Полный текст (2 567 стр.). Показаны 1331–1370 · переход к 1336.
стр. 1331
وماكر بالذين يمكرون فجوّز ذلك فرقة ومنعت منه فرقة وهو الصواب وأما إطلاق اسم الفاعل بغير قيده فالإجماع على منعه.
لما من ذرأ للنار ذكر مقابلهم وفي لفظة وممنوَمِمَّنْ خَلَقْنَآ أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ * وَالَّذِينَ كَذَّبُواْ بِئَايَتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ * وَأُمْلِى﴾ دلالة على التبعيض وأن المعظم من المخلوقين ليسوا هداة إلى الحق ولا عادلين به، قيل: هم العلماء والدعاة إلى الدين، وقيل: هم مؤمنو أهل الكتاب قاله ابن الكلبي وروي عن قتادة وابن جريج، وقيل: هم المهاجرون والأنصار والتابعون لهم بإحسان، وقال ابن عباس: هم أمة محمد صلى الله عليه وسلّموعليه أكثر المفسرين.
كما أنّ مقابلها في قوله ﴿ولقد ذرأنا لجهنم﴾ لا يدلّ على تعيين أشخاص ولا زمان وإنما هذا تقسيم للمخلوق للنار والمخلوق للجنة ولذلك قيل: إنّ في الكلام محذوفاً تقديره ﴿وممن خلقنا﴾ يدلّ عليه إثبات مقابله في قوله ﴿ولقد ذرأنا لجهنم﴾ .
معطوف على سنستدرجهموَالَّذِينَ كَذَّبُواْ بِئَايَتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ * وَأُمْلِى لَهُمْ إِنَّ كَيْدِى مَتِينٌ﴾ فهو داخل في الاستقبال وهو خروج من ضمير التكلم بنون العظمة إلى ضمير تكلم المفرد والمعنى أؤخرهم ملاوة من الدهر.
وقرأ عبد الحميد عن ابن عامر أن كيدي بفتح الهمزة على معنى لأجل ﴿أنّ كيدي﴾ ، وقرأ الجمهور بكسرها على الاستئناف.
стр. 1332
وهذا الاستفهام قيل: معناه التوبيخ، وقيل: التحريض على التأمل والجنة كما قال تعالى من الجنة والناسأَوَلَمْ يَتَفَكَّرُواْ مَا بِصَاحِبِهِم مِّن جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾ والمعنى من مس جنة أو تخبيط جنة، وقيل: هي هيئة كالجلسة والركبة أريد بها المصدر أي ما بصاحبهم من جنون والظاهر أن ﴿يتفكروا﴾ معلّق عن الجملة المنفيّة وهي في موضع نصب بيتفكروا بعد إسقاط حرف الجر لأن التفكر من أعمال القلوب فيجوز تعليقه والمعنى أو لم يتأملوا ويتدبروا في انتفاء هذا الوصف عن الرسول فإنه منتف لا محالة ولا يمكن لمن أنعم الفكر في نسبة ذلك إليه، وقيل ثم مضمر محذوف أي فيعلموا ما بصاحبهم من جنة قالوا الحوفي، وزعم أن تفكّروا لا تعلّق لأنه لا يدخل على الجمل قال: ودلّ التفكر على العلم، وقال أصحابنا: إذا كان فعل القلب يتعدى بحرف جر قدرت الجملة في موضع جر بعد إسقاط حرف الجر ومنهم من زعم أنه يضمن الفعل الذي تعدى بنفسه إلى واحد أو بحرف جر إلى واحد معنى ما يتعدى إلى اثنين فتكون الجملة في موضع المفعولين فعلى هذين الوجهين لا حاجة إلى هذا المضمر الذي قدّره الحوفي، وقيل تمّ الكلام على قوله ﴿يتفكروا﴾ ثم استأنف إخباراً بانتفاء الجنة وإثبات النذارة، وقال أبو البقاء: في ﴿ما﴾ وجهان أحدهما: أنها باقية وفي الكلام حذف تقديره أو لم يتفكروا في قولهم به جنة، والثاني أنها استفهام أي أو لم يتفكروا أي شيء بصاحبهم من الجنون مع انتظام أقواله وأفعاله، وقيل هي بمعنى الذي تقديره أو لم يتفكروا في ما بصاحبهم وعلى هذا يكون الكلام خرج على زعمهم انتهى وهي تخريجات ضعيفة ينبغي أن ينزه القرآن عنها وتفكر مما ثبت في اللسان تعليقه فلا ينبغي أن يعدل عنه.
стр. 1333
وأنوَأَنْ عَسَى أَن يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ﴾ معطوف على ﴿ما﴾ في قوله ﴿وما خلق﴾ وبخوا على انتفاء نظرهم في ملكوت السموات والأرض وهي أعظم المصنوعات وأدلتها على عظمة الصانع ثم عطف عليه شيئاً عاماً وهو قوله ﴿وما خلق الله من شيء﴾ .
﴿وأن﴾ هي المخففة من الثقيلة واسمها محذوف ضمير الشأن وخبرها ﴿عسى﴾ وما تعلقت به وقد وقع خبر الجملة غير الخبرية في مثل هذه الآية وفي مثل ﴿والخامسة أن غضب الله عليها﴾ فغضب الله عليها جملة دعاء وهي غير خبرية فلو كانت ﴿أن﴾ مشددة لم تقع ﴿عسى﴾ ولا جملة الدعاء لها لا يجوز علمت أن زيداً عسى أن يخرج ولا علمت أن زيداً لعنه الله وأنت تريد الدعاء وأجاز أبو البقاء أن تكون ﴿أن﴾ هي المخففة من الثقيلة وأن تكون مصدرية يعني أن تكون الموضوعة على حرفين وهي الناصبة للفعل المضارع وليس بشيء لأنهم نصوا على أنها توصل بفعل متصرّف مطلقاً يعنون ماضياً ومضارعاً وأمراً فشرطوا فيه التصرّف، و ﴿عسى﴾ فعل جامد فلا يجوز أن يكون صلة لأن و ﴿عسى﴾ هنا تامة وأن يكون فاعل بها نحو قولك عسى أن تقوم واسم ﴿يكون﴾ . قال الحوفي: ﴿أجلهم﴾ و ﴿قد اقترب﴾ الخبر، وقال الزمخشري وغيره: اسم ﴿يكون﴾ ضمير الشأن فيكون ﴿قد اقترب أجلهم﴾ في موضع نصب في موضع خبر ﴿يكون﴾ و ﴿أجلهم﴾ فاعل باقترب وما أجازه الحوفي فيه خلاف فإذا قلت كان يقوم زيد فمن النحويين من زعم أنّ زيداً هو الاسم ويقوم في موضع نصب على الخبر ومنهم من منع ذلك ويجعل في ذلك ضمير الشأن والجواز اختيار ابن مالك والمنع اختيار ابن عصفور وقد ذكرنا هذه المسألة مستوفاة التقسيم والدلائل في شرحنا لكتاب التسهيل.
والضمير في بعدهفَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ للقرآن أو الرسول وقصته وأمره أو الأجل إذ لا عمل بعد الموت أقوال ثلاثة. قال الزمخشري: (فإن قلت) : بم يتعلق قوله ﴿فبأي حديث بعده يؤمنون﴾ ، (قلت) : بقوله: ﴿عسى أن يكون قد اقترب أجلهم﴾ .
