Полный текст (144 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
الآيات البينات
في عدم سماع الأموات
على مذهب الحنفية السادات
تحقيق العلامة المحدث
محمد ناصر الدين الألباني
المكتب الإسلامي
الطبعة الرابعة
стр. 2
تحقيق أن الموتى لا يسمعون
هذا واعلم أن كون الموتى يسمعون أو لا يسمعون إنما هو أمر غيبي من أمور البرزخ التي لا يعلمها إلا الله فلا يجوز الخوض فيه بالأقيسة والآراء وإنما يوقف فيه مع النص إثباتا ونفيا وسترى المؤلف رحمه الله تعالى ذكر في الفصل الأول كلام الحنفية في أنهم لا يسمعون وفي الفصل الثاني نقل عن غيرهم مثله وحكى عن غير هؤلاء أنهم يسمعون وليس يهمني أن هؤلاء قلة وأولئك الكثرة فالحق لا يعرف بالكثرة ولا بالقلة وإنما بدليله الثابت في الكتاب والسنة مع التفقه فيهما وهذا ما أنا بصدده إن شاء الله تعالى فأقول:
استدل الأولون بقوله تعالى: ﴿وما أنت بمسمع من في القبور﴾ (فاطر: ٢٢) وقوله: ﴿إنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين﴾ (النمل: ٨٠ والروم ٥٢) وأجاب الآخرون بأن الآيتين مجاز وأنه ليس المقصود ب (الموتى) وب (من في القبور) الموتى حقيقة في قبورهم وإنما المراد بهم الكفار الأحياء شبهوا بالموتى " والمعنى من هم في حال الموتى أو في حال من سكن القبر " كما قال الحافظ ابن حجر على ما يأتي في الرسالة (ص ٧٢)
فأقول: لا شك عند كل من تدبر الآيتين وسياقهما أن المعنى هو ما ذكره الحافظ رحمه الله تعالى (١) وعلى ذلك جرى علماء التفسير لا خلاف
стр. 3
(١) وقد بين ذلك بيانا شافيا العلامة محمد الأمين الشنقيطي في كتابه " أضواء البيان " (٦ / ٤١٦ - ٤٢١)
[٢١]
стр. 4
بينهم في ذلك فيما علمت ولكن ذلك لا يمنع الاستدلال بهما على ما سبق لأن الموتى لما كانوا لا يسمعون حقيقة وكان ذلك معروفا عند المخاطبين شبه الله تعالى بهم الكفار الأحياء في عدم السماع فدل هذا التشبيه على أن المشبه بهم - وهم الموتى في قبورهم - لا يسمعون كما يدل مثلا تشبيه زيد في الشجاعة بالأسد على أن الأسد شجاع بل هو في ذلك أقوى من زيد ولذلك شبه به وإن كان الكلام لم يسق للتحدث عن شجاعة الأسد نفسه وإنما عن زيد وكذلك الآيتان السابقتان وإن كانتا تحدثتا عن الكفار الأحياء وشبهوا بموتى القبور فذلك لا ينفي أن موتى القبور لا يسمعون بل إن كل عربي سليم السليقة لا يفهم من تشبيه موتى الأحياء بهؤلاء إلا أن هؤلاء أقوى في عدم السماع منهم كما في المثال السابق وإذا الأمر كذلك فموتى القبور لا يسمعون. ولما لاحظ هذا بعض المخالفين لم يسعه إلا أن يسلم بالنفي المذكور ولكنه قيده بقوله: " سماع انتفاع " يعني أنهم يسمعون ولكن سماعا لا انتفاع فيه (١) وهذا في نقدي قلب للتشبيه المذكور في الآيتين حيث جعل المشبه به مشبها فإن القيد المذكور يصدق على موتى الأحياء من الكفار فإنهم يسمعون حقيقة ولكن لا ينتفعون من سماعهم كما هو مشاهد فكيف يجوز جعل المشبه بهم من موتى القبور مثلهم في أنهم يسمعون ولكنهم لا ينتفعون من سماعهم مع أن المشاهد أنهم لا يسمعون مطلقا ولذلك حسن التشبيه المذكور في الآيتين الكريمتين فبطل القيد المذكور
ولقد كان من الممكن القول بنحو القيد المذكور في موتى القبور لو كان هناك نص قاطع على أن الموتى يسمعون مطلقا إذن لوجب الإيمان به
стр. 5
(١) انظر (ص ٤٥ - ٤٦) من كتاب " الروح " المنسوب لابن القيم رحمه الله تعالى فإن فيه غرائب وعجائب من الروايات والآراء كما سنرى شيئا من ذلك فيما يأتي: وانظر (ص ٨٧)
[٢٢]
стр. 6
والتوفيق بينه وبين ما قد يعارضه من النصوص كالآيتين مثلا ولكن مثل هذا النص مما لا وجود له بل الأدلة قائمة على خلافه وإليك البيان:
الدليل الأول: قوله تعالى في تمام الآية الثانية: ﴿ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين﴾ فقد شبههم الله تعالى - أعني موتى الأحياء من الكفار بالصم أيضا فهل هذا يقتضي في المشبه بهم (الصم) أنهم يسمعون أيضا ولكن سماعا لا انتفاع فيه أيضا أم أنه يقتضي أنهم لا يسمعون مطلقا كما هو الحق الظاهر الذي لا خفاء فيه. وفي التفسير المأثور ما يؤيد هذا الذي نقول فقال ابن جرير في " تفسيره " (٢١ / ٣٦) لهذه الآية:
هذا مثل معناه: فإنك لا تقدر أن تفهم هؤلاء المشركين الذين قد ختم الله على أسماعهم فسلبهم فهم ما يتلى عليهم من مواعظ تنزيله كما لا تقدر أن تفهم الموتى الذين سلبهم الله أسماعهم بأن تجعل لهم أسماعا
وقوله: ﴿ولا تسمع الصم الدعاء﴾ يقول: كما لا تقدر أن تسمع الصم الذين قد سلبوا السمع إذا ولوا عنك مدبرين كذلك لا تقدر أن توفق هؤلاء الذين قد سلبهم الله فهم آيات كتابه لسماع ذلك وفهمه
ثم روى بإسناد الصحيح عن قتادة قال:
هذا مثل ضربه الله للكافر فكما لا يسمع الميت الدعاء كذلك لا يسمع الكافر ﴿ولا تسمع الصم الدعاء. .﴾ يقول: لو أن أصم ولى مدبرا ثم ناديته لم يسمع كذلك الكافر لا يسمع ولا ينتفع بما سمع
وعزاه في " الدرر " (٥ / ١١٤) لعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم دون ابن جرير
وقد فسر القرطبي (١٣ / ٢٣٢) هذه الآية بنحو ما سبق عن ابن جرير وكأنه اختصره منه
[٢٣]
стр. 7
فثبت من هذه النقول عن كتب التفسير المعتمدة أن الموتى في قبورهم لا يسمعون كالصم إذا ولوا مدبرين
وهذا هو الذي فهمته السيدة عائشة رضي الله عن ها واشتهر ذلك عنها في كتب السنة وغيرها ونقله المؤلف عنها في عدة مواضع من رسالته فانظر (ص ٥٤، ٥٦، ٥٨، ٦٨، ٦٩، ٧١) وفاته هو وغيره أنه هو الذي فهمه عمر رضي الله عن هـ وغيره من الصحابة لما نادى النبي ﷺ أهل القليب على ما يأتي بيانه قريبا إن شاء الله تعالى
