مذهبُ جمهور الأشاعرة في القرآن
باطنُه الاعتزال، وظاهره التستُّر بمذهب السلف
стр. 2
مقدمة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
فإن مذهب السلف وأهل السنة والحديث أنّ القرآن المنزل على نبينا محمد ﷺ كلامُ الله غير مخلوق كيفما تصرف، وأن الله تعالى تكلّم به حقيقة، وأن جبريل سمعه من الله تعالى، وسمعه النبي ﷺ من جبريل، وسمعه المسلمون من نبيهم محمد ﷺ ، ثم بلّغه بعضهم إلى بعض.
وأقوال السلف والأئمة في ذلك كثيرة جدًا، وسنكتفي بإيراد شيء يسير منها، لأنّ غرضنا في هذا البحث هو بيان موافقة جمهور الأشعرية للمعتزلة في القول بخلق القرآن العربي المُثبَت في المصحف، وليس تقرير مذهب السلف، فهو معلوم مشهور، وقد كتبنا في ذلك رسالة، وهي منشورة بعنوانـ "القرآن العربي المُثبَت بين دفتي المصحف كلام الله تعالى، مُنزل، غير مخلوق كيفما تصرف".
стр. 3
- أقوال بعض السلف والأئمة في أنّ القرآن حيثما تصرَّف كلام الله تعالى غير مخلوق:
قال الإمام أحمد بن حنبل: "القرآن كلام الله ليس بمخلوق على كل وجه، وعلى كل جهة، وعلى أيّ حال" (١).
وقال أيضًا: "القرآن على أي جهة ما كان لا يكون مخلوقا أبدًا" (٢).
وقال أيضًا: "قال الله في كتابه ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة:٦]، فجبريل سمعه من الله، وسمعه النبي من جبريل، وسمعه أصحاب النبي من النبي، فالقرآن كلام الله غير مخلوق، ولا نشك ولا نرتاب فيه" (٣).
وقال الإمام محمد بن أسلم الطوسي (المتوفى: ٢٤٢ هـ): "القرآن كلام الله غير مخلوق أينما تُلي وحيثما كُتب، لا يتغير ولا يتحول ولا يتبدل" (٤).
وقال الإمام محمد بن إسماعيل البخاري (المتوفى: ٢٥٦ هـ): "فأما القرآن المتلو المبين المثبت في المصاحف المسطور المكتوب الموعى في القلوب، فهو كلام الله ليس بخلق" (٥).
стр. 4
وقال أيضًا: "وهو [أي: القرآن] مكتوب في المصاحف، محفوظ في الصدور، مقروء على اللسان، والقراءة والحفظ والكتابة مخلوق، وما قُرئ وحُفظ وكُتب ليس بمخلوق" (١).
وقال الإمام محمد بن يحيى الذهلي (المتوفى: ٢٥٨ هـ): "القرآن كلام الله غير مخلوق بجميع جهاته وحيث تصرف" (٢).
وروى الحافظ أبو القاسم هبة الله اللالكائي بسنده إلى الإمامين أبي زرعة الرازي (المتوفى: ٢٦٤ هـ) وأبي حاتم الرازي (المتوفى: ٢٧٧ هـ) أنهما قالا: "أدركنا العلماء في جميع الأمصار حجازًا وعراقًا وشامًا ويمنًا فكان من مذهبهم: الإيمان قول وعمل يزيد وينقص, والقرآن كلام الله غير مخلوق بجميع جهاته" (٣).
وقال الإمام أبو محمد ابن قتيبة (المتوفى: ٢٧٦ هـ): "لأنهم [أي: أهل الحديث] مجمعون على أصل واحد، وهو القرآن كلام الله غير مخلوق في كل موضع، وبكل جهة، وعلى كل حال" (٤).
стр. 5
وقال الإمام عثمان بن سعيد الدارمي (المتوفى: ٢٨٠ هـ): "فهو [أي: القرآن] مع تصرفه في كل أحواله كلام الله غير مخلوق" (١).
وقال الإمام ابن جرير الطبري (المتوفى: ٣١٠ هـ): "غير جائزٍ أن يتحول كلامُ الله مخلوقاً بقراءة قارئٍ، أو كتابة كاتبٍ، أو حفظ حافظٍ" (٢).
وقال أيضًا: "فأول ما نبدأ بالقول فيه من ذلك عندنا القرآن كلام الله وتنزيله، إذ كان من معاني توحيده، فالصواب من القول في ذلك عندنا أنه كلام الله غير مخلوق كيف كُتب، وحيث تُلي، وفي أي موضع قرئ، في السماء وُجد، وفي الأرض حيث حفظ، في اللوح المحفوظ كان مكتوبًا، وفي ألواح صبيان الكتاتيب مرسومًا في حجر نقش أو في ورق خط، أو في القلب حفظ، وبلسان لفظ ... يقول الله : ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (٢١) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البروج:٢١ - ٢٢]، وقال وقوله الحق ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة:٦]، فأخبر جل ثناؤه أنه في اللوح المحفوظ مكتوب، وأنه من لسان محمد مسموع، وهو قرآن واحد، من محمد مسموع، في اللوح المحفوظ مكتوب، وكذلك هو في الصدور محفوظ، وبألسن الشيوخ والشباب متلو" (٣).
стр. 6
وقال أبو الشيخ الأصبهاني (المتوفى: ٣٦٩ هـ): "إنّ القرآن كلام الله تكلّم به، من أوله إلى آخره كلام الله غير مخلوق، فالمنكر فيه كالشاك، والشك والإنكار فيه كفر، فالمنكر الجهمي والشاك الواقفي، وهو كلامه في الأحوال كلها حيث تلي وتصرف في الدفتين بين اللوحين، وفي صدور الرجال، وحيث ما قرئ في المحاريب وغيرها، وحيث ما سمع أو حفظ، أو كُتب، أو تُلي" (١).
وقال الإمام الحافظ أبو بكر الإسماعيلي (المتوفى: ٣٧١ هـ): "ويقولون [أي: أهل السنة والحديث]: القرآن كلام الله غير مخلوق، وأنه كيفما يصرف بقراءة القارئ له وبلفظه، ومحفوظًا في الصدور، متلوًا بالألسن، مكتوبًا في المصاحف غير مخلوق" (٢).
وقال الإمام ابن بطة عبيد الله بن محمد بن حمدان العكبري (المتوفى: ٣٨٧ هـ): "القرآن كلام الله، ووحيه، وتنزيله، وعلم من علمه، فيه أسماؤه الحسنى، وصفاته العليا، غير مخلوق كيف تصرف، وعلى كل حال، لا نقف، ولا نشك، ولا نرتاب" (٣).
стр. 7
وقال الإمام أبو حامد الإسفراييني (المتوفى: ٤٠٦): "مذهبي ومذهب الشافعي وفقهاء الأمصار أنّ القرآن كلام الله غير مخلوق، ومن قال مخلوق فهو كافر، والقرآن حمله جبريل مسموعًا من الله تعالى، والنبي ﷺ سمعه من جبريل، والصحابة سمعوه من النبي ﷺ ، وهو الذي نتلوه نحن بألسنتنا، فما بين الدفتين، وما في صدورنا مسموعًا ومكتوبًا ومحفوظًا ومنقوشًا كل حرف منه كالباء والتاء كله كلام الله غير مخلوق" (١).
