Полный текст (2 567 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.
стр. 1226
﴿ولقد جئناهم بكتاب فصّلناه على هدى ورحمة لقوم يؤمنون﴾ الضمير في ﴿ولقد جئناهم﴾ عائد على من تقدم ذكره ويكون الكتاب على هذا جنساً أي ﴿بكتاب﴾ إلهي إذ الضمير عام في الكفار، وقال يحيى بن سلام الضمير لمكذبي محمد صلى الله عليه وسلّموهو ابتداء كلام وتمّ الكلام عند قوله ﴿يجحدون﴾ والكتاب هو القرآن.
و ﴿فصّلناه﴾ صفة لكتاب وعلى علم الظاهر أنه حال من فاعل ﴿فصلناه﴾ وقيل التقدير مشتملاً على علم فيكون حالاً من المفعول وانتصب ﴿هدى ورحمة﴾ على الحال، وقيل مفعول من أجله، وقرىء بالرفع أي هو ﴿هدى ورحمة﴾ ، وقرأ زيد بن عليّ هدى ورحمة بالخفض على البدل من كتاب أو النعت وعلى النعت لكتاب خرّجه الكسائي والفرّاء رحمهما الله.
قال الزمخشري: ما يؤول إليه من تبيين صدقه وظهور صحته ما نطق به من الوعد الوعيد والتأويل مادته همزة وواوولام من آل يؤول، وقال الخطابي: أوّلت الشيء رددته إلى أوّله فاللفظة مأخوذة من الأول انتهى وهو خطأ لاختلاف المادتين.
﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِى تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جَآءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَل لَّنَا مِن شُفَعَآءَ فَيَشْفَعُواْ لَنَآ أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِى كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ﴾
стр. 1227
وقرأ الجمهور أو نرد برفع الدال فنعمل بنصب اللام عطف جملة قعلية على جملة اسمية وتقدّمهما استفهام فانتصب الجوابان أي هل شفعاء لنا فيشفعوا لنا في الخلاص من العذاب أو هل نرد إلى الدّنيا فنعمل عملاً صالحاً، وقرأ الحسن: فيما نقل الزمخشري بنصب الدال ورفع اللام، وقرأ الحسن فيما نقل ابن عطية وغيره برفعهما عطف ﴿فنعمل﴾ على ﴿نرد﴾ ، وقرأ ابن أبي إسحاق وأبو حيوة بنصبهما فنصب ﴿أو نرد﴾ عطفاً على ﴿فيشفعوا لنا﴾ جواباً على جواب فيكون الشفعاء في أحد أمرين إما في الخلاص من العذاب وإما في الرّد إلى الدنيا لاستئناف العمل الصالح وتكون الشفاعة قد انسحبت على الردّ أو الخلاص و ﴿فنعمل﴾ عطف على فنرد ويحتمل أن يكون ﴿أو نرد﴾ من باب لألزمنك أو تقضيني حقي على تقدير من قدّر ذلك حتى تقضيني حقي أو كي تقضيني حقي فجعل اللزوم مغياً بقضاء حقه أو معلولاً له لقضاء حقه وتكون الشفاعة إذ ذاك في الرد فقط وأما على تقدير سيبويه ألا إني لألزمنك إلا أن تقضيني فليس يظهر أنّ معنى ﴿أو﴾ معنى إلا هنا يصير المعنى هل تشفع لنا شفعاء إلا أن نرد وهذا استثناء غير ظاهر.
ربكم خطاب عام للمؤمن والكافر، وروى بكار بن إن ربكم اللهإِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِى خَلَقَ السَمَوَتِ وَالأٌّرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ بنصب الهاء عطف بيان والظاهر أنه ﴿خلق السموات والأرض في ستة أيام﴾ وعلى هذا الظاهر فسّر معظم الناس.
стр. 1228
هما مفعولان لان التضعيف والهمزة معديان، وقرأ بالتضعيف الأخوان وأبو بكر وبإسكان الغين باقي السبعة وبفتح الياء وسكون الغين وفتح الشين وضم اللام حميد بن قيس كذا قال عنه أبو عمرو الداني، وقال أبو الفتح عثمان بن جني عن حميد بنصب الليليُغْشِى الَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا﴾ ورفع ﴿النهار﴾ ، قال ابن عطية وأبو الفتح أثبت انتهى وهذا الذي قال من أنّ أبا الفتح أثبت كلام لا يصح إذ رتبة أبي عمرو الداني في القراءات ومعرفتها وضبط رواياتها واختصاصه بذلك بالمكان الذي لا يدانيه أحد من أئمة القراءات فضلاً عن النحاة الذين ليسوا مقرئي ولا رووا القرآن عن أحد ولا روي عنهم القرآن هذا مع الديانة الزائدة والتثبت في النّقل وعدم التجاسر ووفور الخط من العربية فقد رأيت له كتاباً في كلا وكتاباً في إدغام أبي عمرو الكبير دلا على إطلاعه على ما لا يكاد يطلع عليه أئمة النحاة ولا المقرئين إلى سائر تصانيفه ﵀ والذي نقله أبو عمرو الداني عن حميد أمكن من حيث المعنى لأنّ ذلك موافق لقراءة الجماعة إذ الليل في قراءتهم وإن كان منصوباً هو الفاعل من حيث المعنى إذ همزة النقل أو التضعيف صيره مفعولاً ولا يجوز أن يكون مفعولاً ثانياً من حيث المعنى لأن المنصوبين تعدّى إليهما الفعل وأحدهما فاعل من حيث المعنى فيلزم أن يكون الأول منهما كما لزم ذلك في ملكت زيداً عمراً إذ رتبة التقديم هي الموضّحة أنه الفاعل من حيث المعنى كما لزم ذلك في ضرب موسى عيسى والجملة من يطلبه حال من الفاعل من حيث المعنى وهو الليل إذ هو المحدث عنه قبل التعدية وتقديره حاثاً ويجوز أن حالاً من النهار وتقديره محثوثاً ويجوز أن ينتصب نعتاً لمصدر محذوف أي طلباً حثيثاً أي حاثاً أو محثاً ونسبة الطلب إلى الليل مجازفة.
стр. 1229
﴿والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره﴾ انتصب ﴿مسخرات﴾ على الحال من المجموع أي وخلق الشمس، وقرأ ابن عامر بالرفع في الأربعة على الابتداء والخبر، وقرأ أبان بن ثعلب برفع ﴿والنجوم مسخّرات﴾ فقط على الابتداء والخبر ومعنى ﴿بأمره﴾ بمشيئته وتصريفه وهو متعلق بمسخرات.
والأمر مصدر من أمر.
وقال الزّجاج: المعنى اعبدوا وانتصب تضرّعاً وخفيةأَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأٌّمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَلَمِينَ * ادْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ * وَلاَ تُفْسِدُواْ فِى الأٌّرْضِ بَعْدَ إِصْلَحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ على الحال أي متضرّعين ومخفين أو ذوي تضرّع واختفاء في دعائكم.
﴿إنه لا يحب المعتدين﴾ وقرأ ابن أبي عبلة إن الله جعل مكان المضمر المظهر وهذا اللفظ عام.
فبدأ أوّلاً بأفعال الجوارح ثم ثانياً بأفعال القلوب وانتصب خوفاً وطمعاًوَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ على انهما مصدران في موضع الحال أو انتصاب المفعول له وعطف أحدهما على الآخر يقتضي أن يكون الخوف والرجاء متساويين ليكونا للإنسان كالجناحين للطائر يحملانه في طريق استقامة فإن انفرد أحدهما هلك الإنسان.
стр. 1230
فالرحمة في هذه الأقوال بدل عن مذكر. وقيل: التذكير على طريق النسب أي ذات قرب، وقيل: قريب نعت لمذكر محذوف أي شيء قريب، وقيل: قريب مشبّه بفعيل الذي هو بمعنى مفعول نحو خضيب وجريح كما شبه فعيل به فقيل شيئاً من أحكامه فقيل في جمعه قعلاء كأسير وأسراء وقتيل وقتلاء كما قالوا: رحيم ورحماء وعليم وعلماء، وقيل هو مصدر جاء على فعيل كالضغيث وهو صوت الأرنب والنقيق وإذا كان مصدر أصح أن يخبر به عن المذكر والمؤنث والمفرد والمثنى والمجموع بنفط المصدر، وقيل لأن تأنيث الرحمة غير حقيقي قاله الجوهري، وهذا ليس بجيد إلا مع تقديم الفعل أما إذا تأخر فلا يجوز إلا التأنيث تقول الشمس طالعة ولا يجوز طالع إلا في ضرورة الشعر بخلاف التقديم فيجوز أطالعه الشمس وأطالع الشمس كما يجوز طلعت الشمس وطلع الشمس ولا يجوز طلع إلا في الشّعر، وقيل: فعيل هنا بمعنى المفعول أي مقربة فيصير من باب كفّ خضيب وعين كحيل قاله الكرماني، وليس بجيد لأن ما ورد من ذلك إنما هو من الثلاثي غير المزيد وهذا بمعنى مقربة فهو من الثلاثي المزيد ومع ذلك فهو لا ينقاس، وقال الفرّاء إذا استعمل في النسب والقرابة فهو مع المؤنث بتاء ولا بدّ تقول هذه قريبة فلان وإذا استعملت في قرب المسافة أو الزمن فقد تجيء مع المؤنث بتاء وقد تجيء بغير تاء تقول دارك مني قريب وفلانة منا قريب، ومنه هذا وقول الشاعر:
عشية لا عفراء منك قريبة
فتدنو ولا عفراء منك بعد فجمع في هذا البيت بين الوجهين، قال ابن عطية: هذا قول الفرّاء في كتابه وقد مرّ في كتب بعض المفسرين مغيراً انتهى، وردّ الزّجاج وقال هذا على الفراء هذا خطأ لأنّ سبيل المذكر والمؤنث أن يجريا على أفعالهما وقال من احتج له هذا كلام العرب، قال تعالى: وما يدريك لعلّ الساعة تكون قريباًإِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ . وقال الشاعر:
له الويل إن أمسى ولا أمّ هاشم
стр. 1231
قريب ولا البسباسة ابنة يشكرا وقال أبو عبيدة ﴿قريب﴾ في الآية ليس بصفة للرحمة وإنما هو ظرف لها وموضع فتجيء هكذا في المؤنث والاثنين والجمع وكذلك بعيد فإن جعلوها صفة بمعنى مقتربة قالوا قريبة وقريبتان وقريبات. قال علي بن سليمان وهذا خطأ ولو كان كما قال لكان قريب منصوباً كما تقول إنّ زيداً قريباً منك انتهى وليس بخطأ لأنه يكون قد اتسع في الظرف فاستعمله غير ظرف كما تقول هند خلقك وفاطمة أمامك بالرّفع إذا اتسعت في الخلف والأمام وإنما يلزم النصب إذا بقيتا على الظّرفية ولم يتسع فيهما وقد أجازوا أنّ قريباً منك زيد على أن يكون قريباً اسم إنّ وزيد الخبر فاتسع في قريب واستعمل اسما لا منصوباً على الظّرف والظاهر عدم تقييد قرب الرحمة من المحسن بزمان بل هي قريب منه مطلقاً وذكر الطبري أنه وقت مفارقة الأرواح للأجساد تنالهم الرحمة.
