← Акыда

Акыда · id 247

تحقيق الآيات البينات في عدم سماع الأموات

ابن الألوسي

Полный текст (144 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

و " شرح الهداية " (١) وكتاب " العقود " (٢) وغير ذلك وكيف يسوغ لمن شم رائحة العلم وأدرك شيئا من لوامع الفهم - بعد اطلاعه على عبارات الحنفية وغيرهم التي سردناها وأجوبتهم عن الآثار التي رويناها - أن يقول ويشيع إن مذهب الحنفية - كغيرهم - سماع الموتى لقول إمامنا الأعظم " إذا صح الحديث فهو مذهبي " ويجري ذلك على عمومه؟ (٣) وهل هذا إلا مكابرة على الثابت بالعيان وإخفاء لضوء الشمس الذي تجحده العينان أو خيانة في حمل علوم الدين لمآرب خبيثة يستخف بها ضعفاء المسلمين [لقد أسمعت لو ناديت حيا ولكن لا حياة لمن تنادي]

стр. 72

والله تعالى المستعان وهو حسبنا ونعم الوكيل

стр. 73

(١) وهو " فتح القدير " لابن الهمام (٢) يعني " عقود الجواهر المنيفة في أدلة مذهب الإمام أبي حنيفة " للمرتضى الزبيدي شارح القاموس مات سنة (١٢٠٥) (٣) قلت: هذا كلام رصين متين وخلاصته أنه لا ينبغي أن ينسب إلى الإمام أبي حنيفة - وكذا غيره من الأئمة - كل مسألة جاء بها حديث صحيح مخالف لما ذهب إليه الإمام لاحتمال أن يكون الحديث مما اطلع الإمام عليه ولكنه خالفه لحديث آخر تثبت لديه كما بينه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في رسالته الهامة: " رفع الملام عن الأئمة الأعلام " وهذا بخلاف ما إذا كانت المخالفة بالرأي والاجتهاد فإنه يجب والحالة هذه الأخذ بالحديث ونسبته إلى الإمام وترك الأخذ برأيه كقوله مثلا بجواز الوضوء بلا نية. وتجد تفصيل هذا في مقدمة كتابي " صفة صلاة النبي ﷺ " فراجعها فإنها هامة. وراجع المقدمة ص (٢٣) [٧٦]

стр. 74

الفصل الثالث في حياة الأنبياء ﵈ البرزخية وفي أن النعيم والعذاب على الروح والبدن كما هو مذهب الجمهور من أهل السنة السنة وأن زيارة القبور أمر مشروع أيضا عند أئمتنا الحنفية (١) فاعلم أرشدنا الله وإياك إلى الطريق الأسلم أن المشايخ الحنفية وإن قالوا بعدم سماع الأموات كلام الأحياء إلا أنهم قالوا بأن النعيم والعذاب للروح والبدن وأن الزيارة أمر مشروع ولننقل لك من كلام العلماء في ذلك سالكين إن شاء الله تعالى أقصر المسالك [حياة الأنبياء البرزخية]

стр. 75

أما حياة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام: الحياة البرزخية - التي هي فوق حياة الشهداء الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿بل أحياء عند ربهم (٢) يرزقون﴾ - فأمر ثابت بالأحاديث الصحيحة قال بخاري عصره شيخ مشايخنا الشيخ

стр. 76

(١) قلت: وكذلك سائر الأئمة ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن قيم الجوزية وإمام دعوة التوحيد محمد بن عبد الوهاب وغيرهم فمن نسب إنكارهم للزيارة. فقد اعتدى وظلم وإنما هم ينكرون الزيارة التي يقترن بها بعض المخالفات الشرعية كالاستغاثة بالقبور والنذر له والحلف به ونحو ذلك كشد الرحل إليه ويسمون هذه الزيارة بالزيارة البدعية. وتجد تفصيل الكلام على الزيارة الشرعية وما جاء فيها من الأحاديث في " أحكام الجنائز وبدعها " (٢) قلت: فيه إشارة إلى أن رزقهم المذكور ليس في القبر وإنما عند ربهم وذلك صريح في حديث مسروق قال: سألنا عبد الله (ابن مسعود) عن هذه الآية: ﴿ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون﴾ ؟ قال: أما إنا قد سألنا عن ذلك؟ فقال: أرواحهم في جوف طير خضر لها قناديل معلقة بالعرش تسرح من الجنة حيث شاءت ثم تأوي إلى تلك القناديل. . . " الحديث. رواه مسلم وغيره. وهو مخرج في " الصحيحة " (٢٦٣٣) [٧٧]

стр. 77

علي السويدي البغدادي في كتابه " العقد " (١) : " أخرج أبو يعلى والبيهقي وصححه (٢) عن أنس رضي الله عن هـ أن النبي ﷺ قال: " الأنبياء أحياء في قبورهم يصلون ". وأخرج الإمام أحمد ومسلم في " صحيحه " والنسائي (٣) عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه عن النبي ﷺ قال: " مررت ليلة أسري بي على موسى قائما يصلي في قبره " قال المناوي (٤) : " أي يدعو ويثني عليه ويذكره فالمراد الصلاة اللغوية وهي الدعاء والثناء وقيل: المراد الشرعية وعليه القرطبي. ولا تدافع بين هذا وبين رؤيته إياه تلك الليلة في السماء السادسة لأن للأنبياء عليهم والسلام مسارح أو لأن أرواح الأنبياء بعد مفارقة البدن في الرفيق الأعلى ولها إشراف على البدن وتعلق به وبهذا التعلق رآه يصلي في قبره ورآه في السماء فلا يلزم كون موسى ﵇ عرج به من قبره [ثم رد إليه بل ذلك مقام روحه واستقرارها