وقال الحافظ أبو القاسم اللالكائي الشافعي (المتوفى: ٤١٨ هـ) بعد أن ساق أقوال جماعة من السلف في المنع من إطلاق "لفظي بالقرآن مخلوق": "فرجع كلام هؤلاء الأئمة ﵏ في أنّ القرآن مسموع من الله على الحقيقة، وحين يقرؤه القارئ فلا يكون من لفظ القارئ القرآنُ ككلام الآدميين حين يلفظ به فيكون مخلوقا، وكلام الله لا يشبه كلامهم، لأنه غير مخلوق" (٢).
وقال الحافظ أبو نعيم الأصبهاني (المتوفى: ٤٣٠ هـ): "طريقتنا طريقة السلف المتبعين للكتاب والسنة وإجماع الأمة، ومما اعتقدوه ... وأن القرآن كلام الله، وكذلك سائر كتبه المنزلة كلامه غير مخلوق، وأن القرآن في جميع الجهات مقروءا ومتلوًا ومحفوظًا ومسموعًا ومكتوبًا وملفوظًا كلام الله حقيقة" (٣).
стр. 8
وقال شيخ الإسلام أبو عثمان الصابوني (المتوفى: ٤٤٩ هـ): "ويشهد أصحاب الحديث ويعتقدون أن القرآن كلام الله وكتابه، ووحيه وتنزيله غير مخلوق، ... هو الذي تحفظه الصدور، وتتلوه الألسنة، ويكتب في المصاحف، كيف ما تصرف بقراءة قارئ، ولفظ لافظ، وحفظ حافظ، وحيث تلي، وفي أي موضع قرئ وكتب في مصاحف أهل الإسلام، وألواح صبيانهم وغيرها كله كلام الله غير مخلوق" (١).
وقال الحافظ أبو القاسم التيمي الأصبهاني الشافعي الملقب بقوام السنة (المتوفى: ٥٣٥ هـ): "قال أصحاب الحديث وأهل السنة: إن القرآن المكتوب الموجود في المصاحف، والمحفوظ الموجود في القلوب، هو حقيقة كلام الله ... ومذهب علماء السنة وفقهائهم أنّه الذي تكلم الله به، وسمعه جبريل من الله، وأدى جبريل إلى النبي ﷺ ، وتحدى به النبي ﷺ ، وجعله الله دلالة على صدق نبوته ومعجزة، وأدى النبي ﷺ إلى الصحابة رضوان الله عليهم حسب ما سمعه من جبريل ﵇، ونقله السلف إلى الخلف قرنا بعد قرن" (٢).
стр. 9
وقال الإمام يحيى ابن أبي الخير العِمراني شيخ الشافعيين باليمن (المتوفى: ٥٥٨ هـ):"القرآن عند أصحاب الحديث هو الكتاب الذي أنزله الله تعالى على نبيه محمد ﷺ ، وهو القرآن العربي، السور والآيات، المتلو باللسان، والمسموع بالآذان، المعقول بالأذهان، المحفوظ في الصدور، المكتوب بالمصاحف بالسطور، له أول وآخر وبعض" (١).
وقال الإمام العارف عبد القادر الجيلاني (المتوفى: ٥٦١ هـ): "ونعتقد أن القرآن كلام الله وكتابه وخطابه ووحيه الذي نزل به جبريل على رسول الله ﷺ ... وقال : ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة:٦]، وكلام الله تعالى هو القرآن غير مخلوق كيفما قرئ وتلي وكتب، وكيفما تصرفت به قراءة قارئ، ولفظ لافظ، وحفظ حافظ، هو كلام الله وصفة من صفات ذاته ... وهو كلام الله في صدور الحافظين وألسن الناطقين وفي أكف الكاتبين وملاحظة الناظرين ومصاحف أهل الإسلام وألواح الصبيان حيثما رؤي ووُجد" (٢).
وعلى كلٍ فمذهب السلف في القرآن - وأنه كلام الله تعالى منزل غير مخلوق حيثما تصرف، وأين كُتب وحيث تُلي- معلوم مشهور، وأقوالهم في ذلك أكثر من أن تُحصر، وما تقدم غيض من فيض.
стр. 10
فالحاصل أنّ مذهب السلف وأهل السنة والحديث أنّ هذا القرآن العربي المكتوب في المصاحف، المحفوظ في الصدور، المقروء بالألسنة هو كلام الله تعالى بألفاظه ومعانيه، تكلّم الله تعالى به حقيقة، وسمعه جبريل من الله، وسمعه النبي ﷺ من جبريل، وسمعه المسلمون من نبيهم، ثم بلّغه بعضهم إلى بعض، وليس لأحد من الوسائط فيه إلا التبليغ بأفعاله وصوته، فالكلام كلام الباري والصوت صوت القارئ.
وإذا قرأه الناس بألسنتهم، أو كتبوه في المصاحف بأيديهم، أو حفظوه في صدورهم لم يخرج بذلك عن أن يكون كلام الله تعالى حقيقة, فإنّ الكلام إنما يضاف حقيقة إلى من قاله مبتدئًا لا إلى من قاله مبلغًا مؤديًا.
стр. 11
مذهبُ جمهور الأشاعرة في القرآن
باطنُه الاعتزال
وظاهره التستُّر بمذهب السلف
القرآنُ عند الأشاعرة يُطلق على أمرين اثنين:
الأول: الكلام النفسي القائم بذاته تعالى.
والثاني: القرآن المنزل على نبينا محمد ﷺ ، المُثبت في المصاحف، المُتعبد بتلاوته.
فالأول وهو الكلام النفسي غير مخلوق، وأما الثاني وهو القرآن العربي الموجود بين دفتي المصحف فهو مخلوق عندهم، إلا أنهم يقولون: يمتنع أن يقال: القرآن مخلوق إلا في مقام التعليم؛ لأنه ربما أوهم أنّ القرآن النفسي مخلوق.
واختلفوا هل يُطلَق على القرآن المنزل على نبينا محمد ﷺ أنه كلام الله حقيقة أو مجازًا؟
فذهب جمهور المتقدمين منهم إلى أنه يُطلق عليه "كلام الله" مجازًا، وأنّ الكلام الحقيقي هو الكلام النفسي القائم بالذات.
стр. 12
وذهب بعضهم كإمام الحرمين الجويني - وتبعه كثير أو أكثر المتأخرين- إلى أن "كلام الله" لفظٌ مشترك، فيُطلق حقيقةً على كلٍ من الكلام النفسي، والقرآن المنزل المثبت في المصاحف المُتعبد بتلاوته.
وليس معنى كون القرآن المنزل هو كلام الله: أنّ الله تعالى تكلّم به، وإنما معناه عندهم أن الله تولّى خلقه في اللوح المحفوظ أو في غيره، وأنه ليس من تأليف البشر، فهذا هو وجه تسميته بـ"كلام الله" كما سيأتي مصرّحًا بذلك في أقوال أئمتهم وعلمائهم.
والحاصل أنّ مذهب جمهور الأشاعرة هو موافقة المعتزلة في القول بخلق القرآن العربي المنزل على نبينا محمد ﷺ ، ولكنهم يتستّرون بمذهب السلف وأهل الحديث، فيقولون: القرآن كلام الله غير مخلوق، ويعنون بذلك الكلام النفسي القائم بالذات الذي لم يُنزل ولم يُسمع.
