Полный текст (148 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
وعن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله) : " لا تخصوا ليلة الجمعة بقيام الليالي ولا تخصوا يوم الجمعة بصيام من بين الأيام إلا أن يكون صوماً يصومه أحدكم " رواه مسلم.
وعن عبد الله بن بشير عن أخته واسمها الصماء: أن رسول الله (قال: " لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم، فإن لم يجد أحدكم إلا عود عنب أو لحاء شجرة فليمضغه ". رواه أبو داود والترمذي.
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله) : " لا يتقدمن أحدكم رمضان بصوم يوم أو يومين إلا أن يكون رجلاً كان يصوم صوماً فليصمه ". متفق عليه.
أفيجوز لمسلم أن يسمع هذه الأحاديث، ثم يقول إن النبي (نهى الناس عن الصلاة والصوم من حيث هو صلاة أو صوم؟ وقائل هذا جاهل محرف لكتاب الله وسنة رسوله (، فيدل كلامه على أنه مارق في الدين، قد سلبه الله لذة فهم مراده من وحيه، وإن كان هذا من أوضح المواضع، فكيف بما يدق معانيه؟ فكل من رد على الناهي عن ذلك، فإنه يتضمن الرد على رسول الله (، فإنه هو الذي نهى عنه، وأمرنا بإنكار المنكر، والله حسيب من افترى.
стр. 72
صلاة الرغائب
ومن هذا القسم أمور اشتهرت في معظم بلاد الإسلام، وعظم وقعها عند العوام، ووضعت فيها أحاديث كذب على رسول الله (، واعتقد بسبب تلك الأحاديث فيها ما لم يعتقد فيما افترضه الله تعالى واقترن بها مفاسد كثيرة، وأدى التمادي في ذلك إلى أمور منكرة، فتطاير شررها فظهر شرها، فمنها " صلاة الرغائب " في " أول ليلة جمعة من رجب ". واعلم رحمك الله أن تعظيم هذا اليوم، وهذه الليلة، إنما أحدث في الإسلام " بعد المائة الرابعة " وروى في حديث موضوع باتفاق العلماء مضمونه: فضيلة صيام ذلك، وقيام تلك الليلة وسموها صلاة الرغائب. والذي عليه المحققون من أهل العلم النهي عن إفراد هذا اليوم بالصوم، وعن قيام هذه الليلة بهذه الصلاة المحدثة، وعن كل ما فيه تعظيم لهذا اليوم من صنع الأطعمة وإظهار الزينة وغير ذلك حتى يكون هذا اليوم بمنزلة غيره من الأيام. وكذلك يوم آخر في وسط رجب تصلى فيه صلاة تسمى " صلاة أم داود "، فإن ذلك أيضاً لا أصل له.
من هو واضع تلك الصلاة ؟
وقال الإمام الحافظ أبو الخطاب: أما صلاة الرغائب فالمتهم بوضعها علي ابن عبد الله بن جهضم، وضعها بحديث عن رجال مجهولين لم يوجدوا في جميع الكتب، وأصلها ما حكاه الطرطوشي في كتابه، قال: أخبرني
стр. 73
أبو محمد المقدسي قال: لم يكن عندنا في بيت المقدس قط " صلاة الرغائب " هذه الليلة تصلى في رجب وشعبان، وأول ما حدثت عندنا في سنة ثمان وأربعين وأربعمائة، قدم علينا في بيت المقدس رجل من " نابلس " يعرف بابن أبي الحمرا، وكان حسن التلاوة، فقام يصلي في المسجد الأقصى ليلة النصف من شعبان ، فصلى خلفه رجل، ثم انضاف إليهما ثالث ورابع، فما ختمها إلا وهم جماعة كثيرة، ثم جاء في العام الثاني، فصلى معه خلق كثير، وشاعت في المسجد الأقصى هذه الصلاة، وانتشرت في بيوت الناس ومنازلهم، ثم استقرت من ذلك الزمان كأنها سنة إلى يومنا هذا، فقيل لذلك الرجل الذي أحدثها بعدما تركها: إنا رأيناك تصليها في جماعة؟ قال: نعم وأستغفر الله منها.
قال: وأما صلاة رجب فلم تحدث عندنا في بيت المقدس إلا بعد سنة ثمانين وأربعمائة. وما كنا رأيناها ولا سمعنا بها من قبل ذلك.
فتوى ابن الصلاح في صلاة الرغائب
وقد استفتي فيها الشيخ تقي الدين بن الصلاح ﵀، فقال: أما الصلاة المعروفة في ليلة الرغائب. فهي بدعة، وحديثها المروي موضوع وما حدث إلا بعد أربعمائة سنة من الهجرة، وليست ليلتها تفضل على أشباهها من ليالي الجمع.
ليلة النصف من شعبان
وأما ليلة النصف من شعبان، فلها فضل، وإحياؤها بالعبادة مستحب،
стр. 74
ولكن على الانفراد ومن غير جماعة. واتخاذ الناس لها ولليلة الرغائب موسماً وشعاراً بدعة مكروهة، وما يزيدونه فيها على الحاجة والعادة من الوقيد ونحوه فغير موافق للشريعة.
الصلاة الألفية
والصلاة الألفية التي تصلى ليلة النصف من شعبان لا أصل لها ولأشباهها. فالعجب من حرص الناس على الأمر المبتدع في هاتين الليلتين، وتقصيرهم في الأمور المؤكدة الثابتة عن رسول الله (، والله المستعان.
واعلم أن هذه الصلاة المبتدعة تناقض قواعد الشريعة من وجوه.
أحدهما أن النبي (نهى عن قيام ليلة الجمعة على التخصيص، وهذا النهي بطريق النظر يشمل النهي عن صلاة الرغائب، فكان فعلها داخلاً تحت النهي.
стр. 75
الثاني: مخالفة سنة السكون في الصلاة بسبب عد التسبيحات، وعدّ سورة القدر، والإخلاص، في كل ركعة، ولا يتأتى ذلك إلا بتحريك الأصابع في الغالب. وقد ثبت في الصحيحين: أن النبي (قال: " اسكنوا في الصلاة ".
الثالث: مخالفة سنة خشوع القلب وحضوره في الصلاة، وتعريفه الله تعالى، وملاحظة جلاله، والوقوف على معاني القرآن، وهو المطلوب الأعظم في الصلاة. وإذا لاحظ المصلي عد قراءة السورة والتسبيحات بقلبه كان مستلفتاً عن الله تعالى معرضاً عنه.
