Полный текст (148 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
بسم الله الرحمن الرحيم
الآيات التي تأمر بالاتباع
وتنهى عن الابتداع
قال الله : (ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون وَيُؤتُونَ الزَكَاةَ وَاَلَذِينَ هم بآياتِنا يؤمنون الذين يتبعون الرسول النبي الأمي) إلى قوله: (فالذين آمنوا بِه وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذِي أنزل معه أولئك هم المفلحون) .
وقال تعالى: (واتبعوه لعلكم تهتدون) .
وقال تعالى: (إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذُنُوبَكُمْ) .
وقال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله ورسوله ولا تولوا عنه وأنتم تَسْمَعُونَ) إلى قوله: (يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يُحْيكُم) .
وقال تعالى: (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا) .
وقال تعالى: (وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون) .
وقال تعالى: (فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم) .
стр. 2
وقال تعالى: (فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر) .
قال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى في قوله: (فردوه إلى الله والرسول) أي إلى ما قاله الله والرسول.
إلى غير ذلك من الآيات.
الأحاديث التي تأمر بالاتباع
وتنهى عن الابتداع
وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: خط لنا رسول الله (خطاً، ثم قال: " هذا سبيل الله " ثم خط خطوطاً عن يمينه وعن شماله، ثم قال: " هذه سُبل، على كل سبيل منها شيطانٌ يدعو إليه " ثم قرأ " وأنّ هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله " الآية.
وعن العرباض بن سارية ﵁، قال: صلى بنا رسول الله (
стр. 3
ذات يوم، ثم أقبل علينا بوجهه، فوعظنا موعظة بليغة، ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب؛ فقال رجل: يا رسول الله، كأنها موعظة مُودِّع، فماذا تعهد إلينا؟ فقال: " أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن كان عبداً حبشياً؛ فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ. وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، أخرجه أبو داود والترمذي ".
وعن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله) : " ذروني ما تركتكم فإنما هلك الذين من قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم " متفق عليه.
وعن بلال بن الحارث أن النبي (قال له: " اعلم قال: ما اعلم يا رسول الله؟ قال: اعلم يا بلال. قال ذروني أعلم يا رسول الله؟ قال: إنه من أحيا سنة من سنتي قد أميتت بعدي فإن له من الأجر مثل من عمل بها من غير أن ينقص من أجورهم شيئاً، ومن ابتدع بدعة
стр. 4
ضلالة لا ترضى الله ورسوله كان عليه مثل آثام من عمل بها لا ينقص ذلك من أوزار الناس شيئاً ". رواه الترمذي.
فصل
في الأمر بلزوم السنة والجماعة
والنهي عن الفرقة
قال الله تعالى: (وما تفرقوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغياً بينهم) .
وعن ابن عمر ﵄: أن عمر ﵁ خطب بالجابية فقال: قام فينا رسول الله (خطيباً فقال: " من أراد منكم بَحبوحَة الجنة فليلزم الجماعة، فإن الشيطان مع الواحد، وهو من الاثنين أبعد ". رواه الترمذي وصححه.
стр. 5
وقال رسول الله) : " يد الله مع الجماعة، والشيطان مع من يخالف الجماعة ".
وعن أبي شريك ﵁، قال: سمعت رسول الله (يقول: " يد الله على الجماعة، فإذا شذ الشاذ منهم اختطفه الشيطان كما يخطف الذئب الشاة من الغنم ".
стр. 6
وعن معاذ ﵁ أن النبي (قال: " إن الشيطان ذئب الإنسان كذئب الغنم، يأخذ الشاة القاصية النائية، فإياكم والشعاب، وعليكم بالجماعة والعامة والمسجد ".
وعن أبي ذر ﵁ عن النبي (قال: " اثنان خير من واحد، وثلاثة خير من اثنين، وأربعة خير من ثلاثة؛ فعليكم بالجماعة، فإن الله لم يجمع أمتي إلا على هدى ".
وعن عبد الله بن عمر ﵄، قال: قال رسول الله) : " لَيَأتيَنَّ على أمتي ما أتى على بني إسرائيل حَذوَ النَّعلِ بالنَّعلِ، حتى إن كان منهم من يأتي أمه علانية لكان في أمتي من يصنع ذلك.
стр. 7
وإن بني لإسرائيل تفرقوا اثنين وسبعين ملة، وستفترق أمتي على ثلاثة وسبعين فرقة، كلهم في النار إلا ملة واحدة " قالوا: من هي يا رسول الله قال: " ما أنا عليه وأصحابي " أخرجه أبو داود والترمذي.
ما جاء عن السلف في الأمر بالاتباع
وعن معاوية بن أبي سفيان: أنه قام في الناس خطيباً، فقال: ألا إن من قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على اثنين وسبعين ملة، وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاثة وسبعين ملة، اثنان وسبعون في النار، وواحدة في الجنة، وهي الجماعة.