стр. 1334
قرأ الحسن وقتادة وأبو عبد الرحمن وأبو جعفر والأعرج وشيبة والحرميان وابن عامر ونذرهم بالنون ورفع الراء وأبو عمرو وعاصم بالياء ورفع الراء وهو استئناف إخبار قطع الفعل أو أضمر قبله ونحن فيكون جملة اسمية، وقرأ ابن مصرّف والأعمش والأخوان وأبو عمرو فيما ذكر أبو حاتم بالياء والجزم وروى خارجة عن نافع بالنون والجزم وخرج سكون الراء على وجهين أحدهما أنه سكن لتوالي الحركات كقراءة وما يشعركموَيَذَرُهُمْ فِى طُغْيَنِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ وينصركم فهو مرفوع والآخر أنه مجزوم عطفاً على محل ﴿فلا هادي له﴾ فإنه في موضع جزم فصار مثل قوله ﴿فهو خير لكم﴾ ونكفر في قراءة من قرأ بالجزم في راء ونكفر. ومثل قول الشاعر:
أنّى سلكت فإنني لك كاشح
وعلى انتقاصك في الحياة وازدد ومرساهايَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَهَا﴾ مصدر أي متى إرساها وإثباتها إقرارها والرّسو ثبات الشيء الثقيل ومنه رسا الجبل وأرسيت السفينة والمرسا المكان الذي ترسو فيه، وقال الزمخشري: ﴿مرساها﴾ إرساؤها أو وقت إرسائها أي إثباتها وإقرارها انتهى، وتقديره أو وقت إرسائها ليس بجيد لأنّ ﴿أيان﴾ اسم استفهام عن الوقت فلا يصحّ أن يكون خبراً عن الوقت إلا بمجاز لأنه يكون التقدير في أي وقت وقت إرسائها ﴿وأيان مرساها﴾ مبتدأ وحكى ابن عطية عن المبرّد أن ﴿مرساها﴾ مرتفع بإضمار فعل ولا حاجة إلى هذا الإضمار ﴿وأيان مرساها﴾ جملة استفهامية في موضع البدل من ﴿الساعة﴾ والبدل على نية تكرار العامل وذلك العامل معلق عن العمل لأنّ الجملة فيها استفهام ولما علق الفعل وهو يتعدى بعن صارت الجملة في موضع نصب على إسقاط حرف الجر فهو بدل في الجملة على موضع عن الساعة لأنّ موضع المجرور نصب ونظيره في البدل قولهم عرفت زيداً أبو من هو على أحسن المذاهب في تخريج هذه المسألة أعني في كون الجملة الاستفهامية تكون في موضع البدل.
стр. 1335
و ﴿يذرون وراءهم يوماً ثقيلاً﴾ أي شديداً صعباً وأصله أن يتعدى بعلى تقول ثقل عليّ هذا الأمر، وقال الشاعر:
ثقيل على الأعداء
فإما أن يدّعي أنّ في بمعنى على كما قال بعضهم في قوله ﴿ولأصلبنكم في جذوع النخل﴾ أي ويضمن ﴿ثقلت﴾ معنى يتعدى بفي.
وعنهايَسْئَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِىٌّ عَنْهَا﴾ إما أن يتعلق بيسألونك أي يسألونك عنها وتكون صلة ﴿حفي﴾ محذوفة والتقدير كأنك حفي بها أي معتن بشأنها حتى علمت حقيقتها ووقت مجيئها أو كأنك حفيّ بهم أو معتن بأمرهم فتجيبهم عنها لزعمهم أن علمها عندك وحفي لا يتعدى بعن قال تعالى: ﴿إنه كان بي حفيًّا﴾ فعداه بالباء وإما أن يتعلق بحفي على جهة التضمين لأنّ من كان حفياً بشيء أدركه وكشف عنه فالتقدير كأنك كاشف بحفاوتك عنها وإما أن تكون عن بمعنى الباء كما تكون الباء بمعنى عن في قوله، فإن تسألوني بالنساء فإنني، أي عن النساء، وقرأ عبد الله كأنك حفيّ بها بالباء مكان عن أي عالم بها بليغ في العلم بها.
﴿قل إنما علمها عند الله﴾ أي علم مجيئها في علم الله وظرفية ﴿عند﴾ مجازية كما تقول النحو عند سيبويه أي في عليه وتكرير السؤال والجواب على سبيل التوكيد ولما جاء به من زيادة قوله ﴿كأنك حفي عنها﴾ .
стр. 1336
وقدم هنا النفع على الضرّ لأنه تقدم من يهد الله فهو المهتدي ومن يضللقُل لاّ أَمْلِكُ لِنَفْسِى نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا إِلاَّ مَا شَآءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِىَ السُّوءُ إِنْ أَنَاْ إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ فقدّم الهداية على الضلال وبعده لاستكثرت من الخير وما مسّني السوء فناسب تقديم النفع وقدم الضرّ في يونس على الأصل لأن العبادة لله تكون خوفاً من عقابه أولاً ثم طمعاً في ثوابه ولذلك قال ﴿يدعون ربهم خوفاً وطمعاً﴾ فإذا تقدم النفع فلسابقة لفظ تضمنه وأيضاً ففي يونس موافقة ما قبلها ففيها ﴿ما لا يضرّهم ولا ينفعهم ما لا ينفعنا ولا يضرّنا﴾ لأنه موصول بقوله ﴿ليس لها من دون الله ولي ولا شفيع﴾ وإن تعدل كل عدل لا يؤخذ منهاوفي يونس ﴿ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك﴾ وتقدمه ﴿ثم ننجي رسلنا والذين آمنوا كذلك حقاً علينا ننجي المؤمنين﴾ وفي الُبياء قال: ﴿أفتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم ولا يضركم﴾ وتقدمه قول الكفار لإبراهيم في المحاجة ﴿لقد علمت ما هؤلاء ينطقون﴾ وفي الفرقان ﴿ويعبدون من دون الله ما لا ينقعهم ولا يضرهم﴾ وتقدمه ﴿ألم ترى إلى ربك كيف مدّ الظل ونعم كثيرة﴾ وهذا النوع من لطائف القرآن العظيم وساطع براهينه والاستثناء متصل أي إلا ما شاء الله من تمكيني منه فإني أملكه وذلك بمشيئة الله، وقال ابن عطية: وهذا الاستثناء منقطع انتهى، ولا حاجة لدعوى الانقطاع مع إمكان الاتصال.
стр. 1337
والظاهر أن قوله وما مسني السوءوَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِىَ السُّوءُ﴾ معطوف على قوله ﴿لاستكثرت من الخير﴾ فهو من جواب ﴿لو﴾ ويوضح ذلك أنه تقدم قوله ﴿قل لا أملك لنفسي نفعاً ولا ضراً﴾ فقابل النفع بقوله ﴿لاستكثرت من الخير﴾ وقابل الضرّ بقوله ﴿وما مسني السوء﴾ ولأنّ المترتب على تقدير علم الغيب كلاهما وهما اجتلاب النفع واجتناب الضرّ ولم نصحب ما النافية جواب لو لأن الفصيح أن لا يصحبهما كما في قوله تعالى ﴿ولو سمعوا ما استجابوا لكم﴾ والظاهر عموم الخبر وعدم تعيين ﴿السوء﴾ .
وقال مؤرّج السدوسي: ﴿السوء﴾ الجنون بلغة هذيل وهذا القول فيه تفكيك لنظم الكلام واقتصار على أن يكون جواب لو ﴿لا استكثرت من الخير﴾ فقط وتقدير حصول علم الغيب يترتب عليه الأمر أن لا أحدهما فيكون إذ ذاك جواباً قاصراً.
وقيل: أخبر أنه نذير وتمّ الكلام ومعناه أنه نذير للعالم كلهم ثم أخبر أنه بشير للمؤمنين به فهو وعد لمن حصل له الإيمان، وقيل حذف متعلق النذارة ودلّ على حذفه إثبات مقابله والتقدير نذير للكافرين وبشير لقوم يؤمنون كما حذف المعطوف في قوله سرابيل تقيكم الحرّإِنْ أَنَاْ إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ أي والبرد وبدأ بالنذارة لأن السائلين عن الساعة كانوا كفاراً أما مشركو قريش وأما اليهود فكان الاهتمام بذكر الوصف من قوله ﴿إن أنا إلاّ نذير﴾ آكد وأولى بالتقديم والله تعالى أعلم.m
стр. 1338
والضمير في يشركونهُوَ الَّذِى خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّآ أَثْقَلَت دَّعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْءَاتَيْتَنَا صَلِحاً لَّنَكُونَنَّ مِنَ الشَّكِرِينَ * فَلَمَّآءَاتَهُمَا صَلِحاً جَعَلاَ لَهُ شُرَكَآءَ فِيمَآءَاتَهُمَا فَتَعَلَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ * أَيُشْرِكُونَ مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ * وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلاَ أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ * وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لاَ يَتَّبِعُوكُمْ سَوَآءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنتُمْ صَمِتُونَ * إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ * أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَآ أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَآ أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَآ أَمْ لَهُمْءَاذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا قُلِ ادْعُواْ شُرَكَآءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلاَ تُنظِرُونِ * إِنَّ وَلِيِّىَ اللَّهُ الَّذِى نَزَّلَ الْكِتَبَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّلِحِينَ * وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلاَ أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ * وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لاَ يَسْمَعُواْ وَتَرَاهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ * خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِض عَنِ الْجَهِلِينَ * وَإِمَّا يَنَزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَنِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْاْ إِذَا مَسَّهُمْ طَئِفٌ مِّنَ الشَّيْطَنِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ * وَإِخْوَنُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِى الْغَىِّ ثُمَّ لاَ يُقْصِرُونَ * وَإِذَا
стр. 1339
لَمْ تَأْتِهِم بِئَايَةٍ قَالُواْ لَوْلاَ اجْتَبَيْتَهَا قُلْ إِنَّمَآ أَتَّبِعُ مَا يِوحَى إِلَىَّ مِن رَّبِّى هَذَا بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ * وَإِذَا قُرِىءَ الْقُرْءَانُ فَاسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ * وَاذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالأٌّصَالِ وَلاَ تَكُنْ مِّنَ الْغَفِلِينَ * إِنَّ الَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾ لهما ولأعقابهما الذين اقتدوا بهما في الشرك انتهى:
وأنث في قوله منهالِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾ ذهاباً إلى لفظ النفس ثم ذكر في قوله ﴿ليسكن﴾ حملاً على معنى النفس ليبين أن المراد بها الذكر آدم أو غيره على اختلاف التأويلات وكان الذكر هو الذي يسكن إلى الأنثى ويتغشاها فكان التذكير أحسن طباقاً للمعنى.