الرابع: مخالفة سنة النوافل من جهة أن فعلها في البيوت أولى من فعلها في المساجد، ومن جهة أن فعلها بالانفراد أولى من فعلها في الجماعة إلا ما استثناه الشرع.
الخامس: أن كمال هذه الصلاة عند واضعها المبتدع أن يفعلها مع صيام ذلك اليوم ولا يفطر حتى يصليها، وعند ذلك يلزم أمران أحدهما تعجيل الفطر، والثاني تفريغ القلب من الشواغل القلقه بسبب جوع الصائم وعطشه؛ ولهذا قال رسول الله) : " إذا حضر العشاء وأقيمت الصلاة فابدءوا بالعشاء " وهذه الصلاة يدخل فيها بعد الفراغ من صلاة المغرب، ولا يفرغ منها إلا عند دخول وقت العشاء الآخرة، فتوصل بصلاة العشاء، والقلق باق، ويتأخر الفطر إلى ما بعد ذلك.
السادس: أن سجدتي هذه الصلاة المفعولتين بعد الفراغ منها مكروهتان؛ فإنهما سجدتان ولا سبب لهما، والشريعة لم ترد بالتقرب إلى الله
стр. 76
تعالى بالسجود إلا في الصلاة أو بسبب خاص: من سهو أو قراءة سجدة، وفي سجدة الشكر خلاف، استحبها الشافعي وأحمد رحمهما الله، وكره ذلك النخعي ومالك وأبو حنيفة ﵏. قال الفقيه أبو محمد: لم ترد الشريعة بالتقرب إلى الله تعالى بسجدة منفردة لا سبب لها، فإن القرب لها أسباب، وشرائط، وأوقات، وأركان، لا تصح بدونها. ويكره إفراد رجب بالصوم. قال الشافعي ﵀.
وأكره أن يتخذ الرجل صوم شهر بكماله كما يكمل رمضان. وكذلك يوم من بين الأيام.
حكم صوم رجب
وذكر أبو الخطاب في كتاب أداء ما وجب في بيان وضع الواضعين في رجب.
عن المؤثر بن أحمد الساجي الحافظ، قال: كان الإمام عبد الله الأنصاري شيخ خراسان لا يصوم " رجباً " وينهى عنه، ويقول: ما صحّ في فضل رجب ولا صيامه شيء عن رسول الله (. قال: وقد روى
стр. 77
كراهية صومه عن جماعة من الصحابة، منهم أبو بكر وعمر ﵄. وكان عمر ﵁ يضرب بالدرة صوامه فإن قيل: هو استعمال خير؟ قيل له: استعمال الخير يجب أن يكون مشروعاً من رسول الله (، فإذا علمنا أنه كذب على رسول الله (خرج عن المشروعية، وإنما كانت تعظمه مضر في الجاهلية، كما قال عمر ﵁، وضربه أيدي الذين يصومونه. وكان ابن عباس ﵄ حبر القرآن يكره أيضاً صيامه. وروى أبي بكر الطرطوشي بإسناده عن عمر ﵁ أنه كان يضرب أيدي الرجبيين الذين كانوا يصومون رجباً كله.
وكان ابن عمر إذا رأى الناس وما يعدون لرجب كرهه، وقال: صوموا منه وأفطروا، فإنما هو شهر كانت تعظمه الجاهلية.
بيان بدع ليلة النصف من شعبان
ومن ذلك صلاة الألفية ليلة النصف من شعبان، وهي صلاة طويلة مستقلة لم يأت فيها خبر ولا أثر ضعيف. وللعوامّ بها افتتان كبير والتزام سيما بكثرة الوقيد في جميع مساجد البلاد، ويجري فيه من الفسوق والعصيان، واختلاط الرجال والنساء، ومن الفتن المختلفة والمنكرات، ما شهرته تغني عن وصفه وأصلها ما حكاه الطرطوشي فيما تقدم.
стр. 78
وروى ابن وضاح عن زيد بن أسلم قال: ما أدركت أحداً من أصحابنا ولا فقهائنا يلتفتون إلى ليلة النصف من شعبان، ولا يلتفتون إلى حديث مكحول، ولا يرون لها فضلاً على ما سواها، وقيل لابن أبي مليكة: إن زياداً النهري يقول: إن أجر ليلة النصف من شعبان كأجر ليلة القدر. فقال: لو سمعته وبيدي عصاً لضربته بها. وكان زياد قاصاً. قال الحافظ أبو الخطاب: قال أهل التعديل والجرح: ليس في فضل النصف من شعبان حديث صحيح.
فتحفظوا عباد الله من مفتر يروي لكم حديثاً يسوقه في معرض الخير، فاستعمال الخير ينبغي أن يكون مشروعاً عن رسول الله (، فإذا صح أنه كذب وخرج عن المشروعية وكان مستعمله من حزب الشيطان لاستعماله حديثاً كذباً على رسول الله (لم ينزل الله
стр. 79
به من سلطان.
الوقيد ليلة النصف من شعبان
ثم قال ﵀: مما أحدثه المبتدعون وخرجوا به عما رسمه المشرعون رجوعاً فيه على سنن المجوس، واتخذوا دينهم لهواً ولعباً: الوقيد ليلة النصف من شعبان، ولم يصح فيه شيء عن رسول الله (، ولا نطق بالصلاة فيها والإيقاد فيها ذو صدق من الرواة، وما أحدثه إلا متلاعب بالشريعة المحمدية وراغب في دين المجوسية، لأن النار معبودهم، وأول ما حدث ذلك في زمن البرامكة فدخلوا في دين الإسلام يموهون به على الطعام وهو يعلم الإيقاد في ليلة النصف من شعبان كأنه سنة من السنن، ومقصودهم عبادة النيران وإقامة دينهم، وهو أخس الأديان إذا صلى المسلمون فركعوا وسجدوا، وكان ذلك إلى النار التي أوقدوا ومضت على ذلك السنون والأعصار وتبعت بغداد فيه سائر الأمصار. وهذا مما يجتمع في تلك الليلة من الرجال والنساء واختلاطهم فالواجب على السلطان منعهم، وعلى العالم ردعهم، وإنما شرف شعبان: أن رسول الله (كان يصومه إلا قليلاً.