стр. 8
وقال عبد الله بن مسعود ﵁: الاقتصاد في السنة خير من الاجتهاد في البدعة.. وقال أبي بن كعب ﵁: عليكم بالسبيل والسنة، فإنه ليس من عبد على سبيل وسنة ذكر الرحمن ففاضت عيناه من خشية الله فمسته النار أبداً. وإن اقتصاداً في سبيل وسنة خير من اجتهاد في خلاف سبيل وسنة.
وقال ابن عباس ﵄: النظر إلى الرجل من أهل السنة يدعو إلى السنة وينهى عن البدعة.
стр. 9
وقال أبو العالية: عليكم بالأمر الأول الذي كانوا عليه قبل أن يفترقوا.
وقال الأوزاعي ﵁: اصبر نفسك على السنة، وقف حيث وقف القوم، وقل بما قالوا، وكف عما كفوا عنه، واسلك سبيل سلفك الصالح؛ فإنه يسعك ما وسعهم.
وقال الأوزاعي أيضاً: رأيت رب العزة في المنام، فقال لي: يا أبا عبد الرحمن، أنت الذي تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، فقلت: بفضلك يا رب. قلت: يا رب أَمتَّنِي على الإسلام، قال: وعلى السنة.
стр. 10
وقال أيوب: إني لأخبر بموت الرجل من أهل السنة، فكأني أفقد بعض أعضائي. وقال أيضاً: إن من سعادة الحدث والأعجمي أن يوفقهما الله لعالم من أهل السنة.
وقال ابن شوذب: إن من نعمة الله على الشاب إذا نسك أن يوافى صاحب سنة يحمله عليها.
وقال ابن أسباط: كان أبي قدرياً، وأخوالي روافض، فأنقذني الله بسفيان.
وقال معتمر بن سليمان: دخلت على أبي وأنا منكسر القلب،
стр. 11
فقال لي: مالك؟ قلت نعم: فقال لا تحزن عليه.
وقال سفيان الثوري: استوصوا بأهل السنة خيراً، فإنهم غرباء.
وقال أبو بكر بن عياش: السنة في الإسلام أعز من الإسلام في سائر الأديان.
وقال الإمام الشافعي ﵁: إذا رأيت رجلاً من أصحاب الحديث، فكأني رأيت رجلاً من أصحاب رسول الله.
وقال الجنيد ﵀: الطرق كلها مسدودة إلا على المقتفين آثار رسول الله (والمتبعين سنته وطريقته، فإن طرق الخيرات كلها مفتوحة عليه، كما قال تعالى: (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة) .
стр. 12
فصل
في ذم البدع والأهواء
الآيات التي تذم البدع والأهواء
قال الله تعالى: (ومن أضل مِمَّن اتبع هواه بغير هدى من الله) .
وقال تعالى: (ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله) .
الأحاديث التي تذم البدع والأهواء
وعن عائشة ﵂، قالت: قال رسول الله) : " من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد "، وفي رواية " من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد " متفق عليه.
وعن عبد الله بن عمر ﵄: عن النبي، أنه قال: " من رغب عن سنتي فليس مني ". أخرجه البخاري.
وعن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله: (" أنا فرطكم على الحوض ولَيَحْتَلِجن رجال دوني، فأقول:
стр. 13
يا رب أصحابي، فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك ". متفق عليه.
آثار السلف في ذم البدع والأهواء
وقال عبد الله بن محيريز: يذهب الدين سنة سنة كما يذهب الحبل قوة قوة.
وقال معاذ بن جبل: يفتح القرآن على الناس حتى تقرأه المرأة والصبي والرجل فيقول الرجل: قد قرأت القرآن فلم أتبع، والله لأقومن به فيهم لعلي أتبع، فيقوم به فيهم فلا يتبع: فيقول: قد قرأت القرآن فلم أتبع، وقمت به فيهم فلم أتبع لأحْتَضِرَنْ في بيتي مسجداً فيحتضر في بيته مسجداً، فلا يتبع، فيقول: لقد قرأت القرآن فلم أتبع، وقمت به فلم أتبع، وقد احْتَضَرْت في بيتي مسجداً فلم أتبع. والله لآتينهم بحديث لا يجدونه في كتاب الله ولم يسمعوه من رسول الله (لعلي أتبع. فإياكم وما جاء به، فإن ما جاء به ضلالة.
وروى هذا الأثر أبو داود بلفظ آخر، فقال معاذ: إن من ورائكم فتناً يكثر فيها المال، ويفتح فيها القرآن، حتى يأخذه المؤمن والمنافق والرجل والمرأة والصغير والكبير والعبد والحر، فيوشك أن يقول قائل: ما للناس لا يتبعوني وقد قرأت القرآن؟ ما هم بِمُتَّبِعيَّ حتى أبتدع
стр. 14
لهم غيره فإياكم وما ابتدع فإن ما ابتدع ضلالة، وأحذركم زيفة الحكيم، فإن الشيطان قد يقول كلمة الضلالة على لسان الحكيم. وقد يقول المنافق كلمة الحق.