الدليل الثاني: قوله تعالى: ﴿ذلك الله ربكم له الملك والذين تدعون من دونه ما يملكون من قطمير. إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم ولو سمعوا ما استجابوا لكم ويوم القيامة يكفرون بشرككم ولا ينبك مثل خبير﴾ . (فاطر ١٣ و ١٤)
قلت: فهذه الآية صريحة في نفي السمع عن أولئك الذي كان المشركون يدعونهم من دون الله تعالى وهم موتى الأولياء والصالحين الذين كان المشركون يمثلونهم في تماثيل وأصنام لهم يعبدونهم فيها وليس لذاتها كما يدل على ذلك آية سورة (نوح) عن قومه: ﴿وقالوا: لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ولا يعوق ونسرا﴾ ففي التفسير المأثور عن ابن عباس وغيره من السلف: أن هؤلاء الخمسة أسماء رجال صالحين من قوم نوح فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم: أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون أنصابا وسموها بأسمائهم ففعلوا فلم تعبد حتى إذا هلك أولئك وتنسخ العلم (أي علم تلك الصور بخصوصها) عبدت. رواه البخاري وغيره. ونحوه قوله تعالى: ﴿والذين اتخذوا من دونه أوليائه ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى﴾ (الزمر / ٣) فإنها صريحة في أن المشركين كانوا
[٢٤]
стр. 8
يعبدون الصالحين ولذلك اتخذوهم وسائط بينهم وبين الله تعالى قائلين: (ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى) ولاعتقادهم بصلاحهم كانوا ينادونهم ويعبدونهم من دون الله توهما منهم أنهم يسمعون ويضرون وينفعون ومثل هذا الوهم لا يمكن أن يقع فيه أي مشرك مهما كان سخيف العقل لو كان لا يعتقد فيمن يناديه الصلاح والنفع والضر كالحجر العادي مثلا وقد بين هذا العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى فقال في كتابه " إغاثة اللفهان " (٢ / ٢٢٢ - ٢٢٣)
وتلاعب الشيطان بالمشركين في عبادة الأصنام له أسباب عديدة تلاعب بكل قوم على قدر عقولهم
فطائفة دعاهم إلى عبادتها من جهة تعظيم الموتى الذين صوروا تلك الأصنام على صورهم كما تقدم عن قوم نوح ﵇ ولهذا لعن النبي ﷺ المتخذين على القبور المساجد ونهى عن الصلاة إلى القبور (١) . . فأبى المشركون إلا خلافه في ذلك كله إما جهلا وإما عنادا لأهل التوحيد ولم يضرهم ذلك شيئا. وهذا السبب هو الغالب على عوام المشركين
وأما خواصهم فإنهم اتخذوها - بزعمهم - على صور الكواكب المؤثرة في العالم عندهم وجعلوا لها بيوتا وسدنة وحجابا وحجبا وقربانا ولم يزل هذا في الدنيا قديما وحديثا (ثم بين مواطن بيوت هذه الأصنام وذكر عباد الشمس والقمر وأصنامهم وما اتخذوه من الشرائع حولها ثم قال ٢ / ٢٢٤) :
فوضع الصنم إنما كان في الأصل على شكل معبود غائب فجعلوا الصنم على شكله وهيأته وصورته ليكون نائبا منابه وقائما مقامه وإلا
стр. 9
(١) انظر كتابي: " تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد "
[٢٥]
стр. 10
فمن المعلوم أن عاقلا لا ينحت خشبة أو حجرا بيده ثم يعتقد أنه إلهه ومعبوده "
قلت: ومما يؤيد أن المقصود بقوله في الآية المتقدمة (لا يسمعوا دعاءكم﴾ إنما هم المعبودون من دون الله أنفسهم وليست ذوات الأصنام تمام الآية: ﴿ويوم القيامة يكفرون بشرككم﴾ والأصنام لا تبعث لأنها جمادات غير مكلفة كما هو معلوم بخلاف العابدين والمعبودين فإنهم جميعا محشورون قال تعالى: ﴿ويوم يحشرهم وما يعبدون من دون الله فيقول: ءأنتم أضللتم عبادي هؤلاء أم هم ضلوا السبيل قالوا سبحانك ما كان ينبغي لنا أن نتخذ من دونك من أولياء ولكن متعتهم وآباءهم حتى نسوا الذكر وكانوا قوما بورا﴾ . (الفرقان / ١٧ - ١٨) وقال: ﴿يوم يحشرهم جميعا ثم يقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون قالوا: سبحانك أنت ولينا من دونهم بل كانوا يعبدون الجن أكثرهم بهم مؤمنون﴾ (سبأ / ٤٠ - ٤١) وهذا كقوله تعالى: ﴿وإذا قال الله: يا عيسى ابن مريم ءأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله؟ قال: سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق﴾ الآية (المائدة / ١١٦) وخير ما فسر به القرآن إنما هو القرآن والسنة وليس فيهما - فيما أعلم - ما يدل على أن الله يحشر الجمادات أيضا فوجب الوقوف عند هذه الآية الصريحة فيما ذكرنا
وقد يقول قائل: إن هذا الذي بينته قوي متين ولكنه يخالف ما جرى عليه كثير من المفسرين في تفسير آية سورة (فاطر) وما في معناها من الآيات الأخرى فقالوا: إن المراد بها الأصنام نفسها وبناء على ذلك عللوا قوله تعالى فيها: ﴿لا يسمعوا دعاءكم﴾ بقولهم: " لأنها جمادات لا تضر ولا تنفع "
فأقول: لا شك أنت هذا بظاهره ينافي ما بينت ولكنه لا ينفي أن
[٢٦]
стр. 11
يكون لهم قول آخر يتماشى مع ما حققته فقال القرطبي (١٤ / ٣٣٦) عقب التعليل المذكور آنفا وتبعه الشوكاني (٤ / ٣٣٣) وغيره ما معناه:
ويجوز أن يرجع ﴿والذين تدعون من دونه. . .﴾ وما بعده إلى من يعقل ممن عبدهم الكفار كالملائكة والجن والأنبياء والشياطين والمعنى أنهم يجحدون أن يكون ما فعلتموه حقا وينكرون أنهم أمروكم بعبادتهم كما أخبر عن عيسى ﵇ بقوله: ﴿ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق﴾
وقد ذكرا نحوه في تفسير آية (الزمر) المتقدمة
قلت: وهو أولى من تفسيرهما السابق لأنه مدعم بالآيات المتقدمة بخلاف تفسيرهما المشار إليه فإنه يستلزم القول بحشر الأصنام ذاتها وهذا مع أنه لا دليل عليه فإنه يخالف الآيات المشار إليها ولهذا قال الشيخ عبد الرحمن ابن شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب - رحمهما الله - في كتابه " قرة عيون الموحدين " (ص ١٠٧ - ١٠٨) في تفسير آيتي (فاطر) ما نصه:
ابتدأ تعالى هذه الآيات بقوله: ﴿ذلكم الله ربكم له الملك﴾ يخبر الخبير أن الملك له وحده والملوك وجميع الخلق تحت تصرفه وتدبيره ولهذا قال: ﴿والذين تدعون من دونه ما يملكون من قطمير﴾ فإن من كانت هذه صفته فلا يجوز أن يرغب في طلب نفع أو دفع ضر إلى أحد سوى الله تعالى وتقدس بل يجب إخلاص الدعاء - الذي هو أعظم أنواع العبادة - له وأخبر تعالى أن ما يدعوه أهل الشرك لا يملك شيئا وأنهم لا يسمعون دعاء من دعاهم ولو فرض أنهم يسمعون فلا يستجيبون لداعيهم وأنهم يوم القيامة يفكرون بشركهم أي ينكرونه ويتبرؤون ممن فعله معهم. فهذا الذي أخبر به الخبير الذي ﴿لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء﴾ وأخبر أن ذلك الدعاء شرك به وأنه لا يغفره لمن لقيه فأهل الشرك ما صدقوا
[٢٧]
الخبير ولا أطاعوه فيما حكم به وشرع بل قالوا: إن الميت يسمع ومع سماعه ينفع فتركوا الإسلام والإيمان رأسا كما ترى عليه الأكثرين من جهلة هذه الأمة
فتبين مما تقدم وجه الاستدلال بقوله تعالى: ﴿إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم﴾ على أن الصالحين لا يسمعون بعد موتهم وغيرهم مثلهم بداهة بل ذلك من باب أولى كما لا يخفى فالموتى كلهم إذن لا يسمعون. والله الموفق
الدليل الثالث: حديث قليب بدر وله روايات مختصرة ومطولة أجتزئ هنا على روايتين منها:
الأولى: حديث ابن عمر قال:
وقف النبي ﷺ على قليب بدر فقال: هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقا؟ ثم قال:
إنهم الآن يسمعون ما أقول " فذكر لعائشة فقالت: إنما قال النبي ﷺ : إنهم الآن يعلمون أن الذي كنت أقول لهم هو الحق ثم قرأت: ﴿إنك لا تسمع الموتى﴾ حتى قرأت الآية
أخرجه البخاري (٧ / ٢٤٢ - فتح الباري) والنسائي (١ / ٦٩٣) وأحمد (٢ / ٣١) من طريق أخرى عن ابن عمر وسيأتي بعضه في الكتاب (ص ٦٨، ٧١)
والأخرى: حديث أبي طلحة أن نبي الله ﷺ أمر يوم بدر بأربعة وعشرين رجلا من صناديد قريش فقذفوا في طوي من أطواء بدر خبيث مخبث وكان إذا ظهر على قوم أقام بالعرصة ثلاث ليال فلما كان ببدر اليوم الثالث أمر براحلته فشد عليها رحلها ثم مشى واتبعه أصحابه وقالوا: ما نرى ينطلق إلا لبعض حاجته حتى قام على شفة الركي فجعل يناديهم بأسمائهم وأسماء آبائهم: يا فلان ابن فلان: ويا فلان ابن فلان
[٢٨]
стр. 12
أيسركم أنكم أطعتم الله ورسوله فإنا قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا فهل وجدتم ما وعدكم ربكم حقا؟ قال: فقال عمر: يا رسول الله ما تكلم من أجساد لا أرواح فيها؟ فقال رسول الله ﷺ : " والذي نفس محمد بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم ". قال قتادة: أحياهم الله حتى أسمعهم قوله توبيخا وتصغيرا ونقمة وحسرة وندما
أخرجه الشيخان وغيرهما وقد خرجته في التعليق الآتي (ص ٥٤) من الكتاب
ووجه الاستدلال بهذا الحديث يتضح بملاحظة أمرين:
الأول: ما في الرواية الأولى منه من تقييده ﷺ سماع موتى القليب بقوله: " الآن " (١) فإن مفهومه أنهم لا يسمعون في غير هذا الوقت. وهو المطلوب. وهذه فائدة هامة نبه عليها العلامة الآلوسي - والد المؤلف رحمهما الله - في كتابه " روح المعاني " (٦ / ٤٥٥) ففيه تنبيه قوي على أن الأصل في الموتى أنهم لا يسمعون ولكن أهل القليب في ذلك الوقت قد سمعوا نداء النبي ﷺ وبإسماع الله تعالى إياهم خرقا للعادة ومعجزة للنبي ﷺ كما سيأتي في الكتاب (ص ٥٦، ٥٩) عن بعض العلماء الحنفية وغيرهم من المحدثين. وفي " تفسير القرطبي " (١٣ / ٢٣٢) :
قال ابن عطية (٢) : فيشبه أن قصة بدر خرق عادة لمحمد ﷺ في أن
(١) ولها شاهد صحيح في حديث عائشة الآتي (ص ٧٠) عند المؤلف رحمه الله تعالى
(٢) هو عبد الحق بن غالب بن عطية المحاربي الغرناطي مفسر فقيه أندلسي عارف بالأحكام والحديث. توفي سنة (٥٤٢) له
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز " طبع منه جزءان في المغرب
ثم علمت الآن وأنا في زيارة الدوحة - قطر (أوائل ربيع الأول سنة ١٤٠١ هـ) من فضيلة الشيخ عبد الله الأنصاري أنه يقوم بطبع الكتاب طبعة جديدة وقد تم حتى اليوم. طبع أربع مجلدات منه يسر الله تمامه
[٢٩]
стр. 13
رد الله إليهم إدراكا سمعوا به مقاله ولولا إخبار رسول الله ﷺ بسماعهم لحملنا نداءه إياهم على معنى التوبيخ لمن بي من الكفرة وعلى معنى شفاء صدور المؤمنين "
قلت: ولذلك أورده الخطيب التبريزي في " باب المعجزات " من " المشكاة " (ج ٣ رقم ٥٩٣٨ - بتخريجي)
والآمر الآخر: أن النبي ﷺ أقر عمر وغيره من الصحابة على ما كان مستقرا في نفوسهم واعتقادهم أن الموتى لا يسمعون بعضهم أومأ إلى ذلك إيماء وبعضهم ذكر صراحة لكن الأمر بحاجة إلى توضيح فأقول:
أما الإيماء فهو في مبادرة الصحابة لما سمعوا نداءه ﷺ لموتى القليب بقولهم: " ما تكلم أجسادا لا أرواح فيها؟ " فإن في رواية أخرى عن أنس نحوه بلفظ " قالوا " بدل: (قال عمر " كما سيأتي في الكتاب (ص ٧١ - ٧٣) فلولا أنهم كانوا على علم بذلك سابق تلقوه منه ﷺ ما كان لهم أن يبادروه بذلك. وهب أنهم تسرعوا وأنكروا بغير علم سابق فواجب التبليغ حينئذ يوجب على النبي ﷺ أن يبين لهم أن اعتقادهم هذا خطأ وأنه لا أصل له في الشرع ولم نر في شيء من روايات الحديث مثل هذا البيان وغاية ما قال لهم: " ما أنتم بأسمع لما أقول منهم ". وهذا - كما ترى - ليس فيه تأسيس قاعدة عامة بالنسبة للموتى جميعا تخالف اعتقادهم السابق وإنما هو إخبار عن أهل القليب خاصة على أنه ليس ذلك على إطلاقه بالنسبة إليهم أيضا إذا تذكرت رواية ابن عمر التي فيها " إنهم الآن يسمعون " كما تقدم شرحه فسماعهم إذن خاص بذلك الوقت وبما قال لهم النبي ﷺ فقط فهي واقعة عين لا عموم لها فلا تدل على أنهم يسمعون دائما وأبدا وكل ما يقال لهم كما لا تشمل غيرهم من الموتى مطلقا وهذا واضح إن شاء الله تعالى. ويزيده ووضوحا ما يأتي
