Полный текст (2 567 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.
стр. 1261
وقال الزمخشري: اللام في القرىوَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىءَامَنُواْ وَاتَّقَوْاْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَتٍ مِّنَ السَّمَآءِ وَالأٌّرْضِ وَلَكِن كَذَّبُواْ فَأَخَذْنَهُمْ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾ إشارة إلى القرى التي دلّ عليها قوله تعالى ﴿وما أرسلنا في قرية من نبيّ﴾ ، كأنه قال ولو أنّ أهل تلك القرى الذين كذبوا وأهلكوا آمنوا بدل كفرهم واتقوا المعاصي مكان ارتكابها ﴿لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض﴾ لآتيناهم بالخير من كل وجه.
стр. 1262
الهمزة دخلت على أمن للاستفهام على جهة التوقيف والتوبيخ والإنكار والوعيد للكافرين المعاصرين للرسول أن ينزل بهم مثل ما نزل بأولئك والفاء لعطف هذه الجملة على ما قبلها، وقال الزمخشري: (فإن قلت) : ما المعطوف عليه ولم عطفت الأولى بالفاء والثانية بالواو، (قلت) : المعطوف عليه قوله فأخذناهم بغتةأَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَن يَأْتِيَهُم بَأْسُنَا بَيَتاً وَهُمْ نَآئِمُونَ﴾ وقوله ﴿ولو أن أهل القرى إلى يكسبون﴾ وقع اعتراضاً بين المعطوف والمعطوف عليه وإنما عطفت بالفاء لأنّ المعنى فعلوا وصنعوا فأخذناهم بغتة أبعد ذلك أمن ﴿أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بياتاً﴾ وأمنوا أن يأتيهم بأسنا ضحى انتهى. وهذا الذي ذكره الزمخشري من أن حرف العطف الذي بعد همزة الاستفهام وهو عاطف ما بعدها على ما قبل الهمزة من الجمل رجوع إلى مذهب الجماعة في ذلك وتخريج لهذه الآية على خلاف ما قرّر هو من مذهبه في غير آية أنه يقدر محذوف بين الهمزة وحرف العطف يصحّ بتقديره عطف ما بعد الحرف عليه وأنّ الهمزة وحرف العطف واقعان في موضعهما من غير اعتبار تقديم حرف العطف على الهمزة في التقدير وأنه قدّم الاستفهام اعتناء لأنه له صدر الكلام وقد تقدّم كلامنا معه على هذه المسألة و ﴿بأسنا﴾ عذابنا ﴿وبياتاً﴾ ليلاً وتقدم تفسيره أول السورة، ونصبه على الظرف أي وقت مبيتهم أو الحال وذلك وقت الغفلة والنوم فمجيء العذاب في ذلك الوقت وهو وقت الراحة والاجتماع في غاية الصعوبة إذ أتى وقت المأمن.
стр. 1263
وضحىأَوَ أَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾ منصوب على الظرف أي صحوة ويقيد كل ظرف بما يناسبة من الحال فيقيد البيات بالنوم والضحى باللعب وجاء ﴿نائمون﴾ باسم الفاعل لأنها حالة ثبوت واستقرار للبائنين وجاء ﴿يلعبون﴾ بالمضارع لأنهم مشتغلون بأفعال متجدّدة شيئاً فشيئاً في ذلك الوقت، وقرأ نافع والابنان ﴿أو أمن﴾ بسكون الواو جعل ﴿أو﴾ عاطفة ومعناها التنويع لا أنّ معناها الإباحة أو التخيير خلافاً لمن ذهب إلى ذلك وحذف ورش همزة أمن ونقل حركتها إلى الواو الساكنة والباقون بهمزة الاستفهام بعدها واو العطف وتكرر لفظ ﴿أهل القرى﴾ لما في ذلك من التسميع والإبلاغ والتهديد والوعيد بالسامع ما لا يكون في الضمير لو جاء أو أموا فإنه متى قصد التفخيم والتعظيم والتهويل جيء بالاسم الظاهر.
جاء العطف بالفاء وإسناد الفعل إلى الضمير لأن الجملة المعطوفة تكرير لقوله أفأمن أهل القرى أو أمنأَفَأَمِنُواْ مَكْرَ اللَّهِ فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَسِرُونَ﴾ وتأكيد لمضمون ذلك فناسب إعادة الجملة مصحوبة بالفاء و ﴿مكر﴾ مصدر أضيف إلى الفاعل وهو استعارة لأخذه العبد من حيث لا يشعر، قال ابن عطية: و ﴿مكر الله﴾ هي إضافة مخلوق إلى الخالق كما تقول ناقة الله وبيت الله والمراد فعل معاقب به مكر الكفرة وأضيف إلى الله لما كان عقوبة الذنب فإن العرب تسمى العقوبة على أي جهة كانت باسم الذنب الذي وقعت عليه العقوبة وهذا نص في قوله ﴿ومكروا ومكر الله﴾ انتهى وكرّر المكر مضافاً إلى الله تحقيقاً لوقوع جزاء المكر بهم.
стр. 1264
والفاعل بيهد يحتمل وجوهاً، أحدها أن يعود على الله ويؤيد قراءة من قرأ يهدأَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الأَرْضَ مِن بَعْدِ أَهْلِهَآ أَن لَّوْ نَشَآءُ أَصَبْنَهُمْ بِذُنُوبِهِمْ﴾ بالنون، والثاني أن يكون ضميراً عائداً على ما يفهم من سياق الكلام السابق أي ﴿أو لم يهد﴾ ما جرى للأمم السالفة أهل القرى وغيرهم وعلى هذين الوجهين يكون أن لو نشاء وما بعده في موضع المفعول بيهد.
والوجه الثالث أن يكون الفاعل بيهد قوله ﴿أن لو نشاء﴾ فينسبك المصدر من جواب ﴿لو﴾ والتقدير أو لم نبين ونوضح للوارثين مآلهم وعاقبتهم إصابتنا إياهم بذنوبهم لو شئنا ذلك أي علمهم بإصابتنا أو قدرتنا على إصابتنا إياهم والمعنى على التقديرين إذا كانت ﴿أن﴾ مفعولة و ﴿أن﴾ هنا هي المخففة من الثقيلة لأن الهداية فيها معنى العلم واسمها ضمير الشأن محذوف والخبر الجملة المصدرية بلو و ﴿نشاء﴾ في معنى شينا لا أن لو التي هي لما كان سيقع لوقوع غيره إذا جاء بعدها المضارع صرفت معناه إلى المضي ومفعول ﴿نشاء﴾ محذوف دلّ عليه جواب ﴿لو﴾ والجواب ﴿أصبناهم﴾ ولم يأتِ باللام وإن كان الفعل مثتباً إذ حذفها جائز فيصحّ كقوله ﴿لو نشاء جعلناه أجاجاً﴾ والأكثر الإتيان باللام كقوله ﴿لو نشاء لجعلناه حطاماً﴾ .
الظاهر أنها جملة مستأنفة أي ونحن نطبع على قلوبهموَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ﴾ وقال ابن الأنباري يجوز أن يكون معطوفاً على أصبنا إذا كان بمعنى نصيب فوضع الماضي موضع المستقبل عند وضوح معنى الاستعمال كما قال تعالى ﴿تبارك الذي إن شاء جعل لك خيراً من ذلك﴾ أي إن يشأ يدل عليه قوله ﴿ويجعل لك قصوراً﴾ انتهى فجعل ﴿لو﴾ شرطية بمعنى أن ولم يجعلها التي هي لما كان سيقع لوقوع غيره ولذلك جعل أصبنا بمعنى نصيب ومثال وقوع لو موقع أن قول الشاعر:
لا يلفك الراجيك إلاّ مظهراً
стр. 1265
خلق الكرام ولو تكون عديما وهذا الذي قاله ابن الأنباري ردّه الزمخشري من جهة المعنى لكن بتقدير أن يكون ﴿ونطبع﴾ بمعنى طبعنا فيكون قد عطف المضارع على الماضي الذي هو جواب ﴿لو نشاء﴾ فجعله بمعنى نصيب فتأوّل المعطوف عليه وهو الجواب وردّه إلى المستقبل والزمخشري تأوّل المعطوف وردّه إلى المضي وأنتج ردّ الزمخشري أنّ كلا التقديرين لا يصحّ، قال الزمخشري: (فإن قلت) : هل يجوز أن يكون ﴿ونطبع﴾ بمعنى طبعنا كما كان لو نشاء بمعنى لو شئنا ويعطف على ﴿أصبناهم﴾ ، (قلت) : لا يساعد هذا المعنى لأنّ القوم كان مطبوعاً على قلوبهم موصوفين بصفة من قبلهم من اقتراف الذنوب والإصابة بها وهذا التفسير يؤدي إلى خلوهم عن هذه الصفة وأن الله تعالى لو شاء لاتصفوا بها انتهى هذا الردّ ظاهره الصحة وملخصة أنّ المعطوف على الجواب جواب سواء تأوّلنا المعطوف عليه أم المعطوف وجواب لو لم يقع بعد سواء كانت حرفاً لما كان سيقع لوقوع غيره أم بمعنى إن الشرطية والإصابة لم تقع والطبع على القلوب واقع فلا تصحّ أن يعطف على الجواب فإن تأوّل ﴿ونطبع﴾ على معنى ونستمر على الطبع على قلوبهم أمكن التعاطف لأنّ الاتسمرار لم يقع بعد وإن كان الطبع قد وقع.
وقال أبو عبد الله الرازي: تقرير صاحب الكشاف على أقوى الوجوه هو ضعيف لأنّ كونه مطبوعاً عليه في الكفر لم يكن منافياً لصحة العطف وكان قد قرّر أن المعنى أو لم يبين للذين نبقيهم في الأرض بعد إهلاكنا من كان قبلهم فيها أن تهلكهم بعدهم.
