Полный текст (144 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
(١) قلت: لم أقف على إسناده وما أراه يصح ولعله في " كتاب القبور " لابن أبي الدنيا فقد عزاه إليه السيوطي في " الجامع الكبير " (٨ / ١٢٣ و ١٢٥ - كنز العمال) عن عمر وعن علي رضي الله عن هما بنحوه
(٢) هو في أثر عمر المشار إليه آنفا بنحوه وهو معضل فإنه من رواية محمد بن حمير عن عمر وبينهما مفاوز
(٣) متفق عليه من حديث أنس رضي الله عن هـ وهو مخرج في " الصحيحة " (١٣٤٤)
(٤) يعني الكمال ابن الهمام وسيذكر المصنف نص كلامه في الصفحات التالية (٥٧ - ٦٠)
(٥) هو " النهر الفائق " لمؤلفه الشيخ عمر بن إبراهيم بن محمد الشهير بابن نجيم المصري وهو أخو الزين صاحب " البحر الرائق " وتلميذه توفي سنة (١٠٠٥)
(٦) يعني كلام الطحطاوي في حاشيته
[٥٥]
стр. 37
وقال شيخ مشائخنا العلامة ابن عابدين في " حاشيته " (١) على الكتاب المذكور ما لفظه:
(وأما الكلام فلأن المقصود منه الإفهام والموت ينافيه ولا يرد ما في " الصحيح " من قوله لأهل قليب بدر: هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقا؟ فقال عمر رضي الله عن هـ: أتكلم الميت يا رسول الله؟ فقال ﵊: والذي نفسي بيده ما أنتم بأسمع منهم أو من هؤلاء. فقد أجاب عنه المشايخ بأنه غير ثابت يعني من جهة المعنى. (٢) وذلك لأن عائشة رضي الله تعالى عنها ردته بقوله تعالى: ﴿وما أنت بمسمع من في القبور﴾ و ﴿إنك لا تسمع الموتى﴾ وأنه إنما قاله على وجه الموعظة للأحياء وبأنه مخصوص بأولئك تضعيفا للحسرة عليهم وبأنه خصوصية له ﵊ معجزة. لكن يشكل عليهم ما في " مسلم ": " إن الميت ليسمع قرع نعالهم إذا انصرفوا " إلا أن يخصوا ذلك بأول الوضع في القبر مقدمة للسؤال (٣) جمعا بينه وبين الآيتين فإنه شبه فيهما الكفار بالموتى لإفادة بعد سماعهم وهو فرع عدم سماع الموتى. هذا حاصل ما ذكره في " الفتح " هنا وفي " الجنائز "
стр. 38
(١) وهي المعروفة ب " رد المحتار على الدر المختار " (٣ / ١٨٠)
(٢) هذا الجواب مردود كما سبق بيانه (ص ٥٤) وقد رده جماعة منهم أبو الحسن السندي الحنفي في " حاشيته على سنن النسائي " (١ / ٢٩٣)
(٣) قلت: سيأتي مثله عن ابن الهمام (ص ٥٨) وعن المناوي (ص ٧٣) والتخصيص المشار إليه أمر لا بد منه للجمع المذكور ولكن ينبغي أن يعلم أن ذلك كذلك ولو لم يتعارض ظاهره بالآيتين المذكورتين فإن الحديث يدل أنه خاص بأول الوضع فإن لفظه: " إن العبد إذا وضع في قبره وتولى عنه أصحابه وإنه ليسمع قرع نعالهم أتاه ملكان. . . " الحديث متفق عليه وهو مخرج في " الصحيحة " كما تقدم: وسيأتي بتمامه (ص ٨٢)
[٥٦]
стр. 39
ومعنى الجواب الأول أنه وإن صح سنده لكنه معلول من جهة المعنى بعلة تقتضي عدم ثبوته عنه ﵊ وهي مخالفته للقرآن فافهم) انتهى كلام ابن عابدين عليه الرحمة
ولنذكر كلام إمام الحنفية ابن الهمام (١) في " فتح القدير " حاشية " الهداية " فإنه قال في " باب الجنائز " على قوله: " ولقن الشهادة لقوله ﵊:
(صحيح) " لقنوا موتاكم شهادة أن لا إله إلا الله " (٢) والمراد: الذي قرب من الموت "
ما نصه: (قوله: (والمراد: الذي قرب من الموت) مثل لفظ القتيل في قوله ﵊:
(صحيح) " من قتل قتيلا فله سلبه " (٣)
وأما التلقين من بعد الموت وهو في القبر: فقيل: يفعل لحقيقة ما روينا (٤) ونسب لأهل السنة والجماعة وخلافه إلى المعتزلة وقيل: لا يؤمر به ولا ينهى عنه (٥)
стр. 40
(١) هو العلامة محمد بن عبد الوهاب الاسكندري السيواسي عده ابن نجيم في " البحر الرائق " من أهل الترجيح وعده بعضهم من أهل الاجتهاد. قال أبو الحسنات اللكنوي (ص ١٨٠) : " وهو رأي نجيح تشهد بذلك تصانيفه وتآليفه "
قلت: على هامش الأصل ما نصه:
[قال] الإمام الحصري في
شرح الجامع الكبير ": " بلغ رتبة الاجتهاد " ونقله ابن عابدين في " باب نكاح الرقيق " فليحفظ ". انظر " رد المحتار " (٢ / ٥٢٠) . مات سنة (٨٦١)
(٢) أخرجه مسلم وغيره من حديث أبي هريرة وهو مخرج عندي في " الروض النضير " (١١١٤) و " الإوراء " (٦٨٦) و " الصحيحة " (٢١٥١) و " أحكام الجنائز " (ص ١٠)
(٣) رواه الشيخان وهو مخرج في " الإرواء " (١٢٢١)
(٤) يشير إلى حديث أبي هريرة المتقدم آنفا
(٥) قلت: وهذا مردود لأن التلقين تذكير ليس أمرا دنيويا أو عاديا حتى يصح فيه ما ذكره وإنما هو أمر تعبدي محض فإما أن يكون مشروعا فيؤمر به حينئذ ولو أمر استحباب وإما أن يكون غير مشروع فينهى عنه لأنه يكون والحالة هذه من محدثات الأمور وهي منهي عنه. فتنبه