أما والحمل فكانا في الأرض والتغشي والغشيان والإتيان كناية عن الجماع ومعنى الخفة أنها لم تلق به من الكرب ما يعرض لبعض الحبالى ويحتمل أن يكون حملاًفَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ﴾ مصدراً.
стр. 1340
وقرأ الجمهور ﴿فمرت به﴾ ، قال الحسن: أي استمرت به، وقيل: هذا على القلب أي فمر بها أي استمر بها، وقال الزمخشري: فمضت به إلى وقت ميلاده من غير إخراج ولا إزلاق، وقيل: ﴿حملت حملاً خفيفاً﴾ يعني النطفة ﴿فمرت به﴾ فقامت به وقعدت فاستمرت به انتهى، وقرأ ابن عباس فيما ذكر النقاش وأبو العالية ويحيى بن يعمر وأيوب ﴿فمرت به﴾ خفيفة الراء من المرية أي فشكت فيما أصابها أهو حمل أو مرض، وقيل معناه استمرت به لكنهم كرهوا التضعيف فخففوه نحو وقرن فيمن فتح من القرار، وقرأ عبد الله بن عمرو بن العاصي والجحدري: فمارت به بألف وتخفيف الراء أي جاءت وذهبت وتصرفت به كما تقول مارت الريح موراً ووزنه فعل، وقال الزمخشري: من المرية كقوله تعالى ﴿أفتمارونه﴾ ومعناه ومعنى المخففة فمرت وقع في نفسها ظن الحمل وارتابت به ووزنه فاعل، وقرأ عبد الله فاستمرت بحملها، وقرأ سعد بن أبي وقاص وابن عباس أيضاً والضحاك فاستمرت به، وقرأ أبي بن كعب والجرمي فاستمارت به والظاهر رجوعه إلى المرية بني منها استفعل كما بنى منها فاعل في قولك ماريت.
متعلق الدعاء محذوف يدل عليه جملة جواب القسم أي دعوا اللهفَلَمَّآ أَثْقَلَت دَّعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْءَاتَيْتَنَا صَلِحاً لَّنَكُونَنَّ مِنَ الشَّكِرِينَ﴾ ورغبا إليه في أن يؤتيَهما ﴿صالحاً﴾ .
﴿لنكونن﴾ جواب قسم محذوف تقديره وأقسما لئن آتيتنا أو مقسمين ﴿لئن آتيتنا﴾ وانتصاب ﴿صالحاً﴾ على أنه مفعول ثان لآتيتنا وفي المشكل لمكي أنه نعت لمصدر أي ابناً صالحاً.
من جعل الآية في آدم وحواء جعل الضمائر والإخبار لهما.
قال الزمخشري: والضمير في آتيتنافَلَمَّآءَاتَهُمَا صَلِحاً جَعَلاَ لَهُ شُرَكَآءَ فِيمَآءَاتَهُمَا﴾ و ﴿لنكونن﴾ لهما ولكلّ من تناسل من ذريتهما.
على حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه وكذلك فيما آتاهما أي آتى أولادهما وقد دلّ على ذلك بقوله تعالى ﴿فتعالى الله عما يشركون﴾ حيث جمع الضمير.
стр. 1341
ويكون الضمير في ﴿يشركون﴾ عائداً على آدم وحواء وإبليس لأنه مدبّر معهما تسمية الولد عبد الحرث، وقيل ﴿جعلا﴾ أي جعل أحدهما يعني حواء وأما من جعل الخطاب للناس وليس المراد في الآية بالنفس وزوجها آدم وحواء أو جعل الخطاب لمشركي العرب أو لقريش على ما تقدم ذكره فيتّسق الكلام اتساقاً حسناً من غير تكلف تأويل ولا تفكيك.
وقوله ﴿فتعالى الله عما يشركون﴾ كلام منفصل يراد به مشركو العرب، قال ابن عطية: وهذا تحكّم لا يساعده اللفظ انتهى، والضمير في ﴿له﴾ عائد على الله ومن زعم أنه عائد على إبليس فقوله بعيد لأنه لم يجر له ذكر وكذا يبعد قول من جعله عائداً على الولد الصالح وفسّر الشرك بالنصيب من الرزق في الدنيا وكانا قبله يأكلان ويشربان وحدهما ثم استأنف فقال: ﴿فتعالى الله عن ما يشركون﴾ يعني الكفار، وقرأ ابن عباس وأبو جعفر وشيبة وعكرمة ومجاهد وإبان بن ثعلب ونافع وأبو بكر عن عاصم شركاً على المصدر وهو على حذف مضاف أي ذا شرك ويمكن أن يكون أطلق الشرك على الشريك كقوله: زيد عدل، قال الزمخشري: أو أحدثا لله إشراكاً في الولد انتهى، وقرأ الأخوان وابن كثير وأبو عمر وشراء على الجمع ويبعد نوجيه الآية أنها في آدم وحواء على هذه القراءة وتظهر باقي الأقوال عليها، وفي مصحف أبيّ ﴿فلما آتاهما صالحاً﴾ أشركا فيه، وقرأ السلمي ﴿عما تشركون﴾ بالتاء التفاتاً من الغيبة للخطاب وكان الضمير بالواو وانتقالاً من لتثنية للجمع وتقدم توجيه ضمير الجمع على من يعود.
стр. 1342
وهمأَيُشْرِكُونَ مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ عائد على معنى ما وقد عاد الضمير على لفظ ما في ﴿يخلق﴾ وعبّر عن الأصنام بقوله ﴿وهم﴾ كأنها تعقل على اعتقاد الكفار فيها وبحسب أسمائهم. وقيل أتى بضمير من يعقل لأنّ جملة من عبد الشياطين والملائكة وبعض بني آدم فغلب من يعقل كل مخلوق لله تعالى ويحتمل أن يكون ﴿وهم﴾ عائداً على ما عاد عليه ضمير الفاعل في ﴿أيشركون﴾ أي وهؤلاء المشركون يخلقون أي كان يجب أن يعتبروا بأنهم مخلوقون فيجعلوا إلاههم خالقهم لا من لا يخلق شيئاً. وقرأ السلمي أتشركون بالتاء من فوق فيظهر أن يكون ﴿وهم﴾ عائداً على ما على معناها ومن جعل ذلك في آدم وحواء قال: إنّ إبليس جاء إلى آدم وقد مات له ولد اسمه عبد الله فقال إن شئت أن يعيش لك الولد فسمّه عبد شمس فسماه كذلك فإياه عنى بقوله ﴿أتشركون ما لا يخلق شيئاً وهم يخلقون﴾ عائد على آدم وحوّاء والابن المسمى عبد شمس.