ثمود اسم قبيلة سميت باسم أبيها ويأتي ذكره في التفسير إن شاء الله. النّاقة الأنثى من الجمال وألفها منقلبة عن الواو وجمعها في القلة أنوق وأنيق وفيه القلب والإبدال وفي الكثرة نياق ونوق واستنوق الجمل إذا صار يشبه الناقة.
قال الأزهري العقر عند العرب كشف عرقوب البعير، ولما كان سبباً للنحر أطلق العقر على النحو إطلاقاً لاسم السبب على المسبب وإن لم يكن هناك قطع للعرقوب. قال امرؤ القيس:
ويوم عقرت للعذارى مطيّتي
فيا عجباً من كورها المتحمّل وقال غيره والعقر بمعنى الجرح. قال:
تقول وقد مال الغبيط بنا معاً
عقرت بعيري يا امرؤ القيس فانزل عنا يعتو عتوّاً استكبر.
الرجفة الطامّة التي يرجف لها الإنسان أي يتزعزع ويطرب ويتعد ومنه ترجف بوادره وأصل الرّجف الاضطراب، رجفت الأرض والبحر رجاف لاضطرابه، وأرجف الناس بالشر خاضوا فيه واضطربوا، ومنه الأراجيف ورجف بهم الجبل. قال الشاعر:
ولما رأيت الحج قد حان وقته
стр. 1232
وظلت جمال القوم بالحي ترجف الجثوم اللصوق بالأرض على الصدر مع قبض السّاقين كما يرقد الأرنب والطير. غبر بقي. قال أبو ذؤيب:
فغبرت بعدهم بعيش ناضب
وإخال أني لاحق مستبقع هذا الشمهور في اللغة ومنه غبر الحيض. قال أبو بكر الهذلي:
ومبرّأ من كل غبر حيضة
وفساد مرضعة وداء معضل وغبر اللبن في الضّرع بقيته وحكى أهل اللغة غبر بمعنى مضى، قال الأعشى:
غض بما ألقى المواسي له
من أمّه في الزمن الغابر وبمعنى غاب ومنه عبر عنا زماناً أي غاب قاله الزجاج، وقال أبو عبيدة غبر عمر دهراً طويلاً حتى هرم، المطر معروف. وقال أبو عبيدة يقال في الرّحمة مطر وفي العذاب أمطر وهذا معارض بقوله هذا عارض ممطرناوَهُوَ الَّذِى يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرىً بَيْنَ يَدَىْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَآ أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالاً سُقْنَهُ لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَنزَلْنَا بِهِ الْمَآءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِن كُلِّ الثَّمَرَتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْموْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِى خَبُثَ لاَ يَخْرُجُ إِلاَّ نَكِدًا كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآيَتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ * لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَقَوْمِ اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّى أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ * قَالَ الْمَلائ مِن قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَلٍ مُّبِينٍ * قَالَ يَقَوْمِ لَيْسَ بِى ضَلَلَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَلَمِينَ * أُبَلِّغُكُمْ رِسَلتِ رَبِّى وَأَنصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ * أَوَ عَجِبْتُمْ أَن جَآءَكُمْ ذِكْرٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِّنْكُمْ لِيُنذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُواْ وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ * فَكَذَّبُوهُ فَأَنجَيْنَهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي
стр. 1233
الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِئَايَتِنَآ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْماً عَمِينَ * وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلاَ تَتَّقُونَ * قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وِإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَذِبِينَ * قَالَ يَقَوْمِ لَيْسَ بِى سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّى رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَلَمِينَ * أُبَلِّغُكُمْ رِسَلتِ رَبِّى وَأَنَاْ لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ * أَوَ عَجِبْتُمْ أَن جَآءَكُمْ ذِكْرٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِّنكُمْ لِيُنذِرَكُمْ وَاذكُرُواْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَآءَ مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِى الْخَلْقِ بَسْطَةً فَاذْكُرُواْءَالآءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * قَالُواْ أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُءَابَاؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ الصَّدِقِينَ * قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ أَتُجَدِلُونَنِي فِى أَسْمَآءٍ سَمَّيْتُمُوهَآ أَنتُمْ وَءَابَآؤكُمُ مَّا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَنٍ فَانتَظِرُواْ إِنِّى مَعَكُم مِّنَ الْمُنتَظِرِينَ * فَأَنجَيْنَهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِئَايَتِنَا وَمَا كَانُواْ مُؤْمِنِينَ * وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَلِحًا قَالَ يَقَوْمِ اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَآءَتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْءَايَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِى أَرْضِ اللَّهِ وَلاَ تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * وَاذْكُرُواْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَآءَ مِن بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِى الأَرْضِ تَتَّخِذُونَ
стр. 1234
مِن سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا فَاذْكُرُواْءَالآءَ اللَّهِ وَلاَ تَعْثَوْاْ فِى الأٌّرْضِ مُفْسِدِينَ * قَالَ الْمَلائ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ مِن قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُواْ لِمَنْءَامَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَلِحاً مُّرْسَلٌ مِّن رَّبِّهِ قَالُواْ إِنَّا بِمَآ أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ * قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ إِنَّا بِالَّذِىءَامَنتُمْ بِهِ كَفِرُونَ * فَعَقَرُواْ النَّاقَةَ وَعَتَوْاْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقَالُواْ يَاصَحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ * فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دَارِهِمْ جَثِمِينَ * فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّى وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِن لاَّ تُحِبُّونَ النَّصِحِينَ * وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّن الْعَلَمِينَ * إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِّن دُونِ النِّسَآءِ بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ * وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاّ أَن قَالُواْ أَخْرِجُوهُم مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ * فَأَنجَيْنَهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَبِرِينَ * وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَّطَرًا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ * وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَقَوْمِ اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَآءَتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلاَ تَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلاَ تُفْسِدُواْ فِى الأٌّرْضِ بَعْدَ إِصْلَحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ * وَلاَ﴾ فإنهم لم يريدوا إلا الرّحمة وكلاهما متعدّ يقال
стр. 1235
مطرتهم السماء وأمطرتهم شعيب اسم نبيّ وسيأتي ذكر نسبه في التفسير إن شاء الله.
انتظمت هاتان الآيتان محصلتين المبدأ والمعاد وجعل الخبر موصولا في أن ربكم الله الذي وفي وهو الذيوَهُوَ الَّذِى يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرىً بَيْنَ يَدَىْ رَحْمَتِهِ﴾ دلالة على كون ذلك معهوداً عند السامع مفروغاً من تحقّق النسبة فيه والعلم به ولم يأتِ التركيب إنّ ربكم خلق ولا وهو يرسل الرياح وقرأ الرّياح نشراً جمعين وبضم الشين جمع ناشر على النسب أي ذات نشر من الطي كلابن وتامر وقالوا نازل ونزل وشارف وشرف وهو جمع نادر في فاعل أو نشور من الحياة أو جمع نشور كصبور وصبر وهو جمع مقيس لا جمع نشور بمعنى منشور خلافاً لمن أجاز ذلك لأنّ فعولاً كركوب بمعنى مركوب لا ينقاس ومع كونه لا ينقاس لا يجمع على فعل الحسن والسلمي وأبو رجاء واختلف عنهم والأعرج وأبو جعفر وشيبة وعيسى بن عمر وأبو يحيى وأبو نوفل الأعرابيان ونافع وأبو عمرو، وقرأ كذلك جمعاً إلا أنهم سكّنوا الشين تخفيفاً من الضم كرسل عبد الله وابن عباس وزر وابن وثاب والنخعي وطلحة بن مصرف والأعمش ومسروق وابن عامر، وقرأ نشراً بفتح النون والشين مسروق فيما حكى عنه أبو الفتح وه اسم جمع كغيب ونشىء في غائبة وناشئة، وقرأ ابن كثير الرّيح مفرداً نشراً بالنون وضمّها وضمّ الشين فاحتمل نشراً أن يكون جمعاً حالاً من المفرد لأنه أريد به الجنس كقولهم: العرب هم البيض واحتمل أن يكون مفرداً كناقة سرح، وقرأ حمزة والكسائي نشراً بفتح النون وسكون الشين مصدراً كنشر خلاف طوى أو كنشر بمعنى حيي من قولهم أنشر الله الموتى فنشروا أي حيوا. قال الشاعر:
حتى يقول الناس مما رأوا
стр. 1236
يا عجباً للميت الناشر وقرأ ﴿الرياح﴾ جمعاً ابن عباس والسّلمي وابن أبي عبلة ﴿بشراً﴾ بضم الباء والشين ورويت عن عاصم وهو جمع بشيرةٍ كنذيرة ونذر، وقرأ عاصم كذلك إلا أنه سكن الشين تخفيفاً من الضم، وقرأ السلمي أيضاً ﴿بشراً﴾ بفتح الباء وسكون الشين وهو مصدر بشر المخفف ورويت عن عاصم، وقرأ ابن السميقع وابن قطيب بشرى بألف مقصورة كرجعى وهو مصدر فهذه ثماني قراءات أربعة في النون وأربع في الباء فمن قرأ بالباء جمعاً أو مصدراً بألف التأنيث ففي موضع الحال من المفعول أو مصدراً بغير ألف التأنيث فيحتمل ذلك ويحتمل أن يكون حالاً من الفاعل ومن قرأ بالنون جمعاً أو سام جمع فحال من المفعول أو مصدراً فيحتمل أن يكون حالاً من الفاعل وأن كون حالاً من المفعول أو مصدراً ليرسل من المعنى لأنّ إرسالها هو إطلاقها وهو بمعنى النّشر فكأنه قيل ينشر الرياح نشراً ووصف الريح بالنشر بأحد معنيين بخلاف الطي وبالحياة قال أبو عبيدة: في النشر أنها المتفرقة في الوجوه، وقال الشاعر في وصف الرّيح بالإحياء والموت:
وهبّت له ريح الجنوب وأحييت
له ريدة يحيي المياه نسيمها والرّيدة والمريد أنه الرّيح. وقال الآخر:
إني لأرجو أن تموت الرّيح
فأقعد اليوم وأستريح ومعنى ﴿بين يدي رحمته﴾ أمام نعمته وهو المطر الذي هو من أجلّ النعم وأحسنها أثراً والتعيين عن إمام الرحمة بقوله ﴿بين يدي﴾ من مجاز الاستعارة إذ الحقيقة هو ما بين يدي الإنسان من الإحرام وقال الكرماني: قال هنا ﴿يرسل﴾ لأنّ قبل ذلك ﴿وادعوه خوفاً وطمعاً﴾ فهماً في المستقبل فناسبه المستقبل وفي الفرقان وفاطر ﴿أرسل﴾ لأن قبله ﴿ألم ترَ إلى ربك كيف مدّ الظل﴾ وبعده ﴿وهو الذي مرح﴾ وكذا في الروم ﴿ومن آياته أن يرسل﴾ ليوافق ما قبله من المستقبل وفي فاطر قبله ﴿الحمد لله فاطر السموات والأرض جاعل الملائكة رسلاً أولي أجنحة﴾ وذلك ماضٍ فناسبه الماضي انتهى ملخصاً.