وقال عبد الله: تعلموا العلم قبل أن يقبض، وقبضه أن يذهب أهله. ألا وإياكم والتنطع والتعمق والبدع، وعليكم بالعتيق.
وفي رواية أخرى: أيها الناس إنكم ستحدثون ويحدث لكم، فإذا رأيتم مُحَدَثَةً فعليكم بالأمر الأول.
وعن قيس بن أبي حازم، دخل أبو بكر ﵁ على امرأة من أحمس يقال لها زينب، فرآها لا تتكلم، فقال: ما لها؟ فقيل: حجت. فقال لها تكلمي فإن هذا لا يحل هذا من عمل الجاهلية.
وعن زياد بن حدير قال: قال عمر ﵁: هل تدري ما يهدم دين الإسلام؟ قلت: لا، قال: يهدمه زلة العالم، وجدال منافق
стр. 15
بالآيات، وحكم الأئمة المضلين.
وعن عمر ﵁ قال: سيأتي قوم يجادلونكم بشبهات القرآن، فخذوهم بالسنن، فإن أهل السنة أعلم بكتاب الله .
وعن عثمان الأزدي، قال: دخلت على ابن عباس ﵄، فقلت له: أوصني فقال: عليك بتقوى الله والاستقامة، اتبع ولا تبتدع.
وروى البيهقي عن ابن عباس ﵄ أنه قال: إن أبغض الأمور إلى الله تعالى البدع، وإن من البدع الاعتكاف في المساجد التي في الدور.
وروى أبو داود في سننه عن حذيفة ﵁، قال: كل عبادة لم يتعبد بها أصحاب رسول الله (فلا تتعبدوا بها؛ فإن الأول لم يدع للآخر مقالاً؛ فاتقوا الله يا معشر القراء، خذوا طريق من كان قبلكم.
стр. 16
ومن كلام عمر بن عبد العزيز ﵀: أوصيكم بتقوى الله، والاقتصاد في أمره، واتباع أمر رسول الله (، وترك ما أحدث المحدثون بعده.
وقال ابن سيرين ﵀: ما أحدث رجل بدعة فراجع سنة.
أعمال صاحب البدعة لا تقبل حتى يدعها
وقال الحسن: لا يقبل الله لصاحب البدعة صوماً، ولا صلاة ولا حجاً، ولا عمرة، حتى يدعها.
وقال محمد بن أسلم: من وقر صاحب بدعة، فقد أعان على هدم الإسلام.
стр. 17
وقال أبو مغشر: سألت إبراهيم عن شيء من هذه الأهواء، فقال: ما جعل الله في شيء منها مثقال ذرة من خير، ما هي إلا نزغة من الشيطان، عليك بأول الأمر.
وعن ابن عمر ﵁، قال: كل بدعة ضلالة وإن رآها الناس حسنة.
وقال عمر: كان طاووس جالساً يوماً وعنده ابنه، فجاء رجل من المعتزلة، فتكلم في شيء، فأدخل طاووس إصبعيه في أذنيه، وقال: يا بني أدخل إصبعك في أذنيك حتى لا تسمع من قوله شيئاً؛ فإن هذا القلب ضعيف. ثم قال: أي بني أشدد، فما زال يقول أشدد حتى قام الرجل.
стр. 18
مقاطعة وتجنب من يترددون على الفرق المخالفة لأهل السنة مثل المرجئة
وعن محمد العيني، قال: كان رجل معنا يختلف إلى إبراهيم، فبلغ إبراهيم أنه دخل في الإرجاء، فقال إبراهيم: إذا قمت من عندنا فلا تعد.
وقال محمد بن داود الحرائي: قلت لسفيان بن عيينة: إن هذا يتكلم في القدر - يعني إبراهيم بن أبي يحيى - فقال سفيان: عرفوا الناس أمره، واسألوا ربكم العافية.
وقال صالح المري: دخل رجل على ابن سيرين وأنا شاهد، فتح باباً من أبواب القدر، فتكلم فيه. وقال ابن سيرين: إما أن تقوم وإما أن نقوم.
стр. 19
وقال سلام بن مطيع: قال رجل من أهل الأهواء لأيوب: لا أكلمه بكلمة، فقال: ولا بنصف كلمة.
وقال أيوب ما ازداد صاحب بدعة اجتهاداً إلا ازداد من الله بعداً.
البدعة أحب إلى إبليس من المعصية
وقال سفيان الثوري ﵀: البدعة أحب إلى إبليس من المعصية، المعصية يُتاب منها، والبدعة لا يُتابُ منها.