стр. 78

(١) يعني " العقد الثمين في بيان مسائل الدين " (ص ١٦٣ - ١٦٤) . مختصر بتصرف يسير. ومؤلفه علي بن محمد بن سعيد العباسي السويدي من علماء الحديث في العراق ولد في بغداد ومات في دمشق سنة (١٢٣٧) (٢) قلت: لنظر أين صححه؟ فإنه لما أخرجه في " حياة الأنبياء " أعله بتفرد الحسن بن قتيبة وهو كما قال الذهبي: هالك لكنه لم يتفرد به كما حققته في " الأحاديث الصحيحة " (٦٢١) وبينت فيه صحة الحديث ووهم من طعن في أحد رواته فراجعه فإنه بحث مفيد عزيز قلما تراه في كتاب (٣) قلت: وزادا لهما في رواية لهما: " عند الكثيب الأحمر ". وكذلك أخرجه أحمد وغيره وهو مخرج عندي في " الصحيحة " رقم (٢٦٢٧) (٤) أي في " فيض القدير " باختصار يسير (٥ / ٥١٩ - ٥٢٠) والزيادة الآتية بين المعكوفتين منه ولا يستقيم المعنى بدونها فالظاهر أنها سقطت من الناسخ [٧٨]

стр. 79

وقبره مقام بدنه] (١) واستقراره إلى يوم معاد الأرواح إلى الأجساد كما أن روح نبينا ﷺ بالرفيق الأعلى وبدنه الشريف في ضريحه المكرم يرد السلام على من يسلم عليه (٢) ومن غلظ طبعه عن إدراك هذا فلينظر إلى السماء في علوها وتعلقها وتأثيرها في الأرض وحياة النبات والحيوان وإذا تأملت في هذه الكلمات علمت أن لا حاجة إلى التكلفات البعيدة التي منها أن هذا كان رؤية منام أو تمثيلا أو اخبارا عن وحي لا رؤية عين ". وفي " المواهب اللدنية " (٣) : اختلف في رؤية نبينا محمد صلى الله تعالى عليه وسلم لهؤلاء الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فحمل ذلك بعضهم على رؤية أرواحهم إلا عيسى ﵇ فيحتمل أن يكون ﵊ عاين كل واحد منهم في قبره في الأرض على الصورة التي أخبر بها من الموضع الذي ذكر أنه عاينه فيه فيكون الله قد أعطاه من القوة في البصر والبصيرة ما أدرك به ذلك ويشهد له رؤيته صلى الله تعالى عليه وسلم الجنة والنار في عرض الحائط والقدرة صالحة لكليهما إلى آخر ما قال انتهى ما في " المواهب وشرحه " وتمام البحث فيه وأن أجسام الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لا تأكلها الأرض كما ورد بالحديث بخلاف غيرهم. وقد روى في " المواهب " عن أبي داود بلفظ (صحيح) " إن الأرض لا تأكل أجساد الأنبياء (٤ ")

стр. 80

(١) سقطت من الأصل واستدركتها من " فيض القدير " (٢) كما في حديث أبي داود الآتي قلت: وبالجملة فحياة الأنبياء بعد الموت حياة برزخية ولنبينا ﷺ فيها من الخصائص ما ليس لغيره كهذه الخصوصية وغيرها مما يأتي ولكن لا يجوز التوسع في ذلك بالأقيسة والأهواء كما جاء في آخر " مراقي الفلاح " تحت " فصل زيارة النبي ﷺ " ما نصه: ومما هو مقرر عند المحققين أنه ﷺ حي يرزق بجميع الملاذ والعبادات غير أنه حجب عن أبصار القاصرين (٣) الجزء الثاني المقصد الخامس ص ٢٤ مختصرا (٤) (٣ / ١١٩) لكن لفظ الحديث فيه: " إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء ". وعزاه للنسائي أيضا وقال: " وصححه ابن خزيمة وابن حبان والدارقطني ". قلت: وصححه آخرون. وهو مخرج في " صحيح أبي داود " برقم (٩٦٢) [٧٩]

стр. 81

ومن خصائص نبينا ﵊ أن الله تعالى وكل ملكا يبلغه صلاة المصلين والمسلمين عليه (١) . وورد أيضا: (حسن الإسناد) " ما من أحد يسلم علي إلا رد الله علي روحي فرددت عليه (٢ ") . فلا تغفل [النعيم والعذاب في القبر للروح والبدن]

стр. 82

وأما كون العذاب والنعيم للروح والبدن فأمر مسلم عند الجمهور ولا ينافي عدم السماع على قول الأئمة الحنفية ومن وافقهم فهذا النائم يرى الرؤيا فتلتذ روحه وبدنه أو تغتم روحه ويتألم ويضطرب بدنه وإذا تكلم

стр. 83

(١) يشير إلى حديث ابن مسعود مرفوعا: " إن لله ملائكة سياحين في الأرض يبلغوني من أمتي السلام " وهو صحيح الإسناد مخرج في " المصدر السابق " برقم (٩٢٤) وفي " فضل الصلاة على النبي ﷺ لإسماعيل القاضي (٢١) وانظر " المواهب " (١ / ٤٢١) (٣) أخرجه أبو داود أيضا وغيره باللفظ المذكور إلا أنه قال: ". . . روحي حتى أرد ﵇ " وإسناده حسن كما بينته في " الصحيحة " (٢٢٦٦) . وأما قول مؤلف " تتمة الأضواء " (٨ / ٥٧٦) : " جاء في الصحيح " ما من أحد يسلم. . . " فخطأ مزدوج عند العلماء فإن الحديث إنما هو حسن فقط كما ذكرنا وقوله: " في الصحيح " يراد به في عرفهم أن الحديث في " صحيح البخاري " أو " صحيح مسلم " وليس هو عند أحدهما وإن أراد مطلق الصحة فليس الأمر كذلك فتنبه وأما حديث " من صلى علي عند قبري سمعته ومن صلى علي نائيا أبلغته " فهو موضوع كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية في " مجموع الفتاوى " (٢٧ / ٢٤١) وقد خرجته في " الضعيفة " (٢٠٣) . ولم أجد دليلا على سماعه ﷺ سلام من سلم عند قبره وحديث أبي داود ليس صريحا في ذلك فلا أدري من أين أخذ ابن تيمية قوله (٢٧ / ٣٨٤) : أنه ﷺ يسمع السلام من القريب وحديث ابن مسعود المتقدم مطلق. والله أعلم [٨٠]