[٥٦]
стр. 41
ويقول:
(ضعيف) " يا فلان بن فلان (١) اذكر دينك الذي كنت عليه في دار الدنيا: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله " (٢)
ولا شك أن اللفظ لا يجوز إخراجه عن حقيقته إلا بدليل فيجب تعيينه وما في " الكافي " من أنه " إن كان مات مسلما لم يحتج إليه من بعد الموت وإلا لم يفد " يمكن جعله الصارف يعني أن المقصود منه التذكير في وقت تعرض الشيطان وهذا لا يفيد بعد الموت (٣) وقد يختار الشق الأول والاحتياج إليه في حق التذكير لتثبت الجنان للسؤال فنفي الفائدة مطلقا ممنوع. نعم الفائدة الأصلية منتفية
وعندي أن مبنى ارتكاب هذا المجاز هنا عند أكثر مشايخنا رحمهم الله تعالى هو أن الميت لا يسمع عندهم على ما صرحوا به في كتاب [الإيمان] في " باب اليمين بالضرب ": " لو حلف لا يكلمه فكلمه ميتا لا يحنث لأنها تنعقد على ما بحيث يفهم والميت ليس كذلك لعدم السماع. وورد عليه قوله ﷺ في أهل القليب: " ما أنتم بأسمع منهم "
وأجابوا تارة بأنه مردود من عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: كيف يقول ﵊ ذلك والله تعالى يقول: ﴿وما أنت بمسمع من في القبور﴾ و ﴿إنك لا تسمع الموتى﴾ ؟ وتارة بأن تلك خصوصية له صلى الله
стр. 42
(١) كذا في " الفتح " أيضا والرواية " فلانة " على أنها ضعيفة كما يأتي
(٢) هذا القول لم يصح عنه ﷺ وهو طرف من حديث التلقين المروي عن أبي أمامة وإسناده ضعيف كما حققته في " الضعيفة " (٥٩٧) من المجلد الثاني وقد تم طبعه بحمد الله وتوفيقه
(٣) قلت: ودليله قوله ﷺ : " إذا مات الإنسان انقطع عمله. . . " الحديث وهو مخرج في " أحكام الجنائز " (١٧٤) و " الإرواء " (١٥٨٠)
[٥٨]
стр. 43
تعالى عليه وسلم معجزة وزيادة حسرة على الكافرين (١) وتارة بأنه من ضرب المثل كما قال علي رضي الله تعالى عنه
ويشكل عليهم ما في " مسلم ":
(صحيح) " إن الميت ليسمع قرع نعالهم إذا انصرفوا " (٢)
اللهم إلا أن يخصوا ذلك بأول الوضع في القبر مقدمة للسؤال (٣) جمعا بينه وبين الآيتين فإنهما تفيدان تحقيق عدم سماعهم فإنه تعالى شبه الكفار بالموتى لإفادة تعذر سماعهم وهو فرع عدم سماع الموتى إلا أنه على هذا ينبغي التلقين من بعد الموت لأنه يكون حين إرجاع الروح فيكون حينئذ لفظ (موتاكم) في حقيقته وهو قول طائفة من المشايخ أو هو مجاز باعتبار ما كان نظرا إلى أنه [الآن] حي إذ ليس معنى الحديث إلا من في بدنه الروح. وعلى كل حال هو محتاج إلى دليل آخر في التلقين حالة الاحتضار (٤) إذ لا يراد الحقيقي والمجازي معا ولا
стр. 44
(١) قلت: وهذا الجواب هو الأصح لقول قتادة المتقدم في حديث أبي طلحة (ص ٥٤) وهو الذي اعتمده الحافظ البيهقي وغيره ويأتي في الكتاب (٧١) قول السهيلي في ذلك ويظهر أن مناداة الكفار بعد هلاكهم سنة قديمة من سنن الأنبياء فقد قال تعالى في قوم صالح ﵇: ﴿فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين. فتولى عنهم وقال: يا قوم لقد أبلغتكم رسالة ربي ونصحت لكم ولكن لا تحبون الناصحين﴾ (الأعراف: ٧٨، ٧٩) قال ابن كثير (٢ / ٢٢٩ - ٢٣٠) :
هذا تقريع من صالح ﵇ لقومه لما أهلكهم الله بمخالفتهم إياه وتمردهم على الله وإبائهم الحق وإعراضهم عن الهدى قال لهم صالح ذلك بعد هلاكهم تقريعا وتوبيخا وهم يسمعون ذلك كما ثبت في
الصحيحين ". . . فذكر الحديث القليب. لكن قوله: " وهم يسمعون ذلك " ليس في الآية ما يدل عليه. ثم ذكر الله تعالى عن شعيب ﵇ وقومه نحو ذلك فانظر " ابن كثير " (٢ / ٢٣٣)
(٢) مضى تخريجه (ص ٥٥) وأنه رواه البخاري أيضا
(٣) انظر التعليق (ص ٥٦)
(٤) قلت: وهو موجود كما سيأتي في الكتاب قريبا والذي هو بحاجة إلى الدليل حقا إنما هو التلقين بعد الدفن فإنه لم يرد فيه حديث تقوم به الحجة كما سأبين نبذة منه عند إشارة المؤلف إلى حديثه (ص ٦٣)
[٥٩]
стр. 45
مجازيان وليس يظهر معنى يعم الحقيقي والمجازي حتى يعتبر مستعملا فيه ليكون من عموم المجاز للتضاد وشرط إعماله فيهما أن لا يتضادا) . انتهى كلام العلامة ابن الهمام
وقال أيضا العلامة الشيخ أحمد الطحطاوي في حاشيته على " مراقي الفلاح " للشرنبلالي " شرح نور الإيضاح " في " باب أحكام الجنائز " على قول الشارح: " قال المحقق ابن همام: وحمل أكثر مشايخنا إياه على المجاز أي من قرب [من] الموت مبناه على أن الميت لا يسمع عندهم " ما نصه. (١)