[٣٠]
стр. 14
وأما الصراحة فهي فيما رواه أحمد (٣ / ٢٨٧) من حديث أنس رضي الله عن هـ قال: ". . . . فسمع عمر صوته فقال: يا رسول الله أتناديهم بعد ثلاث؟ وهل يسمعون؟ يقول الله : ﴿إنك لا تسمع الموتى﴾ فقال: والذي نفسي بيده ما أنتم بأسمع [لما أقول] منهم ولكنهم لا يستطيعون أن يجيبوا ". وسنده صحيح على شرط مسلم (١) . فقد صرح عمر رضي الله عن هـ أن الآية المذكورة هي العمدة في تلك المبادرة وأنهم فهموا من عمومها دخول أهل القليب فيه ولذلك أشكل عليهم الأمر فصارحوا النبي ﷺ بذلك ليزيل إشكالهم؟ وكان ذلك ببيانه المتقدم
ومنه يتضح أن النبي ﷺ أقر الصحابة - وفي مقدمتهم عمر - على فهمهم للآية على ذلك الوجه العام الشامل لموتى القليب وغيرهم لأنه لم ينكره عليهم ولا قال لهم: أخطأتم فالآية لا تنفي مطلقا سماع الموتى بل إنه أقرهم على ذلك الوجه العام الشامل لموتى القليب وغيرهم لأنه لم ينكره عليهم ولا قال لهم: أخطأتم فالآية لا تنفي مطلقا سماع الموتى بل إنه أقرهم على ذلك ولكن بين لهم ما كان خافيا من شأن القليب وأنهم سمعوا كلامه حقا وأن ذلك أمر مستثنى من الآية معجزة له ﷺ كما سبق
هذا وإن مما يحسن التنبيه عليه وإرشاد الأريب إليه أن استدلال عائشة المتقدم بالآية يشبه تماما استدلال عمر بها فلا وجه لتخطئتها اليوم بعد تبين إقرار النبي ﷺ لعمر عليه اللهم إلا في ردها على ابن عمر في روايته لقصة القليب بلفظ السماع وتوهيمها إياه فقد تبين من اتفاق جماعة من الصحابة على روايتها كروايته هو أنها هي الواهمة وإن كان من
стр. 15
(١) وأصله عنده (٨ / ١٦٣ - ١٦٤) والزيادة له وهو رواية لأحمد (٣ / ٢١٩ - ٢٢٠) والحديث عزاه في " الدر " (٥ / ١٥٧) لمسلم وابن مردويه وكأنه يعني أن أصله لمسلم وسياقه لابن مردويه ولا يخفى ما فيه من إيهام وتقصير
[٣١]
стр. 16
الممكن الجمع بين روايتهم وروايتها كما سيأتي بيانه في التعليق على " الرسالة " (ص ٧ - ٨) فخطؤها ليس في الاستدلال بالآية وإنما في خفاء القصة عليها على حقيقتها ولولا ذلك لكان موقفها موقف سائر الصحابة منها ألا وهو الموقف الجازم بها على ما أخبر به النبي ﷺ واعتبارها مستثناة من الآية
فتنبه لهذا واعلم أن من الفقه الدقيق الاعتناء بتتبع ما أقره النبي ﷺ من الأمور والاحتجاج به لأن إقراره ﷺ حق كما هو معلوم وإلا فبدون ذلك قد يضل الفهم عن الصواب في كثير من النصوص. ولا نذهب بك بعيدا فهذا هو الشاهد بين يديك فقد اعتاد كثير من المؤلفين وغيرهم أن يستدلوا بهذا الحديث - حديث القليب - على أن الموتى يسمعون متمسكين بظاهر قوله ﷺ : " ما أنتم بأسمع لما أقول منهم " غير منتبهين لإقراره ﷺ الصحابة على اعتقادهم بأن الموتى لا يسمعون وأنه لم يرده عليهم إلا باستثناء أهل القليب منه معجزة له ﷺ فعاد الحديث بالتنبه لما ذكرنا حجة على أن الموتى لا يسمعون وأن هذا هو الأصل فلا يجوز الخروج عنه إلا بنص كما هو الشأن في كل نص عام. والله تعالى الموفق
وقد يجد الباحث من هذا النوع أمثلة كثيرة ولعله من المفيد أن أذكر هنا ما يحضرني الآن من ذلك وهما مثالان:
الأول: حديث جابر عن أم مبشر رضي الله عن هما أنها سمعت النبي ﷺ يقول عنه حفصة: " لا يدخل النار إن شاء الله من أصحاب الشجرة أحد من الذين بايعوا تحتها ". قالت: بلى يا رسول الله فانتهرها. فقالت حفصة: ﴿وإن منكم إلا واردها﴾ فقال النبي ﷺ : " قد قال الله : ﴿ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا﴾ "
[٣٢]
стр. 17
رواه مسلم وغيره وهو مخرج في " الصحيحة " (٢١٦٠) و " تخريج السنة " (٨٦٠ - طبع المكتب الإسلامي)
أقول: ففي استدلال السيدة حفصة رضي الله عن ها بآية الورود دليل على أنها فهمت (الورود) بمعنى الدخول وأنه عام لجميع الناس الصالح والطالح منهم ولذلك أشكل عليها نفي النبي ﷺ دخول النار في حق أصحاب الشجرة فأزال ﷺ إشكالها بأن ذكرها بتمام الآية: ﴿ثم ننجي الذين اتقوا﴾ ففيه أنه ﷺ أقرها على فهمها المذكور وأنه على ذلك أجابها بما خلاصته أن الدخول المنفي في الحديث هو غير الدخول المثبت في الآية وأن الأول خاص بالصالحين ومنهم أهل الشجرة والمراد به نفي العذاب أي أنهم يدخلونها مرورا إلى الجنة دون أن تمسهم بعذاب. والدخول الآخر عام لجميع الناس ثم هم فريقان: منهم من تمسه بعذاب ومنهم على خلاف ذلك وهذا ما وضحته الآية نفسها في تمامها وراجع لهذا " مبارق الأزهار " (١ / ٢٥٠) و " مرقاة المفاتيح " (٥ / ٦٢١ - ٦٣٢)
قلت: فاستفدنا من الإقرار المذكور حكما لولاه لم نهتد إلى وجه الصواب في الآية وهو أن الورود فيها بمعنى الدخول وأنه لجميع الناس ولكنها بالنسبة للصالحين لا تضرهم بل تكون عليهم بردا وسلاما كما كانت على إبراهيم وقد روي هذا صراحة مرفوعا في حديث آخر لجابر لكن استغربه الحافظ ابن كثير وبينت علته في " الأحاديث الضعيفة " (٤٧٦١) . لكن حديثه هذا عن أم مبشر يدل على صحة معناه وقد مال إليه العلامة الشوكاني في تفسيره للآية (٣ / ٣٣٣) واستظهره من قبله القرطبي (١١ / ١٣٨ - ١٣٩) وهو المعتمد
والآخر: حديث " الصحيحين " والسياق للبخاري نقلا من " مختصر
[٣٣]
стр. 18
البخاري " بقلمي لأنه أتم جمعت فيه فوائده وزوائده من مختلف مواضعه قالت عائشة:
دخل علي رسول الله ﷺ وعندي جاريتان [من جواري الأنصار ٣ / ٣] (وفي رواية: قينتان ٤ / ٢٦٦] [في أيام منى تدففان وتضربان ٤ / ١٦١] تغنيان بغناء (وفي رواية: بما تقاولت (وفي أخرى تقاذفت) الأنصار يوم) بعاث (١) . [وليستا بمغنيتين] فاضطجع على الفراش وحول وجهه ودخل أبو بكر [والنبي ﷺ متغش بثوبه ٢ / ١١] فانتهرني) وفي رواية: فانتهرهما) وقال: مزمارة (وفي رواية: مزمار) الشيطان عند (وفي رواية: أمزامير الشيطان في بيت) رسول الله ﷺ [ (مرتين) ] ؟ فأقبل عليه رسول الله ﷺ (وفي رواية: فكشف النبي ﷺ عن وجهه) فقال:
