← Акыда

Акыда · id 248

حقيقه السنة والبدعة = الأمر بالاتباع والنهي عن الابتداع

الجلال السيوطي

Полный текст (148 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

عنه: إنه ما رفع رأسه إلى السماء منذ أربعين سنة، ومعنا غلام حسن، فجلس بين يديه، فقال: قم من حذائي. وأجلسه من خلفه. واعلم يا أخي أن كل من فاته العلم تخبط؛ فإن حصل له العلم وفاته العمل كان أشد تخبطاً. ومن استعمل أدب الشرع مثل قوله تعالى: (قُلّ للمؤمنين يغضوا من أبصارهم) الآية، فمتى غض بصره في البداية سلم مما يصعب أمره في النهاية؛ فقد ورد النهي عن مجالسة المردان. وأوصى العلماء بذلك، فلا يغتر مغتر فيكون العطف عليه أسرع، والهلاك أقرب من حاجبيه إلى عينيه. وليس هذا موضع استقصاء ما ورد في ذلك من النهي والزجر، ولو استقصينا ما ورد في ذلك لطال الكلام، وإنما المراد بيان ما أحدث من البدع

стр. 37

والضلال. فصل السماع والرقص والوجد تسقط المروءة ومن ذلك ما أحدث من السماع والرقص والوجد. وفاعل ذلك ساقط المروءة، مردود الشهادة، عاصٍ لله ولرسوله. وهو محظور قال الله : (ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله) . قال ابن مسعود: واللهو هنا: الغناء. وكذلك قال عكرمة، ومجاهد، والحسن، وسعيد بن جبير، وقتادة، وإبراهيم. وقال تعالى: (وأنتم سامدون) . قال ابن عباس: هو الغناء. وكذلك قال مجاهد: يقول أهل اليمن: سمد فلان إذا غنّى.

стр. 38

وقال تعالى: (واستفزز من استطعت منهم بصوتك) . قال مجاهد: هو الغناء والمزامير. وعن نافع، قال: كنت مع ابن عمر في طريق، فسمع زمارة راع فوضع أصبعيه في أذنيه، وعدل عن الطريق، وقال: رأيت رسول الله (سمع زمارة راعٍ فصنع كذلك ياأخي. فإذا كان هذا فعلهم في حق صوت ليس بمطرب يخرج مستمعه عن حد الاعتدال، فكيف بسماع صوت أهل هذا الزمان ومزمرتهم؟ وقد نهى رسول الله (عن شراء المغنيات وعن بيعهن، وقال: " ثمنهن حرام ". والأحاديث والآثار في ذلك كثيرة، وليس هذا موضع استقصاء ما ورد في ذلك. واعلم وفقك الله لطاعته أن الأشعار التي ينشدها المغنون اليوم يصفون فيها المستحسنات، والخمر، والقَدّ، والعين، وغير ذلك، مما يحرك الطباع، ويخرجها عن الاعتدال، ويثير كامنها من حيث اللهو، وهو حرام.

стр. 39

قال الطبري ﵀: أجمع علماء الأنصار على كراهة الغناء، والمنع عنه. وهذا منعهم منه مع أنه كان في زمانهم منه ما يتعلق بالزهديات المليحة، فكيف لو رأوا ما أحدثوا في هذا الزمان فيه من الزيادات القبيحة. فاحذره يا أخي، واقتد بالسلف الصالح. فقد قال ابن عباس ﵁: الغناء يُنبتُ النفاق في القلب كما ينبت الماء البقل. وسأل رجل القاسم بن محمد عن الغناء فقال: أنهاك عنه، وأكرهه لك. فقال: حرام هو؟ فقال: يا أخي إذا ميّز الله الحق من الباطل في أيهما تجعل الغناء؟ وكتب عمر بن عبد العزيز إلى مؤدب ولده: ليكن أول

стр. 40

ما يعتقدون من أدبك. بغض الملاهي التي بدؤها من الشيطان، وعاقبتها سخط الرحمن، فإنه بلغني عن الثقات من حملة العلم أن حضور المعازف واستماع الأغاني واللهج بها ينبت النفاق في القلب كما ينبت العشب الماء. ولعمري لتوقي ذلك بترك حضور المواطن في قلبه. وقال الفضيل بن عياض: الغناء رقية الزنا. وقال الضحاك: الغناء مفسدة للقلب، ومسخطة للرب. وقال يزيد بن الوليد: يا بني أمية، إياكم والغناء، فإنه يزيد الشهوة، ويهدم المروءة وإنه لينوب عن الخمر، ويفعل ما يفعله السكرة. وقال الإمام أحمد ﵀: الغناء ينبت النفاق في القلب. وسئل عن استماع القصائد، فقال: أكرهه، هو بدعة، ولا يجالسون. وقال: التغبير بدعة محدثة، وقال إسحق بن عيسى: سألت مالك بن أنس عما يترخص

стр. 41

فيه أهل المدينة في الغناء، فقال: إنما يفعله عندنا الفساق. وقال الطبري ﵀: أما مالك فإنه نهى عن الغناء، وعن استماعه، وقال إذا اشترى الرجل جارية، فوجدها مغنية كان له ردها بالعيب. وكان أبو حنيفة ﵁ يكره الغناء، ويجعل سماع الغناء من الذنوب. وكذلك مذهب سائر أهل الكوفة، مثل: إبراهيم النخعي، والشعبي، وحماد، وسفيان، وغيرهم. قال: ولا يعرف لهم مخالف في كراهة ذلك والمنع منه. وقال الشافعي ﵁: خلفت بالعراق شيئاً أحدثه الزنادقة يسمى التغيير يشغلون به الناس عن القرآن. وقال: الغناء هو مكروه يشبه الباطل. وقد كان أصحاب الشافعي ينكرون السماع. هذا قول العلماء فيه، وكراهيتهم له، مع تجريده عن غيره من المحرمات من حضور النساء، والمردان، والدفوف، والشبابات، وغير ذلك من أنواع المنكرات. قال الشيخ جمال الدين أبو الفرج بن الجوزي ﵀: وكم فتنت الأصوات بالغناء من زاهد وعابد، قال: وقد ذكرنا جملة من أخبارهم في كتابنا المسمى ب " ذم الهوى "، فمن أراد أن يعرف فتنته وعاقبة أمره، فليقف عليه،

стр. 42

ولينظر ما تم على غيره، فينبغي للعاقل أن ينصح نفسه وإخوانه، ويحذرهم مكائد الشيطان، ولولا خوف الإطالة لاستقصينا ما ورد في ذلك، ولكن العاقل الفطن الموفق من قبل نصح الناصح بأخصر عبارة وعرف الحق واتبعه بأدنى إشارة.