الظاهر أن الخطاب للكفار انتقل من الغيبة إلى الخطاب على سبيل الالتفات والتوبيخ على عبادة غير الله ويدلّ على أنّ الخطاب للكفار قوله بعد أنّ الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكموَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لاَ يَتَّبِعُوكُمْ سَوَآءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنتُمْ صَمِتُونَ * إِنَّ﴾ وضمير المفعول عائد على ما عادت عليه هذه الضمائر قبل وهو الأصنام.
عطفت الجملة الاسمية على الفعلية لأنها في معنى الفعلية والتقدير أم صمتم، وقال ابن عطية: وفي قوله ﴿أدعوتموهم أم أنتم﴾ عطف الاسم على الفعل إذ التقدير أم صمتم ومثل هذا قول الشاعر:
سواء عليك النفر أم بت ليلة
стр. 1343
بأهل القباب من نمير بن عامر انتهى. وليس من عطف الاسم على الفعل إنما هو من عطف الجملة الإسمية على الجملة الفعلية وأما البيت فليس من عطف الاسم على الفعل بل من عطف الجملة الفعلية على الاسم المقدّر بالجملة الفعلية إذ أصل التركيب سواء عليك أنفرت أم بت ليلة فأوقع النفر موقع أنفرت وكانت الجملة الثانية إسمية لمراعاة رؤوس الآي ولأنّ الفعل يشعر بالحدوث واسم الفاعل يشعر بالثبوت والاستمرار.
هذه الجملة على سبيل التوكيد لما قبلها في انتفاء كون هذه الأصنام قادرة على شيء من نفع أو ضرّ.
وقرأ ابن جبير إنإِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ﴾ خفيفة و ﴿عباداً أمثالكم﴾ بنصب الدال واللام واتفق المفسرون على تخريج هذه القراءة على أنّ إن هي النافية أعملت عمل ما الحجازية فرفعت الاسم ونصبت الخبر فعباداً أمثالكم خبر منصوب.
стр. 1344
وإعمال ﴿إن﴾ إعمال ما الحجازية فيه خلاف أجاز ذلك الكسائي وأكثر الكوفيين ومن البصريين ابن السّراج والفارسي وابن جني ومنع من إعماله الفرّاء وأكثر البصريين واختلف النقل عن سيبويه والمبرّد والصحيح أن إعمالها لغة ثبت ذلك في النثر والنظم وقد ذكرنا ذلك مشبعاً في شرح التسهيل وقال النحاس: هذه قراءة لا ينبغي أن يقرأ بها الثلاث جهات إحداها أنها مخالفة للسواد والثانية أن سيبويه يختار الرفع في خبر أن إذا كانت بمعنى ما فيقول: إن زيد منطلق لأن عمل ما ضعيف وإن بمعناها فهي أضعف منها والثالثة أن الكسائي رأى أنها في كلام العرب لا تكون بمعنى ما إلا أن يكون بعدها إيجاب انتهى وكلام النحاس هذا هو الذي لا ينبغي لأنها قراءة مروية عن تابعيّ جليل ولها وجه في العربية وأما الثلاث جهات التي ذكرها فلا يقدح شيء منها في هذه القراءة أما كونها مخالفة للسواد فهو خلاف يسير جدًّا لا يضرّ ولعله كتب المنصوب على لغة ربيعة في الوقف على المنون المنصوب بغير ألف فلا تكون فيه مخالفة للسواد وأما ما حكي عن سيبويه فقد اختلف الفهم في كلام سيبويه في ﴿أنّ﴾ وأما ما حكاه عن الكسائي فالنقل عن الكسائي أنه حكى إعمالها وليس بعدها إيجاب والذي يظهر لي أن هذا التخريج الذي خرجوه من أن إن للنفي ليس بصحيح لأن قراءة الجمهور تدل على إثبات كون الأصنام عباداً أمثال عابديها وهذا التخريج يدل على نفي ذلك فيؤدي إلى عدم مطابقة أحد الخبرين الآخر وهو لا يجوز بالنسبة إلى الله تعالى، وقد خرجت هذه القراءة في شرح التسهيل على وجه غير ما ذكروه وهو أن إن هي المخففة من الثقيلة وأعملها عمل المشددة وقد ثبت أن إن المخففة يجوز إعمالها عمل المشدّدة في غير المضمر بالقراءة المتواترة وأن كلا لما وبنقل سيبويه عن العرب لكنه نصب في هذه القراءة خبرها نصب عمر بن أبي ربيعة المخزومي في قوله:
إذا اسود جنح الليل فلتأتِ ولتكن
стр. 1345
خطاك خفافاً إن حرّاسنا أسدا وقد ذهب جماعة من النحاة إلى جواز نصب أخبار إنّ وأخواتها واستدلوا على ذلك بشواهد ظاهرة الدلالة على صحة مذهبهم وتأولها المخالفون، فهذه القراءة الشاذة تتخرّج على هذه اللغة أو تتأوّل على تأويل المخالفين لأهل هذا المذهب وهو أنهم تأولوا المنصوب على إضمار فعل كما قالوا في قوله:
يا ليت أيام الصّبا واجعا
إن تقديره أقبلت رواجعا فكذلك تؤول هذه القراءة على إضمار فعل تقديره ﴿أن الذين تدعون من دون الله﴾ تدعون عباداً أمثالكم، وتكون القراءتان قد توافقتا على معنى واحد وهو الإخبار أنهم عباد، ولا يكون تفاوت بينهما وتخالف لا يجوز في حقّ الله تعالى وقرىء أيضاً إن مخففة ونصب عباداً على أنه حال من الضمير المحذوف العائد من الصلة على الذين وأمثالكم بالرفع على الخبر ﴿أي أن الذين تدعونهم من دون الله﴾ في حال كونهم عباداً أمثالكم في الخلق أو في الملك فلا يمكن أن يكونوا آلهة.
﴿
هذا استفهام إنكار وتعجيب وتبيين أنهم جماد لا حراك لهم وأنهم فاقدون لهذه الأعضاء ومنافعها التي خلقت لأجلها.
وأمأَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَآ أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَآ أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَآ أَمْ لَهُمْءَاذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا﴾ هنا منقطعة فتقدر ببل والهمزة وهو إضراب على معنى الانتقال لا على معنى الأبطال وإنما هو تقدير على نفي كلّ واحدة من هذه الجمل وكان ترتيب هذه الجمل هكذا لأنه بدىء بالأهم ثم اتبع بما هو دونه إلى آخرها.
وولا يستطيعونلاَ يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلاَ أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ﴾ معطوف على قوله ﴿ما لا يخلق﴾ وهو في حيّز الإنكار والتقريع والتوبيخ على إشراكهم.
стр. 1346
تناسق الضمائر يقتضي أن الضمير المنصوب في وإن تدعوهم هو للأصنام ونفي عنهم السماع لأنها جماد لا تحسّ وأثبت لهم النظر على سبيل المجاز بمعنى أنهم صوّروهم ذوي أعين فهم يشبهون من ينظر ومن قلب حدقته للنظر ثم نفى عنهم الإبصار كقوله يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئاًوَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لاَ يَسْمَعُواْ وَتَرَاهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ﴾ ومعنى إليك أيها الداعي وأفرد لأنه اقتطع قوله: ﴿وتراهم ينظرون إليك﴾ من جملة الشرط.
وذهب بعض المعتزلة إلى الاحتجاج بهذه الآية على أن العباد ينظرون إلى ربهم ولا يرونه ولا حجة لهم في الآية لأنّ النظر في الأصنام مجاز محض وجعل الضمير للأصنام اختاره الطبري.
وقال مجاهد والحسن والسدّي: الضمير المنصوب ﴿في تدعوهم﴾ يعود على الكفار.