دعهما [يا أبا بكر [ف] إن لكل قوم عيدا وهذا عيدنا] ". فلما غفل غمزتهما فخرجتا ". (رقم ٥٠٨ من المختصر ")
قلت: فنجد في هذا الحديث أن النبي ﷺ لم ينكر قول أبي بكر الصديق في الغناء بالدف أنه " مزمار الشيطان " ولا نهره لابنته أو للجاريتين بل أقره على ذلك فدل إقراره إياه على أن ذلك معروف وليس بمنكر فمن أين جاء أبو بكر بذلك؟ الجواب: جاء به من تعاليم النبي ﷺ وأحاديثه الكثيرة في تحريم الغناء وآلات الطرب وقد ذكر طائفة منها العلامة ابن قيم الجوزية في كتابه " إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان " (١ / ٢٥٨ - ٢٦٧) وخرجت بعضها في " الصحيحة " (٩١) و " المشكاة " (٣٦٥٢) ولولا علم أبي بكر بذلك وكونه على بينة من الأمر ما كان له أن
стр. 19
(١) بالصرف وعدمه وهو اسم حصن وقعت الحرب عنده بين الأوس والخزرج قبل الهجرة بثلاث سنين
[٣٤]
стр. 20
يتقدم بين يدي النبي ﷺ وفي بيته بمثل هذا الإنكار الشديد غير أنه كان خافيا عليه أن هذا الذي أنكره يجوز في يوم عيد فبينه له النبي ﷺ بقوله: " دعهما يا أبا بكر فإن لكل قوم عيدا وهذا عيدنا " فبقي إنكار أبي بكر العام مسلما به لإقراره ﷺ إياه ولكنه استثنى منه الغناء في العيد فهو مباح بالمواصفات الواردة في هذا الحديث
فتبين أنه ﷺ كما أقر عمر على استنكاره سماع الموتى كذلك أقر أبا بكر على استنكاره مزمار الشيطان وكما أنه أدخل على الأول تخصيصا كذلك أدخل على قول أبي بكر هذا تخصيصا اقتضى إباحة الغناء المذكور في يوم العيد ومن غفل عن ملاحظة الإقرار الذي بينا أخذ من الحديث الإباحة في كل الأيام كما يحلو ذلك لبعض الكتاب المعاصرين وسلفهم فيه ابن حزم فإنه استدل به على الإباحة مطلقا جمودا منه على الظاهر فإنه قال في رسالته في الملاهي (ص ٩٨ - ٩٩) :
وقد سمع رسول الله ﷺ قول أبي بكر:
مزمار الشيطان " فأنكر عليه ولم ينكر على الجاريتين غناءهما "
والواقع أنه ليس في كل روايات الحديث الإنكار المذكور وإنما فيه قوله ﷺ لأبي بكر: " دعهما. . . " وفرق كبير بين الأمرين فإن الإنكار الأول لو وقع لشمل الآخر ولا عكس كما هو ظاهر بل نقول زيادة على ذلك: إن النبي ﷺ أقر قول أبي بكر المذكور كما سبق بيانه وقد قال ابن القيم في " إغاثة اللهفان " بعد أن ذكر الحديث (١ / ٢٥٧) :
فلم ينكر رسول الله ﷺ على أبي بكر تسميته الغناء مزمار الشيطان وأقرهما لأنهما جاريتان غير مكلفتين تغنيان بغناء الأعراب الذي قيل في يوم حرب بعاث من الشجاعة والحرب وكان اليوم يوم عيد
[٣٥]
стр. 21
وأما أنه ﷺ لم ينكر على الجاريتين فحق ولكن كان ذلك في يوم عيد فلا يشمل غيره أولا. وثانيا: لما أمر ﷺ أبا بكر بأن لا ينكر عليهما بقوله: " دعهما " أتبع ذلك بقوله: " فإن لكل قوم عبدا. . . " فهذه جملة تعليلية تدل على أن علة الإباحة هي العيدية إذا صح التعبير ومن المعلوم أن العلة تدور مع المعلول وجودا وعدما فإذا انتفت هذه العلة بأن لم يكن يوم عيد لم يبح الغناء فيه كما هو ظاهر ولكن ابن حزم لعله لا يقول بدليل العلة كما عرف عنه أنه لا يقول بدليل الخطاب وقد رد عليه العلماء ولا سيما شيخ الإسلام ابن تيمية في غير ما موضع من " مجموع الفتاوى " فراجع المجلد الثاني من " فهرسه "
لقد طال الكلام على حديث عائشة في سماع الغناء ولا بأس من ذلك إن شاء الله تعالى فإن الشاهد منه واضح ومهم وهو أن ملاحظة طالب العلم إقرار النبي ﷺ لأمر ما يفتح عليه بابا من الفقه والفهم ما كان ليصل إليه بدونها. وهكذا كان الأمر في حديث القليب فقد تبين بما سبق أنه دليل صريح على أن الموتى لا يسمعون وذلك من ملاحظتنا إقرار النبي ﷺ لاستنكار عمر سماعهم واستدلاله عليه بالآية ﴿إنك لا تسمع الموتى﴾ فلا يجوز لأحد بعد هذا أن يلتفت إلى أقوال المخالفين القائلين بأن الموتى يسمعون فإنه خلاف القرآن الذي بينه الرسول ﷺ
الدليل الرابع:
قول النبي ﷺ : " إن لله ملائكة سياحين في الأرض يبلغوني عن أمتي السلام " (١)
стр. 22
(١) وهو حديث صحيح انظر التعليق الآتي ص (٨٠)
[٣٦]
стр. 23
أقول: ووجه الاستدلال به أنه صريح في أن النبي ﷺ لا يسمع سلام المسلمين عليه إذ لو كان يسمعه بنفسه لما كان بحاجة إلى من يبلغه إليه كما هو ظاهر لا يخفى على أحد إن شاء الله تعالى. وإذا كان الأمر كذلك فبالأولى أنه ﷺ لا يسمع غير السلام من الكلام وإذا كان كذلك فلأن لا يسمع السلام غيره من الموتى أولى وأحرى
ثم إن الحديث مطلق يشمل حتى من سلم عليه ﷺ عند قبره ولا دليل يصرح بالتفريق بينه وبين من صلى عليه بعيدا عنه والحديث المروي في ذلك موضوع كما سيأتي بيانه في التعليق (ص ٨٠)
وهذا الاستدلال لم أره لأحد قبلي فإذا كان صوابا - كما أرجو - فهو فضل من الله ونعمة وإن كان خطأ فهو من نفسي والله تعالى أسأل أن يغفره لي وسائر ذنوبي
أدلة المخالفين:
فإن قيل: يظهر من النقول التي ستأتي في الرسالة عن العلماء أن المسألة خلافية فلا بد أن المخالفين فيها أدلة استندوا إليها
فأقول: لم أر فيها من صرح بأن الميت يسمع سماعا مطلقا عاما كما كان شأنه في حياته ولا أظن عالما يقول به وإنما رأيت بعضهم يستدل بأدلة يثبت بها سماعا لهم في الجملة وأقوى ما استدلوا به سندا حديثان:
الأول: حديث قليب بدر المتقدم وقد عرفت مما سبق بيانه أنه خاص بأهل القليب من جهة وأنه دليل على أن الأصل في الموتى أنهم لا يسمعون من جهة أخرى وأن سماعهم كان خرقا للعادة فلا داعي للإعادة