стр. 43

بدع تعظيم الأماكن والقبور فصل تعظيم الأماكن التي لا تستحق التعظيم ومن البدع أيضاً: ما قد عم الابتلاء به تزيين الشيطان للعامة تخليق الحيطان والعمد بالزعفران المجبول بماء الورد، وإسراج مواضع مخصوصة في كل بلد بما ليس عليهم، فيفعلون ذلك، ويظنون أنهم متقربون بذلك؛ ثم يتجاوزون في ذلك إلى تعظيم تلك الأماكن في قلوبهم؛ فيعظمونها، ويرجون الشفاء، وقضاء الحوائج بالنذر لها، وتلك الأماكن من بين عيون وشجر وحائط وطاقة وعامود وما أشبه ذلك بذات أنواط الواردة في الحديث الذي رواه الترمذي وصححه، عن أبي واقد الليثي. قال: خرجنا مع رسول الله (إلى حنين، وكانت لقريش شجرة خضراء عظيمة، يأتونها كل سنة، فيعلقون عليها أسلحتهم، ويعلفون عندها، ويذبحون لها. وفي رواية أخرى: خرجنا مع رسول الله (قبل حنين، ونحن حديثو عهد بكفر، وللمشركين سدرة يعكفون عليها، وينيطون بها أسلحتهم، يقال لها: ذات أنواط، فمررنا بسدرة، فقلنا: يا رسول الله، اجعل لنا " ذات أنواط " كما لهم " ذات أنواط " فقال رسول الله) : " سبحان الله الله أكبر!! " كما قال قوم موسى لموسى: (اجعل لنا إلهاً كما لهم الهة) قال: " والذي نفسي بيده لتركبنّ سنة من كان قبلكم " فأنكر النبي (مجرد مشابهتهم للكفار. قال الإمام أبو بكر الطرطوشي: فانظروا رحمكم الله أينما

стр. 44

وجدتم سِدرةً، أو شجرة، أو عاموداً، أو حائطاً، أو طاقة، أو حجراً؛ يقصدها الناس، ويعظمون من شأنها، ويرجون عندها البُرء والشفاء من قبلها، وينوطون بها الخِرَق، ويوقدون عندها شمعاً، أو سراجاً، أو ينذرون بها زيتاً، أو غيره، فهي ذات أنواط. فاقطعوها، واقلعوها، وقوله " ينوطون " أي يعقلون وهذا أمر منكر قبيح؛ فإن هذا يشبه عبادة الأوثان وهو ذريعة إليها، ونوع من عبادة الأوثان؛ إذ عبدة الأوثان كانوا يقصدون بقعة بعينها لتمثال هناك أو غير تمثال يرجون الخير بقصدها. ولم تستحب الشريعة ذلك، فهو من المنكرات، وبعضه أشد من بعض. وسواء قصدها ليصلي عندها، أو ليدعوا أو ليقرأ، أو ليذكر الله، أو ليذبح عندها ذبيحة، أو يخصها بنوع من العبادات. بدع النذور وأقبح من ذلك أن ينذر لتلك البقعة دهناً لتنويرها أو شمعاً، ويقول: إنها تقبل النذر، كما يقول بعض الضالين، أو ينذر ذلك لقبر، أي قبر كان، فإن هذا نذر معصية باتفاق العلماء، لا يجوز الوفاء به، بل عليه كفارة يمين عند كثير من العلماء، منهم أحمد وغيره، وكذلك إذا نذر خبزاً وغيره للحيتان أو لعين أو لبئر، وكذلك إذا نذر مالاً ما: دراهم، أو ذهباً، أو بقراً، أو جملاً، أو معزاً للمجاورين عند القبور، أو عند هذه الأماكن المنذور لها، ويسمون السدنة فهذا أيضاً نذر معصية، وفيه شبه من النذر لسدنة الأصنام. قبور وهمية فمن هذه الأماكن ما يظن أنه قبر نبي أو رجل صالح، أو يظن أنه مقام، وليس كذلك، فمن هذه الأماكن: عدة أماكن بدمشق، مثل ما يزعمون عن قبر أبي بن كعب أنه خارج باب الشرقي، ولا يعرف بين

стр. 45

أهل العلم أن أبي بن كعب إنما توفي بالمدينة ولم يمت بدمشق، والله أعلم قبر من هو. وكذلك مكان بالحائط القبلي بالجامع، ويقولون: إنه قبر هود ﵇. فلن يذكر أحد من أهل العلم أن هوداً ﵊ مات بدمشق، بل قيل: إنه مات باليمن، وقيل: بمكة، وكذلك قبر بباب حبرون، يقال: إنه قبر بعض أهل البيت، وليس بصحيح، بل هذا باب قديم قيل: بناه سليمان ﵇، وقيل ذو القرنين، وقيل غير ذلك. وإنما ذكر لهم بعضهم من لا يوثق به في شهور سنة ست وثلاثين وستمائة أنه رأى مناماً يقتضي أن ذلك المكان دفن فيه بعض أهل البيت، قال الشيخ شهاب الدين أبو محمد عبد الرحمن المعروف بأبي شامة الشافعي ﵀: وقد أخبرني عنه ثقة أنه اعترف أنه افتعل ذلك، فقطعوا طريق المارة، وجعلوا الباب بكماله مسجداً مغصوباً. وقد كان الطريق يضيق بسالكيه، فضاعف الله نكال من تسبب بذلك في بنائه، واجزل ثواب من أعان على هدمه اتباعاً لسنة رسول الله (في هدم مسجد الضرار المرصد لأعدائه من الكفار. فلم ينظر الشرع إلى كونه مسجداً، وهدمه لما قصد به من السوء والضرار. وكذلك مسجد خارج باب الجابية، يقال له: مسجد أويس القرني، ولم يذكر أحد أن أويساً مات بدمشق، ومن ذلك قبر باب الصغير، يقال: إنه قبر

стр. 46

أم سلمة زوجة النبي (. ولا خلاف أن أم سلمة ﵂ ماتت بالمدينة. ومن ذلك مشهد بقاهرة مصر يقال: إن فيه رأس الحسين ﵁، وأصله أنه كان له بعسقلان مشهد، يقال باتفاق العلماء - لم يخالف أحد منهم: إن رأس الحسين كان بعسقلان، بل فيه أقوال ليس هذا مكانها. وكذلك مقابر كثيرة لأسماء