وقال: من سمع مبتدعاً لم ينفعه الله بما سمع، ومن صافحه فقد نقض الإسلام عروة عروة.
ولما مرض سليمان الهيثمي بكى بكاء شديداً فقيل له: ما يبكيك؟ الجزع من الموت؟ فقال: لا، ولكن مررت على قدري فسلمت عليه فأخاف أن يحاسبني ربي عليه.
وقال الفضيل بن عياض: من جلس إلى صاحب بدعة أحبط الله عمله، وأخرج نور الإيمان - أو قال الإسلام - من قبله.
وقال: إذا رأيت مبتدعاً في طريق فخذ في طريق آخر، ولا يرفع لصاحب بدعة إلى الله عمل، ومن أعان صاحب بدعة فقد أعان على هدم الإسلام.
وقال: من زَوَّج
стр. 20
كريمته من مبتدع فقد قطع رحمها.
وقال: من جلس مع صاحب بدعة لم يعط الحكمة، وإذا علم الله من رجل أنه مبغض لصاحب بدعة رجوت أن يغفر الله له! وقال محمد بن نصر الحارثي: من أصغى بسمعه إلى صاحب بدعة نُزعت منه العصمة، ووكل إلى نفسه.
وقال الليث بن سعد: لو رأيت صاحب هوى يمشي على الماء ما قبلته.
وقال الإمام الشافعي ﵁: أما إنه قد قصد لو رأيته يمشي في الهواء ما قبلته.
وسأل رجل عمر بن عبد العزيز عن الأهواء، فقال: الزم دين الصبي في المكتب، والْهُ عما سوى ذلك.
стр. 21
مدلول البدع عند مالك بن أنس
وقال مالك بن أنس: إياكم والبدع، قيل: يا أبا عبد الله، وما البدع؟ قال: أهل البدع الذين يتكلمون في أسماء الله وصفاته وكلامه وعلمه وقدرته، ولا يسكتون عما سكت عنه الصحابة والتابعون لهم بإحسان. وقالوا: لو كان الكلام علماً لتكلم فيه الصحابة والتابعون كما تكلموا في الأحكام، ولكنه باطل يدل على باطل.
وسئل سفيان الثوري عن الكلام، فقال: دع الباطل، أين أنت من الحق؟ اتبع السنة، ودع البدعة.
وقال: وجدت الأمر بالاتباع.
وقال: عليكم بما عليه الحمالون والنساء في البيوت والصبيان في المكاتب من الإقرار والعمل.
وقال الإمام الشافعي ﵁: لأن يلقى الله العبد بكل ذنب ما خلا الشرك خير له من أن يلقاه بشيء من الأهواء.
وقال أيضاً: لأن يبتلى المرء بما نهى الله عنه ما خلا الشرك بالله خير له من أن يبتليه بالكلام.
وقال ما ابتدأ أحد بالكلام فأفلح. وقال أيضاً: حكمي في أصحاب الكلام أن يضربوا بالجريد، ويحملوا على الإبل، ويطاف بهم في العشائر والقبائل، ويقال: هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة وأخذ في الكلام.
وقال مالك: بئس القوم هؤلاء أهل الأهواء لا يسلم عليهم.
стр. 22
وقال أبو الحسن البغوي: قد مضت الصحابة والتابعون وأتباعهم وعلماء السنة على معاداة أهل البدع ومهاجرتهم.
وقال ابن عمر في أهل القدر: خبرهم أني برئ منهم وأنهم برآء مني.
وقال أبو قلابة: لا تجالسوا أصحاب الأهواء، فإني لا آمن من أن يغمسوكم في ضلالهم ويُلبسوا عليكم بعض ما تعرفون.
وقال سفيان: من سمع بدعة فلا يحكها لجلسائه ولا يلقها في قلوبهم.
وقال أبو الحسن البغوي: قد كفر بعض أهل العلم طوائف منهم، فروي عن جماعة من السلف تكفير من قال بخلق القرآن، وروي ذلك عن مالك، وابن عُيَيْنة وابن المبارك، والليث بن سعد، ووكيع بن الجراح،
стр. 23
وناظر الإمام الشافعي لحفص الفرد، وكان يسميه لحفص الفرد، فقال: القرآن مخلوق، فقال الشافعي: كفرت بالله العظيم.
وقال محمد بن إسماعيل البخاري: نظرت في كلام اليهود والنصارى والمجوس، فما رأيت قوماً أضل في كفرهم من الجهمية، وإني لاستجهل من لا يكفرهم إلا من لا يعرف كفرهم وقال: ما باليت صليت خلف اليهود والنصارى.
وحكي عن عبد الله بن أحمد عن أبيه، فيمن قال بخلق القرآن: أنه لا يصلى خلفه الجمعة ولا غيرها، إلا أنه لا يدع إتيانها، فإن صلى أعاد الصلاة.
