← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 246

مذهب جمهور الأشاعرة في القرآن

محمد بن عبد الله المقشي

Полный текст (227 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

ملحق فيه بعض الفوائد * تظافر نصوص الكتاب والسنة على أن الله يتكلم بمشيئته: لم يزل الله تعالى متكلمًا إذا شاء، وكلماته سبحانه لا نهاية لها، قال تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ [الكهف:١٠٩]. وكلامه سبحانه متعلِّق بمشيئته، قال الإمام أحمد: "إن الله لم يزل متكلمًا إذا شاء" (١). وسئل ﷺ : اللهُ يكلِّمُ عبده يوم القيامة؟ فقال: نعم، فمن يقضي بين الخلائق إلا الله ؟! يكلّم عبده ويسأله، الله متكلّم، لم يزل الله متكلماً، يأمر بما يشاء، ويحكم بما يشاء، وليس له عدل ولا مثل، كيف شاء وأين شاء" (٢). وقال الحافظ أبو نصر السجزي: "فأما الله تعالى فإنه متكلّم فيما لم يزل، ولا يزال متكلماً بما شاء من الكلام، يُسمع من يشاء من خلقه ما شاء من كلامه إذا شاء ذلك، ويكلم من شاء تكليمه بما يعرفه ولا يجهله، ...

стр. 177

وكلامه أحسن الكلام، وفيه سور وآي وكلمات، وكل ذلك حروف، وهو مسموع منه على الحقيقة سماعاً يعقله الخلق، ولا كيفية لتكلّمه وتكليمه، وجائز وجود أعداد من المكلَّمين يكلّمهم سبحانه في حال واحدة بما يريده من كل واحد منهم، من غير أن يشغله تكليم هذا عن تكليم هذا" (١). ونصوص الكتاب والسنة متظافرة على أنّ الله يتكلم بمشيئته، وسنقتصر هنا على إيراد كلام الحافظ ابن القيم في بيان تظافر هذه النصوص وتكاثرها. قال ﵀: "وقد دل القرآن وصريح السنة والمعقول وكلام السلف على أن الله سبحانه يتكلم بمشيئته، كما دل على أن كلامه صفة قائمة بذاته، وهي صفة ذات وفعل، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل:٤٠]، وقوله: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس:٨٢]. فـ (إذا) تخلص الفعل للاستقبال، (وأن) كذلك، (ونقول) فعل دال على الحال والاستقبال، و (كن) حرفان يسبق أحدهما الآخر، فالذي اقتضته هذه الآية هو الذي في صريح العقول والفطر.

стр. 178

وكذلك قوله: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً﴾ [الإسراء:١٦] الآية، سواء كان الأمر هاهنا أمر تكوين أو أمر تشريع فهو موجود بعد أن لم يكن، وكذلك قوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ [الأعراف:١١]، وإنما قال لهم ﴿اسْجُدُوا﴾ [الأعراف:١١] بعد خلق آدم وتصويره. وكذلك قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي﴾ [الأعراف:١٤٣] الآيات كلها، فكم من برهان يدل على أن التكلم هو الخطاب وقع في ذلك الوقت. وكذلك قوله: ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ﴾ [القصص:٣٠]، والذي ناداه هو الذي قال له: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي﴾ [طه:١٤] وكذلك قوله: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ﴾ [القصص:٦٢]، وقوله: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ﴾ [سبأ:٤٠]، وقوله: ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ﴾ [ق:٣٠] الآية، ومحال أن يقول سبحانه لجهنم: ﴿هَلِ امْتَلَأْتِ﴾ [ق:٣٠]، وتقول: ﴿هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ [ق:٣٠] قبل خلقها ووجودها.

стр. 179

وتأمل نصوص القرآن من أوله إلى آخره ونصوص السنة، ولا سيما أحاديث الشفاعة، وحديث المعراج وغيرها، كقوله: «أتدرون ماذا قال ربكم الليلة»، وقوله: «إن الله يحدث من أمره ما يشاء، وإن مما أحدث ألا تكلموا في الصلاة»، وقوله: «ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان ولا حاجب». وقد أخبر الصادق المصدوق أنه يكلِّم ملائكته في الدنيا «فيسألهم وهو أعلم بهم: كيف تركتم عبادي»، ويكلِّمهم يوم القيامة، ويكلِّم أنبياءه ورسله وعباده المؤمنين يومئذ، ويكلِّم أهل الجنة في الجنة ويسلم عليهم في منازلهم، وأنه كل ليلة يقول: «من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له، من يقرض غير عديم ولا ظلوم»، وقال النبي ﷺ : «إن الله أحيا أباك وكلّمه كفاحًا» ومعلوم أنه في ذلك الوقت كلّمه وقال له: «تمنّ عليّ». إلى أضعاف أضعاف ذلك من نصوص الكتاب والسنة التي إن دُفعت دُفعت الرسالة بأجمعها، وإن كانت مجازًا كان الوحي كله مجازًا، وإن كانت من المتشابه كان الوحي كله من المتشابه، وإن وجب أو ساغ تأويلها على خلاف ظاهرها ساغ تأويل جميع القرآن والسنة على خلاف ظاهره؛ فإن مجيء هذه النصوص في الكتاب وظهور معانيها وتعدد أنواعها واختلاف مراتبها أظهر من كل ظاهر، وأوضح من كل واضح، فكم جهد ما يبلغ التأويل والتحريف والحمل على المجاز.

стр. 180

هب أن ذلك يمكن في موضع واثنين وثلاثة وعشرة، أفيسوغ حمل أكثر من ثلاثة آلاف وأربعة آلاف موضع كلها على المجاز وتأويل الجميع بما يخالف الظاهر؟! ولا تستبعد قولنا: أكثر من ثلاث آلاف، فكل آية وكل حديث إلهي، وكل حديث فيه الإخبار عما قال الله تعالى أو يقول، وكل أثر فيه ذلك، إذا استقرئت زادت على هذا العدد، ويكفي أحاديث الشفاعة، وأحاديث الرؤية، وأحاديث الحساب، وأحاديث تكليم الله لملائكته وأنبيائه ورسله وأهل الجنة، وأحاديث تكليم الله لموسى، وأحاديث تكلمه عند النزول الإلهي، وأحاديث تكلمه بالوحي، وأحاديث تكليمه للشهداء، وأحاديث تكليم كافة عباده يوم القيامة بلا ترجمان ولا واسطة، وأحاديث تكليمه للشفعاء يوم القيامة حين يأذن لهم في الشفاعة، إلى غير ذلك. إذ كل هذا وأمثاله وأضعافه مجاز لا حقيقة له، سبحانك هذا بهتان عظيم، بل نُشهِدُك ونُشهِد ملائكتك وحملة عرشك وجميع خلقك أنك أحق بهذه الصفة وأولى من كل أحد، وأن البحر لو أمدّه من بعده سبعة أبحر، وكانت أشجار الأرض أقلامًا يكتب بها ما تتكلم به، لنفدت البحار والأقلام ولم تنفد كلماتك، وأنك لك الخلق والأمر، فأنت الخالق حقيقة" (١).