وما روي فيه من الأحاديث المرفوعة والآثار يقتضي أنها ليلة مفضلة، وليس فيها بيان صلاة مخصوصة، وإظهار ذلك على مثل ما ثبت من شعائر الإسلام، قال الشيخ الإمام أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزي رحمه الله
стр. 80
في الحديث المختص بها الذي فيه صلاة الألفية هذا الحديث لا شك أنه موضوع، والحديث محال قطعاً، قال: وقد رأينا كثيراً ممن يصلي هذه الصلاة يتفق له قصر الليل، فينامون عقبها عن صلاة الصبح، ويصبحون كُسالى والحديث الوارد في فضلها ضعيف كما تقدم، وما يترتب في هذه الليلة بسبب الوقيد لأجل هذه الصلاة من الفسوق والمعاصي وكثرة اللغط والخطف والسرقة وتنجيس مواضع العبادات وامتهان بيوت الله كل ذلك سببه الاجتماع للتفرج على كثرة الوقيد سببه تلك الصلاة المبتدعة المكروهة، وكل بدعة ضلالة، وكل اجتماع يتكرر بتكرر الأسابيع والشهور والأعوام غير الاجتماعات المشروعة هو المبتدع، ففرق بين ما يفعل من غير ميعاد وبين ما يتخذ سنة وعادة؛ فإن ذلك يضاهي المشروع وقد كره ابن مسعود وغيره من الصحابة اعتياد الاجتماع في مكان مخصوص، وهو المنصوص عن أحمد أنه، قيل له: تكره أن يجتمع القوم يدعون الله تعالى ويرفعون أيديهم؟ فقال: ما أكره للإخوان إذا لم يجتمعوا على عهد إلا أن يكثروا. وأصل هذا أن العبادات المشروعة التي تتكرر بتكرر الأوقات حتى تصير سنناً ومواسم، قد شرع الله منها ما فيه كفاية المتعبد، فإذا أُحدث اجتماع زائد كان مضاهاة لما شرعه الله تعالى وسنة رسوله، وفيه من المفاسد ما تقدم التنبيه عليه، بخلاف ما يفعله الرجل وحده أو الجماعة المخصوصة أحياناً، أو نحو ذلك يفرق بين الكبير الظاهر، والقليل الخفي، والمعتاد وغير المعتاد، وكذلك كل ما كان مشروع الجنس، لكن البدعة فيما اتخاذه عادة لازمة حتى يصير كأنه واجب.
стр. 81
فصل
بدع يوم عرفة
ومن ذلك التعريف المحدث. قال ابن وهب: سمعت مالكاً يسأل عن جلوس الناس في المسجد عشية عرفة بعد العصر واجتماعهم للدعاء، فقال: ليس هذا من أمر الناس، وإنما مفاتيح هذه الأشياء من البدع. وقال مالك في العشية: وأكره أن يجلس أهل الآفاق يوم عرفة في المساجد للدعاء، ومن اجتمع إليه الناس فلينصرف في مقامه، ومقامه في منزله أحب إليه، فإذا حضرت الصلاة رجع
فصلى في المسجد، وروى محمد بن وضاح: أن الناس اجتمعوا بعد العصر من يوم عرفة في مسجد النبي (يدعون، فخرج نافع مولى ابن عمر فقال: يا أيها الناس، إن الذي أنتم فيه بدعة، وليست بسنة، أدركت الناس ولا يصنعون هذا.
قال مالك بن أنس: ولقد رأيت رجالاً ممن يقتدى بهم
стр. 82
يتخلفون في بيوتهم عشية عرفة، ثم قال: ولا أحب الرجل العالم أن يقعد في المسجد تلك العشية إذا أرادوا أن يقتدوا به وليقعد في بيته.
وقال الحارث بن سكن: كنت أرى الليث بن سعد ينصرف بعد العصر يوم عرفة فلا يرجع إلا قرب المغرب.
وقال إبراهيم النخعي: الاجتماع يوم عرفة أمر محدث.
وقال عطاء الخراساني: إن استطعت أن تخلو عشية عرفة بنفسك فافعل.
وكان أبو وائل لا يأتي المسجد عشية عرفة.
قال الطرطوشي: فاعلموا رحمكم الله أن هؤلاء الأئمة، علموا فضل الدعاء يوم عرفة، ولكن علموا أن ذلك بموطن عرفة لا في غيرها، ولم يمنعوا من خلا بنفسه فحضرته نية صادقة أن يدعو الله تعالى، وإنما كرهوا الحوادث في الدين، وأن تظن العوام أن من السنة يوم عرفة بسائر الآفاق الاجتماع والدعاء
стр. 83
فيتداعى الأمر إلى أن يدخل في الدين ما ليس منه. وقد جاء هذا الذي كرهوه، فإنه قد حدث في بعض أهل المشرق والمغرب التعريف عند خير من يحسن الظن به، ويجتمعون الاجتماع العظيم عند قبره. وهذا نوع من الحج المبتدع الذي لم يشرعه الله تعالى، واتخاذ القبور أعياداً.
السفر إلى بيت المقدس
وكذلك السفر إلى بيت المقدس لا خصوص له في هذا الوقت على غيره. ثم فيه مضاهاة الحج إلى البيت الحرام وتشبه له بالكعبة. ولذهذا قد أفضى الأمر ببعض الضُلاّل للطواف بالصخرة تشبيهاً بالكعبة، أو من حلق الرأس، أو من النسك هناك كذلك الطواف بالقبة التي بجبل الرحمن بعرفة، وكذلك اجتماعهم في المسجد الأقصى في الموسم لأشياء. والغناء والضرب بالدفوف ونحو هذا من أقبح المنكرات. وهذا منهي عنه خارج المسجد، فكيف بالمسجد الأقصى. فقصد بقعة بعينها للتعريف فيها، كقبر رجل صالح أو المسجد الأقصى، لا يختلفون في النهي عنه لأن فيه تشبيهاً بعرفات.
وأما مسجد المصر فقد اختلفوا فيه، ففعله ابن عباس وعمرو بن حريث من الصحابة وطائفة من البصريين والمدنيين.