وقال مالك بن أنس: من يبغض أحداً من أصحاب النبي (، وكان في قلبه عليهم غلّ، فليس له حق في فئ المسلمين، ثم قرأ: (ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى) إلى قوله: (والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان) . الآية.
وذكر بين يديه رجل ينتقص أصحاب رسول الله (فقرأ مالك هذه الآية: (محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم) إلى
стр. 24
قوله: (ليغيظ بهم الكفار) . ثم قال: من أصبح من الناس في قلبه غل على أحد من أصحاب رسول الله (فقد أصابته هذه الآية. وقال سفيان الثوري: من قدم علياً على أبي بكر وعمر فقد أزرى وقال أبو الحسن البغوي: وهذا الهجران والتبرُّء والمعاداة لأهل البدع والمخالفين في الأصول، أما الاختلاف في الفروع بين العلماء فاختلاف رحمة، أراد الله أن لا يكون على المؤمنين حرج في الدين. فعلى المسلم إذا رأى رجلاً يتعاطى شيئاً من الأهواء والبدع معتقداً ويتهاون بشيء من السنن أن يهجره ويتبرأ منه، ويتركه حياً وميتاً، فلا يسلم عليه إذا لقيه، ولا يُجيبه إذا ناداه.
والنهي عن الهجران فوق الثلاث فيما يقع بين الرجلين من التقصير في حقوق الصحبة دون ما كان في حق الدين، فإن هجر أهل البدع والأهواء دائم إلى أن يتوبوا.
كلمات جوامع
فعليك يا أخي باتباع السنة وقبولها، وموالاة أهلها، واجتناب البدع وردها، ومعاداة أهلها. قال أحدهم لعبد الله بن مسعود ﵁: علمني كلمات
стр. 25
جوامع موانع فقال: لا تشرك بالله شيئاً، وزل مع القرآن حيث زال، ومن جاءك بالحق فاقبل منه وإن كان بعيداً بغيضاً، ومن جاءك بالباطل فرده عليه وإن كان قريباً حبيباً.
وعليك بما قال ابن عمر ﵀: ثلاث أحب لنفسي ولإخواني: هذه السُّنَّة أن يتعلموها ويسألوا عنها، والقرآن أن يتفقهوه ويسألوا عنه، ويدعوا الناس إلى الخير. وربما قال الأوزاعي رحمه الله تعالى: خمس كان عليها أصحاب النبي) : لزوم الجماعة، واتباع السنة، وعمارة المسجد، وتلاوة القرآن، والجهاد في سبيل الله .
رزقنا الله الاتباع، وإحياء السنن، وجنبنا البدع والأهواء في السرّ والعلن.
стр. 26
فصل
في تمييز البدعة من السنة
ما السنة ؟
اعلم رحمك الله إن السنة في اللغة الطريق، ولا ريب في أن أهل النقل والأثر، المتبعين آثار رسول الله (وآثار الصحابة، هم أهل السنة؛ لأنهم على تلك الطريق التي لم يحدث فيها حادث، وإنما وقعت الحوادث والبدع بعد رسول الله (وأصحابه.
ما البدعة ؟
والبدعة عبارة عن فعلة تصادم الشريعة بالمخالفة، أو توجب التعاطي عليها بزيادة أو نقصان. وقد كان جمهور السلف يكرهون ذلك، وينفرون من كل مبتدع. وإن كان جائزاً حفاظاً للأصل، وهو الاتباع، وقد قال زيد بن ثابت لأبي بكر وعمر ﵄ حين قالا له " اجمع القرآن ": كيف تفعلان شيئاً لم يفعله رسول الله (؟ وعن عبد الله بن أبي سلمة: أن سعد بن مالك رحمه الله تعالى سمع رجلاً يقول: " لبيك ذا المعارج " فقال: ما كنا نقول هذا على عهد رسول الله (.
стр. 27
وعن أبي البحتري قال: أخبر رجل ابن مسعود ﵁ أن قوماً يجلسون في المسجد بعد المغرب، فيهم رجل يقول: كبروا الله كذا، وسبحوا الله كذا وكذا، واحمدوا كذا وكذا. وقال عبد الله فإذا رأيتهم فعلوا ذلك فأتني فاخبرني بمجلسهم. فلما جلسوا أتاه الرجل فاخبره، فجاء عبد الله بن مسعود، فقال: والذي لا إله غيره لقد جئتم ببدعة ظلماً أو لقد فضلتم أصحاب محمد علماً! فقال عمر بن عتبة: نستغفر الله، فقال: عليكم بالطريق فالزموه ولئن أخذتم يميناً وشمالاً لتضلن ضلالاً بعيداً.