стр. 181

قولُ ابن كلاب - وتبعه أبو الحسن الأشعري- بأن كلام الله معنى واحد قائم بذاته تعالى قولٌ لم يُسبق إليه (١). - قال أبو المظفر السمعاني (المتوفى: ٤٨٩ هـ): " وللأمر صيغة مفيدة بنفسها في كلام العرب من غير قرينة تنضم إليها، وكذلك النهي. وهذا قول عامة أهل العلم. وذهب أبو الحسن الأشعري ومن تبعه إلى أنه لا صيغة للأمر والنهى وقالوا: لفظ افعل لا يفيد بنفسه شيئًا إلا بقرينة تنضم إليه ودليل يتصل به. وعندي أنّ هذا قول لم يسبقهم إليه أحد من العلماء ... وإذا قالوا: إنّ حقيقة الكلام معنى قائم في نفس المتكلم، والأمر والنهي كلام فيكون قوله افعل ولا تفعل عبارة عن الأمر والنهي، ولا يكون حقيقة الأمر والنهي، وهذا أيضا لا يعرفه الفقهاء، وإنما يعرفوا قوله (افعل) حقيقة في الأمر، وقوله (لا تفعل) حقيقة في النهي" (٢).

стр. 182

- وقال الحافظ أبو القاسم التيمي الأصبهاني: "وقال بعض الأئمة: "وفي قول أبي بكر ﵁: «ليس بكلامي، ولا كلام صاحبي، إنما هو كلام الله تعالى» إثبات الحرف والصوت، لأنه إنما تلا عليهم القرآن بالحرف والصوت، وقال: هو كلام الله، ولم يقل أحدٌ إنّ القرآن قائم بالذات، وذلك قول يخالف قول الجماعة" (١). - وقال الإمام يحيى ابن أبي الخير العمراني: "وادعت الأشعرية قرآنًا وكلامًا لله لا يعقل [أي: المعنى النفسي]، ولم يسبقهم إلى هذا القول أحدٌ من أهل الملل والنحل" (٢). وقال أيضًا: "وأما الإجماع فإن أحدًا من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من العلماء إلى أن حدث ابن كلاب والأشعري ومن تابعهما أطلقوا اسم القرآن على هذه السور والآيات، وقالوا من قال بخلقه فهو كافر، وقد كان حدث الكلام في خلقه، ولا يعرف أحدٌ القرآن القائم بذات الله حتى أحدث ذلك ابنُ كلاب" (٣).

стр. 183

- وقال الفخر الرازي: "كلام النفس الذي لا يقول به أحدٌ إلا أصحابنا" (١). - وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "ما قاله ابنُ كلاب في مسألة الكلام واتبعه عليه الأشعري، فإنه لم يَسبق ابنَ كلاب إلى ذلك أحدٌ، ولا وافقه عليه أحدٌ من رؤوس الطوائف" (٢). وقال أيضًا: "وأول من قال هذا في الإسلام عبد الله بن سعيد بن كلاب، وجعل القرآن المنزل حكاية عن ذلك المعنى" (٣). وقال أيضًا: "لم يذكر الله قط، ولا قال أحدٌ من المسلمين قبل ابن كلاب أن كلام الله ليس إلا معنى واحدًا، ولا خطر هذا بقلب أحد" (٤). وقال أيضًا: "ما زال أئمة الطوائف طوائف الفقهاء وأهل الحديث وأهل الكلام يقولون: إنّ هذا القول الذي قاله ابنُ كلاب والأشعري في القرآن والكلام من أنه معنى قائم بالذات، وأن الحروف ليست من الكلام، قول مبتدع مخالف لأقوال سلف الأمة وأئمتها، مسبوق بالإجماع على خلافه، حتى الذين يحبون الأشعري ويمدحونه بما كان منه من الرد على أهل البدع الكبار من المعتزلة والرافضة ونحوهما، ويذبون عنه عند من يذمه ويلعنه، ويناصحون عنه من أئمة الطوائف يعترفون بذلك ويقولون: إنا نخالفه في ذلك، ويجعلون ذلك من أقواله المتروكة" (٥).

стр. 184

وقال أيضًا: "ولم يكن في مسمى الكلام نزاع بين الصحابة والتابعين لهم بإحسان وتابعيهم، لا من أهل السنة، ولا من أهل البدعة، بل أول من عُرف في الإسلام أنه جعل مسمى الكلام المعنى فقط، هو عبد الله بن سعيد بن كُلاب، وهو متأخر في زمن محنة أحمد بن حنبل، وقد أنكر ذلك عليه علماء السنة، وعلماء البدعة، فيمتنع أن يكون الكلام - الذي هو أظهر صفات بني آدم كما قال تعالى: ﴿فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ (٢٣)﴾ [الذاريات:٢٣] ولفظه لا تحصى وجوهه كثرة - لم يعرفه أحد من الصحابة والتابعين وتابعيهم حتى جاء من قال فيه قولًا لم يسبقه إليه أحد من المسلمين، ولا غيرهم" (١). وقال أيضًا: "فلا خلاف بين الناس أن أول من أحدث هذا القول [أي: أن الكلام هو المعنى القائم بالنفس] في الإسلام أبو محمد عبد الله بن سعيد بن كلاب البصري، واتبعه على ذلك أبو الحسن الأشعري ومن نصر طريقتهما، وكانا يخالفان المعتزلة ويوافقان أهل السنة في جمل أصول السنة، ولكن لتقصيرهما في علم السنة، وتسليمهما للمعتزلة أصولاً فاسدة صار في مواضع من قوليهما مواضع فيها من قول المعتزلة ما خالفا به السنة وإن كانا لم يوافقا المعتزلة مطلقًا.

стр. 185

وهذه المسألة مسالة حدّ الكلام قد أنكرها عليهما جميع طوائف المسلمين حتى الفقهاء والأصوليون والمصنفون في أصول الفقه على مذهب أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد يذكرون الكلام وأنواعه من الأمر والنهي والخبر وما فيه من العام والخاص، وأنّ الصيغة داخلة في مسمى ذلك عند جميع فرق الأمة أصوليها وفقيهها ومحدثها وصوفيها إلا عند هؤلاء" (١). وقال أيضًا: "وهذا القول أيضا لم يقله أحد من الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين وأصحابهم الذين يفتى بقولهم، بل كان الشيخ أبو حامد الإسفراييني يقول: مذهبي ومذهب الشافعي وأحمد بن حنبل وسائر علماء الأمصار في القرآن مخالف لهذا القول، وكذلك أبو محمد الجويني - والد أبي المعالي - قال: مذهب الشافعي وأصحابه في الكلام ليس هو قول الأشعري" (٢).