стр. 47

رجال معروفين، وقد علم أنها ليست مقابرهم، فهذه المواضع ليست فيها فضيلة أصلاً. أوهام وأباطيل ومن ذلك مواضع يقال إن فيها أثر النبي (أو غيره، كما يقوله الجهلة في الصخرة التي ببيت المقدس إن فيها أثراً من وطء النبي (. وفي مسجد قبل دمشق يسمى القدم يقال: إن فيه أثر قدم موسى (. وهذا باطل لا أصل له، ولم يقدم موسى (دمشق، ولا ما حولها، وكذلك مساجد تضاف إلى بعض الأنبياء والصالحين تم بناؤها على أنه رؤى في المنام هناك، ورؤية النبي (أو الرجل الصالح في المنام ببقعة لا يوجب لها فضيلة، تقصد لأجلها وتتخذ مصلى مكروه، وإنما يفعل ذلك وأمثاله أهل الكتاب. وهذه الأمكنة كثيرة موجودة في أكثر البلاد، فهذه البقاع لا يعتقد لها خصيصة كائنة ما كانت، فإن تعظيم مكان لم يعظمه الله شر مكان، وهذه المشاهد الباطلة إنما وضعت مضاهاة لبيوت الله، وتعظيماً لما لم يعظمه الله، وعكوفاً على أشياء لم تنفع ولم تضر، وصداً للخلق عن سبيل الله، وهي عبادته وحده لا شريك له بما شرعه على لسان رسول الله (واتخاذها عيداً هو الاجتماع عندها، واعتياد قصدها، فإن العيد من المعاودة. وقد يحكى عندها من الحكايات التي فيها تأثير مثل أن رجلاً دعا عندها فاستجيب، أو نذر لها فقضيت حاجته، أو نحن ذلك. وبمثل هذه الأمور كانت تعبد الأصنام، وبمثل هذه الشبهات حدث الشرك في الأرض. كراهية النذر وقد صح عن النبي (أنه نهى عن النذر، وقال: " إنه لا يأتي بخير وإنما يستخرج به من البخيل " فإذا كان نذر الطاعات المعلقة بشرط لا فائدة فيه، ولا يأتي بخير، فما الظن بالنذر لما لا يضر ولا ينفع.

стр. 48

دفع شبهة وأما إجابة الدعاء هناك فقد يكون سببه اضطرار الداعي، وقد يكون سببه مجرد رحمة الله له، وقد يكون سببه أمراً قضاه الله لا لأجل دعائه، وقد يكون له أسباب أخرى. وإن كانت فتنة في حق الداعي، وقد كان الكفار يدعون، فيستجاب لهم، فيُسقون ويُنصرون ويُعافون مع دعائهم عند أوثانهم وتوسلهم بها. وقد قال تعالى: (كَّلاّ نُمْدُّ هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظوراً) . وأسباب المقدورات فيها أمور يطول تعدادها، وإنما على الخلق اتباع ما بعث الله به المرسلين، والعلم بأن فيه خير الدنيا والآخرة. النهي عن الصلاة في القبور واتخاذها عيداً ومن هذه الأمكنة ما له خصيصة لكن لا تقتضي اتخاذها عيداً، ولا الصلاة عندها، ونحوها من العبادات كالدعاء عندها. فمن هذه الأمكنة قبور الأنبياء والصالحين. وقد جاء عن رسول الله (أنه قال: " لا تجعلوا بيوتكم قبوراً ولا تجعلوا قبري عيداً وصلوا عليّ، فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم ". وعن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله أنه رأى رجلاً يجيء إلى فرجة كانت عند قبر النبي (فيدخل

стр. 49

فيها ويدعو، فقال: ألا أحدثك حديثاً، عن أبي، عن جدي، عن رسول الله (أنه قال: " لا تتخذوا قبري عيداً ولا بيوتكم قبوراً وصلوا عليّ؛ فإن صلاتكم عليّ تبلغني حيث كنتم " أخرجه الحافظ أبو عبد الله محمد بن عبد الواحد المقري فيما اختاره من الأحاديث الجياد الزائدة على الصحيحين، وشرطه فيه أحسن من شرط الحاكم في صحيحه، وروى سعيد في سنته عن أبي سعيد مولى المهدي قال: قال رسول الله) : " لا تتخذوا بيتي عيداً، ولا بيوتكم قبوراً، وصلوا عليّ حيثما كنتم، فإن صلاتكم تبلغني ". وروي أيضاً عن سهل بن أبي سهيل، قال: رآني الحسين بن الحسين بن علي بن أبي طالب ﵁ عند القبر، فناداني وهو في مبيت فاطمة يتعشى، فقال: هلمَّ إلى العشاء،

стр. 50

فقلت سلمت على النبي (، فقال: إذا دخلت المسجد فسلم، ثم قال: إن رسول الله (قال: " لا تتخذوا قبري عيداً، ولا تتخذوا بيوتكم مقابر؛ لعن الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، وصلوا عليّ - فإن صلاتكم تبلغني حيث ما كنتم ". وجه الدلالة: أن قبر رسول الله (أفضل قبر على وجه الأرض، وقد نهى (عن اتخاذه عيداً من المعاودة إليه، فقبر غيره أولى بالنهي كائناً من كان، ثم إنه قرن ذلك بقوله: " ولا تتخذوا بيوتكم قبوراً "، أي لا تعطلوها عن الصلاة فيها والدعاء والقراءة، فتكون بمنزلة القبور، عكس ما يفعله المشركون من النصارى في التشبيه بهم. ثم أنه (عقب النهي عن اتخاذه عيداً بقوله: " وصلوا عليّ فإن صلاتكم تبلغني حيث ما كنتم "، يشير بذلك (إلى أن ما ينالني منكم من الصلاة والسلام يصل مع قربكم من قبري وبعدكم منه، فلا حاجة بكم إلى اتخاذه عيداً، ثم إن أفضل التابعين من أهل البيت علي بن الحسين نهى عن ذلك الرجل أن يتحرى الدعاء عند قبره (، وبين أن قصده للدعاء ونحوه، اتخاذه عيداً، وكذلك ابن عمه الحسين بن الحسين شيخ أهل بيته كره أن يقصد قبره الرجل للسلام عليه ونحوه، ورأى أن ذلك من اتخاذه عيداً. فانظر هذه السنة، كيف يخرجها أهل بيته، الذين لهم من رسول الله (قرب النسب وقرب الدار؛ لأنهم إلى ذلك أحوج من غيرهم، فكانوا له أضبط. آداب زيارة القبور والذي يستحب للرجل الزائر للقبور

