← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 246

مذهب جمهور الأشاعرة في القرآن

محمد بن عبد الله المقشي

Полный текст (227 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

ووجه الإضافة في تسميته كلام الله بالمعنى الثاني [أي: الكلام النفسي] أنه صفة له، وبالأول [أي: الكلام اللفظي] أنه أنشأه برقومه في اللوح المحفوظ لقوله تعالى: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (٢١) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البروج:٢١ - ٢٢]، أو بحروفه بلسان المَلَك لقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ [الحاقة:٤٠]، أو بلسان النبي لوله تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ﴾ [الشعراء:١٩٣ - ١٩٤] الآية" (١). - وقال شمس الدين محمد بن أحمد الرملي (المتوفى: ١٠٠٤ هـ): "كلام الله تعالى النفسي صفة قديمة كبقية صفاته القديمة ... فإذا عبر عنه بالعربية كان قرآنًا، وبالعبرانية فتوارة، وبالسريانية فإنجيل ... أما العبارات الدالة عليه فمخلوق حادثة، لكن امتنع العلماء من إطلاق الخلق والحدوث عليها إذا سميت قرآنًا لما فيه من الإيهام" (٢). - وقال أحمد بن غنيم النفراوي الأزهري المالكي (المتوفى: ١١٢٦ هـ): "وحقيقته [أي: القرآن] عند الفقهاء والقراء والأصوليين والعامة اللفظ المنزل على محمد ﷺ للإعجاز بأقصر سورة منه المتعبد بتلاوته المحتج بأبعاضه، ... ومعنى كون هذا اللفظ كلام الله مع أنه محدث ومخلوق أنّ الله تعالى تولّى تأليفه" (٣).

стр. 37

وقال أيضًا: "المراد بالقرآن اللفظ المنزل على محمد وهو مخلوق حادث، والقديم مدلوله" (١). وقال أيضًا: "وأجاب أهل السنة [أي: الأشاعرة] عما تمسكت المعتزلة بأن كل ما دل على الحدوث يجب حمله على اللفظ الدال على المعنى القائم بالنفس المحكوم عليه بأنه قديم ... والحاصل أن النزاع بين أهل السنة والمعتزلة في إثبات الكلام النفسي ونفيه، فأهل السنة تثبته والمعتزلة تنفيه، دليلنا أنه ثبت بالكتاب وبالإجماع وتواتر النقل عن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أنه تعالى متكلم، ولا معنى له سوى أنه متصف بالكلام، ويمتنع قيام اللفظ الحادث بذاته تعالى فيتعين النفسي القديم" (٢). وقال أيضًا: "فالحاصل أن الكتاب بهذا المعنى [أي: اللفظ المنزل على نبينا محمد ﷺ ] يوصف بأنه عربي ومرتب وفصيح ومقروء بالألسنة وغير ذلك مما هو من أوصاف الحادث، وما يقال من أن كلام الله ليس قائمًا بلسان، ولا حالاً في مصحف، فالمراد به المعنى القائم بذاته تعالى" (٣).

стр. 38

- وقال محمد الأمير الكبير المالكي السنباوي الأزهري (المتوفى: ١٢٣٢ هـ): "اللفظي: هو حادث، والله لا يتكلم به، بل خلقه الله في اللوح المحفوظ، وأنزله على جبريل، ونزل به جبريل على سيدنا محمد ﷺ بالمعنى واللفظ جميعا على الراجح" (١). وقال أيضًا: "وهل القرآن بمعنى اللفظ المقروء أفضل، أو سيدنا محمد ﷺ ؟ تمسك بعضهم بما يروى: «كل حرف خير من محمد وآل محمد» لكنه غير محقق الثبوت. والحق أنه ﷺ أفضل؛ لأنه أفضل من كل مخلوق، ... " (٢). - وقال محمد بن شافعي الفضالي (المتوفى: ١٢٣٦ هـ): "وليس المراد بكلامه تعالى الواجب له تعالى الألفاظ الشريفة المنزلة على النبي ﷺ ؛ لأنّ هذه حادثة، والصفة القائمة بذاته تعالى قديمة" (٣). وقال أيضًا: "ويُسمّى كلٌ من الصفة القديمة والألفاظ الشريفة: قرآنًا، وكلام الله، إلا أنّ الألفاظ الشريفة مخلوقة، مكتوبة في اللوح المحفوظ، نزل بها جبريل ﵇ على النبي ﷺ ، بعد أن نزلت في ليلة القدر في بيت العزة: محل في سماء الدنيا" (٤).

стр. 39

- وقال أحمد بن عيسى الأنصاري (المتوفى: ١٢٤١ هـ): "واعلم أنه يُطلق على الكتب المنزلة على الرسل أنها كلام الله تعالى؛ لأنها ظهرت منه تعالى إحداثًا وتركيبًا، ولم يحدثها غيره، ... وهذه الألفاظ ليست هي نفس الصفة القديمة كما يتوهم البعض، بل هي دالة عليها دلالة عقلية أو عرفية، لأن الألفاظ مركبة وحادثة، والصفة النفسية التي هي الكلام لا يجوز أن تكون كذلك، لأن الحوادث لا تقوم بالخاق، ومن هذا الباب يطلق على هذه الكلمات المنزلة على الرسل أنه كلام الله تعالى، أي لأنها دالة على بعض مدلولات الكلام النفسي" (١). - وقال أحمد الصاوي المالكي (المتوفى: ١٢٤١ هـ): "ما ورد في الكتاب والسنة مما يوهم الحدوث فإنه عند أهل السنة محمول على اللفظ الحادث الدال على بعض مدلول الكلام النفسي، وهو اللفظ المنزل على النبي ﷺ للإعجاز بأقصر سورة منه، المتعبد بتلاوته" (٢). - وقال محمد بن حسن العطار (المتوفى: ١٢٥٠ هـ): "لا نزاع بين الشيخ أبي الحسن الأشعري والمعتزلة في حدوث الكلام اللفظي، إنما نزاعهم في إثبات الكلام النفسي وعدمه" (٣).

стр. 40

وقال أيضًا: "وبالجملة فمسألة الكلام مما كثر فيها النزاع بين العلماء الأعلام ... والذي تحرر فيها أن هذه الألفاظ التي نتلوها ونتعبد بتلاوتها حادثة، والقول بقدمها سفسطة إلا أنّ السلف تحاشوا عن القول بحدوثها، ... ومعنى كونه كلام الله أنه ليس من تأليف البشر، بل نزل به جبريل ﵇ على النبي ﷺ ، ونزل باللفظ والمعنى جميعا على ما هو التحقيق خلافا لما قيل إنّ جبريل يلهم المعنى ويعبر للنبي ﷺ عنه، ولمن قال: يلقي المعنى في قلبه ﷺ ، وهو الذي يعبر. ثم إن هذه الألفاظ دالة على الصفة النفسية القديمة، فالدال حادث والمدلول قديم، وهذا المدلول هو المراد بقولهم المقروء قديم والقراءة حادثة" (١). وقال أيضًا: "ووجه إضافته [أي: الكلام النفسي] بهذا المعنى له تعالى أنه صفته، وبالمعنى الأول [أي: الكلام اللفظي] أنه تعالى أنشأه برقومه في اللوح المحفوظ، ومنع السلف من إطلاق القول بخلق القرآن بهذا المعنى أدبًا وتحرزًا عن ذهاب الوهم إلى المعنى النفسي" (٢).