стр. 186

- وقال الحافظ الذهبي: "وكان [أي: ابن كلاب] يقول بأن القرآن قائم بالذات بلا قدرة ولا مشيئة. وهذا ما سُبق إليه أبدًا، قاله في معارضة من يقول بخلق القرآن" (١). - وقال بدر الدين الزركشي الشافعي الأشعري (المتوفى: ٧٩٤ هـ): "أصحابنا لما أثبتوا الكلام النفسي، وأن الله تعالى لم يزل آمرا ناهيا مخبرا. قيل عليهم من قبل الخصوم القائلين بحدوثه: إن الأمر والنهي بدون المخاطب عبث، فاضطرب الأصحابُ في التخلص من ذلك على فرقتين: إحداهما: قالت: إن المعدوم في الأزل مأمور على معنى تعلق الأمر به في الأزل على تقدير الوجود، واستجماع شرائط التكليف لا أنه مأمور حال عدمه، فإن ذلك مستحيل، بل هو مأمور بتقدير الوجود، بمعنى أنه يجوز أن يكون الأمر موجودًا في الأزل، ثم إن الشخص الذي سيوجد بعد ذلك يصير مأمورًا بذلك الأمر. وهذا مفرّع على إثبات كلام النفس، ولم يقل به إلا الأشاعرة، هكذا نقلوه عن الشيخ أبي الحسن منهم ابن القشيري ... " (٢).

стр. 187

* قول الحافظ أبي نصر السجزي في بيان نشأة قول ابن كلاب ومَن اتَّبَعه في كلام الله تعالى: قال الحافظ أبو نصر السجزي: "اعلموا- أرشدنا الله وإياكم- أنه لم يكن خلاف بين الخلق على اختلاف نِحَلهم من أول الزمان إلى الوقت الذي ظهر فيه ابن كلاب والقلانسي والصالحي والأشعري وأقرانهم - الذين يتظاهرون بالرد على المعتزلة وهم معهم، بل أخس حالاً منهم في الباطن- في أن الكلام لا يكون إلا حرفاً وصوتاً ذا تأليف واتساق وإن اختلفت به اللغات. وعبر عن هذا المعنى الأوائلُ الذين تكلموا في العقليات وقالوا: الكلام حروف متسقة، وأصوات مقطعة. وقالت العرب: الكلام: اسم وفعل وحرف جاء لمعنى، فالاسم مثل: زيد، وعمرو، وحامد. والفعل مثل: جاء، وذهب، وقام، وقعد. والحرف الذي يجيء لمعنى مثل: هل، وبل، وما شاكل ذلك. فالإجماع منعقد بين العقلاء على كون الكلام حرفاً وصوتاً، فلما نبغ ابنُ كلاب وأضرابه وحاولوا الرد على المعتزلة من طريق مجرد العقل، وهم لا يخبرون أصول السنة، ولا ما كان السلف عليه، ولا يحتجون بالأخبار الواردة في ذلك زعماً منهم أنها أخبار آحاد، وهي لا توجب علماً، وألزمتهم المعتزلة أن الاتفاق حاصل على أن الكلام حرف وصوت ويدخله التعاقب والتأليف، وذلك لا يوجد في الشاهد إلا بحركة وسكون، ولا بد له من أن يكون ذا أجزاء وأبعاض، وما كان بهذه المثابة لا يجوز أن يكون من صفات ذات الله، لأنّ ذات الله سبحانه لا توصف بالاجتماع والافتراق، والكل والبعض، والحركة والسكون. وحكم الصفة الذاتية حكم الذات.

стр. 188

قالوا: فعلم بهذه الجملة أن الكلام المضاف إلى الله سبحانه خلق له، أحدثه وأضافه إلى نفسه كما تقول: عبد الله، وخلق الله، وفعل الله. فضاق بابن كلاب وأضرابه النفس عند هذا الإِلزام لقلة معرفتهم بالسنن وتركهم قبولها، وتسليمهم العنان إلى مجرد العقل، فالتزموا ما قالته المعتزلة وركبوا مكابرة العيان وخرقوا الإِجماع المنعقد بين الكافة، المسلم والكافر، وقالوا للمعتزلة: الذي ذكرتموه ليس بحقيقة الكلام، وإنما يسمى ذلك كلاماً على المجاز لكونه حكاية أو عبارة عنه، وحقيقة الكلام: معنى قائم بذات المتكلم. فمنهم من اقتصر على هذا القدر، ومنهم من احترز عما علم دخوله على هذا الحد، فزاد فيه ما ينافي السكوت والخرس والآفات المانعة من الكلام. ثم خرجوا من هذا إلى أن إثبات الحرف والصوت في كلام الله سبحانه تجسيم، وإثبات اللغة فيه تشبيه ... فألجأهم الضيق مما يدخل عليهم في مقالتهم إلى أن قالوا: الأخرس متكلم، وكذلك الساكت والنائم، ولهم في حال الخرس والسكوت والنوم كلام هم متكلمون به، ثم أفصحوا بأن الخرس والسكوت والآفات المانعة من النطق ليست بأضداد الكلام. وهذه مقالة تبين فضيحة قائلها في ظاهرها من غير ردّ عليه. ومن عُلم منه خرق إجماع الكافة، ومخالفة كل عقلي وسمعي قبله لم يناظر بل يجانب ويقمع" (١).

стр. 189

* السببُ الذي جعل ابن كلاب وأبا الحسن الأشعري يقولان ما قالاه في صفة كلام الله تعالى: قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "لما حدث أبو محمد بن كلاب وناظر المعتزلة بطريق قياسية سلّم لهم فيها أصولاً هم واضعوها - من امتناع تكلّمه تعالى بالحروف، وامتناع قيام الصفات الاختيارية بذاته مما يتعلق بمشيئته وقدرته من الأفعال والكلام وغير ذلك؛ لأن ذلك يستلزم أنه لم يخل من الحوادث، وما لم يخل من الحوادث فهو حادث - اضطره ذلك إلى أن يقول: ليس كلام الله إلا مجرد المعنى، وإن الحروف ليست من كلام الله، وتابعه على ذلك أبو الحسن الأشعري" (١). وقال أيضًا: "وإنما اضطر ابن كلاب والأشعري ونحوهما إلى هذا الأصل [أي: القول بأن كلام الله معنى واحد قائم بنفس الله تعالى] أنهم لما اعتقدوا أن الله لا يقوم به ما يتعلق بمشيئته وقدرته، لا فِعْل ولا تكلّم ولا غير ذلك.

стр. 190

وقد تبين لهم فساد قول من يقول: القرآن مخلوق، ولا يجعل لله تعالى كلاماً قائماً بنفسه، بل يجعل كلامه ما خلقه في غيره، وعرفوا أنّ الكلام لا يكون مفعولاً منفصلاً عن المتكلّم، ولا يتصف الموصوف بما هو منفصل عنه، بل إذا خلق الله شيئاً من الصفات والأفعال بمحل كان ذلك صفة لذلك المحل، لا لله، ... وهذا التقرير مما اتفق عليه القائلون بأن القرآن غير مخلوق من جميع الطوائف مثل أهل الحديث والسنة، ومثل الكرامية والكلابية وغيرهم ... ولكن منشأ اضطراب الفريقين [أي: المعتزلة والأشاعرة] اشتراكهما في أنه لا يقوم به ما يكون بإرادته وقدرته، فلزم هؤلاء إذا جعلوه يتكلم بإرادته وقدرته واختياره أن يكون كلامه مخلوقاً منفصلاً عنه، ولزم هؤلاء إذا جعلوه غير مخلوق أن لا يكون قادراً على الكلام، ولا يتكلم بمشيئته وقدرته، ولا يتكلم بما يشاء ... فاحتاجوا حينئذ أن يثبتوا ما لا يكون مقدوراً مراداً، قالوا: والحروف المنظومة والأصوات لا تكون إلا مقدورة مرادة، فأثبتوا معنى واحداً، لم يمكنهم إثبات معان متعددة، خوفاً من إثبات ما لا نهاية له، فاحتاجوا أن يقولوا (معنى واحداً) فقالوا القول الذي لزمته تلك اللوازم التي عظم فيها نكير جمهور المسلمين، بل جمهور العقلاء عليهم" (١).