стр. 51

أن يتذكر بزيارته الآخرة، وأن يسلم عليهم، ويدعو لهم بالمأثور من الدعاء الذي كان يعلم النبي (أصحابه إذا زاروا القبور أن يقولوا قبالتهم: " السلام عليكم أهل الديار، من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، فنسأل الله لنا ولكم العافية أنتم لنا سلف ونحن بالأثر ". وإن قرأ شيئاً من القرآن وأهداه إليهم فهو حسن. وما سوى ذلك من المحدثات، كالصلاة عندها، واتخاذها مساجد، وبناء المساجد عليها؛ فقد تواترت النصوص عن النبي (بالنهي عن ذلك، والتغليظ على فاعله. النهي عن بناء المساجد على القبور فأما بناء المساجد عليها، وإشعال القناديل والشموع أو السُّرج عندها، فقد لعن فاعله، كما جاء عن النبي (، قال: " لعن الله زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج ". حديث حسن، وقد تقدم. وصرح عامة علماء الطوائف بالنهي عن ذلك متابعة للأحاديث

стр. 52

الواردة في النهي عن ذلك. ولا ريب في القطع بتحريمه لما بينت في صحيح مسلم عن جندب ابن عبد الله البجلي ﵁، قال: سمعت رسول الله (قبل أن يموت بخمس يقول: " إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل، فإن الله تعالى قد اتخذني خليلاً كما اتخذ إبراهيم خليلاً، ولو كنت متخذاً من أمتي خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً، ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد. إني أنهاكم عن ذلك ". وفي الصحيحين عن عائشة وابن عباس ﵄، قال: لما نزل رسول الله (طفق يطرح خميصة له على وجهه فإذا اغتم بها كشفها عن وجهه، فقال وهو كذلك: " لعنة الله على اليهود والنصارى؛ اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد " يحذر ما صنعوا. وفي الصحيحين أيضاً عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله (، قال: " قاتل الله اليهود، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ". وقالت عائشة ﵂: قال رسول الله (في مرضه الذي مات فيه: " لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم

стр. 53

مساجد " قالت: ولولا ذلك لأبرز قبره، غير أنه خشي أن يتخذ مسجداً، متفق عليه. وروى الإمام أحمد عن أبي مسعود ﵁ أن النبي (قال: " إن من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء، والذين يتخذون القبور مساجد ". وعن ابن مسعود ﵁، قال: " لعن رسول الله زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج ". رواه الإمام أحمد وأبو داود، والترمذي، والنسائي. حكم المساجد المبنية على القبور وفي الباب أحاديث كثيرة وآثار، فهذه المساجد المبنية على القبور يتعين إزالتها، هذا مما لا خلاف فيه بين العلماء المعروفين، وتكره الصلاة فيها من غير خلاف، ولا تصح عن الإمام أحمد في ظاهر مذهبه، لأجل النهي واللعن

стр. 54

الوارد في ذلك. بدع أخرى تتعلق بالقبور وكذلك إيقاد المصابيح كالسرج والشمع والقناديل في هذه المشاهد والتُرب، فلا خلاف في النهي الوارد في ذلك، وفاعله ملعون على لسان رسول الله (؛ حيث قال: " لعن الله زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسُرُج ". ولا يجوز الوفاء بما نذر من زيت وشمع وغير ذلك، بل موجبه موجب نذر المعصية. وكذلك الصلاة عندها مكروهة وإن لم يبن عليها مسجد، فإن كل موضع يصلى فيه فهو مسجد وإن لم يكن هناك بناء، والنبي (قد نهى عن ذلك بقوله: " لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا عليها " وقال: " اجعلوا من صلاتكم في بيوتكم ولا تتخذوها قبوراً " يعني كما أن القبور لا يصلى فيها فلا تجعلوا بيوتكم كذلك. ولا تصح الصلاة بين القبور في مذهب الإمام أحمد وتكره عند غيره. أصل عبادة الأوثان واعلم أن من الفقهاء من اعتقد أن سبب الكراهة في الصلاة في المقبرة ليس إلا كونها مظنة النجاسة، ونجاسة الأرض مانع من الصلاة عليها، سواء كانت مقبرة أو لم تكن. وليس ذلك كل المقصود بالنهي، وإنما المقصود الأكبر بالنهي إنما هو مظنة اتخاذها أوثاناً. كما ورد عن الإمام الشافعي ﵁ أنه قال: وأكره أن يعظم مخلوق حتى يجعل قبره مسجداً مخافة الفتنة عليه من بعده من الناس.

стр. 55

وقد نص النبي (على العلة بقوله: " اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد " ويقول: " إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد، فلا تتخذوا القبور مساجد، ولا تجلسوا عليها " الحديث المتقدم. وأخبر (أن الكفار " كانوا إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجداً، وصوروا فيه تلك التصاوير، أولئك شر الخلق عند الله يوم القيامة " فجمع (بين التماثيل وبين القبور. وأيضاً فإن الّلات كان سبب عبادتها تعظيم قبر رجل صالح كان هناك يلت السويق بالسمن ويطعمه للحاج، فلما مات عكفوا على قبره. وقد ذكروا أيضاً أن وداً، وسواعاً، ويغوث، ويعوق، ونسراً، قوم صالحون كانوا بين آدم ونوح ﵉، وكان لهم اتباع يقتدون بهم، فلما ماتوا قال أتباعهم: لو صورنا صورهم. فلما مات الأتباع، وجاء بعدهم قوم آخرون، أتاهم إبليس، فقال: إنما كان أولئك يعبدونهم، وبهم يُسقون المطر. فعبدوهم. وذكر ذلك محمد بن جرير الطبري بسنده. وهذه العلة التي لأجلها نهى الشارع (هي التي