стр. 1237
والسحاب اسم جنس بينه وبين مفرده تاء التأنيث فيذكر كقوله والسحاب المسخرحَتَّى إِذَآ أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالاً سُقْنَهُ لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ﴾ كقوله ﴿يزجي سحاباً ثم يؤلّف بينه﴾ ويؤنث ويوصف ويخبر عنه بالجمع كقوله ﴿وينشئ السّحاب الثّقال﴾ وكقوله ﴿والنّحل باسقات﴾ وثقله بالماء الذي فيه ونسب السّوق إليه تعالى بنون العظمة التفاتاً لما فيه من عظيم المنة وذكر الضمير في ﴿سقناه﴾ رعياً للفظ كما قلنا إنه يذكر.
واللام في ﴿لبلد﴾ عندي لام التبليغ كقولك قلت لك، وقال الزمخشري: لأجل بلد فجعل اللام لام العلة ولا يظهر فرق بين قولك سقت لك مالاً فإنّ الأوّل معناه أوصلته لك وأبلغته والثاني لا يلزم منه وصوله إليه بل قد يكون الذي وصل له المال غير الذي علّل به السوق ألا ترى إلى صحة قول القائل لأجل زيد سقت لك مالك.
﴿فأنزلنا به الماء﴾ الظاهر أن الباء ظرفية والضمير عائد على بلد ميت أي فانزلنا فيه الماء وهو أقرب مذكور ويحسن عوده إليه فلا يجعل لأبعد مذكور، وقيل الباء سببيّة والضمير عائد على السحاب. وقيل عائد على المصدر المفهوم من سقناه فالتقدير بالسّحاب أو بالسّوق والثالث ضعيف لأنه عائد على غير مذكور مع وجود المذكور وصلاحيته للعود عليه. وقيل: عائد على السحاب والباء بمعنى من أي فأنزلنا منه الماء كقوله ﴿يشرب بها عباد الله﴾ أي منها وهذا ليس بجيد لأنه تضمين من الحروف.
﴿فأخرجنا به من كل الثمرات الخلاف في به﴾ كالخلاف السابق في به. وقيل: الأول عائد على السحاب والثاني على البلد عدل عن كناية إلى كناية من غير فاصل كقوله: ﴿الشيطان سوّل لهم وأملى لهم﴾ وفاعل أملى لهم الله تعالى.
стр. 1238
وفي الكلام حال محذوفة أي يخرج نباته وافياً حسناً وحذفت لفهم المعنى ولدلالة والبلد الطيبوَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِى خَبُثَ لاَ يَخْرُجُ إِلاَّ نَكِدًا﴾ عليها ولمقابلتها بقوله ﴿إلا نكداً﴾ ولدلالة ﴿بإذن ربه﴾ لأنّ ما أذن الله في إخراجه لا يكون إلا على أحسن حال ﴿بإذن ربه﴾ في موضع الحال وخصّ خروج نبات الطيّب بقوله ﴿بإذن ربه﴾ على سبيل المدح له والتشريف ونسبة الىسناد الشريفة الطيبة إليه تعالى وإن كان كلا النباتين يخرج بإذنه تعالى ومعنى ﴿بإذن ربه﴾ بتيسيره وحذف من الجملة الثانية الموصوف أيضاً والتقدير والبلد الذي خبث لدلالة ﴿والبلد الطيب﴾ عليه فكلّ من الجملتين فيه حذف وغاير بين الموصولين فصاحة وتفنّناً ففي الأولى قال: ﴿الطيّب﴾ وفي الثانية قال: ﴿الذي خبث﴾ وكان إبراز الصّلة هنا فعلاً بخلاف الأوّل لتعادل اللفظ يكون ذلك كلمتين الكلمتين في قوله ﴿والبلد الطيّب﴾ والطيب والخبيث متقابلان في القرآن كثيراً ﴿قل لا يستوي الخبيث والطيّب﴾ و ﴿ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث أنفقوا من طيبات ما كسبتم ولا تيمموا الخبيث﴾ إلى غير ذلك والفاعل في ﴿لا يخرج﴾ عائد على ﴿الذي خبث﴾ وقد قلنا إنه صفة لموصوف محذوف والبلد لا يخرج فيكون على حذف مضاف إما من الأوّل أي ونبات الذي خبث أو من الثاني أي لا يخرج نباته فلما حذف استكنّ الضمير الذي كان مجروراً لأنه فاعل، وقيل هاتان الجملتان قصد بهما التمثيل، فقال ابن عباس وقتادة مثال لروح المؤمن يرجع إلى جسده سهلاً طيّباً كما خرج إذا مات ولروح الكافر لا يرجع إلا بالنّكد كما خرج إذ مات انتهى، فيكون هذا راجعاً من حيث المعنى إلى قوله ﴿كذلك نخرج الموتى﴾ أي على هذين الوصفين.
стр. 1239
وقرأ ابن أبي عبلة وأبو حيوة وعيسى بن عمر ﴿يخرج نباته﴾ مبنياً للمفعول، وقرأ ابن القعقاع ﴿نكداً﴾ بفتح الكاف، قال الزّجاج: وهي قراءة أهل المدينة، وقرأ ابن مصرّف بسكونها وهما مصدران، أي ذا نكد وكون نبات الذي خبث محصوراً خروجه على حالة النكد مبالغة شديدة في كونه لا يكون إلا هكذا ولا يمكن أن توجد ﴿إلا نكداً﴾ وهي إشارة إلى من استقر فيه وصف الخبيث يبعد عنه النزوع إلى الخير.
لقد أرسلنا استئناف كلام دون واو وفي هود والمؤمنون ولقد بواو العطف، لأنه أول من صنعها عطف في السورتين انتهى واللام جواب قسم محذوف أكدّ تعالى هذا الإخبار بالقسم، قال الزمخشري: فإن قلت) : ما لهم لا يكادون ينطقون بهذه اللام إا مع قد وقل عنهم قوله:
حلفت لها بالله حلفة فاجر
стр. 1240
لناموا (قلت) : إنما كان ذلك لأنّ الجملة القسمية لا تساق إلا تأكيداً للجملة المقسم عليها التي هي جوابها فكانت مظنّة لمعنى التوقّع الذي هو معنى قد عند استماع المخاطب كلمة القسم انتهى، وبعض أصحابنا يقول إذا أقسم على جملة مصدرة بماضٍ مثبت متصرف وكان قريباً من زمان الحال أثبت مع اللام بفد الدالّة على التقريب من زمن الحال ولم تأتِ بقد بل باللام وحدها إن لم يرد التقريب، قال ابن عباس: أرسلنالَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَقَوْمِ اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّى أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ بعثنا وقال غيره حملناه رسالة يؤدّيها فعلى هذا تكون الرسالة متضمنة للبعث وهنا فقال بفاء العطف وكذا في المؤمنون في قصّة عاد وصالح وشعيب هنا قال بغير فاء والأصل الفاء وحذفت في القصتين توسّعاً. واكتفاءً بالرّبط المعنوي وفي قصة نوح في هوذ ﴿إني لكم﴾ على إضمار القول أي فقال إني وفي ندائه قومه تنبيه لهم لما يلقيه إليهم واستعطاف وتذكير بأنهم قومه فالمناسب أن لا يخالفوه ومعمول القول جملة الأمر بعبادة الله وحده ورفض آلهتهم المسمّاة ودّاً وسواعاً ويغوث ويعوق ونسراً وغيرها والجملة المنبهة على الوصف الدّاعي إلى عبادة الله وهو انفراده بالألوهية المرجو إحسانه المحذور انتقامه دون آلهتهم ولم تأتِ بحرف عطف لأنها بيان وتفسير لعلّة اختصاصه تعالى بأن يعبد، وقرأ ابن وثاب والأعمش وأبو جعفر والكسائي غيره بالجرّ على لفظ ﴿إله﴾ بدلاً أو نعتاً، وقرأ باقي السّبعة غيره بالرفع عطفاً على موضع ﴿من إله﴾ لأنّ من زائدة بدلاً أو نعتاً، وقرأ عيسى بن عمر غيره بالنصب على الاستثناء والجرّ والرفع أفصح ﴿ومن إله﴾ مبتدأ و ﴿لكم﴾ في موضع الخبر، وقيل: الخبر محذوف أي في الوجود و ﴿لكم﴾ تبيين وتخصيص.