стр. 41

- وقال إبراهيم الباجوري (المتوفى: ١٢٧٦ هـ): "واعلم أنّ كلام الله يُطلق على الكلام النفسي القديم، بمعنى أنه صفة قائمة بذاته تعالى، وعلى الكلام اللفظي بمعنى أنه خَلَقَه، وليس لأحد في أصل تركيبه كسب. وعلى هذا يحمل قول السيدة عائشة: «ما بين دفتي المصحف كلام الله تعالى» ومع كون اللفظ الذي نقرؤه حادثًا لا يجوز أن يقال: القرآن حادث إلا في مقام التعليم، لأنه يُطلق على الصفة القائمة بذاته أيضًا لكن مجازًا على الأرجح، فربما يُتوهم من إطلاق أنّ القرآن حادث أن الصفة القائمة بذاته تعالى حادثة، ولذلك ضُرب الإمام أحمد بن حنبل وحُبس على أن يقول بخلق القرآن فلم يرض" (١). وقال أيضًا: "ومذهب أهل السنة [يعني بهم الأشاعرة] أنّ القرآن بمعنى الكلام النفسي ليس بمخلوق، وأما القرآن بمعنى اللفظ الذي نقرؤه فهو مخلوق، لكن يمتنع أن يقال: القرآن مخلوق ويراد به اللفظ الذي نقرؤه إلا في مقام التعليم؛ لأنه ربما أوهم أنّ القرآن بمعنى كلامه تعالى مخلوق، ولذلك امتنعت الأئمة من القول بخلق القرآن" (٢). وقال أيضًا: "وقد أُضيف له تعالى كلامٌ لفظي كالقرآن، فإنه كلام الله قطعًا بمعنى أنه خلقه في اللوح المحفوظ" (٣).

стр. 42

وقال أيضًا عند شرحه لقول صاحب جوهرة التوحيد: فكلُّ نصٍ للحدوث دلاّ ... احْمِلْ على اللفظ الذي قد دلاّ قال: " (على اللفظ) أي: على القرآن، بمعنى: اللفظ المنزل على نبينا ﷺ ، المتعبّد بتلاوته، المتحدَّى بأقصر سورة منه، والراجح أن المُنْزل اللفظ والمعنى، وقيل: المنزل المعنى وعبّر عنه جبريل بألفاظ من عنده، وقيل: المنزل المعنى وعبّر عنه النبي ﷺ بألفاظ من عنده، لكن التحقيق الأول؛ لأنّ الله خَلَقَه أولاً في اللوح المحفوظ، ثم أنزله في صحائف إلى سماء الدنيا ... والحاصل أنّ كل ظاهر من الكتاب والسنة دلّ على حدوث القرآن فهو محمول على اللفظ المقروء لا على الكلام النفسي، لكن يمتنع أن يقال: القرآن مخلوق إلا في مقام التعليم كما سبق" (١). - وقال محمد بن أحمد بن عبد الباري الأهدل (المتوفى: ١٢٩٨ هـ): "ومع كون اللفظ الذي نقرؤه حادثًا لا يجوز أن يقال: القرآن حادث؛ حذرًا من الإيهام، أي: إيهام أن القرآن النفسي حادث، وخوفًا من أن يدعو ذلك إلى أن يقول القائل: لفظي بالقرآن مخلوق.

стр. 43

فيحصل أنّ المنع من إطلاق الخلق والحدوث على ما في المصاحف والألسن والصدور إنما هو من حيثية شرعية، وهي خشية الإيهام. وكل نص من الكتاب أو السنة دل على حدوث القرآن فهو محمول على اللفظ المقروء لا على الكلام النفسي، ومع ذلك لا يجوز إطلاق أن القرآن مخلوق لما تقرر" (١). - وقال إبراهيم بن أحمد المارغيني مفتي المالكية في عصره (المتوفى: بعد ١٣٢٥ هـ): "كما يسمى الكلام القديم بكلام الله، تسمى الكتب السماوية بكلام الله، إما لأنها دالة على بعض مدلوله المترجم بها عنه ... وإما لأنّ الله تعالى خلق تلك الألفاظ وأنزلها على رسله بواسطة جبريل، فهي كلام الله بمعنى أنها مخلوقة لله وليست من تأليف الخلق" (٢). وقال أيضًا: "لا يجوز أن يقال "القرآن مخلوق" أو "حادث"؛ لأنّ القرآن يُطلق على اللفظ المنزل على نبينا ومولانا محمد ﷺ للإعجاز، وعلى صفة الكلام القائمة بذات الله تعالى، فربما يتوهم من إطلاق أنّ القرآن مخلوق أو حادث حدوث الصفة القائمة بذاته تعالى. نعم يجوز أن يقال ذلك في مقام التعليم" (٣).

стр. 44

- وقال محمد بن علي بن حسين مفتي المالكية بمكة (المتوفى: ١٣٦٧ هـ): " قال كنون: حاصل ما لعبق [أي: عبد الباقي الزرقاني] والبناني أنّ القرآن يطلق على المعنى النفسي الأزلي القائم بذاته تعالى، وعلى العبارات الدالة عليه، المسموعة لنا وعلى نقوش الكتابة الدالة عليه. وبقي أنه يطلق على المحفوظ في الصدور من الألفاظ المتخيلة كما يقال: حفظت القرآن. فكلام الله يطلق بالاعتبارات الأربعة، والقديم من ذلك إنما هو الأول [أي: المعنى النفسي] ... ، فحيث يوصف بما هو من لوازم القديم كقولنا: القرآن أو كلام الله غير مخلوق، فالمراد حقيقته الموجودة في الخارج أعني المعنى النفسي القائم بالذات العلية. وحيث يوصف بما هو من لوازم المخلوقات والمحدثات يراد به الألفاظ المنطوقة المسموعة" (١). وقال أيضًا: "وقد ذكر السعد عن المشايخ أنه ينبغي أن يقال: القرآن كلام الله غير مخلوق، ولا يقال القرآن غير مخلوق؛ لئلا يسبق إلى الفهم أن المؤلف من الأصوات والحروف قديم، وكان السلف يمنعون أن يقال: القرآن مخلوق ولو أريد به اللفظ إلخ دفعًا لإيهام خلق المعنى القائم للذات العلية، فلا يجوز ذلك إلا في مقام البيان" (٢).