وعن عبد الله بن عون قال: كنا عند إبراهيم النخعي، فجاء رجل فقال: يا أبا عمر وأنا أدعو الله أن يشفيني، فرأيت أنه كرهه كراهية شديدة حتى عرفنا كراهية ذلك في وجهه. وذكر إبراهيم السنة، فرغب فيها، وذكرنا
стр. 28
ما أحدث الناس فكرهه، وقال فيه.
وجاء أصحاب الحديث إلى ذي النون، فسألوه عن الخطرات والوساوس، فقال: أنا لا أتكلم في شيء من هذا، فإن هذا محدث، سلوني عن شيء من الحديث أو الصلاة.
وقال محمد بن زياد: رأى ذي النون عليَّ خفا أحمر فقال: انزع هذا يا بني، فإنه شُهْرَة، ما لبسه رسول الله (، إنما لبس رسول الله (خفين أسودين ساذجين.
فقد تبين لك أن القوم كانوا يتحرزون عن بدعة، وإن لم يكن بها بأس لئلا يحدثوا ما لم يكن.
стр. 29
فصل
محدثات وبدع لا تصادم الشريعة
وقد جرت محدثات لا تصادم الشريعة؛ ولم تتعاط عليها، فلم يروا بفعلها بأساً بل قال بعضهم: إنها قربة وهو صحيح كما رُوي أن الناس كانوا يصلون في رمضان وحداناً، وكان الرجل يصلي فيصلي بصلاته الجماعة، فجمعهم عمر ﵁، فلما خرج فرآهم قال: نعمت البدعة هذه، والتي ينامون عنها أفضل من هذه - يعني صلاة آخر الليل.
وكان الناس يقومون أوله. وقال الحسن: القصص بدعن ونعمت البدعة؛ كم من أخ يستفاد، ودعوة تُستجاب.
أنواع البدع
والحوادث تنقسم إلى: بدعة مستحسنة، وإلى بدع مستقبحة،
стр. 30
قال الإمام الشافعي ﵁: البدعة بدعتان: بدعة محمودة، وبدعة مذمومة، فما وافق السنة فهو محمود، وما خالف السنة فهو مذموم. واحتج بقول عمر ﵁: نعمت البدعة هذه. وقال الإمام الشافعي أيضاً رضي الله تعالى عنه: المحدثات في الأمور ضربان: أحدهما ما حدث يخالف كتاباً أو سنة أو أثراً أو إجماعاً فهذه البدعة الضلالة. والثاني: ما أحدث من الخير لا خلاف فيه لواحد من هذا فهي محدثة غير مذمومة. وقد قال عمر في قيام شهر رمضان نعمت البدعة هذه يعني أنها محدثة لم تكن وإذا كانت فليس فيها ردّ لما مضى وقال بعضهم: وإنما كان ذلك لأن النبي (حثّ على قيام شهر رمضان وفعله هو (، واقتدى به بعض الصحابة ليلة بعد أخرى، فهي مشروعة في الأصل. وكذا قول الحسن في القصص: نعم البدعة؛ لأن الواعظ مشروع، ومتى استند المحدث إلى أصل مشروع لم يذم.
متى تكون البدعة حسنة ؟
فالبدعة الحسنة متفق على جواز فعلها والاستحباب لها رجاء الثواب لمن حسنت نيته فيها، وهي كل مبتدع موافق لقواعد الشريعة غير مخالف لشيء، ولا يلزم من فعله محظور شرعي، وذلك نحو بناء المنابر، والربط والمدارس، وخانات السبيل، وغير ذلك من
стр. 31
أنواع البر التي لم تعهد في صدر الإسلام؛ فإنه موافق لما جاءت به الشريعة من اصطناع المعروف والمعاونة على البر والتقوى. وما يُعد من البدع الحسنة: التصانيف في العلوم النافعة الشرعية على اختلاف فنونها، وتعيين قواعدها، وتفسير الكتاب العزيز، وجمع الأخبار النبوية، وتفسيرها، والكلام على الأسانيد والمتون، وتتبع كلام العرب واستخراج علوم جمَّة منه، فذلك كله وما شاكله من علوم حسنة ظاهر فائدته، معين على معرفة أحكام الله، وفهم معاني كلامه، وسنة رسوله. وكل ذلك مأمور به لا يلزم من فعله محظور شرعي.
стр. 32
قال أبو سليمان الخطابي ﵀ في شرح قوله) : " كل مُحدَث بدعة " هذا خاص في بعض الأمور دون بعض، وهو كل شيء أحدث على غير مثال أصل من أصول الدين، وعلى غير مقياسه. وأما ما كان منها مبنياً على قواعد الأصول ومردود إليها، فليس ببدعة ولا ضلالة. وأما إذا كانت البدعة كالمتمم، فقد اعتقد نقص الشريعة، فإذا كانت مضادة فهي أعظم شيء لم يكن من قبل في الشريعة لا مستند لهم فيه.