стр. 1241
ومعنى في ضلال مبينقَالَ الْمَلائ مِن قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَلٍ مُّبِينٍ * قَالَ يَقَوْمِ لَيْسَ بِى ضَلَلَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَلَمِينَ * أُبَلِّغُكُمْ﴾ أي في ذهاب عن طريق الصواب وجهالة بما تسلك بينة واضحة وجاءت جملة الجواب مؤكدة بأن وباللام وفي للوعاء فكان الضلال جاء ظرفاً له وهو فيه ولم يأتِ ضالاً ولا ذا ضلال.
أبلغكمقَالَ يَقَوْمِ لَيْسَ بِى ضَلَلَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَلَمِينَ * أُبَلِّغُكُمْ رِسَلتِ رَبِّى وَأَنصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ استئناف على سبيل البيان بكونه رسولاً أو جملة في موضع الصفة لرسول ملحوظاً فيه كونه خبراً لضمير متكلم كما تقول أنا رجل آمر معروف فتراعي لفظ أنا ويجوز يأمر بالمعروف فيراعى لفظ رجل والأكثر مراعاة ضمير المتكلم والمخاطب فيعود الضمير ضمير متكلم أو مخاطب قال تعالى: ﴿بل أنتم قوم تفتنون﴾ بالتاء ولو قرئ بالياء لكان عربيّاً مراعاة للفظ ﴿قوم﴾ لأنه غائب، وقرأ أبو عمرو ﴿أبلغكم﴾ هنا في الموضعين وفي الأحقاف بالتخفيف وباقي السبعة بالتشديد والهمزة والتضعيف للتعدية فيه.
стр. 1242
قال الزمخشري: الواو للعطف والمعطوف محذوف كأنه قيل أو كذبتم وعجبتم أن جاءكم انتهى، وهو كلام مخالف لكلام سيبويه والنّحاة لأنّهم يقولون: إنّ الواو لعطف ما بعدها على ما قبلها من الكلام ولا حذف هناك وكأنّ الأصل وأعجبتم لكنه اعتنى بهمزة الاستفهام فقدّمت على حروف العطف لأنّ الاستفهام له صدر الكلام وقد تقدّم الكلام معه في نظير هذه المسألة وقد رجع هو عن هذا إلى قول الجماعة والذكر الوعظ أو الوحي أو المعجز أو كتاب معجز أو البيان أقوال والأولى أن يكون قوله على رجلأَوَ عَجِبْتُمْ أَن جَآءَكُمْ ذِكْرٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِّنْكُمْ لِيُنذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُواْ وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ فيه إضمار أي على لسلن رجل كما قال ﴿ما وعدتنا على رسلك﴾ ، وقيل: ﴿على﴾ بمعنى مع، وقيل: لا حذف ولا تضمين في الحرف بل قوله ﴿على رجل﴾ هو على ظاهره لأن ﴿جاءكم﴾ بمعنى نزل إليكم.
يتعلق في الفلكفَكَذَّبُوهُ فَأَنجَيْنَهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِئَايَتِنَآ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْماً عَمِينَ﴾ بما يتعلق به الظرف الواقع صلة أي والذين استقروا معه في الفلك ويحتمل أن يتعلق بأنجيناه أي أنجيناهم في السّفينة من الطّوفان وعلى هذا يحتمل أن تكون في ﴿سببية﴾ أي بالفلك كقوله «دخلت النار في هرة» أي بسبب هرة و ﴿عمين﴾ من عمي القلب أي غير مستبصرين ويدل على ثبوت هذا الوصف كونه جاء على وزن فعل ولو قصد الحذف لجاء على فاعل كما جاء ضائق في ضيق وثاقل في ثقيل إذا قصد به حدوث الضّيق والثقل قال ابن عباس عميت قلوبهم عن معرفة التوحيد والنبوة والمعاد، وقال معاذ النحوي: رجل عم في أمره لا يبصره وأعمي في البصر. قال:
ما في غد عم ولكنني عن علم
وقد يكون العمى والأعمى كالخضر والأخضر، وقال الليث: رجل عم إذا كان أعمى القلب.
عاد اسم الحي ولذلك صرفه وبعضهم جعله اسماً للقبيلة فمنعه الصرف قال الشاعر:
стр. 1243
لو شهدت عاد في زمان عاد
لانتزها مبارك الجلاد سميت القبيلة باسم أبيهم وهو عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح ﵇ وهود قال شيخنا أبو الحسن الآبدي النحوي: المعروف أنّ هوداً عربي والذي يظهر من كلام سيبويه لما عده مع نوح ولوط وهما عجميان أنه عجمي عنده انتهى، وذكر الشريف النسّابة أبو البركات الجواني أنّ يَعرُب بن قحطان بن هود هو الذي زعمت يمن أنه أول من تكلم بالعربية ونزل أرض اليمن فهو أبو اليمن كلها وأنّ العرب إنما سميت عرباً به انتهى فعلى هذا لا يكون هود عربيّاً وهود هو ابن عابر بن شالح بن ارفخشد بن سام بن نوح وأخاهموَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلاَ تَتَّقُونَ﴾ معطوف على نوحاً ومعناه واحداً منهم.
إذوَاذكُرُواْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَآءَ مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ﴾ ظرف في قول الحوفي فيكون مفعول ﴿اذكروا﴾ محذوفاً أي واذكروا آلاء الله عليكم وقت كذا والعامل في ﴿إذا﴾ ما تضمنه النعم من الفعل وفي قول الزمخشري ﴿إذ﴾ مفعول به وهو منصوب باذكروا أي اذكروا وقت جعلكم.
وتعليق رجاء الفلاح على مجرّد الذّكر لا يظهر فيحتاج إلى تقدير محذوف يترتب عليه رجاء الفلاح وتقديره والله أعلم فاذكروا آلاء اللهفَاذْكُرُواْءَالآءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ وإفراده بالعبادة ألا ترى إلى قوله ﴿أجئتنا لنعبد الله وحده﴾ .
بقوله قد وقعقَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ﴾ على حقيقته من المضي وإن كان العذاب فيكون من جعل الماضي موضع المستقبل لتحقّق وقوعه.
والجملة من قوله ما نزلمَّا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَنٍ﴾ في موضع الصفة والمعنى أنه ليس لكم بذلك حجة ولا برهان وجاء هنا ﴿نزل﴾ وفي مكان غيره أنزل وكلاهما فصيح والتعدية بالتضعيف والهمزة سواء.
стр. 1244
وقرأ ابن وثاب والأعمش: وإلى ثمودوَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَلِحًا﴾ بكسر الدال والتنوين مصروفاً في جميع القرآن جعله اسم الحي والجمهور منعوه الصرف جعلوه اسم القبيلة.
وكثر استعمال هذه الصفة استعمال الأسماء في القرآن فولّيت العوامل كقوله حتى جاءتهم البينة وقوله بالبينات والزبرقَدْ جَآءَتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ والمعنى الآية البينة وبالآيات البينات فقارب أن تكون كالأبطح والأبرق إذ لا يكاد يصرح بالموصول معها وقوله ﴿قد جاءتكم بينة من ربكم﴾ كأنه جواب لقولهم ﴿ائتنا بينة﴾ تدلُ على صدقك وأنك مرسل إلينا و ﴿من ربكم﴾ متعلق بجاءتكم أو في موضع الصفة لآية على تقدير محذوف أي من آيات ربكم.
وانتصب آيةهَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْءَايَةً﴾ على الحال والعامل فيها ها بما فيها من معنى التنبيه أو اسم الإشارة بما فيه من معنى الإشارة أو فعل مضمر تدّل عليه الجملة كأنه قيل انظر إليها في حال كونها آية أقوال ثلاثة ذكرت في علم النحو.
لما أضاف الناقة إلى الله أضاف محل إلى الله إذ الأرض وما أنبت فيها ملكه تعالى لا ملككم ولا إنباتكم وتأكلفَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِى أَرْضِ اللَّهِ﴾ جزم على جواب الأمر، وقرأ أبو جعفر في رواية ﴿تأكل﴾ بالرفع وموضعه حال.
وتتخذونتَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا فَاذْكُرُواْءَالآءَ اللَّهِ وَلاَ تَعْثَوْاْ فِى الأٌّرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ حال أو تفسير لقوله ﴿وبوأكم في الأرض﴾ فلا موضع له من الإعراب فيتعدّى ﴿تتخذون﴾ إلى مفعول واحد، وقيل: يتعدى إلى اثنين والمجرور هو الثاني.
стр. 1245
انتصب ﴿بيوتاً﴾ على أنها حال مقدّرة إذ لم تكن الجبال وقت النحت بيوتاً كقولك إبرِ لي هذه اليراعة قلماً وخَّط لي هذا قباء، وقيل: مفعول ثانٍ على تضمين ﴿وتنحتون﴾ معنى و ﴿تتخذون﴾ ، وقيل: مفعول بتنحتون و ﴿الجبال﴾ نصب على إسقاط من أي من الجبال، وقرأ الأعمش ﴿تعثوا﴾ بكسر التاء لقولهم أنت تعلم وهي لغة و ﴿مفسدين﴾ حال مؤكدة.
قرأ ابن عامر وقال الملأقَالَ الْمَلائ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ مِن قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُواْ لِمَنْءَامَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَلِحاً مُّرْسَلٌ مِّن رَّبِّهِ﴾ بواو عطف والجمهور قال بغير واو و ﴿الذين استكبروا﴾ وصف للملأ إما للتخصيص لأنّ من أشرافهم من آمن مثل جندع بن عمرو وإما للذم و ﴿استكبروا﴾ وطلبوا الهيبة لأنسهم وهو من الكبر فيكون استفعل للطلب وهو بابها أو تكون استفعل بمعنى قعل أي كبروا لكثرة المال والجاه فيكون مثل عجب واستعجب والذين ﴿استضعفوا﴾ أي استضعفهم رؤساء الكفار واستذلوهم وهم العامة وهم أتباع الرّسل و ﴿لمن﴾ بدل من الذين استضعفوا والضمير في ﴿منهم﴾ إن عاد على المستضعفين كان بدل بعض من كلّ ويكون الذين استضعفوا قسمين مؤمنين وكافرين وإن عاد على ﴿قومه﴾ كان بدل كل من كلّ وكان الاستضعاف مقصوراً على المؤمنين وكان الذين استضعفوا قسماً واحداً ومن آمن مفسراً للمستضعفين من قومه واللام في ﴿للذين﴾ للتبليغ والجملة المقولة استفهام على جهة الاستهزاء والاستخفاف وفي قولهم ﴿من ربه﴾ اختصاص بصالح ولم يقولوا من ربنا ولا من ربكم.