стр. 45

- وقال محمد زاهد الكوثري (المتوفى: ١٣٧١ هـ): "القرآن يُطلق على ما قام بالله من الألفاظ العلمية الغيبية، وهو غير مخلوق، وغير حال في مخلوق. وعلى المكتوب بين الدفتين، وعلى المحفوظ في القلوب من الألفاظ الذهنية، وعلى الملفوظ بالألسن على سبيل الاشتراك اللفظي عنده [أي: الباقلاني]. والقرينة هي التي تعين المراد منها في كل موضع. وما سوى الأول مخلوق. وهذا البحث أنضج عند المتأخرين من أئمة الأشاعرة" (١). - وقال الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي تحت عنوان جوهر الخلاف بين المعتزلة وأهل السنة والجماعة: "ثم إنّ المعتزلة فسّروا هذا الذي أجمع المسلمون على إثباته لله تعالى [أي: الكلام] بأنه أصوات وحروف يخلقهما الله في غيره كاللوح المحفوظ وجبريل، ومن المعلوم أنه حادث وليس بقديم. ثم إنهم لم يثبتوا لله تعالى شيئًا آخر من وراء هذه الأصوات والحروف تحت اسم الكلام. أما جماهير المسلمين أهل السنة والجماعة [يعني بهم الأشاعرة]، فقالوا: إننا لا ننكر هذا الذي تقوله المعتزلة، بل نقول به، ونسميه كلامًا لفظيًا، ونحن جميعا متفقون على حدوثه، وأنه غير قائم بذاته تعالى؛ من أجل أنه حادث.

стр. 46

ولكننا نثبت أمرًا وراء ذلك وهو الصفة القائمة بالنفس والتي يُعبّر عنها بالألفاظ ... وهذا هو المقصود بإسناد الكلام إلى الله تعالى، وبه يُفسّر ما أجمع عليه المسلمون. وهنا افترق المعتزلة عن الجمهور، إذ إنهم لم ينسبوا إلى الله تعالى صفة قديمة بهذا المعنى اسمها الكلام أو الكلام النفسي" (١). وقال أيضًا: "إذا تأملت فيما ذكرناه، أدركت النقطة الخلافية بين المعتزلة وأهل السنة والجماعة، وهي: أن هنالك معنى لألفاظ القرآن يتكون منه الأمر والنهي والإخبار المتوجه للناس وهو قديم. فما اسم هذا المعنى؟ المعتزلة: اسمه العلم إذا كان إخبارا، والإرادة إن كان أمرا أو نهيا .. الجمهور: اسمه الكلام النفسي، وهو صفة زائدة على كل من العلم والإرادة، قائمة بذاته تعالى. أما الكلام الذي هو اللفظ، فاتفقوا على أنه مخلوق، وعلى أنه غير قائم بذاته سبحانه، باستثناء أحمد بن حنبل وبعض أتباعه، فقد ذهبوا إلى أن هذه الحروف والأصوات أيضا قديمة بذاتها، وأنها هي المعني بصفة الكلام.

стр. 47

ولا ندخل - بعد أن عرفت نقطة الوفاق والخلاف - في شيء من المناقشة والجدال اللذين قاما حول هذا البحث، لاعتقادنا أن الخطب أيسر من ذلك، وإن كنا نعتقد ما ذهب إليه الجمهور من أن المعنى الذي هو مدلول العبارات اسمه الكلام النفسي، وأنه صفة زائدة على كل من صفتي العلم والإرادة، غير أن المعتزلة متفقون على كل مع الجمهور في ثبوت هذا المعنى لله تعالى، وأنه صفة قديمة قائمة بذاته، وإن لم يسموها مثلنا كلامًا. ومعظم ما تسمعه من الأصداء الرهيبة للخلاف التاريخي في هذه المسألة، إنما منشؤه الخلاف بين أحمد بن حنبل ﵀ والفرق الأخرى كالجهمية والمعتزلة" (١). وقال أيضًا: "وقد علمت أنهم [أي: المعتزلة والأشاعرة] جميعًا متفقون على أن ألفاظ القرآن حادثة، وأن معانيه قديمة، وأن خلافهم محصور فقط في تسمية المعنى القديم هل يسمى صفة الكلام أم يسمى صفة العلم والإرادة" (٢). - وقال وهبي سليمان غاوجي: "قال علماء أصول الدين: إن الكلام ينقسم إلى قسمين: الأول: الكلام اللفظي، والثاني: الكلام النفسي. فأما اللفظي فهو ذلك القرآن الكريم المنزل على سيدنا محمد، وكذا سائر الكتب المنزلة على الرسل ﵈، ولا ريب في أن الكلام اللفظي مخلوق له تعالى. وأما النفسي: فهو صفة قديمة زائدة على ذاته تعالى، ليست بحرف ولا صوت، ويدل عليها الكلام اللفظي" (٣).

стр. 48

- وقال حسن بن علي السقاف: "وقد خلق الله كلمات من حروف وأصوات ولغات مختلفة، وجعلها تعبر عن كلامه الأزلي، ليست من تصنيف أحد من خلقه. فكلامه القديم الذي هو صفة من صفات ذاته القديم يعبر عنها الإنجيل باللغة السريانية، والتوراة باللغة العبرانية، والقرآن باللغة العربية، وكذا باقي الكتب التي أنزلها ... وهذه العبارات والجمل العربية المعبّر عنها بالقرآن الكريم ... خلقها وأحدثها وجعلها تعبر عن صفة كلامه الأزلي الأبدي التي متى شاء أسمعنا إياه بدليل قوله تعالى: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾ [الأنبياء:٢]. وقد أخبر المولى ﵎ الخلق أنهم لا يستطيعون أن يأتوا بمثل هذه العبارات المخلوقة المعبرة عن كلامه الأزلي الأبدي الذي ليس بحرف ولا صوت ولا لغة، كما أخبر أنهم عاجزون أن يخلقوا إنسانا بل بعوضة، وهي التي تعبر عن قدرته ﵎، وأن هذه الألفاظ المخلوقة باللغة العربية المنزلة على سيدنا رسول الله ... ولو كانت قديمة لما كانت في كتاب حادث مخلوق ولما تصور مسها ولا كتابتها في اللوح المحفوظ الذي خلقه الله تعالى وأحدثه وأجرى القلم عليه بأشياء كثيرة" (١).

стр. 49

وقال أيضًا: "وأما معنى قوله تعالى ﴿فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة:٦]، أي اتل عليه هذه الألفاظ التي خلقتها، وعلمتك إياها، والتي تعبر عن كلامي الأزلي، والتي لم يصنفها أحد" (١). - وقال محمد صالح الغرسي: "النوع الثاني من الكلام الذي أثبته الأشاعرة لله تعالى الكلام اللفظي، وبعد اتفاقهم على ثبوته لله تعالى على وجه الحقيقة لا المجاز اختلفوا في قدمه وحدوثه، فذهب جمهور الأشاعرة والمعتزلة عامة إلى حدوثه، وإلى أنه غير قائم بالله تعالى، لأنه تعالى لا يكون محلا للحوادث، بل هو قائم بغيره تعالى، وذلك لأنهم رأوا أنّ الكلام اللفظي لا يتحقق إلا بحروف وكلمات وألفاظ مترتبة متعاقبة موقوف وجود المتأخر منها على انقضاء المتقدم، وهذا من صفات المحدثات، فمن أجل ذلك قالوا بحدوثه، بمعنى أنّ الله تعالى هو الذي استقل بإحداثه بدون كسب لأحد فيه، أوجده الله تعالى في اللوح المحفوظ أو في الشجرة أو في جبريل مثلا ... ومع قولهم بحدوث الكلام اللفظي لله تعالى قالوا: لا يجوز التصريح بذلك إلا في مقام التعليم لئلا يسبق الوهم إلى حدوث الكلام المعنوي النفسي القديم القائم بالله تعالى" (٢).

