← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 246

مذهب جمهور الأشاعرة في القرآن

محمد بن عبد الله المقشي

Полный текст (227 стр.). Показаны 211–227 · переход к 216.

стр. 211

فإنّ القرآن لم ينزل على أحد قبل محمد لا لفظه ولا جميع معانيه، ولكن أنزل الله ذكره والخبر عنه، كما أنزل ذكر محمد والخبر عنه، فذِكْرُ القرآن في زبر الأولين كما أنّ ذِكْر محمد في زبر الأولين، وهو مكتوب عندهم في التوراة والإنجيل. فالله ورسوله معلوم بالقلوب، مذكور بالألسن، مكتوب في المصحف، كما أن القرآن معلوم لمن قبلنا، مذكور لهم، مكتوب عندهم، وإنما ذاك ذكره والخبر عنه. وأما نحن فنفس القرآن أُنزل إلينا، ونفس القرآن مكتوب في مصاحفنا، كما أن نفس القرآن في الكتاب المكنون، وهو في الصحف المطهرة. ولهذا يجب الفرق بين قوله تعالى: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ﴾ [القمر:٥٢]، وبين قوله تعالى: ﴿وَالطُّورِ (١) وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ (٢) فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ﴾ [الطور:١ - ٣] فإنّ الأعمال في الزبر كالرسول وكالقرآن في زبر الأولين. وأما " الكتاب المسطور في الرق المنشور فهو كما يكتب الكلام نفسه والصحيفة، فأين هذا من هذا؟! وذلك أن كل شيء فله أربع مراتب في الوجود: وجود في الأعيان، ووجود في الأذهان، ووجود في اللسان، ووجود في البنان. وجود عيني وعلمي ولفظي ورسمي ...

стр. 212

وإذا كان كذلك فالقرآن كلام، والكلام له المرتبة الثالثة ليس بينه وبين الورق مرتبة أخرى متوسطة، بل نفس الكلام يثبت في الكتاب كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ﴾ [الواقعة:٧٧ - ٧٨]، وقال تعالى: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (٢١) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البروج:٢١ - ٢٢] ... وأما الرب سبحانه أو رسوله أو غير ذلك من الأعيان فإنما في الصحف اسمه، وهو من الكلام، ولهذا قال: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ﴾ [الأعراف:١٥٧] وإنما في التوراة كتابته وذكره وصفته واسمه، وهي المرتبة الرابعة منه. فكيف يجوز تشبيه كون القرآن أو الكلام في الصحف أو الورق، بكون الله أو رسوله أو السماء أو الأرض في الصحف أو الورق؟! ولو قال قائل: الله أو رسوله في الصحف أو الورق لأُنكر ذلك، إلا مع قرائن تبين المراد" (١). وقال الحافظ ابن القيم: "فكون الرب تعالى، وأسمائه وصفاته في الكتاب، غير كون كلامه في الكتاب، فهذا شيء وهذا شيء وهذا شيء. فكونه في الكتاب هو اسمه وأسماء صفاته والخبر عنه، وهو نظير كون القيامة والجنة والنار والصراط والميزان في الكتاب، إنما ذلك أسماؤها والخبر عنها.