قوله: (مبناه على أن الميت لا يسمع عندهم) على ما صرحوا به في
كتاب الأيمان ": لو حلف لا يكلمه فكلمه ميتا لا يحنث لأنها تنعقد على من يفهم والميت ليس كذلك لعدم السماع قال الله تعالى: ﴿وما أنت بمسمع من في القبور﴾ ﴿إنك لا تسمع الموتى﴾ وهو يفيد تحقيق عدم سماع الموتى إذ هو فرعه ". انتهى كلام الشرنبلالي والطحطاوي
وقال العلامة العيني (٢) في " شرح الكنز " في " باب اليمين في الضرب والقتل وغير ذلك " بعد قول الماتن: " وكلمتك: تقيد بالحياة " ما لفظه:
لأن الضرب هو الفعل المؤلم ولا يتحقق في الميت والمراد في الكلام الإفهام. وأنه يختص بالحي
انتهى. (٣) ومثله في " البحر " (٤) ونصه:
стр. 46
(١) حاشية الطحطاوي على " المراقي " (ص ٣٢٦)
(٢) وهو الشيخ العلامة محمود بن أحمد بدر الدين العيني المصري الحنفي صاحب " عمدة القاري شرح صحيح البخاري " ولد سنة (٧٦٢) ومات سنة (٨٥٥)
(٣) يعني ما في " شرح الكنز " (١ / ٢٢٥) ولفظه يختلف بعض الشيء عما هنا
(٤) يعني " البحر الرائق شرح كنز الدقائق " (٤ / ٣٩٤) ومؤلفه زين الدين إبراهيم بن محمد الشهير بن نجيم المصري توفي سنة (٩٧٠) . وأخوه عمر بن إبراهيم صاحب كتاب " النهر الفائق " تقدم (ص ٥٥)
[٦٠]
стр. 47
" لأن المقصود من الكلام الإفهام والموت ينافيه "
وقال العلامة ابن ملك (١) في " مبارق الأزهار شرح مشارق الأنوار " (٢) الجامع بين " الصحيحين " (٣) في قوله ﵊:
(صحيح) " إنه ليسمع قرع نعالهم إذا انصرفوا ":
وفيه دلالة على حياة الميت في القبر لأن الإحساس بدون الحياة ممتنع عادة وهل ذلك بإعادة الروح أو لا؟ ففيه اختلاف العلماء فمنهم من يقول بتلك وتوقف أبو حنيفة في ذلك " انتهى بلفظه
فتبين من " تنوير الأبصار " وشرحه " الدر المختار " و " حاشيته " للطحطاوي ولابن عابدين ومن " فتح القدير " و " الهداية " ومن " مراقي الفلاح " و " حاشيته " و " شروح الكنز " ومن سائر المتون المبنية على المفتى به من قول الإمام أبي حنيفة وصاحبيه ومشايخ المذهب: أن الميت لا يسمع بعد خروج روحه كما قالت [عائشة] وتبعها طائفة من أهل العلم والمذاهب الأخرى وأن الحنفية لم يحكوا خلافا في حكمهم هذا عن أحد
стр. 48
(١) هو عبد اللطيف بن عبد العزيز بن فرشتا الكرماني عرف بابن مالك من فقهاء الحنفية المبرزين توفي سنة (٨٠١)
(٢) (ج ١ ص ١٢٣)
(٣) قلت: وصف " المشارق " ب " الجامع بين الصحيحين " سبق قلم من المؤلف رحمه الله تعالى فإن اسمه " مشارق الأنوار في صحاح الآثار " كما سماه الشارح نفسه في مقدمته وإن كان كلام المؤلف نفسه يشعر في مقدمته هو بخلافه. فإن الواقع يشهد أنه ليس كذلك وإنما هو منتخب من " الصحيحين " فاعلمه
ثم إن صاحب " المشارق " عزا الحديث لمسلم فقط وكذلك غيره كما يأتي وهو عند البخاري أيضا كما سبق مني في (ص ٥٥) وسيأتي لفظه في الكتاب (٨١)
[٦١]
стр. 49
من علماء المذهب ولم يحنثوا الحالف كما فصلنا. وهو المطلوب ولله الحمد
وسيأتي إن شاء الله تعالى ما يؤيد هذه الأقوال في الفصل الثاني والثالث فانتظرهما ولا تغفل. (١)
تتمة في [التلقين بعد الدفن]
اعلم أن مسألة التلقين قبل الموت لم نعلم فيها خلافا (٢) وأما بعد الموت وهي التي تقدم ذكرها في " الهداية " وغيرها فاختلف الأئمة والعلماء فيها فالحنفية لهم فيها ثلاثة أقوال:
الأول: أنه يلقن بعد الموت لعود الروح للسؤال
والثاني: لا يلقن
والثالث: لا يؤمر به ولا ينهى عنه. (٣)
стр. 50
(١) على هامش الأصل بخط فارسي مخالف لخط الأصل ما نصه:
ومن الغريب أن بعض من يدعي طلب العلم يزعم أن رأى ما حررته من عبارات الأئمة الحنفية وغيرهم ويشيع عند أمثاله الجهلة العوام أن ملا علي القاري قال في شرحه للمشكاة أن هذه الأيمان مبنية على العرف فلذا قالوا بعدم السماع وعدم الحنث وأنت تعلم أن قول عالم مقلد غير مجتهد ولا من أهل الترجيح ولم يبلغ رتبة الاجتهاد لا يؤخذ بتأويله المصادم لصريح أقوال الأئمة إذ هو رجل من أهل العلم والتقليد قلنا: فكيف تترك أقوال أئمة المذهب وغيرهم المصرحين بعدم السماع ليقول مقلد واحد متأخر جاء إلى ذهنه شيء مخالف لجميع أقوال أئمته كما لا يخفى على من شم رائحة العلم وذاق شهد الفهم فافهم والله تعالى أعلم