стр. 50

وقال أيضًا: "وذهب جمهورهم [أي: الأشاعرة والماتريدية] إلى حدوث الكلام اللفظي، بمعنى أنّ الله تفرّد بخلقه بدون كسب لأحد فيه" (١). وقال أيضًا: "قدمنا أنّ مذهب الأشاعرة أن القرآن معناه ولفظه كلام الله على الحقيقة لا المجاز، وأنهم قد اختلفوا في القرآن بمعنى اللفظ المعجز المنزل هل هو قديم قائم بالله كالمعنى، أو أنه حادث تولّى الله تخليقه وتأليفه بدون كسب لأحد في هذا التأليف؟ هذا مذهب جمهورهم، والأول مذهب فريق منهم" (٢).

стр. 51

أقوال بعض الأئمة والعلماء من غير الأشاعرة - قال الحافظ أبو نصر السجزي (المتوفى: ٤٤٤ هـ): "والكلابية والأشعرية قد أظهروا الرد على المعتزلة، والذب عن السنة وأهلها، وقالوا في القرآن وسائر الصفات ما ذكرنا بعضه، وقولهم في القرآن حيرة، يدعون قرآنًا ليس بعربي وأنه الصفة الأزلية، وأما هذا النظم العربي فمخلوق عندهم" (١). وقال أيضًا: "عند المعتزلة أنّ الذي تحويه دفتا المصحف قرآن، وكذلك ما وعته الصدور، وكذلك ما يتحرك به لسان القارئ، وكل ذلك مخلوق. وعند أهل السنة أن ذلك قرآن غير مخلوق. وعند الأشعري أنه مخلوق وليس بقرآن، وإنما هو عبارة عنه. وكذلك كثير من مذهبه يقول في الظاهر بقول أهل السنة مجملاً، ثم عند التفسير والتفصيل يرجع إلى قول المعتزلة" (٢).

стр. 52

وقال أيضًا: "وقال الأشعري: القرآن كلام الله سبحانه، والسور والآي ليست بكلام الله سبحانه، وإنما هي عبارة عنه، وهي مخلوقة. فوافقهم في القول بخلقها، وزاد عليهم بأنها ليست قرآن ولا كلام الله سبحانه. فإن زعموا أنهم يقرون بأنها قرآن. قيل لهم: إنما يقرون بذلك على وجه المجاز، فإن من مذهبهم أن القرآن غير مخلوق، وأن الحروف مخلوقة، والسور حروف بالاتفاق، من أنكر ذلك لم يخاطب. وإذا كانت حروفاً مخلوقة لم يجز أن يكون قرآناً غير مخلوق" (١). - وقال الحافظ ابن عبد البر (المتوفى: ٤٦٣ هـ): "وكان الكرابيسى وعبد الله بن كلاب ... يقولون: إن القرآن الذى تكلم به الله صفة من صفاته لا يجوز عليه الخلق، وأن تلاوة التالي وكلامه بالقرآن كسب له وفعل له وذلك مخلوق، وإنه حكاية عن كلام الله وليس هو القرآن الذي تكلّم الله به" (٢). - وقال الإمام الفقيه أبو الفرج عبد الواحد بن محمد الشيرازي الحنبلي (المتوفى: ٤٨٦ هـ): "وأنّ ما المصاحف وصدور الرجال وألواح الصبيان، وفي اللوح المحفوظ وغير ذلك، كلام الله تعالى، وأنّ القرآن منظور لأعيننا، محفوظ في قلوبنا، ومسموع بآذننا، ومخطوط بأيدينا.

стр. 53

وقالت الأشاعرة بخلاف ذلك كله حتى إنهم قالوا: ليس في المصحف ولا في صدور الرجال ولا في ألواح الصبيان ولا في اللوح المحفوظ قرآن، وأنّ جميع ذلك لديهم مخلوق" (١). وقال أيضًا: "وعند الأشعرية ليس في المصحف قرآن، ولا في غيره، وأن ما فيه كتابة القرآن، والدليل على أنّ ما في صدور الحافظين هو القرآن قوله تعالى: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ [العنكبوت:٤٩] ... وهذا دليل على أنّ ما في الصدور هو نفس القرآن، وعند الأشعرية ليس فيها قرآن" (٢). - وقال الإمام أبو الوفاء ابن عقيل إمام الحنابلة ببغداد في زمنه (المتوفى:٥١٣): "يزخرفون للعوام عبارة يتوقون بها إنكارهم، ويدفنون فيها معنى لو فهمه الناس لعجلوا بوارهم، ويقولون: تلاوة ومتلو وقراءة ومقروء، وكتابة ومكتوب، هذه الكتابة معلومة فأين المكتوب؟ وهذه التلاوة مسموعة فأين المتلو؟ يقولون: القرآن عندنا قديم قائم بذاته سبحانه، وإنما هي زخارف لبسوا بها ضلالتهم، وإلا فالقرآن مخلوق عندهم لا محالة، فقد انكشف للعلماء منهم هذه المقالة يقدِّمون رِجْلاً نحو الاعتزال فلا يتجاسرون، ويؤخِّرون أخرى نحو أصحاب الحديث ليستتروا فلا يتظاهرون" (٣).

стр. 54

- وقال الإمام شرف الإسلام عبد الوهاب بن عبد الواحد الشيرازي شيخ الحنابلة بالشام (المتوفى: ٥٣٦ هـ): "فإذا قال لك القائل منهم: القرآن كلام الله, ولكن الحرف والصوت مخلوق قيل له: أنت في حلّ من الحرف فما تقول في الكلمات؟ فمن قوله: مخلوقةٌ. فقل له: نهب لك الكلمات, فما تقول في الآيات التي تكلم الله بها؟ فمن قوله: إن الله ما تكلم بذلك والجميع عنده مخلوق. فيعلم العاقل أنّ ذكر الحرف حيلة وخديعة وإلا فلا فرقَ عندهم بين الجملة والتفصيل في أنّ الله تعالى ما تكلم بالجملة وأنّ الجميع مخلوق" (١). - وقال الإمام يحيى ابن أبي الخير العِمراني شيخ الشافعيين باليمن (المتوفى: ٥٥٨ هـ):" وقالت الكلابية والأشعرية: كلام الله الذي ليس بمخلوق هو معنى قائم بنفسه لا يفارق ذاته، وهذا القرآن المتلو المسموع عبارة وحكاية عن الكلام القائم بنفسه، ... والأشعريةُ موافقة للمعتزلة في أنّ هذا القرآن المتلو المسموع مخلوق" (٢).