стр. 213

وأما كون كلامه في المصحف والصدور فهو نظير كون كلام رسوله في الكتاب وفي الصدور، فمن سوّى بين المرتبتين، فهو ملبّس أو ملبوس عليه. يوضحه أنه سبحانه أخبر أنّ القرآن في زبر الأولين، وأخبر أنه في صحف مطهرة يتلوها رسله، ومعلوم أن كونه في زبر الأولين ليس مثله كونه في المصحف الذي عندنا، وفي الصحف التي بأيدي الملائكة، فإن وجوده في زبر الأولين هو ذكره والخبر عنه كوجود رسوله فيها، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ﴾ [الأعراف:١٥٧]، فوجود الرسول في التوراة والإنجيل، ووجود القرآن فيه واحد، فمن جعل وجود كلام الله في المصحف كذلك فهو أضل من حمار أهله. وقد علم بذلك أن لا يحتاج إلى حذلقة متحذلق يقول: إنه لا بد من حذف وإضمار وتقديره (عبارة كلام الله في المصحف أو حكايته) فإنك إذا قلت: في هذا الكتاب كلام رسول الله ﷺ ، أو كلام الشافعي وأحمد، فإن كل أحد يفهم المراد بذلك، ولا يتوقف فهمه على حذف وإضمار، كما لا يذهب وهمه إلى أن صفة المتكلم والقول القائم به -الصوت واللفظ المسموع منه- فارق ذاته، وانفصل من محله، وانتقل إلى محل آخر. هذا كله أمر محسوس مشهود لا ينازع فيه مَن فَهِمه إلا عنادًا، لكن قد لا يفهمه بعض الناس لفرط بلادة، وعمى قلب، أو غلبة هوى" (١).

стр. 214

* لم يقل أحدٌ من السلف والأئمة: إنّ صوت العبد بالقرآن والمداد المكتوب به قديمٌ: قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "اتفق سلفُ الأمة وأئمتها على أنّ القرآن الذي يقرؤه المسلمون كلام الله تعالى، ولم يقل أحد منهم إن أصوات العباد ولا مداد المصاحف قديم، مع اتفاقهم على أن المثبَت بين لوحي المصحف كلام الله، وقد قال النبي ﷺ : «زينوا القرآن بأصواتكم»، فالكلام الذي يقرؤه المسلمون كلام الله، والأصوات التي يقرؤون بها أصواتهم" (١). وقال أيضًا: "ومن قال: نفسُ أصوات العباد أو مدادهم أو شيئًا من ذلك قديم فقد خالف أيضًا أقوال السلف، وكان فساد قوله ظاهرًا لكل أحد، وكان مبتدعًا قولاً لم يقله أحد من أئمة المسلمين، ولا قالته طائفة كبيرة من طوائف المسلمين، بل الأئمة الأربعة وجمهور أصحابهم بريئون من ذلك" (٢).

стр. 215

وقال أيضًا: "ولم يقل قط أحد من أئمة السلف: إن أصوات العباد بالقرآن قديمة، بل أنكروا على من قال: لفظ العبد بالقرآن غير مخلوق. وأما من قال: إن المداد قديم فهذا من أجهل الناس وأبعدهم عن السنة، قال الله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ [الكهف:١٠٩] فأخبر أن المداد يكتب به كلماته" (١). وقال أيضًا: "دعوى أنّ هذا الصوت المسموع من العبد أو بعضه هو صوت الله، أو هو قديم بدعة منكرة مخالفة لضرورة العقل، لم يقلها أحد من أئمة الدين، بل أنكرها أئمة المسلمين من أصحاب الإمام أحمد وغيره، وإنما قال ذلك شرذمة قليلة من الطوائف. وهي أقبح وأنكر من قول الذين قالوا: لفظنا بالقرآن غير مخلوق، فإن أولئك لم يقولوا: صوتنا، ولا قالوا: قديم، ومع هذا فقد اشتد نكير الإمام أحمد عليهم وتبديعه لهم، وقد صنف الإمام أبو بكر المروزي صاحبه في ذلك مصنفًا جمع فيه مقالات علماء الوقت من أهل الحديث والسنة من أصحاب أحمد وغيرهم على إنكار ذلك، وقد ذكر ذلك أبو بكر الخلال في كتاب السنة" (٢).