رفع الصوت عند الدعاء
ويكره رفع الصوت عند الدعاء. قال الحسن ﵀: إن رفع الصوت عند الدعاء لبدعة وإن مدّ الأيدي بالدعاء لبدعة، وإن اجتماع الرجال والنساء لبدعة وتعريف ابن عباس أنه صعد المنبر فقرأ البقرة وآل عمران
стр. 84
وفسرهما حرفاً حرفاً، كان على هذا الوجه: فسرّ الناس القرآن واجتمعوا إليه لسماع العلم، فقيل: علاف ابن عباس بالبصرة لاجتماع الناس إليه فأقرأ التعريف في الأمصار يجتمعون يوم عرفة، قال الأثرم: سألت أحمد بن حنبل ﵀ عن التعريف في الأمصار، يجتمعون يوم عرفة فقال: أرجو أن لا يكون به بأس، قد فعله غير واحد كالحسن وبكر وثابت ومحمد بن واسع، كانوا يشهدون المسجد يوم عرفة. وفي رواية: قال أحمد: لا بأس به إنما هو دعاء وذكر الله. فقيل له: تفعله أنت؟ قال لا.
стр. 85
فصل
بدع يوم عاشورا
ومن الأحداث المنكرة ما يفعله بعض أهل الأهواء في يوم عاشوراء من التعطش والحزن والتفجع، وغير ذلك من الأمور المنكرة المحدثة، التي لم يشرعها الله تعالى ولا رسوله، ولا أحد من السلف، لا من أهل البيت ولا من غيرهم. وإنما كانت هذه مصيبة وقعت في الزمن الأول بقتل الحسين بن علي ﵄.
يجب أن تتلقى بما تتلقى به المصائب، من الاسترجاع المشروع، والصبر الجميل، دون الجزع والتفجع وتعذيب النفوس، الذي أحدثه أهل البدع في هذا اليوم، وضموا إلى ذلك من الكذب والوقيعة في الصحابة البُرآء أموراً أخرى مما يكرهه الله ورسوله.
وقد روى ابن ماجة عن الحسين بن علي ﵄، قال: قال رسول الله) : " من أصيب بمصيبة فذكر مصيبته فأحدث لها استرجاعاً وإن تقادم عهدها كتب الله له من الأجر مثل يوم أصيب ".
وأما اتخاذ أيام المصائب مآتم: فهذا ليس من دين الإسلام، بل هو إلى
стр. 86
الجاهلية أقرب. ثم فوتوا على أنفسهم صوم هذا اليوم مع ما فيه من الفضل. وأحدث بعض الناس في هذا اليوم أشياء مبتدعة: من الاغتسال، والاختضاب، والكحل، والمصافحة. وهذه أمور منكرة مبتدعة، مستندها حديث مكذوب على رسول الله (. وإنما السنة صوم هذا اليوم لا غير. وقد روى في فضل التوسعة فيه على العيال حديث ضعيف، قد يكون سببه الغلو في تعظيمه من بعض النواحي لمقابلة الرافضة، فإن الشيطان يريد أن يحرف الخلق عن الصراط المستقيم، ولا يبالي إلى أي الجهتين صاروا، فينبغي للمبتدعين اجتناب المحدثات بالأصالة.
стр. 87
فصل
قراءة سورة الأنعام في صلاة التراويح
ومن البدع قراء
سورة الأنعام في ركعة صلاة التراويح، ويرون في ذلك حديثاً لا أصل له عن ابن عباس عن أبي بن كعب ﵄ عن النبي (، قال: " أنزلت سورة الأنعام جملة واحدة يشيعها سبعون ألف ملك بالتسبيح والتحميد ". وهذا الحديث إسناده ضعيف مظلم، فاغتر بذلك من سمعه من عوام المصلين. ثم لو صح هذا الحديث لم يكن فيه دلالة على استحباب قراءتها في ركعة.
فقراءتها في ركعة واحدة بدعة من وجوه.
أحدها: تخصيص ذلك بسورة الأنعام دون غيرها، فيوهم أن ذلك سنة فيها دون غيرها، والأمر بخلاف ذلك.
والثاني: تخصيص ذلك بصلاة التراويح دون غيرها.
والثالث: ما فيه من التطويل على المؤمنين، لا سيما على من يجهل ذلك من عادتهم، فيقلق ويضجر ويسخط ويكره العبادة.
والرابع: ما فيه من مخالفة السنة من تقليل القراءة في الركعة الثانية عن الأولى. وقد عكس صاحب هذه البدعة قضية ذلك، وخالف الشريعة، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
وابتدع بعضهم بدعة أخرى وهي: جمع آيات سجدات القرآن عقيب ختم القرآن في صلاة التراوح في الركعة الأخيرة فيسجد بالمأمومين جميعاً.
стр. 88
بدع الكلام والمشي
فصل
التماوت في الكلام والمشي
وإن مما ابتدع واستميل به القلوب العوام الجهال: التماوت في الكلام والمشي، حتى صار ذلك شعاراً لمن يريد أن يظن به النسك والتورع.
صفة الرسول وأصحابه في الكلام والمشي
فيعلم أن الدين بخلاف ذلك، وهو ما كان عليه النبي (وأصحابه، ثم السلف الصالح، كما سنورده من أخبارهم في ذلك وصفاتهم في حركاتهم وسكناتهم، فقد كان سيد الأولين والآخرين إذا مشى يقلع من صَبَبِ، وفي سنن أبي داود عن أنس، قال: كان النبي (إذا مشى كأنما يهوي في صوب. وفي رواية كان إذا مشى يقلع. وفي رواية: إذا زال زال قلعاً. والمعنى: أنه كان يرفع رجليه من الأرض رفعاً بائناً بقوة، لا كمن يمشي اختيالاً ويقارب خطاه تنعماً.
وجاء في صفته) : أنه كان يمشي هوناً. قال ابن الأنباري: معناه كان يميل في مشيته كما يميل الغصن إذا حركه الرياح، الهون
стр. 89
معناه الرفق والتثبت، وهو معنى قوله: (يمشون على الأرض هوناً) والمحمود من ذلك ترك العجلة المفرطة، وترك التكاسل والتثبيط والتماوت، ولكن بين ذلك.
وفي كتاب " شرح السنة " عن ابن عباس ﵁ إذا مشى مشى مشياً مجتمعاً يعرف أنه ليس بمشي تماجن ولا كسلان.