стр. 84

عنده شخص وهو في تلك الحالة لا يسمع وقد وردت به الأخبار فاعتقدته ذوو الأبصار قال ابن وهبان (١) الحنفي في منظومته الشهيرة: وحق سؤال القبر ثم عذابه وكل الذي عنه النبيون أخبروا حساب وميزان صحائف نشرت جنان ونيران صراط ومحشر وقال شارحها ابن الشحنة (٢) : اشتمل البيتان على مسائل: الأولى: سؤال منكر ونكير (٣) وهما ملكان يدخلان القبر فيسألان العبد عن دينه ونبيه وهو مما يجب الإيمان به لأنه أمر ممكن أخبر به الصادق المعصوم صلى الله تعالى عليه وسلم والأحاديث فيها ثابتة صحيحة أي مثل ما رواه البخاري (٤) عن أنس أن رسول الله صلى الله تعالى

стр. 85

(١) هو عبد الوهاب بن أحمد بن وهبان القاضي أبو محمد الدمشقي فقيه أديب ولي قضاء حماه. وكان مشكور السيرة توفي سنة (٧٦٨) في نحو الأربعين من عمره ومنظومته في ألف بيت (٢) هو عبد البر بن محمد محب الدين بن محمد أبو البركات الحلبي القاهري يعرف كسلفه بابن الشحنة مؤلف " الذخائر الأشرفية في الألغاز الحنفية " تولى قضاء حلب ثم القاهرة. مات سنة (٩١٢) (٣) ثبت ذكرهما باسميهما في حديث أبي هريرة مرفوعا وهو مخرج في " الجنائز " (ص ١٥٦) وله شاهد من حديث البراء المتقدم (ص ٧٢) عند البيهقي في " الشعب " (١ / ١٨١) وآخر موقوف على ابن عباس رواه الطبراني في " الأوسط " (١ / ٨٢ / ١ مجمع البحرين) وحسن إسناده الهيثمي في " مجمع الزوائد " (٣ / ٥٤) وفيه عبد الله بن كيسان المروزي وهو صدوق يخطئ. وآخران: عن أبي الدرداء موقوفا وعطاء بن يسار مرسلا عند الآجري (٣٦٦، ٣٦٧) (٤) قلت: رواه مسلم أيضا كما تقدم (ص ٥٥) وكذا الآجري في " الشريعة " ص (٣٦٥) وغيره [٨١]

стр. 86

عليه وسلم قال: " إن العبد إذا وضع في قبره وتولى عنه أصحابه وإنه ليسمع قرع نعالهم أتاه ملكان فيقعدانه فيقولان: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ لمحمد ﷺ فأما المؤمن فيقول: أشهد أنه عبد الله ورسوله فيقال [له] : انظر مقعدك من النار قد أبدلك الله تعالى به مقعدا من الجنة فيراهما [جميعا] وأما المنافق والكافر فيقال له: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول: لا أدري كنت أقول ما يقول الناس فيقال: لا دريت ولا تليت ويضرب بمطارق من حديد ضربة فيصيح صيحة يسمعها من يليه غير الثقلين ". انتهى الثانية: عذاب القبر للكافرين وبعض عصاة المؤمنين وتنعيم أهل الطاعة في القبر بما يعلمه الله تعالى ويريده والنصوص في ذلك صحيحة كثيرة يبلغ معناها حد التواتر قال المصنف (١) : " ومن أكلته السباع والحيتان فغاية أمره أن يكون بطن ذلك قبرا له ". باقتصار (٢) نعم إن بعض العلماء ذهب إلى عدم إعادة الروح إلى البدن وقت السؤال وأن السؤال للروح فقط وكذا التعذيب أو التنعيم ومنهم أبو محمد بن حزم الظاهري الشهير فإنه قال في كتابه " الملل والنحل (٣ ") من كلام طويل ما لفظه: وأيضا فإن جسد كل إنسان لا بد له من العود إلى التراب يوما كما قال : ﴿منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى﴾ فكل من ذكرنا من مصلوب أو غريق أو محرق أو أكيل سبع أو دابة بحر أو

стр. 87

(١) يعني ابن وهبان صاحب المنظومة المتقدم (٢) كذا الأصل ولعل الصواب: " انتهى باختصار " (٣) (٤ / ٦٧ - ٦٨) ولو قال المؤلف: " وما لفظه مختصرا " لكان أقرب إلى الواقع لا سيما وفيه بعض الألفاظ التي أضافها المؤلف بيانا منه ليست في الأصل [٨٢]

стр. 88

قتيل لم يقبر فإنه يعود رمادا أو رجيعا أو يتقطع فيعود إلى الأرض ولا بد وكل مكان استقرت فيه النفس إثر خروجها فهو لها قبر إلى يوم القيامة وأما من ظن أن الميت يحيى في قبره [قبل] يوم القيامة فخطأ (١) لأن الآيات التي ذكرناها تمنع من ذلك ولو كان ذلك لكان تعالى قد أماتنا ثلاثا [وأحيانا ثلاثا] وهذا باطل وخلاف القرآن إلا من أحياه الله تعالى آية لنبي من الأنبياء ﵈ ك (٢) ﴿الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم﴾ ﴿والذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها قال أنى يحيى هذه الله بعد موتها فأماته الله مائة عام ثم بعثه﴾ [ومن خصه نص] وكذلك قوله تعالى: ﴿الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى﴾ فصح نص القرآن أن أرواح سائر من ذكرنا لا ترجع إلى جسده إلا إلى الأجل المسمى وهو يوم القيامة وكذا أخبر رسول الله ﷺ أنه رأى الأرواح ليلة أسري به عند سماء الدنيا عن يمين آدم ﵇ أرواح أهل السعادة وعن شماله أرواح أهل الشقاوة وأخبر ﷺ يوم بدر إذ خاطب الموتى وأخبر أنهم قد وجدوا ما وعدهم به حقا قبل أن يكون لهم قبور (٣) فقال له المسلمون: يا رسول الله أتخاطب أقواما قد جيفوا؟ فقال صلى الله تعالى عليه وسلم: " ما أنتم بأسمع لما أقول