стр. 1266
والعطف في ﴿ونطبع﴾ بالواو بمنع ما ذكره لأن جعل المعنى على أنه إما الإهلاك وإما الطبع وظاهر العطف بالواو وينبو عن الدلالة على هذا المعنى فإن جعلت الواو بمعنى أو أمكن ذلك وكذلك ينبو عن قوله إن لم نهلكهم بالعذاب ونطبع على قلوبهم العطف بالواو وأورد أبو عبد الله الرازي من أقوال المفسّرين ما يدلّ على أنّ كونه مطبوعاً عليه في الكفر لا ينافي صحة العطف فقال أبو علي ويعني به والله أعلم الجبائي الطّبع سمته في القلب من نكتة سوداء إن صاحبها لا يفلح وقال الأصم: أي يلزمهم ما هم عليه فلا يتوبون إلا عند المعاينة فلا تقبل توبتهم، وقال أبو مسلم: الطبع الخذلان إنه يخذل الكافر فيرى الآية فلا يؤمن بها ويختار ما اعتاد وألف وهذه الأقوال لا يمكن معها العطف إلا على تأويل أن تكون الواو بمعنى أو.
стр. 1267
وأجاز الزمخشري في عطف ﴿ونطبع﴾ وجهين آخرين أحدهما ضعيف والآخر خطأ، قال الزمخشري: (فإن قلت) : بم يتعلق قوله تعالى ﴿ونطبع على قلوبهم﴾ ، (قلت) : فيه أوجه أو يكون معطوفاً على ما دلّ عليه معنى أو ﴿لم يهد لهم﴾ كأنه قيل يغفلون عن الهداية ﴿ونطبع على قلوبهم﴾ أو على ﴿يرثون الأرض﴾ انتهى فقوله أنه معطوف على مقدر وهو يغفلون عن الهداية ضعيف لأنه إضمار لا يحتاج إليه إذ قد صحّ أن يكون على الاستئناف من باب العطف في الجمل فهو معطوف على مجموع الجملة المصدرة بأداة الاستفهام وقد قاله الزمخشري وغيره، وقوله أنه معطوف علي ﴿يرثون﴾ خطأ لأنه إذا كان معطوفاً على ﴿يرثون﴾ كان صلة للذين لأنّ المعطوف على الصلة صلة ويكون قد فصل بين أبعاض الصلة بأجنبي من الصلة وهو قوله ﴿أن لو نشاء أصبناهم بذنوبهم﴾ سواء قدرنا ﴿أن لو نشاء﴾ في موضع الفاعل ليهدأوا في موضع المفعول فهو معمول ليهد لا تعلق له بشيء من صلة ﴿الذين﴾ وهو لا يجوز ومعنى قوله ﴿أصبناهم بذنوبهم﴾ بعقاب ذنوبهم أو يضمن ﴿أصبناهم﴾ معنى أهلكناهم فهو من مجاز الإضمار أو التضمين ونفي السماع والمعنى نفي القبول والاتعاظ المترتب على وجود السماع جعل انتفاء فائدته انتفاء له.
стр. 1268
الخطاب للرسول والقرىتِلْكَ الْقُرَى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَآئِهَا وَلَقَدْ﴾ هي بلاد قوم نوح وهود وصالح وشعيب بلا خلاف بين المفسرين وجاءت الإشارة بتلك إشارة إلى بعد هلاكها وتقادمه وحصل الرّبط بين هذه وبين قوله ﴿ولو أنّ أهل القرى﴾ و ﴿نقص﴾ يحتمل إبقاؤه على حاله من الاستقبال والمعنى قد قصصنا عليك ﴿من أنبائها﴾ ونحن نقصّ عليك أيضاً منها مفرقاً في السّور ويجوز أن يكون عبر بالمضارع عن الماضي أي ﴿تلك القرى﴾ قصصنا والأنباء هنا إخبارهم مع أنبيائهم ومآل عصيانهم، و ﴿تلك﴾ مبتدأ و ﴿القرى﴾ خبر و ﴿نقص﴾ جملة حالية نحو قوله ﴿فتلك بيوتهم خاوية﴾ وفي الإخبار بالقرى معنى التعظيم لمهلكها، كما قيل في قوله تعالى ﴿ذلك الكتاب﴾ وفي قوله ﵇ «أولئك الملأ من قريش» وكقول أمية.
تلك المكارم لا قعبان من لبن
ولما كان الخبر مقيّداً بالحال أفاد كالتقييد بالصفة في قولك هو الرجل الكريم وأجازوا أن يكون ﴿نقص﴾ خبراً بعد خبر وأن يكون خبراً و ﴿القرى﴾ صفة ومعنى ﴿من﴾ التبعيض فدلّ على أنّ لها أنباء أخر لم تقصّ عليه وإنما قصّ ما فيه عظة وازدجار وادكار بما جرى على من خالف الرّسل ليتّعظ بذلك السامع من هذه الأمة.
فالفعل في ليؤمنواوَلَقَدْ جَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَتِ فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ بِمَا كَذَّبُواْ مِن قَبْلُ﴾ لقوم وفي ﴿بما كذبوا﴾ لقوم آخرين. وقيل ﴿جاءتهم رسلهم﴾ بالمعجزات التي اقترحوها ﴿فما كانوا ليؤمنوا﴾ بعد المعجزات ﴿بما كذبوا﴾ به قبلها كما قال ﴿قد سألها قوم من قبلكم ثم أصبحوا بها كافرين.
стр. 1269
الضمير في كانوا﴾ وفي ﴿ليؤمنوا﴾ عائد على أهل القرى وأن الباء في ﴿بما﴾ ليست سببية فالمعنى أنهم انتفت عنهم قابلية الإيمان وقت مجيء الرسل بالمعجزات بما كذبوا به قبل مجيء الرسل بالمعجزات بل حالهم واحد قبل ظهور المعجزات وبعد ظهورها لم تجد عنهم شيئاً وفي الإتيان بلام الجحود في ﴿ليؤمنوا﴾ مبالغة في نفي القابلية والوقوع وهو أبلغ من تسلّط النفي على الفعل بغير لام وما في ﴿بما كذبوا﴾ موصولة والعائد منصوب محذوف أي بما كذبوه وجوّز أن تكون مصدرية، قال الكرماني: وجاء هنا ﴿بما كذبوا﴾ فحذف متعلق التكذيب لما حذف المتعلق في ﴿ولو أنّ أهل القرى آمنوا﴾ وقوله ﴿ولكن كذبوا﴾ وفي يونس أبرزه فقال ﴿بما كذبوا به من قبل﴾ لما كان قد أبرز في ﴿فكذبوه فنجيناه ثم كذّبوا بآياتنا﴾ فوافق الختم في كل منهما بما يناسب ما قبله انتهى، ملخصاً.
ومنوَمَا وَجَدْنَا لأًّكْثَرِهِم مِّنْ عَهْدٍ﴾ في ﴿من عهد﴾ زائدة تدلّ على الاستغراق لجنس العهد. ﴿وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين إنْ هنا هي المخففة من الثقيلة ووجد بمعنى علم ومفعول وجدنا﴾ الأولى ﴿لأكثرهم﴾ ومفعول الثانية ﴿لفاسقين﴾ واللام للفرق بين إن المخففة من الثقيلة وإن النافية وتقدّم الكلام على ذلك في قوله ﴿وإن كانت لكبيرة﴾ ودعوى بعض الكوفيين أنّ إن في نحو هذا التركيب هي النافية واللام بمعنى إلا، وقال الزمخشري: وإنّ الشأن والحديث وجدنا انتهى، ولا يحتاج إلى هذا التقدير وكان الزمخشري يزعم أنّ إن إذا خففت كان محذوفاً منها الاسم وهو الشأن والحديث إبقاءً لها على الاختصاص بالدخول على الأسماء وقد تقدّ لنا تقدير نظير ذلك ورددنا عليه.
стр. 1270
والضمير في من بعدهمثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِم مُّوسَى بِئَايَتِنَآ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلإِيِهِ فَظَلَمُواْ بِهَا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ عائد على الرسل من قوله ﴿ولقد جاءتهم رسلهم بالبينات﴾ أو للأمم السابقة والآيات الحجج التي آتاه الله على قومه أو الآيات التسع أو التوراة أقوال وتعدية ﴿فظلموا﴾ بالباء إما على سبيل التضمين بمعنى كفروا بها ألا ترى إلى قوله ﴿أن الشّرك لظلم عظيم﴾ وإما أن تكون الباء سببية أي ظلموا أنفسهم بسببها أو الناس حيث صدوهم عن الإيمان أو الرسول فقالوا سحر وتمويه أقوال.
إذ كان من ملك مصر يقال له فرعون كنمرود في يونان، وقيصر في الروم، وكسرى في فارس، والنجاشي في الحبشة وعلى هذا لا يكون فرعون وأمثاله علماً شخصيّاً بل يكون علم جنس كأسامة وثعالة.
وقرأ نافع عليّ أن لا أقولوَقَالَ مُوسَى يَفِرْعَوْنُ إِنَّى رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَلَمِينَ * حَقِيقٌ عَلَى أَن لاّ أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِىَ بَنِى إِسْرَءِيلَ﴾ بتشديد الياء جعل ﴿علي﴾ داخلة على ياء المتكلم ومعنى ﴿حقيق﴾ جدير وخليق وارتفاعه على أنه صفة لرسول أو خبر بعد خبر و ﴿أن لا أقول﴾ الأحسن فيه إن يكون فاعلاً بحقيق كأنه قيل يحقّ علي كذا ويجب ويجوز أن يكون ﴿أن لا أقول﴾ مبتدأ و ﴿حقيق﴾ خبره، وقال قوم: ثمّ الكلام عند قوله ﴿حقيق﴾ و ﴿على أن لا أقول﴾ مبتدأ وخبره، وقرأ باقي السبعة على بجرها ﴿أن لا أقول﴾ أي ﴿حقيق﴾ على قول الحق، فقال قوم: ضمن ﴿حقيق﴾ معنى حريص، وقال أبو الحسن والفرّاء والفارسي: على بمعنى الباء كما أنّ الباء بمعنى على في قوله ﴿ولا تقعدوا بكل صراط﴾ أي على كل صراط.