وقرأ الجمهور أن وليي اللَّهإِنَّ وَلِيِّىَ اللَّهُ الَّذِى نَزَّلَ الْكِتَبَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّلِحِينَ﴾ بياء مشددة وهي ياء فعيل أدغمت في لام الكلمة وبياء المتكلم بعدها مفتوحة، وقرأ أبو عمرو في رواية عنه بياء واحدة مشددة مفتوحة ورفع الجلالة، قال أبو علي لا يخلو من أن يدغم الياء التي هي لام الفعل في ياء الإضافة وهو لا يجوز لأنه ينفك الإدغام الأول أو تدغم ياء فعيل في ياء الإضافة، ويحذف لام الفعل فليس إلا هذا انتهى ويمكن تخريج هذه القراءة على وجه آخر وهو أن لا يكون ولي مضافاً إلى ياء متكلم بل هو اسم نكرة اسم ﴿إن﴾ والخبر ﴿للَّه﴾ وحذف من وليّ التنوين لالتقاء الساكنين كما حذف من قوله ﴿قل هو اللَّه أحد اللَّه﴾ وقوله: ﴿ولا ذاكر اللَّه إلا قليلاً﴾ والتقدير إنّ وليا حق وليّ اللَّه الذي نزل الكتاب وجعل اسم ﴿إن﴾ نكرة والخبر معرفة في فصيح الكلام. قال الشاعر:
وإن حراماً أن أسب مجاشعاً
стр. 1347
بآبائي الشمّ الكرام الخضارم وهذا توجيه لهذه القراءة سهل واختلف النقل عن الجحدري فنقل عنه صاحب كتاب اللوامع في شواذ القراءات أن وليّ بياء مكسورة مشدّدة وحذفت ياء المتكلم لما سكنت التقى ساكنان فحذفت، كما تقول: إن صاحبي الرجل الذي تعلم، ونقل عنه أبو عمرو الداني إنّ ولي الله بياء واحدة منصوبة مضافة إلى الله وذكرها الأخفش وأبو حاتم غير منصوبة وضعفها أبو حاتم وخرّج الأخفش وغيره هذه القراءة على أن يكون المراد جبريل، قال الأخفش: فيصير ﴿الذي نزل الكتاب﴾ من صفة جبريل بدلالة ﴿قل نزله روح القدس﴾ ، وفي قراءة العامة من صفة الله تعالى انتهى، يعني أن يكون خبر ﴿إن﴾ هو قوله ﴿الذي نزل الكتاب﴾ ، قال الأخفش: فأما و ﴿هو يتولى الصالحين﴾ فلا يكون إلا من الأخبار عن الله تعالى وتفسير هذه القراءة بأن المراد بها جبريل وإن احتملها لفظ الآية لا يناسب ما قبل هذه الآية ولا ما بعدها ويحتمل وجهين من الإعراب ولا يكون المعنى جبريل أحدهما أن يكون ﴿ولي اللَّه﴾ اسم ﴿إن﴾ والذي نزل الكتاب هو الخبر على تقدير حذف الضمير العائد على الموصول، والموصول هو النبي ﷺ والتقدير أنّ ولي الله الشخص الذي نزل الكتاب عليه فحذف عليه وإن لم يكن فيه شرط جواز الحذف المقيس لكنه قد جاء نظيره في كلام العرب. قال الشاعر:
وإن لساني شهدة يشتفى بها
وهو على من صبه اللَّه علقم التقدير وهو على من صبه الله عليه علقم. وقال الآخر:
فأصبح من أسماء قيس كقابض
على الماء لا يدري بما هو قابض التقدير بما هو قابض عليه، وقال الآخر:
لعلّ الذي أصعدتني أن يردني
إلى الأرض إن لم يقدر الخير قادره يريد أصعدتني به. وقال الآخر:
فأبلغن خالد بن نضلة
والمرء معني بلوم من يثق يريد يثق به. وقال الآخر:
ومن حسد يجوز عليّ قومي
وأي الدّهر ذر لم يحسدوني يريد لم يحسدوني فيه. وقال الآخر:
فقلت لها لا والذي حج حاتم
стр. 1348
أخونك عهداً إنني غير خوّان قالوا يريد حج حاتم إليه فهذه نظائر من كلام العرب يمكن حمل هذه القراءة الشاذة عليها، والوجه الثاني أن يكون خبر ﴿إن﴾ محذوفاً لدلالة ما بعده عليه التقدير ﴿إن ولي اللَّه الذي نزل الكتاب﴾ من صالح أو الصالح، وحذف لدلالة وهو يتولى الصالحين عليه وحذف خبر إن وأخواتها لفهم المعنى جائز ومنه قوله تعالى: إن الذين كفروا بالذكر لما جاءهم وإنه لكتاب عزيز. الآية وقوله: إن الذين كفروا ويصدّون عن سبيل اللَّه والمسجد الحرام الآية وسيأتي تقدير حذف الخبر فيهما إن شاء الله.
﴿
أي من دون الله ويتعين عود الضمير في من دونه على الله وبذلك يضعف من فسر الذي نزل الكتابوَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلاَ أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ﴾ بجبريل.
وفاعل ينزعنك هو نزع على حدّ قولهم جد جده أو على إطلاق المصدر.
وانظر لحسن هذا البيان حيث جاء الكلام للرسول كان الشرط بلفظ إنوَإِمَّا يَنَزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَنِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْاْ إِذَا مَسَّهُمْ طَئِفٌ مِّنَ الشَّيْطَنِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ * وَإِخْوَنُهُمْ﴾ المحتملة للوقوع ولعدمه، وحيث كان الكلام للمتقين كان المجيء بإذا الموضوعة للتحقيق أو للترجيح، وعلى هذا فالنزغ يمكن أن يقع ويمكن أن لا يقع والمسّ واقع لا محالة أو يرجح وقوعه وهو إلصاق البشرة وهو هنا استعارة وفي تلك الجملة أمر هو صلى الله عليه وسلّمبالاستعاذة، وهنا جاءت الجملة خبريّة في ضمنها الشرط وجاء الخبر تذكروا.
و ﴿اتقوا﴾ قيل: عامّة في كل ما يتقى، وقيل: الشرك والمعاصي، وقيل: عقاب الله، وقرأ النحويان وابن كثير: طيف فاحتمل أن يكون مصدراً من طاف يطيف طيفاً أنشد أبو عبيدة:
أني ألمّ بك الخيال يطيف
стр. 1349
ومطابه لك ذكره وشغوف واحتمل أن يكون مخفّفاً من طيف كميت وميت أو كلين من لين لأنّ طاف المشددة يحتمل أن يكون من طاف يطيف ويحتمل أن يكون من طاف يطوف، وقرأ باقي السبعة ﴿طائف﴾ اسم فاعل من طاف، وقرأ ابن جبير طيف بالتشديد وهو فيعل وإلى أن الطيف مصدر مال الفارسي جعل الطيف كالخطرة والطائف كالخاطر، وقال الكسائي: الطيف اللمم والطائف ما طاف حول الإنسان. قال ابن عطية: وكيف هذا؟ وقد قال الأعشى:
وتصبح عن غب السّرى وكأنها
ألمّ بها من طائف الجن أولق انتهى. ولا يتعجب من تفسير الكسائي الطائف بأنه ما طاف حول الإنسان بهذا البيت لأنه يصح فيه معنى ما قاله الكسائي لأنه إن كان تعجبه وإنكاره من حيث خصّص الإنسان والذي قاله الأعشى تشبيه لأنه قال كأنها وإن كان تعجّبه من حيث فسّر بأنه ما طاف حول الإنسان، فطائف الجن يصك أن يقال طاف حول الإنسان وشبه هو الناقة في سرعتها ونشاطها وقطعها الفيافي عجلة بحالتها إذا ألمّ بها أولق من طائف الجنّ، وقال أبو زيد: طاف أقبل وأدبر يطوف طوفاً وطوافاً وأطاف استدار القوم وأتاهم من نواحيهم، وطاف الخيال ألمّ يطيف طيفاً وزعم السهيلي أنه لم يقل اسم فاعل من طاف الخيال قال: لأنه تخيل لا حقيقة وأما فطاف عليها طائف من ربك فلا يقال فيه طيف لأنه اسم فاعل حقيقة انتهى، وقال حسّان:
جنّيّة أرّقني طيفها