(٢) قلت: وفيه أحاديث قولية وفعلية تجد بعضها في " أحكام الجنائز " (ص ١٠ - ١١) ومضى أحدهما قريبا (ص ٥٨)
(٣) قلت: سبق هذا (ص ٥٧) مع رده هنا
[٦٢]
стр. 51
وعند الشافعية يلقن كما قال ابن حجر (١) في " التحفة " (٢)
ويستحب تلقين بالغ عاقل أو مجنون سبق له تكليف ولو شهيدا كما اقتضاه إطلاقهم بعد تمام الدفن لخبر فيه وضعفه اعتضد بشواهد (٣) على أنه من الفضائل فاندفع قول ابن عبد السلام: أنه بدعة
(٤) انتهى
وأما عند الإمام مالك نفسه فمكروه قال الشيخ علي المالكي في كتابه " كفاية الطالب الرباني لختم رسالة ابن أبي زيد القيرواني " ما لفظه:
وأرخص (بمعنى استحب) بعض العلماء (هو ابن حبيب) في القراءة عند رأسه أو رجليه أو غيرهما ذلك بسورة (يس) لما روي أنه ﷺ قال:
(ضعيف) (ما من ميت يقرأ عند رأسه سورة ﴿يس﴾ إلا هون الله تعالى عليه) (٥)
ولم يكن ذلك أي ما ذكر من القراءة عند المحتضر عند مالك رحمه
(١) يعني أحمد بن محمد بن علي بن حجر الهيتمي - بالمثناة الفوقية نسبة إلى محلة أبي الهيتم من إقليم الغربية بمصر - من كبار علماء الشافعية وله مصنفات كبيرة ولكنه كان منحرفا عن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى متحاملا عليه وكلامه عليه في كتابه
الفتاوى الحديثية " معروف وهو عمدة من جاء بعده من المبتدعة الطاعنين فيه وقد رد عليه المؤلف في كتابه " جلاء العينين) أحسن الرد وقد مضى ذكره في المقدمة (ص ٤٣) ولد سنة (٩٠٩) وتوفي بمكة سنة (٩٧٣) وقيل: (٩٧٤)
(٢) (ج ٣ / ٢٠٧ - بالحواشي)
(٣) قلت: كلا فإن الشواهد المشار إليها لا تصلح للشهادة لأنها موقوفات ومقطوعات ولذلك جزم ابن القيم بأنه لا يصح والنووي وغيره بأنه ضعيف وقد حققت ذلك " سلسلة الأحاديث الضعيفة " (٥٩٩)
(٤) قلت: بل قوله هو الصواب لأن التلقين مع ضعف حديثه مخالف لهديه ﷺ فإنه ثبت أنه كان إذا دفن الميت وقف على قبره يدعو له بالتثبيت ويستغفر له ويأمر الحاضرين بذلك فما خالفه فهو بدعة دون شك وقد جزم بذلك الإمام الصنعاني وقد فصلت هذا بعض الشيء في " أحكام الجنائز " (ص ١٥٥ - ١٥٦) فراجعه إن شئت
(٥) قلت: في إسناده من يضع الحديث وقد روي عن مشيخة من التابعين موقوفا عليه وقد فصلت القول في ذلك في " الضعيفة " (٥٢١٩)
[٦٣]
стр. 52
الله تعالى أمرا معمولا وإنما هو مكروه عنده وكذا يكره عند تلقينه بعد وضعه في قبره ". انتهى
وأما الحنبلية فعند أكثرهم يستحب قال الشيخ عبد القادر بن عمر الشيباني الحنبلي (١) في " شرح دليل الطالب ما لفظه ":
واستحب الأكثر تلقينه بعد الدفن
انتهى
واستفيد منه أن غير الأكثر من الحنابلة يقول: بعدم التلقين بعد الموت أيضا (٢)
وأما الظاهرية فالظاهر من كلام أبي محمد (٣) بن حزم الذي هو من أجل العلماء الظاهرية: عدم التلقين أيضا كما سيأتي في الفصل الثالث فلا تغفل
стр. 53
(١) من فقهاء الحنابلة في دمشق. توفي سنة (١١٣٥)
(٢) قلت: وهو الذي رجحه الشيح المرادي منهم فقال في " الإنصاف " (٢ / ٥٤٩) : " والنفس تميل إلى عدمه والعمل عليه ". قلت: وهو الذي نرجحه كما تقدم (ص ٥٨)
(٣) اسمه علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الأندلسي القرطبي من كبار حفاظ الحديث وأئمة الظاهرية ولكنه في الأسماء والصفات جهمي جلد وله أوهام كثيرة في الرواة وتجهيلهم. توفي سنة (٤٥٦)
[٦٤]
стр. 54
الفصل الثاني
في النقل عمن وافق الأئمة الحنفية في عدم السماع
من علماء المذاهب الثلاثة وغيرهم
قال الإمام النووي (١) الشافعي رحمه الله تعالى في شرحه ل " صحيح مسلم " في " باب عرض مقعد الميت من الجنة " في الكلام على قوله ﷺ في قتلى بدر:
(صحيح) " ما أنتم بأسمع لما أقول منهم "
ما عبارته (٢) :
قال المازري (٣) : قال بعض الناس: الميت يسمع عملا بظاهر هذا الحديث. ثم أنكره المازري وادعى أن هذا خاص في هؤلاء ". انتهى المقصود منه بلفظه
وأنت تعلم أن المازري من أجل العلماء المالكية المتقدمين وسيأتي إن
стр. 55
(١) هو يحيى بن شرف بن مري النووي الحوراني من كبار حفاظ الحديث وفقهائه مع ملازمته التصنيف ونشر العلم والعبادة والصيام والذكر والصبر على المعيشة الخشنة في المأكل والملبس وكتابه " المجموع شرح المذهب " من أنفع الكتب المطولة في الفقه المقارن عندي مع تخريج الأحاديث وتمييز صحيحها من سقيمها توفي ﵀ سنة (٦٧٦)
(٢) (ج ١٧ ص ٢٠٦)