стр. 1271
﴿على أن لا أقول صفة كما تقول أنا على قول الحقّ أي طريقي وعادتي قول الحق، وقال ابن مقسم حقيق﴾ من نعت الرسول أي رسول حقيق من ربّ العالمين أرسلت على أن لا أقول على الله إلا الحق وهذا معنى صحيح واضح وقد غفل أكثر المفسرين من أرباب اللغة عن تعليق ﴿على﴾ برسول ولم يخطر لهم تعليقه إلا بقوله ﴿حقيق﴾ انتهى. وكلامه فيه تناقض في الظاهر لأنه قدّر أولاً العامل في ﴿على أرسلت﴾ ، وقال آخر: إنهم غفلوا عن تعليق ﴿على﴾ برسول فأما هذا الآخر فلا يجوز على مذهب البصريين لأن رسولاً قد وصف قبل أن يأخذ معموله وذلك لا يجوز وأما التقدير الأوّل وهو إضمار أرسلت ويفسره لفظ رسول فهو تقدير سائغ وتنازل كلام ابن مقسم أخيراً في قوله عن تعليق على برسول أي بما دلّ عليه رسول، وقرأ عبد الله والأعمش حقيق أن لا أقول بإسقاط على فاحتمل أن يكون على إضمار على كقراءة من قرأ بها واحتمل أن يكون على إضمار الباء كقراءة أبي وعلى الاحتمالين يكون التعلّق بحقيق.
وضربه بها الحجر فينفجر عيوناً وضربه بها فتنبت قاله ابن عباس ومحاربته بها اللصوص والسباع القاصدة غنمه واشتعالها في الليل كاشتعال الشمعة وصيرورتها مالرشا لينزح بها الماء من البئر العميقة وتلقفها الحبال والعصيّ التي للسحرة وإبطالها لما صنعوه من كيدهم وسحرهم والإلقاء حقيقة هو في الاجرام ومجاز في المعاني نحو ألقى المسألة.
قال ابن عباس والسدّي: صارت العصا حية عظيمة شعراء فاغرة فاها ما بين لحييها ثمانون ذراعاً، وقيل: أربعون ذكره مكي عن فرقد واضعة أحد لحييها بالأرض والآخر على سور القصر وذكروا من اضطراب فرعون وفزعه وهربه ووعده موسى بالإيمان إن عادت إلى حالها وكثرة من مات من قوم فرعون فزعاً أشياء لم تتعرّض إليها الآية ولا تثبت في حديث صحيح فالله أعلم بها ومعنى مبينفَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِىَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ﴾ ظاهر لا تخيل فيه بل هو ثعبان حقيقة.
стр. 1272
قال ابن عطية ﴿وإذا﴾ ظرف مكان في هذا الموضع عند المبرّد من حيث كانت خبراً عن جثه والصحيح الذي عليه شيوخنا أنها ظرف مكان كما قاله المبرد وهو المنسوب إلى سيبويه وقوله من حيث كانت خبراً عن جثة ليست في هذا المكان خبراً عن جثة بل خبر هي قوله ﴿ثعبان﴾ ولو قلت ﴿فإذا هي﴾ لم يكن كلاماً وينبغي أن يحمل كلامه من حيث كانت خبراً عن جثة على مثل خرجت فإذا السبع على تأويل من جعلها ظرف مكان وما ذكره من أن الصحيح الذي عليه الناس أنها ظرف زمان هو مذنب الرّياشي ونسب أيضاً إلى سيبويه ومذهب الكوفيين أن إذا الفجائية حرف لا اسم.
стр. 1273
في الكلام حذف يقتضيه المعنى وتقديره فأرسل حاشرين وجمعوا السحرة وأمرهم بالمجيء واضطرب الناقلون للإخبار في عددهم اضطراباً متناقضاً يعجب العاقل من تسطيره في الكتب فمن قائل تسعمائة ألف ساحر وقائل سبعين ساحراً فما بينهما من الأعداد المعينة المتناقضة وجاءوَجَآءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قَالْواْ إِنَّ لَنَا لأَجْرًا إِن كُنَّا نَحْنُ الْغَلِبِينَ﴾ قالوا: بغير حرف عطف لأنه على تقدير جواب سائل سأل ما قالوه إذ جاء قالوا ﴿إن لنا لأجراً﴾ أي جعلاً، وقال الحوفي ﴿وقالوا﴾ في موضع الحال من السحرة والعال ﴿جاء﴾ ، وقرأ الحرميان وحفص ﴿إن﴾ على وجه الخبر واشتراط الأجر وإيجابه على تقدير الغلبة ولا يريدون مطلق الأجر بل المعنى لأجراً عظيماً ولهذا قال الزمخشري: والتنكير للتعظيم كقول العرب إن له لإبلاً وإن له لغنماً يقصدون الكثرة وجوّز أبو علي أن تكون ﴿إن﴾ استفهاماً حذفت منه الهمزة كقراءة الباقين الذين أثبتوها وهم الأخوان وابن عامر وأبو بكر وأبو عمرو فمنهم من حققهما ومنهم من سهل الثانية ومنهم من أدخل بينهما ألفاً والخلاف في كتب القراءات وفي خطاب السحرة بذلك لفرعون دليل على استطالتهم عليه باحتياجه إليهم وبما يحصل للعالم بالشيء من الترفع على من يحتاج إليه وعلى من لا يعلم مثل علمه و ﴿نحن﴾ إما تأكيد للضمير وإما فصل وجواب الشرط محذوف، وقال الحوفي في جوابه ما تقدم.l
أي نعم إن لكم لأجراً وإنكمقَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ فعطف هذه الجملة على الجملة المحذوفة بعد ﴿نعم﴾ التي هي نائبة عنها.
стр. 1274
وقرأ الجمهور تأمرونيُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُم مِّنْ أَرْضِكُمْ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ * قَالُواْ أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَأَرْسِلْ فِى الْمَدَآئِنِ حَشِرِينَ * يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحِرٍ عَلِيمٍ * وَجَآءَ﴾ بفتح النون هنا وفي الشعراء وروى كردم عن نافع بكسر النون فيهما وماذا يحتمل أن تكون كلها استفهاماً وتكون مفعولاً ثانياً لتأمرون على سبيل التوسّع فيه بأن حذف منه حرف الجر كما قال أمرتك الخير ويكون المفعول الأول محذوفاً لفهم المعنى أي أيّ شيء تأمرونني وأصله بأي شيء ويجوز أن تكون ما استفهاماً مبتدأ وذا بمعنى الذي خبر عنه و ﴿تأمرون﴾ صلة ذا ويكون قد حذف منه مفعولي ﴿تأمرون﴾ الأوّل وهو ضمير المتكلم والثاني وهو الضمير العائد على الموصول والتقدير فأي شيء الذي تأمروننيه أي تأمرنني به وكلا الإعرابين في ماذا جائز في قراءة من كسر النون إلا أنه حذف ياء المتكلم وأبقى الكسرة دلالة عليها وقدر ابن عطية الضمير العائد على ذا إذا كانت موصولة مقرونة بحرف الجر فقال وفي ﴿تأمرون﴾ ضمير عائد على ﴿الذي﴾ تقديره تأمرون به انتهى، وهذا ليس بجيّد لفوات شرط جواز حذف الضمير إذا كان مجروراً بحرف الجر وذلك الشرط هو أن لا يكون الضمير في موضع رفع وأن يجرّ ذلك الحرف الموصول أو الموصوف به أو المضاف إليه ويتحد المتعلق به الحرفان لفظاً ومعنى ويتّحد معنى الحرف أيضاً لابن عطية أنه قدره على الأصل ثم اتسع فيه فتعدى إليه الفعل بغير واسطة الحروف ثم حذف بعد الاتساع.
стр. 1275
قال أبو البقاء: ويقرأ بكسر الهاء مع الهمز وهو ضعيف لأن الهمز حرف صحيح ساكن فليس قبل الهاء ما يقتضي الكسر، ووجهه أنه أتبع الهاء كسرة الجيم والحاجز غير حصين ويخرج أيضاً على توهّم إبدال الهمز ياء أو على أن الهمز لما كان كثيراً ما يبدل بحرف العلة أجري مجرى حرف العلة في كسر ما بعده وما ذهب إليه الفارسي وغيره من غلط هذه القراءة، وأنها لا تجوز قول فاسد لأنها قراءة ثابتة متواترة روتها الأكابر عن الأئمة وتلقتها الأمة بالقبول ولها توجيه في العربية وليست الهمزة كغيرها من الحروف الصحيحة لأنها قابلة للتغيير بالإبدال والحرف بالنقل وغيره فلا وجه لإنكار هذه القراءة.
وفي الكلام حذف تقديره قال ألقوا فألقوا فلما ألقوا والفاء عاطفة على هذا المحذوف، وقال الحوفي الفاء جواب الأمر انتهى، وهو لا يعقل ما قال ونقول وصف بعظيم لما ظهر من تأثيره في الأعضاء الظاهرة التي هي الأعين بما لحقها من تخييل العصي والحبال حيات وفي الأعضاء الباطنة التي هي القلوب بما لحقها من الفزع والخوف. ولما كانت الرّهبة ناشئة عن رؤية الأعين تأخرت الجملة الدالة عليها.
لقف الشيء لقفاً ولقفاناً أخذه بسرعة فأكله أو ابتلعه ورجل ثقف لقف سريع الأخذ ولقيف ثقيف بين الثقافة واللقافة ولقم ولهم ولقف بمعنى ومنه التقفته وتلقفته تلقيفاً. مهما اسم خلافاً للسهيلي إذ زعم أنها قد تأتي حرفاً وهي أداة شرط وندر الاستفهام بها في قوله:
مهما لي الليلة مهماليه
أودي بنعلي وسرباليه وزعم بعضهم أنها إذا كانت اسم شرط قد تأتي ظرف زمان وفي بساطتها وتركيبها من ماما أو من مه ما خلاف ذكر في النحو وينبغي أن يحمل قول الشاعر:
أما ويّ مه من يستمع في صديقه
стр. 1276
أقاويل هذا الناس ما وي يندم على أنه لا تركيب فيها بل مه بمعنى أكفف ومن هي اسم الشرط، الجراد معروف واحده جرادة بالتاء للذكر والأنثى ويميز بينهما الوصف وذكر التصريفيون أنه مشتقّ من الجراد قالوا والاشتقاق في أسماء الأجناس قليل جداً. القمل قال أبو عبيدة: هو الحمنان واحده حمنانة وهو ضرب من القردان وستأتي أقوال المفسرين فيه. الضفدع هو الحيوان المعروف وتكسر داله وتفتح وهو مؤنث وشذّ جمعهم له بالألف والتاء قالوا: ضفدعات.