стр. 191

* حكم إطلاق القول بأن القرآن قول جبريل أو محمد ﷺ وهل قال أبو الحسن الأشعري ذلك؟ قال الحافظ أبو نصر السجزي: "وإذا أفصح بأنها عبارة محمد وافق الوليد بن المغيرة لما قال: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ [المدثر:٢٥] ونحن نقول: هو كلام الله تعالى، لقوله سبحانه: ﴿فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة:٦] " (١). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "والقرآن يتناول معانيه ولفظه، ومجموع هذا ليس قولاً لغير الله بإجماع المسلمين، وإطلاق القول بأن القرآن كلام جبريل أو محمد أو غيرهما من المخلوقين كفر لم يقله أحد من أئمة المسلمين ... وإنما يقول إنه قول جبريل أحدُ رجلين: إما رجل من الملاحدة والفلاسفة ...

стр. 192

أو رجل ينتسب إلى مذهب الأشعري ويظن أنّ هذا قول الأشعري، بناء على أن الكلام العربي لم يتكلم الله به عنده، وإنما كلامه معنى واحد قائم بذات الرب، هو الأمر والخبر، إن عبر عنه بالعربية كان قرآنًا، وإن عبر عنه بالعبرانية كان توراة، وإن عبر عنه بالسريانية كان إنجيلاً. وهذا القول وإن كان قول ابن كلاب والقلانسي والأشعري ونحوهم فلم يقولوا إن الكلام العربي كلام جبريل. ومن حكى هذا عن الأشعري نفسه فهو مجازف، وإنما قال طائفة من المنتسبين إليه، كما قالت طائفة أخرى إنه نظم محمد ﷺ . ولكن المشهور عنه أن الكلام العربي مخلوق، ولا يطلق عليه القول بأنّه كلام الله، لكن إذا كان مخلوقًا فقد يكون خلقه في الهواء أو في جسم، لكن القول إذا كان ضعيفًا ظهر الفساد في لوازمه" (١).

стр. 193

* البدع تكون في أولها شبرًا، ثم تكثر في الأتباع حتى تصير أذرعًا وأميالاً وفراسخ: قال الإمام أبو الحسن البربهاري: "واحذر صغار المحدثات من الأمور؛ فإن صغير البدع يعود حتى يصير كبيرًا، وكذلك كل بدعة أُحدثت في هذه الأمة، كان أولها صغيرًا يشبه الحق، فاغتر بذلك من دخل فيها، ثم لم يستطع الخروج منها، فعظمت وصارت دينا يدان [به] فخالف الصراط المستقيم، فخرج من الإسلام" (١). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "كما أنّ أقوامًا ابتدعوا أنّ حروف القرآن ليست من كلام الله، وأنّ كلام الله إنما هو معنى قائم بذاته هو الأمر والنهي والخبر، وهذا الكلام فاسد بالعقل الصريح والنقل الصحيح، ... وهذا القول أول من أحدثه ابن كلاب، ولكنه هو ومن اتبعه عليه كالأشعري وغيره يقولون مع ذلك: إن القرآن محفوظ بالقلوب حقيقة، متلو بالألسن حقيقة، مكتوب في المصاحف حقيقة. ومنهم من يمثل ذلك بأنه محفوظ بالقلوب كما أن الله معلوم بالقلوب ومتلو بالألسن كما أن الله مذكور بالألسن، ومكتوب في المصاحف كما أن الله مكتوب في المصاحف.

стр. 194

وهذا غلط في تحقيق مذهب ابن كلاب والأشعري؛ فإنّ القرآن عندهم معنى عبارة عنه، والحقائق لها أربع مراتب: وجود عيني وعلمي ولفظي ورسمي. فليس العلم بالمعنى له المرتبة الثانية، وليس ثبوته في الكتاب كثبوت الأعيان في الكتاب، فزاد هؤلاء قول ابن كلاب والأشعري قبحًا. ثم تبع أقوام من أتباعهم أحد أهل المذهب وأن القرآن معنى قائم بذات الله فقط، وأن الحروف ليست من كلام الله، بل خلقها الله في الهواء، أو صنفها جبريل أو محمد، فضموا إلى ذلك أن المصحف ليس فيه إلا مداد وورق، وأعرضوا عما قاله سلفهم - من أن ذلك دليل على كلام الله فيجب احترامه- لمَّا رأوا أنّ مجرد كونه دليلاً لا يوجب الاحترام، كالدليل على الخالق المتكلم بالكلام، فإنّ الموجودات كلها أدلة عليه ولا يجب احترامها، فصار هؤلاء يمتهنون المصحف حتى يدوسوه بأرجلهم (١)،

стр. 195

ومنهم من يكتب أسماء الله بالعذرة إسقاطًا لحرمة ما كُتب في المصاحف والورق من أسماء الله وآياته. وقد اتفق المسلمون على أن من استخف بالمصحف مثل أن يلقيه في الحش أو يركضه برجله إهانة له إنه كافر مباح الدم. فالبدع تكون في أولها شبرًا، ثم تكثر في الأتباع حتى تصير أذرعًا وأميالاً وفراسخ" (١). وقال الحافظ ابنُ القيم: "فإنّ البدع تستدرج بصغيرها إلى كبيرها حتى ينسلخ صاحبها من الدين كما تنسل الشعرة من العجين" (٢).

стр. 196

* اعتراف الشهرستاني بأن القول بحدوث حروف القرآن محدث: قال ﵀: "قالت السلف والحنابلة: قد تقرر الاتفاق على أنّ ما بين الدفتين كلام الله، وأن ما نقرأه ونسمعه ونكتبه عين كلام الله، فيجب أن يكون الكلمات والحروف هي بعينها كلام الله، ولما تقرر الاتفاق على أنّ كلام الله غير مخلوق، فيجب أن تكون الكلمات أزلية غير مخلوقة. ولقد كان الأمر في أول الزمان على قولين: أحدهما: القدم. والثاني: الحدوث. والقولان مقصوران على الكلمات المكتوبة والآيات المقروءة بالألسن، فصار الآن إلى قول ثالث وهو حدوث الحروف والكلمات، وقدم الكلام والأمر الذي تدل عليه العبارات، ... فكانت السلف على إثبات القدم والأزلية لهذه الكلمات، دون التعرض لصفة أخرى وراها. وكانت المعتزلة على إثبات الحدوث والخلقية لهذه الحروف والأصوات دون التعرض لأمر وراها. فأبدع الأشعري قولاً ثابتاً وقضى بحدوث الحروف وهو خرق الإجماع، وحَكَمَ بأنّ ما نقرأه كلام الله مجازاً لا حقيقة، وهو عين الابتداع، فهلا قال: ورد السمع بأن ما نقرأه ونكتبه كلام الله تعالى دون أن يتعرض لكيفيته وحقيقته كما ورد السمع بإثبات كثير من الصفات من الوجه واليدين إلى غير ذلك من الصفات الخبرية.