(٣) نسبة إلى (مازر) بفتح الزاي وكسرها بلدة بجزيرة (صقلية) وهو محمد بن علي بن عمر أبو عبد الله المالكي المحدث مؤلف " المعلم في شرح مسلم " ومنه أخذ القاضي عياض شرحه " الإكمال " وكان من كبار أئمة زمانه وكان ذا فنون من أئمة المالكية مؤلفاته " الكشف والإنباء في الرد على الإحياء - للغزالي ". توفي ب (المهدية) سنة (٥٣٦) عن ثلاث وثمانين
[٧٦]
стр. 56
شاء الله تعالى في الفصل الثالث نقل الزرقاني المالكي عن الباجي والقاضي عياض الإمامين المالكيين القول أيضا بعدم السماع فليحفظ. وقال الشيخ محمد السفاريني (١) الحنبلي في كتابه " البحور الزاخرة في أحوال الآخرة " ما عبارته:
وأنكرت عائشة رضي الله تعالى عنها سماع الموتى. وقالت: ما قال رسول الله ﷺ :
إنهم ليسمعون الآن ما أقول " إنما قال: " ليعلمون الآن ما كنت أقول لهم أنه حق " ثم قرأت قوله تعالى: ﴿إنك لا تسمع الموتى﴾ ﴿وما أنت بمسمع من في القبور﴾ (٢) قال الحافظ ابن رجب (٣) :
وقد وافق عائشة على نفي سماع الموتى كلام الأحياء طائفة من العلماء ورجحه القاضي أبو يعلى (٤) من أكابر أصحابنا في كتابه
الجامع الكبير " واحتجوا بما احتجت به وأجابوا عن حديث قليب بدر بما أجابت [به] عائشة رضي الله تعالى عنها وبأنه يجوز أن يكون ذلك معجزة مختصة بالنبي ﷺ دون غيره [وهو سماع الموتى لكلامه] وفي " صحيح البخاري ": " قال قتادة: " أحياهم الله تعالى - يعني أهل القليب - حتى أسمعهم قوله ﷺ توبيخا
стр. 57
(١) بتشديد الفاء نسبة إلى (سفارين) قرية في نابلس وهو العلامة محمد بن أحمد السفاريني شمس الدين أبو العون عالم بالحديث والأصول والأدب محقق توفي سنة (١١٨٨)
(٢) أخرجه البخاري (٧ / ٢٤٢ - ٢٤٣) ومسلم (٣ / ٤٤) والنسائي (١ / ٢٩٣) وأحمد (٢ / ٣١ و ٣٨ و ٦ / ٢٧٦) من طرق عن عائشة رضي الله عن ها
(٣) في " أهوال القبور " (ق ٧٦ / ١ - ٢ مخطوطة الظاهرية) والزيادة الآتية منه
(٤) هو محمد بن الحسين بن محمد البغدادي أبو يعلى القاضي ابن الفراء صاحب التصانيف وفقيه العصر عالم في الأصول وأنواع الفنون عاش (٧٨) سنة وتوفي سنة (٤٥٨ هـ)
[٦٨]
стр. 58
وتصغيرا ونقمة وحسرة وندما ". وذهب طوائف من أهل العلم إلى سماع الموتى كلام الأحياء في الجملة ". انتهى ما هو المقصود منه
فتبين منه أن طائفة من العلماء وافقوا عائشة رضي الله تعالى عنها أيضا على عدم السماع وأن منهم القاضي أبو يعلى الذي هو من أكابر العلماء الحنبلية كما هو مذهب أئمتنا الحنفية رحمهم الله تعالى
وفي " روح المعاني ": (١)
واحتج من أجاز السماع في الجملة بما رواه البيهقي (٢) والحاكم - وصححه - وغيرهما
(منكر) عن أبي هريرة أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وقف على مصعب بن عمير وعلى أصحابه حين رجع من أحد فقال:
أشهد أنكم أحياء عند الله تعالى فزوروهم. وسلموا عليهم فوالذي نفسي بيده لا يسلم أحد عليهم إلا ردوا عليه إلى يوم القيامة "
وأجاب المانعون أن تصحيح الحاكم غير معتبر (٣) وأنا إن سلمنا صحته نلتزم القول بأن الموتى الذين لا يسمعون هم من عدا الشهداء لأن الشهداء يسمعون في الجملة لامتيازهم على سائر الموتى بما أخبر عنهم من أنهم أحياء عند الله
واحتجوا أيضا بحديث: " ما من أحد يمر بقبر أخيه المؤمن كان يعرفه في الدنيا فسلم عليه إلا عرفه ورد عليه "
стр. 59
(١) (٦ / ٤٥٤ - ٤٥٦) لمؤلفه العلامة محمود الآلوسي والد المؤلف رحمهما الله تعالى
(٢) أي في " دلائل النبوة " كما قيده السيوطي في " الدر المنثور " (٥ / ١٩١)
(٣) ولذلك مال الذهبي إلى أنه موضوع وهو غلو وأعله الحافظ ابن رجب بالاضطراب والإرسال وقد بينت ذلك في " الضعيفة " (٥٢٢٠) . ومثله حديث أبي رزين أن أهل القبور يسمعون السلام عليهم ولكن لا يستطيعون أن يجيبوا. فهو منكر كما بينته في المصدر المذكور رقم (٥٢٢٥)
[٦٩]
стр. 60
وأجاب المانعون: إن الحافظ ابن رجب تعقبه وقال: " إنه ضعيف بل منكر " (١) انتهى. (٢) باقتصار من تفسير سورة (الروم)
وفي " صحيح البخاري " (٣) في " باب دعاء النبي صلى الله تعالى عليه وسلم على كفار قريش وهلاكهم يوم بدر " من (٤) حديث هشام عن أبيه قال: (ذكر عند عائشة رضي الله تعالى عنها أن ابن عمر رفع إلى النبي ﷺ : " إن الميت ليعذب في قبره ببكاء أهله " فقالت: وهل إنما قال رسول الله ﷺ : " إنه ليعذب بخطيئته وذنبه وإن أهله ليبكون عليه الآن ". قالت: وذلك مثل قوله: إن رسول الله ﷺ قام على القليب وفيه قتلى بدر من المشركين فقال لهم ما قال إنهم ليسمعون ما أقول إنما قال: إنهم الآن (٥) ليعلمون أن ما كنت أقول لهم حق ثم قرأت ﴿إنك لا تسمع الموتى﴾ و ﴿ما أنت بمسمع من في القبور﴾ يقول: حين تبوأوا مقاعدهم من النار) انتهى. ما في " صحيح البخاري " فقال الحافظ ابن حجر في " شرحه " (٦)