стр. 1277
وأن يحتمل أن تكون المفسّرة وأن تكون الناصبة أي بأن ألق، وفي الكلام حذف قبل الجملة الفجائية أي فألقاها فإذا هي تلقفقَالُواْ أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَأَرْسِلْ فِى الْمَدَآئِنِ حَشِرِينَ * يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحِرٍ عَلِيمٍ * وَجَآءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قَالْواْ إِنَّ لَنَا لأَجْرًا إِن كُنَّا نَحْنُ الْغَلِبِينَ * قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ * قَالُواْ يَمُوسَى إِمَّآ أَن تُلْقِىَ وَإِمَّآ أَن نَّكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ * قَالَ أَلْقَوْاْ فَلَمَّآ أَلْقُوْاْ سَحَرُواْ أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَآءُو بِسِحْرٍ عَظِيمٍ * وَأَوْحَيْنَآ إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِىَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ * فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ * فَغُلِبُواْ هُنَالِكَ وَانقَلَبُواْ صَغِرِينَ * وَأُلْقِىَ السَّحَرَةُ سَجِدِينَ * قَالُواْءَامَنَّا بِرَبِّ الْعَلَمِينَ * رَبِّ مُوسَى وَهَرُونَ * قَالَ فِرْعَوْنُءَامَنتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْءَاذَنَ لَكُمْ إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَّكَرْتُمُوهُ فِى الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُواْ مِنْهَآ أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ * لأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِّنْ خِلاَفٍ ثُمَّ لائصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ * قَالُواْ إِنَّآ إِلَى رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ * وَمَا تَنقِمُ مِنَّآ إِلاّ أَنْءَامَنَّا بِئَايَتِ رَبِّنَا لَمَّا جَآءَتْنَا رَبَّنَآ أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ * وَقَالَ الْمَلائ مِن قَوْمِ فِرْعَونَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُواْ فِى الأٌّرْضِ وَيَذَرَكَ وَءالِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَآءَهُمْ وَنَسْتَحْيِى نِسَآءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَهِرُونَ * قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُواْ بِاللَّهِ وَاصْبِرُواْ إِنَّ الأَرْضَ للَّهِ يُورِثُهَا
стр. 1278
مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ * قَالُواْ أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَأْتِيَنَا وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِى الأٌّرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ * وَلَقَدْ أَخَذْنَآ ءالَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِّن الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ * فَإِذَا جَآءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُواْ لَنَا هَذِهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُواْ بِمُوسَى وَمَن مَّعَهُ أَلاَ إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِندَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ * وَقَالُواْ مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنءَايَةٍ لِّتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ * فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَءَايَتٍ مّفَصَّلاَتٍ فَاسْتَكْبَرُواْ وَكَانُواْ قَوْماً مُّجْرِمِينَ * وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قَالُواْ يَمُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ لَئِن كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِى إِسْرَءِيلَ * فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُم بَلِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنكُثُونَ * فَانتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُواْ بِئَايَتِنَا وَكَانُواْ عَنْهَا غَفِلِينَ * وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ مَشَرِقَ الأٌّرْضِ وَمَغَرِبَهَا الَّتِى بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِى إِسْرءِيلَ بِمَا صَبَرُواْ وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُواْ يَعْرِشُونَ * وَجَوَزْنَا بِبَنِى إِسْرءِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْاْ عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَّهُمْ قَالُواْ
стр. 1279
يَمُوسَى اجْعَلْ لَّنَآ إِلَهًا كَمَا لَهُمْءَالِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ * إِنَّ هَؤُلاءِ مُتَبَّرٌ مَّا هُمْ فِيهِ وَبَطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ وتكون الجملة الفجائية إخباراً بما ترتب على الإلقاء ولا يكون موحى بها في الذكر ومن يذهب إلى أنّ الفاء في نحو خرجت فإذا الأسد زائدة يحتمل على قوله أن تكون هذه الجملة موحى بها في الذكر إلا أنه يقدر المحذوف بعدها أي فألقاها فلقفته، وقرأ حفص ﴿تلقف﴾ بسكون اللام من لقف، وقرأ باقي السبعة ﴿تلقف﴾ مضارع لقف حذفت إحدى تاءيه إذ الأصل تتلقف، وقرأ البزي بإدغام المضارعة في التاء في الأصل، وقرأ ابن جبير تلقم بالميم أي تبلع كاللقمة و ﴿ما﴾ موصولة أي ما يأفكونه أي يقلبونه عن الحق إلى الباطل ويزورونه قالوا أو مصدرية أي تلقف إفكهم تسمية للمفعول بالمصدر.
فقالوا في موضع الحال من الضمير في ساجدينقَالُواْءَامَنَّا بِرَبِّ الْعَلَمِينَ * رَبِّ مُوسَى وَهَرُونَ﴾ أو من السحرة.
﴿قال فرعون آمنتم به قبل أن آذن لكم﴾ قرأ حفص ﴿آمنتم﴾ على الخبر في كل القرآن أي فعلتم هذا الفعل الشنيع وبّخهم بذلك وقرعهم، وقرأ العربيان ونافع والبزي بهمزة استفهام ومدة بعدها مطولة في تقدير ألفين إلا ورشاً فإنه يسهل الثانية ولم يدخل أحد ألفاً بين المحققة والملينة وكذلك في طه والشعراء، وقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر فيهن بالاستفهام وحققا الهمزة وبعدها ألف وقرأ قنبل هنا بإبدال همزة الاستفهام واواً الضمة نون فرعون وتحقيق الهمزة بعدها أو تسهيلها أو إبدالها أو إسكانها أربعة أوجه وقرأ في طه مثل حفص وفي الشعراء مثل البزي هذا الاستفهام معناه الإنكار والاستبعاد والضمير في ﴿به﴾ عائد على الله تعالى لقولهم ﴿قالوا آمنا برب العالمين﴾ ، وقيل يحتمل أن يعود على موسى وفي طه والشعراء يعود في قوله له على موسى لقوله ﴿إنه لكبيركم﴾ .
стр. 1280
تهديد ووعيد ومفعول تعلمون محذوف أي ما يحل بكم أُبهِمَ في متعلق تعلمون.
إلا أن آمنافَسَوْفَ تَعْلَمُونَ * لأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِّنْ خِلاَفٍ ثُمَّ لائصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ * قَالُواْ إِنَّآ إِلَى رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ * وَمَا تَنقِمُ مِنَّآ إِلاّ أَنْءَامَنَّا بِئَايَتِ رَبِّنَا لَمَّا جَآءَتْنَا رَبَّنَآ أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ﴾ في موضع المفعول ويكون من الاستثناء المفرّغ من المفعول وجاء هذا التركيب في القرآن كقوله ﴿قل يا أهل الكتاب هل تنقمون منا وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا﴾ وهذا الفعل في لسان العرب يتعدّى بعلى تقول نقمت على الرجل أنقم إذا غلب عليه والذي يظهر من تعديته بمن أنّ المعنى وما تنقم منا أي ما تنال منا كقوله فينتقم الله منه أي يناله بمكروه ويكون فعل وافتعل فيه بمعنى واحد كقدر واقتدر وعلى هذا يكون قوله ﴿إلا أن آمنا﴾ مفعولاً من أجله واستثناء مفرّغاً أي ما تنال منا وتعذّبنا لشيء من الأشياء إلا لأن آمنا بآيات ربنا وعلى هذا المعنى يدل تفسير عطاء، قال عطاء: أي ما لنا عندك ذنب تعذّبنا عليه إلا أنّا آمنا، والآيات المعجزات التي أتى بها موسى ﵇ ومن جعل لما ظرفاً جعل العامل فيها ﴿أنّ آمنا﴾ ومن جعلها حرفاً جعل جوابها محذوفاً لدلالة ما قبله عليه أي لما جاءتنا آمنا وفي كلامهم هذا تكذيب لفرعون في ادعائه الرّبوبية وانسلاخ منهم عن اعتقادهم ذلك فيه والإيمان بالله هو أصل المفاخر والمناقب وهذا الاستثناء سبيه بقوله:
ولا عيب فيهم غير أنّ سيوفهم
بهنّ فلول من قراع الكتائب وقرأ الحسن وأبو حيوة وأبو اليسر هاشم وابن أبي عبلة ﴿وما تنقم﴾ بفتح القاف مضارع نقم بكسرها وهما لغتان والأفصح قراءة الجمهور.
стр. 1281
ويذركوَقَالَ الْمَلائ مِن قَوْمِ فِرْعَونَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُواْ فِى الأٌّرْضِ وَيَذَرَكَ وَءالِهَتَكَ﴾ بالرفع عطفاً على ﴿أتذر﴾ بمعنى أتذره ويذرك أي أتطلق له ذلك أو على الاستئناف أو على الحال على تقدير وهو يذرك. وقرأ الأشهب العقيلي والحسن بخلاف عنه ﴿ويذرك﴾ بالجزم عطفاً على التوهّم كأنه توهم النطق يفسدوا جزماً على جواب الاستفهام كما قال ﴿فأصدّق وأكون من الصالحين﴾ أو على التخفيف من ﴿ويذرك﴾ ، وقرأ أنس بن مالك ونذرك بالنون ورفع الراء توعدوه بتركه وترك آلهته أو على معنى الإخبار أي إنّ الأمر يؤول إلى هذا، وقرأ أبيّ وعبد الله ﴿في الأرض﴾ وقد تركوك أن يعبدوك ﴿وآلهيتك﴾ ، وقرأ الأعمش وقد تركك آلهتك.