стр. 1350
تذهب صبحاً وتُرى في المنام الضمير في وإخوانهموَإِخْوَنُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِى الْغَىِّ ثُمَّ لاَ يُقْصِرُونَ﴾ عائد على الجاهلين أو على ما دل عليه قوله ﴿إن الذين اتقوا﴾ وهم غير المتقين لأن الشيء قد يدل على مقابله فيضمر ذلك المقابل لدلالة مقابله عليه وعنى بالإخوان على هذا التقدير الشياطين كأنه قيل: والشياطين الذين هم إخوان الجاهلين أو غير المتقين يمدّون الجاهلين أو غير المتقين في الغيّ قالوا وفي ﴿يمدّونهم﴾ ضمير الإخوان فيكون الخبر جارياً على من هو له والضمير المجرور والمنصوب للكفار وهذا قول قتادة، وقال ابن عطية: ويحتمل أن يعودا جميعاً على الشياطين ويكون المعنى وإخوان الشياطين في الغيّ بخلاف الأخوة في الله يمدون الشياطين أي بطاعتهم لهم وقبولهم منهم ولا يترتب هذا التأويل على أن يتعلق ﴿في الغيّ﴾ بالإمداد لأنّ الإنس لا يعودون الشياطين انتهى، ويمكن أن يتعلق ﴿في الغيّ﴾ على هذا التأويل بقوله ﴿يمدّونهم﴾ على أن تكون ﴿في﴾ للسببية أي ﴿يمدّونهم﴾ بسبب غوايتهم نحو دخلت امرأة النار في هرة أي بسبب هرة، ويحتمل أن يكون ﴿في الغيّ﴾ حالاً فيتعلق بمحذوف أي كائنين ومستقرين في الغيّ فيبقى ﴿في الغيّ﴾ في موضعه لا يكون منعلقاً بقوله ﴿وإخوانهم﴾ وقد جوز ذلك ابن عطية وعندي في ذلك نظر فلو قلت: مطعمك زيد لحماً تريد مطعمك لحماً زيد فتفصل بين المبتدأ ومعموله بالخبر لكان في جواز نظر لأنك فصلت بين العامل والمعمول بأجنبي لهما معاً وإن كان ليس أجنبياً لأحدهما الذي هو المبتدأ ويحتمل أن يختلف الضمير فيكون في ﴿وإخوانهم﴾ عائد على الشياطين الدالّ عليهم الشيطان أو على الشيطان نفسه باعتبار أنه يراد به الجنس نحو قوله: ﴿أولياؤهم الطاغوت﴾ المعنى الطواغيت ويكون في ﴿يمدّونهم﴾ عائد على الكفار والواو في ﴿يمدّونهم﴾ عائدة على الشياطين وإخوان الشياطين ﴿يمدّونهم﴾ الشياطين ويكون الخبر جرى على غير من هو له، لأن الإمداد مسند إلى
стр. 1351
الشياطين لا لإخوانهم وهذا نظير قوله:
قوم إذا الخيل جالوا في كواثيها
وهذا الاحتمال هو قول الجمهور وعليه فسّر الطبري، وقال الزمخشري: هو أوجه لأن ﴿إخوانهم﴾ في مقابلة ﴿الذين اتقوا﴾ ، وقرأ نافع ﴿يمدونهم﴾ مضارع أمدّ، وباقي السبعة ﴿يمدونهم﴾ من مدّ وتقدم الكلام على ذلك في قوله ﴿ويمدّهم في طغيانهم يعمهون﴾ ، وقرأ الجحدري يمادّونهم من مادّ على وزن فاعل، وقرأ الجمهور: ﴿لا يقصرون﴾ من أقصر أي كفّ. قال الشاعر:
لعمرك ما قلبي إلى أهله بحر
ولا مقصر يوماً فيأتيني بقر أي ولا هو نازع عما هو فيه.
أخبر عن المفرد بالجمع لاشتماله على سور وآيات، وقيل: هو على حذف مضاف أي ذو بصائر.
قال أبو عبد الله الرازي: أصل البصيرة الإبصار لما كان القرآن سبباً لبصائر العقول في دلالة التوحيد والنبوة والمعاد أطلق عليه اسم البصيرة تسميةً للسبب باسم المسبّب.k
قال جماعة منهم الزجاج: ليس المراد الصلاة ولا غيرها وإنما المراد بقوله فاستمعوا له وأنصتواهَذَا بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ اعملوا بما فيه ولا تجاوزوه، كقولك: سمع الله دعاءك أي أجابك، وقال الحسن: هي على عمومها ففي أي موضع قرىء القرآن وجب على كل حاضر استماعه والسكوت والخطاب في قوله ﴿فاستمعوا﴾ إن كان للكفار فترجى لهم الرحمة باستماعه والإصغاء إليه بأن كان سبباً لإيمانهم وإن كان للمؤمنين فرحمتهم هو ثوابهم على الاستماع والإنصات والعمل بمقتضاه، وإن كان للجميع فرحمة كلّ منهم على ما يناسبه ولعلّ باقية على بابها من توقع الترجي، وقيل: هي للتعليل.
стр. 1352
وانتصب تضرّعاً وخيفةوَاذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالأٌّصَالِ وَلاَ تَكُنْ مِّنَ الْغَفِلِينَ﴾ على أنهما مفعولان من أجلهما لأنهما يتسبب عنهما الذكر وهو التضرّع في اتصال الثواب والخوف من العقاب ويحتمل أن ينتصبا على أنهما مصدران في موضع الحال أي متضرعاً وخائفاً أو ذا تضرُّع وخيفة، وقرىء وخفية والظاهر أن قوله ﴿واذكر﴾ خطاب للرسول ﷺ وقيل: خطاب لكلّ ذاكر، وقال ابن عطية: خطاب له ويعمّ جميع أمته، والظاهر تعلّق الذكر بالرب تعالى لأنّ استحضار الذات المقدسة استحضار لجميع أوصافها، وقيل: هو على حذف مضاف أي واذكر نعم ربك في نفسك باستدامة الفكر حتى لا تنسى نعمه الموجبة لدوام الشكر، وفي لفظة ﴿ربك﴾ من التشريف بالخطاب والإشعار بالإحسان الصادر من المالك للملوك ما لا خفاء فيه ولم يأت التركيب واذكر الله ولا غيره من الأسماء وناسب أيضاً لفظ الرب قوله ﴿تضرعاً وخيفة﴾ لأنّ فيه التصريح بمقام العبودية والظاهر أن قوله «ودون الجهر من القول» حالة مغايرة لقوله ﴿في نفسك﴾ لعطفها عليها والعطف يقتضي التغاير.
قال قتادة: الغدوّ صلاة الصبح ﴿والآصال﴾ : صلاة العصر، وقيل: خصهما بالذكر لفضلهما، وقيل: المعنى جميع الأوقات وعبر بالطرفين المشعرين بالليل والنهار والغدوّ، قيل: جمع غدوة فعلى هذا تظهر المقابلة لاسم جنس بجمع ويكون المراد بالغدوات والعشايا وإن كان مصدر الغداء فالمراد بأوقات الغدوّ حتى يقابل زمان مجموع بزمان مجموع. وقرأ أبو مجلز لاحق بن حميد السدوسي البصري والإيصال جعله مصدراً لقولهم آصلت أي دخلت في وقت الأصيل فيكون قد قابل مصدراً بمصدر ويكون كأعصر أي دخل في العصر وهو العشي وأعتم أي دخل في العتمة.
стр. 1353
وتقديم المجرور يؤذن بالاختصاص أي لا يسجدون إلا له والذي يظهر أنه إنما قدم المجرور ليقع الفعل فاصلة فاخره لذلك ليناسب ما قبله من رؤوس الآي.
سورة الأنفال
خمس وسبعون آية مدنية
الشّوكة قال المبرد السلاح وأصله من الشوك النبت النبت الذي له خربشة السلاح به يقال رجل شاكي السلاح إذا كان حديد السّنان والنّصل وأصله شائك وهو اسم فاعل من الشوكة قال:
لديّ أسد شاكي السلاح مقذف
له لبد أظفاره لم تقلم وقال أبو عبيدة: الشاكي والشائك جميعاً ذو الشوكة وانجر في سلاحه ويوصف به السلاح كما يوصف به الرجل قال:
وألبس من رضاه في طريقي
سلاحاً يذهر الأبطال شاكا ويقال: رجل شاكٍ وسلاح شاكٍ وشاك فشاك أصله شوك نحو كبش صاف أي صوف وشاك إما محذوفة أو مقلوب وإيضاح هذا في علم النحو.