стр. 61
(١) قلت: ذكر ذلك في " الأهوال " (ق ٨٣ / ٢) وهو كما قال وقد بينت ذلك في " الضعيفة " (٤٤٩٣) وأشد ضعفا منه ما أخرجه عبد الرزاق في " المصنف " (٦٧٢٣) عن زيد بن أسلم قال: مر أبو هريرة وصاحب له على قبر فقال أبو هريرة: سلم. فقال الرجل أسلم على القبر؟ فقال أبو هريرة: إن كان رآك في الدنيا يوما قط إنه ليعرفك الآن. قلت: ففيه يحيى بن العلاء وهو وضاع
(٢) أي كلام الآلوسي في " روح المعاني "
(٣) (ج ٧ / ٢٤٢ - فتح الباري) وكذا مسلم وقد مر تخريجه قريبا
(٤) الأصل: " في الكلام على " ولعل الصواب ما أثبتنا
(٥) يلاحظ القارئ أن كلا من ابن عمر وعائشة رضي الله عن هما قد حفظ عنه ﷺ في هذه القصة قوله: (الآن) على ما بينهما من الاختلاف في ضبط تمام قوله ﷺ مع إمكان الجمع كما تقدم بيانه (ص ٢٩) وقد مضى حديث ابن عمر مع تخريجه (ص ٢٨)
(٦) أي " فتح الباري " (٧ / ٢٤٣)
[٧٠]
стр. 62
" وقال السهيلي ما محصله: إن في نفس الخبر ما يدل على خرق العادة بذلك للنبي ﷺ لقول الصحابة له: أتخاطب أقواما قد جيفوا؟ فأجابهم (١) قال: وإذا جاز أن يكونوا في تلك الحالة عالمين [جاز] أن يكونوا سامعين وذلك إما بآذان رؤوسهم على قول الأكثر أو بآذان قلوبهم. قال: وقد تمسك بهذا الحديث من يقول: إن السؤال يتوجه على الروح والبدن. ورده من قال: إنما يتوجه على الروح فقط بأن الإسماع يحتمل أن يكون لأذن الرأس ولأذن القلب فلم يبق فيه حجة
قلت (٢) : إذا كان الذي وقع حينئذ من خوارق العادة للنبي ﷺ لم يحسن التمسك به في مسألة السؤال أصلا
وقد اختلف أهل التأويل في المراد ب ﴿الموتى﴾ في قوله تعالى: ﴿إنك لا تسمع الموتى﴾ وكذلك المراد ب ﴿من في القبور﴾ فحملته عائشة على الحقيقة وجعلته أصلا احتاجت معه إلى تأويل قوله ﵊: " ما أنتم بأسمع لما أقول منهم " وهذا قول الأكثر. وقيل هو مجاز والمراد ب ﴿الموتى﴾ وب ﴿من في القبور﴾ الكفار شبهوا بالموتى وهم أحياء والمعنى من هم في حال الموتى [أو في حال] من سكن القبر. وعلى هذا لا يبقى في الآية دليل على ما نفته عائشة رضي الله تعالى عنها والله تعالى أعلم ". انتهى ما قاله الحافظ ابن حجر بلفظه (٣)
стр. 63
(١) أي بقوله المتقدم: " ما أنتم بأسمع لما أقول منهم " وهو بهذا السياق عند النسائي (١ / ٢٩٣) ورواية لأحمد (٣ / ١٠٤) من طريق حميد عن أنس. وأخرج أحمد (٦ / ١٧٠) القدر المذكور منه في الكتاب من حديث إبراهيم عن عائشة رضي الله عن ها
(٢) القائل " قلت " هو الحافظ ابن حجر
(٣) قلت: ليس هناك دليل على أن عائشة حملت الآية على الحقيقة - وهي أسمى من ذلك - فالسياق يدل على أنها على المجاز ولكن هذا لا ينفي صحة فهمها لأنه مبني على التأمل في المشبه بهم: " الموتى في القبور " كما بينته في المقدمة مفصلا فراجعها فإنها مهمة جدا
[٧١]
стр. 64
وقال أيضا في " شرح البخاري " في " باب ما جاء في عذاب القبر (١ ") من كلام طويل ما نصه:
وقال ابن التين: لا معارضة بين حديث ابن عمر والآية لأن الموتى لا يسمعون بلا شك لكن إذا أراد الله تعالى إسماع ما ليس من شانه السماع لم يمتنع كقوله تعالى: ﴿إنا عرضنا الأمانة﴾ الآية وقوله تعالى: ﴿فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها﴾ الآية وسيأتي في
المغازي " قول قتادة: إن الله تعالى أحياهم حتى سمعوا كلام نبيه ﵊ توبيخا ونقمة. انتهى. وقد أخذ ابن جرير (٢) وجماعة من الكرامية (٣) من هذه القصة أن السؤال في القبر يقع على البدن فقط وأن الله تعالى يخلق فيه إدراكا بحيث يسمع ويعلم ويلذ ويألم وذهب ابن حزم وابن هبيرة (٤) إلى أن السؤال يقع على الروح فقط من غير عود إلى الجسد وخالفهم الجمهور فقال: تعاد الروح إلى الجسد أو بعضه كما ثبت في الحديث ". (٥) إلى أن قال ابن حجر:
стр. 65
(١) " فتح الباري " (٣ / ١٨٢)
(٢) هو الإمام محمد بن جرير الطبري المفسر المشهور صاحب التصانيف الباهرة مات سنة (٣١٠ هـ)
(٣) طائفة من المبتدعة تقول بالتجسيم وغيره ينتسبون إلى محمد بن كرام السجستاني العابد المتكلم قال الذهبي: " شيخ الكرامية ساقط الحديث على بدعته مات سنة (٢٥٥ ")