стр. 56

أوقعت كثيراً من الأمم إما في الشرك الأكبر أو فيما دونه. ولهذا تجد أقواماً كثيرة من الضالين يتضرعون عند قبر الصالحين، ويخشعون، ويتذللون، ويعبدونهم بقلوبهم عبادة لا يفعلونها في بيوت الله المساجد، بل ولا في الاسحار بين يدي الله تعالى، ويرجون من الصلاة عندها والدعاء ما لا يرجونه في المساجد التي تشد إليها الرحال. فهذه المفسدة هي التي حسم النبي (مادتها حتى نهى عن الصلاة في المقبرة مطلقاً وإن لم يقصد المصلى بركة البقعة ولا ذلك المكان سداً للذريعة إلى تلك المفسدة التي من أجلها عبدت الأوثان. فأما إن قصد الإنسان الصلاة عندها، أو الدعاء لنفسه في مهماته وحوائجه متبركاً بها راجياً للإجابة عندها، فهذا عين المحادّة لله ولرسوله، والمخالفة لدينه وشرعه، وابتداع دين لم يأذن به الله ولا رسوله ولا أئمة المسلمين المتبعين آثاره وسننه. فإن قصد القبور للدعاء رجاء الإجابة فمنهي عنه، وهو إلى التحريم أقرب. والصحابة ﵃ وقد أجدبوا مراتٍ - ودهمتهم نوائب بعد موته (، فهلا جاءوا فاستسقوا واستغاثوا عند قبر النبي (وهو أكرم الخلق على الله ، بل خرج فيهم سيدنا عمر بن الخطاب ﵁ بالعباس عم النبي (إلى المصلى فاستسقى به، ولم يستسقوا عند قبر النبي (. فاقتد أيها المسلم إن كنت عبد الله بسلفك الصالح، وتحقق التوحيد الخالص؛ فلا تعبد إلا الله، ولا تشرك بربك أحداً،

стр. 57

كما أمر الله تعالى بقوله: (فإياي فاعبدون) ، وقال تعالى: (فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملاً صالحاً ولا يشرك بعبادة ربه أحداً) . فلا تعبد إلا إياه ولا تدْعُ إلا هو، ولا تستعن إلا به، فإنه لا مانع ولا معطي ولا مضارّ ولا نافع إلا هو ، لا إله إلا هو عليه توكلت وإليه أنيب.

стр. 58

بدع الأعياد والمناسبات والمواسم فصل بدع الأعياد والمواسم والنهي عن مشاركة أهل الكتاب في أعيادهم ومواسمهم ومن البدع والمنكرات مشابهة الكفار وموافقتهم في أعيادهم ومواسمهم الملعونة، كما يفعل كثير من جهلة المسلمين في مشاركة النصارى وموافقتهم فيما يفعلونه في خميس البيض الذي هو أكبر أعياد النصارى، وفي المواليد وفي الشتاء من إيقاد النار، وصنع قطائف، وصبغ البيض، وخبز أقراص، وشراء بخور، وخضاب الصبيان والنساء ويزعمون أن مريم ﵍ تخرج من قبرها تمر على تلك الثياب المنشورة، فيصيبها من بركتها. وذلك باطل لا أصل له. فطائفة يجعلون على أبواب بيوتهم ودورهم صور الحيات والعقارب والصلبان، يزعمون أنها تطرد الهوام عنهم، وإنما تطرد الملائكة؛ إذ صح عن النبي (

стр. 59

أنه قال: " لا تدخل الملائكة بيتاً فيه كلب ولا صورة ". ويقطعون قرون البقر والغنم والمعز بالنورة لأجل البركة. وكل هذا باطل لا شك في تحريمه. وقد يبلغ التحريم في بعضه إلى أن يكون من الكبائر وليس على المسلم أن يبحث عنها ولا يعرفها، بل يكفيه أن يعرف فعلاً من أفعالهم أو يوماً أو مكاناً بسبب تعظيمه من جهتهم، وأنه لا أصل له في دين الإسلام، ونحن نبينه على ما رأينا كثيراً من الناس الجاهلين قد وقعوا فيه. فمن ذلك خميس البيض، الذي تقدم ذكره، الذي يسمونه الخميس الكبير. وإنما هو الخميس الحقير، وهو عيد النصارى الأكبر، فجميع ما يحدثه المسلم فيه فهو من المنكرات. ومن المنكرات فيه: خروج النساء إلى ظاهر البلد، وتبخير القبور، ووضع الثياب على السطح، وكتابة الأوراق وإلصاقها بالأبواب، واتخاذه موسماً لبيع البخور، وشراء ورقة، فإن رقي البخور واتخاذها قرباناً هو دين النصارى والصابئين، وإنما البخور طيب يتطيب بدخانه كما يتطيب بسائر الطيب، ويستحب البخور حيث يستحب التطيب. وكذلك اختصاصه بطبخ عدس أو بسيسة أو صبغ بيض، أو خبز أقراص، ونحو ذلك. فأما القمار بالبيض، وبيع البيض لمن قامر به، أو شراؤه من المقامرين،

стр. 60

فظاهره التحريم. ومن ذلك ما يفعله الفلاحون من نكث قرون البقر والماعز والغنم، أو نكث الشجر، أو جمع أنواع من النبات والتبرك بها والاغتسال بمائها. ومن ذلك ما يفعله النساء من أخذ ورق الزيتون والاغتسال بمائه، أو قصد الاغتسال في الحمام في يوم السبت الذي يسمونه سبت النور، أو الانغماس في ماء، فإن أصل ذلك ماء المعمودية. ومن ذلك تعطيل الوظائف الرئيسية من الصنائع والتجارات، وغلق الحوانيت، واتخاذه يوم راحة وفرح على وجه يخالف ما قبله وما بعده من الأيام. كل ذلك منكر وبدعة، وهو شعار النصارى فيه. فالواجب على المؤمن بالله ورسوله أن لا يحدث في هذا اليوم شيئاً أصلاً، بل يجعله يوماً كسائر الأيام. النهي عن الاحتفال بما يسمى بليلة رأس السنة الميلادية ومما يفعله كثير من الناس في فصل الشتاء، ويزعمون أنه ميلاد عيسى ﵇، فجميع ما يصنع أيضاً في هذه الليالي من المنكرات، مثل: إيقاد النيران، وإحداث طعام، وشراء شمع، وغير ذلك؛ فإن اتخاذ هذه المواليد موسماً هو دين النصارى، وليس لذلك أصل في دين الإسلام. ولم يكن لهذا الميلاد ذكر في عهد السلف الماضين، بل أصله مأخوذ عن النصارى، وانضم إليه بسبب طبيعي، وهو كونه في الشتاء المناسب لإيقاد النيران. ثم إن النصارى تزعم أن يحيى ﵇ بعد الميلاد بأيام عمد عيسى ﵇ في ماء المعمودية، فهم يتعمدون - أعني النصارى، في هذا الوقت ويسمونه عيد الغطاس. وقد صار كثير من جُهل المسلمين يدخلون أولادهم الحمام في هذا الوقت، ويزعمون أن ذلك ينفع الولد. وهذا من دين النصارى، وهو من أقبح المنكرات المحرمة.