البنان الأصابع وهو اسم جنس واحده بنانة وقالوا فيه البنام بالميم بدل النون قال رؤبة:
يا سال ذات المنطق التمتام
وكفك المخضّب البنام وضمير الفاعل في يسألونك﴾ ليس عائداً على مذكور قبله إنما يفسّره وقعة بدر، فهو عائد على من حضرها من الصحابة وكان السائل معلوم معين ذلك اليوم فعاد الضمير عليه والخطاب للرسول صلى الله عليه وسلّموالسؤال قد يكون لاقتضاء معنى في نفس المسؤول فيتعدى إذ ذاك بعن كما قال:
سلي إن جهلت الناس عنا وعنهم
стр. 1354
وقال تعالى: ﴿يسألونك عن الساعة﴾ ﴿يسألونك عن الشهر الحرام﴾ وكذا هنا ﴿يسألونك عن الأنفال﴾ حكمها ولمن تكون ولذلك جاء الجواب ﴿قل الأنفال لله والرسول﴾ وقد يكون السؤال لاقتضاء مال ونحوه فيتعدى إذ ذاك لمفعولين تقول سألت زياداً مالاً وقد جعل بعض المفسرين السؤال هنا بهذا المعنى وادعى زيادة ﴿عن﴾ ، وأن التقدير يسألونك الأنفال، وهذا لا ضرورة تدعو إلى ذلك، وينبغي أن تحمل قراءة من قرأ بإسقاط عن على إرادتها لأن حذف الحرف، وهو مراد معنى، أسهل من زيادته لغير معنى غير التوكيد وهي قراءة سعد بن أبي وقاص وابن مسعود وعلي بن الحسين وولديه زيد ومحمد الباقر وولده جعفر الصادق وعكرمة وعطاء والضحاك وطلحة بن مصرف. وقيل ﴿عن﴾ بمعنى من أي يسألونك من الأنفال ولا ضرورة تدعو إلى تضمين الحرف معنى الحرف، وقرأ ابن محيصن علنفال نقل حركة الهمزة إلى لام التعريف وحذف الهمزة واعتدّ بالحركة المعارضة فأدغم نحو، وقد تبين لكم.
و ﴿ذات هنا نعت لمفعول محذوف أي وأصلحوا﴾ أحوالاً ﴿ذات﴾ افتراقكم لما كانت الأحوال ملابسةً للبين أُضيفت صفتها إليه كما تقول اسقني ذا إنائك أي ماء صاحب إنائك لما لابس الماء الإناء وصف بذا وأُضيف إلى الإناء والمعنى اسقني ما في الإناء من الماء.
وذكر الطبري عن بعضهم أنه قال ﴿ذات بينكم﴾ الحال التي بينكم كما ذات العشاء الساعة التي فيها العشاء ووجهه الطبري، وهو قول بين الانتقاض انتهى وتلخص أن البين يطلق على الفراق ويطلق على الوصل وهو قول الزجاج هنا قال ومثله ﴿لقد تقطّع بينُكم﴾ ويكون ظرفاً بمعنى وسط، ويحتمل ﴿ذات﴾ أن تضاف لكل واحد من هذه المعاني وإنما اخترنا في أنه بمعنى الفراق لأن استعماله فيه أشهر من استعماله في الوصل ولأن إضافة ذات إليه أكثر من إضافة ذات إلى بين الظرفية لأنها ليست كثيرة التصرف بل تصرّفها كتصرّف أمام وخلف وهو تصرّف متوسط ليس بكثير.
стр. 1355
قال: وجواب تلشرط في قوله المتقدم ﴿وأطيعوا﴾ هذا مذهب سيبويه ومذهب أبي العباس أن الجوابَ محذوف متخر يدلّ عليه المتقدم تقديره ﴿إن كنتم مؤمنين أطيعوا﴾ ومذهبه في هذا أن لا يتقدّم الجواب على الشرط انتهى. والذي مخالف لكلام النحاة فإنهم يقولون إن مذهب سيبويه أن الجواب محذوف وأن مذهب أبي العباس وأبي زيد الأنصاري والكوفيين جواز تقديم جواب الشرط عليه وهذا النقل هو الصحيح.
ويحتمل أن يكون ذكر اللهإِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْءَايَتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ على حذف مضاف أي ذكرت عظمة الله وقدرته وما خوف به من عصاه قاله الزجاج.
الظاهر أن قوله ﴿وعلى ربهم يتوكلون﴾ داخل في صلة ﴿الذين﴾ كما قلنا قبل، وقيل هو مستأنف.
الأحسن أن يكون الذينالَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَوةَ وَمِمَّا رَزَقْنَهُمْ يُنفِقُونَ﴾ صفة للذين السابقة حتى تدخل في حيّز الجزئية فيكون ذلك إخباراً عن المؤمنين بثلاث الصكفة القلبية وعنهم بالصفة البدنية والصفة المالية وجمع أفعال القلوب لأنها أشرف وجمع في أفعال الجوارح بين الصلاة والصدقة لأنهما عموداً أفعال وأجاز الحوفي والبريزي أن يكون ﴿الذين﴾ بدلاً من ﴿الذين﴾ وأن يكون خبر مبتدأ محذوف.
قال ابن عطيّة حقًّاأُوْلئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً﴾ مصدر مؤكد كذا نص عليه سيبويه وهو المصدر غير المنتقل والعامل فيه أحقّ ذلك حقاً انتهى، ومعنى ذلك أنه تأكيد لما تضمنته الجملة من الإسناد الخبري وأنه لا مجاز في ذلك الإسناد. وقال الزمخشري ﴿حقاً﴾ صفة للمصدر المحذوف أي ﴿أولئك هم المؤمنون﴾ إيماناً حقًّا وهو مصدر مؤكد للجملة التي هي أولئك هم المؤمنون كقوله هو عبد الله حقاً أي حقّ ذلك حقاً.
стр. 1356
وأبعد من زعم أن الكلام ثم عند قوله ﴿أولئك هم المؤمنون﴾ وأنّ ﴿حقاً﴾ متعلق بما بعده أي ﴿حقاً لهم درجات﴾ وهذا لأنّ انتصابَ ﴿حقاً﴾ على هذا التقدير يكون عن تمام جملة الابتداء بمكان التأخير عنها لأنه مصدر مؤكد لمضمون الجملة فلا يجوز تقديمه وقد أجازه بعضهم وهو ضعيف.
وكريملَّهُمْ دَرَجَتٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ صفة تقتضي رفع المقام كقوله ثوب كريم وحسب كريم.
اختلفوا على خمسة عشر قولاً. أحدها أن الكاف بمعنى واو القسم واو القسم وما بمعنى الذي واقعة على ذي العلم وهو الله كما وقعت في قوله وما خلق الذكر والأنثىكَمَآ أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَِّرِهُونَ * يُجَدِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنظُرُونَ﴾ وجواب القسم ﴿يجادلونك﴾ ، والتقدير والله الذي أخرجك من بيتك يجادلونك في الحق قاله أبو عبيدة وكان ضعيفاً في علم النحو، وقال الكرماني هذا سهو، وقال ابن الأنباري الكاف ليست من حروف القسم انتهى. وفيه أيضاً أن جواب القسم بالمضارع المثبت جاء بغير لام ولا نون توكيد ولا بدّ منهما في مثل هذا على مذهب البصريين أو من معاقبة أحدهما الآخر على مذهب الكوفيين، أما خلوّه عنهما أو أحدهما فهو قول مخالف لما أجمع عليه الكوفيون والبصريون.
القول الثاني أن الكاف بمعنى إذ وما زائدة تقديره أذكر إذ أخرجك وهذا ضعيف لأنه لم يثبت أن الكاف تكون بمعنى إذ في لسان العرب ولم يثبت أن ما تزاد بعد هذا غير الشرطيّة وكذلك لا تزاد ما ادعى أنه بمعناها، القول الثالث الكاف بمعنى على وما بمعنى الذي تقديره امض على الذي أخرجك ربك من بيتك وهذا ضعيف لأنه لم يثبت أنّ الكاف تكون بمعنى على ولأنه يحتاج الموصول إلى عائد وهو لا يجوز أن يحذف في مثل هذا التركيب.
стр. 1357
القول الرابع قال عكرمة: التقدير ﴿وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين﴾ كما أخرجك في الطاعة خير لكم كما كان إخراجك خيراً لهم، القول الخامس قال الكسائي وغيره كما أخرجك ربك من بيتك على كراهة من فريق منهم كذلك يجادلونك في قتال كفار مكة ويودّون غير ذات الشوكة من بعدما تبين لهم أنك إنما تفعل ما أمرت به لا ما يريدون، قال ابن عطية والتقدير على هذا التأويل ﴿يجادلونك﴾ في الحق مجادلةً لكراهتهم إخراج ربك إياك من بيتك فالمجادلة على هذا التأويل بمثابة الكراهة وكذا وقع التشبيه في المعنى وقائل هذا المقالة يقول إنّ المجادلين هم المشركون.