قال الزمخشري: (فإن قلت) : لم أخليت هذه الجملة عن الواو وأدخلت على الذي قبلها؟ (قلت) : هي جملة مبتدأة مستأنفة وأما ﴿وقال الملأ﴾ فمعطوفة على ما سبقها من قوله ﴿قال الملأ من قوم فرعون﴾ انتهى.
وفي سنين لغتان أشهرهما إعرابها بالواو ورفعا والياء جرًّا ونصباً وقد تكلف النحاة علة لكونها جمعت هذا الجمع والأخرى جعل الإعراب في النون والتزام الياء في الأحوال الثلاثة نقلها أبو زيد والفراء، وقال الفراء: هي في هذه اللغة مصروفة عند بني وغير مصروفة عند غيرهم والكلام على ذلك أمعن في كتب النحو.
стр. 1282
وأتى الشرط بإذا في مجيء الحسنة وهي لما تيقن وجوده لأنّ إحسان الله هو المعهود الواسع العام لخلقه بحيث أنّ إحسانه لخلقه عام حتى في حال الابتلاء وأتى الشرط بأن في إصابة السيئة وهي للممكن إبراز أن إصابة السيئة مما قد يقع وقد لا يقع وجهه رحمة الله أوسع، قال الزمخشري: (فإن قلت) : كيف قيل فإذا جاءتهم الحسنةوَلَقَدْ أَخَذْنَآ ءالَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِّن الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ * فَإِذَا﴾ بإذا وتعريف الحسنة ﴿وإن تصبهم سيئة﴾ بأن وتنكير السيئة (قلت) : لأن جنس الحسنة وقوعه كالواجب لكثرته واتساعه وأما السيئة فلا تقع إلا في الندرة ولا يقع إلا يسير منها ومنه قول بعضهم وقد عددت أيام البلاء فهلا عددت أيام الرجاء انتهى، وقرأ عيسى بن عمرو طلحة بن مصرّف تطيروا بالتاء وتخفيف الطاء فعلاً ماضياً وهو جواب ﴿وإن تصبهم﴾ وهذا عند سيبويه مخصوص بالشعر أعني أن يكون فعل الشرط مضارعاً وفعل الجزاء ماضي اللفظ نحو قول الشاعر:
من يكدني بسيىء كنت منه
كالشجى بين حلقه والوريد وبعض النحويين يجوزه في الكلام وما روي من أن مجاهداً قرأ تشاءموا مكان ﴿تطيروا﴾ فينبغي أن يحمل ذلك على التفسير لا على أنه قرآن لمخالفته سواد المصحف.
وبالغوا في انتفاء الإيمان بأن صدّروا الجملة بنحن وأدخلوا الباء في بمؤمنينوَقَالُواْ مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنءَايَةٍ لِّتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ أي أنّ إيماننا لك لا يكون أبداً و ﴿مهما﴾ مرتفع بالابتداء أو منتصب بإضمار فعل يفسره فعل الشرط فيكون من باب الاشتغال أي أيّ شيء يحضر تأتنا به والمضير في ﴿به﴾ عائد على ﴿مهما﴾ وفي ﴿بها﴾ عائد أيضاً على معنى مهما لأنّ المراد به أية آية كما عاد على ما في قوله ﴿ما ننسخ من آية أو ننسها﴾ ، وكما قال زهير:
ومهما تكن عند امرىء من خليقة
стр. 1283
وإن خالها تخفى على الناس تُعلم فأنث على المعنى، قال الزمخشري: وهذه الكلمة في عداد الكلمات التي يحرّفها من لا يد له في علم العربية فيضعها غير موضعها ويحسب مهما بمعنى متى ما ويقول مهما جئتني أعطيتك وهذا من وضعه وليس من كلام واضع العربية في شيء ثم يذهب فيفسر ﴿مهما تأتنا به من آية﴾ بمعنى الوقت فيلحد في آيات الله تعالى وهو لا يشعر وهذا وأمثاله مما يجوب الجثو بين يدي الناظر في كتاب سيبويه انتهى، وهذا الذي أنكره الزمخشري من أن مهما لا تأتي ظرف زمان وقد ذهب إليه ابن مالك ذكره في التسهيل وغيره من تصانيفه إلا أنه لم يقصر مدلولها على أنها ظرف زمان بل قال وقد ترد ما ومهما ظرفي زمان وقال في أرجوزته الطويلة المسماة بالشافية الكافية:
وقد أتت مهما وما ظرفين في
стр. 1284
شواهد من يعتضد بها كفى وقال في شرح هذا البيت جميع النحويين يجعلون ما ومهما مثل من في لزوم التجرّد عن الظرف مع أنّ استعمالها ظرفين ثابت في استعمال الفصحاء من العرب وأنشد أبياتاً عن العرب زعم منها أنّ ما ومهما ظرفا زمان وكفانا الرّد عليه فيها ابنه الشيخ بدر الدين محمد وقد تأوّلنا نحن بعضها وذكرنا ذلك في كتاب التكميل لشرح التسهيل من تأليفنا وكفاه ردّاً نقله عن جميع النحويين خلاف ما قاله لكن من يعاني علماً يحتاج إلى مثوله بين يدي الشيوخ وأما من فسّر ﴿مهما﴾ في الآية بأنها ظرف زمان فهو كما قال الزمخشري ملحد في آيات الله وأما قول الزمخشري وهذا وأمثاله إلى آخر كلامه فهو يدلّ على أنه جثا بين يدي الناظر في كتاب سيبويه وذلك صحيح رحل من خوارزم في شيبته إلى مكة شرفها الله تعالى لقراءة كتاب سيبويه على رجل من أصحابنا من أهل جزيرة الأندلس كان مجاوراً بمكة وهو الشيخ الإمام العلاّمة المشاور أبو بكر عبد الله بن طلحة بن محمد بن عبد الله الأندلسي من أهل بابرة من بلاد جزيرة الأندلس فقرأ عليه الزمخشري جميع كتاب سيبويه وأخبره به قراءة عن الإمام الحافظ أبي علي الحسين بن محمد بن أحمد الغساني الجياني قال قرأته على أبي مروان عبد الملك بن سراج بن عبد الله بنن سراج القرطبي قال قرأته على أبي القاسم بن الإفليلي عن أبي عبد الله محمد بن عاصم العاصمي عن الرباحي بسنده، وللزمخشري قصيد يمدح به سيبويه وكتابه وهذا يدلّ على أنه ناظر في كتاب سيبويه بخلاف ما كان يعتقد فيه بعض أصحابنا من أنه إنما نظر في نتف من كلام أبي علي الفارسي وابن جني وقد صنف أبو الحجاج يوسف بن معزوز كتاباً في الردّ على الزمخشري في كتاب المفصل والتنبيه على أغلاطه التي خالف فيها إمام الصناعة أبا بشر عمرو بن عثمان سيبويه رحم الله جميعهم.
стр. 1285
قال الأخفش الطوفانفَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَءَايَتٍ مّفَصَّلاَتٍ فَاسْتَكْبَرُواْ وَكَانُواْ قَوْماً مُّجْرِمِينَ﴾ جمع طوفانة عند البصريين وهو عند الكوفيين مصدر كالرجحان، وحكى أبو زيد في مصدر طاف طوفاً وطوافاً ولم يحك طوفاناً وعلى تقدير كونه مصدراً فلا يراد به هنا المصدر.
وقال ابن عطية: هو عام في كل شيء يطوف إلا أن استعمال العرب له أكثر في الماء والمطر الشديد. ومنه قول الشاعر:
غير الجدّة من عرفانه
خرق الرّيح وطوفان المطر ومد طوفان مبيد مددا
شهراً شآبيب وشهراً بردا والظاهر تعلق ﴿بما عهد﴾ بأدع لنا ربك ومتعلق الدعاء محذوف تقديره ﴿ادع لنا ربك بما عهد عندك﴾ في كشف هذا الرّجز ﴿ولئن كشفت﴾ جواب لقسم محذوف في موضع الحال من قالوا أي قالوا ذلك مقسمين لئن كشفت أو لقسم محذوف معطوف أي وأقسموا لئن كشفت وجوز الزمخشري وابن عطية وغيرهما أن تكون الباء في ﴿بما عهد عندك﴾ باء القسم أي قالوا ﴿أدعُ لنا ربّك بما عهد عندك﴾ في كشف الرجز مقسمين ﴿بما عهد عندك لئن كشفت﴾ .
стр. 1286
في الكلام حذف دل عليه المعنى وهو فدعا موسى فكشف عنهم الرجز وأسند تعالى الكشف إليه لأنه هو الكاشف حقيقة فلما كان من قولهم أسندوه إلى موسى وهو إسناد مجازي ولما كان إخباراً من الله أسنده تعالى إليه لأنه إسناد حقيقي ولما كان الرجز من جملة أخرى غير مقولة لهم حسن إظهاره دون ضميره وكان جائزاً أن يكون التركيب في غير القرآن فلما كشفنا عنهمفَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُم بَلِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنكُثُونَ * فَانتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُواْ بِئَايَتِنَا وَكَانُواْ عَنْهَا غَفِلِينَ * وَأَوْرَثْنَا﴾ ومعنى ﴿إلى أجل هم بالغوه﴾ إلى حد من الزمان هم بالغوه لا محالة فيعذبون فيه لا ينفعهم ما تقدّم لهم من الإمهال وكشف العذاب إلى حلوله قاله الزمخشري.
وقال ابن عطية: يريد به غاية كل واحد منهم بما يخصّه من الهلاك والموت هذا اللازم من اللفظ كما تقول أخرت كذا إلى وقت كذا وأنت لا تريد وقتاً بعينه.