أما القرآن المنزل على نبينا محمد ﷺ ، المكتوب في المصاحف، المقروء بالألسنة، المحفوظ في الصدور، فهو عندهم مخلوق، وهو عبارة ودلالة على الكلام النفسي.
فمذهبهم في القرآن مذهب مسقَّف، باطنه الاعتزال، وظاهره التستر بمذهب السلف، وما أحسن ما قيل فيهم أنهم قدّموا رِجْلاً نحو الاعتزال، وأخّروا أخرى نحو مذهب السلف وأصحاب الحديث، وكلام الأئمة في تستُّر الأشاعرة بمذهب السلف كثير مشهور، من ذلك ما يلي:
стр. 13
- قال الإمام ابن بطة عبيد الله بن محمد بن حمدان العكبري (المتوفى: ٣٨٧ هـ): "واعلموا رحمكم الله أن صنفًا من الجهمية اعتقدوا بمكر قلوبهم، وخبث آرائهم، وقبيح أهوائهم، أن القرآن مخلوق، فكنوا عن ذلك ببدعة اخترعوها، تمويها وبهرجة على العامة، ليخفى كفرهم، ويستغمض إلحادهم على من قل علمه، وضعفت نحيزته، فقالوا: إن القرآن الذي تكلم الله به وقاله فهو كلام الله غير مخلوق، وهذا الذي نتلوه ونقرؤه بألسنتنا، ونكتبه في مصاحفنا ليس هو القرآن الذي هو كلام الله، هذا حكاية لذلك، فما نقرؤه نحن حكاية لذلك القرآن بألفاظنا نحن، وألفاظنا به مخلوقة، فدققوا في كفرهم، واحتالوا لإدخال الكفر على العامة بأغمض مسلك، وأدق مذهب، وأخفى وجه، فلم يخف ذلك بحمد الله ومنّه وحسن توفيقه على جهابذة العلماء والنقاد العقلاء، حتى بهرجوا ما دلسوا، وكشفوا القناع عن قبيح ما ستروه، فظهر للخاصة والعامة كفرهم وإلحادهم، ... " (١).
- وقال الحافظ أبو نصر السجزي (المتوفى: ٤٤٤ هـ): "عند المعتزلة أن الذي تحويه دفتا المصحف قرآن، وكذلك ما وعته الصدور، وكذلك ما يتحرك به لسان القارئ، وكل ذلك مخلوق.
وعند أهل السنة أن ذلك قرآن غير مخلوق.
стр. 14
وعند الأشعري أنه مخلوق وليس بقرآن، وإنما هو عبارة عنه. وكذلك كثير من مذهبه يقول في الظاهر بقول أهل السنة مجملاً، ثم عند التفسير والتفصيل يرجع إلى قول المعتزلة، فالجاهل يقبله بما يظهره، والعالم يجهره لما منه يخبره، والضرر بهم أكثر منه بالمعتزلة لإِظهار أولئك ومجاوبتهم أهل السنة، وإخفاء هؤلاء ومخالطتهم أهل الحق. نسأل الله السلامة من كلٍ برحمته" (١).
وقال أيضًا: "قد أطلق الأشعري أن هذه التسميات [أي: التوراة والإنجيل والزبور والقرآن] لم يستحقها كلام الله في الأزل، وإنما هي تسميات للعبارات المختلفة التي نزلت في الأزمان المتغايرة، وكلّ ذلك محدث. فبين أن التوراة اسم الكتاب بالسريانية، وأنه محدث، وأن القرآن اسم الكتاب بالعربية وأنه محدث. فقوله: القرآن غير مخلوق مع هذا القول تلاعب" (٢).
- وقال شيخ الإسلام أبو إسماعيل الهروي (المتوفى: ٤٨١ هـ): "قالوا [أي: الأشعرية]: ليس هو صوت ولا حروف، وقالوا هذا زاج وورق، وهذا صوف وخشب، ... وهذا صوت القارئ ما ترى منه حسن ومنه قبيح، وهذا لفظه أو ما تراه يجازى به حتى قال رأس من رؤوسهم: أو يكون قرآن من لبد؟! وقال آخر من خشب؟
стр. 15
فراوغوا فقالوا: هذا حكاية عبر بها عن القرآن، والله تكلّم مرة ولا يتكلم بعد ذلك.
ثم قالوا: غير مخلوق، ومن قال مخلوق فهو كافر، وهذا من فخوخهم يصطادون به قلوب عوام أهل السنة، وإنما اعتقادهم أن القرآن غير موجود" (١).
- وقال الإمام أبو الوفاء ابن عقيل (المتوفى:٥١٣) في خطبة كتابه في القرآن: "أما بعد، فإن سبيل الحق قد عفت آثارها، وقواعد الدين قد انحط شعارها، والبدعة قد تضرّمت نارها، وظهر في الآفاق شرارها، وكتاب الله بين العوام غرض ينتضل، وعلى ألسنة الطغام بعد الاحترام يبتذل، وتضرب آياته بآياته جدالاً وخصامًا، تنتهك حرمته لغوًا وآثامًا، قد هون في نفوس الجهال بأنواع المحال، حين قيل: ليس في المصحف إلا الورق والخط المستحدث المخلوق، وإن سلطت عليه النار احترق، وأشكال في قرطاس قد لفقت، إزدراء بحرمته واستهانة بقيمته، وتطفيفًا في حقوقه، وجحودًا لفضيلته حتى لو كان القرآن حيًا ناطقًا لكان ذلك متظلمًا، ومن هذه البدعة متوجعًا متألمًا، أترى ليس هذا الكتاب الذي قال الله فيه ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت:٤٢]، وقال: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ﴾ [الواقعة:٧٧ - ٨٠]،
стр. 16
وقال: ﴿وَالطُّورِ (١) وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ (٢) فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ﴾ [الطور:١ - ٣]، أو ليس الحبر والورق قبل ظهور الحروف المكتوبة لا يمنع من مسّه المحدثون، وإذا ظهرت الحروف المكتوبة صار ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة:٧٩]، أليس هذا الكتاب الذي قال فيه صاحب الشريعة تنزيلا وتجليلا: «لا تسافروا بالقرآن إلى أرض العدو مخافة أن تناله أيديهم»، أليس الله تعالى يقول في كتابه ﴿يَايَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ﴾ [مريم:١٢]، وقال في حق موسى ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ﴾ [الأعراف:١٤٥] أفترى من القوة تهوينها عند المكلفين، والازدراء بها عند المتخلفين، يزخرفون للعوام عبارة يتوقون بها إنكارهم، ويدفنون فيها معنى لو فهمه الناس لعجلوا بوارهم، ويقولون: تلاوة ومتلو وقراءة ومقروء، وكتابة ومكتوب، هذه الكتابة معلومة فأين المكتوب؟ وهذه التلاوة مسموعة فأين المتلو؟
يقولون: القرآن عندنا قديم قائم بذاته سبحانه، وإنما هي زخارف لبسوا بها ضلالتهم، وإلا فالقرآن مخلوق عندهم لا محالة، فقد انكشف للعلماء منهم هذه المقالة يقدِّمون رِجْلاً نحو الاعتزال فلا يتجاسرون، ويؤخِّرون أخرى نحو أصحاب الحديث ليستتروا فلا يتظاهرون.