стр. 55

وقال أيضًا: "استدلت القدرية والمعتزلة [أي: على قولهم بخلق القرآن] بقوله: لما كان القرآن حروفًا متغايرة يدخلها التعاقب والترتيب والتأليف، وذلك لا يوجد في الشاهد إلا بحركة وسكون من المتكلم ومَن له آلة الكلام، ومن كان بهذه الصفات لا يجوز أن يكون صفة لله، فثبت أنه مخلوق. فضاق بالأشعري وابن كلاب النفس عن الجواب عن هذا، فوافقوهم أنّ هذا القرآن المتلو المسموع مخلوق كما قالوا، وادعوا أنّ هاهنا قرآنًا قديمًا يوصف بأنه كلام الله ينتفي عنه ضده، وهو المعنى القائم بنفسه، فهم قائلون بخلق القرآن الذي لا يعرف المعتزلة ولا غيرهم من المسلمين قرآنًا غيره" (١). وقال أيضًا: "وعند الأشعرية أن القرآن العربي مخلوق" (٢). - وقال الحافظ أبو الفرج ابن الجوزي (المتوفى: ٥٩٧): "وكان [أي: أبو الحسن الأشعري] على مذهب المعتزلة زمانا طويلا، ثم عَنَّ له مخالفتهم وأظهر مقالة خبطت عقائد الناس، وأوجبت الفتن المتصلة، وكان الناس لا يختلفون أن هذا المسموع كلام الله وأنه نزل به جبريل ﵇ على محمد ﷺ ، فالأئمة المعتمد عليهم قالوا إنه قديم، والمعتزلة قالوا مخلوق.

стр. 56

فوافق الأشعريُّ المعتزلةَ في أنّ هذا مخلوق، وقال: ليس هذا كلام الله، إنما كلام الله صفة قائمة بذاته، ما نزل ولا هو مما يسمع، وما زال منذ أظهر هذا خائفًا على نفسه لخلافه أهل السنة حتى أنه استجار بدار أبي الحسن التميمي حذرًا من القتل، ثم نبغ أقوام من السلاطين فتعصّبوا لمذاهبه، وكثر أتباعه، حتى تركتِ الشافعيةُ معتقدَ الشافعي ودانوا بقول الأشعري" (١). وقال أيضًا: "وهذا [أي: القول بأن القرآن كلام الله غير مخلوق] أمر مستقر لم يختلف فيه أحد من القدماء في زمن الرسول ﷺ والصحابة رضوان الله عليهم، ثم دس الشيطان دسائس البدع، فقال قوم: هذا المشار إليه مخلوق، فثبت الإمام أحمد ﵀ ثبوتاً لم يثبته غيره على دفع هذا القول، ... ثم لم يختلف الناس في غير ذلك إلى أن نشأ علي بن إسماعيل الأشعري، فقال مرة بقول المعتزلة، ثم عَنَّ له فادعى أنّ الكلام صفة قائمة بالنفس، فأوجبت دعواه هذه أنّ ما عندنا مخلوق، وزادت فخبطت العقائد، فما زال أهل البدع يجوبون في تيارها إلى اليوم" (٢). - وقال موفق الدين ابن قدامة (المتوفى: ٦٢٠ هـ): "وعند الأشعري أنها [أي: الآيات والسور] مخلوقة، فقوله قول المعتزلة لا محالة إلا أنه يريد التلبيس فيقول في الظاهر قولاً يوافق أهل الحق ثم يفسّره بقول المعتزلة" (٣).

стр. 57

وقال أيضًا: "ثم إنهم [أي: الأشاعرة] قد أقرّوا أنّ القرآن كلام الله غير مخلوق، فإذا لم يكن القرآن هذا الكتاب العربي الذي سماه الله قرآنًا، فما القرآن عندهم؟ وبأي شيء علموا أنّ غير هذا يسمى قرآنًا؟ فإنّ تسمية القرآن إنما تعلم من الشرع أو النص، فأما العقل فلا يقتضي تسمية صفة الله قرآنًا، وما ورد النص بتسميته القرآن إلا لهذا الكتاب، ولا عرفت الأمة قرآنًا غيره. وتسميتهم غيره قرآنًا تحكّم بغير دليل شرعي ولا عقلي مخالف الكتاب والسنة وإجماع الأمة. ومدار القوم على القول بخلق القرآن ووفاق المعتزلة، ولكن أحبوا أن لا يعلم بهم فارتكبوا مكابرة العيان وجحد الحقائق ومخالفة الإجماع ونبذ الكتاب والسنة وراء ظهورهم، والقول بشيء لم يقله قبلهم مسلم ولا كافر، ومن العجب انهم لا يتجاسرون على إظهار قولهم ولا التصريح به إلا في الخلوات ولو أنهم ولاة الأمر وأرباب الدولة" (١). وقال ﵀: "نعتقد أنّ القرآن كلام الله وهو هذه المائة والأربع عشرة سورة أولها سورة الفاتحة وآخرها المعوذات، وأنه سور وآيات وحروف وكلمات متلو مسموع مكتوب، وعندهم [أي: الأشعرية] أن هذه السور والآيات ليست بقرآن وإنما هي عبارة عنه وحكاية، وأنها مخلوقة، وأن القرآن معنى في نفس الباري، وهو شيء واحد لا يتجزأ ولا يتبعض ولا يتعدد، ولا هو شيء ينزل ولا يتلى ولا يسمع ولا يكتب، وأنه ليس في المصاحف إلا الورق والمداد.

стр. 58

واختلفوا في هذه السور التي هي القرآن فزعم بعضهم أنها عبارة جبريل ﵇ هو الذي ألفها بإلهام الله تعالى له ذلك، وزعم آخرون منهم أن الله تعالى خلقها في اللوح المحفوظ فأخذها جبريل منه" (١). - وقال شيخ الإسلام ابن تيمية (المتوفى: ٧٢٨ هـ): "والتزم هؤلاء [أي: القائلون بأن القرآن هو المعنى القائم بذات الله] أنّ حروف القرآن مخلوقة، وإن لم يكن عندهم الذي هو كلام الله مخلوقًا، وفرّقوا بين كتاب الله وكلامه، فقالوا كتاب الله هو الحروف وهو مخلوق، وكلام الله هو معناها غير مخلوق. وهؤلاء والأولون [أي: الجهمية والمعتزلة] متفقون على خلق القرآن الذي قال الأولون إنه مخلوق، واختلف هؤلاء أين خُلقت هذه الحروف؟ هل خلقت في الهواء؟ أو في نفس جبرائيل؟ أو أن جبرائيل هو الذي أحدثها أو محمد؟ " (٢). وقال أيضًا: "لا ريب أنه قد اشتهر عند العامة والخاصة اتفاق السلف، على أن القرآن كلام الله وأنهم أنكروا على من جعله مخلوقا خلقه الله كما خلق سائر المخلوقات من السماء والأرض، ... وأنتم فلا ريب أن كلما يقول هؤلاء إنه مخلوق، لا تنازعونهم في أنّ الكلام الذي يقولون هو مخلوق، بل تقولون أنتم أيضًا إنه مخلوق" (٣).