стр. 216

وقال أيضًا: "إن فروخ اللفظية النافية الذين يقولون بأن حروف القرآن ليست من كلام الله تروي عن منازعيها أنهم يقولون: القرآن ليس هو إلا الأصوات المسموعة من العبد، وإلا المداد المكتوب في الورق، وإنّ هذه الأصوات وهذا المداد قديمان. وهذا القول ما قاله أحد ممن يقول إن القرآن ليس إلا الحروف والأصوات، بل أنكروا ذلك وردّوه وكذّبوا من نقل عنهم أن المداد قديم، ولكن هذا القول قد يقوله الجهال المتطرفون كما يُحكى عن أعيانهم مثل سكان بعض الجبال أن الورق والجلد والوتد وما أحاط به من الحائط كلام الله أو ما يشبه هذا اللغو من القول الذي لا يقوله مسلم ولا عاقل" (١). وقال أيضًا: "وأما صوت العبد فقد تكلم فيه طائفة من المنتسبين إلى الأئمة كالشافعي وأحمد وغيرهما، فمنهم من قال: إن الصوت المسموع قديم، ومنهم من يقول: يسمع شيئين الصوت القديم والمحدث، وهذا خطأ في العقل الصريح، وهو بدعة، وقول قبيح. والإمام أحمد وجماهير أصحابه منكرون لما هو أخف من ذلك، فإن أحمد وأئمة أصحابه قد أنكروا على من قال: اللفظ بالقرآن غير مخلوق، فكيف بمن قال: اللفظ به قديم، فكيف بمن قال: الصوت غير مخلوق؟ فكيف بمن قال: الصوت قديم؟ وقد بدّعوا هؤلاء، وأمروا بهجرهم، وقد صنف المروذي في ذلك مصنفاً كبيراً ذكره الخلال في كتاب السنة" (٢).

стр. 217

وقال أيضًا: "وأما صوت العبد فهو مخلوق، وقد صرح أحمد وغيره بأن الصوت المسموع صوت العبد ولم يقل أحمد قط من قال إن صوتي بالقرآن مخلوق فهو جهمي، وإنما قال من قال لفظي بالقرآن. والفرق بين لفظ الكلام، وصوت المبلِّغ له، فرق واضح، فكل من بلّغ كلام غيره بلفظ ذلك الرجل فإنما بلغ لفظ ذلك الغير لا لفظ نفسه، وهو إنما بلّغه بصوت نفسه لا بصوت ذلك الغير. ونفس اللفظ والتلاوة والقراءة والكتابة ونحو ذلك لما كان يراد به المصدر الذي هو حركات العباد وما يحدث عنها من أصواتهم وشكل المداد. ويراد به نفس الكلام الذي يقرؤه التالي ويتلوه ويلفظ به ويكتبه منع أحمد وغيره من إطلاق النفي والإثبات الذي يقتضي جعل صفات الله مخلوقة، أو جعل صفات العباد ومدادهم غير مخلوق" (١). وقال أيضًا: "كما أنّ من قال: إن هذا الصوت المسموع ليس هو صوت العبد أو هو صوت الله كان فساد قوله معلومًا بالضرورة شرعًا وعقلاً، بل هذا هو كلام الله لا كلام غيره، سمعه جبريل من الله، وسمعه النبي ﷺ من جبريل، وسمعه المسلمون من نبيهم، ثم بلّغه بعضهم إلى بعض، وليس لأحد من الوسائط فيه إلا التبليغ بأفعاله وصوته، لم يحدث منهم أحدٌ شيئًا من حروفه ولا نظمه ولا معانيه، بل جميع ذلك كلام الله تعالى" (٢).