стр. 61

النهي عن التشبه بالكافرين ومن ذلك أعياد اليهود أو غيرهم من الكافرين أو الأعاجم والأعراب الضالين، لا ينبغي للمسلم أن يتشبه بهم في شيء من ذلك، ولا يوافقهم عليه، قال الله تعالى لنبيه محمد) : " ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون إنهم لن يغنوا عنك من الله شيئاً وإن الظالمين بعضهم أولياء بعض والله ولي المتقين) . وأهواء الذين لا يعلمون هو ما يهوونه من الباطل، فإنه لا ينبغي للعالم أن يتبع الجاهل فيما يفعله من أهواء نفسه، قال تعالى لنبيه) : (ولئن اتبعت أهواءهم من بعد ما جاءك من العلم إنك إذا لمن الظالمين) . فإذا كان هذا خطابه لنبيه (، فكيف حال غيره إذا وافق الجاهلين أو الكافرين وفعل كما يفعلون مما لم يأذن به الله ورسوله ويتابعهم فيما يختصون به من دينهم وتوابع دينهم؟ وترى كثيراً من علماء المسلمين الذين يعلمون العلم الظاهر، وهم منسلخون منه بالباطن، يصنعون ذلك مع الجاهلين في مواسم الكافرين بالتشبه بالكافرين، وقد جاء عن النبي (أنه قال: " من أشد الناس عذاباً يوم القيامة عالم لم ينفعه الله بعلمه ". والتشبه بالكافرين حرام وإن لم يقصد ما قصده، بدليل ما روي عن ابن عمر عن رسول الله) : " من تشبه بقوم فهو منهم ". رواه أبو داود وغيره في السنن.

стр. 62

فهذا الحديث أقر أحوالاً تقتضي تحريم التشبه بهم. روى عمر بن شعيب، عن أبيه، عن جده أن رسول الله (قال: " ليس منا من تشبه بغيرنا، لا تشبهوا باليهود ولا النصارى ". وعن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله) : " خالفوا المشركين، احفوا الشوارب، وأعفوا اللحى " فأمر رسول الله (بمخالفة المشركين مطلقاً. وقال عمر بن الخطاب ﵁ إياكم ورطانة الأعاجم، وأن تدخلوا على المشركين في كنائسهم. وقال عبد الله بن عمر: من بنى بأرض المشركين وصنع نيروزهم ومهرجانهم وتشبه بهم حتى يموت حُشر معهم يوم القيامة.

стр. 63

وقد شرط عليهم عمر بن الخطاب ﵁ أن لا يظهروا أعيادهم في بلاد المسلمين، فإذا كانوا ممنوعين من إظهار أعيادهم في بلادنا، فكيف يسع المسلم فعلها؟ هذا مما يقوي طمعهم وقلوبهم في إظهارها، وإنما منعوا من ذلك لما فيه من الفساد، إما لأنه معصية، وإما لأنه شعار الكفر. والمسلم ممنوع من ذلك كله. وقال عمر بن الخطاب ﵁: اجتنبوا أعداء الله في دينهم، فإن السخط ينزل عليهم. فموافقتهم في أعيادهم من أسباب سخط الله تعالى لأنه إما محدث وإما منسوخ. مقاطعة المتشبه بهم وعدم جواز بيع العنب لمن يصنع الخمر منهم والمسلم لا يقر على واحد منها. وكما لا يحل التشبه بهم في أعيادهم، فلا يعان المسلم المتشبه بهم في ذلك، كما لا يحل بيع العنب لمن يعصرها خمراً. ومن صنع في أعيادهم دعوة لم يجب إليها، ومن أهدى من المسلمين هدية في هذه الأعياد مخالفة العادة، وهي مما فيه تشبه بهم، لم تقبل هديته. واعلم أن نفي مخالفتهم أمر مقصود للشارع؛ لأن الكفر بمنزلة مرض القلب وأشد، ومتى كان القلب مريضاً لم يصح من الأعضاء؛ وإنما الصلاح أن لا يشبه القلب في شيء من أمور الكافر أنها كلها إما فاسدة وإما ناقصة. فالحمد لله على نعمة الإسلام التي هي أعظم النعم، وأم كل خير كما يحب ربنا ويرضى. فموافقتهم فيما هو منسوخ بشريعتنا قبيح، وأقبح منه ما أحدثوه من العبادات أو العادات؛ فإنه مما أحدثه الكافرون، وموافقة المسلمين

стр. 64

لهم فيه من أعظم المنكرات. فكل ما يتشبهون بهم من عبادة أو عادة، فهو من المحدثات والمنكرات. وقد مدح الله من لم يشهد أعيادهم ومواسمهم ولم يشاركهم فيها بقوله: (والذين لا يشهدون الزور) ، قال مجاهد والضحاك والربيع بن أنس: هو أعياد المشركين. وقال ابن سيرين: هو الشعانين. وتقدم قوله) : " خالفوا المشركين " وقال: " من تشبه بقوم فهو منهم ". واعلم أنه لم يكن على عهد السلف السابقين من المسلمين من يشاركهم في شيء من ذلك. فالمؤمن حقاً هو السالك طريق السلف الصالحين المقتفي لآثار نبيه سيد المرسلين (، المقتفي بمن أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين.

стр. 65

فجعلنا الله منهم بمنه وكرمه إنه جواد كريم. عدم الاغترار بكثرة الضالين واتباع أهل الحق ولو كانوا قلة ولا ينظر الرجل إلى كثرة الجاهلين الواقعين في مشابهة الكافرين والعلماء والغافلين وموافقتهم، فقد قال السيد الجليل الفضيل بن عياض ﵁: عليك بطريق الهدى وإن قل السالكون واجتنب طريق الردّى وإن كثر الهالكون. اللهم اجعلنا من المهتدين المتبعين لآثار سبيل الصالحين، ولا تجعلنا من الهالكين المتبعين لآثار سبيل الكافرين والضالين بمنك وكرمك، إنك جواد كريم.