стр. 59

وقال أيضًا "وصار هؤلاء [أي: الكلابية والأشعرية] مخالفين لأئمة السنة والحديث في شيئين: أحدهما: أنّ نِصْفَ القرآن من كلام الله، والنصف الآخر ليس كلام الله عندهم، بل خلقه الله في الهواء أو في اللوح المحفوظ، أو أحدثه جبريل أو محمد ﷺ . وهؤلاء في كونهم جعلوا نصف القرآن مخلوقًا موافقين لمن قال بخلقه ... والمعنى الثاني: الذي خالفوا فيه أهل السنة والجماعة قولهم إنّ القرآن المنزل إلى الأرض ليس هو كلام الله، لا حروفه ولا معانيه، بل هو مخلوق عندهم، ويقولون: هو عبارة عن المعنى القائم بالنفس" (١). - وقال الحافظ ابن القيم (المتوفى: ٧٥١ هـ): "مذهب الأشعري ومن وافقه أنه [أي: كلام الله] معنى واحد قائم بذات الرب، وهو صفة قديمة أزلية ليس بحرف ولا صوت، ... وهذه الألفاظ عبارة عنه ولا يسميها حكاية، وهي خلق من المخلوقات، وعنه لم يتكلم الله بهذا الكلام العربي، ولا سمع من الله" (٢).

стр. 60

وقال أيضًا: "وعندهم أنّ الذي قال السلف هو غير مخلوق هو عين القائم بالنفس، وأما ما جاء به الرسول وتلاه على الأمة فمخلوق، وهو عبارة عن ذلك المعنى" (١). وقال أيضًا: "ويعجب هذا القائل من نصب الخلاف بينهم وبين المعتزلة وقال: ما نثبته نحن من المعنى القائم بالنفس فهو من جنس العلم والإرادة، والمعتزلة لا تنازعنا في ذلك، غاية ما في الباب أنا نحن نسميه كلامًا وهم يسمونه علمًا وإرادة. وأما هذا النظم العربي الذي هو حروف وكلمات، وسور وآيات، فنحن وهم متفقون على أنه مخلوق، لكن هم يسمونه قرآنًا، ونحن نقول هو عبارة عن القرآن أو حكاية عنه. فتأمل هذه الأخوة التي بين هؤلاء وبين هؤلاء المعتزلة الذين اتفق السلف على تكفيرهم، وأنهم زادوا على المعتزلة في التعطيل، فالمعتزلة قالوا: هذا الكلام العربي هو القرآن حقيقة لا عبارة عنه، وهو كلام الله، وإنه غير مخلوق" (٢).

стр. 61

- وقال العلامة محمد السفاريني (المتوفى: ١١٨٨ هـ): "والحاصل أنّ المعتزلة موافقة الأشعرية، والأشعرية موافقة المعتزلة في أن هذا القرآن الذي بين دفتي المصحف مخلوق محدث. وإنما الخلاف بين الطائفتين أن المعتزلة لم تثبت لله كلاما سوى هذا، والأشعرية أثبتت الكلام النفسي القائم بذاته تعالى، وأنّ المعتزلة يقولون: إن المخلوق كلام الله، والأشعرية لا يقولون إنه كلام الله، نعم يسمونه كلام الله مجازًا هذا قول جمهور متقدميهم، وقالت طائفة من متأخريهم: لفظ "كلام" يقال على هذا المنزل الذي نقرؤه ونكتبه في مصاحفنا، وعلى الكلام النفسي بالاشتراك اللفظي" (١). - وقال الدكتور سفر الحوالي: "فمذهب أهل السنة والجماعة أن القرآن كلام الله غير مخلوق, وأنه تعالى يتكلم بكلام مسموع تسمعه الملائكة، وسمعه جبريل، وسمعه موسى ﵇، ويسمعه الخلائق يوم القيامة. ومذهب المعتزلة أنه مخلوق.

стр. 62

أما مذهب الأشاعرة فمن منطلق التوفيقية - التي لم يحالفها التوفيق - فرّقوا بين المعنى واللفظ. فالكلام الذي يثبتونه لله تعالى هو معنى أزلي أبدى قائم بالنفس ليس بحرف ولا صوت، ولا يوصف بالخبر ولا الإنشاء ... أما الكتب المنزلة ذات الترتيب والنظم والحروف - ومنها القرآن - فليست هي كلامه تعالى على الحقيقة، بل هي "عبارة" عن كلام الله النفسي. والكلام النفسي شيء واحد في ذاته، لكن إذا جاء التعبير عنه بالعبرانية فهو توراة, وإن جاء بالسريانية فهو إنجيل, وإن جاء بالعربية فهو قرآن، فهذه الكتب كلها مخلوقة ووصفها بأنها كلام الله مجاز لأنها تعبير عنه" (١). - وقال الدكتور عبد الرحمن المحمود: "قول الأشاعرة في القرآن يقرب كثيرًا من قول المعتزلة، وقد اعترف بذلك بعض علمائهم وذكروا أنّ بالنسبة للقرآن العربي لا فرق فيه بين القولين.

стр. 63

فالأشاعرة يوافقون المعتزلة في إثبات خلق القرآن العربي، ولكنهم يفارقونهم من وجهين: أحدهما: أن المعتزلة يقولون: المخلوق كلام الله، والأشاعرة يقولون: إنه ليس كلام الله، لكن يسمى كلام الله مجازا، وهذا قول جمهورهم، ومن قال من متأخريهم إنه يطلق على المعنى، وعلى القرآن العربي بالاشتراك اللفظي، فإنه ينتقض عليهم أصلهم في إبطال قيام الكلام بغير المتكلِّم به ... والثاني: أنّ الأشاعرة يثبتون لله كلامًا هو معنى قائم بذاته، والمعتزلة يقولون: لا يقوم به كلام" (١). وقال أيضًا: "والذي استقر عليه المذهب الأشعري، وقال به جمهورهم أنّ القرآن العربي مخلوق، وليس هو كلام الله، مع اختلاف فيما بينهم في بعض التفاصيل" (٢).

стр. 64

إنكار السلف على الجهمية والمعتزلة كان بسبب قولهم بخلق القرآن العربي لا لنفي الكلام النفسي لقد أجمع السلف والأئمة على تضليل الجهمية والمعتزلة القائلين بخلق القرآن، وأنكروا عليهم أشد الإنكار، وأقوالهم في ذلك كثيرة جدًا. ومِن أكثر مَن توسع في نقل أقوال السلف في ذلك الحافظ أبو القاسم اللالكائي (المتوفى: ٤١٨ هـ) فقد ذكر أقوال السلف والأئمة بأنّ القرآن كلام الله غير مخلوق، وما ورد عنهم من تكفير من يقول ذلك، ثم قال: "فهؤلاء خمسمائة وخمسون نفسًا أو أكثر من التابعين وأتباع التابعين والأئمة المرضيين - سوى الصحابة الخيرين- على اختلاف الأعصار ومضي السنين والأعوام. وفيهم نحو من مائة إمام ممن أخذ الناس بقولهم وتدينوا بمذاهبهم, ولو اشتغلت بنقل قول المحدثين لبلغت أسماؤهم ألوفًا كثيرة, لكني اختصرت وحذفت الأسانيد للاختصار, ونقلت عن هؤلاء عصرًا بعد عصر لا ينكر عليهم منكر, ومن أنكر قولهم استتابوه أو أمروا بقتله أو نفيه أو صلبه.