стр. 1287
﴿وإلى أجل﴾ قالوا متعلق ﴿بكشفنا﴾ ولا يمكن حمله على التعلق به لأن ما دخلت عليه لما ترتب جوابه على ابتداء وقوعه والغاية تنافي التعليق على ابتداء الوقوع فلا بدّ من تعقل الابتداء والاستمرار حتى تتحقق الغاية ولذلك لا تصحّ الغاية في الفعل عن المتطاول لا تقول لما قتلت زيداً إلى يوم الخميس جرى كذا ولا لما وثبت إلى يوم الجمعة اتفق كذا وجعل بعضهم ﴿إلى أجل﴾ من تمام الرجز أي الرّجز كائناً إلى أجل والمعنى أنّ العذاب كان مؤجلاً ويقوي هذا التأويل كون جواب لما جاء بإذا الفجائية أي فلما كشفنا عنهم العذاب المقرر عليهم إلى أجل فاجأوا بالنكث وعلى معنى تغييته الكشف بالأجل المبلوغ لا تتأتى المفاجأة إلى على تأويل الكشف بالاستمرار المغيا، فتكون المفاجأة بالنكث إذ ذاك ممكنة، وقال الزمخشري: ﴿إذا هم ينكثون﴾ جواب لما يغيا فلما كشفا عنهم فاجأوا النكث وبادروه ولم يؤخّروه ولكن لما كشف عنهم نكثوا انتهى، ولا يمكن التغيية مع ظاهر هذا التقدير وهم بالغوه جملة في موضع الصفة لأجل وهي أفخم من الوصف بالمفرد لتكرر الضمير فليس في حسن التركيب كالمفرد لو قيل في غير القرآن إلى أجل بالغيه ومجيء إذا الفجائية جواباً للما مما يدل على أن لما حرف وجوب لوجوب كما يقول سيبويه لا ظرف كما زعم بعضهم لافتقاره إلى عامل فيه والكلام تام لا يحتمل إضماراً ولا يعمل ما بعد إذا الفجائية فيما قبلها، وقرأ أبو هاشم وأبو حيوة ﴿ينكثون﴾ بكسر الكاف.
أي أحللنا بهم النقمة وهي ضدّ النعمة فإن كان الانتقام هو الإغراق فتكون الفاء تفسيرية وذلك على رأي من أثبت هذا المعنى للفاء وإلا كان المعنى فأردنا الانتقام منهم والباء في بأنهم سببية والآيات هي المعجزات التي ظهرت على يد موسى ﵇ والظاهر عود الضمير في عنها إلى الآيات.
стр. 1288
وانتصاب مشارق على أنه مفعول ثان لأورثنا والتي باركنافَانتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُواْ بِئَايَتِنَا وَكَانُواْ عَنْهَا غَفِلِينَ * وَأَوْرَثْنَا﴾ نعت لمشارق الأرض ومغاربها وقول الفرّاء إنّ انتصاب ﴿مشارق﴾ والمعطوف عليها على الظرفية والعامل فيهما هو ﴿يستضعفون﴾ و ﴿التي باركنا﴾ هو المفعول الثاني أي الأرض التي باركنا فيها تكلف وخروج عن الظاهر بغير دليل ومن أجاز أن تكون ﴿التي﴾ نعتاً للأرض فقوله ضعيف للفصل بالعطف بين المنعوت ونعته.
وقيل: الكلمة النعمة والحسنى تأنيث الأحسن وهي صفة للكلمة وكانت الحسنى لأنها وعد بمحبوب قاله الكرماني والمعنى على من بقي من مؤمني بني إسرائيل بما صبرواوَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِى إِسْرءِيلَ بِمَا صَبَرُواْ﴾ أي بصبرهم، وقرأ الحسن كلمات على الجمع ورويت عن عاصم وأبي عمرو، قال الزمخشري: ونظيره ﴿لقد رأى من آيات ربه الكبرى﴾ انتهى، يعني نظير وصف الجمع بالمفرد المؤنث ولا يتعيّن ما قاله من أن الكبرى نعت لآيات ربه إذ يحتمل أن يكون مفعولاً لقوله رأى أيّ الآية الكبرى فيكون في الأصل نعتاً لمفرد مؤنث لا يجمع وهو أبلغ في الوصف.
стр. 1289
﴿وإلى أجل﴾ قالوا متعلق ﴿بكشفنا﴾ ولا يمكن حمله على التعلق به لأن ما دخلت عليه لما ترتب جوابه على ابتداء وقوعه والغاية تنافي التعليق على ابتداء الوقوع فلا بدّ من تعقل الابتداء والاستمرار حتى تتحقق الغاية ولذلك لا تصحّ الغاية في الفعل عن المتطاول لا تقول لما قتلت زيداً إلى يوم الخميس جرى كذا ولا لما وثبت إلى يوم الجمعة اتفق كذا وجعل بعضهم ﴿إلى أجل﴾ من تمام الرجز أي الرّجز كائناً إلى أجل والمعنى أنّ العذاب كان مؤجلاً ويقوي هذا التأويل كون جواب لما جاء بإذا الفجائية أي فلما كشفنا عنهم العذاب المقرر عليهم إلى أجل فاجأوا بالنكث وعلى معنى تغييته الكشف بالأجل المبلوغ لا تتأتى المفاجأة إلى على تأويل الكشف بالاستمرار المغيا، فتكون المفاجأة بالنكث إذ ذاك ممكنة، وقال الزمخشري: ﴿إذا هم ينكثون﴾ جواب لما يغيا فلما كشفا عنهم فاجأوا النكث وبادروه ولم يؤخّروه ولكن لما كشف عنهم نكثوا انتهى، ولا يمكن التغيية مع ظاهر هذا التقدير وهم بالغوه جملة في موضع الصفة لأجل وهي أفخم من الوصف بالمفرد لتكرر الضمير فليس في حسن التركيب كالمفرد لو قيل في غير القرآن إلى أجل بالغيه ومجيء إذا الفجائية جواباً للما مما يدل على أن لما حرف وجوب لوجوب كما يقول سيبويه لا ظرف كما زعم بعضهم لافتقاره إلى عامل فيه والكلام تام لا يحتمل إضماراً ولا يعمل ما بعد إذا الفجائية فيما قبلها، وقرأ أبو هاشم وأبو حيوة ﴿ينكثون﴾ بكسر الكاف.
أي أحللنا بهم النقمة وهي ضدّ النعمة فإن كان الانتقام هو الإغراق فتكون الفاء تفسيرية وذلك على رأي من أثبت هذا المعنى للفاء وإلا كان المعنى فأردنا الانتقام منهم والباء في بأنهم سببية والآيات هي المعجزات التي ظهرت على يد موسى ﵇ والظاهر عود الضمير في عنها إلى الآيات.
стр. 1290
وانتصاب مشارق على أنه مفعول ثان لأورثنا والتي باركنافَانتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُواْ بِئَايَتِنَا وَكَانُواْ عَنْهَا غَفِلِينَ * وَأَوْرَثْنَا﴾ نعت لمشارق الأرض ومغاربها وقول الفرّاء إنّ انتصاب ﴿مشارق﴾ والمعطوف عليها على الظرفية والعامل فيهما هو ﴿يستضعفون﴾ و ﴿التي باركنا﴾ هو المفعول الثاني أي الأرض التي باركنا فيها تكلف وخروج عن الظاهر بغير دليل ومن أجاز أن تكون ﴿التي﴾ نعتاً للأرض فقوله ضعيف للفصل بالعطف بين المنعوت ونعته.
وقيل: الكلمة النعمة والحسنى تأنيث الأحسن وهي صفة للكلمة وكانت الحسنى لأنها وعد بمحبوب قاله الكرماني والمعنى على من بقي من مؤمني بني إسرائيل بما صبرواوَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِى إِسْرءِيلَ بِمَا صَبَرُواْ﴾ أي بصبرهم، وقرأ الحسن كلمات على الجمع ورويت عن عاصم وأبي عمرو، قال الزمخشري: ونظيره ﴿لقد رأى من آيات ربه الكبرى﴾ انتهى، يعني نظير وصف الجمع بالمفرد المؤنث ولا يتعيّن ما قاله من أن الكبرى نعت لآيات ربه إذ يحتمل أن يكون مفعولاً لقوله رأى أيّ الآية الكبرى فيكون في الأصل نعتاً لمفرد مؤنث لا يجمع وهو أبلغ في الوصف.
والباء للتعدية يقال جاوز الوادي إذا قطعه، وجاوز بغيره البحر عبر به فكأنه قال وجزنا ببني إسرائيل أي أجزناهم البحر وفاعل بمعنى فعل المجرد يقال جاوز وجاز بمعى واحد، وقرأ الحسن وابراهيم وأبو رجاء ويعقوب وجوزنا وهو مما جاء فيه فعل بمعنى فعل المجرد نحو قدّر وقدر وليس التضعيف للتعدية.
стр. 1291
وما في كماوَجَوَزْنَا بِبَنِى إِسْرءِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْاْ عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَّهُمْ قَالُواْ يَمُوسَى اجْعَلْ لَّنَآ إِلَهًا كَمَا لَهُمْءَالِهَةٌ﴾ قال الزمخشري كافة للكاف ولذلك وقعت الجملة بعدها وقال غيره موصولة حرفية أي كما ثبت لهم آلهة فتكون قد حذف صلتها على حدّ ما قال ابن مالك في أنه إذا حذفت صلة ما فلا بد من إبقاء معمولها كقولهم لا أكلمك ما إن في السماء نجماً أي ما ثبت أن في السماء نجماً ويكون ﴿آلهة﴾ فاعلاً يثبت المحذوفة، وقيل: موصولة اسمية و ﴿لهم﴾ صلتها والضمير عائد عليها مستكن في المجرور والتقدير كالذي لهم وآلهة بدل من ذلك الضمير المستكنّ.