والآخر: حديث: " إن الميت ليسمع قرع نعالهم إذا انصرفوا ". وفي رواية " إن العبد إذا وضع في قبره وتولى عنه أصحابه وإنه ليسمع قرع
[٣٧]
стр. 24
نعالهم أتاه ملكان. . . " الحديث (انظر ص ٥٥، ٥٦، ٥٧، ٨٢) من " الآيات "
وهذا كما ترى خاص بوقت وضعه في قبره ومجيء الملكين إليه لسؤاله " فلا عموم فيه وعلى ذلك حمله العلماء كابن الهمام وغيره كما سيأتي في " الآيات " (ص ٥٦، ٥٩، ٧٣)
ولهم من هذا النوع أدلة أخرى ولكن لا تصح أسانيدها وفي أحدها التصريح بأن الموتى يسمعون السلام عليهم من الزائر وسائرها ليس في السماع وبعضها خاص بشهداء أحد وكلها ضعيفة وبعضها أشد ضعفا من بعض كما ستراه في التعليق (ص ٦٩)
وأغرب ما رأيت لهم من الأدلة قول ابن القيم ﵀ في " الروح " (ص ٨) تحت المسألة الأولى: هل تعرف الأموات زيارة الأحياء وسلامهم أم لا؟ فأجاب بكلام طويل جاء فيه ما نصه:
ويكفي في هذا تسمية المسلم عليهم زائرا ولولا أنهم يشعرون به لما صح تسميته زائرا فإن المزور إن لم يعلم بزيارة من زاره لم يصح أن يقال: زاره () هذا هو المعقول من الزيارة عند جميع الأمم وكذلك السلام عليهم أيضا فإن السلام على من لا يشعر ولا يعلم بالمسلم محال () وقد علم النبي ﷺ أمته إذا زاروا القبور أن يقولوا: سلام عليكم أهل الديار
وهذا السلام والخطاب والنداء لموجود يسمع ويخاطب ويعقل ويرد وإن لم يسمع المسلم الرد "
أقول وبالله تعالى التوفيق:
رحم الله ابن القيم فما كان أغناه من الدخول في مثل هذا الاستدلال العقلي الذي لا مجال له في أمر غيبي كهذا فوالله لو أن ناقلا نقل هذا
[٣٨]
стр. 25
الكلام عنه ولم أقف أنا بنفسي عليه لما صدقته لغرابته وبعده عن الأصول العلمية والقواعد السلفية التي تعلمناها منه ومن شيخه الإمام ابن تيمية فهو أشبه شيء بكلام الآرائيين والقياسيين الذين يقيسون الغائب على الشاهد والخالق على المخلوق وهو قياس باطل فاسد طالما رد ابن القيم أمثاله على أهل الكلام والبدع ولهذا وغيره فإني في شك كبير من صحة نسبة " الروح " إليه أو لعله ألفه في أول طلبه للعلم. والله أعلم
ثم إن كلامه مردود في شطريه بأمرين:
الأول: ما ثبت في " الصحيح " أن النبي ﷺ كان يزور البيت في الحج وأنه كان وهو في المدينة يزور قباء راكبا وماشيا ومن المعلوم تسمية طواف الإفاضة بطواف الزيارة. فهل من أحد يقول: بأن البيت وقباء يشعر كل منهما بزيارة الزائر أو أنه يعلم بزيارته؟
وأما الآخر: فهو مخاطبة الصحابة للنبي ﷺ في تشهد الصلاة بقولهم: " السلام عليكم أيها النبي. . . . " وهم خلفه قريبا منه وبعيدا عنه في مسجده وفي غير مسجده أفيقال: إنه كان يسمعهم ويشعر بهم حين يخاطبونه به وإلا فالسلام عليه محال؟ اللهم غفرا. وانظر التعليق الآتي على الصفحة (٩٥ - ٩٦)
وإذا كان لا يسمع هذا الخطاب في قيد حياته أفيسمعه بعد وفاته وهو في الرفيق الأعلى لا سيما وقد ثبت أنه يبلغه ولا يسمعه كما سبق بيانه في الدليل الرابع (ص ٣٦) ؟
ويكفي في رد ذلك أن يقال: إنه استدلال مبني على الاستنباط والنظر فمثله قد يمكن الاعتداد به إذا لم يكن مخالفا للنص والأثر فكيف وهو مخالف لنصوص عدة واحد منها فقط فيه كفاية وغنية كما
[٣٩]
стр. 26
سلف وبخاصة منها حديث قليب بدر وفيه إقرار النبي ﷺ لعمر أن الموتى لا يسمعون فلا قيمة إذن للاستنباط المذكور فإن الأمر كما قيل: " إذا جاء الأثر بطل النظر وإذا جاء نهر الله بطل نهر معقل "
وقد يتساءل القارئ - بعد هذا - عن وجه مخاطبة الموتى بالسلام وهم لا يسمعونه؟ وفي الإجابة عنه أحيل القارئ إلى ما ذكر المؤلف رحمه الله تعالى فيما يأتي من الرسالة وما علقته عليها (ص ٩٥ - ٩٦) فإن في ذلك كفاية وغنية عن الإعادة
وخلاصة البحث والتحقيق: أن الأدلة من الكتاب والسنة وأقوال أئمة الحنفية وغيرهم - كما ستراه في الكتاب مبسوطا - على أن الموتى لا يسمعون وأن هذا هو الأصل فإذا ثبت أنهم يسمعون في بعض الأحوال كما في حديث خفق النعال أو أن بعضهم سمع في وقت ما كما في حديث القليب فلا ينبغي أن يجعل ذلك أصلا فيقال إن الموتى يسمعون كما فعل بعضهم (١) كلا فإنها قضايا جزئية لا تشكل قاعدة كلية يعارض بها الأصل المذكور بل الحق أنه يجب أن تستثني منه على قاعدة استثناء الأقل من الأثر أو الخاص من العام كما هو المقرر في علم أصول الفقه ولذلك قال العلامة الآلوسي في " روح المعاني " بعد بحث مستفيض في هذه المسألة (٦ / ٤٥٥) :
والحق أن الموتى يسمعون في الجملة فيقتصر على القول بسماع ما ورد السمع بسماعه
وهذا مذهب طوائف من أهل العلم كما قال الحافظ ابن جرب الحنبلي على ما سيأتي في الرسالة (ص ٧٠) وما أحسن ما قاله ابن التين ﵀:
стр. 27
(١) انظر " الأضواء " (٦ / ٤٢٥)
[٤٠]
стр. 28
" إن الموتى لا يسمعون بلا شك لكن إذا أراد الله تعالى إسماع ما ليس من شأنه السماع لم يمتنع لقوله تعالى: ﴿إنا عرضنا الأمانة﴾ الآية وقوله: ﴿فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها﴾ الآية. كما نقله المؤلف فيما يأتي (ص ٧٢)
فإذا علمت أيها القارئ الكريم أن الموتى لا يسمعون فقد تبين أنه لم يبق هناك مجال لمناداتهم من دون الله تعالى ولو بطلب ما كانوا قادرين عليه وهم أحياء كما تقدم بيانه في (ص ١٦ - ٢١) بحكم كونهم لا يسمعون النداء وأن مناداة من كان كذلك والطلب منه سخافة في العقل وضلال في الدين وصدق الله العظيم القائل في كتابه الكريم: ﴿ومن أضل ممن يدعوا من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة وهم عن دعائهم غافلون. وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداء وكانوا بعبادتهم كافرين﴾ . (الأحقاف ٥ - ٦)