стр. 197

ولا يغفل عاقل عن مذهب السلف وظهور القول في حدوث الحروف؛ فإنّ له شأناً، وهم يسلِّمون الفرق بين القراءة والمقروء، والكتابة والمكتوب، ويحكمون بأنّ القراءة التي هي صفتنا وفعلنا غير المقروء الذي ليس هو صفة لنا ولا فعلنا، غير أن المقروء بالقراءة قصص وأخبار وأحكام وأوامر، وليس المقروء من قصة آدم وإبليس هو بعينه المقروء من قصة موسى وفرعون، وليس أحكام الشرائع الماضية هي بعينها أحكام الشرائع الخاتمة، فلا بد إذاً من كلمات تصدر من كلمة، وترد على كلمة، ولا بد من حروف تتركب منها الكلمات، وتلك الحروف لا تشبه حروفنا، وتلك الكلمات لا تشبه كلامنا كما ورد في حق موسى ﵇ سمع كلام الله كجر السلاسل، وكما قال المصطفى صلوات الله عليه في الوحي «أحياناً يأتيني كصلصلة الجرس، وهو أشد عليّ، ثم يفصم عني وقد وعيت ما قال والله أعلم" (١).

стр. 198

* صفة الكلام لا تفارق الموصوف وتنتقل إلى غيره: قال أبو طالب أحمد بن حميد للإمام أحمد بن حنبل: " قد جاءت جهمية رابعة، قال: ما هي؟ قلت: زعموا أن إنسانا أنت تعرفه قال: من زعم أن القرآن في صدره، فقد زعم أن في صدره من الإلهية شيئًا. قال: ومن قال هذا، فقد قال مثل ما قالت النصارى في عيسى أنّ كلمة الله فيه. فقال: ما سمعت بمثل هذا قط" (١). وقال أبو الوليد الطيالسي: "القرآن كلام الله، ليس ببائن من الله" (٢). وقال القاضي أبو يعلى الفراء: "لأنا وإن قلنا: إن القرآن مكتوب فِي الحقيقة، وأن الكتابة هِيَ المكتوب، فلسنا نقول إنه حالّ فِي الجلد، وَلا فِي الورق وَلا فِي اللوح، فاحتراق المحل لا يوجب احتراقه، لأَنَّهُ ليس بحال فِي محل كتابته" (٣).

стр. 199

وقال الحافظ أبو القاسم التيمي الأصبهاني: "والدليل على أنّ الكلام لا يفارق المتكلم، أنه لو كان يفارقه لم يكن للمتكلم إلا كلمة واحدة، فإذا تكلم بها لم يبق له كلام، فلما كان المتكلم قادراً على كلمات كثيرة بعد كلمة دل على أن الكلمات فروع لكلامه الذي هو صفة له ملازمة" (١). وقال الإمام يحيى ابن أبي الخير العمراني: "إلزام واعتراض ذكره الغزالي أيضا في الاقتصاد: إن قال قائل: هل كلام الله حالّ في المصحف أم لا، فإن كان حالا فكيف حلّ القديم في المحدث، وإن قلتم: لا، فهو خلاف الإجماع أن في المصحف القرآن، بدليل أنه يحرم على المحدث مسه ... والجواب أن يقال: أما قولك: إنه حالّ في المصاحف عبارة غير مرضية، لأنّ الحلول صفة الأجسام يقال حل يحُل بالمكان بضم الحاء في المستقبل إذا نزل به، وحل الدَّين يحِل بكسر الحاء في المستقبل إذا وجب، وحلّ الشيء يحِل بكسر الحاء إذا حل فعله، وإنما يقال القرآن موجود في المصاحف ومكتوب ومسطور" (٢). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "واتفق سلف الأمة وأئمتها على أن كلام الله منزل غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود.

стр. 200

ومعنى قولهم "منه بدأ" أي هو المتكلم به لم يخلقه في غيره كما قالت الجهمية من المعتزلة وغيرهم أنه بدأ من بعض المخلوقات وأنه سبحانه لم يقم به كلام. ولم يُرد السلفُ أنّه كلامٌ فارق ذاته، فإن الكلام وغيره من الصفات لا تفارق الموصوف، بل صفة المخلوق لا تفارقه وتنتقل إلى غيره، فكيف تكون صفة الخالق تفارقه وتنتقل إلى غيره. ولهذا قال الإمام أحمد: كلام الله من الله ليس ببائن منه، وردّ بذلك على الجهمية المعتزلة وغيرهم الذين يقولون: كلام الله بائن منه خلقه في بعض الأجسام. ومعنى قول السلف "إليه يعود" ما جاء في الآثار إن القرآن يسرى به حتى لا يبقى في المصاحف منه حرف، ولا في القلوب منه آية. وقد قال الله تعالى عن المخلوق ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا﴾ [الكهف:٥]، ومع هذا فكلمة المخلوق لا تفارق ذاته وتنتقل إلى غيره.

стр. 201

وما جاءت به الآثار عن النبي ﷺ والصحابة والتابعين لهم بإحسان وغيرهم من أئمة المسلمين كالحديث الذي رواه أحمد في مسنده وكتبه إلى المتوكل في رسالته التي أرسل بها إليه عن النبي ﷺ أنه قال: «ما تقرب العباد إلى الله بمثل ما خرج منه» يعني القرآن، وفي لفظ «بأحبّ إليه مما خرج منه»، وقول أبي بكر الصديق ﵁ لما سمع كلام مسيلمة: إن هذا كلام لم يخرج من إلّ. أي من رب. وقول ابن عباس لما سمع قائلا يقول لميت لما وُضع في لحده: اللهم رب القرآن اغفر له. فالتفت إليه ابن عباس فقال: مه القرآن كلام الله ليس بمربوب، منه خرج وإليه يعود. وهذا الكلام معروف عن ابن عباس. وقول السلف: القرآن كلام الله غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود -كما استفاضت الآثار عنهم بذلك كما هو مذكور عنهم في الكتب المنقولة عنهم بالأسانيد المشهورة - لا يدل على أن الكلام يفارق المتكلم ويتنقل إلى غيره، ولكن هذا دليل على أن الله هو المتكلّم بالقرآن، ومنه سُمع لا أنه خلقه في غيره كما فسّره بذلك أحمد وغيره من الأئمة" (١).