وروي عن الشفاء بنت عبد الله أنها رأت فتياناً يقتصدون في المشي رويداً، فقالت: ما هؤلاء؟ فقالوا: نُساك. فقالت: كان والله عمر ﵁ إذا تكلم أسمع، وإذا مشى أسرع، وإذا ضرب أوجع، وهو الناسك حقاً.
وعن عبيد الله بن عبد الله قال: لم يكن البر يعرف في عمر وابنه حتى يقولا أو يفعلا. قال يزيد بن هارون أخبر عبيد الله بن عبد الله بن أويس
стр. 90
المدني عن الزهري عن سالم نحوه. قال: قلت: يا أبا بكر ما تعني بذلك؟ قال: لم يكونا موحشين ولا متماوتين.
وفي كتاب " الكامل " لأبي العباس المبرد قال: ويروى أن عائشة ﵂ نظرت إلى رجل متماوت، فقالت: ما هذا؟ فقالوا: أحد القراء. فقالت: قد كان عمر قارئاً، فكان إذا مشى أسرع، وإذا قال أسمع، وإذا ضرب أوجع.
قال: ويروى أن عمر نظر إلى رجل يظهر النسك، يتماوت في مشيته، فخفقه بالدرة، وقال: لا تمت علينا ديننا، أماتك الله.
وروى الإمام أحمد بإسناده إلى أبي الدرداء، قال: أستعيذ بالله من خشوع النفاق. قال: أن ترى الجسد خاشعاً والقلب ليس بخاشع.
стр. 91
وقال سفيان الثوري: سيأتي أقوام يخشعون رياء وسمعة، وهم كالذئاب الضواري، غايتهم الدنيا، وجمع الدراهم من الحلال والحرام.
وقال أبو حاتم الرازي: كان أحمد بن حنبل إذا رأيته تعلم أنه لا يظهر النسك، ورأيت عليه نعلاً لا يشبه نعل القراء، له رأس كبير معقف، وشراكه مشبك، كأنه اشتري له من السوق، ورأيت عليه إزاراً وجبة برد مخططة. قال عبد الرحمن: أراد بهذا - والله اعلم ترك التزين بزي القراء، وإزالته عن نفسه ما يشهر به.
وقال الإمام أبو محمد بن إبراهيم البوشيخي: ما رأيت أحداً في عصر أحمد أكثر منه ديانة وصيانة وأبعد من التماوت.
وقال المروزي: رأيت أبا عبد الله إذا كان في البيت كان
стр. 92
عامة جلوسه متربعاً خاشعاً، وإذا كان خارج بيته لم يبن منه شدة خشوع كما كان في بيته.
التحذير من التماوت
وقال البويطي صاحب الإمام الشافعي ﵁: أحذر كل متماوت، فإنه مُلُّد. " هو مُفْعِل من اللدد وهي الخصومة " قال الله تعالى: (وهو ألد الخصام) وفي صحيح البخاري عن عائشة ﵂ قالت: إذا أعجبك حسن عمل امرئ فقل: (اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون) ولا يستخفنك أحد.
وعن محمد بن أبي عائشة قال: كان يقال لا تكن ذا وجهين وذا لسانين، تظهر للناس أنك تخشى الله وقلبك فاجر.
وسأل رجل الكتاني، فقال له: أوصني، فقال له: كن كما ترى الناس " أو قل: الناس كما تكون ".
وقال المدائني: كتب عمر بن الخطاب ﵁ إلى عمرو بن العاص وهو واليه بمصر: " رفع إليّ أنك تبكي في مجلسك، فإذا جلست فكن كسائر الناس، ولا تبك "
стр. 93
وأخرج الحافظ أبو القاسم في تاريخه، عن محكول، عن رسول الله (أنه قال: " لا تكونوا عيّابين، ولا مداحين، ولا طعانين، ولا متماوتين ".
وأخرج أيضاً في ترجمته بإسناده عن عبد الرحمن بن مهدي قال: " قلت لابن المبارك: إبراهيم ابن أدهم ممن سمع؟ قال: قد سمع من الناس، ولكن له فضل في نفسه، صاحب سرائر وما رأيته يظهر تسبيحاً، ولا شيئاً من الخير، ولا أكل مع قوم طعاماً إلا كان آخر من يرفع يده عن الطعام ".
وأخرج أيضاً عن عاصم بن كليب عن أبيه، قال: لقيت عبد الرحمن الأسود وهو يمشي بجنب الحائط، فقلت له: مالك؟ فقال: أكره أن
стр. 94
يستقبلني إنسان فيسألني عن شيء. فقلت: لكن عمر كان شديد الوطء على الأرض له صوت جهوري.
وروى البيهقي عن ابن المبارك ﵀ قال: إنه ليعجبني من القراء كل طَلقٍ مِضحاكٍ، فأما من تلقاه بالبشر ويلقاك بالعبوس كأنه يمنّ عليك بسلامه أو بعلمه، فلا أكثر الله في القراء مثله.
وهذه الطلاقة التي أشار إليها هي التي كانت تعرف من أخلاق رسول الله (. وكانت هي الغالبة على أصحابه، وسادات المتقدمين من الأئمة الجامعين بين العلم والعمل: كسعيد بن المسيب إمام أهل المدينة وسيد التابعين في وقته مع حسومته المعروفة في أمر الله تعالى، وكعامر الشعبي من أئمة الكوفة، وابن سيرين من أئمة البصرة، والأوزاعي من أئمة الشام، والليث ابن سعد من أئمة مصر، وغيرهم ﵃. فقد عرف ذلك من وقف على أخبارهم، وهي طريقة الإمام الشافعي ﵀.
قال الشيخ جمال الدين أبو الفرج بن الجوزي ﵀: إذا سكن الخوف القلب أوجب الخشوع في الظاهر، ولا يملك صاحبه فتراه مطرقاً متأدباً متذللاً. وكانوا ﵃ يجتهدون في ستر ما يظهر من ذلك، فكان محمد بن سيرين ﵀ يبكي الليل ويضحك بين الناس في النهار.
ولسنا نأمر العالم
стр. 95
بالانبساط بين العوام، فإن ذلك يؤذيهم، فقد قال علي بن أبي طالب ﵁: إذا ذكرتم العلم فاكظموا عليه ولا تخلطوه بضحك فتمجه القلوب.