стр. 17
إن قلنا لهم: ما مذهبكم في القرآن؟ قالوا: قديم غير مخلوق، وإن قلنا: فما القرآن؟ أليس هو السور المسورة، والآيات المسطرة في الصحف المطهرة؟ أليس هو المحفوظ في صدور الحافظين؟ أليس هو المسموع من ألسنة التالين؟ قالوا: إنما هو حكايته، وما أشرتم إليه عبارته، وأما القرآن فهو قائم في نفس الحق غير ظاهر في إحساس الخلق، فانظروا معاشر المسلمين إلى مقالة المعتزلة كيف جاؤوا بها في صورة أخرى" (١).
- وقال الحافظ أبو القاسم التيمي الأصبهاني (المتوفى: ٥٣٥ هـ): "ظَهَرَت المعتزلةُ فقدحت في كتاب الله، وقالت: بخلق القرآن، وقدحت في أحاديث رسول الله ﷺ ، ... أرادوا نقض أصول الدين، فلما لم يتم لهم ما قصدوه تبعهم الكلّابي فوضع كلاماً ظاهره موافق، وباطنه موبق، وقال: لا أقول القرآن مخلوق، ولكن أقول: إنّ الذي في مصاحفنا ليس كلام الله، ولكنه عبارة عن كلامه، وكلامه قديم قائم بذاته" (٢).
- وقال الإمام يحيى ابن أبي الخير العمراني شيخ الشافعيين باليمن (المتوفى: ٥٥٨ هـ): "وادعت الأشعرية قرآنًا وكلامًا لله لا يعقل [أي: المعنى النفسي]، ولم يسبقهم إلى هذا القول أحد من أهل الملل والنحل، فردُّهم على المعتزلة بخلق القرآن تمويه وتستُّر بقول أصحاب الحديث، وهو مذهب مسقّف باطنه الاعتزال وظاهره التستر" (٣).
стр. 18
وقال أيضًا: "وأما قوله [أي: الغزالي]: إنّ القرآن مكتوب في المصاحف محفوظ بالقلوب مقروء بالألسنة، فإن أراد بذلك القرآن الذي هو كلام الله حقيقة قلنا هذا صحيح وبطل أن يكون لله كلامًا قائما بذاته لا يفارقه، وكان هذا قول أصحاب الحديث.
وإن أراد بذلك العبارة عن القرآن الذي هو قائم بذات الباري كان قوله هذا قولاً فارغا لا معنى تحته غير التستّر بقول أصحاب الحديث، وعليه يدل قوله: إنّ القرآن مكتوب في المصاحف، لأنه لو صرح وقال ليس القرآن مكتوبًا في المصاحف، وإنما المكتوب به أدلة القرآن لكان مخالفا لما عليه أدلة [أئمة] المسلمين، ولكنه سقّف قوله.
والأشعرية قدَّموا رِجْلاً إلى الاعتزال وَوَضَعوها حيث وضعت المعتزلة أَرْجُلَهم، وأموا بالرِّجْل الأخرى إلى حيث وضع أهل الحديث أرجلهم، وهذا مثال عقلي يفقهه مَن فهم قولهم" (١).
стр. 19
وقال أيضًا: "الأشعرية قالوا: كلام الله الحقيقي هو معنى قائم في نفسه لا يفارقه، لا يدخل كلامه النظم والتأليف والتعاقب، ولا يكون بحرف وصوت، ولا يتكلم الله بالعربية ولا بغيرها من اللغات، وليس له أول ولا آخر ولا بعض، بل هو شيء واحد لم ينزله الله على نبينا محمد ﷺ ، ولا على أحد من الأنبياء، ولا يتلى ولا يكتب ولم يسمعه أحد إلا موسى ﵇، وهذه السور والآيات عبارة وحكاية عن كلام الله وتسمى قرآناً، وكذلك التوراة عبارة عن كلام الله بلغه موسى قومه، والإنجيل عبارة عن كلام الله بلغه عيسى قومه، فادعوا أن كلام الله غير القرآن، وأن القرآن غير كلام الله. فقولهم: إنّ القرآن غير مخلوق، تلاعبٌ وخُلْفٌ من الكلام" (١).
وقال موفق الدين ابن قدامة (المتوفى: ٦٢٠ هـ): "وعند الأشعري أنها [أي: الآيات والسور] مخلوقة، فقوله قول المعتزلة لا محالة، إلا أنه يريد التلبيس، فيقول في الظاهر قولاً يوافق أهل الحق، ثم يفسّره بقول المعتزلة" (٢).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية (المتوفى: ٧٢٨ هـ): "الفضلاء إذا تدبروا حقيقة قولكم الذي أظهرتم فيه خلاف المعتزلة وجدوكم قريبين منهم أو موافقين لهم في المعنى كما في مسألة الرؤية فإنكم تتظاهرون بإثبات الرؤية والرد على المعتزلة، ثم تفسرونها بما لا ينازع المعتزلة في بيانه، ولهذا قال من قال من الفضلاء في الأشعري: إن قوله قول المعتزلة، ولكنه عدل عن التصريح إلى التمويه.
стр. 20
وكذلك قولكم في مسألة القرآن فإنه لما اشتهر عند الخاص والعام أن مذهب السلف والأئمة أن القرآن كلام الله غير مخلوق، وأنهم أنكروا على الجهمية المعتزلة وغيرهم الذين قالوا إنه مخلوق حتى كفّروهم، وصبر الأئمة على امتحان الجهمية مدة استيلائهم حتى نصر الله أهل السنة وأطفأ الفتنة، فتظاهرتم بالرد على المعتزلة، وموافقة السنة والجماعة، وانتسبتم إلى أئمة السنة في ذلك، وعند التحقيق: فأنتم موافقون للمعتزلة من وجه، ومخالفوهم من وجه، وما اختلفتم فيه أنتم وهم، فأنتم أقرب إلى السنة من وجه، وهم أقرب إلى السنة من وجه، وقولهم أفسد في العقل والدين من وجه، وقولكم أفسد في العقل والدين من وجه.
ذلك أنّ المعتزلة قالوا: إن كلام الله مخلوق منفصل عنه، والمتكلم من فعل الكلام، وقالوا: إن الكلام هو الحروف والأصوات، والقرآن الذي نزل به جبريل هو كلام الله، وقالوا: الكلام ينقسم إلى أمر ونهي وخبر، وهذه أنواع الكلام لا صفاته، والقرآن غير التوراة، والتوراة غير الإنجيل وأن الله سبحانه يتكلم بما شاء.
وقلتم أنتم: إن الكلام معنى واحد قديم قائم بذات المتكلم هو الأمر والنهي والخبر، وهذه صفات الكلام لا أنواعه، فإن عبر عن ذلك المعنى بالعبرية كان توراة، وإن عبر عنه بالسريانية كان إنجيلا، وإن عبر عنه بالعربية كان قرآنًا، والحروف المؤلفة ليست من الكلام، ولا هي كلام، والكلام الذي نزل به جبريل من الله ليس كلام الله، بل حكاية عن كلام الله، كما قاله ابن كلاب، أو عبارة عن كلام الله كما قاله الأشعري.