قال الزمخشري: وفي إيقاع هؤلاءإِنَّ هَؤُلاءِ مُتَبَّرٌ مَّا هُمْ فِيهِ وَبَطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ إسماً لأن وتقديم خبر المبتدأ من الجملة الواقعة خبراً لها واسم لعباده بأنهم هم المعرضون للتبار وأنه لا يعدوهم البتة وأنه لهم ضربة لازم ليحذرهم عاقبة ما طلبوا ويبغض لهم فيما أحبوا انتهى ولا يتعيّن ما قاله من أنه قد جزم خبر المبتدأ من الجملة الواقعة خبراً لأنّ لأن الأحسن في إعراب مثل هذا أن يكون خبر ﴿إن متبر﴾ وما بعده مرفوع على أنه مفعول لم يسمِّ فاعله وكذلك ﴿ما كانوا﴾ هو فاعل بقوله ﴿وباطل﴾ فيكون إذ ذاك قد أخبر عن اسم إنّ بمفرد لا جملة وهو نظير أن زيداً مضروب غلامه فالأحسن في الإعراب أن يكون غلامه مرفوعاً على أنه لم يسمّ فاعله ومضروب خبر أن والوجه الآخر وهو أن كون مبتدأ ومضروب خبره جائز مرجوح.
стр. 1292
وانتصب غيرقَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَلَمِينَ * وَإِذْ أَنْجَيْنَكُمْ مِّنْءَالِ فِرْعَونَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُقَتِّلُونَ أَبْنَآءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلاءٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ * وَوَعَدْنَا مُوسَى ثَلَثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقَالَ مُوسَى لأًّخِيهِ هَرُونَ اخْلُفْنِى فِى قَوْمِى وَأَصْلِحْ وَلاَ تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ مفعولاً بأبغيكم أي أبغي لكم غير الله، و ﴿إلهاً﴾ تمييز عن ﴿غير﴾ أو حال أو على الحال و ﴿إلهاً﴾ المفعول والتقدير أبغي لكم إلهاً غير الله فكان ﴿غير﴾ صفة فلما تقدم انتصب حالاً، وقال ابن عطية: و ﴿غير﴾ منصوبة بفعل مضمر هذا هو الظاهر ويحتمل أن ينتصب على الحال انتهى، ولا يظهر نصبه بفعل مضمر لأن أبغي مفرّغ له أو لقوله ﴿إلهاً﴾ فإن تخيّل أنه منصوب بأبغي مضمرة يفسرها هذا الظاهر فلا يصحّ لأنّ الجملة المفسرة لا رابط فيها لا من ضمير ولا من ملابس يربطها بغير فلو كان التركيب أغير الله أبغيكموه لصحّ ويحتمل وهو ﴿فضلكم﴾ أن يكون حالاً وأن كون مستأنفاً.u
стр. 1293
قالوا انتصب ثلاثينوَوَعَدْنَا مُوسَى ثَلَثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ على أنه مفعول ثان على حذف مضاف فقدره أبو البقاء إتيان ثلاثين أو تمام ثلاثين، وقال ابن عطية و ﴿ثلاثين﴾ نصب على تقدير جلناه أو مناجاة ثلاثين وليست منتصبة على الظرف والهاء في ﴿وأتممناها﴾ عائدة على المواعدة المفهومة من ﴿واعدنا﴾ ، وقال الحوفي الهاء والألف نصب باتممناها وهما راجعتان إلى ﴿ثلاثين﴾ ولا يظهر لأنّ الثلاثين لم تكن ناقصة فتممت بعشر وحذف مميز عشر أي عشر ليال لدلالة ما قبله عليه وفي مصحف أبي وتممناها مشدّداً والميقات ما وقت له من الوقت وضربه له وجاء بلفظ ﴿ربه﴾ ولم يأتِ على ﴿واعدنا﴾ فكان يكون للتركيب قتمّ ميقاتنا لأن لفظ ﴿ربه﴾ دالّ على أنه مصلحة وناظر في أمره ومالكه والمتصرف فيه، قيل: والفرق بين الميقات والوقت أنّ الميقات ما قدر فيه عمل من الأعمال والوقت وقت الشيء وانتصب ﴿أربعين﴾ على الحال قاله الزمخشري، الحال فيه فقال أتى بنم بالغاً هذا العدد فعلى هذا لا يكون الحال ﴿أربعين﴾ بل الحال هذا المحذوف فينا في قوله وأربعين ليلة نصب على الحال وقال ابن عطية أيضاً ويصح أن يكون ﴿أربعين﴾ ظرفاً من حيث هي عدد أزمنة، وقيل ﴿أربعين﴾ مفعول به بتمّ لأن معناه بلغ والذي يظهر أنه تمييز محول من الفاعل وأصله فتم أربعون ميقات ربه أي كملت ثم أسند التمام لميقات وانتصب أربعون على التمييز والذي يظهر أن هذه الجملة تأكيد وإيضاح، وقيل: فائدتها إزالة توهم العشر من الثلاثين لأنه يحتمل إتمامها بعشر من الثلاثين، وقيل: إزالة توهم أن تكون عشر ساعات أي أتممناها بعشر ساعات.
ومعنى اللام للإختصاص. وكلمةوَلَمَّا جَآءَ مُوسَى لِمِيقَتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ معطوف على ﴿جاء﴾ ، وقيل حال وعدل عن قوله وكلمناه إلى قوله ﴿وكلمه ربه﴾ للمعنى الذي عدل إلى قوله ﴿فتمّ ميقات ربه﴾ و ﴿فلما تجلّى ربه﴾ .
стр. 1294
والضمير في لهوَلَمَّا جَآءَ مُوسَى لِمِيقَتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِى أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِى وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِى فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ موسَى صَعِقًا فَلَمَّآ أَفَاقَ قَالَ سُبْحَنَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ * قَالَ يَمُوسَى إِنى اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَلَتِي وَبِكَلَمِي فَخُذْ مَآ ءاتَيْتُكَ وَكُنْ مِّنَ الشَّكِرِينَ * وَكَتَبْنَا لَهُ فِى الأٌّلْوَاحِ مِن كُلِّ شَىْءٍ مَّوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لِّكُلِّ شَىْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُواْ بِأَحْسَنِهَا سَأُوْرِيكُمْ دَارَ الْفَسِقِينَ * سَأَصْرِفُ عَنْءَايَتِي الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِن يَرَوْاْ كُلَّءَايَةٍ لاَّ يُؤْمِنُواْ بِهَا وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ الرُّشْدِ لاَ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ الْغَىِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُواْ بِئَايَتِنَا وَكَانُواْ عَنْهَا غَفِلِينَ * وَالَّذِينَ كَذَّبُواْ بِئَايَتِنَا وَلِقَآءِ الأٌّخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمَلُهُمْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ * وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِن بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلاً جَسَداً لَّهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّهُ لاَ يُكَلِّمُهُمْ وَلاَ يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً اتَّخَذُوهُ وَكَانُواْ ظَلِمِينَ * وَلَمَّا سُقِطَ فَى أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْاْ أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّواْ قَالُواْ لَئِن لَّمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَسِرِينَ * وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَنَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِى مِن بَعْدِى
стр. 1295
أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِى وَكَادُواْ يَقْتُلُونَنِى فَلاَ تُشْمِتْ بِىَ الأَعْدَآءَ وَلاَ تَجْعَلْنِى مَعَ الْقَوْمِ الظَّلِمِينَ * قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِى وَلأَخِى وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرحِمِينَ * إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُواْ الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِى الْحَيوةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِى الْمُفْتَرِينَ * وَالَّذِينَ عَمِلُواْ السَّيِّئَاتِ ثُمَّ تَابُواْ مِن بَعْدِهَا وَءَامَنُواْ إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ * وَلَمَّا سَكَتَ عَن مُّوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الأٌّلْوَاحَ وَفِى نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ * وَاخْتَارَ﴾ عائد على موسى و ﴿الألواح﴾ جمع قلة وأل فيها لتعريف الماهيّة فإن كان هو الذي قطعها وشققها فتكون أل فيها للعهد، وقال ابن عطية: عوض من الضمير الذي يقدر وصلة بين الألواح وموسى ﵇ تقديره في ألواحه وهذا كقوله تعالى ﴿فإن الجنة هي المأوى﴾ أي مأواه انتهى وكون أل عوضاً من الضمير ليس مذهب البصريين ولا يتعين أن يكون عوضاً من الضمير وليس ذلك كقوله ﴿فإن الجنة هي المأوى﴾ لأنّ الجملة خبر عن من فاحتاجت الجملة إلى رابط، فقال الكوفيون: أل عوض من الضمير كأنه قيل مأواه، وقال البصريون: الرابط محذوف أي هي المأوى له.
стр. 1296
والظاهر أن مفعول ﴿كتبنا﴾ أي كتبنا فيها ﴿موعظة من كل شيء وتفصيلاً لكل شيء﴾ قاله الحوفي قال نصب ﴿موعظة﴾ بكتبنا ﴿وتفصيلاً﴾ عطف على ﴿موعظة لكل شيء﴾ متعلق بتفصيلاً انتهى، وقال الزمخشري: ﴿من كل شيء﴾ في محل النصب مفعول ﴿وكتبنا وموعظة، وتفصيلاً﴾ بدل منه والمعنى كتبنا له كل شيء كان بنو إسرائيل يحتاجون إليه في دينهم من المواعظ وتفصيل الأحكام انتهى، ويحتمل عندي وجه ثالث وهو أن يكون مفعول ﴿كتبنا﴾ موضع المجرور كما تقول أكلت من الرّغيف، و ﴿من﴾ للتبعيض أي كتبنا له أشياء من كل شيء وانتصب ﴿موعظة وتفصيلاً﴾ على المفعول من أجله أي كتبنا له تلك الأشياء للاتعاظ والتفصيل لأحكامهم.