стр. 66

فصل ما يظنه الناس طاعة وقربة وهو بخلاف ذلك وأم االقسم الثاني مما يظنه الناس طاعة وقربة، وهو بخلاف ذلك، أو تركه أفضل من فعله، وهو ما قد أمر به الشارع في صورة من الصور من زمان مخصوص، أو مكان معين؛ كالصوم بالنهار، والطواف بالكعبة، أو أمر به شخص دون شخص، كالذي اختص به النبي (في المباحات والتخفيفات، فبقيس الجاهل نفسه عليه، فيفعله وهو منهي عن فعله، أو يقيس الصور بعضها على بعض بسبب الحرص على الإكثار من إيقاع العبادات والقرب والطاعات، فيحملهم الحرص على فعلها في أوقات وأماكن نهاهم الشرع في اتخاذ تلك الطاعات فيها. ومنها ما هو محرم، ومنها ما هو مكروه. ويورطهم الجهل وتزيين الشياطين بأن يقولوا هذه طاعات وقرب، قد ثبت في غير هذه الأوقات فعلها، نحن نفعلها أبداً، فإن الله لا يعاقبنا على فعل الطاعة إذا ما فعلناها. الصلاة في الأوقات المكروهة وذلك مثل الصلاة في الأوقات المكروهة، وهي بعد صلاة الفجر حتى تطلع الشمس، وبعد طلوعها حتى ترتفع قدر رمح، وعند استوائها حتى تزول، وبعد العصر حتى تغرب الشمس. صوم الأيام المكروهة وكصومهم في الأيام المنهي عنها كالعيدين، وأيام التشريق، وكوصالهم في الصيام الذي هو من خصائص النبي (. وقد اشتد نكيره على من فعل ذلك. الرد على من فعل هذا فهؤلاء وأمثالهم متقربون إلى الله بما لم يشرعه الله، بل نهى عنه. وإذا قيل لهؤلاء: (لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون ألا أنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون)

стр. 67

وما أحسن ما قال ولي الله أبو سليمان الداراني ﵀: ليس لمن ألهم شيئاً من الخيرات أن يعمل به حتى يسمعه من الأثر، فإذا سمعه من الأثر عمل به، وحمد الله تعالى حين وافق ما في قلبه. وقال أيضاً: ربما وقع في قلبي النكتة من نكت القوم أياماً، ولا أقبل منه إلا بشاهدين عدلين من الكتاب والسنة. وقال أبو حامد الغزالي ﵀: من توجب عليه رد وديعة في ذمته، فقام فتحرم بالصلاة التي هي أقرب القربات إلى الله تعالى، عصى ربه. فلا يكفي كون جنس فعله من جنس الطاعات ما لم يراع فيه الوقت، والشرط، والترتيب. واغتر بعض الجاهلين بقوله تعالى: (واسجد واقترب) ، وظنّ أن هذا يقتضي العموم في جميع الأوقات، واعتضد بقوله: (أرأيت الذي ينهى عبداً إذا صلى) وغفل عن أن السجود المقرب إلى الله تعالى هو السجود المأذون فيه، وهو المشروع. والإنكار في الآية وقع على من نهي عن الصلاة المأذون فيها، وهي المشروعة، فتلك التي لا ينبغي لأحد أن ينهى عنها. أما إذا صلى صلاة قد علمنا نهي الشارع عنها، فإنه يجب على كل أحد علم به نهيه عنها، بدليل الحديث الثابت في الصحيحين من رواية ابن عمر ﵄: أن النبي (نهى عن الصلاة بعد صلاة الصبح حتى تطلع الشمس، وبعد العصر حتى تغرب.

стр. 68

وعن عقبة بن عامر ﵁ قال: " ثلاث ساعات كان رسول الله (ينهى أن نصلي أو نقبر فيهم موتانا: حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع، وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تميل الشمس، وحين تضيف للغروب حتى تغرب " أخرجه مسلم.

стр. 69

وعن ابن عمر: أنه رأى رجلاً يصلي بعد الجمعة في مقامه ركعتين، فدفعه. وفي رواية: أنه أبصر رجلاً يصلي الركعتين والمؤذن يقيم الصلاة فدفعه، وقال: تصلي الصبح أربعاً؟!! أخرجه البيهقي في السنن. وقد جاء هذا اللفظ في الصحيح مرفوعاً من حديث عبد الله بن مالك بن عيينة. وروى البيهقي عن عمر ﵁: أن النبي (نهى عن التنفل بعد الفجر سوى ركعتي الفجر. قال يسار مولى ابن عمر: رآني ابن عمر وأنا أصلي بعد الفجر وأسلم من ركعتين، فقال: إن رسول الله (خرج علينا ونح نصلي كما تصلي فقال: " ليبلغ الشاهد منكم الغائب، لا تصلوا بعد الفجر إلا سجدتين " يعني سنة الفجر لا غير. وعن ابن عمر أيضاً: أن رسول الله (نهى عن الوصال، فقالوا إنك تفعله! فقال: " إني لست كأحدكم إني يطعمني ربي ويسقيني " وعن أبي هريرة نحوه. متفق عليه.

стр. 70

وعن كعب بن مالك: أن رسول الله (بعثه وأوس بن الحارث في أيام التشريق، فناديا أنه لا يدخل الجنة إلا مؤمن، وأيام منى أيام أكل وشرب. رواه مسلم، ورواه الإمام أحمد بنحوه عن سعد بن أبي وقاص. وروى الدارقطني عن أنس أن النبي (نهى عن صوم خمسة أيام في السنة: يوم الفطر، ويوم النحر، وثلاثة أيام التشريق. ونهى (أيضاً عن استقبال رمضان باليوم أو اليومين، وعن إفراد الجمعة بالصيام وليلتها بالقيام، وعن إفراده يوم السبت بالصوم، وكذا صيام أعياد الكفار على سبيل التعظيم ما لم يوافق عادة له.

стр. 71

وعن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله) : " لا تخصوا ليلة الجمعة بقيام الليالي ولا تخصوا يوم الجمعة بصيام من بين الأيام إلا أن يكون صوماً يصومه أحدكم " رواه مسلم. وعن عبد الله بن بشير عن أخته واسمها الصماء: أن رسول الله (قال: " لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم، فإن لم يجد أحدكم إلا عود عنب أو لحاء شجرة فليمضغه ". رواه أبو داود والترمذي. وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله) : " لا يتقدمن أحدكم رمضان بصوم يوم أو يومين إلا أن يكون رجلاً كان يصوم صوماً فليصمه ". متفق عليه. أفيجوز لمسلم أن يسمع هذه الأحاديث، ثم يقول إن النبي (نهى الناس عن الصلاة والصوم من حيث هو صلاة أو صوم؟ وقائل هذا جاهل محرف لكتاب الله وسنة رسوله (، فيدل كلامه على أنه مارق في الدين، قد سلبه الله لذة فهم مراده من وحيه، وإن كان هذا من أوضح المواضع، فكيف بما يدق معانيه؟ فكل من رد على الناهي عن ذلك، فإنه يتضمن الرد على رسول الله (، فإنه هو الذي نهى عنه، وأمرنا بإنكار المنكر، والله حسيب من افترى.