стр. 21
ولا ريب أنكم خير من المعتزلة حيث جعلتم المتكلِّم من قام به الكلام ... لكن المعتزلة أجود منكم حيث سمّوا هذا القرآن الذي نزل به جبريل كلام الله، كما يقوله سائر المسلمين، وأنتم جعلتموه كلاما مجازا، ومن جعله منكم حقيقة وجعل الكلام مشتركًا كأبي المعالي وأتباعه انتقضت قاعدته في أنّ المتكلم بالكلام من قام به، ولم يمكنكم أن تقولوا بقول أهل السنة، فإن أهل السنة يقولون: الكلام كلام من قاله مبتدئًا لا كلام من قاله مبلغًا مؤديًا؛ فالرجل إذا بلّغ قول رسول الله ﷺ : «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى» كان قد بلغ كلام النبي ﷺ بحركاته وأصواته" (١).
وقال أيضًا: "وبالجملة فعامة ما ذمّه السلف والأئمة وعابوه على المعتزلة من الكلام المخالف للكتاب والسنة والإجماع القديم لكم [يعني الأشاعرة] منه أوفر نصيب، بل تارة تكونون أشد مخالفة لذلك من المعتزلة، وقد شاركتموهم في أصول ضلالهم التي فارقوا بها سلف الأمة وأئمتها، ونبذوا بها كتاب الله وراء ظهورهم ...
وأما الأحاديث النبوية فلا حرمة لها عندهم، بل تارة يردونها بكل طريق ممكن، وتارة يتأولونها، ثم يزعمون أن ما وضعوه برأيهم قواطع عقلية، وأن هذه القواطع العقلية تُرد لأجلها نصوص الكتاب والسنة، إما بالتأويل، وإما بالتفويض، وإما بالتكذيب.
стр. 22
وأنتم شركاؤهم في هذه الأصول كلها، ومنهم أخذتموها، ... لكن لما شاع بين الأمة فساد مذهب المعتزلة، ونفرت القلوب عنهم، صرتم تُظهرون الرد عليهم في بعض المواضع مع مقاربتكم أو موافقتكم لهم في الحقيقة" (١).
وسنذكر في الصفحات التالية بعض أقوال الأئمة والعلماء من الأشاعرة وغيرهم التي فيها التصريح بأنّ الأشاعرة موافقون للمعتزلة في القول بخلق القرآن العربي، المنزل على نبينا محمد ﷺ ، المُثبَت بين دفتي المصحف، وأنّ الخلاف بينهم وبين المعتزلة إنما هو في إثبات الكلام النفسي ونفيه أقوال بعض أئمة وعلماء الأشاعرة في أنّ القرآن الذي بين دفتي المصحف مخلوق، وأنّ الخلاف بينهم وبين المعتزلة إنما هو في إثبات الكلام النفسي ونفيه.
стр. 23
أقوال بعض أئمة وعلماء الأشاعرة
في أنّ القرآن الذي بين دفتي المصحف مخلوق، وأنّ الخلاف بينهم وبين المعتزلة إنما هو في إثبات الكلام النفسي ونفيه
هناك نصوص كثيرة لأئمة وعلماء الأشاعرة فيها التصريح بخلق القرآن العربي المنزل على نبينا محمد ﷺ ، وأنهم متفقون مع المعتزلة في ذلك، وأنّ الخلاف بينهم وبين المعتزلة إنما هو في إثبات الكلام النفسي ونفيه، وسنقتصر هنا على إيراد بعض هذه النصوص من دون شرح وتوضيح؛ فهي أصرح من أن تُوضَّح، وأظهر من أن تُشرح.
- قال إمام الحرمين أبو المعالي الجويني (المتوفى: ٤٧٨ هـ) في معرض الردّ على المعتزلة: "فإنّ معنى قولهم [أي المعتزلة]: هذه العبارات كلام الله: أنها خَلْقُه، ونحن لا نمنع أنها خلق الله، ولكن نمتنع من تسمية خالق الكلام متكلمًا به، فقد أطبقنا على المعنى وتنازعنا بعد الاتفاق في تسميته" (١).
- وقال الإمام أبو حامد الغزالي (المتوفى: ٥٠٥ هـ): "فقد انكشف الغطاء ولاح وجود معنى هو مدلول اللفظ زائداً على ما عداه من المعاني، ونحن نسمي ذلك كلاماً وهو جنس مخالف للعلوم والإرادات والاعتقادات، وذلك لا يستحيل ثبوته لله تعالى، بل يجب ثبوته؛ فإنه نوع كلام، فإذًا هو المعني بالكلام القديم، وأما الحروف فهي حادثة، وهي دلالات على الكلام، والدليل غير المدلول، ولا يتصف بصفة المدلول، وإن كانت دلالته ذاتية كالعالَم فإنه حادث ويدل على صانع قديم، فمن أين يبعد أن تدل حروف حادثة على صفة قديمة" (٢).
стр. 24
- وقال أبو الفتح الشهرستاني (المتوفى: ٥٤٨ هـ): "قال [أي: أبو الحسن الأشعري]: وعلمه واحد يتعلق بجميع المعلومات ... وكلامه واحد هو: أمر ونهي، وخبر، واستخبار، ووعد، ووعيد. وهذه الوجوه ترجع إلى اعتبارات في كلامه، لا إلى عدد في نفس الكلام.
والعبارات والألفاظ المنزلة على لسان الملائكة إلى الأنبياء ﵈ دلالات على الكلام الأزلي، والدلالة مخلوقة محدثة، والمدلول قديم أزلي" (١).
وقال أيضًا: "قالت الأشعرية: إذا قام الدليل على أنّ الكلام معنى قائم بذات الباري تعالى، وكل معنى أو صفة له فهي واحدة، ... وخصومنا [أي: المعتزلة] لو وافقونا على أن الكلام في الشاهد معنى في النفس سوى العبارات القائمة باللسان، وأن الكلام في الغائب معنى قائم بذات الباري تعالى سوى العبارات التي نقرؤوها باللسان ونكتبها في المصاحف لوافقونا على اتحاد المعنى.
لكن لما كان الكلام لفظاً مشتركاً في الإطلاق لم يتوارد على محل واحد، فإن ما يُثبته الخصم كلاماً فالأشعرية تثبته وتوافقه على أنه كثير، وأنه محدث مخلوق، وما يثبته الأشعري كلاماً [أي: الكلام النفسي] فالخصم ينكره أصلاً" (٢).
стр. 25
- وقال جمال الدين محمد بن أحمد الغزنوي (المتوفى: ٥٩٣ هـ): "وكلامه صفته، وصفاته قائمة بذاته لا تقبل الانفصال عنه والافتراق، وهذه العبارات دالة على كلامه القديم الأزلي القائم بذاته، وتسمى العبارات كلام الله تعالى، وهي محدثة مخلوقة، وهي الحروف والأصوات وتتابع الحروف والكلمات" (١).
- وقال الفخر الرازي (المتوفى: ٦٠٦ هـ): "لا ننازع في إطلاق لفظ "القرآن" و"كلام الله تعالى" على هذه الحروف والأصوات، وما ذكروه [أي: المعتزلة] من الأدلة فهو إنما يفيد حدوث القرآن بهذا التفسير، وذلك متفق عليه، وإنما نحن بعد ذلك ندّعي صفة قائمة بذات الله تعالى وندعي قدمها.
وقد بينا أن تلك الصفة يستحيل وصفها بكونها عربية وعجمية ومحكمة ومتشابهة، لأن كل ذلك من صفات الكلام الذي هو عبارة عن الحروف والأصوات.