стр. 202

وقال أيضًا: "ولا نزاع بينهم أن كلام الله لا يفارق ذات الله، وأنه لا يباينه كلامه ولا شيء من صفاته، بل ليس شيء من صفة موصوف تباين موصوفها وتنتقل إلى غيره، فكيف يتوهم عاقل أن كلام الله يباينه وينتقل إلى غيره؟! ولهذا قال الإمام أحمد: كلام الله من الله ليس ببائن منه، وقد جاء في الأحاديث والآثار أنه منه بدأ، ومنه خرج، ومعنى ذلك أنه هو المتكلم به لم يخرج من غيره، ولا يقتضي ذلك أنه باينه وانتقل عنه فقد قال سبحانه في حق المخلوقين: ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا﴾ [الكهف:٥]، ومعلوم أن كلام المخلوق لا يباين محلّه. وقد علم الناس جميعهم أن نقل الكلام وتحويله هو معنى تبليغه كما قال: ﴿بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [المائدة:٦٧] وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ﴾ [الأحزاب:٣٩] ... والكلام في الورق ليس هو فيه كما تكون الصفة بالموصوف، والعرض بالجوهر ... بل الناس بفطرهم يفهمون معنى: كلام المتكلم في الصحيفة، ويعلمون أن كلامه الذي قام به لم يفارق ذاته ويحل في غيره، ويعلمون أن ما في الصحيفة ليس مجرد دليل على معنى في نفسه ابتداء، بل ما في الصحيفة مطابق للفظه، ولفظه مطابق لمعناه، ومعناه مطابق للخارج" (١).

стр. 203

وقال أيضًا: "هذا القرآن الذي نقرؤه ونبلغه ونسمعه هو كلام الله الذي تكلم به، ونزل به منه روح القدس ... وهذا الكلام صفة الله تعالى. وأما ما اختص قيامه بنا من حركاتنا وأصواتنا وفهمنا وغير ذلك من صفاتنا فلم يقم منه شيء بذات الله سبحانه، كما أن ما اختص الرب تعالى بقيامه به لم ينتقل عنه ولم يقم بغيره لا هو ولا مثله، فإن المخلوق إذا سمع من المخلوق كلامه وبلّغه عنه كان ما بلغه هو كلامه كما تقدم قول النبي ﷺ : «نضّر الله امرأ سمع منا حديثًا فبلّغه كما سمعه»، مع أن ما قام بالنبي ﷺ بباطنه من العلم والإرادة وغيرهما، وبظاهره من الحركة والصوت وغيرهما - لم ينتقل عنه ولم يقم بغيره، بل جميع صفات المخلوقين لا تفارق ذواتهم وتنتقل عنهم، فكيف يجوز أن يقال: إن صفة الخالق فارقت ذاته فانتقلت عنه؟! " (١). وقال أيضًا: "ولو تُرك الناس على فطرتهم لكانت صحيحة سليمة، فإذا رأى الناس كلامًا صحيحًا، فإن من تكلم بكلام وسُمع منه ونُقل عنه أو كتبه في كتاب لا يقول عاقل: إن نفس ما قام بالمتكلم من المعاني التي في قلبه والألفاظ القائمة بلسانه فارقته وانتقلت عنه إلى المستمع والمبلّغ عنه، ولا فارقته وحلّت في الورق، بل ولا يقول: إن نفس ما قام به من المعاني والألفاظ هو نفس المداد الذي في الورق، بل ولا يقول: إن نفس ألفاظه التي هي أصواته هي أصوات المبلّغ عنه.

стр. 204

فهذه الأمور كلها ظاهرة لا يقولها عاقل في كلام المخلوق إذا سمع وبلّغ أو كتب في كتاب، فكيف يقال ذلك في كلام الله الذي سمع منه وبلغ عنه أو كتبه سبحانه كما كتب التوراة لموسى، وكما كتب القرآن في اللوح المحفوظ، وكما كتبه المسلمون في مصاحفهم. وإذا كان من سمع كلام مخلوق فبلغه عنه بلفظه ومعناه، بل شعر مخلوق كما يبلغ شعر حسان وابن رواحة ولبيد وأمثالهم من الشعراء، ويقول الناس: هذا شعر حسان بعينه، وهذا هو نفس شعر حسان، وهذا شعر لبيد بعينه كقوله: ألا كل شيء ما خلا الله باطل. ومع هذا فيعلم كل عاقل أن رواة الشعر ومنشديه لم يسلبوا الشعراء نفس صفاتهم حتى حلّت بهم، بل ولا نفس ما قام بأولئك من صفاتهم وأفعالهم كأصواتهم وحركاتهم حلّت بالرواة والمنشدين، فكيف يتوهم متوهّم أن صفات الباري كلامه أو غير كلامه فارق ذاته وحل في مخلوقاته، وأن ما قام بالمخلوق من صفاته وأفعاله كحركاته وأصواته هي صفات الباري حلّت فيه، وهم لا يقولون مثل ذلك في المخلوق" (١).

стр. 205

والذي جعل بعضَ الناس يفرّ من الإقرار بأن ما بين دفتي المصحف هو كلام الله على الحقيقة، وأنّ الله تعالى تكلم به حقيقة هو ظنّهم أنه إذا أقرّوا بذلك فقد جعلوا صفةّ الكلام القائمة بالله تعالى حالّة في المصحف، وأنها فارقتِ اللهَ تعالى، وانتقلت وحلّت في الورق. وهذا جهلٌ منهم بحقيقة الأمر؛ فإنّ نقْل الكلام ليس كنقل الأجسام كالأحجار ونحوها، فالحَجَر - مثلاً- إذا نُقِل من موضع إلى آخر زال عن الموضع الأول وانتقل إلى الموضع الآخَر، وليس كذلك الكلام. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "ولهذا يقال: فلان ينقل علم فلان وينقل كلامه، ويقال: العلم الذي كان عند فلان صار إلى فلان وأمثال ذلك، كما يقال: نقلت ما في الكتاب ونسخت ما في الكتاب أو نقلت الكتاب أو نسخته، وهم لا يريدون أن نفس الحروف التي في الكتاب الأول عُدمت منه وحلّت في الثاني، بل لما كان المقصود من نسخ الكتاب من الكتب ونقلها من جنس نقل العلم والكلام، وذلك يحصل بأن يجعل في الثاني مثل ما في الأول، فيبقى المقصود بالأول منقولاً منسوخًا وإن كان لم يتغير الأول، بخلاف نقل الأجسام وتوابعها؛ فإن ذلك إذا نُقل من موضع إلى موضع زال عن الأول" (١).