стр. 218

* أكثر المتكلمين لا يعرفون قول السلف في كلام الله تعالى، وأكثر بحثهم ونقاشهم مع القول بأن أصوات العباد قديمة: - قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "ولهذا يوجد كثير من المتأخرين المصنفين في المقالات والكلام يذكرون في أصل عظيم من أصول الإسلام الأقوال التي يعرفونها، وأما القول المأثور عن السلف والأئمة الذي يجمع الصحيح من كل قول فلا يعرفونه ولا يعرفون قائله، فالشهرستاني صنف الملل والنحل، وذكر فيها من مقالات الأمم ما شاء الله، والقول المعروف عن السلف والأئمة لم يعرفه ولم يذكره. والقاضي أبو بكر وأبو المعالي والقاضي أبو يعلى وابن الزاغوني وأبو الحسين البصري ومحمد بن الهيثم ونحو هؤلاء من أعيان الفضلاء المصنفين، تجد أحدهم يذكر في مسألة القرآن أو نحوها عدة أقوال للأمة، ويختار واحداً منها، والقول الثابت عن السلف والأئمة كالإمام أحمد ونحوه من الأئمة لا يذكره الواحد منهم. مع أنّ عامة المنتسبين إلى السنة من جميع الطوائف يقولون: إنهم متبعون للأئمة كمالك والشافعي وأحمد وابن المبارك وحماد بن زيد وغيرهم، لا سيما الإمام أحمد، فإنه بسبب المحنة المشهورة من الجهمية له ولغيره أظهر من السنة وردّ من البدعة ما صار به إماماً لمن بعده، وقوله هو قول سائر الأئمة، فعامة المنتسبين إلى السنة يدَّعون متابعته والاقتداء به سواء كانوا موافقين له في الفروع أو لا، فإن أقوال الأئمة في أصول الدين متفقة، ولهذا كلما اشتهر الرجل بالانتساب إلى السنة كانت موافقته لأحمد أشد، ولما كان الأشعري ونحوه أقرب إلى السنة من طوائف من أهل الكلام كان انتسابه إلى أحمد أكثر من غيره، كما هو معروف في كتبه.

стр. 219

وقد رأيت من أتباع الأئمة أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وغيرهم من يقول أقوالاً ويكفِّر من خالفها، وتكون الأقوال المخالفة هي أقوال أئمتهم بعينها، كما أنهم كثيراً ما ينكرون أقوالاً ويكفرون من يقولها، وتكون منصوصة عن النبي ﷺ ، لكثرة ما وقع من الاشتباه والاضطراب في هذا الباب، ولأن شبه الجهمية النفاة أثّرت في قلوب كثير من الناس، حتى صار الحق الذي جاء به الرسول - وهو المطابق للمعقول - لا يخطر ببالهم ولا يتصورونه، وصار في لوازم ذلك من العلم الدقيق ما لا يفهمه كثير من الناس، والمعنى المفهوم يعبر عنه بعبارات فيها إجمال وإبهام يقع بسببها نزاع وخصام" (١). وقال أيضًا: "فالذين يسلكون طريقة ابن كلاب كصاحب الإرشاد [أي: إمام الحرمين الجويني] ونحوه يذكرون قول المعتزلة وقول الكرامية ويبطلونهما، ثم لا يذكرون مع ذلك إلا ما يقولون فيه: "وذهبت الحشوية المنتمون إلى الظاهر إلى أنّ كلام الله تعالى قديم أزلي، ثم زعموا أنه حروف وأصوات، وقطعوا بأن المسموع صوت القراء ونغماتهم عين كلام الله تعالى، وأطلق الرعاع منهم القول بأن المسموع صوت الله، تعالى الله عن قولهم! وهذا قياس جهالاتهم. ثم قالوا: إذا كتب كلام الله بجسم من الأجسام رقوماً ورسوماً وأسطراً وكلما فهي بأعينها كلام الله القديم، فقد كان إذ كان جسماً حادثاً ثم انقلب قديماً".