والحاصل أن الكلام الذي حاولوا إثبات حدوثه، فنحن لا ننازعهم في حدوثه، والكلام الذي ندّعي قِدَمه لا يجري فيه ما ذكروه من الأدلة" (٢).
وقال أيضًا: "أجمع المسلمون على أن الله تعالى متكلم، لكن المعتزلة زعموا أن المعنى بكونه متكلما أنه خلق هذه الحروف والأصوات في جسم، وأما نحن فنزعم أنّ كلام الله تعالى صفة حقيقية مغايرة لهذه الحروف والأصوات، وأن ذاته تعالى موصوفة بتلك الصفة.
стр. 26
واعلم أن التحقيق أنا لا ننازع المعتزلة في كونه متكلمًا بالمعنى الذي ذكروه، لأنّ النزاع بيننا وبينهم إما في المعنى وإما في اللفظ، أما في المعنى ... ثبت أنه لا نزاع بيننا وبينهم من جهة المعنى في كونه متكلما بالتفسير الذي قالوه.
وأما النزاع من جهة اللفظ فهو أن يقال لا نسلِّم أن لفظة المتكلِّم في اللغة موضوعة لموجِد الكلام، والناس قد أطنبوا من الجانبين في هذا المقام، وليس ذلك مما يستحق الإطناب؛ لأنه بحث لغوي، وينبغي أن يرجع فيه إلى الأدباء، وليس هذا من المباحث العقلية في شيء" (١).
وقال أيضًا بعد أن قرّر أنّ الله تعالى إذا أراد شيئًا أو كَرِه شيئًا فإنه قادر على خلق الأصوات بتقطيعات مخصوصة في جسم جمادي أو حيواني, لتدل هذه الأصوات على كونه تعالى مريدًا لذلك الشيء المعين أو كارهًا له:
"فثبت بما ذكرنا أنّ كونه تعالى متكلمًا بالمعنى الذي يقوله المعتزلة مما نقول به ونعترف به ولا ننكره بوجه من الوجوه. إنما الخلاف بيننا وبينهم في أنّا نثبت أمراً آخر وراء ذلك، وهم ينكرونه" (٢).
стр. 27
وقال أيضًا في أثناء ردّه على شبه القائلين بحدوث القرآن: "أما جميع الشبه السمعية فالجواب عنها شيء واحد، وهو أن تُصرف كل تلك الوجوه الى هذه الحروف والأصوات، فإنا معترفون بأنها محدثة، وعندهم [أي: المعتزلة] القرآن ليس إلا ما تركب عن هذه الحروف والأصوات، فكانت الدلائل التي ذكروها دالة على حدوث هذه الحروف والأصوات.
ونحن لا ننازع في ذلك، وإنما ندعي قِدم القرآن بمعنى آخر. فكانت كل هذه الشبه ساقطة عن محل النزاع" (١).
وقال أيضًا: "أما أصحابنا فقد اتفقوا على أنه تعالى ليس بمتكلم بالكلام الذي هو الحروف والأصوات، بل زعموا أنه متكلم بكلام النفس، والمعتزلة ينكرون هذه الماهية ..
فالحاصل أنّ الذي ذهبوا إليه [أي: المعتزلة] فنحن من القائلين به، إلا أنّا أثبتنا أمرًا آخر" (٢).
стр. 28
- وقال أبو الحسن الآمدي (المتوفى: ٦٣١ هـ): "فإنّا [أي: الأشاعرة والمعتزلة] مجمعون على أنّ القرآن الحقيقي ليس بمعجزة الرسول، وإنما الاختلاف في أمر وراءه، وهو أن ذلك القرآن الحقيقي ماذا هو؟
فنحن نقول: إنه المعنى القائم بالنفس ... على أن لا تنازع في أن ما جاء به الرسول من الحروف المنتظمة والأصوات المقطعة معجزة له، وأنه يسمى قرآنا وكلامًا، وأن ذلك ليس بقديم، وإنما النزاع في مدلول تلك العبارات هل هو صفة قديمة أزلية أم لا" (١).
- وقال الإمام القرافي (المتوفى: ٦٨٤ هـ): "فإن قلتَ: إذا قلنا بالحلف بصفات الله تعالى المعنوية كالعلم والكلام ونحوهما، فهل القرآن من هذا القبيل؟ وكذلك التوراة والإنجيل والزبور وسائر الكتب المنزلة؟ أم ليس كذلك؟
قلتُ: قال أبو حنيفة هذه الأشياء ليست منها وإن كان كلام الله تعالى النفسي منها؛ لاشتهار لفظ القرآن في الأصوات المسموعة عرفًا وأنه لا يفهم من إطلاق لفظ القرآن إلا هذه الأصوات والحروف، والأصوات والحروف مخلوقة فعند الإطلاق ينصرف اللفظ إليها، والحلف بالمخلوق منهي عنه. والمنهي عنه لا يوجب كفارة فلا يجب بالحلف بالقرآن كفارة وكذلك بقية الكتب ...
стр. 29
والظاهر ما قاله أبو حنيفة ﵀ فإنا لا نفهم من قول القائل: القرآن، وهو يحفظ القرآن، وكتب القرآن، إلا هذه الأصوات والرقوم المكتوبة بين الدفتين، وهو الذي يفهم من نهيه ﷺ «عن أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو»؛ فإن المسافرة متعذرة بالقديم" (١).
- وقال العضد الإيجي (المتوفى: ٧٥٦ هـ): "قالت الحنابلة: كلامه [أي: الله تعالى] حرف وصوت يقومان بذاته، ...
وقالت المعتزلة: أصوات وحروف يخلقها الله في غيره كاللوح المحفوظ أو جبريل أو النبي وهو حادث.
وهذا لا ننكره، لكنا نثبت أمرًا وراء ذلك، وهو المعنى القائم بالنفس ونزعم أنه غير العبارات" (٢).
وقال أيضًا: "إذا عرفت هذا فاعلم أنّ ما يقوله المعتزلة وهو خلق الأصوات والحروف وكونها حادثة قائمة، فنحن نقول به ولا نزاع بيننا وبينهم في ذلك.
стр. 30
وما نقوله من كلام النفس فهم ينكرون ثبوته. ولو سلموه لم ينفوا قدمه، فصار محل النزاع نفي المعنى وإثباته.
فإذاً الأدلة الدالة على حدوث الألفاظ إنما تفيدهم [أي: المعتزلة] بالنسبة إلى الحنابلة، وأما بالنسبة إلينا فيكون نصبا للدليل في غير محل النزاع.
وأما ما دل على حدوث القرآن مطلقًا فحيث يمكن حمله على حدوث الألفاظ لا يكون لهم فيه حجة علينا" (١).
- وقال سعد الدين التفتازاني (المتوفى: ٧٩١ هـ) بعد أن ذكر اختلاف الفرق في صفة الكلام: "ولا عبرة بكلام الكرامية والحشوية، فبقي النزاع بيننا وبين المعتزلة وهو في التحقيق عائد إلى إثبات كلام النفس ونفيه، وأنّ القرآن هو أو هذا المؤلف من الحروف الذي هو كلام حسي، وإلا فلا نزاع لنا في حدوث الكلام الحسي، ولا لهم في قِدم النفسي لو ثبت" (٢).
وقال أيضًا: "وتحقيق الخلاف بيننا وبينهم [أي: المعتزلة] يرجع إلى إثبات الكلام النفسي ونفيه، وإلا فنحن لا نقول بقدم الألفاظ والحروف، وهم لا يقولون بحدوث الكلام النفسي ...