والفاء في فأخذتهمفَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دَارِهِمْ جَثِمِينَ * فَتَوَلَّى﴾ للتعقيب فيمكن العطف بها على قولهم ﴿فأتنا بما تعدنا﴾ على تقدير قرب زمان الهلك من زمان طلب الإتيان بالوعد ولقرب ذلك كان العطف بالفاء ويمكن أن يقدر ما يصحّ العطف بالفاء عليه أي فواعدهم العذاب بعد ثلاث فانقضت ﴿فأخذتهم الرّجفة﴾ .
стр. 1246
وأما فأهلكوا بالطاغية فالباء فيه للسببية أي أهلكوا بالفعلة الطاغية وهي الكفر أو عقر الناقة والطاغية من طغى إذا تجاوز الحدّ وغلب ومنه تسمية الملك والعاتي بالطاغية وقوله ﴿إنا لما طغى الماء﴾ وقال تعالى: ﴿كذبت ثمود بطغواها﴾ أي بسبب طغيانها حصل تكذيبهم ويمكن أن يراد بالطاغية الرّجفة أو الصّيحة لتجاوز كل منهما الحدّ.
ظاهر العطف بالفاء أنّ التولي كان بعد هلاكهم ومشاهدة ما جرى عليهم.
انتصب لوطاًفَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّى وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِن لاَّ تُحِبُّونَ النَّصِحِينَ * وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّن الْعَلَمِينَ﴾ بإضمار وأرسلنا عطفاً على الأنبياء قبله و ﴿إذ﴾ معمولة ﴿لأرسلنا﴾ وجوز الزمخشري وابن عطية: نصبه بواذكر مضمرة زاد الزمخشري أنّ ﴿إذ﴾ بدل من لوط أي واذكر وقت قال لقومه، وقد تقدم الكلام على كون إذ تكون مفعولاً بها صريحاً لأذكر وأنّ ذلك تصرف فيها والاستفهام هو على جهة الإنكار والتوبيخ والتشنيع والتوقيف على هذا الفعل القبيح و ﴿الفاحشة﴾ هنا إتيان ذكران الآدميين في الادبار ولما كان هذا بالفعل معهوداً قبحه ومركوزاً في العقول فحشه أتى معرفاً بالألف واللام أو تكون أل فيه للجنس على سبيل المبالغة كأنه لشدة قبحه جعل جميع الفواحش ولبعد العرب عن ذلك البعد التام وذلك بخلاف الزنا فإنه قال فيه: ﴿ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة﴾ فأتى به منكراً أي فاحشة من الفواحش وكان كثير من العرب يفعله ولا يستنكرون من فعله ولا ذكره في أشعارهم والجملة المنفية تدّل على أنهم هم أول من فعل هذه الفعلة القبيحة وأنهم مبتكروها والمبالغة في ﴿من أحد﴾ حيث زيدت لتأكيد نفي الجنس وفي الإتيان بعموم العالمين جمعاً.
стр. 1247
﴿وما سبقكم﴾ جملة حالية من الفاعل أو من ﴿الفاحشة﴾ لأن في ﴿سبقكم بها﴾ ضميرهم وضميرها، وقال الزمخشري: هي جملة مستأنفة أنكر عليهم أولاً بقوله ﴿أتأتون الفاحشة﴾ ثم وبّخهم عليها فقال: أنتم أول من عملها أو على أنه جواب لسؤال مقدر كأنهم قالوا لم لا نأتيها فقال: ﴿ما سبقكم بها أحد﴾ فلا تفعلوا ما لم تسبقوا به، وقال الزمخشري: والباء للتعدية من قولك سبقته بالكرة إذا ضربتها قبله ومنه قوله ﵇ «سبقك بها عكاشة» انتهى، ومعنى التعدية هنا قلق جداً لأنّ الباء المعدية في الفعل المتعدي إلى واحد هي بجعل المفعول الأول يفعل ذلك الفعل بما دخلت عليه الباء فهي كالهمزة وبيان ذلك أنك إذا قلت صككت الحجر بالحجر فمعناه أصككت الحجر الحجر أي جعلت الحجر يصك الحجر وكذلك دفعت زيداً بعمرو عن خالد معناه أدفعت زيداً عمراً عن خالد أي جعلت زيداً يدفع عمراً عن خالد فللمفعول الأوّل تأثير في الثاني ولا يتأنّى هذا المعنى هنا إذ لا يصحّ أن يقدّر أسبقت زيداً الكرة أي جعلت زيداً يسبق الكرة إلا بمجاز متكلّف وهو أن تجعل ضربك للكرة أول جعل ضربة قد سبقها أي تقدّمها في الزمان فلم يجتمعا.
стр. 1248
هذا بيان لقوله أتأتون الفاحشةإِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِّن دُونِ النِّسَآءِ بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ﴾ وأتى هنا من قوله أتى المرأة غشيها وهو استفهام على جهة التوبيخ والإنكار، وقرأ نافع وحفص ﴿إنكم﴾ على الخبر المستأنف و ﴿شهوة﴾ مصدر في موضع الحال قاله الحوفي وابن عطية، وجوّزه الزمخشري وأبو البقاء أي مشتهين تابعين للشهوة غير ملتفتين لقبحها أو مفعول من أجله قاله الزمخشري، وبدأ به أبو البقاء أي للاشتهاء لا حامل لكم على ذلك إلا مجرد الشهوة ولا ذم أعظم منه لأنه وصف لهم بالبهيمة وأنهم لا داعي لهم من جهة العقل كطلب النسل ونحوه و ﴿من دون النساء﴾ في موضع الحال أي منفردين عن النساء، وقال الحوفي: ﴿من دون النساء﴾ متعلّق بشهوة و ﴿بل﴾ هنا للخروج من قصة إلى قصة تنبئ بأنهم متجاوزو الحد في الاعتداء، وقيل إضراب عن تقريرهم وتوبيخهم والإنكار أو عن الإخبار عنهم بهذه المعصية الشنيعة إلى الحكم عليهم بالحال التي تنشأ عنها القبائح وتدعو إلى اتّباع الشهوات وهي الإسراف وهو الزيادة المفسدة لما كانت عادتهم الإسارف أسرفوا حتى في باب قضاء الشهوة وتجاوزوا المعتاد إلى غيره ونحوه ﴿بل أنتهم قوم عادون﴾ ، وقيل إضراب عن محذوف تقديره ما عدلتم بل أنتهم، وقال الكرماني بل ردّ لجواب زعموا أن يكون لهم عذر أي لا عذر لكم ولا حجّة ﴿بل أنتم﴾ وجاء هنا ﴿مسرفون﴾ باسم الفاعل ليدّل على الثبوت ولموافقة ما سبق من رؤوس الآي في ختمها بالأسماء وجاء في النمل ﴿تجهلون﴾ بالمضارع لتجدد فيهم ولموافقة ما سبق من رؤوس الآي في ختمها بالأفعال.
стр. 1249
الضمير في أخرجوهموَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاّ أَن قَالُواْ أَخْرِجُوهُم مِّن قَرْيَتِكُمْ﴾ عائد على لوط ومن آمن به وقال ابن عطية: والضمير عائد على آل لوط وأهله وإن كان لم يجر لهم ذكر فإن المعنى يقتضيهم، وقرأ الحسن ﴿جواب﴾ بالرفع انتهى وهنا جاء العطف بالواو والمراد بها أحد محاملها الثلاث من التعقيب المعني في النمل في قوله تجهلون فما وفي العنكبوت ﴿وتأتون في ناديكم المنكر﴾ فما وكان التعقيب.
يسمى هذا النوع في علم البيان التعريض بما يوهم الذم وهو مدح كقوله:
ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم
بهنّ فلول من قراع الكتائب إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ ﴿كانت من الغابرين﴾ تفسيراً وتوكيداً لما تضمنه الاستثناء من كونها لم ينجها الله تعالى وقال أبو عبيدة: ﴿إلا امرأته﴾ اكتفى به أنها لم تنجُ ثم ابتدأ وصفها بعد ذلك بصفة لا تتعلق بها النجاة ولا الهلكة وهي أنها كانت ممن أسن وبقي من عصره إلى عصر غيره فكانت غابرة أي متقدّمة في السن كما قال: إلا عجوزاً في الغابرين إلى أن هلكت مع قومها انتهى، وجاء ﴿من الغابرين﴾ تغليباً للذكور على الإناث. وقال الزّجاج: من الغائبين عن النجاة فيكون توكيداً لما تضمنه الاشتثناء انتهى، و ﴿كانت﴾ بمعنى صارت أو كانت في علم الله أو باقية على ظاهرها من تقييد غبورها بالزمان الماضي أقوال.
والكيلفَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلاَ تَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾ مصدر كنى به عن الآلة التي يكال بها كقوله في هود ﴿المكيال والميزان﴾ فطابق قوله ﴿والميزان﴾ أو هو باق على المصدرية وأريد بالميزان المصدر كالميعاد لا الآلة فتطابقا أو أخذ الميزان على حذف مضاف أي ووزن الميزان والكيل على إرادة المكيال فتطابقا.
стр. 1250
ولا تظهر الدلالة على أن المراد بالصراط سبيل الحق من قوله وتصدون عن سبيل اللهوَلاَ تَقْعُدُواْ بِكُلِّ صِرَطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ مَنْءَامَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا وَاذْكُرُواْ إِذْ كُنتُمْ قَلِيلاً فَكَثَّرَكُمْ وَانظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ كما ذكر بل الظاهر التغابر لعموم كل صراط وخصوص سبيل الله فيكون ﴿بكل صراط﴾ حقيقة في الطرق و ﴿سبيل الله﴾ كجاز عن دين الله والباء في ﴿بكل صراط﴾ ظرفية نحو زيد بالبصرة أي في كل صراط وفي البصرة والجمل من قوله ﴿توعدون وتصدون وتبغونها﴾ أحوال أي موعدين وصادّين وباغين والإيعاد ذكر إنزال المضار بالموعد ولم يذكر الموعد به لتذهب النفس فيه كل مذهب من الشرّ لأن أوعد لا يكون إلا في الشر وإذا ذكر تعدى الفعل إليه بالباء.