ومثل هذا لا يسمى رياء لأن قلوب العوام تضيق عن التأويل للعالم إذا انفسح للمباح؛ فينبغي أن يلقاهم بالصمت والأدب. وإنما المذموم تكلف التخشع والتباكي وطأطأة الرأس ليرى بعين الزهد. وربما قيل له: " ادع لنا " فتهيأ للدعاء وكأنه مستنزل الإجابة. وقد ذكرنا عن إبراهيم النخعي: أنه قيل له " ادع لنا " فكره ذلك، وكان من الخائفين - ومن جملة الخوف الحرص على شدة الحياء والذل فلم يرفع رأسه إلى السماء. وليس هذا بفضيلة لأنه لا خشوع فوق خشوع رسول الله (فقد كان كثيراً ما يرفع رأسه إلى السماء، وفيه دليل على اسحباب النظر إلى السماء لأجل الاعتبار بآياتها، وقال تعالى: (أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها وزَيّنَّاها وما لها من فروج) . وقال تعالى: (قل انظروا ماذا في السموات والأرض وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون) .
وعن أبي سلمة بن عبد الرحمن ﵁ قال: لم يكن أصحاب رسول الله (متحدقين، ولا متماوتين، وكانوا يتناشدون الشعر في مجالسهم، ويذكرون أمر جاهليتهم، فإذا أريد أحد منهم بشيء من
стр. 96
أمر دينه دارت حماليق عينيه كأنه مجنون.
وعن محمد بن عبد الله القرشي عن أبيه، قال: نظر عمر بن الخطاب ﵁ إلى شاب نكس رأسه، فقال: يا هذا ارفع رأسك؛ فإن الخشوع لا يزيد على ما في القلب؛ فمن أظهر للناس خشوعاً فوق ما في قلبه فإنما أظهر نفاقاً على نفاق.
وعن كهمس بن الحسن: أن رجلاً تنفس عند عمر كأنه يتحازن فلكزه عمر " أو قال: فلكمه ".
وقد كان السلف يسترون أحوالهم وينصحون بترك التصنع.
стр. 97
بدع التبتل والانصراف عن الدنيا
فصل
ترك الزواج بدعة
من الأمور المبتدعة: الانفراد، وترك النكاح، رغبة عنه وذماً له.
حكم الزواج
اعلم رحمك الله أن النكاح مع خوف العنت واجب، ومن غير خوف العنت سنة، عند جمهور العلماء، ومذهب أبي حنيفة والإمام أحمد ﵄ أنه أفضل من جميع النوافل؛ لأنه سبب وجود الولد.
الترغيب في الزواج
وقد قال: " تناكحوا تناسلوا ".
وقال: " النكاح سنتي، فمن رغب عن سنتي فليس مني " وعن سعد بن أبي وقاص، قال: ردّ النبي (على عثمان بن مظعون التبتل، ولو أذن له لاختصينا.
стр. 98
الترهيب من التبتل
وعن أنس ﵁ أن نفراً من أصحاب النبي (سألوا أزواج النبي (عن عمله في السر، فأخبرنهم، فقال بعضهم: أما أنا فلا أنام على فراش، وقال بعضهم: لا آكل اللحم، وقال بعضهم: أما أنا لا أتزوج النساء، وقال بعضهم: أصوم ولا أفطر، فبلغ ذلك النبي (، فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: " ما بال أقوام قالوا كذا وكذا، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأنام، وأتزوج النساء، وآكل اللحم؛ فمن رغب عن سنتي فليس مني ". متفق عليه.
وعن محمد بن مسلمة، قال: شدّاد بن أوس: زوجوني فإن رسول الله (أوصاني أن لا ألقى الله عزباً.
وعن أبي ذر ﵁، قال: دخل على رسول الله (رجل يقال له عكافة بن بشر التميمي، فقال رسول الله) : " يا عكافة هل من زوجة؟ " قال: لا، قال: " ولا جارية؟ "، قال: لا، قال: " وأنت موسر؟ "، قال: نعم، قال: " إذاً أنت من إخوان الشياطين، لو كنت من النصارى كنت من رهبانهم، إن سنتنا النكاح، شراركم عزابكم ما للشيطان من سلاح أبلغ في الصالحين
стр. 99
من النساء ".
وعن أبي هريرة ﵁، قال: لعن رسول الله (مخنثي الرجال الذين يتشبهون بالنساء، والمترجلات من النساء المتشبهات بالرجال، والمتبتلين من الرجال الذين يقولون لا نتزوج، والمتبتلات من النساء اللاتي يقلن ذلك.
стр. 100
وقال أبو بكر المروزي: سمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل ﵁ يقول: ليس العزوبة من أمر الإسلام في شيء، النبي (تزوج أربع عشرة مرة ومات عن تسع، لو كان بشر الحافي تزوج كان تم أمره كله. ولو ترك الناس النكاح لم يغز، ولم يحج، ولك يكن كذا. وقد كان رسول الله (يصبح وما عند أحد من أهله شيء، وقد كان يختار النكاح، ويحث عليه، وينهى عن التبتل. فمن رغب عن فعل النبي (فهو على غير الحق. ويعقوب ﵇ في حزنه تزوج وولد له.
وقد قال النبي) : " حبِّب إليَّ من دنياكم ثلاث: النساء، والطيب، وجعلت قرة عيني في الصلاة ".
وقال إبراهيم بن أدهم: لبكاء الصبي بين يدي أبيه يطلب منه خبزاً أفضل من كذا وكذا أين يلحق المتعبد العزب من صاحب العيال؟.
فاعلم رحمك الله أن من ترك النكاح مع الحاجة إليه، فقد خاطر ببدنه ودينه، وإن لم يكن به حاجة فقد فاتته الفضيلة. وفي الصحيح عن أبي هريرة ﵁ عن النبي (أنه قال: "
стр. 101
دينار أنفقته في سبيل الله، ودينار أنفقته في رقبة، ودينار تصدقت به على مسكين، ودينار أنفقته على أهلك، أعظمها أجراً الذي أنفقته على أهلك ".
فإن قيل النكاح يوجب الميل إلى الدنيا، قلنا: هذا خلاف الشريعة، فإن النبي (إمام الزاهدين، كان أكثر هذه الأمة نساء، وهو الذي قال: " تناكحوا تكاثروا؛ فإني أباهي بكم الأمم ". فأمر به، والأمر يقتضي الوجوب. فأما تركه ليقال: " زاهد "، والعوام تعظم هذا، فيقولون: ما عرف امرأة قط، فهذه رهبانية تخالف الشريعة.
