبال، و (كن) حرفان يسبق أحدهما الآخر، فالذي اقتضته هذه الآية هو الذي في صريح العقول والفطر.

стр. 178

وكذلك قوله: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً﴾ [الإسراء:١٦] الآية، سواء كان الأمر هاهنا أمر تكوين أو أمر تشريع فهو موجود بعد أن لم يكن، وكذلك قوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ [الأعراف:١١]، وإنما قال لهم ﴿اسْجُدُوا﴾ [الأعراف:١١] بعد خلق آدم وتصويره. وكذلك قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي﴾ [الأعراف:١٤٣] الآيات كلها، فكم من برهان يدل على أن التكلم هو الخطاب وقع في ذلك الوقت. وكذلك قوله: ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ﴾ [القصص:٣٠]، والذي ناداه هو الذي قال له: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي﴾ [طه:١٤] وكذلك قوله: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ﴾ [القصص:٦٢]، وقوله: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ﴾ [سبأ:٤٠]، وقوله: ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ﴾ [ق:٣٠] الآية، ومحال أن يقول سبحانه لجهنم: ﴿هَلِ امْتَلَأْتِ﴾ [ق:٣٠]، وتقول: ﴿هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ [ق:٣٠] قبل خلقها ووجودها.

стр. 179

وتأمل نصوص القرآن من أوله إلى آخره ونصوص السنة، ولا سيما أحاديث الشفاعة، وحديث المعراج وغيرها، كقوله: «أتدرون ماذا قال ربكم الليلة»، وقوله: «إن الله يحدث من أمره ما يشاء، وإن مما أحدث ألا تكلموا في الصلاة»، وقوله: «ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان ولا حاجب». وقد أخبر الصادق المصدوق أنه يكلِّم ملائكته في الدنيا «فيسألهم وهو أعلم بهم: كيف تركتم عبادي»، ويكلِّمهم يوم القيامة، ويكلِّم أنبياءه ورسله وعباده المؤمنين يومئذ، ويكلِّم أهل الجنة في الجنة ويسلم عليهم في منازلهم، وأنه كل ليلة يقول: «من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له، من يقرض غير عديم ولا ظلوم»، وقال النبي ﷺ : «إن الله أحيا أباك وكلّمه كفاحًا» ومعلوم أنه في ذلك الوقت كلّمه وقال له: «تمنّ عليّ». إلى أضعاف أضعاف ذلك من نصوص الكتاب والسنة التي إن دُفعت دُفعت الرسالة بأجمعها، وإن كانت مجازًا كان الوحي كله مجازًا، وإن كانت من المتشابه كان الوحي كله من المتشابه، وإن وجب أو ساغ تأويلها على خلاف ظاهرها ساغ تأويل جميع القرآن والسنة على خلاف ظاهره؛ فإن مجيء هذه النصوص في الكتاب وظهور معانيها وتعدد أنواعها واختلاف مراتبها أظهر من كل ظاهر، وأوضح من كل واضح، فكم جهد ما يبلغ التأويل والتحريف والحمل على المجاز.

стр. 180

هب أن ذلك يمكن في موضع واثنين وثلاثة وعشرة، أفيسوغ حمل أكثر من ثلاثة آلاف وأربعة آلاف موضع كلها على المجاز وتأويل الجميع بما يخالف الظاهر؟! ولا تستبعد قولنا: أكثر من ثلاث آلاف، فكل آية وكل حديث إلهي، وكل حديث فيه الإخبار عما قال الله تعالى أو يقول، وكل أثر فيه ذلك، إذا استقرئت زادت على هذا العدد، ويكفي أحاديث الشفاعة، وأحاديث الرؤية، وأحاديث الحساب، وأحاديث تكليم الله لملائكته وأنبيائه ورسله وأهل الجنة، وأحاديث تكليم الله لموسى، وأحاديث تكلمه عند النزول الإلهي، وأحاديث تكلمه بالوحي، وأحاديث تكليمه للشهداء، وأحاديث تكليم كافة عباده يوم القيامة بلا ترجمان ولا واسطة، وأحاديث تكليمه للشفعاء يوم القيامة حين يأذن لهم في الشفاعة، إلى غير ذلك. إذ كل هذا وأمثاله وأضعافه مجاز لا حقيقة له، سبحانك هذا بهتان عظيم، بل نُشهِدُك ونُشهِد ملائكتك وحملة عرشك وجميع خلقك أنك أحق بهذه الصفة وأولى من كل أحد، وأن البحر لو أمدّه من بعده سبعة أبحر، وكانت أشجار الأرض أقلامًا يكتب بها ما تتكلم به، لنفدت البحار والأقلام ولم تنفد كلماتك، وأنك لك الخلق والأمر، فأنت الخالق حقيقة" (١).
следующие страницы →