стр. 31
وأما استدلالهم بأن القرآن متصف بما هو من صفات المخلوقين وسمات الحدوث من التأليف والتنظيم والإنزال، وكونه عربيًا مسموعًا فصيحًا معجزا إلى غير ذلك، فإنما يقوم حجة على الحنابلة لا علينا؛ فإنا قائلون بحدوث النظم، وإنما الكلام في المعنى القديم" (١).
وقال أيضًا: "لا نزاع في إطلاق اسم القرآن وكلام الله تعالى بطريق الاشتراك أو المجاز المشهور شهرة الحقائق على هذا المؤلف الحادث، وهو المتعارف عند العامة والقراء والأصوليين والفقهاء، وإليه ترجع الخواص التي هي من صفات الحروف وسمات الحدوث" (٢).
وقال أيضًا: "فإن قيل: لو كان كلام الله تعالى حقيقة في المعنى القديم، مجازاً في النظم المؤلّف لصح نفيه عنه، بأن يقال: ليس النظم المنزل المعجز المفصل إلى السور والآيات كلام الله تعالى. والإجماع على خلافه. وأيضًا المعجز المتحدى به هو كلام الله حقيقة مع القطع بأن ذلك إنما يتصور في النظم المؤلف المفصل إلى السور والآيات، إذ لا معنى لمعارضة الصفة القديمة.
قلنا: التحقيق أنّ كلام الله تعالى اسم مشترك بين الكلام النفسي القديم، ومعنى الإضافة كونه صفة لله تعالى، وبين اللفظي الحادث المؤلّف من السور والآيات، ومعنى الإضافة أنه مخلوق لله تعالى ليس من تأليفات المخلوقين" (٣).
стр. 32
وقال أيضًا: "وهو [أي: الكلام الأزلي] صفة قديمة منافية للسكوت والآفة، ... وهذا الكلام اللفظي الحادث المؤلف من الأصوات والحروف القائمة بمحالها يُسمّى كلام الله تعالى والقرآن على معنى أنه عبارة عن ذلك المعنى القديم" (١).
وقال أيضًا: "المشهور في كلام الأصحاب أن ليس إطلاق كلام الله تعالى على هذا المنتظم من الحروف المسموعة إلا بمعنى أنه دال على كلامه القديم حتى لو كان مخترع هذه الألفاظ غير الله تعالى لكان هذا الإطلاق بحاله، لكن المرضي عندنا أنّ له اختصاصا آخر بالله وهو أنه أخبر عنه بأنه أوجد أولاً الأشكال في اللوح المحفوظ؛ لقوله تعالى: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (٢١) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البروج:٢١ - ٢٢]، أو الأصوات في لسان المَلَك؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ [الحاقة:٤٠]، الآية، أو لسان النبي؛ لقوله تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ﴾ [الشعراء:١٩٣ - ١٩٤].
وما يقال إنّ كلام الله تعالى ليس قائمًا بلسان أو قلب، ولا حالاً في مصحف أو لوح فيراد به الكلام الحقيقي الذي هو الصفة الأزلية، ومنعوا من القول بحلول كلامه في لسان أو قلب أو مصحف وإن كان المراد هو اللفظي؛ رعاية للتأدب واحترازًا عن ذهاب الوهم إلى الحقيقي الأزلي" (٢).
стр. 33
- وقال الشريف الجرجاني (المتوفى: ٨١٤ هـ): "وقالت المعتزلة: كلامه تعالى أصوات وحروف ... لكنها ليست قائمة بذاته تعالى، بل يخلقها الله في غيره كاللوح المحفوظ أو جبريل أو النبي، وهو حادث ...
وهذا الذي قاله المعتزلة لا ننكره نحن، بل نقول به ونسميه كلامًا لفظيًا، ونعترف بحدوثه وعدم قيامه بذاته تعالى، لكنا نثبت أمرًا وراء ذلك وهو المعنى القائم بالنفس الذي يعبر عنه بالألفاظ، ونقول هو الكلام حقيقة، وهو قديم قائم بذاته تعالى" (١).
وقال أيضًا: "إذا عرفت هذا الذي قررناه لك فاعلم أنّ ما تقوله المعتزلة في كلام الله تعالى وهو خلق الأصوات والحروف الدالة على المعاني المقصودة، وكونها حادثة قائمة بغير ذاته تعالى، فنحن نقول به، ولا نزاع بيننا وبينهم في ذلك كما مر آنفًا.
وما نقوله نحن ونثبته من كلام النفس المغاير لسائر الصفات فهم ينكرون ثبوته، ولو سلموه لم ينفوا قدمه الذي ندعيه في كلامه تعالى، فصار محل النزاع بيننا وبينهم نفي المعنى النفسي وإثباته" (٢).
стр. 34
وقال أيضًا: "فالشيخ الأشعري لما قال الكلام هو المعنى النفسي فهم الأصحاب منه أن مراده مدلول اللفظ وحده، وهو القديم عنده، وأما العبارات فإنما تسمى كلامًا مجازًا لدلالتها على ما هو كلام حقيقي، حتى صرحوا بأن الألفاظ حادثة على مذهبه أيضًا لكنها ليست كلامه حقيقة" (١).
- وقال ولي الدين أبو زرعة العراقي (المتوفى: ٨٢٦ هـ): "وهذا الذي ذكرناه من أنّ القرآن غير مخلوق هو في القائم بالذات المقدسة.
أما العبارات الدالة عليه وهي القراءة فهي مخلوقة حادثة، لكن امتنع العلماء من إطلاق الخلق والحدوث عليها إذا سميت قرآنًا لما فيه من الإيهام، وبدّعوا القائل لفظي بالقرآن مخلوق كحسين الكرابيسي سدًا للباب" (٢).
- وقال الكمال ابن الهمام (المتوفى: ٨٦١ هـ): "لا يخفى أنّ الحلف بالقرآن الآن متعارف فيكون يمينًا كما هو قول الأئمة الثلاثة، وتعليلُ عدم كونه يمينًا بأنه غيره تعالى؛ لأنه مخلوق؛ لأنه حروف، وغير المخلوق هو الكلام النفسي مُنع بأن القرآن كلام الله منزل غير مخلوق.
стр. 35
ولا يخفى أنّ المنزل في الحقيقة ليس إلا الحروف المنقضية المنعدمة (١)، وما ثبت قدمه استحال عدمه، غير أنهم أوجبوا ذلك؛ لأنّ العوام إذا قيل لهم: القرآن مخلوق تعدّوا إلى الكلام مطلقًا" (٢).
- وقال جلال الدين الدواني (المتوفى: ٩١٨ هـ): "والأشاعرة قالوا: كلامه تعالى معنى واحد بسيط، قائم بذاته تعالى قديم، فهم منعوا أن كلامه تعالى مؤلف من الحروف والأصوات.
ولا نزاع بين الشيخ [أي: أبي الحسن الأشعري] والمعتزلة في حدوث الكلام اللفظي، وإنما نزاعهم في إثبات الكلام النفسي وعدمه" (٣).
- وقال الشيخ زكريا الأنصاري (المتوفى: ٩٢٦): "فيُطلق القرآن على كلٍ من المعنيين [أي: الكلام اللفظي الموجود في المصحف، والكلام النفسي]، كما يُطلق على كلٍ منهما كلام الله.