(٤) هو يحيى بن هبيرة بن محمد بن هبيرة الذهلي الوزير عون الدين ولد سنة ٤٩٩، وتوفي سنة ٥٦٠، تفقه على مذهب أحمد وكان عالما أديبا عادلا في وزارته له " الإفصاح عن معاني الصحاح "
(٥) يشير إلى حديث البراء الطويل في قبض الملائكة للروح وصعودهم بها إلى السماء ثم تعاد إلى الجسد فيأتيه ملكان فيجلسانه ويسألانه: من ربك؟ الحديث وهو حديث صحيح قد سقته بطوله وضمت إليه الزيادات الواردة في مختلف طرقه وخرجته وذكرت من صححه في " أحكام الجنائز " (ص ١٥٦ - ١٥٩) وقد أخرجه الآجري أيضا (ص ٣٦٧ - ٣٧٠)
[٧٢]
стр. 66
" إن المصنف (يعني البخاري) أشار إلى طريق من طرق الجمع بين حديثي ابن عمر وعائشة بحمل حديث ابن عمر على أن مخاطبة أهل القليب وقعت وقت المسالة (١) وحينئذ كانت الروح قد أعيدت إلى الجسد وقد تبين من الأحاديث الأخرى أن الكافر المسؤول يعذب وأما إنكار عائشة فمحمول على غير وقت المسألة فيتفق الخبران " انتهى بلفظه
وقال الشيخ عبد الرؤوف المناوي الشافعي في " شرحه الكبير للجامع الصغير " (٢) في الكلام على قوله ﵊: " إن الميت إذا دفن يسمع خفق نعالهم إذا ولوا منصرفين " (٣) ما نصه:
وعورض بقوله تعالى: ﴿وما أنت بمسمع من في القبور﴾ وأجيب بأن
(١) قلت: وكذا قال الطحطاوي (ص ٥٤٦) . وهذا باطل فقد ثبت في بعض طرق القصة عن أنس أن رسول الله ﷺ ترك قتلى بدر ثلاثا ثم أتاهم فناداهم. . . وفيه أن عمر قال: يا رسول الله كيف يسمعوا وأنى يجيبوا وقد جيفوا؟ الحديث. أخرجه مسلم (٨ / ١٦٣) وأحمد (٣ / ٢٨٦) من رواية ثابت عنه. ورواه حميد عنه بلفظ
قالوا " بدل " قال عمر " كما تقدم قريبا. ومعناه في طريق قتادة الذي سبق تخريجه (ص ٥٤) فالعجب من الحافظ كيف فاته هذا وهو الذي نقل في شرحه لهذا الحديث قول السهيلي المتقدم وفيه قول الصحابة: " أتخاطب أقواما قد جيفوا " بل وذكر قبل ذلك حديث أنس هذا من طريق مسلم؟ إلا أن يقال: إن الروح تبقى مدة في جسدها بعد إعادتها إليه وهو بعيد جدا لعدم ورود نص بذلك. والله أعلم
(٢) وهو المسمى ب " فيض القدير " وهو خير شروح " الجامع " وأغزرها فائدة وعلما ومؤلفه هو العلامة المحقق محمد عبد الرؤوف بن تاج العارفين المناوي القاهري من كبار العلماء بالدين والفنون توفي سنة (١٠٣١)
(٣) هو بهذا اللفظ شاهد قوي لحديث أنس المتقدم (ص ٥٦) وهو من حديث ابن عباس قال الهيثمي (٣ / ٥٤) : " رواه الطبراني في الكبير ورجاله ثقات ". وله شاهد آخر من حديث أبي هريرة أخرجه أحمد (٢ / ٣٤٧ و ٤٤٥) من طريقين عنه صحح أحدهما الحاكم (١ / ٣٧٩) ووافقه الذهبي
[٧٣]
стр. 67
السماع في حديثنا مخصوص بأول الوضع في القبر مقدمة للسؤال ". انتهى بلفظه
وفي كتاب " المفاتيح في حل المصابيح " لشرف الدين الحسين بن محمد (١) :
(قوله ﵊: " إنه ليسمع قرع نعالهم " أي لو كان حيا فإن جسده قبل أن يأتيه الملك ويقعده حيث لا يحس بشيء. وقوله: (فيقعدان) الأصل فيه أن يحمل على الحقيقة على حسب ما يقتضيه الظاهر ويحتمل أن يراد بالإقعاد: التنبيه لما يسأل عنه والإيقاف عما هو عليه بإعادة الروح إليه) انتهى
ومما يؤيد مذهب الحنفية والموافقين لهم بعدم السماع أن الميت لو كان يسمع مطلقا لما ورد أن الروح ترجع إليه وقت المسألة في القبر ثم تذهب فافهم
والعجب من بعض من لا فهم له ممن ينتسب إلى مذهب الإمام أبي حنيفة يشيع عند العوام أن السماع مجمع عليه. وأنه أيضا مذهب ذلك الإمام الأعظم وأصحابه ممن تأخر وتقدم بزعم أنه عليه الرحمة قال: " إذا صح الحديث فهو مذهبي " (٢) وأن الحديث في سماعهم قد صح ولم يعلم أن الحنفية قد تمسكوا كعائشة وغيرها بالآيتين وأولوا ما ورد بعد معرفتهم الحديثين ولعل هذا المتوهم يزعم أيضا أن النكاح بلا ولي باطل في مذهب أبي حنيفة لورود
стр. 68
(١) هو الإمام الطيبي الحسين بن محمد بن عبد الله ووقع اسمه في بعض مؤلفاته: الحسين بن عبد الله بن محمد ولعله الأصوب. وهو من علماء الحديث والتفسير والبيان مع حسن المعتقد والرد على المبتدعة مات وهو ينتظر الصلاة سنة (٧٤٣)
(٢) لقد صح هذا عن أبي حنيفة وعن بقية الأئمة الأربعة فانظره في " صفة الصلاة " (ص ٢٤ - ٣٤)
[٧٤]
стр. 69