стр. 220

فلم يذكر أبو المعالي إلا هذا القول مع قول المعتزلة والكلابية والكرامية. ومعلوم أنّ هذا القول لا يقوله عاقل يتصور ما يقول، ولا نعرفُ هذا القول عن معروف بالعلم من المسلمين، ولا رأينا هذا في شيء من كتب المسلمين، ولا سمعناه من أحد منهم. فما سمعنا من أحد ولا رأينا في كتاب أحد أن المداد الحادث انقلب قديماً، ولا أنّ المداد الذي يُكتب به القرآن قديم، بل رأينا عامة المصنفين من أصحاب أحمد وغيرهم ينكرون هذا القول، وينسبون ناقله عن بعضهم إلى الكذب، وأبو المعالي وأمثاله أجلّ من أن يتعمد الكذب، لكن القول المحكي قد يُسمع من قائل لم يضبطه، وقد يكون القائل نفسه لم يحرّر قولهم، بل يذكر كلاماً مجملاً يتناول النقيضين، ولا يميز فيه بين لوازم أحدهما ولوازم الآخر، فيحكيه الحاكي مفصلاً ولا يجمله إجمال القائل، ثم إذا فصّله يذكر لوازم أحدهما دون ما يعارضها ويناقضها، مع اشتمال الكلام على النوعين المتناقضين أو احتماله لهما أيضاً، وقد يحكيه الحاكي باللوازم التي لم يلتزمها القائل نفسه، وما كل مَن قال قولاً التزمه لوازمه، بل عامة الخلق لا يلتزمون لوازم أقوالهم، فالحاكي يجعل ما يظنه من لوازم قوله هو أيضاً من قوله، لا سيما إذا لم ينف القائل ما يظنه الحاكي لازماً، فإنه يجعله قولاً بطريق الأولى.

стр. 221

ولا ريب أن من الناس من يقول: هذا القرآن كلام الله، وما بين اللوحين كلام الله، ويقول: إن كلام الله محفوظ في القلوب متلو بالألسن، مسموع بالآذان، مكتوب في المصاحف. وهذا الإطلاق حق متفق عليه بين المسلمين، ثم من هؤلاء من إذا سئل عن المداد وصوت العبد: أقديم هو؟ أنكر ذلك، وربما سكت عن ذلك، وكره الكلام فيه بنفي أو إثبات، خشية أن يجرّه ذلك إلى بدعة، مع أنه لو سمع من يقول: (إن المداد قديم) ألزمه العقوبة به والعذاب الأليم ... إذاً المقصود هنا أن من أكابر الفضلاء مَن لا يعرف أقوال الأئمة في أكابر المسائل، لا أقوال أهل الحق ولا أهل الباطل، بل لم يعرف إلا بعض الأقوال المبتدعة في الإسلام. ومن المعلوم أن السلف والأئمة كان لهم قول ليس هو قول المعتزلة ولا الكلابية ولا الكرامية، ولا هو قول المسمين بالحشوية، فأين ذلك القول؟ أكان أفضل الأمة وأعلمها وخير قرونها لا يعلمون في هذا حقاً ولا باطلاً؟ ومعلوم أن كل قول من هذه الأقوال فاسد من وجوه، وقد يكون بعضها أفسد من بعض، فقول المعتزلة - الذي قالوا إن كلام الله مخلوق - وإن كان فاسداً من وجوه، فقول الكلابية فاسد من وجوه، وقول الكرامية فاسد من وجوه.

стр. 222

والإمام أحمد وغيره من الأئمة أنكروا هذه الأقوال كلها، أنكروا قول الكلابية والكرامية بالنصوص الثابتة عنهم، وإنكارهم لقول المعتزلة متواتر مستفيض عنهم، وأنكروا على من جعل ألفاظ العباد بالقرآن غير مخلوقة، فكيف بالقول المنسوب إلى هؤلاء الحشوية؟! ... ومن المعلوم أنّ السلف والأئمة لهم قول خارج عن قول المعتزلة والكرامية والأشعرية والواقفة، ومن علم ذلك القول فلا بد أن يحكيه ويناظرهم به، كما يناظرهم بقول المعتزلة وغيرهم، لكن من لم يكن عارفاً بآثار السلف وحقائق أقوالهم، وحقيقة ما جاء به الكتاب والسنة، وحقيقة المعقول الصريح الذي لا يتصور أن يناقض ذلك لم يمكنه أن يقول إلا بمبلغ علمه، ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها. ولا ريب أن الخطأ في دقيق العلم مغفور للأمة وإن كان ذلك في المسائل العلمية، ولولا ذلك لهلك أكثر فضلاء الأمة، وإذا كان الله تعالى يغفر لمن جهل وجوب الصلاة وتحريم الخمر لكونه نشأ بأرض جهل مع كونه لم يطلب العلم، فالفاضل المجتهد في طلب العلم بحسب ما أدركه في زمانه ومكانه إذا كان مقصوده متابعة الرسول بحسب إمكانه هو أحق بان يتقبل الله حسناته ويثيبه على اجتهاداته ولا يؤاخذه بما أخطأه، تحقيقاً لقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة:٢٨٦] " (١).