стр. 206

وقال أيضًا: "وأما قول القائل: إن قلتم: إنّ هذا نفس كلام الله فقد قلتم بالحلول وأنتم تكفّرون الحلولية والاتحادية، فهذا قياس فاسد. مثاله مثال رجل ادعى أن النبي ﷺ يحلّ بذاته في بدن الذي يقرأ حديثه، فأنكر الناس ذلك عليه، وقالوا إن النبي ﷺ لا يحلّ في بدن غيره. فقال: أنتم تقولون: إن المحدِّث يقرأ كلامه وإن ما يقرؤه هو كلام النبي ﷺ ، فإذا قلتم ذلك فقد قلتم بالحلول. ومعلوم أن هذا في غاية الفساد، والناس متفقون على إطلاق القول بأنّ كلام زيد في هذا الكتاب، وهذا الذي سمعناه كلام زيد، ولا يستجيز العاقل إطلاق القول بأنه هو نفسه في هذا المتكلِّم أو في هذا الورق. وقد نطقت النصوص بأن القرآن في الصدور كقول النبي ﷺ «استذكروا القرآن فلهو أشد تفلتًا من صدور الرجال من النعم في عقلها»، وقوله: «الجوف الذي ليس فيه شيء من القرآن كالبيت الخرب» وأمثال ذلك، وليس هذا عند عاقل مثل أن يقال: الله في صدورنا وأجوافنا. ولهذا لما ابتدع شخص يقال له الصوري بأنّ من قال: القرآن في صدورنا فقد قال بقول النصارى، فقيل لأحمد: قد جاءت جهمية رابعة - أي: جهمية الخلقية واللفظية والواقفية وهذه الرابعة- اشتد نكيره لذلك، وقال: هذا أعظم من الجهمية. وهو كما قال؛ فإنّ الجهمية ليس فيهم من يُنكر أن يقال: القرآن في الصدور. ولا يُشِّبه هذا بقول النصارى بالحلول إلا من هو في غاية الضلالة والجهالة" (١).

стр. 207

فالقرآن العربي مكتوب فيما لا يُحصى من المصاحف، ومحفوظ في صدور من لا يحصيهم إلا الله تعالى، وهو قرآن واحد، وهو نفسه الذي تكلّم الله تعالى به، وسمعه منه جبريل ﵇، وسمعه من جبريل نبيُّنا ﷺ ، وسمعه الصحابة من رسول الله ﷺ . فإذا قرأه الناس بألسنتهم، أو كتبوه في المصاحف بأيديهم، أو حفظوه في صدورهم لم يخرج بذلك عن أن يكون كلام الله تعالى حقيقة, فإنّ الكلام إنما يُضاف حقيقة إلى من قاله مبتدئًا لا إلى من قاله مبلغًا مؤديًا. قال الإمام أبو محمد ابن قتيبة: "والقرآن لا يقوم بنفسه وحده كما يقوم المأكول بنفسه وحده، وإنما يقوم بواحدة من أربع: كتابة أو قراءة أو حفظ أو استماع. فهو بالعمل في الكتابة قائم، والعمل خط وهو مخلوق، والمكتوب قرآن وهو غير مخلوق. وهو بالعمل في القراءة قائم، والعمل تحريك اللسان واللهوات بالقرآن وهو مخلوق، والمقروء قرآن وهو غير مخلوق. وهو بالاستماع قائم في السمع، والاستماع عمل وهو مخلوق، والمسموع قرآن غير مخلوق" (١).

стр. 208

وقال الإمام ابن جرير الطبري: "فأخبر جل ثناؤه أنه في اللوح المحفوظ مكتوب، وأنه من لسان محمد مسموع، وهو قرآن واحد، من محمد مسموع، في اللوح المحفوظ مكتوب، وكذلك هو في الصدور محفوظ، وبألسن الشيوخ والشباب متلو" (١). وقال عماد الدين أحمد بن إبراهيم الواسطي المشهور بابن شيخ الحزاميين (المتوفى: ٧١١ هـ): "فإن الله تعالى قد تكلّم بالقرآن المجيد بجميع حروفه فقال تعالى: ﴿المص﴾ [الأعراف:١]، وَقَالَ ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ [ق:١] ... فإن قيل: هذا الذي يقرؤه القارئ هو عين قراءة الله وعين تكلّمه هو؟ قلنا: لا، بل القارئ يؤدي كلام الله، والكلام إنما ينسب إلى من قاله مبتدئّا لا إلى من قاله مؤديًا مبلغًا" (٢). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "فنفس القرآن أُنزل إلينا، ونفس القرآن مكتوب في مصاحفنا، كما أن نفس القرآن في الكتاب المكنون، وهو في الصحف المطهرة" (٣). وقال الحافظ الذهبي: "فالمقرئ يلقِّن الختمة مائة نفس ومائتين فيحفظونه، وهو لا ينفصل عنه منه شيء، كسراج أُوقدت منه سُرجًا ولم يتغير" (٤)

стр. 209

وقال أيضًا: "فإنك تنقل من المصحف مائة مصحف وذاك الأول لا يتحول في نفسه ولا يتغير، وتلقّن القرآن ألف نفس وما في صدرك باق بهيئته لا يفصل عنك ولا يغير، وذاك لأن المكتوب واحد والكتابة تعددت، والذي في صدرك واحد وما في صدور المقرئين وهو عين ما في صدرك سواء، والمتلو وإن تعدد التالون به واحد، مع كونه سورا وآيات وأجزاء متعددة، وهو كلام الله ووحيه وتنزيله وإنشاؤه، ليس هو بكلامنا أصلاً. نعم وتكلمنا به وتلاوتنا له ونطقنا به من أفعالنا، وكذلك كتابتنا له وأصواتنا به من أعمالنا قال الله ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات:٩٦]، فالقرآن المتلو مع قطع النظر عن أعمالنا كلام الله ليس بمخلوق، وهذا إنما يحصله الذهن، وأما في الخارج فلا يتأتى وجود القرآن إلا من تال أو في مصحف" (١). وقال الحافظ ابن القيم: "فإنك إذا قلت: في هذا الكتاب كلام رسول الله ﷺ ، أو كلام الشافعي وأحمد، فإنّ كل أحد يفهم المراد بذلك، ولا يتوقف فهمه على حذف وإضمار، كما لا يذهب وهمه إلى أن صفة المتكلم والقول القائم به -الصوت واللفظ المسموع منه- فارق ذاته، وانفصل من محله، وانتقل إلى محل آخر" (٢).

стр. 210

* لا يصح تشبيه كون القرآن في المصحف بكون الله تعالى أو رسوله في الصحف أو الورق: قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "فإنّ القرآن كلامٌ، فهو محفوظ بالقلوب كما يحفظ الكلام بالقلوب، وهو مذكور بالألسنة كما يُذكر الكلام بالألسنة، وهو مكتوب في المصاحف والأوراق كما أن الكلام يكتب في المصاحف والأوراق، والكلام الذي هو اللفظ يطابق المعنى ويدل عليه، والمعنى يطابق الحقائق الموجودة. فمن قال: إن القرآن محفوظ كما أن الله معلوم، وهو متلو كما أن الله مذكور، ومكتوب كما أن الرسول مكتوب، فقد أخطأ القياس والتمثيل بدرجتين: فإنه جعل وجود الموجودات القائمة بأنفسها بمنزلة وجود العبارة الدالة على المعنى المطابق لها، والمسلمون يعلمون الفرق بين قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ﴾ [الواقعة:٧٧ - ٧٨]، وبين قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ﴾ [الشعراء:١٩٦].