هذا ولما كان الواقع يشهد أنه لا يزال في هؤلاء المبتلين بنداء الموتى والاستغاثة بهم من دون الله تعالى من يرجو الدار الآخرة ويحرص على معرفة الحق واتباعه إذا تبين له اقتطعت من وقتي الضيق ما مكنني من التعليق على هذه الرسالة النافعة إن شاء الله تعالى وتحقيقها وتخريج أحاديثها ووضع هذه المقدمة بين يديها راجيا من المولى أن ينفع بها المخلصين من المسلمين ويجعلنا وإياهم من ﴿الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولو الألباب﴾ . (الزمر ١٨)
دمشق ١٥ جمادى الأولى سنة ١٣٩٨ هـ
وكتب
محمد ناصر الدين الألباني
[٤١]
стр. 29
الحمد لله محيي الأموات ومعيد الرفات ومجازيهم على المعاصي ومثيبهم على الطاعات والسامع من الداعين خفي الأصوات الذي لا يخفى عليه شيء في الأرضين والسموات
والصلاة والسلام على من كان تكليم الجماد له إحدى المعجزات وعلى آله وصحبه أصحاب الكرامات الباهرات
أما بعد: فإني في شهر رمضان عام خمس وثلثمائة وألف من هجرة من أنزل عليه القرآن تفصيلا لكل شئ وتبيانا ذكرت في مجلس درسي العام ما قالته الأئمة الأحناف الأعلام في كتبهم الفقهية وأحكامهم الشرعية من عدم سماع الموتى كلام الأحياء وأن من خلف لا يكلم زيدا فكلمه وهو ميت لا يحنث وعليه فتوى العلماء فأشاع بعض من انتسب إلى العلم من غير إدراك لما حرروه ولا فهم أن هذا العزو غير صحيح وأنه قول منكر مغاير للشرع الرجيح وأنه لم يعتقد ذلك أحد من أصحاب الإمام أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد فاتبعه أتباع كل ناعق من أفراد الجهلة والعوام والمرجفون في مدينة السلام فأحببت للنصيحة في الدين ولتبيان ما أتى في الكتاب المبين وتعليم إخواني المسلمين أن أجمع في هذه الرسالة
[٤٩]
стр. 30
أقوال أصحابنا الأحناف وما قاله غيرهم من الأئمة والفقهاء الأشراف وأن أحرر ما قالوه وأنقل من كتبهم ما سطروه بعباراتهم المفصلة ونصوصهم المطولة وأدلتهم المحبرة وأجوبتهم المحررة ليتضح للعامة ما جهلوه ويظهر للمعاندين صواب ما أخطأوه ورتبتها على ثلاثة فصول وخاتمة جامعة إن شاء الله تعالى: للمعقول والمنقول وللنزاع حاسمة وسميتها:
الآيات البينات في عدم سماع الأموات عند الحنفية السادات
والله سبحانه المسئول أن يوفقنا للصواب ويرزقنا استماع الحق واتباعه في المبدأ والمآب. أمين
[٥٠]
стр. 31
الفصل الأول
في نقل كلام الأئمة الحنفية في ذلك
قال العلامة الحصكفي (١) الحنفي في كتابه الشهير ب " الدر المختار شرح تنوير الأبصار " في " باب اليمين في الضرب والقتل وغير ذلك " (٢) ما لفظه:
(ما شارك الميت فيه الحي يقع اليمين فيه على الحالتين) : الموت والحياة (وما اختص بحالة الحياة) وهو كل فعل يلذ (٣) ويؤلم ويغم ويسر كشتم وتقبيل (تقيد بها) ثم فرع عليه: (فلو قال: إن ضربتك أو كسوتك أو كلمتك أو دخلت عليك أو قبلتك تقيد) كل منها (بالحياة) حتى لو علق بها طلاقا أو عتقا لم يحنث بفعلها في ميت (بخلاف الغسل والحمل والمس وإلباس الثوب) كحلفه: لا يغسله أو لا يحمله لا تتقيد بالحياة
انتهى
стр. 32
(١) بفتح الحاء والصاد المهملتين والكاف نسبة إلى (حصن كيفا) بلدة على الدجلة وهو محمد ابن علي بن محمد الحصني المعروف بعلاء الدين الحصكفي مفتي الحنفية بدمشق ولد فيها سنة (١٠٢٥) وتوفي سنة (١٠٨٨)
(٢) (ج ٣ ص ١٧٩ - ١٨٠ من " رد المحتار على الدر المختار ")
(٣) بضم الياء وكسر اللام ليناسب ما بعده أي يحصل اللذة والألم. كذا في " حاشية الطحطاوي على الدر "
[٥٣]
стр. 33
وقال محشيه العلامة الطحطاوي (١) ما لفظه:
(قوله: (أو كلمتك) إنما تقيد بالحياة لأن المقصود من الكلام الإفهام والموت ينافيه لأن الميت لا يسمع ولا يفهم. وأورد أنه ﵊ قال لأهل القليب قليب بدر: هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقا؟ فقال عمر: يا رسول الله ما تكلم من أجساد لا أرواح فيها؟ فقال النبي ﷺ : " والذي نفسي بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم " (٢)
وأجيب عنه بأنه غير ثابت يعني من جهة المعنى وإلا فهو في الصحيح (٣) وذلك أن عائشة رضي الله تعالى عنها ردته بقوله تعالى: ﴿وما أنت بمسمع من في القبور﴾ و ﴿وإنك لا تسمع الموتى﴾ . وقوله: " من جهة المعنى " ينظر ما المراد به؟ فإن ظاهره يقتضي ورود اللفظ من الشارع ﷺ وأن المعنى لا يستقيم وفيه ما فيه (٤)
стр. 34
(١) يعني في " الحاشية على الدر المختار " (٢ / ٣٨١ - ٣٨٢) و (الطحطاوي) نسبة إلى (طحطا) وربما قيل (طهطا) قرية بالقرب من (أسيوط) بمصر وهو أحمد بن محمد بن إسماعيل فقيه حنفي من فضلاء عصره وقد اشتهر بكتابه المذكور مات سنة ١٢٣١
(٢) أخرجه البخاري في " المغازي " (٧ / ٢٤٠ - ٢٤١ - فتح) ومسلم (٨ / ١٦٤) وأحمد (٤ / ٢٩) من طريق قتادة قال: ذكر لنا أنس بن مالك عن أبي طلحة أن نبي الله ﷺ . . فذكر الحديث بأتم مما هنا وزيادة: " قال قتادة: أحياهم الله حتى اسمعهم قوله توبيخا وتصغيرا ونقمة وحسرة وندما "
(٣) هذا الجواب مردود فإن الحديث صحيح المعنى والمبنى كما يأتي بيانه قريبا
(٤) قلت: وذلك أنه لا يعقل أن يقول المسلم بأن اللفظ المذكور قد قاله الرسول ﷺ ومع ذلك فمعناه لا يستقيم وإنما لعل المراد من الجواب المذكور أن الحديث صحيح الإسناد لكنه غير صحيح المعنى إذ أنه من المقرر في علم مصطلح الحديث أن صحة الإسناد لا يستلزم صحة المتن لعلة فيه خفية أو شذوذ من أحد رواته ولذلك ردته السيدة عائشة وصرحت بتوهيم راويه عبد الله بن عمر رضي الله عن هـ كما سيأتي في الكتاب (ص ٦٨، ٧١) وحينئذ فالتعبير العلمي الصحيح أن يعبر عن وجهة نظرها بغير ما جاء في الجواب المشار إليه كأن يقال: إن الحديث عندها شاذ متنا صحيح سندا غير أن رد عائشة لحديث ابن عمر وتوهيمها إياه مردود بمتابعة جمع من الصحابة له خرج أحاديثهم الحافظ في " الفتح " (٧ / ٢٤٢) ومنهم أبو طلحة الأنصاري وقد خرجت حديثه آنفا ولذلك فالجواب المذكور لا قيمة له - ولو زين لفظه - من الناحية الحديثية بل إنه لو ذهب ذاهب إلى تخطئتها هي في روايتها لكان ذلك قريبا من الصواب لمخالفتها لجماعة الأصحاب لكن الجمع بين حديثها وحديثهم تمكن بأن يقال: إنه ﷺ أتيت لأهل القليب حين ناداهم السمع والعلم معا فلا تعارض وهو الذي ذهب إليه الحافظ. والله أعلم