стр. 36
ووجه الإضافة في تسميته كلام الله بالمعنى الثاني [أي: الكلام النفسي] أنه صفة له، وبالأول [أي: الكلام اللفظي] أنه أنشأه برقومه في اللوح المحفوظ لقوله تعالى: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (٢١) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البروج:٢١ - ٢٢]، أو بحروفه بلسان المَلَك لقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ [الحاقة:٤٠]، أو بلسان النبي لوله تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ﴾ [الشعراء:١٩٣ - ١٩٤] الآية" (١).
- وقال شمس الدين محمد بن أحمد الرملي (المتوفى: ١٠٠٤ هـ): "كلام الله تعالى النفسي صفة قديمة كبقية صفاته القديمة ... فإذا عبر عنه بالعربية كان قرآنًا، وبالعبرانية فتوارة، وبالسريانية فإنجيل ...
أما العبارات الدالة عليه فمخلوق حادثة، لكن امتنع العلماء من إطلاق الخلق والحدوث عليها إذا سميت قرآنًا لما فيه من الإيهام" (٢).
- وقال أحمد بن غنيم النفراوي الأزهري المالكي (المتوفى: ١١٢٦ هـ): "وحقيقته [أي: القرآن] عند الفقهاء والقراء والأصوليين والعامة اللفظ المنزل على محمد ﷺ للإعجاز بأقصر سورة منه المتعبد بتلاوته المحتج بأبعاضه، ... ومعنى كون هذا اللفظ كلام الله مع أنه محدث ومخلوق أنّ الله تعالى تولّى تأليفه" (٣).
стр. 37
وقال أيضًا: "المراد بالقرآن اللفظ المنزل على محمد وهو مخلوق حادث، والقديم مدلوله" (١).
وقال أيضًا: "وأجاب أهل السنة [أي: الأشاعرة] عما تمسكت المعتزلة بأن كل ما دل على الحدوث يجب حمله على اللفظ الدال على المعنى القائم بالنفس المحكوم عليه بأنه قديم ...
والحاصل أن النزاع بين أهل السنة والمعتزلة في إثبات الكلام النفسي ونفيه، فأهل السنة تثبته والمعتزلة تنفيه، دليلنا أنه ثبت بالكتاب وبالإجماع وتواتر النقل عن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أنه تعالى متكلم، ولا معنى له سوى أنه متصف بالكلام، ويمتنع قيام اللفظ الحادث بذاته تعالى فيتعين النفسي القديم" (٢).
وقال أيضًا: "فالحاصل أن الكتاب بهذا المعنى [أي: اللفظ المنزل على نبينا محمد ﷺ ] يوصف بأنه عربي ومرتب وفصيح ومقروء بالألسنة وغير ذلك مما هو من أوصاف الحادث، وما يقال من أن كلام الله ليس قائمًا بلسان، ولا حالاً في مصحف، فالمراد به المعنى القائم بذاته تعالى" (٣).
стр. 38
- وقال محمد الأمير الكبير المالكي السنباوي الأزهري (المتوفى: ١٢٣٢ هـ): "اللفظي: هو حادث، والله لا يتكلم به، بل خلقه الله في اللوح المحفوظ، وأنزله على جبريل، ونزل به جبريل على سيدنا محمد ﷺ بالمعنى واللفظ جميعا على الراجح" (١).
وقال أيضًا: "وهل القرآن بمعنى اللفظ المقروء أفضل، أو سيدنا محمد ﷺ ؟ تمسك بعضهم بما يروى: «كل حرف خير من محمد وآل محمد» لكنه غير محقق الثبوت.
والحق أنه ﷺ أفضل؛ لأنه أفضل من كل مخلوق، ... " (٢).
- وقال محمد بن شافعي الفضالي (المتوفى: ١٢٣٦ هـ): "وليس المراد بكلامه تعالى الواجب له تعالى الألفاظ الشريفة المنزلة على النبي ﷺ ؛ لأنّ هذه حادثة، والصفة القائمة بذاته تعالى قديمة" (٣).
وقال أيضًا: "ويُسمّى كلٌ من الصفة القديمة والألفاظ الشريفة: قرآنًا، وكلام الله، إلا أنّ الألفاظ الشريفة مخلوقة، مكتوبة في اللوح المحفوظ، نزل بها جبريل ﵇ على النبي ﷺ ، بعد أن نزلت في ليلة القدر في بيت العزة: محل في سماء الدنيا" (٤).
стр. 39
- وقال أحمد بن عيسى الأنصاري (المتوفى: ١٢٤١ هـ): "واعلم أنه يُطلق على الكتب المنزلة على الرسل أنها كلام الله تعالى؛ لأنها ظهرت منه تعالى إحداثًا وتركيبًا، ولم يحدثها غيره، ... وهذه الألفاظ ليست هي نفس الصفة القديمة كما يتوهم البعض، بل هي دالة عليها دلالة عقلية أو عرفية، لأن الألفاظ مركبة وحادثة، والصفة النفسية التي هي الكلام لا يجوز أن تكون كذلك، لأن الحوادث لا تقوم بالخاق، ومن هذا الباب يطلق على هذه الكلمات المنزلة على الرسل أنه كلام الله تعالى، أي لأنها دالة على بعض مدلولات الكلام النفسي" (١).
- وقال أحمد الصاوي المالكي (المتوفى: ١٢٤١ هـ): "ما ورد في الكتاب والسنة مما يوهم الحدوث فإنه عند أهل السنة محمول على اللفظ الحادث الدال على بعض مدلول الكلام النفسي، وهو اللفظ المنزل على النبي ﷺ للإعجاز بأقصر سورة منه، المتعبد بتلاوته" (٢).
- وقال محمد بن حسن العطار (المتوفى: ١٢٥٠ هـ): "لا نزاع بين الشيخ أبي الحسن الأشعري والمعتزلة في حدوث الكلام اللفظي، إنما نزاعهم في إثبات الكلام النفسي وعدمه" (٣).
стр. 40
وقال أيضًا: "وبالجملة فمسألة الكلام مما كثر فيها النزاع بين العلماء الأعلام ... والذي تحرر فيها أن هذه الألفاظ التي نتلوها ونتعبد بتلاوتها حادثة، والقول بقدمها سفسطة إلا أنّ السلف تحاشوا عن القول بحدوثها، ...
ومعنى كونه كلام الله أنه ليس من تأليف البشر، بل نزل به جبريل ﵇ على النبي ﷺ ، ونزل باللفظ والمعنى جميعا على ما هو التحقيق خلافا لما قيل إنّ جبريل يلهم المعنى ويعبر للنبي ﷺ عنه، ولمن قال: يلقي المعنى في قلبه ﷺ ، وهو الذي يعبر.
ثم إن هذه الألفاظ دالة على الصفة النفسية القديمة، فالدال حادث والمدلول قديم، وهذا المدلول هو المراد بقولهم المقروء قديم والقراءة حادثة" (١).
وقال أيضًا: "ووجه إضافته [أي: الكلام النفسي] بهذا المعنى له تعالى أنه صفته، وبالمعنى الأول [أي: الكلام اللفظي] أنه تعالى أنشأه برقومه في اللوح المحفوظ، ومنع السلف من إطلاق القول بخلق القرآن بهذا المعنى أدبًا وتحرزًا عن ذهاب الوهم إلى المعنى النفسي" (٢).