стр. 89

(١) قلت: بل هذا على إطلاقه هو الخطأ وسيأتي بيانه من المؤلف نقلا عن ابن القيم ﵀ (ص ٨٧ - ٨٨) (٢) الأصل تبعا لأصله " الملل ": (و) والتصويب من " الروح " (ص ٤٢) . والزيادة الآتية بين المعكوفتين [] منه نقلا عن " الملل " وليست في نسختنا المطبوعة منها ولعلها سقطت منها فإنها في " المحلى " لابن حزم (١ / ٢٢ بلفظ: " وكل من جاء فيه بذلك نص " (٣) قلت: نفي ابن حزم هذا يخالف قوله المتقدم آنفا: ومكان استقرت فيه النفس إثر خروجها فهو لها قبر " فتأمل [٨٣]

стр. 90

منهم " فلم ينكر صلى الله تعالى عليه وسلم على المسلمين قولهم " قد جيفوا " وأعلمهم [أنهم] سامعون فصح أن ذلك لأرواحهم فقط بلا شك وأما الجسد فلا حس له [قال الله : ﴿وما أنت بمسمع من في القبور﴾ فنفى السمع عمن في القبور وهي الأجساد بلا شك. ولا يشك مسلم في أن الذي نفى الله عنه السمع هو غير الذي أثبت له رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم السمع فهذا هو الحق وأما ما خالف هذا فخلاف لله ولرسوله ﷺ مكابرة للعقل وللمشاهدة] (١) ولم يأت قط عن رسول الله ﷺ في خبر يصح أن أرواح الموتى ترد [إلى] أجسادهم عند المساءلة ولو صح ذلك عنه ﷺ لقلنا له فإذا لم يصح فلا يحل لأحد أن يقوله وإنما انفرد بهذه الزيادة من رد الأرواح في القبور إلى الأجساد المنهال بن عمرو وحده وليس بالقوي (٢) [تركه شعبة وغيره وقال فيه المغيرة بن مقسم الضبي - وهو أحد الائمة -: " ما جازت قط للمنهال بن عمرو شهادة في الإسلام على باقة بقل "] (٣) وسائر الأخبار الثابتة على خلاف ذلك وهذا

стр. 91

(١ و ٣) ما بين المعكوفتين لا وجود له في هذا الكان من " الملل " فلعله في بعض النسخ أو في مكان آخر منه نقله المؤلف إلى هنا أو هو حاشية كانت على الهامش فنقلها الناسخ إلى هنا وهما منه. وما ذكر في الزيادة الثانية عن الضبي في ثبوت عنه نظر كما في " التهذيب " والله أعلم (٢) قلت: هذه دعوى مردودة بل هي من مجازفاته المعروفة فالحديث صحيح من حديث البراء بن عازب له طرق كثيرة كما قال القرطبي في " التذكرة " (ق ٨٤ / ٢) وتبعه ابن القيم في " الروح " (ص ٤٦) والسيوطي في " شرح الصدور " (ص ٢٢) وصححه غيرهم من أئمة الحديث المتقدمين كما تراه في " الجنائز " (ص ١٥٩) و " الصحيحة " (١٣٩١) ومنهم البيهقي في " شعب الإيمان) (١ / ٢٨١) وله عنده طريق أخرى وقد ساقه ابن القيم مع طرقه الأخرى فليرجع إليه من شاء التوسع (ص ٨٢ - ٨٣) وأما قوله في المنهال: " وليس بالقوي " فقد رده ابن القيم وغيره كابن القطان كما تراه في " تهذيب التهذيب " ويكفي في رد ذلك أنه من رجال البخاري [٨٤]

стр. 92

الذي قلنا هو الذي صح أيضا عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم عنهم لم يصح عن أحد منهم غير ما قلنا كما حدثنا محمد بن سعيد بن نبات حدثنا إسماعيل بن إسحاق البصري (١) : نا عيسى بن حبيب (٢) : حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله بن يزيد المقرئ عن جده محمد بن عبد الله عن سفيان ابن عيينة عن منصور بن صفية عن أمه صفية بنت شيبة قالت: دخل ابن عمر المسجد فأبصر ابن الزبير مطروحا قبل أن يصلب فقيل له: هذه أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنها فمال ابن عمر إليها فعزاها وقال إن هذه الجثث ليست بشيء وإن الأرواح عند الله . فقالت أسماء: وما يمنعني (٣) وقد أهدي رأس زكريا (٤) إلى بغي من بغايا بني إسرائيل. و: نا محمد بن سعيد بن نبات: نا أحمد بن عون الله: نا قاسم بن أصبغ: نا محمد بن عبد السلام الخشني: نا أبو موسى محمد بن المثنى الزمن: نا عبد الرحمن بن مهدي: نا سفيان الثوري عن أبي اسحاق السبيعي عن أبي

стр. 93

(١) انظر " الشذرات " (٢ / ١٧٨) و " تذكرة الحفاظ " (٢) لم أعرفه ومثله شيخه عبد الله بن عبد الرحمن وقد ذكره في " التهذيب " في الرواة عن جده محمد بن عبد الله لكن وقع فيه مقلوبا بالنسبة لما هنا فقال في ترجمة محمد هذا: " وعنه. . . ابن ابنه عبد الرحمن بن عبد الله بن محمد " ولعله من أجل الجهالة المشار إليها أشار الحافظ ابن كثير في تاريخه " البداية " (٨ / ٣٤٦) إلى تضعيف هذه القصة بقوله: " وقيل: إن ابن عمر دخل. . . ". فتصحيح ابن حزم لها مردود. والله أعلم (٣) قلت: تعني من الصبر وقد جاء هذا البيان في صلب الرواية في " كتاب الأهوال " (ق ١٨٠ / ١) وفي تاريخ " البداية " (٤) كذا في الأصل تبعا لأصله المنقول عنه وكذا وقع في " المحلي " لابن حزم أيضا (١ / ٢٢) وعلق عليه الشيخ أحمد شاكر ﵀ بقوله: " هنا بهامش الأصل ما نصه: المعروف في كتب التفسير والآثار أن يحيى هو الذي أهدي رأسه إلى البغي وأما زكريا فإنه نشر بالمنشار في باطن الشجرة فكأنه سقط لفظ (يحيى) وأن الأصل يحيى بن زكريا " قلت: وهكذا على الصواب وقع في " الأهوال " و " البداية " [٨٥]