الحديث الصحيح فيه (١) وأن الصلاة بلا فاتحة الكتاب خداج لأن الحديث: الصحيح ورد أن " لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب " (٢) وأن الوضوء بلا نية غير صحيح لورود حديث " إنما الأعمال بالنيات " (٣) ونحو ذلك مما ذهب الإمام إلى خلافه مع وجود هذه الأحاديث المغايرة لمذهبه الواردة عليه ولم يعلم هذا المنتسب أن الإمام وأتباعه رأوا الأحاديث المصححة المعارضة لمذهبه في كثير من المسائل فأولوها أو حفظوا ما يعارضها من الآيات والأحاديث أو علموا نسخها أو تخصيصها فلم يعملوا بها لهذه العوارض أو نحوها مما هو مفصل في محله من الكتب الأصولية والحديثية والفقهية ككتاب " مختلف الآثار " للإمام الطحاوي (٤) والإمام محمد بن الحسن (٥)
стр. 70
(١) يشير إلى قوله ﷺ : " لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل ". وهو مخرج في " إرواء الغليل " برقم (١٨٩٦)
(٢) أخرجه الشيخان وغيرهما وهو مخرج في المصدر السابق (٣٠٢) وفي (صحيح أبي داود) (٧٨٠)
(٣) أخرجه الشيخان من حديث عمر بن الخطاب وهو مخرج في أول " الإرواء "
(٤) هو أحمد بن محمد بن سلامة أبو جعفر الطحاوي المصري من كبار أئمة الحنفية الجامعين بين الفقه والحديث وله الباع الطويل في حفظ متونه وأسانيده يجد عنده الباحث من الحديث ما لا يجد عند غيره من الحفاظ على تساهل في الاحتجاج به وتعصب لمذهبه كما شهد بهذا الثاني أبو الحسنات الليكنوي في " الفوائد البهية " (ص ٣٣) وبالذي قبله شيخ الإسلام ابن تيمية في " منهاج السنة " وغيره توفي سنة (٣٢١) وله كتب معروفة بعضها مطبوع ومنه كتابه " مشكل الآثار " و " شرح معاني الآثار " وهو الذي يعنيه المؤلف رحمه الله تعالى
(٥) هو الشيباني تلميذ أبي حنيفة رحمهما الله تعالى وهو أشهر أصحابه توفي سنة (١٨٩) وهو من أهل الصدق كما قال الشافعي لكن لينه النسائي وغيره من قبل حفظه وليس لأنه خالف المحدثين في مشاكلة التأليف وطريقته كما زعم بعض متعصبة الحنفية المتأخرين وكتابه الذي يشير إليه المؤلف معروف ب " كتاب الآثار " وهو مطبوع
[٧٥]
стр. 71
و " شرح الهداية " (١) وكتاب " العقود " (٢) وغير ذلك
وكيف يسوغ لمن شم رائحة العلم وأدرك شيئا من لوامع الفهم - بعد اطلاعه على عبارات الحنفية وغيرهم التي سردناها وأجوبتهم عن الآثار التي رويناها - أن يقول ويشيع إن مذهب الحنفية - كغيرهم - سماع الموتى لقول إمامنا الأعظم " إذا صح الحديث فهو مذهبي " ويجري ذلك على عمومه؟ (٣) وهل هذا إلا مكابرة على الثابت بالعيان وإخفاء لضوء الشمس الذي تجحده العينان أو خيانة في حمل علوم الدين لمآرب خبيثة يستخف بها ضعفاء المسلمين
[لقد أسمعت لو ناديت حيا ولكن لا حياة لمن تنادي]
стр. 72
والله تعالى المستعان وهو حسبنا ونعم الوكيل
стр. 73
(١) وهو " فتح القدير " لابن الهمام
(٢) يعني " عقود الجواهر المنيفة في أدلة مذهب الإمام أبي حنيفة " للمرتضى الزبيدي شارح القاموس مات سنة (١٢٠٥)
(٣) قلت: هذا كلام رصين متين وخلاصته أنه لا ينبغي أن ينسب إلى الإمام أبي حنيفة - وكذا غيره من الأئمة - كل مسألة جاء بها حديث صحيح مخالف لما ذهب إليه الإمام لاحتمال أن يكون الحديث مما اطلع الإمام عليه ولكنه خالفه لحديث آخر تثبت لديه كما بينه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في رسالته الهامة: " رفع الملام عن الأئمة الأعلام " وهذا بخلاف ما إذا كانت المخالفة بالرأي والاجتهاد فإنه يجب والحالة هذه الأخذ بالحديث ونسبته إلى الإمام وترك الأخذ برأيه كقوله مثلا بجواز الوضوء بلا نية. وتجد تفصيل هذا في مقدمة كتابي " صفة صلاة النبي ﷺ " فراجعها فإنها هامة. وراجع المقدمة ص (٢٣)
[٧٦]
стр. 74
الفصل الثالث
في حياة الأنبياء ﵈ البرزخية وفي أن النعيم والعذاب على الروح والبدن كما هو مذهب الجمهور من أهل السنة السنة وأن زيارة القبور أمر مشروع أيضا عند أئمتنا الحنفية (١)
فاعلم أرشدنا الله وإياك إلى الطريق الأسلم أن المشايخ الحنفية وإن قالوا بعدم سماع الأموات كلام الأحياء إلا أنهم قالوا بأن النعيم والعذاب للروح والبدن وأن الزيارة أمر مشروع ولننقل لك من كلام العلماء في ذلك سالكين إن شاء الله تعالى أقصر المسالك
[حياة الأنبياء البرزخية]
стр. 75
أما حياة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام: الحياة البرزخية - التي هي فوق حياة الشهداء الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿بل أحياء عند ربهم (٢) يرزقون﴾ - فأمر ثابت بالأحاديث الصحيحة قال بخاري عصره شيخ مشايخنا الشيخ
следующие страницы →