стр. 223

وقال أيضًا في الجواب عمن حلف بالطلاق الثلاث أنّ القرآن صوت وحرف: "إن كان مقصود هذا الحالف أن أصوات العباد بالقرآن والمداد الذي يكتب به حروف القرآن قديمة أزلية: فقد حنث في يمينه. وما علمت أحدًا من الناس يقول ذلك، وإن كان قد يكره تجريد الكلام في المداد الذي في المصحف وفي صوت العبد لئلا يتذرع بذلك إلى القول بخلق القرآن. ومن الناس من تكلم في صوت العبد وإن كنا نعلم أن الذي نقرؤه هو كلام الله حقيقة لا كلام غيره، وأن الذي بين اللوحين هو كلام الله حقيقة، لكن ما علمتُ أحدًا حَكَمَ على مجموع المداد المكتوب به وصوت العبد بالقرآن بأنه قديم. ولكن الذين في قلوبهم زيغ من أهل الأهواء لا يفهمون من كلام الله وكلام رسوله وكلام السابقين الأولين والتابعين لهم بإحسان في باب صفات الله إلا المعاني التي تليق بالخلق لا بالخالق، ثم يريدون تحريف الكلم عن مواضعه في كلام الله وكلام رسوله إذا وجدوا ذلك فيها، وإن وجدوه في كلام التابعين للسلف افتروا الكذب عليهم ونقلوا عنهم بحسب الفهم الباطل الذي فهموه، أو زادوا عليهم في الألفاظ وغيّروها قدرًا ووصفًا كما نسمع من ألسنتهم ونرى في كتبهم.

стр. 224

ثم بعض من يحسن الظن بهؤلاء النقلة قد يحكي هذا المذهب عمن حكوه عنهم ويذم ويبحث مع من لا وجود له، وذمّه واقع على موصوف غير موجود نظير ما صرف الله عن رسوله ﷺ حيث قال: «ألا تعجبون من قريش يشتمون مذمما وأنا محمد». وهذا نظير ما تحكي الرافضة عن أهل السنة من أهل الحديث والفقه والعبادة والمعرفة أنهم ناصبة، وتحكي القدرية عنهم أنهم مجبرة، وتحكي الجهمية عنهم أنهم مشبهة، ويحكي من خالف الحديث ونابذ أهله عنهم أنهم نابتة وحشوية وغثاء وغثرا. إلى غير ذلك من الأسماء المكذوبة. ومن تأمل كتب المتكلمين الذين يخالفون هذا القول وَجَدهم لا يبحثون في الغالب أو في الجميع إلا مع هذا القول الذي ما علمنا لقائله وجودًا" (١).

стр. 225

* قاعدة في تمييز الصحيح من العقائد من المبتَدَع الفاسد: قال الإمام محمد بن إبراهيم الوزير (المتوفى: ٨٤٠ هـ): "اعلم أنّ أصل الخلاف في مسألة القرآن في زمن التابعين، وذلك أن المسلمين ما زالوا على أن الله تعالى متكلّم، وأن له كلامًا على ظاهر ذلك من غير تأويل ولا تشبيه، تصديقًا للنصوص القرآنية، مثل قوله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء:١٦٤]، وقوله سبحانه: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ﴾ [البقرة:٢٥٣] برفع الله، أي: من كلّمه اللهُ، وهي من أبين الآيات في الفرق بين الوحي والكلام، لأنّ الله أوحى إلى كل نبي، وخصّ بعضهم بالتكليم، وفضّله بذلك. وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة:٦]، وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا﴾ [الشورى:٥١]، ... فكان المسلمون في زمن رسول الله ﷺ ، وأصحابه، وصدرًا من زمن التابعين يؤمنون بجميع هذه الأشياء على حقائقها مع علمهم باختلاف الكلام والمتكلمين، فليس كلامُ الإنسان الناطق باللسان مثلَ كلام الجمادات والأعضاء، ولا كلام رب العالمين مثل كلام شيء من خلقه أجمعين.