стр. 211

فإنّ القرآن لم ينزل على أحد قبل محمد لا لفظه ولا جميع معانيه، ولكن أنزل الله ذكره والخبر عنه، كما أنزل ذكر محمد والخبر عنه، فذِكْرُ القرآن في زبر الأولين كما أنّ ذِكْر محمد في زبر الأولين، وهو مكتوب عندهم في التوراة والإنجيل. فالله ورسوله معلوم بالقلوب، مذكور بالألسن، مكتوب في المصحف، كما أن القرآن معلوم لمن قبلنا، مذكور لهم، مكتوب عندهم، وإنما ذاك ذكره والخبر عنه. وأما نحن فنفس القرآن أُنزل إلينا، ونفس القرآن مكتوب في مصاحفنا، كما أن نفس القرآن في الكتاب المكنون، وهو في الصحف المطهرة. ولهذا يجب الفرق بين قوله تعالى: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ﴾ [القمر:٥٢]، وبين قوله تعالى: ﴿وَالطُّورِ (١) وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ (٢) فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ﴾ [الطور:١ - ٣] فإنّ الأعمال في الزبر كالرسول وكالقرآن في زبر الأولين. وأما " الكتاب المسطور في الرق المنشور فهو كما يكتب الكلام نفسه والصحيفة، فأين هذا من هذا؟! وذلك أن كل شيء فله أربع مراتب في الوجود: وجود في الأعيان، ووجود في الأذهان، ووجود في اللسان، ووجود في البنان. وجود عيني وعلمي ولفظي ورسمي ...

стр. 212

وإذا كان كذلك فالقرآن كلام، والكلام له المرتبة الثالثة ليس بينه وبين الورق مرتبة أخرى متوسطة، بل نفس الكلام يثبت في الكتاب كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ﴾ [الواقعة:٧٧ - ٧٨]، وقال تعالى: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (٢١) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البروج:٢١ - ٢٢] ... وأما الرب سبحانه أو رسوله أو غير ذلك من الأعيان فإنما في الصحف اسمه، وهو من الكلام، ولهذا قال: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ﴾ [الأعراف:١٥٧] وإنما في التوراة كتابته وذكره وصفته واسمه، وهي المرتبة الرابعة منه. فكيف يجوز تشبيه كون القرآن أو الكلام في الصحف أو الورق، بكون الله أو رسوله أو السماء أو الأرض في الصحف أو الورق؟! ولو قال قائل: الله أو رسوله في الصحف أو الورق لأُنكر ذلك، إلا مع قرائن تبين المراد" (١). وقال الحافظ ابن القيم: "فكون الرب تعالى، وأسمائه وصفاته في الكتاب، غير كون كلامه في الكتاب، فهذا شيء وهذا شيء وهذا شيء. فكونه في الكتاب هو اسمه وأسماء صفاته والخبر عنه، وهو نظير كون القيامة والجنة والنار والصراط والميزان في الكتاب، إنما ذلك أسماؤها والخبر عنها.

стр. 213

وأما كون كلامه في المصحف والصدور فهو نظير كون كلام رسوله في الكتاب وفي الصدور، فمن سوّى بين المرتبتين، فهو ملبّس أو ملبوس عليه. يوضحه أنه سبحانه أخبر أنّ القرآن في زبر الأولين، وأخبر أنه في صحف مطهرة يتلوها رسله، ومعلوم أن كونه في زبر الأولين ليس مثله كونه في المصحف الذي عندنا، وفي الصحف التي بأيدي الملائكة، فإن وجوده في زبر الأولين هو ذكره والخبر عنه كوجود رسوله فيها، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ﴾ [الأعراف:١٥٧]، فوجود الرسول في التوراة والإنجيل، ووجود القرآن فيه واحد، فمن جعل وجود كلام الله في المصحف كذلك فهو أضل من حمار أهله. وقد علم بذلك أن لا يحتاج إلى حذلقة متحذلق يقول: إنه لا بد من حذف وإضمار وتقديره (عبارة كلام الله في المصحف أو حكايته) فإنك إذا قلت: في هذا الكتاب كلام رسول الله ﷺ ، أو كلام الشافعي وأحمد، فإن كل أحد يفهم المراد بذلك، ولا يتوقف فهمه على حذف وإضمار، كما لا يذهب وهمه إلى أن صفة المتكلم والقول القائم به -الصوت واللفظ المسموع منه- فارق ذاته، وانفصل من محله، وانتقل إلى محل آخر. هذا كله أمر محسوس مشهود لا ينازع فيه مَن فَهِمه إلا عنادًا، لكن قد لا يفهمه بعض الناس لفرط بلادة، وعمى قلب، أو غلبة هوى" (١).

стр. 214

* لم يقل أحدٌ من السلف والأئمة: إنّ صوت العبد بالقرآن والمداد المكتوب به قديمٌ: قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "اتفق سلفُ الأمة وأئمتها على أنّ القرآن الذي يقرؤه المسلمون كلام الله تعالى، ولم يقل أحد منهم إن أصوات العباد ولا مداد المصاحف قديم، مع اتفاقهم على أن المثبَت بين لوحي المصحف كلام الله، وقد قال النبي ﷺ : «زينوا القرآن بأصواتكم»، فالكلام الذي يقرؤه المسلمون كلام الله، والأصوات التي يقرؤون بها أصواتهم" (١). وقال أيضًا: "ومن قال: نفسُ أصوات العباد أو مدادهم أو شيئًا من ذلك قديم فقد خالف أيضًا أقوال السلف، وكان فساد قوله ظاهرًا لكل أحد، وكان مبتدعًا قولاً لم يقله أحد من أئمة المسلمين، ولا قالته طائفة كبيرة من طوائف المسلمين، بل الأئمة الأربعة وجمهور أصحابهم بريئون من ذلك" (٢).

стр. 215

وقال أيضًا: "ولم يقل قط أحد من أئمة السلف: إن أصوات العباد بالقرآن قديمة، بل أنكروا على من قال: لفظ العبد بالقرآن غير مخلوق. وأما من قال: إن المداد قديم فهذا من أجهل الناس وأبعدهم عن السنة، قال الله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ [الكهف:١٠٩] فأخبر أن المداد يكتب به كلماته" (١). وقال أيضًا: "دعوى أنّ هذا الصوت المسموع من العبد أو بعضه هو صوت الله، أو هو قديم بدعة منكرة مخالفة لضرورة العقل، لم يقلها أحد من أئمة الدين، بل أنكرها أئمة المسلمين من أصحاب الإمام أحمد وغيره، وإنما قال ذلك شرذمة قليلة من الطوائف. وهي أقبح وأنكر من قول الذين قالوا: لفظنا بالقرآن غير مخلوق، فإن أولئك لم يقولوا: صوتنا، ولا قالوا: قديم، ومع هذا فقد اشتد نكير الإمام أحمد عليهم وتبديعه لهم، وقد صنف الإمام أبو بكر المروزي صاحبه في ذلك مصنفًا جمع فيه مقالات علماء الوقت من أهل الحديث والسنة من أصحاب أحمد وغيرهم على إنكار ذلك، وقد ذكر ذلك أبو بكر الخلال في كتاب السنة" (٢).
следующие страницы →