стр. 1251
قال أبو منصور الجواليقي: إذا أرادوا أن يذكروا ما يهددوا به مع أوعدت جاؤوا بالباء فقالوا: أوعدته بالضرب ولا يقولون أعدته الضرب والصدّ يمكن أن يكون حقيقة في عدم التمكين من الذهاب إلى الرسول ليسمع كلامه ويمكن أن يكون مجازاً عن الإيعاد من الصادّ بوجه ما أوعن وعد المصدود بالمنافع على تركه و ﴿من آمن﴾ مفعول بتصدون على إعمال الثاني ومفعول ﴿توعدون﴾ ضمير محذوف والضمير في ﴿به﴾ الظاهر أنه على ﴿سبيل الله﴾ وذكره لأن السبيل تذكر وتؤنث، وقيل عائد على الله، وقال الزمخشري: (فإن قلت) : إلام يرجع الضمير في آمن به، (قلت) : إلى كلّ صراط تقديره توعدون من آمن به وتصدون عنه فوضع الظاهر الذي هو سبيل ألله موضع الضمير زيادة في تقبيح أمرهم دلالة على عظم ما يصدّون عنه انتهى وهذا تعسّف في الإعراب لا يليق بأن يحمل القرآن عليه لما فيه من التقديم والتأخير ووضع الظاهر موضع المضمر من غير حاجة إلى ذلك وعود الضمير على أبعد مذكور مع إمكان عوده على أقرب مذكور الإمكان السائغ الحسن الراجح وجعل ﴿من آمن﴾ منصوباً بتوعدون فيصير من إعمال الأوّل وهو قليل.
стр. 1252
وقد قال النحاة أنه لم يرد في القرآن لقلته ولو كان من إعمال الأول للزم ذكر الضمير في الفعل الثاني وكان يكون التركيب ﴿وتصدونه﴾ أو وتصدونهم إذ هذا الضمير لا يجوز حذفه على قول الأكثرين إلا ضرورة على قول بعض النحاة يحذف في قليل من الكلام ويدّل على ﴿من آمن﴾ منصوب بتصدون الآية الأخرى وهي قوله: ﴿قل يا أهل الكتاب لمَ تصدون عن سبيل الله من آمن﴾ ولا يحذف مثل هذا الضمير إلا في شعر وأجاز بعضهم حذفه على قلة مع هذه التكليفات المضافة إلى ذلك فكان جديراً بالمنع لما في ذلك من التعقيد البعيد عن الفصاحة وأجاز ابن عطية أن يعود على شعيب في قول من رأى القعود على الطريق للرد عن شعيب وهذا بعيد لأن القائل ﴿ولا تقعدوا﴾ وهو شعيب فكان يكون التركيب من آمن بي ولا يسوغ هنا أن يكون التفافاً لو قلت: يا هند أنا أقول لك لا تهيني من أكرمه تريد من أكرمني لم يصحّ وتقدم تفسير مثل قوله ﴿وتبغونها عوجاً﴾ في آل عمران.
قال الزمخشري إذوَاذْكُرُواْ إِذْ كُنتُمْ قَلِيلاً فَكَثَّرَكُمْ﴾ مفعول به غير ظرف أي ﴿واذكروا﴾ على جهة الشكر وقت كونكم ﴿قليلاً﴾ عددكم ﴿فكثرتم﴾ الله ووفر عددكم انتهى؛ وذكر غيره أنه منصوب على الظرف فلا يمكن أن يعمل فيه ﴿واذكروا﴾ لاستقبال اذكروا وكون ﴿إذ﴾ ظرفاً لما مضى والقلّة والتكثير هنا بالنسبة إلى الأشخاص أو إلى الفقر والغنى أو إلى قصر الأعمار وطولها أقوال ثلاثة أظهرها الأول. قيل: إن مدين بن إبراهيم تزوج بنت لوط فولدت فرمى الله في نسلها بالبركة والنماء فكثروا وفشوا، وقال الزمخشري: إذ كنتم أقلة أذلّة فأعزّكم بكثرة العدد والعدد انتهى ولا ضرورة تدعو إلى حذف صفة وهي أذلّة ولا إلى تحميل قوله ﴿فكثرتم﴾ معنى بالعدد ألا ترى أنّ القلة لا تستلزم الذلّة ولا الكثرة تستلزم العزّ، وقال الشاعر:
تعيّرنا أنّا قليل عديدنا
فقلت لها إنّ الكرام قليل وما ضرّنا أنّا قليل وجارنا
стр. 1253
عزيز وجار الأكثرين ذليل ومتعلق لم يؤمنواوَإِن كَانَ طَآئِفَةٌ مِّنكُمْ ءامَنُواْ بِالَّذِى أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَآئِفَةٌ لَّمْ يْؤْمِنُواْ فَاصْبِرُواْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ الْحَكِمِينَ﴾ محذوف دلّ عليه ما قبله وتقديره لم يؤمنوا به والخطاب بقوله ﴿منكم﴾ لقومه وينبغي أن يكون قوله ﴿فاصبروا﴾ خطاباً لفريقي قومه من آمن ومن لم يؤمن.
عاد (رجع) إلى ما كان عليه وتأتي بمعنى صار. قال:
تعد فيكم جزر الجزور رماحنا
ويرجعن بالأسياف منكسرات (ضحى) ظرف متصرّف إن كان نكرة وغير متصرّف إذا كان من يوم بعينه وهو وقت ارتفاع الشمس إذا طلعت وهو مؤنث وشذّوا في تصغيره فقالوا: ضحى بغير تاء التأنيث وتقول أتيته ضحى وضحاء إذا فتحت الضّاد مددت، الثعبان ذكر الحيّات العظيم أخذ من ثعبت بالمكان فجرته بالماء والمثعب موضع انفجار الماء لأن الثعبان يجري كالماء عند الانفجار. الإرجاء التأخير، المدينة معروفة مشتقة من مدن فهي فعيلة ومن ذهب إلى أنها مفعلة من دان فقوله ضعيف لإجماع العرب على الهمز في جمعها قالوا مدائن بالهمزة ولا يحفظ فيه مداين بالياء ولا ضرورة تدعو إلى أنها مفعلة ويقطع بأنها فعيلة جمعهم لها على فعل قالوا مدن كما قالوا صحف في صحيفة.
стр. 1254
والقسم يكون على فعل المقسم وفعل غيره سوّوا بين نفيه ونفي أتباعه وبين العود في الملّة وهذا يدلّ على صعوبة مفارقة الوطن إذ قرنوا ذلك بالعود إلى الكفر وفي الإخراج والعود طباق معنوي وعاد كما تقدّم لها استعمالان أحدهما أن تكون بمعنى صار والثاني بمعنى رجع إلى ما كان عليه فعلى الأوّل لا إشكال في قوله أو لتعودنقَالَ الْمَلائ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ مِن قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يشُعَيْبُ وَالَّذِينَءَامَنُواْ مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَآ أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَرِهِينَ * قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِى مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَآ أَن نَّعُودَ فِيهَآ إِلاّ أَن يَشَآءَ اللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنتَ خَيْرُ الْفَتِحِينَ * وَقَالَ الْمَلائ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذاً لَّخَسِرُونَ * فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُواْ فِى دَارِهِمْ جَثِمِينَ * الَّذِينَ كَذَّبُواْ شُعَيْبًا كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَا الَّذِينَ كَذَّبُواْ شُعَيْبًا كَانُواْ هُمُ الْخَسِرِينَ * فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَلَتِ رَبِّى وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَءَاسَى عَلَى قَوْمٍ كَفِرِينَ * وَمَآ أَرْسَلْنَا فِى قَرْيَةٍ مِّن نَّبِىٍّ إِلاّ أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَآءِ وَالضَّرَّآءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ * ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَواْ وَّقَالُواْ قَدْ مَسَّءَابَاءَنَا الضَّرَّآءُ وَالسَّرَّآءُ فَأَخَذْنَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ * وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى
стр. 1255
ءَامَنُواْ وَاتَّقَوْاْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَتٍ مِّنَ السَّمَآءِ وَالأٌّرْضِ وَلَكِن كَذَّبُواْ فَأَخَذْنَهُمْ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ * أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَن يَأْتِيَهُم بَأْسُنَا بَيَتاً وَهُمْ نَآئِمُونَ * أَوَ أَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ * أَفَأَمِنُواْ مَكْرَ اللَّهِ فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَسِرُونَ * أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الأَرْضَ مِن بَعْدِ أَهْلِهَآ أَن لَّوْ نَشَآءُ أَصَبْنَهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ * تِلْكَ الْقُرَى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَآئِهَا وَلَقَدْ جَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَتِ فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ بِمَا كَذَّبُواْ مِن قَبْلُ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الْكَفِرِينَ * وَمَا وَجَدْنَا لأًّكْثَرِهِم مِّنْ عَهْدٍ وَإِن وَجَدْنَآ أَكْثَرَهُمْ لَفَسِقِينَ * ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِم مُّوسَى بِئَايَتِنَآ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلإِيِهِ فَظَلَمُواْ بِهَا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ * وَقَالَ مُوسَى يَفِرْعَوْنُ إِنَّى رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَلَمِينَ * حَقِيقٌ عَلَى أَن لاّ أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِىَ بَنِى إِسْرَءِيلَ * قَالَ إِن كُنتَ جِئْتَ بِئَايَةٍ فَأْتِ بِهَآ إِن كُنتَ مِنَ الصَّدِقِينَ * فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِىَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ * وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِىَ بَيْضَآءُ لِلنَّظِرِينَ * قَالَ الْمَلائ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَذَا لَسَحِرٌ عَلِيمٌ * يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُم مِّنْ أَرْضِكُمْ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ * قَالُواْ أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَأَرْسِلْ فِى الْمَدَآئِنِ حَشِرِينَ
стр. 1256
* يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحِرٍ عَلِيمٍ * وَجَآءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قَالْواْ إِنَّ لَنَا لأَجْرًا إِن كُنَّا نَحْنُ الْغَلِبِينَ * قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ * قَالُواْ يَمُوسَى إِمَّآ أَن تُلْقِىَ وَإِمَّآ أَن نَّكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ * قَالَ أَلْقَوْاْ فَلَمَّآ أَلْقُوْاْ سَحَرُواْ أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَآءُو بِسِحْرٍ عَظِيمٍ * وَأَوْحَيْنَآ إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِىَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ * فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ * فَغُلِبُواْ هُنَالِكَ وَانقَلَبُواْ صَغِرِينَ * وَأُلْقِىَ السَّحَرَةُ سَجِدِينَ * قَالُواْءَامَنَّا بِرَبِّ الْعَلَمِينَ * رَبِّ مُوسَى وَهَرُونَ * قَالَ فِرْعَوْنُءَامَنتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْءَاذَنَ لَكُمْ إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَّكَرْتُمُوهُ فِى الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُواْ مِنْهَآ أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ * لأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِّنْ خِلاَفٍ ثُمَّ لائصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ * قَالُواْ﴾ إذ صار فعلاً مسنداً إلى شعيب وأتباعه ولا يدلّ على أن شعيباً كان في ملتهم وعلى المعنى الثاني يشكل لأنّ شعيباً لم يكن في ملتهم قط لكن أتباعهم كانوا فيها، وأجيب عن هذا بوجوه.