البدعة المستقبحة
فالبدعة المستقبحة هي ما كان مخالفاً للشريعة أو ملتزماً لمخالفتها، وذلك منقسم إلى محرم ومكروه، ويختلف ذلك باختلاف الوقائع، وبحسب ما به مخالفة الشريعة تارة ينتهي ذلك إلى ما يوجب التحريم، وتارة لا يتجاوز كراهة التنزيه. وكل فقيه موفق يتمكن بعون الله من التمييز بين القسمين مهما رسخت قدمه في إيمانه وعلمه.
أقسام البدع المستقبحة
وهذه البدع المستقبحة تنقسم إلى قسمين: أحدهما: في العقائد المؤدية إلى الضلال والخسران، مثلها الاعتراض على ما أحدثه أهل الضلالة والظلمة.
وأهل الفرق الضالة ست، وقد انقسمت كل فرقة منها اثني عشر فرقة، فذلك اثنان وسبعون فرقة، هم الذين أخبر النبي (أنهم في النار، ولسنا نحن هنا بصدد بيانها، ولكن من لزوم السنة والجماعة وأعرض عن أصول هذه البدع وفروعها كان في الفرقة الناجية بفضل الله تعالى.
стр. 33
القسم الثاني: في الأفعال من البدع المستقبحة: وهو المراد من هذا الباب، وينقسم قسمين: قسم تعرف العامة والخاصة أنه بدعة محدثة، إما محرمة، وإما مكروهة.
وقسم يظنه معظمهم عبادات، وقربان، وطاعات وسنناً:
الخلوة بالنساء الأجنبيات ومصاحبتهن من البدع التي يمكن أن تؤدي إلى الهلاك
فمن القسم الأول ما قد وقع فيه طائفة من جهال العوام المنابذين لشريعة الإسلام، التاركين الاقتداء بأئمة الدين. وهو ما يفعله طائفة من المنتمين إلى الفقر، الذي حقيقته الافتقار من الإيمان، من مؤاخاة النسوان الأجانب والخلوة بهن. وهذا حرام باتفاق المسلمين، ومستحل هذا كافر، وفاعله على طريق التهاون به عاص، ضال، مضل، مارق من الدين، ومفارق لجماعة المسلمين، أبعد الله فاعله؛ فإن النظر إلى النساء الأجانب، والخلوة بهن، وسماع كلامهن، حرام على كل بالغ ما خلا ذي الرحم المحرم بالكتاب، والسنة، وإجماع الأمة. وليس هذا موضع استقصاء الدليل عليه، وإنما المراد تبيين الدليل والبدع والتحذير منها، وليس هذا يخفى على مسلم.
стр. 34
فصل
معاشرة الأحداث والنظر إلى الغلمان
من البدع المهلكة ومن ذلك معاشرة الأحداث. وقد كان السلف يبالغون في الإعراض عن المُرْد.. وصحبة الأحداث أقوى حبائل الشيطان.
قال أبو بكر الرازي؛ قال أبو يوسف بن حسين: نظرت في آفات الخلق فعرفت من أين أتت، رأيت أنه من صحبة الأحداث ومعاشرة الأضداد.
قال أبو عبد الله الجلاء: كنت واقفاً أنظر إلى غلام نصراني حسن الوجه، كأنما أفرغ في قالب الجمال، فمر بي أبو عبد الله، فقال: أيش وقوفك هنا؟ فقلت: يا عم ترى هذه الصورة تعذب في النار مع ما أعطيت من الحسن والجمال؟ فضرب بيده على كتفه، قال لتجدن غبَّها ولو بعد حين. قال:
стр. 35
فوجدت غبها بعد أربعين سنة، أنسيت القرآن، وعن أبي الأديان، قال: كنت مع أستاذي أبي بكر الدقاق، فمر بي حدث، فنظرت إليه فرآني أنظر إليه، فقال: لتجدن غب هذه النظرة ولو بعد حين. فبقيت عشرين سنة وأنا أراعي ذلك فما أجد ذلك الغب؛ فنمت ليلة وأنا مفكر فيما قال لي الأستاذ، فأصبحت وأنا قد أنسيت القرآن. هذه عقوبة للمتهاونين بذلك في الدنيا والآخرة أدهى وأمر.
وأما أصحاب الحزم والعزم فبالغوا في الإعراض عنه، كان أبو سفيان الثوري لا يدع أمرد يجيء له يجالسه. وقال يحيى بن معين: ما طمع أمر بصحبتي.
وكذلك الإمام أحمد، ودخل سفيان الحمام، فدخل عليه غلام حسن الوجه، فقال: " أخرجوه أخرجوه فإني أرى مع كل امرأة شيطان، ومع كل صبيح بضعة عشر شيطاناً ". وقال محمد بن أحمد: دخلنا على محمد بن الحسين، وكان يقال
стр. 36
عنه: إنه ما رفع رأسه إلى السماء منذ أربعين سنة، ومعنا غلام حسن، فجلس بين يديه، فقال: قم من حذائي. وأجلسه من خلفه.