стр. 226

فلما حدثت بدعةُ الكلام والنظر على أساليب الفلاسفة والمشي وراء الخيالات العقلية، قالت المعتزلة وكثير من المتكلمين: إن جميع ما تلوناه من كتاب الله تعالى من إضافة الكلام إليه، وكذلك القول وما في معناهما من المناداة، والسؤال، كله تشبيه لله تعالى بخلقه، وذم له ، وقدح في ربوبيته، وكفر به، وإلحاد في أسمائه إلا أن يتأول على ما لا تساعد عليه قواعد التأويل، ولا تبقى معه جلالة صوادع التنزيل. وسبحان الله أيكون أحدٌ أعرف بالله وأكره لما لا يليق به من رسول الله ﷺ وأهله وأصحابه وتابعيهم. فكيف يسمعون ما ظاهره الكفر والإلحاد في أسماء الله والتشبيه له بخلقه، ولا ينبّهون على تأويله أحدًا من المتعلمين، ولا من المسلمين أجمعين. والعلم الضروري يقتضي في كل ما شاع مثل هذا في أعصارهم، ولم يذكر أحدٌ منهم له تأويلاً البتة أنه على ظاهره على حسب ما يليق بجلال الله من غير تشبيه كعلم الله وقدرته، فإنهما صفتا كمال بالإجماع. ولو قلنا: إنهما كعلم الخلق وقدرتهم كان تشبيهًا قبيحًا، وكفرًا صريحًا، ومع ذلك فلا يجب تأويل ما ورد في الشرع من وصف الله تعالى بأنه عالم قادر، ونحو ذلك من الحي السميع البصير. فتأمل هذه القاعدة التي ذكرتها لك فيما استفاض على عهد رسول الله ﷺ استفاضة متواترة شائعة، ولم يذكر له تأويل البتة، فإنها تميز لك الصحيح من العقائد من المبتدع الفاسد.

стр. 227

وقال من اعتقد استحالة الكلام من الله تعالى: إنه سبحانه لا يوصف بالقدرة على صدوره من ذاته، ولا تضاف إليه إلا إضافة تشريف كبيت الله، وناقة الله، فاعتقد المجاز في قوله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء:١٦٤]، واعتقد أن الحقيقة أن الله تعالى خلق الكلام في الشجرة المباركة التي ذكرها الله في كتابه، وأن الكلام صدر منها، لا يصح غير ذلك. وكانت النصوص القرآنية على عصر التابعين على جلالتها لم تتبدل بكثرة التأويل، فعظُم على التابعين أن يكون ظاهر قول الله: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء:١٦٤] قبيحًا وضلالا مع أن الله سبحانه نَسَبه إلى ذاته المقدسة، واحتج على بطلان ربوبية العجل والأصنام بعدمه، لا بعدم القدرة على خلقه في غيرها. وكذلك بقوله: ﴿تَكْلِيمًا﴾ [النساء:١٦٤] مع ما شهد لصحته من سائر الآيات والآثار وإجماع الصحابة على وصف الله تعالى بأنه متكلم، وله كلام من غير إشعار بتأويل، فجهروا بتكفير من قال ذلك، إما لاعتقادهم أنه مكذّب لهذه الآيات، أو أن كلامه يؤول إلى التكذيب. ولم يكن قد عرض في زمن الصحابة والتابعين ذكر الكلام النفسي وقدمه، فلم يذكر أحد منهم هذه المسألة، وإنما كان كلامهم في اللفظي الذي لم يقل بقدمه طائفة من طوائف المسلمين البتة، وإن شذ بذلك بعض المحدثين ... " (١).