стр. 65

ولا خلاف بين الأمة أن أول من قال: القرآن مخلوق جعد بن درهم في سني نيف وعشرين, ثم جهم بن صفوان, فأما جعد فقتله خالد بن عبد الله القسري, وأما جهم فقتل بمرو في خلافة هشام بن عبد الملك" (١). وواضحٌ تمام الوضوح أنّ إنكار السلف على الجهمية والمعتزلة إنما كان بسبب قولهم بخلق القرآن العربي، المنزل على نبينا محمد ﷺ ، المُثبَت في المصحف، المتلو بالألسنة. أما الكلام النفسي فالمعتزلة لا يثبتونه أصلاً، فلا يقولون عنه بأنه مخلوق ولا غير مخلوق، لأنه غير ثابتٍ عندهم. فخلافُ السلف مع الجهمية والمعتزلة إنما كان في القرآن الذي بين أيدينا، المثبت في المصاحف، المؤلَّف من الحروف العربية، المفتتح بسورة الفاتحة والمختتم بسورة الناس. قال موفق الدين ابن قدامة: "واتفق أهل السنة على أن القرآن كلام الله غير مخلوق، ولم يكن القرآن الذى دُعوا إلى القول بخلقه سوى هذه السور التي سماها الله قرآنًا عربيًا وأنزلها على رسوله ﷺ ، ولم يقع الخلاف في غيرها البتة" (٢).

стр. 66

وقال أيضًا: "ولما اختلف أهل الحق والمعتزلة فقال أهل الحق: القرآن كلام الله غير مخلوق، وقالت المعتزلة هو مخلوق لم يكن اختلافهم إلا في هذا الموجود دون ما في نفس الباري مما لا يُدرى ما هو ولا نعرفه" (١). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: وقال أيضًا: "إنّ الرجل [أي: الرازي] قد أقرّ أنه لا نزاع بينهم وبين المعتزلة من جهة المعنى في خلق الكلام بالمعنى الذي يقوله المعتزلة (٢)، وإنما النزاع لفظي (٣) حيث أن المعتزلة سمّت ذلك المخلوق كلام الله وهم لم يسمّوه كلام الله. ومن المعلوم بالاضطرار أنّ الجهمية من المعتزلة وغيرهم لما ابتدعت القول بأن القرآن مخلوق أو بأن كلام الله مخلوق أنكر ذلك عليهم سلف الأمة وأئمتها، وقالوا: القرآن كلام الله غير مخلوق منه بدأ وإليه يعود.

стр. 67

فلو كان ما وصفته المعتزلة بأنه مخلوق هو مخلوق عندهم أيضًا، وإنما خالفوهم في تسمية كلام الله أو في إطلاق اللفظ لم تحصل هذه المخالفة العظيمة والتكفير العظيم بمجرد نزاع لفظي كما قال هو إن الأمر في ذلك يسير وليس هو مما يستحق الإطناب لأنه بحث لغوي، وليس هو من الأمور المعقولة المعنوية. فإذا كانت المعتزلة فيما أطلقته لم تنازع إلا في بحث لغوي لم يجب تكفيرهم وتضليلهم وهجرانهم بذلك كما أنه هو وأصحابه لا يضلّلونهم في تأويل ذلك وإن نازعوهم في لفظه، ومجرد النزاع اللفظي لا يكون كفرًا ولا ضلالاً في الدين" (١). وقال أيضًا: "السلف والمعتزلة جميعا اتفقوا على أن كلام الله ليس هو مجرد هذا المعنى الذي تثبتونه أنتم [يعني: الأشاعرة]، بل الذي سمته المعتزلة كلام الله وقالوا إنه مخلوق وافقهم السلف على أنه كلام الله لكن قالوا إنه غير مخلوق. وأنتم تقولون إنه ليس بكلام الله، فكان قولكم خرقًا لإجماع السلف والمعتزلة، وذلك خرق لإجماع الأمة جميعها؛ إذا لم يكن في عصر السلف إلا هذان القائلان، ولم يكن في ذلك الزمان من يقول: القرآن الذي قالت المعتزلة إنه مخلوق ليس هو كلام الله" (٢).

стр. 68

وقال أيضًا: "ومن المعلوم أن هذا المعنى الذي ادعيتم [يقصد الأشاعرة] أنه معنى كلام الله لم يظهر في الأمة إلا من حين حدوث ابن كلاب ثم الأشعري بعده؛ إذ قبل قول ابن كلاب لا يعرف في الأمة أحدٌ فسّر كلام الله بهذا" (١). وقال الحافظ الذهبي: "أما تكفير من قال بخلق القرآن فقد ورد عن سائر أئمة السلف في عصر مالك والثوري، ثم عصر ابن المبارك ووكيع، ثم عصر الشافعي وعفان والقعنبي، ثم عصر أحمد بن حنبل وعلي بن المديني، ثم عصر البخاري وأبي زرعة الرازي، ثم عصر محمد بن نصر المروزي والنسائي ومحمد بن جرير وابن خزيمة وكان الناس في هذه الأزمنة إما قائلا بأنه كلام الله ووحيه وتنزيله غير مخلوق، وإما قائلا بأنه كلام الله وتنزيله وأنه مخلوق" (٢). وقال العلامة محمد بن إبراهيم الوزير (المتوفى: ٧٤٠ هـ): "ولم يكن قد عرض في زمن الصحابة والتابعين ذكر الكلام النفسي وقدمه، فلم يذكر أحدٌ منهم هذه المسألة، وإنما كان كلامهم في اللفظي" (٣).

стр. 69

وفيما يلي بعض أقوال السلف التي فيها ما يدل دلالة صريحة على أنّ إنكارهم على الجهمية والمعتزلة وتبديعهم وتضليلهم بل وتكفيرهم، كان بسبب قولهم بخلق القرآن العربي، المنزل، المثبت في المصاحف، لا لإنكارهم الكلام النفسي وعدم إثباتهم له: - أقوال بعض السلف التي فيها ما يدل صراحة بأن إنكار السلف على المعتزلة كان بسبب قولهم بخلق القرآن العربي الموجود بين دفتي المصحف: قال التابعي الجليل عمرو بن دينار: "أدركت أصحاب النبي فمن دونهم منذ سبعين سنة يقولون: الله الخالق وما سواه مخلوق، والقرآن كلام الله منه خرج وإليه يعود" (١). وقال سفيان الثوري: "من زعم أن قول الله ﴿يَامُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [النمل:٩]، مخلوق فهو كافر زنديق حلال الدم" (٢). وقال أيضًا: "من قال إنّ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ [الإخلاص:١ - ٢]، مخلوق فهو كافر" (٣).