стр. 94

الأحوص عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه في قول الله : ﴿ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين﴾ [قال] : هي التي في (البقرة) : ﴿وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ثم إليه ترجعون﴾ (١) . فهذا ابن مسعود وأسماء بنت أبي بكر الصديق وابن عمر رضي الله تعالى عنهم ولا مخالف لهم من الصحابة رضي الله تعالى عنهم تقطع أسماء وابن عمر على أن الأرواح باقية عند الله تعالى وأن الجثث ليست بشيء ويقطع ابن مسعود بأن الحياة مرتان والوفاة كذلك وهو قولنا وبالله تعالى التوفيق. وقد صح عن النبي ﷺ انه رأى موسى ﵇ تلك الليلة في السماء السادسة أو السابعة (٢) وبلا شك أنه رأى روحه وأما الجسد فموارى في التراب بلا شك فعلى هذا إن كل موضع روح يسمى قبرا له فتعذب الأرواح حينئذ وتسأل حيث هي. وبالله تعالى التوفيق ". انتهى كلام ابن حزم بحروفه. ولا تنس توقف الإمام الأعظم في ذلك

стр. 95

(١) قلت: وأخرجه ابن جرير في " تفسيره " (٢٤ / ٣١) : حدثنا ابن بشار: ثنا عبد الرحمن به. وأخرجه الحاكم (٢ / ٤٣٧) من طريق آخر عن أبي إسحاق به. وقال: " صحيح على شرط الشيخين " ووافقه الذهبي وهو كما قالا. وأورده في " الدر " (٥ / ٣٧٤) بزيادة في آخره بلفظ: " كانوا أمواتا في أصلاب آبائهم ثم أخرجهم فأحياهم ثم يميتهم ثم يحييهم بعد الموت ". وعزاه للفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني. وقال ابن كثير عقبه: " وكذا قال ابن عباس والضحاك وقتادة وأبو مالك وهذا هو الصواب الذي لا شك فيه ولا مرية ". وبه جزم في " شرح الطحاوية " (ص ٤٤٦ - الطبعة الرابعة) (٢) كذا على الشك وكذا قال ابن القيم في " الروح " (ص ٤٥) وسبب الشك اختلاف الروايات ففي بعضها أن النبي ﷺ رأى موسى في السماء السادسة وفي أخرى: السابعة وقد حاول الحافظ ابن حجر التوفيق بينهما فراجع شرحه للحديث في أول " كتاب الصلاة " من " البخاري " [٨٦]

стр. 96

وقد رده العلامة ابن القيم في " كتاب الروح (١ ") بعد أن نقل بعضه بقوله: قلت ما ذكره أبو محمد فيه حق وباطل أما قوله: من ظن أن الميت يحيا في قبره فخطأ " فهذا فيه إجمال إن أراد به الحياة المعهودة في الدنيا التي يقوم فيها الروح بالبدن وتدبره وتصرفه ويحتاج معها [إلى] الطعام والشراب واللباس فهذا خطأ كما قال والحس والعقل يكذبه كما يكذبه النص وإن أراد به حياة أخرى غير هذه الحياة بل تعاد الروح إليه إعادة غير الإعادة المألوفة في الدنيا ليسأل ويمتحن في قبره فهذا حق ونفيه خطأ " إلى أن قال ابن القيم (١) : إن الروح بالبدن لها خمسة أنواع من التعلق متغايرة الأحكام: أحدها: تعلقها به في بطن الأم جنينا الثاني: تعلقها به بعد خروجه إلى وجه الأرض الثالث: تعلقها به في حال النوم فلها به تعلق من وجه ومفارقة من وجه الرابع: تعلقها به في البرزخ فإنها وإن فارقته وتجردت عنه فإنها لم تفارقه فراقا كليا بحيث لا يبقى لها التفات إليه البتة الخامس: تعلقها به يوم بعث الأجساد وهو أكمل أنواع تعلقها بالبدن (١) (ص ٤٣) (٢) يعني في كتاب الروح " (ص ٤٣ - ٤٤) . ومثله في " شرح العقيدة الطحاوية " لابن أبي العز (ص ٤٥١) وكأنه نقله عن ابن القيم فإنه متأخر الوفاة عنه ب (٤١) سنة [٨٧]

стр. 97

ولا نسبة لما قبله من أنواع التعلق إليه إذ هو تعلق لا يقبل البدن معه موتا ولا نوما ولا فسادا " انتهى. وأطال في البحث كما هي عادته فمن أراده فليرجع إليه وتبين أيضا مما نقلناه عن أبي محمد بن حزم أنه موافق للحنفية أيضا في مسألة عدم سماع الموتى وإن خالفهم في غيره وهو من أجل علماء مذهب داود الظاهري المجتهد المشهور تتمه: قال العلامة أبو الحسن علي سيف الدين الآمدي الأشعري (١) في كتابه " أبكار الأفكار " ما عبارته: الفصل الثالث في عذاب القبر ومسألة منكر ونكير: وقد اتفق سلف الأمة قبل ظهور الخلاف وأكثرهم بعد ظهوره على إ ثبات إحياء الموتى في قبورهم ومساءلة الملكين لهم وتسمية أحدهما منكرا والآخر نكيرا وعلى إثبات عذاب القبر للمجرمين والكافرين وذهب أبو الهذيل (٢) وبشر بن المعتمر (٣) إلى أن من ليس بمؤمن فإنه لا يسأل ويعذب فيما بعد النفختين أيضا وذهب الصالحي (٤) من المعتزلة وابن (١) هو علي بن محمد بن سالم التغلبي سيف الدين الآمدي أبو الحسن أصولي باحث له نحو عشرين مصنفا منها كتابه المعروف: الإحكام في أصول الأحكام " وقد كان نفي من دمشق لسوء اعتقاده وصح عنه أنه كان يترك الصلاة. نسأل الله العافية. مات سنة (٦٣١) (٢) هو محمد الهذيل العلاف من أئمة المعتزلة له كتب كثيرة في مذهبهم وكان سريع الخاطر قوي الحجة توفي سنة (٢٣٥) وقيل غير ذلك (٣) كوفي ويقال: بغدادي من كبار المعتزلة وخالفهم في مسألة القدر مات سنة (٢١٠) (٤) عرف بهذه النسبة قال السمعاني: " وكان يزعم أنه يجوز وجود الجوهر اليوم خاليا عن الأعراض ثم حدثت فيها الأعراض وأن العلم والقدرة والإرادة والسمع والرؤية يصح وجودها كلها في الميتة وعلى هذه يتصور أن يكون سائر الناس أمواتا " هذا كل ما ذكر في ترجمته [٨٨]