دفع شبهة
وقال بعضهم: ينبغي أن لا يشغل المرء قلبه بالتزويج، فإنه يشغله عن الله، فيرى هذا أن الأنس الطبيعي بالزوجة ينافي أنس القلوب بطاعة الله. وليس هذا كذلك، والله قد منَّ على الخلق بقوله: (خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة) .
وفي الحديث الصحيح، عن جابر ﵁ أن النبي (قال: " هلا بكراً تلاعبها وتلاعبك "، أي هلا تزوجت بكراً لما أخبره أنه تزوج ثيباً، وما كان يدله على ما يقطع أنسه بالله.
أما ترى
стр. 102
أنه (كان ينبسط إلى نسائه ويسابق زوجته عائشة، أكان هذا خارجاً عن الأنس بالله؟ هذه جهالات بالعلم.
وبعضهم يقول: الذي يريد الولد أحمق، فلا نال الدنيا ولا الآخرة، إن أراد أن يأكل أو ينام أو يجامع نغص عليه، وإذا أراد أن يتعبد شغله أيضاً - غلط عظيم لأنه لما كان مراد الله تعالى من إيجاد الخلق اتصال دوامها إلى أن ينقضي أجلها، حثّ الله تعالى الآدمي على ذلك، تارة من حيث الطبع بإيقاد نار الشهوة، وتارة من باب الشرع بقوله: (وأنكحوا الأيامى منكم) ، وقول الرسول) : " تناكحوا تناسلوا فإني أباهي بكم الأمم يوم القيامة ولو بالسقط ".
وقد طلب الأنبياء الأولاد، وتسبب الصالحون إلى وجودهم. ورب جماع حدث منه ولد صالح كالشافعي وأحمد كانا خيراً من عبادة ألف سنة. وقد جاء الخبر بإثابة الجماع بقوله ﷺ : " وفي بضع أحدكم صدقة، قالوا: يا رسول الله أيأتي أحدنا شهوته وله فيها أجر؟ قال: أرأيتم لو وضعها في الحرام كان عليه وزر، فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر ".
وكذلك الأجر والثواب في النفقة على الزوجة والأولاد، وقد يموت له ولد فيبقى له ذخراً وأجراً كما قال) : " إذا مات ولد العبد يقول
стр. 103
الله تعالى للملائكة قبضتم ولد عبدي؟ فيقولون: نعم، فيقول: قبضتم ثمرة فؤاده، فيقولون: نعم فيقول الله تعالى: فماذا قال عبدي؟ فيقولون: حمدك واسترجع " أي قال الحمد لله أنا لله وإنا إليه راجعون "، فيقول الله تعالى: ابنوا لعبدي بيتاً في الجنة وسموه بيت الحمد ".
وإما أن يخلفه بعده فيلحقه بركة دعائه كما في الصحيح أن رسول الله (قال: " إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له ". فمن أعرض عن طلب الأولاد خالف السنة، وعُدِم هذا الفضل والثواب الجزيل.
стр. 104
فصل
الاشتغال بنوافل العبادات وترك التعلم
ومن الأمور المحدثة: الاشتغال بنوافل العبادات مع الجهل وترك حمل العلم. وهذا خطأ يدخل على العبد منه آفات كثيرة مخالفة للشريعة. وقد قال تعالى لنبيه) : (وقل رب زدني علما) ، فأمره بطلب الزيادة منه، وقال تعالى مخبراً عن موسى في قوله للخضر ﵉: (هل أتبعك على أن تُعَلَمَنِ مما علمت رشداً) . هذا مع ما أعطوه من العلم البارع، وما لهم من المدد من الله تعالى وقال تعالى: (فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون) .
فضل العالم على العابد
وروى الترمذي عن أبي أمامة ﵁ قال: ذكر لرسول الله (رجلان: أحدهما عابد، والآخر عالم؛ فقال: " فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم " ثم قال رسول الله) : إن الله وملائكته، وأهل السموات والأرضين، حتى النملة في جحرها، وحتى الحيتان في البحر، يصلون على معلم الناس الخير ".
стр. 105
وروى الترمذي أيضاً عن ابن عباس ﵁، أن رسول الله (قال: " فقيه أشد على الشيطان من ألف عابد ".
وروي أيضاً عن الفضيل بن عياض، قال: عالم عامل مُعلم يدعى كبيراً في ملكوت السموات.
وفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله) : " تجدون الناس معادن، خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا ".
وفي الصحيحين أيضاً عن معاوية قال: سمعت رسول الله (يقول: " من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين ".
وروى الترمذي عن أبي سعيد ﵁: " الكلمة الحكمة ضالة المؤمن، فحيث وجدها فهو أحق بها ".
تغلب العالم على إبليس
واعلم أن العالم لا يدخل عليه إبليس إلا مسارقة، وأما المتعبدون بلا علم
стр. 106
فإنه يلبس عليهم في فنون التعبد أشياء يعتقدونها فضيلة أو أفضل من غيرها وهي بخلاف ما يظنون، منها: إيثارهم التعبد على العلم، والعلم أفضل من نوافل العبادات؛ فيرون أن المقصود من العلم العمل وما فهموا من العلم إلا عمل الجوارح، وما علموا أن العمل عمل القلب، وعمل القلب أفضل من عمل الجوارح.
قال مطرف بن عبد الله: فضل العلم خير من فضل العبادة. وقال يوسف ابن أسباط: باب من العلم يتعلمه العبد خير من سيف غزاة.
وقال المعافي بن عمران: كتابة حديث واحد أحب إليّ من صلاة ليلة.
التمييز بين الحقيقة والشريعة
ومنهم من فرق بين الحقيقة والشريعة، وأعرضوا عن ظواهر الشرع، وهذا غلط؛ لأن الشريعة كلها حقائق، قال الحسن بن سالم جاء رجل إلى سهل بن عبد الله التستري وبيده محبرة وكتاب، فقال لسهل: أحببت أن أكتب كتاباً
стр. 107
ينفعني الله به، فقال: أكتب إن استطعت أن تلقى الله وبيدك المحبرة فافعل، فقال: يا أبا محمد، أفدني فائدة، فقال: الدنيا كلها جهل إلا ما كان علماً، والعلم كله حجة إلا ما كان عملاً، والعمل موقوف إلا ما كان على السنة، وتقوم السنة على التقوى.