أحدها: أن يراد بعود شعيب في الملة حال سكوته عنهم قبل أن يبعث لإحالة الضلال فإنه كان يخفي دينه إلى أن أوحى الله إليه.
الثاني: أن يكون من باب تغليب حكم الجماعة على الواحد لما عطفوا أتباعه على ضميره في الإخراج سحبوا عليه حكمهم في العود وإن كان شعيب بريئاً مما كان عليه أتباعه قبل الإيمان.
الثالث: أن رؤساءهم قالوا ذلك على سبيل التلبيس على العامّة والإيهام أنه كان منهم.
стр. 1257
قال الزمخشري الهمزة للاستفهام والواو واو الحال تقديره أتعيدوننا في ملّتكم في حال كراهتنا أو مع كوننا كارهين انتهى، فجعل الاستفهام خاصاً بالعود في ملتهم وليس كذلك بل الاستفهام هو عن أحد الأمرين الإخراج أو العود وجعل الواو واو الحال وقدره أتعيدوننا في حال كراهتنا وليست واو الحال التي يعبّر عنها النحويون بواو الحال بل هي واو العطف عطفت على حال محذوفة كقوله ردّوا السائل ولو بظلف محرق ليس المعنى ردّوه في حال الصدفة عليه بظلف محرق بل المعنى ردّوه مصحوباً بالصدقة ولو مصحوباً بظلف مخرق تقدم لنا إشباع القول في نحو هذا.
هذا إخباره مقيّد من حيث المعنى بالشرط وجواب الشرط محذوف من حيث الصناعة وتقديره إن عدنا في ملتكمقَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِى مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا﴾ فقد افترينا وليس قوله ﴿قد افترينا على الله كذباً﴾ هو جواب الشرط إلا على مذهب من يجيز تقديم جواب الشرط على الشرط فيمكن أن يخرج هذا عيه وجوّزوا في هذه الجملة وجهين أحدهما أن يكون إخباراً مستأنفاً، قال الزمخشري: فيه معنى التعجّب كأنهم قالوا ما أكذبنا على الله إن عدنا في الكفر بعد الإسلام لأنّ المرتدّ أبلغ في الافتراء من الكافر يعني الأصلي لأن الكافر مفتر على الله الكذب حيث يزعم أن لله ندًّا ولا ندّ له والمرتد مثله في ذلك وزائد عليه حيث يزعم أنه قد بيّن له ما خفي عليه من التمييز ما بين الحق والباطل. وقال ابن عطية: الظاهر أنه خبر أي قد كنا نواقع أمراً عظيماً في الرجوع إلى الكفر، والوجه الثاني أن يكون قسماً على تقدير حذف اللام أي والله لقد افترينا ذكره الزمخشري وأورده ابن عطية احتمالاً قال: ويحتمل أن يكون على جهة القسم الذي هو في صيغة الدّعاء مثل قول الشاعر:
بقيت وفري وانحرفت عن العلا
стр. 1258
ولقيت أضيافي بوجه عبوس وكما تقول افتريت على الله أن كلمت فلاناً ولم ينشد ابن عطية البيت الذي يقيّد قوله بقيت وما بعده بالشرط وهو قوله:
إن لم أشن على ابن هند غارة
لم تخلُ يوماً من نهاب نفوس فجرى الاستثناء على سبيل تغليب حكم الجمع.
قال ابن عطية: وتعلق هذا التأويل من جهة استقبال الاستثناء ولو كان الكلام إن شاء قوى هذا التأويل انتهى وليس يقوي هذا التأويل لا فرق بين إلا أن يشاء وبين إلا أن شاء لأنّ انّ تخلص الماضي للاستقبال كما تخلص أنْ المضارع للاستقبال وكلا الفعلين مستقبل وأبعد من ذهب إلى أن الضمير في فيهاوَمَا يَكُونُ لَنَآ أَن نَّعُودَ فِيهَآ إِلاّ أَن يَشَآءَ اللَّهُ رَبُّنَا﴾ يعود على القرية لا على الملة.
стр. 1259
قال الزمخشري: (فإن قلت) : ما جواب القسم الذي وطأته اللام في لئن اتبعتموَقَالَ الْمَلائ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذاً لَّخَسِرُونَ﴾ وجواب الشرط (قلت) : قوله ﴿إنكم إذاً لخاسرون﴾ سادّ مسدّ الجوابين انتهى، والذي تقول النحويون إنّ جواب الشرط محذوف لدلالة جواب القسم عليه ولذلك وجب مضي فعل الشرط فإن عنى الزمخشري بقوله سادّ مسدّ الجوابين إنه اجتزىء به عن ذكر جواب الشرط فهو قريب وإن عنى به أنه من حيث الصناعة النحوية فليس كما زعم لأن الجملة يمتنع أن تكون لا موضع لها من الإعراب وأن يكون لها موضع من الإعراب و ﴿إذا﴾ هنا معناها التوكيد وهي الحرف الذي هو جواب ويكون معه الجزاء وقد لا يكون وزعم بعض النحويين أنها في هذا الموضع ظرف العامل فيه ﴿لخاسرون﴾ والنون عوض من المحذوف والتقدير أنكم إذا اتبعتموه لخاسرون فلما حذف ما أضيف إليه عوض من ذلك النون فصادفت الألف فالتقى ساكنان فحذف الألف لالتقائهما والتعويض فيه مثل التعويض في يومئذ وحينئذ ونحوه وما ذهب إليه هذا الزاعم ليس بشيء لأنه لم يثبت التعويض والحذف في ﴿إذا﴾ التي للاستقبال في موضع فيحمل هذا عليه.
الذينالَّذِينَ كَذَّبُواْ شُعَيْبًا كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَا﴾ مبتدأ والجملة التشبيهية خبره، قال الزمخشري: وفي هذا الابتداء معنى الاختصاص كأنه قيل ﴿الذين كذّبوا شعيباً﴾ المخصوصون بأن أهلكوا واستؤصلوا كأن لم يقيموا في دارهم لأنّ الذينن اتبعوا شعيباً قد أنجاهم الله تعالى انتهى، وجوّز أبو البقاء أن يكون الخبر الذين ﴿كذبوا شعيباً﴾ كانوا هم الخاسرين و ﴿كأن لم يغنوا﴾ حال من الضمير في ﴿كذبوا﴾ وجوّز أيضاً أن يكون ﴿الذين كذبوا﴾ صفة لقول الذين كفروا من قومه وأن يكون بدلاً منه وعلى هذين الوجهين يكون ﴿كأن﴾ حالاً انتهى، وهذه أوجه متكلفة والظاهر أنها جمل مستقلة لا تعلق بما قبلها من جهة الإعراب.
стр. 1260
﴿الذين كذبوا شعيباً كانوا هم الخاسرين﴾ هذا أيضاً مبتدأ وخبره، وقال الزمخشري: وفيه معنى الاختصاص أي هم المخصوصون بالخسران العظيم دون اتباعه فإنهم هم الرابحون وفي هذا الاستئناف لهذا الابتداء وهذا التكرير مبالغة في ردّ مقالة الملأ لأشياعهم وتسفيه لرأيهم واستهزاء بنصحهم لقومهم واستعظام لما جرى عليهم انتهى، وهتان الجملتان منبئتان عن ما فعل الله بهم في مقالتهم قالوا ﴿لنخرجنك يا شعيب﴾ فجاء الإخبار بإخراجهم بالهلاك وأي إخراج أعظم من إخراجهم وقالوا: ﴿لئن اتبعتم شعيباً إنكم إذاً لخاسرون﴾ فحكم تعالى عليهم هم بالخسران وأجاز أبو البقاء في إعراب ﴿الذين﴾ هنا أن يكون بدلاً من الضمير في ﴿يغنوا﴾ أو منصوباً بإضمار أعني والابتداء الذي ذكرناه أقوى وأجزل.
وجاء بعد إلاوَمَآ أَرْسَلْنَا فِى قَرْيَةٍ مِّن نَّبِىٍّ إِلاّ أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَآءِ وَالضَّرَّآءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ * ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَواْ وَّقَالُواْ قَدْ مَسَّءَابَاءَنَا الضَّرَّآءُ وَالسَّرَّآءُ فَأَخَذْنَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ * وَلَوْ﴾ فعل ماض وهو ﴿أخذنا﴾ ولا يليها فعل ماض إلا أن تقدم فعل أو أصحب بقد فمثال ما تقدّمه فعل هذه الآية ومثال ما أصحب قد قولك ما زيد إلا قد قام والجملة من قوله ﴿أخذنا﴾ حاليّة أي إلا آخذين أهلها وهو استثناء مفرّغ من الأحوال وتقدّم تفسير نظير قوله ﴿إلا أخذنا﴾ إلى آخره.
والحسنةثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ﴾ مفعولاً بدل و ﴿مكان﴾ هو محل الباء أي بمكان السيئة وفي لفظ ﴿مكان﴾ إشعار بتمكن البأساء منهم كأنه صار للشدة عندهم مكان وأعرب بعضهم ﴿مكان﴾ ظرفاً أي في مكان.
стр. 1261
وقال الزمخشري: اللام في القرىوَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىءَامَنُواْ وَاتَّقَوْاْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَتٍ مِّنَ السَّمَآءِ وَالأٌّرْضِ وَلَكِن كَذَّبُواْ فَأَخَذْنَهُمْ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾ إشارة إلى القرى التي دلّ عليها قوله تعالى ﴿وما أرسلنا في قرية من نبيّ﴾ ، كأنه قال ولو أنّ أهل تلك القرى الذين كذبوا وأهلكوا آمنوا بدل كفرهم واتقوا المعاصي مكان ارتكابها ﴿لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض﴾ لآتيناهم بالخير من كل وجه.
стр. 1262
الهمزة دخلت على أمن للاستفهام على جهة التوقيف والتوبيخ والإنكار والوعيد للكافرين المعاصرين للرسول أن ينزل بهم مثل ما نزل بأولئك والفاء لعطف هذه الجملة على ما قبلها، وقال الزمخشري: (فإن قلت) : ما المعطوف عليه ولم عطفت الأولى بالفاء والثانية بالواو، (قلت) : المعطوف عليه قوله فأخذناهم بغتةأَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَن يَأْتِيَهُم بَأْسُنَا بَيَتاً وَهُمْ نَآئِمُونَ﴾ وقوله ﴿ولو أن أهل القرى إلى يكسبون﴾ وقع اعتراضاً بين المعطوف والمعطوف عليه وإنما عطفت بالفاء لأنّ المعنى فعلوا وصنعوا فأخذناهم بغتة أبعد ذلك أمن ﴿أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بياتاً﴾ وأمنوا أن يأتيهم بأسنا ضحى انتهى. وهذا الذي ذكره الزمخشري من أن حرف العطف الذي بعد همزة الاستفهام وهو عاطف ما بعدها على ما قبل الهمزة من الجمل رجوع إلى مذهب الجماعة في ذلك وتخريج لهذه الآية على خلاف ما قرّر هو من مذهبه في غير آية أنه يقدر محذوف بين الهمزة وحرف العطف يصحّ بتقديره عطف ما بعد الحرف عليه وأنّ الهمزة وحرف العطف واقعان في موضعهما من غير اعتبار تقديم حرف العطف على الهمزة في التقدير وأنه قدّم الاستفهام اعتناء لأنه له صدر الكلام وقد تقدّم كلامنا معه على هذه المسألة و ﴿بأسنا﴾ عذابنا ﴿وبياتاً﴾ ليلاً وتقدم تفسيره أول السورة، ونصبه على الظرف أي وقت مبيتهم أو الحال وذلك وقت الغفلة والنوم فمجيء العذاب في ذلك الوقت وهو وقت الراحة والاجتماع في غاية الصعوبة إذ أتى وقت المأمن.
стр. 1263
وضحىأَوَ أَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾ منصوب على الظرف أي صحوة ويقيد كل ظرف بما يناسبة من الحال فيقيد البيات بالنوم والضحى باللعب وجاء ﴿نائمون﴾ باسم الفاعل لأنها حالة ثبوت واستقرار للبائنين وجاء ﴿يلعبون﴾ بالمضارع لأنهم مشتغلون بأفعال متجدّدة شيئاً فشيئاً في ذلك الوقت، وقرأ نافع والابنان ﴿أو أمن﴾ بسكون الواو جعل ﴿أو﴾ عاطفة ومعناها التنويع لا أنّ معناها الإباحة أو التخيير خلافاً لمن ذهب إلى ذلك وحذف ورش همزة أمن ونقل حركتها إلى الواو الساكنة والباقون بهمزة الاستفهام بعدها واو العطف وتكرر لفظ ﴿أهل القرى﴾ لما في ذلك من التسميع والإبلاغ والتهديد والوعيد بالسامع ما لا يكون في الضمير لو جاء أو أموا فإنه متى قصد التفخيم والتعظيم والتهويل جيء بالاسم الظاهر.
جاء العطف بالفاء وإسناد الفعل إلى الضمير لأن الجملة المعطوفة تكرير لقوله أفأمن أهل القرى أو أمنأَفَأَمِنُواْ مَكْرَ اللَّهِ فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَسِرُونَ﴾ وتأكيد لمضمون ذلك فناسب إعادة الجملة مصحوبة بالفاء و ﴿مكر﴾ مصدر أضيف إلى الفاعل وهو استعارة لأخذه العبد من حيث لا يشعر، قال ابن عطية: و ﴿مكر الله﴾ هي إضافة مخلوق إلى الخالق كما تقول ناقة الله وبيت الله والمراد فعل معاقب به مكر الكفرة وأضيف إلى الله لما كان عقوبة الذنب فإن العرب تسمى العقوبة على أي جهة كانت باسم الذنب الذي وقعت عليه العقوبة وهذا نص في قوله ﴿ومكروا ومكر الله﴾ انتهى وكرّر المكر مضافاً إلى الله تحقيقاً لوقوع جزاء المكر بهم.
стр. 1264
والفاعل بيهد يحتمل وجوهاً، أحدها أن يعود على الله ويؤيد قراءة من قرأ يهدأَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الأَرْضَ مِن بَعْدِ أَهْلِهَآ أَن لَّوْ نَشَآءُ أَصَبْنَهُمْ بِذُنُوبِهِمْ﴾ بالنون، والثاني أن يكون ضميراً عائداً على ما يفهم من سياق الكلام السابق أي ﴿أو لم يهد﴾ ما جرى للأمم السالفة أهل القرى وغيرهم وعلى هذين الوجهين يكون أن لو نشاء وما بعده في موضع المفعول بيهد.
والوجه الثالث أن يكون الفاعل بيهد قوله ﴿أن لو نشاء﴾ فينسبك المصدر من جواب ﴿لو﴾ والتقدير أو لم نبين ونوضح للوارثين مآلهم وعاقبتهم إصابتنا إياهم بذنوبهم لو شئنا ذلك أي علمهم بإصابتنا أو قدرتنا على إصابتنا إياهم والمعنى على التقديرين إذا كانت ﴿أن﴾ مفعولة و ﴿أن﴾ هنا هي المخففة من الثقيلة لأن الهداية فيها معنى العلم واسمها ضمير الشأن محذوف والخبر الجملة المصدرية بلو و ﴿نشاء﴾ في معنى شينا لا أن لو التي هي لما كان سيقع لوقوع غيره إذا جاء بعدها المضارع صرفت معناه إلى المضي ومفعول ﴿نشاء﴾ محذوف دلّ عليه جواب ﴿لو﴾ والجواب ﴿أصبناهم﴾ ولم يأتِ باللام وإن كان الفعل مثتباً إذ حذفها جائز فيصحّ كقوله ﴿لو نشاء جعلناه أجاجاً﴾ والأكثر الإتيان باللام كقوله ﴿لو نشاء لجعلناه حطاماً﴾ .
الظاهر أنها جملة مستأنفة أي ونحن نطبع على قلوبهموَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ﴾ وقال ابن الأنباري يجوز أن يكون معطوفاً على أصبنا إذا كان بمعنى نصيب فوضع الماضي موضع المستقبل عند وضوح معنى الاستعمال كما قال تعالى ﴿تبارك الذي إن شاء جعل لك خيراً من ذلك﴾ أي إن يشأ يدل عليه قوله ﴿ويجعل لك قصوراً﴾ انتهى فجعل ﴿لو﴾ شرطية بمعنى أن ولم يجعلها التي هي لما كان سيقع لوقوع غيره ولذلك جعل أصبنا بمعنى نصيب ومثال وقوع لو موقع أن قول الشاعر:
لا يلفك الراجيك إلاّ مظهراً
стр. 1265
خلق الكرام ولو تكون عديما وهذا الذي قاله ابن الأنباري ردّه الزمخشري من جهة المعنى لكن بتقدير أن يكون ﴿ونطبع﴾ بمعنى طبعنا فيكون قد عطف المضارع على الماضي الذي هو جواب ﴿لو نشاء﴾ فجعله بمعنى نصيب فتأوّل المعطوف عليه وهو الجواب وردّه إلى المستقبل والزمخشري تأوّل المعطوف وردّه إلى المضي وأنتج ردّ الزمخشري أنّ كلا التقديرين لا يصحّ، قال الزمخشري: (فإن قلت) : هل يجوز أن يكون ﴿ونطبع﴾ بمعنى طبعنا كما كان لو نشاء بمعنى لو شئنا ويعطف على ﴿أصبناهم﴾ ، (قلت) : لا يساعد هذا المعنى لأنّ القوم كان مطبوعاً على قلوبهم موصوفين بصفة من قبلهم من اقتراف الذنوب والإصابة بها وهذا التفسير يؤدي إلى خلوهم عن هذه الصفة وأن الله تعالى لو شاء لاتصفوا بها انتهى هذا الردّ ظاهره الصحة وملخصة أنّ المعطوف على الجواب جواب سواء تأوّلنا المعطوف عليه أم المعطوف وجواب لو لم يقع بعد سواء كانت حرفاً لما كان سيقع لوقوع غيره أم بمعنى إن الشرطية والإصابة لم تقع والطبع على القلوب واقع فلا تصحّ أن يعطف على الجواب فإن تأوّل ﴿ونطبع﴾ على معنى ونستمر على الطبع على قلوبهم أمكن التعاطف لأنّ الاتسمرار لم يقع بعد وإن كان الطبع قد وقع.
وقال أبو عبد الله الرازي: تقرير صاحب الكشاف على أقوى الوجوه هو ضعيف لأنّ كونه مطبوعاً عليه في الكفر لم يكن منافياً لصحة العطف وكان قد قرّر أن المعنى أو لم يبين للذين نبقيهم في الأرض بعد إهلاكنا من كان قبلهم فيها أن تهلكهم بعدهم.
следующие страницы →