стр. 98

جرير الطبري وطائفة من الكرامية إلى تجويز ذلك (١) على الموتى في قبورهم وذهب بعض المتكلمين إلى أن الآلام تجتمع في أجساد الموتى وتتضاعف من غير حس بها فإذا حشروا أحسوا بها دفعة واحدة وذهب ضرار بن عمرو (٢) وبشر المريسي (٣) وأكثر المتأخرين من المعتزلة إلى إنكار ذلك كله وأنكر الجبائي (٤) وابنه والبلخي (٥) تسمية الملكين منكرا ونكيرا مع الاعتراف بهما (٦) وإنما المنكر ما يصدر من الكافر عند تلجلجه إذا

стр. 99

(١) يعني العذاب (على الموتى في قبورهم) يعني على أجسادهم دون إعادة الأرواح إليها كما سيوضحه جواب الآمدي نفسه الآتي (ص ٩٠) قال الحافظ ابن رجب (ق ٨١ / ١) : " وممن ذكر ذلك من أصحابنا ابن عقيل في " كتاب الإرشاد " له وابن الزاغوني وحكي عن ابن جرير الطبري أيضا. . . " لكن أنكره الجمهور كما قال ابن القيم (ص ٥٠) (٢) هو القاضي. قال الذهبي: " معتزلي جلد له مقالات خبيثة قال ابن حزم: (كان ضرار ينكر عذاب القبر) قلت: ومثله اليوم كثير ممن يشككون في الأحاديث الصحيحة الصريحة في عذاب القبر ويدفعونها بزعمهم أنها أحاديث آحاد وأن القاعدة أنه لا تثبت بها عقيدة وقد بينت بطلان هذه القاعدة في رسالتين مطبوعتين: " الحديث حجة بنفسه في العقائد والأحكام " و " وجوب الأخذ بحديث الآحاد في العقيدة " (٣) بفتح الميم وكسر الراء نسبة إلى (مريسة) بالصعيد والمشهور بالخفة وضبطها الصغاني بتثقيل الراء وهو فقيه معدود في فقهاء الحنفية ومن تلامذة الإمام أبي يوسف ﵀ ولكن هذا كان يذمه ويعرض عنه لضلاله مع أنه كان ذا ورع وزهد. مات سنة (٢٢٨) (٤) بضم الجيم نسبة إلى (جبى) قرية في البصرة واسمه محمد بن عبد الوهاب أبو علي من أئمة المعتزلة. توفي سنة (٣٠٣) وله ثمان وستون سنة (٥) هو عبد الله بن أحمد البلخي أبو القاسم الكعبي كان داعية إلى الاعتزال وله تصنيف يدل عليه كثرة اطلاعه وتعصبه توفي سنة (٣١٩) (٦) لثبوت ذكرهما في الأحاديث الصحيحة بدون تسمية حتى بلغت مبلغ التواتر وقد ساقها السيوطي في " شرح الصدور " (ص ٤٨ - ٥٩) وأما التسمية فهي ثابتة في حديث أبي هريرة والبراء كما تقدم (ص ٨١) فمن أنكرها بعد ثبوتها فقد جهل [٨٩]

стр. 100

سئل والنكير تقريع الملكين له والدليل على إحياء الموتى في قبورهم قبل الحشر قبل الحشر قوله تعالى: ﴿ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين﴾ والمراد بالإماتتين ما بين الموتة التي قبل مزار القبور والموتة التي بعد مساءلة منكر ونكير والمراد بالحياتين: الحياة الأولى والحياة لأجل المساءلة على ما قاله المفسرون (١) فإن قيل: لا نسلم أن المراد بالإماتتين والحياتين ما ذكرتموه وما ذكرتموه عن المفسرين فهو معارض بما يناقضه من قول غيرهم من المفسرين أيضا فإنه قد قيل: إن المراد بالإماتتين الموتة الأولى في أطوار النطفة قبل نفخ الروح فيها والثانية: التي قبل مزار القبور والمراد بالحياتين: الحياة التي قبل مزار القبور والمراد بالحياتين: الحياة التي قبل مزار القبور والحياة لأجل الحشر وليس أحد القولين أولى من الآخر بل هذا القول أولى لأنه لو كان كذلك فيكون على وفق المفهوم من قوله تعالى: ﴿وأحييتنا اثنتين﴾ حيث يدل بمفهومه على نفي حياة ثالثة وما ذكرتموه يلزم منه أن يكون الإحياء ثلاث مرات: الإحياء الأول قبل مزار القبور والإحياء الثاني للمسألة والإحياء [الثالث] للحشر وهو خلاف المفهوم. (٢)

стр. 101

(١) ليس في التفسير بالمأثور شيء من ذلك بل المروي عن ابن مسعود وغيره خلافه كما سبق (ص ٨٦) فلا تعبأ بترجيح الآمدي له كما يأتي فإنه خلاف علم أصول التفسير. انظر (ص ٩٥ - ١٠٢) من " مقدمة ابن تيمية في أصول التفسير " و " فصل في الإرشاد إلى طريق المعرفة لصحيح التفسير " (ص ١٥٦ - ١٥٨) من " إيثار الحق على الخلق " لأبي عبد الله اليماني ﵀ (٢) قلت: ولذلك أبطله ابن حزم كما تقدم في كلامه المنقول في الكتاب (ص ٨٢ - ٨٣) لكن ذلك لا ينافي الحياة الخاصة في البرزخ كما سبق بيانه من كلام ابن القيم ﵀ (ص ٨٧) [٩٠]