فقلنا خذها عطفاً على كتبنافَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُواْ بِأَحْسَنِهَا سَأُوْرِيكُمْ دَارَ الْفَسِقِينَ * سَأَصْرِفُ عَنْءَايَتِي الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِن يَرَوْاْ كُلَّ﴾ ويجوز أن يكون ﴿فخذها﴾ بدلاً من قوله ﴿فخذ ما آتيتك﴾ ، والضمير في ﴿فخذها﴾ عائد على ما على معنى ما لا على لفظها وأما إذا كان على إضمار فقلنا فيكون عائداً على ﴿الألواح﴾ أي الألوح أو على ﴿كل شيء﴾ لأنه في معنى الأشياء أو على التوراة أو على الرسالات وهذه احتمالات مقوّلة أظهرها الأول. ﴿بأحسنها﴾ ظاهره أنه أفعل التفضيل وفيها الحسن والأحسن كالقصاص والعفو والانتصار والصبر.
стр. 1297
وقال ابن عطية: ولو كان من رؤية القلب لتعدّى بالهمزة إلى ثلاثة ولو قال قائل المفعول الثالث يتضمنه المعنى فهو مقدّر أي مدمرة أو خربة أو مسعرة على قول من قال إنها جهنم قيل له: لا يجوز حذف هذا المفعول ولا الاقتصار دونه لأنها داخلة على الابتداء والخبر ولو جوز لكان على قبح في اللسان لا يليق بكتاب الله تعالى انتهى، وحذف المفعول الثالث في باب أعلم لدلالة المعنى عليه جائز فيجوز في جواب هل أعلمت زيداً عمراً منطلقاً أعلمت زيداً عمراً ويحذف منطلقاً لدلالة الكلام السابق عليه وأما تعليله لأنها داخلة على الابتداء والخبر لا يدل على المنع لأن خبر المبتدأ يجوز حذفه اختصاراً والثاني والثالث في بام أعلم يجوز حذف كل واحد منهما اختصاراً وفي قوله لأنها أي سأريكمسَأُوْرِيكُمْ دَارَ الْفَسِقِينَ * سَأَصْرِفُ عَنْءَايَتِي الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِن يَرَوْاْ كُلَّءَايَةٍ لاَّ يُؤْمِنُواْ بِهَا وَإِن يَرَوْاْ﴾ داخلة على المبتدأ والخبر فيه تجوز ويعني أنها قبل النقل بالهمزة فكانت داخلة على المبتدأ والخبر، وقرأ الحسن: ﴿سأوريكم﴾ بواو ساكنة بعد الهمزة على ما يقتضيه رسم المصحف ووجّهت هذه القراءة بوجهين، أحدهما: ما ذكره أبو الفتح وهو أنه أشبع الضمة ومطّلها فنشأ عنها الواو قال: ويحسن احتمال الواو في هذا الموضع أنه موضع وعيد وإغلاظ فمكن الصوت فيه انتهى، فيكون كقوله أدنوا فانظر رأى فانظر، وهذا التوجيه ضعيف لأن الأشباع بابه ضرورة الشعر والثاني: ما ذكره الزمخشري قال وقرأ الحسن ﴿سأوريكم﴾ وهي لغة فاشية بالحجاز يقال: أورني كذا وأوريته فوجهه أن يكون من أوريت الزند كأن المعنى بينه لي وأثره لأستبينه انتهى، وهي أيضاً في لغة أهل الأندلس كأنهم تلقفوها من لغة الحجاز وبقيت في لسانهم إلى الآن وينبغي أن ينظر في تحقق هذه اللغة أهي في لغة الحجاز أم لا، وقرأ ابن عباس وقسامة بن زهير سأورثكم،
стр. 1298
قال الزمخشري وهي قراءة حسنة يصححها قوله تعالى: ﴿وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون﴾ .
ويجوز أن يكون في موضع الحال فيتعلق بمحذوف أي متلبسين بغير الحقّ والمعنى غير مستحقّين لأنّ التكبر بالحق لله وحده لأنه هو الذي له القدرة والفضل الذي ليس لأحد.
وقرأ ابن أبي عبلة لا يتخذوها ويتخذوها على تأنيث السبيل والسبيل تذكر وتؤنث، قال تعالى: قل هذه سبيليوَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ الرُّشْدِ لاَ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ الْغَىِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً﴾ ولما نفى عنهم الإيمان وهو من أفعال القلب استعار للرّشد والغي سبيلين فذكر أنهم تاركو سبيل الرشد سالكو سبيل الغي وناسب تقديم جملة الشرط المتضمنة سبيل الرشد على مقابلتها لأنها قبلها.
﴿وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها﴾ فذكر موجب الإيمان وهو الآيات وترتّب نقيضه عليه وأتبع ذلك بموجب الرشد وترتب نقيضه عليه ثم جاءت الجملة بعدها مصرّحة بسلوكهم سبيل الغي ومؤكدة لمفهوم الجملة الشرطية قبلها لأن يلزم من ترك سبيل الرّشد سلوك سبيل الغي لأنهما إما هدى أو ضلال فهما نقيضان إذا انتفى أحدهما ثبت الآخر.
والظاهر أن ذلك مبتدأ وخبره بأنهم أي ذلك الصرف كائن بأنهم كذّبوا وجوّزوا أن يكون منصوباً فقدّره ابن عطية فعلنا ذلك، وقدّره الزمخشري صرفهم الله ذلك الصّرف بعينه.
стр. 1299
والذين كذبوا بآياتنا ولقاء الآخرة حبطت أعمالهم هل يجزون إلا ما كانوا يعملونذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُواْ بِئَايَتِنَا وَكَانُواْ عَنْهَا غَفِلِينَ * وَالَّذِينَ كَذَّبُواْ بِئَايَتِنَا وَلِقَآءِ الأٌّخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمَلُهُمْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ وإضافة ﴿لقاء﴾ إلى ﴿الآخرة﴾ إضافة المصدر إلى المفعول أي ولقائهم الآخرة. قال الزمخشري: ويجوز أن يكون من إضافة المصدر إلى المفعول به أي ولقائهم الآخرة ومشاهدتهم أحوالهم ومن إضافة المصدر إلى الظرف بمعنى ولقاء ما وعد الله تعالى في الآخرة انتهى. ولا يجيز جلّة النحويين الإضافة إلى الظرف لأنّ الظرف هو على تقدير في والإضافة عندهم إنما هي على تقدي اللام أو تقدير من على ما بين في علم النحو فإنّ اتسع في العامل جاز أن ينصب الظرف نصب المفعول به وجاز إذ ذاك أن يُضاف مصدره إلى ذلك الظرف المتسع في عامله وأجاز بعض النحويين أن تكون الإضافة على تقدير في كما يفهمه ظاهر كلام الزمخشري، وهو مذهب مردود في علم النحو. و ﴿هل يجزون﴾ استفهام بمعنى التقرير أي يستوجبون بسوء فعلهم العقوبة، قال ابن عطية: والظاهر أنه استفهام بمعنى النفي ولذلك دخلت ﴿إلا﴾ والاستفهام الذي هو بمعنى التقرير هو موجب من حيث المعنى فيبعد دخول إلا ولعله لا يجوز.
ومن حليهموَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِن بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلاً جَسَداً لَّهُ خُوَارٌ﴾ متعلق باتخذ وبها يتعلق من بعده وإن كانا حرفي جرّ بلفظ واحد وجاز ذلك لاختلاف مدلوليهما لأنّ من الأولى لابتداء الغاية والثانية للتبعيض وأجاز أبو البقاء أن يكون ﴿من حليهم﴾ في موضع الحال فيتعلق بمحذوف لأنه لو تأخر لكان صفة أي ﴿عجلاً﴾ كائناً ﴿من حليهم﴾ .
وأنتصب ﴿جسداً﴾ ، قال الزمخشري على البدل، وقال الحوفي على النعت وأجازهما أبو البقاء وأن تكون عطف بيان.
стр. 1300
قال ابن عطية ويحتمل أن تكون الواو واو الحال انتهى يعني في ﴿وكانوا﴾ والوجه الأول أبلغ في الذمّ وهو الإخبار عن وصفهم بالظلم وإنّ شأنهم ذلك فلا يتقيد ظلمهم بهذه الفعلة الفاضحة.
ذكر بعض النحويين أن قول العرب سقط في يده فعل لا يتصرف فلا يستعمل منه مضارع ولا اسم فاعل ولا مفعول وكان أصله متصرّفاً تقول سقط الشيء إذا وقع من علو فهو في الأصل متصرّف لازم.
وكان متعلق سقط قوله في أيديهم لأنّ اليد هي الآلة التي يؤخذ بها ويضبط وسقطوَلَمَّا سُقِطَ فَى أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْاْ أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّواْ قَالُواْ لَئِن لَّمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَسِرِينَ * وَلَمَّا﴾ مبني للمفعول والذي أوقع موضع الفاعل هو الجار والمجرور كما تقول: جلس في الدار وضحك من زيد، وقيل: ﴿سقط﴾ تتضمن مفعولاً وهو هاهنا المصدر الذي هو الإسقاط كما يقال: ذهب بزيد انتهى، وصوابه وهو هنا ضمير المصدر الذيهو السقوط لأنّ سقط ليس مصدره الإسقاط وليس نفس المصدر هو المفعول الذي لم يسمّ فاعله بل هو ضميره وقرأت فرقة منهم ابن السميقع سقط في أيديهم مبنياً للفاعل.
مصحف أبي قالوا: ربنا لئن ترحمنا وتغفر لنا، بتقديم المنادى وهو ربّنا ويحتمل أن يكون القولان صدراً منهم جميعهم على التعاقب أو هذا من طائفة وهذا من طائفة فمن غلب عليه الخوف وقوي على المواجهة خاطب مستقيلاً من ذنبه العظيم ومن غلب عليه الحياء أخرج كلامه مخرج المستحيي من الخطاب فأسند الفعل إلى الغائب.
أعجلتموَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَنَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِى مِن بَعْدِى أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ﴾ استفهام إنكار قال الزمخشري يقال: عجل عن الأمر إذا تركه غير تام ونقيضه تم عليه وأعجله عنه غيره ويضمن معنى سبق فيعدّى تعديته، فيقال: عجلت الأمر.
следующие страницы →