[٥٤]
стр. 35
وأجيب أيضا بأنه إنما قاله ﵊ على وجه الموعظة للأحياء لا لإفهام الموتى
) لا سند له) كما روي عن علي رضي الله تعالى عنه أنه قال: " السلام عليكم دار قوم مؤمنين أما نساؤكم فنكحت وأما أموالكم فقسمت وأما دوركم فقد سكنت فهذا خبركم عندنا فما خبرنا عندكم؟ " (١)
ويرده أن بعض الأموات رد عليه بقوله:
(معضل) " الجلود تمزقت والأحداق قد سالت ما قدمنا ما لقينا وما أكلنا ربحنا وما خلفنا خسرنا " (٢) . أو كلاما هذا كما في بعض شراح " الجامع الصغير " وأيضا ورد عنه ﵊:
(صحيح) " إن الميت ليسمع خفق نعالهم إذا انصرفوا ". (٣)
كمال
(٤) وفي " النهر " (٥) : أحسن ما أجيب به أنه كان معجزة له ﷺ . انتهى (٦)
стр. 36
(١) قلت: لم أقف على إسناده وما أراه يصح ولعله في " كتاب القبور " لابن أبي الدنيا فقد عزاه إليه السيوطي في " الجامع الكبير " (٨ / ١٢٣ و ١٢٥ - كنز العمال) عن عمر وعن علي رضي الله عن هما بنحوه
(٢) هو في أثر عمر المشار إليه آنفا بنحوه وهو معضل فإنه من رواية محمد بن حمير عن عمر وبينهما مفاوز
(٣) متفق عليه من حديث أنس رضي الله عن هـ وهو مخرج في " الصحيحة " (١٣٤٤)
(٤) يعني الكمال ابن الهمام وسيذكر المصنف نص كلامه في الصفحات التالية (٥٧ - ٦٠)
(٥) هو " النهر الفائق " لمؤلفه الشيخ عمر بن إبراهيم بن محمد الشهير بابن نجيم المصري وهو أخو الزين صاحب " البحر الرائق " وتلميذه توفي سنة (١٠٠٥)
(٦) يعني كلام الطحطاوي في حاشيته
[٥٥]
стр. 37
وقال شيخ مشائخنا العلامة ابن عابدين في " حاشيته " (١) على الكتاب المذكور ما لفظه:
(وأما الكلام فلأن المقصود منه الإفهام والموت ينافيه ولا يرد ما في " الصحيح " من قوله لأهل قليب بدر: هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقا؟ فقال عمر رضي الله عن هـ: أتكلم الميت يا رسول الله؟ فقال ﵊: والذي نفسي بيده ما أنتم بأسمع منهم أو من هؤلاء. فقد أجاب عنه المشايخ بأنه غير ثابت يعني من جهة المعنى. (٢) وذلك لأن عائشة رضي الله تعالى عنها ردته بقوله تعالى: ﴿وما أنت بمسمع من في القبور﴾ و ﴿إنك لا تسمع الموتى﴾ وأنه إنما قاله على وجه الموعظة للأحياء وبأنه مخصوص بأولئك تضعيفا للحسرة عليهم وبأنه خصوصية له ﵊ معجزة. لكن يشكل عليهم ما في " مسلم ": " إن الميت ليسمع قرع نعالهم إذا انصرفوا " إلا أن يخصوا ذلك بأول الوضع في القبر مقدمة للسؤال (٣) جمعا بينه وبين الآيتين فإنه شبه فيهما الكفار بالموتى لإفادة بعد سماعهم وهو فرع عدم سماع الموتى. هذا حاصل ما ذكره في " الفتح " هنا وفي " الجنائز "
стр. 38
(١) وهي المعروفة ب " رد المحتار على الدر المختار " (٣ / ١٨٠)
(٢) هذا الجواب مردود كما سبق بيانه (ص ٥٤) وقد رده جماعة منهم أبو الحسن السندي الحنفي في " حاشيته على سنن النسائي " (١ / ٢٩٣)
(٣) قلت: سيأتي مثله عن ابن الهمام (ص ٥٨) وعن المناوي (ص ٧٣) والتخصيص المشار إليه أمر لا بد منه للجمع المذكور ولكن ينبغي أن يعلم أن ذلك كذلك ولو لم يتعارض ظاهره بالآيتين المذكورتين فإن الحديث يدل أنه خاص بأول الوضع فإن لفظه: " إن العبد إذا وضع في قبره وتولى عنه أصحابه وإنه ليسمع قرع نعالهم أتاه ملكان. . . " الحديث متفق عليه وهو مخرج في " الصحيحة " كما تقدم: وسيأتي بتمامه (ص ٨٢)
[٥٦]
стр. 39
ومعنى الجواب الأول أنه وإن صح سنده لكنه معلول من جهة المعنى بعلة تقتضي عدم ثبوته عنه ﵊ وهي مخالفته للقرآن فافهم) انتهى كلام ابن عابدين عليه الرحمة
ولنذكر كلام إمام الحنفية ابن الهمام (١) في " فتح القدير " حاشية " الهداية " فإنه قال في " باب الجنائز " على قوله: " ولقن الشهادة لقوله ﵊:
(صحيح) " لقنوا موتاكم شهادة أن لا إله إلا الله " (٢) والمراد: الذي قرب من الموت "
ما نصه: (قوله: (والمراد: الذي قرب من الموت) مثل لفظ القتيل في قوله ﵊:
(صحيح) " من قتل قتيلا فله سلبه " (٣)
وأما التلقين من بعد الموت وهو في القبر: فقيل: يفعل لحقيقة ما روينا (٤) ونسب لأهل السنة والجماعة وخلافه إلى المعتزلة وقيل: لا يؤمر به ولا ينهى عنه (٥)
стр. 40
(١) هو العلامة محمد بن عبد الوهاب الاسكندري السيواسي عده ابن نجيم في " البحر الرائق " من أهل الترجيح وعده بعضهم من أهل الاجتهاد. قال أبو الحسنات اللكنوي (ص ١٨٠) : " وهو رأي نجيح تشهد بذلك تصانيفه وتآليفه "
قلت: على هامش الأصل ما نصه:
[قال] الإمام الحصري في
شرح الجامع الكبير ": " بلغ رتبة الاجتهاد " ونقله ابن عابدين في " باب نكاح الرقيق " فليحفظ ". انظر " رد المحتار " (٢ / ٥٢٠) . مات سنة (٨٦١)
(٢) أخرجه مسلم وغيره من حديث أبي هريرة وهو مخرج عندي في " الروض النضير " (١١١٤) و " الإوراء " (٦٨٦) و " الصحيحة " (٢١٥١) و " أحكام الجنائز " (ص ١٠)
(٣) رواه الشيخان وهو مخرج في " الإرواء " (١٢٢١)
(٤) يشير إلى حديث أبي هريرة المتقدم آنفا
(٥) قلت: وهذا مردود لأن التلقين تذكير ليس أمرا دنيويا أو عاديا حتى يصح فيه ما ذكره وإنما هو أمر تعبدي محض فإما أن يكون مشروعا فيؤمر به حينئذ ولو أمر استحباب وإما أن يكون غير مشروع فينهى عنه لأنه يكون والحالة هذه من محدثات الأمور وهي منهي عنه. فتنبه
[٥٦]
следующие страницы →