стр. 70

وقال حماد بن زيد: "القرآن كلام الله ، نزل به جبريل ﵇ من عند رب العالمين جل وعز" (١). وقرأ عبدُ الله بن المبارك شيئًا من القرآن، ثم قال: "من زعم أن هذا مخلوق، فقد كفر بالله العظيم " (٢). وساق اللالكائي بسنده إلى الحسين بن شبيب قال: سمعت ابن المبارك, وقرأ ثلاثين آية من طه فقال: من زعم أن هذا مخلوق فهو كافر" (٣). وقال رجل لهشيم: إن فلانا يقول: القرآن مخلوق، فقال: "اذهب إليه فاقرأ عليه أول الحديد وآخر الحشر، فإن زعم أنهما مخلوقان فاضرب عنقه" (٤). وقال عبد الله بن إدريس الأودي: "من زعم أن القرآن مخلوق فقد زعم أن الله مخلوق، يقول الله تعالى: ، فالله لا يكون مخلوقًا، والرحمن لا يكون مخلوقًا، والرحيم لا يكون مخلوقًا، وهذا أصل الزنادقة" (٥).

стр. 71

وعن عفان، قال: شهدت سلام بن المنذر قارئ أهل البصرة، وقد جاءه رجل والمصحف في حجره، فقال: ما هذا يا أبا المنذر؟ قال: "قم يا زنديق، هذا كلام الله غير مخلوق" (١). وعن محمد بن أعين، قال: سمعت النضر بن محمد يقول: "من قال في هذه الآية: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي﴾ [طه:١٤] مخلوق، فهو كافر، فجئت إلى عبد الله بن المبارك، فأخبرته بقول النضر، فقال: صدق النضر، عافاه الله، ما كان ليأمره أن يعبد مخلوقًا" (٢). وساق اللالكائي بسنده إلى وكيع بن الجراح أنه قال: من زعم أن القرآن مخلوق فقد زعم أن شيئا من الله مخلوق. فقيل له: يا أبا سفيان، من أين قلت هذا؟ قال: لأن الله ﵎ يقول: ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي﴾ [السجدة:١٣]، ولا يكون من الله شيء مخلوق". قال اللالكائي: وكذلك فسره أحمد بن حنبل, ونعيم بن حماد, والحسن بن الصباح البزار, وعبد العزيز بن يحيى المكي الكناني" (٣).

стр. 72

وقال رجلٌ لسفيان بن عيينة: إن قومًا يزعمون أن القرآن مخلوق, ففزع وقال: مه, مرتين أو ثلاثا, إن القرآن من عند الله جاء, وإلى الله يعود, وهو قرآن كما سماه الله" (١). وذُكِر ليحيى بن سعيد القطان أنّ قومًا يقولون القرآن مخلوق فقال: "كيف يصنعون بـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] كيف يصنعون بقوله: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا﴾ [طه:١٤] يكون مخلوقًا؟! " (٢). وعن محمد بن إسحاق الصاغاني قال: سمعت حسن بن موسى الأشيب يقول: "أعوذ بالسميع العليم من الشيطان الرجيم، ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١)﴾ [الفاتحة:١] ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ [الفاتحة:٥] فقال حسن: أمخلوق هذا؟! " (٣).

стр. 73

وعن بشر بن الحارث قال: سألت عبد الله بن داود الخريبي عن القرآن؟ فقال: ﴿الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ﴾ [الحشر:٢٣] يكون هذا مخلوقا؟! " (١). وقال أبو نعيم الفضل بن دكين: "أدركت الناس ما يتكلمون في هذا، ولا عرفنا هذا إلا من بعد سنين، القرآن كلام الله منزل من عند الله، لا يئول إلى خالق ولا مخلوق، منه بدأ وإليه يعود، هذا الذي لم نزل عليه ولا نعرف غيره" (٢). وقال عفان بن مسلم: "من قال: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١]، مخلوق فهو كافر" (٣). وقال أيضًا: "أعوذ بالله من الشيطان الرجيم يريدون أن يبدلوا كلام الله ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة:٢٥٥] ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] أمخلوق هذا؟! (٤). وقال يحيى بن يحيى النيسابوري: "من زعم أنّ من القرآن من أوله إلى آخره آية مخلوقة فهو كافر" (٥).

стр. 74

وقال عبد الله بن محمد العيشي: يستحيل في صفة الحكيم أن يخلق كلامًا يدعي الربوبية, يعني قوله تعالى:﴾ ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ﴾ [طه:١٤] وقوله: ﴿أَنَا رَبُّكَ﴾ [طه:١٢] " (١). وقال أبو جعفر النفيلي: من قال: إن القرآن مخلوق فهو كافر, فقيل له: يا أبا جعفر الكفر كفران: كفر نعمة وكفر بالرب , قال: لا, بل كفر بالرب , ما تقول فيمن يقول ﴿اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ [الإخلاص:١ - ٢]، مخلوق؟ أليس كافرًا هو؟! " (٢). وقال محمد بن إسحاق الصاغاني: رأيت في كتاب أبي عبيد القاسم بن سلام بخطه: "إذا قال لك الجهمي: أخبرني عن القرآن، أهو الله أم غير الله؟ فإن الجواب له أن يقال له: قد أحلت في مسألتك، لأنّ الله وصفه بوصف لا تقع عليه مسألتك، قال الله تعالى: ﴿الم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [السجدة:١ - ٢] فهو من الله لم يقل: هو أنا، ولا هو غيري، إنما يسمى كلامه، فليس له عندنا غير ما جلاه، وننفي عنه ما نفى عنه" (٣).

стр. 75

وقال سليمان بن داود الهاشمي: من قال القرآن مخلوق فهو كافر، وإن كان القرآن مخلوقًا كما زعموا فلِمَ صار فرعون أولى بأن يخلّد في النار إذ قال: أنا ربكم الأعلى، وزعموا أن هذا مخلوق، والذي قال: إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني، هذا أيضا قد ادعى ما ادعى فرعون، فلم صار فرعون أولى بأن يخلد في النار من هذا، وكلا منهما عنده مخلوق، فأُخبر بذلك أبو عبيد فاستحسنه وأعجبه" (١). وقال أحمد بن حنبل: "من زعم أن هذه الآية مخلوقة ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي﴾ [طه:١٤] فقد كفر، ومن زعم أن هذه الآية مخلوقة ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى (١٥) إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ﴾ [النازعات:١٥ - ١٦] وقال الله: ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي﴾ [السجدة:١٣] فالقول ممن هو؟ إنما هو منه، والقرآن من علم الله فمن زعم أن من علم الله شيئًا مخلوق فقد كفر" (٢). وقال أيضًا: "القرآن في جميع الوجوه ليس بمخلوق" ثم قال: "جبريل حين قاله للنبي ﷺ كان منه مخلوقًا؟ والنبي حين قاله كان منه مخلوقا؟ هذا من أخبث قول وأشره" ثم قال: "بلغني عن جهم أنه قال بهذا في بدء أمره" (٣).
следующие страницы →