стр. 102

قلنا بل ما ذكرناه أولى لوجهين: الأول: أنه الشايع المستفيض بين أرباب التفسير وما ذكرتموه نقول شذوذ لا يؤبه له الثاني: أنه حمل الإماتة على حالة أطوار النطفة مخالف للظاهر فإن الإماتة لا تطلق إلا بعد سابقة الحياة " ثم إنه أطال (١) في الأجوبة إلى أن قال في الكلام على عذاب القبر وأدلة من يقول بنفيه: ومنها قوله تعالى حكاية عن الكفار إذا حشروا: ﴿يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا؟﴾ فإنه دليل على أنهم لم يكونوا معذبين قبل ذلك. ومنها قوله تعالى: ﴿لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى﴾ وهي خلاف قول من قال بأن الميت يحيى للمسائلة ثم يموت إلى أن قال: والجواب: أما ما ذكروه من الشبهة الأولى فقد اختلف المتكلمون في جوابها فمنهم من قال بالتزام الثواب والعقاب في حق الموتى من غير حياة كما حكاه عن الصالحي وابن جرير الطبري وبعض الكرامية وأما أصحابنا (٢) فقد اختلفوا فمنهم من قال ترد الحياة إلى بعض أجزاء البدن وأخصها منها بذلك والمسائلة والعذاب. وقال القاضي أبو بكر: لا يبعد أن ترد الحياة وان كنا نحن لا نشعر بها كما قال (صاحب السكة ) . (٣) انتهى

стр. 103

(١) يعني الآمدي في كتابه السابق الذكر: " الأبكار " (٢) يعني الأشاعرة (٣) قلت: لعله يشير إلى ما أخرجه ابن أبي الدنيا في كتاب " من عاش بعد الموت " من طريق أبي أيوب اليماني عن رجل من قومه يقال له عبد الله أنه ونفرا من قومه ركبوا البحر وأن البحر أظلم عليهم أياما ثم انجلت عنهم تلك الظلمة وهم قرب قرية قال عبد الله: فخرجت ألتمس الماء فإذا أبواب مغلقة تجأجأ عنها الريح فهتفت فيها فلم يجيبني أحد فبينما أنا على ذلك إذ طلع علي فارسان تحت كل فارس منهما قطيفة بيضاء فسألاني عن أمري فأخبرتهما بالذي أصابنا في البحر وأني خرجت أطلب الماء فقالا لي: يا عبد الله اسلك في هذه السكة فإنك ستنتهي إلى بركة فيها ماء فاستق منها ولا يهولنك ما ترى فيها. قال: فسألتهما عن تلك البيوت المعلقة التي تجأجأ فيها الريح؟ فقالا: هذه بيوت فيها أرواح الموتى قال: فخرجت حتى انتهيت إلى البركة فإذا رجل معلق مقلوب على رأسه يريد أن يتناول الماء بيده وهو لا يناله فلما رآني هتف بي وقال: يا عبد الله اسقني. قال: فعرفت بالقدح لأناوله فقبضت يدي فقال لي: بل العمامة ثم ارم بها إلي قال: فبللت العمامة لأرمي بها إليه فقبضت يدي؟ فقلت يا عبد الله غرفت بالقدح لأناولك فبضت يدي ثم بللت العمامة لأرمي بها إليك فقبضت يدي فاخبروني ما أنت؟ فقال: أنا ابن آدم؟ أنا أول من سفك الدماء في الأرض نقلته من " كتاب الأهوال " لابن رجب (ق ١٢٢ / ١ - ١٢٣ / ١) وسكت عنه وهي قصة غريبة عجيبة وعبد الله هذا راويها لم أعرفه وكذا أبو أيوب اليماني الراوي عنه. ثم رأيت في النسختين البغداديتين: " السكتة " بدل " السكة " ولم أدر وجهه [٩١]

стр. 104

وأطال في الأجوبة فإن أردته فارجع إليه وتبين أيضا منه موافقة ابن جرير الطبري المجتهد وغيره للحنفية في عدم السماع لأنه لما نفى الحياة فمن الأولى أن ينفي السماع أيضا كما لا يخفى على كل ذي فهم غير متعصب فلا تغفل [زيارة القبور]

стр. 105

وأما مشروعية زيارة المقابر فاسمع ما قالته الأئمة الحنفية في كتبهم المرضية قال الشرنبلالي في " مراقي الفلاح ": (فصل في زيارة القبور. ندب زيارتها) من غير أن يطأ القبور (للرجال والنساء وقيل تحرم على النساء) والأصح أن الرخصة ثابتة للرجال والنساء فتندب لهن أيضا (على الأصح) . (١) (١) نسبة إلى (شبرى بلولة) ب (المنوفية) من (مصر) وهو حسن بن عمار بن علي المصري من فقهاء الحنفية مكثر من التصنيف مات سنة (١٠٦٩) (٢) انظر أحكام الجنائز " (ص ١٨٠) [الصفحة ٩٢]

стр. 106

والسنة زيارتها قائما والدعاء عندها (١) قائما كما كان يفعل رسول الله ﷺ في الخروج إلى البقيع ويقول السلام [عليكم] دار قوم مؤمنين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون أسأل الله لي ولكم العافية ". (٢) (ويستحب) للزائر (قراءة) سورة (يس) لما ورد " انتهى (٣) وقال محشيه الطحطاوي (٤) : (قوله للرجال " ويقصدون بزيارتها وجه الله تعالى وإصلاح القلب (٥) ونفع الميت بما يتلى عنده [من القرآن ولا يمس القبر ولا يقبله (٦) فإنه من عادة] (٧) أهل الكتاب ولم يعهد الاستلام إلا للحجر