وقال أيضاً: احفظ السواد على البياض، فما أحد ترك الظاهر إلا تزندق.
وفي رواية: إلا خرج إلى الزندقة.
وقال سهل أيضاً: سمعت الجراح بن عبد الله يقول: ما طريق إلى الله أفضل من العلم، فإن عدلت عن طريق العلم خطوة تهت في ظلمات الجهالة أربعين صباحاً.
وقال أبو سعيد الخراز: كل باطن يخالف ظاهراً فهو باطل.
وقال أبو بكر الدقاق: منت ماراً في تية بني إسرائيل، فخطر ببالي أن علم الحقيقة مباين لعلم الشريعة، فهتف بي هاتف من تحت شجرة: كل حقيقة لا تتبعها الشريعة فهي كفر.
стр. 108
وقال أبو عقيل: جعلت الصوفية الشريعة اسماً وقالوا: المراد منها الحقيقة، قال: وهذا قبيح لأن الشريعة ما وضعه الحق لمصالح الخلق وتعبداتهم، فما الحقيقة بعد هذا سوى واقع في النفوس من إلقاء الشياطين؟ وكل من رام الحقيقة من غير الشريعة فمغرور ومخدوع، ومنها أن يدخل عليهم الشيطان لجهلهم، فيقول لهم: اعلموا أنكم لن تنجوا في الآخرة إلا بكثرة العمل، وترك الدنيا، وترك الاشتغال. فيخرج أحدهم على وجهه ويفارق الجمعة والجماعة والعلم. وربما كانت له عائلة أو والدة فبكت لفراقه. وربما أنه لم يعرف أركان الصلاة كما ينبغي. وهذا لقلة علمه ورضاه عن نفسه بما يعلمه. وهذا خطأ عظيم فإن مفارقة الجمعة والجماعة حرام وخسران ظاهر، وتعلم العلم فرض، والبعد عن العلم والعلماء يقوي سلطان الجهل، وتضييع المال منهي عنه؛ والدنيا لا تذم لذاتها، وكيف يذم ما منّ الله تعالى به وما هو ضرورة في بقاء الآدمي وسبب في الإعانة على تحصيل العلم والعبادة، وإنما المذموم على طلب الدنيا أخذ الشيء من غير حلم، وتناوله على وجه السرف، لا على مقدار الحاجة، وتصرف فيه بمقتضى رعونات النفس، لا بإذن الشرع. والخروج إلى الجبال منفرداً منهي عنه، قال بعض السلف خرجنا إلى جبل نتعبد فيه فجاءنا سفيان الثوري، فردّنا.
стр. 109
فصل
تعذيب النفس وترك المباحات
ومن الأمور التي يدخل الشيطان عليهم: ترك المباحات، وتعذيب النفس بقلة المطعم حتى ييبس البدن، مع لبس الصوف، وبمنعها الماء البارد. وما هذه طريقة رسول الله (ولا طريقة أصحابه وأتباعهم، فقد كانوا يجوعون إذا لم يجدوا، فإذا وجدوا أكلوا.
وكان رسول الله (، وهو أول الزاهدين، يأكل اللحم ويحبه، ويأكل الدجاج، ويحب الحلو والعسل، ويستعذب الماء البارد؛ فإن الماء الحار يؤذي المعدة ولا يروي.
ويُروى أن رجلاً قال: أنا لا آكل الخبيص لأني لا أقوم بشكره، فقال الحسن البصري: هذا رجل أحمق! أتراه يقوم بشكر الماء البارد؟.
وكان سفيان الثوري: إذا سافر حمل معه الحمل المشوي والفالوذج.
وينبغي الإنسان أن يعلم أن نفسه مطية ولا بد من الرفق بها ليصل إلى المقصود. وقد قال النبي) : " وإن لنفسك عليك حقاً ". وإذا كان لها حق فليأخذ لها ما يصلحها، وليترك ما يؤذيها من الشبع والإفراط في تناول الشهوة؛ فإن ذلك يؤذي البدن والدين. وليأخذ قدر القوام من غير أن يؤذي النفس. ومن كفها عن التصرف على مقتضى ما وضع في طبعها فيما يصلحها فقد آذاها إلا أنه يكفها عن الشبع المفرط والشره وما يخالف عاقبته، فإن ذلك يفسدها، فأما الكف المطلق فخطأ، ولا يلتفت إلى غير هذا فإن
стр. 110
اتباع الشارع ﷺ وصحابته أولى ولم يكونوا يتكلفون شيئاً إن حضر طعام شهي أكلوا وحمدوا الله تعالى، وإن لم يحضر شيئاً صبروا.
وكان ابن عقيل يقول: ما أعجب أموركم في التدين، إما أهواء متبعة أو الحقوق واطراح العيال واللحوق بزوايا المساجد.
وإنما ذمهم بالتعوذ بزوايا المساجد؛ لأنهم تركوا طريق السلف من التصرف فيما يستعينون به على مصالحهم، وما يعينون به أحوالهم وأهاليهم المحاويج، وما يكف أنفسهم عن الناس. ولهم في ذلك آفات أخر.
التكبر والاستعلاء
منها: الكبر، واحتقار الناس، ومنها: أنه يخاف أن يقصروا في خدمته بالدخول بينهم، ومنها: حفظ ناموسه ورئاسته؛ فإن مخالطة الناس تذهب بذلك. وهو يريد أن تبقى طراوة فكرة، فتراه يجب أن يزار ولا يزور، ويفرح بمجيء الناس إليه واجتماعهم على خدمته وتقبيل يده، فيترك عيادة المرضى، وشهود الجنائز، ويقال: هذه عادة فلان وإن كانت عادة تخالف الشريعة. وإن كان يحتاج إلى القوت، ولم يكن عنده من يشتري له، صبر على الجوع لئلا يخرج بنفسه لشراء ذلك، فيضيع جاهه، لمشيه بين العوام. ولو أنه خرج فاشترى حاجته لانقطعت الشهرة، ولكن في باطنه حفظ الناموس، وقد كان رسول الله (يخرج إلى السوق ويشتري حاجته ويحملها بنفسه. وكان أبو بكر الصديق ﵁ يحمل الثياب على كتفه فيبيع ويشتري، قال محمد ابن القاسم: زعم عبد الله بن حنظلة، قال:
следующие страницы →