واعلم يا أخي أن كل من فاته العلم تخبط؛ فإن حصل له العلم وفاته العمل كان أشد تخبطاً. ومن استعمل أدب الشرع مثل قوله تعالى: (قُلّ للمؤمنين يغضوا من أبصارهم) الآية، فمتى غض بصره في البداية سلم مما يصعب أمره في النهاية؛ فقد ورد النهي عن مجالسة المردان. وأوصى العلماء بذلك، فلا يغتر مغتر فيكون العطف عليه أسرع، والهلاك أقرب من حاجبيه إلى عينيه. وليس هذا موضع استقصاء ما ورد في ذلك من النهي والزجر، ولو استقصينا ما ورد في ذلك لطال الكلام، وإنما المراد بيان ما أحدث من البدع
стр. 37
والضلال.
فصل
السماع والرقص والوجد تسقط المروءة
ومن ذلك ما أحدث من السماع والرقص والوجد. وفاعل ذلك ساقط المروءة، مردود الشهادة، عاصٍ لله ولرسوله.
وهو محظور قال الله : (ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله) .
قال ابن مسعود: واللهو هنا: الغناء.
وكذلك قال عكرمة، ومجاهد، والحسن، وسعيد بن جبير، وقتادة، وإبراهيم.
وقال تعالى: (وأنتم سامدون) .
قال ابن عباس: هو الغناء.
وكذلك قال مجاهد: يقول أهل اليمن: سمد فلان إذا غنّى.
стр. 38
وقال تعالى: (واستفزز من استطعت منهم بصوتك) .
قال مجاهد: هو الغناء والمزامير.
وعن نافع، قال: كنت مع ابن عمر في طريق، فسمع زمارة راع فوضع أصبعيه في أذنيه، وعدل عن الطريق، وقال: رأيت رسول الله (سمع زمارة راعٍ فصنع كذلك ياأخي.
فإذا كان هذا فعلهم في حق صوت ليس بمطرب يخرج مستمعه عن حد الاعتدال، فكيف بسماع صوت أهل هذا الزمان ومزمرتهم؟ وقد نهى رسول الله (عن شراء المغنيات وعن بيعهن، وقال: " ثمنهن حرام ". والأحاديث والآثار في ذلك كثيرة، وليس هذا موضع استقصاء ما ورد في ذلك.
واعلم وفقك الله لطاعته أن الأشعار التي ينشدها المغنون اليوم يصفون فيها المستحسنات، والخمر، والقَدّ، والعين، وغير ذلك، مما يحرك الطباع، ويخرجها عن الاعتدال، ويثير كامنها من حيث اللهو، وهو حرام.
стр. 39
قال الطبري ﵀: أجمع علماء الأنصار على كراهة الغناء، والمنع عنه. وهذا منعهم منه مع أنه كان في زمانهم منه ما يتعلق بالزهديات المليحة، فكيف لو رأوا ما أحدثوا في هذا الزمان فيه من الزيادات القبيحة. فاحذره يا أخي، واقتد بالسلف الصالح. فقد قال ابن عباس ﵁: الغناء يُنبتُ النفاق في القلب كما ينبت الماء البقل.
وسأل رجل القاسم بن محمد عن الغناء فقال: أنهاك عنه، وأكرهه لك. فقال: حرام هو؟ فقال: يا أخي إذا ميّز الله الحق من الباطل في أيهما تجعل الغناء؟ وكتب عمر بن عبد العزيز إلى مؤدب ولده: ليكن أول
стр. 40
ما يعتقدون من أدبك. بغض الملاهي التي بدؤها من الشيطان، وعاقبتها سخط الرحمن، فإنه بلغني عن الثقات من حملة العلم أن حضور المعازف واستماع الأغاني واللهج بها ينبت النفاق في القلب كما ينبت العشب الماء. ولعمري لتوقي ذلك بترك حضور المواطن في قلبه.
وقال الفضيل بن عياض: الغناء رقية الزنا. وقال الضحاك: الغناء مفسدة للقلب، ومسخطة للرب.
وقال يزيد بن الوليد: يا بني أمية، إياكم والغناء، فإنه يزيد الشهوة، ويهدم المروءة وإنه لينوب عن الخمر، ويفعل ما يفعله السكرة.
وقال الإمام أحمد ﵀: الغناء ينبت النفاق في القلب. وسئل عن استماع القصائد، فقال: أكرهه، هو بدعة، ولا يجالسون. وقال: التغبير بدعة محدثة، وقال إسحق بن عيسى: سألت مالك بن أنس عما يترخص
следующие страницы →