стр. 107

(١) قلت: لعله يعني الدعاء لها عندها بدليل الحديث الآتي وإلا فقصد القبر للدعاء عنده تبركا به لا يشرع بل هو من الشركيات والوثنيات التي ابتلي بها كثير من المسلمين كما شرحه شيخ الإسلام ابن تيمية في كتبه (٢) أخرجه مسلم وغيره عن أبي هريرة. انظر " أحكام الجنائز " (ص ١٩٠) (٣) يعني كلام " المراقي " (ص ١١٧) وتمامه: " عن أنس رضي الله عن هـ أنه قال رسول الله ﷺ : " من دخل المقابر فقرأ سورة ﴿يس﴾ خفف الله عنهم يومئذ وكان له بعدد ما فيها حسنات " قلت: وسكت عليه الطحطاوي في " حاشيته " (ص ٦١٠) ولم يخرجه وهو حديث موضوع كما بينته في " الضعيفة " برقم (١٢٩١) ومثله حديث " من مر بالمقابر فقرأ ﴿قل هو الله أحد﴾ أحد عشر مرة. . . " وبيانه في المصدر السابق (١٢٩٠) (٤) (ص ٦١٠) من " الحاشية " (٥) يعني بتذكرة الآخرة كما في قوله ﷺ : ". . . . فزوروها فإنها ترق القلب وتدمع العين وتذكر الآخرة. ولا تقولوا هجرا ". انظر " أحكام الجنائز " (ص ١٨٠) (٦) ونحوه في " حاشية الباجوري على ابن قاسم " ونصه (١ / ٢٧٧) : " ويكره تقبيل القبر واستلامه ومثله التابوت الذي يجعل فوقه وكذلك الأعتاب عند الدخول لزيارة الأولياء ". ثم استثنى مخربا بيده لما بنى فقال: " إلا إن قصد به التبرك بهم فلا يكره " قلت: وهل البلاء كله إلا من مثل هذا التبرك الموصل إلى الشرك؟ (٧) سقطت من الأصل واستدركتها من " الحاشية " [الصفحة ٩٣]

стр. 108

الأسود والركن اليماني خاصة. وتمامه في الحلبي " وقال الغزالي في " الإحياء ": (١) إن ذلك من عادة النصارى قوله: (وقيل: تحرم على النساء) وسئل القاضي عن جواز خروج النساء إلى المقابر؟ فقال: لا تسأل عن الجواز والفساد في مثل هذا وإنما تسأل عن مقدار ما يلحقها من اللعن فيه " وقال بعد أسطر: إن مسألة القراءة على القبر ذات خلاف قال الإمام: (٢) تكره لأن أهلها جيفة ولم يصح فيها شيء عنده عنه ﷺ (٣) . وقال محمد: تستحب انتهى المقصود منه بلفظه قلت: وتعبير الإمام عن الميت ب (الجيفة) مأخوذ مما رواه أبو داود مرفوعا عنه ﷺ : " لا ينبغي لجيفة مسلم أن تبقى بين طهراني أهله ". فافهم. وقال أيضا: فللإنسان أن يجعل ثواب عمله لغيره (٤) عند أهل السنة والجماعة صلاة كان أو صوما أو حجا أو صدقة أو قراءة للقرآن أو الأذكار أو غير ذلك من أنواع البر ويصل ذلك إلى الميت وينفعه. قال الزيعلي (٥) في (باب

стр. 109

(١) في آخره (٤ / ٤١٩) وقال في مكان آخر منه (١ / ٢٣٢) : " وليس ذلك من السنة " (٢) يعني أبا حنيفة ﵀ وهو مذهب الجمهور ومنهم الإمام مالك والشافعي وأحمد كما تراه منقولا عنهم في " أحكام الجنائز " (١٩١ - ١٩٢) وراجع لهذا رسالة العلامة البركوي في " زيارة القبور " (ص ٣٢٢ - ٣٢٣ - هامش شرعة الإسلام) (٣) قلت: وهذا التعليل الثاني هو المعتمد بخلاف الأول فإنه مما لا دليل عليه حتى ولو صح الحديث الذي استدل به المؤلف فيما يأتي فكيف وهو غير صحيح كما هو مبين في " أحكام الجنائز " (ص ١٣) (٤) في هذا الإطلاق نظر بينته في المصدر السابق تحت عنوان: " ما ينتفع به الميت " (ص ١٦٨ - ١٧٨) فراجعه فإن فيه تحقيقا قلما تراه في كتاب آخر (٥) يعني في " شرح الكنز " (١ / ١١٢) [الصفحة ٩٤]

стр. 110

الحج عن الغير ") . انتهى (١) ومثله من أبحاث الزيارة في " رد المحتار " وغيره من كتب المذهب. وكذا مسائل القراءة ونحوها المسطورة في كتب سائر المذاهب تركناها خشية التطويل إذ كان المقصود من تحرير هذه الرسالة بيان قول الأئمة الحنفية أن الميت لا يسمع عندهم وعند جملة من علماء المذاهب الأخر فأثبتنا ولله الحمد صحة نقلنا عنهم وما تلقيناه منهم فإن قيل: إذا كان مذهب الحنفية وكثير من العلماء المحققين على عدم السماع فما فائدة السلام على الأموات وكيف صحة (٢) مخاطبتهم عند السلام؟ قلت: لم أجد فيما بين يدي الآن من كتبهم جوابهم عن ذلك ولا بد أن تكون لهم أجوبة عديدة فيما هنالك والذي يخطر في الذهن ويتبادر إلى الخاطر والفهم أنهم لعلهم أجابوا بأن ذلك أمر تعبدي وبأنا نسلم سرا في آخر صلاتنا إذا كنا مقتدين وننوي بسلامنا الحفظة والإمام وسائر المقتدين مع أن هؤلاء القوم لا يسمعونه لعدم الجهر به فكذا ما نحن فيه. (٣) على أن السلام هو الرحمة للموتى وننزلهم منزلة المخاطبين السامعين وذلك شائع في العربية كما لا يخفى على العارفين فهذه العرب تسلم على الديار وتخاطبها على بعد المزار (٤)
следующие страницы →