стр. 72

صلاة الرغائب ومن هذا القسم أمور اشتهرت في معظم بلاد الإسلام، وعظم وقعها عند العوام، ووضعت فيها أحاديث كذب على رسول الله (، واعتقد بسبب تلك الأحاديث فيها ما لم يعتقد فيما افترضه الله تعالى واقترن بها مفاسد كثيرة، وأدى التمادي في ذلك إلى أمور منكرة، فتطاير شررها فظهر شرها، فمنها " صلاة الرغائب " في " أول ليلة جمعة من رجب ". واعلم رحمك الله أن تعظيم هذا اليوم، وهذه الليلة، إنما أحدث في الإسلام " بعد المائة الرابعة " وروى في حديث موضوع باتفاق العلماء مضمونه: فضيلة صيام ذلك، وقيام تلك الليلة وسموها صلاة الرغائب. والذي عليه المحققون من أهل العلم النهي عن إفراد هذا اليوم بالصوم، وعن قيام هذه الليلة بهذه الصلاة المحدثة، وعن كل ما فيه تعظيم لهذا اليوم من صنع الأطعمة وإظهار الزينة وغير ذلك حتى يكون هذا اليوم بمنزلة غيره من الأيام. وكذلك يوم آخر في وسط رجب تصلى فيه صلاة تسمى " صلاة أم داود "، فإن ذلك أيضاً لا أصل له. من هو واضع تلك الصلاة ؟ وقال الإمام الحافظ أبو الخطاب: أما صلاة الرغائب فالمتهم بوضعها علي ابن عبد الله بن جهضم، وضعها بحديث عن رجال مجهولين لم يوجدوا في جميع الكتب، وأصلها ما حكاه الطرطوشي في كتابه، قال: أخبرني

стр. 73

أبو محمد المقدسي قال: لم يكن عندنا في بيت المقدس قط " صلاة الرغائب " هذه الليلة تصلى في رجب وشعبان، وأول ما حدثت عندنا في سنة ثمان وأربعين وأربعمائة، قدم علينا في بيت المقدس رجل من " نابلس " يعرف بابن أبي الحمرا، وكان حسن التلاوة، فقام يصلي في المسجد الأقصى ليلة النصف من شعبان ، فصلى خلفه رجل، ثم انضاف إليهما ثالث ورابع، فما ختمها إلا وهم جماعة كثيرة، ثم جاء في العام الثاني، فصلى معه خلق كثير، وشاعت في المسجد الأقصى هذه الصلاة، وانتشرت في بيوت الناس ومنازلهم، ثم استقرت من ذلك الزمان كأنها سنة إلى يومنا هذا، فقيل لذلك الرجل الذي أحدثها بعدما تركها: إنا رأيناك تصليها في جماعة؟ قال: نعم وأستغفر الله منها. قال: وأما صلاة رجب فلم تحدث عندنا في بيت المقدس إلا بعد سنة ثمانين وأربعمائة. وما كنا رأيناها ولا سمعنا بها من قبل ذلك. فتوى ابن الصلاح في صلاة الرغائب وقد استفتي فيها الشيخ تقي الدين بن الصلاح ﵀، فقال: أما الصلاة المعروفة في ليلة الرغائب. فهي بدعة، وحديثها المروي موضوع وما حدث إلا بعد أربعمائة سنة من الهجرة، وليست ليلتها تفضل على أشباهها من ليالي الجمع. ليلة النصف من شعبان وأما ليلة النصف من شعبان، فلها فضل، وإحياؤها بالعبادة مستحب،

стр. 74

ولكن على الانفراد ومن غير جماعة. واتخاذ الناس لها ولليلة الرغائب موسماً وشعاراً بدعة مكروهة، وما يزيدونه فيها على الحاجة والعادة من الوقيد ونحوه فغير موافق للشريعة. الصلاة الألفية والصلاة الألفية التي تصلى ليلة النصف من شعبان لا أصل لها ولأشباهها. فالعجب من حرص الناس على الأمر المبتدع في هاتين الليلتين، وتقصيرهم في الأمور المؤكدة الثابتة عن رسول الله (، والله المستعان. واعلم أن هذه الصلاة المبتدعة تناقض قواعد الشريعة من وجوه. أحدهما أن النبي (نهى عن قيام ليلة الجمعة على التخصيص، وهذا النهي بطريق النظر يشمل النهي عن صلاة الرغائب، فكان فعلها داخلاً تحت النهي.

стр. 75

الثاني: مخالفة سنة السكون في الصلاة بسبب عد التسبيحات، وعدّ سورة القدر، والإخلاص، في كل ركعة، ولا يتأتى ذلك إلا بتحريك الأصابع في الغالب. وقد ثبت في الصحيحين: أن النبي (قال: " اسكنوا في الصلاة ". الثالث: مخالفة سنة خشوع القلب وحضوره في الصلاة، وتعريفه الله تعالى، وملاحظة جلاله، والوقوف على معاني القرآن، وهو المطلوب الأعظم في الصلاة. وإذا لاحظ المصلي عد قراءة السورة والتسبيحات بقلبه كان مستلفتاً عن الله تعالى معرضاً عنه. الرابع: مخالفة سنة النوافل من جهة أن فعلها في البيوت أولى من فعلها في المساجد، ومن جهة أن فعلها بالانفراد أولى من فعلها في الجماعة إلا ما استثناه الشرع. الخامس: أن كمال هذه الصلاة عند واضعها المبتدع أن يفعلها مع صيام ذلك اليوم ولا يفطر حتى يصليها، وعند ذلك يلزم أمران أحدهما تعجيل الفطر، والثاني تفريغ القلب من الشواغل القلقه بسبب جوع الصائم وعطشه؛ ولهذا قال رسول الله) : " إذا حضر العشاء وأقيمت الصلاة فابدءوا بالعشاء " وهذه الصلاة يدخل فيها بعد الفراغ من صلاة المغرب، ولا يفرغ منها إلا عند دخول وقت العشاء الآخرة، فتوصل بصلاة العشاء، والقلق باق، ويتأخر الفطر إلى ما بعد ذلك. السادس: أن سجدتي هذه الصلاة المفعولتين بعد الفراغ منها مكروهتان؛ فإنهما سجدتان ولا سبب لهما، والشريعة لم ترد بالتقرب إلى الله
следующие страницы →