القول السادس قال الفراء: التقدير امض لأمرك في الغنائم ونفل من شئت إن كرهوا كما أخرجك ربك انتهى. قال ابن عطية: والعبارة بقوله إمضِ لأمرك ونفل من شئت غير محرّرة وتحرير هذا المعنى عندي أن يقال هذه الكاف شبهت هذه القصة التي هي إخراجه من بيته بالقصة المتقدمة التي هي سالهم عن الأنفال كأنهم سألوا عن النفل وتشاجروا فأخرج الله ذلك عنهم فكانت هذه الخيرة كما كرهوا في هذه القصة انبعاث النبي صلى الله عليه وسلّمبإخراجه الله من بيته فكانت في ذلك الخيرة وتشاجرهم في النفل بمثابة كراهيتهم ههنا الخروج، وحكم الله في النفل بأنه لله والرسول فهو بمثابة إخراجه نبيه صلى الله عليه وسلّممن بيته ثم كانت الخيرة في القصتين مما صنع الله وعلى هذا التأويل يمكن أن يكون قوله ﴿يجادلونك﴾ كلاماً مستأنفاً يراد به الكفار أي يجادلونك في شريعة الإسلام من بعدما تبين الحقّ فيها كأنما يساقون إلى الموت في الدعاء إلى الإيمان وهذا الذي ذكرت من أن يجادلونك في الكفار منصوص، قال ابن عطية: فهذان قولان مطردان يتم بهما المعنى ويحسن وصف اللفظ انتهى. ونعني بالقولين قول الفراء وقول الكسائي وقد كثر الكلام في هاتين المقالتين ولا يظهران ولا يلتئمان من حيث دلالة العاطف.
стр. 1358
القول السابع قال الأخفش: الكاف نعت لحقاً والتقدير هم المؤمنون حقًّا كما أخرجك، قال ابن عطية والمعنى على هذا التأويل كما زاد لا يتناسق.
القول الثامن أن الكاف في موضع رفع والتقدير ﴿كما أخرجك ربك﴾ فاتقوا الله كأنه ابتداء وخبر. قال ابن عطية: وهذا المعنى وضعه هذا المفسر وليس من ألفاظ الآية في ورد ولا صدر.
القول التاسع قال الزجاج الكاف في موضع نصب والتقدير الأنفال ثابتة لله ثباتاً كما أخرجك ربك وهذا الفعل أخذه الزمخشري وحسنه. فقال ينتصب على أنه صفة مصدر للفعل المقدّر في قوله ﴿الأنفال لله والرسول﴾ أي الأنفال استقرت لله والرسول وثبتت مع كراهتهم ثباتاً مثل ثبات إخراج ربك إياك من بيتك وهم كارهون انتهى، وهذا فيه بعد لكثرة الفصل بين المشبّه والمشبّه به ولا يظهر كبير معنى لتشبيه هذا بهذا بل لو كانا متقاربين لم يظهر للتشبيه كبير فائدة.
القول العاشر أن الكاف في موضع رفع والتقدير ﴿لهم درجات عند ربهم ومغفرة ورزق كريم﴾ هذا وعد حقّ ﴿كما أخرجك﴾ وهذا في حذف مبتدأ وخبر ولو صرّح بذلك لم يلتئم التشبيه ولم يحسن.
القول الحادي عشر أنّ الكاف في موضع رفع أيضاً والمعنى ﴿وأصلحوا ذات بينكم﴾ ذلكم خير لكم ﴿كما أخرجك﴾ فالكاف نعت لخبر ابتدأ محذوف وهذا أيضاً فيه حذف وطول فصل بين قوله ﴿وأصلحوا﴾ وبين ﴿كما أخرجك﴾ .
стр. 1359
القول الثاني عشر أنه شبه كراهية أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلّمبخروجه من المدينة حين تحققوا خروج قريش للدفع عن أبي سفيان وحفظ غيره بكراهيتهم نزع الغنائم من أيديهم وجعلها للرسول أو التنفيل منها وهذا القول أخذه الزمخشري وحسّنه فقال: يرتفع محلّ الكاف على أنه خبر مبتدأ محذوف تقديره هذا الحال كحال إخراجك يعني أنّ حالهم في كراهة ما رأيت من تنفيل القراءة مثل حالهم في كراهة خروجهم للحرب وهذا النهي قاله هذا القائل وحسّنه الزمخشري هو ما فسر به ابن عطية قول الفراء بقوله هذه الكاف شبهت هذه القصة التي هي إخراجه من بيته بالقصة المتقدمة التي هي سؤالهم عن الأنفال إلى آخر كلامه.
القول الثالث عشر أن المعنى قسمتك للغنائم حق كما كان خروجك حقاً.
القول الرابع عشر أنّ التشبيه وقع بين إخراجين أي إخراجك ربك إياك من بيتك وهو مكة وأنت كاره لخروجك وكانت عاقبة ذلك الخير والنصر والظفر كإخراج ربك إياك من المدينة وبعض المؤمنين كاره يكون عقيب ذلك الظفر والنصر.
القول الخامس عشر الكاف للتشبيه على سبيل المجاز كقول القائل لعبده كما وجهتك إلى أعدائي فاستضعفوك وسألت مدداً فأمددتك وقويْتُك وأزحت عللك فخذْهم الآن فعاقبهم بكذا وكم كسوتك وأجريت عليك الرزق فاعمل كذا وكما أحسنت إليك ما شكرتني عليه فتقدير الآية ﴿كما أخرجك ربّك من بيتك بالحق﴾ وغشاكم النعاس أمنه منه يعني به إياه ومن معه وأنزل من السماء ماء ليطهركم به وأنزل عليكم من السماء ملائكة مردفين فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كلّ بنان كأنه يقول قد أزحت عللكم وأمددتكم بالملائكة فاضربوا منهم هذه المواضع وهو القتل لتبلغوا مراد الله في إحقاق الحق وإبطال الباطل، وملخّص هذا القول الطويل أن ﴿كما أخرجك﴾ يتعلق بقوله ﴿فاضربوا﴾ وفيه من الفصل والبعد ما لا خفاء به وقد انتهى ذكر هذه الأقوال الخمسة عشر التي وقفنا عليها.
стр. 1360
ثم قلت له ظهر لي الساعة تخريجه وإن ذلك المحذوف هو نصرك واستحسنت أنا وذلك الرجل هذا التخريج ثم انتبهت من النوم وأنا أذكره، والتقدير فكأنه قيل ﴿كما أخرجك ربك من بيتك بالحق﴾ أي بسبب إظهار دين الله وإعزاز شريعته وقد كرهوا خروجك تهيباً للقتال وخوفاً من الموت إذ كان أمر النبي صلى الله عليه وسلّملخروجهم بغتة ولم يكونوا مستعدين للخروج وجادلوك في الحق بعد وضوحه نصرك الله وأمدّك بملائكته ودلّ على هذا المحذوف الكلام الذي بعده وهو قوله تعالى ﴿إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم﴾ الآيات، ويظهر أن الكاف في هذا التخريج المنامي ليست لمحض التشبيه بل فيها معنى التعليل، ود نص النحويون على أنها قد تحدث فيها معنى التعليل وخرجوا عليه قوله تعالى: ﴿واذكروه كما هداكم﴾ وأنشدوا:
لا تشتم الناس كما لا تشتم
أي لانتفاء أن يشتمك الناس لا تشتمهم ومن الكلام الشائع على هذا المعنى كما تطيع الله يدخلك الجنة أي لأجل طاعتك الله يدخلك الجنة.
«والواو في ﴿وإن فريقاً﴾ واو الحال» «مقعول» ﴿لكارهون﴾ هو الخروج.
والظاهر أن ضمير الرفع في ﴿يجادلونك﴾ عائد على فريق المؤمنين الكارهين وجدالهم قولهم ما كان خروجنا إلا للعير ولو عرفنا لاستعددنا للقتال والحق هنا نصرة دين الإسلام، وقيل الضمير يعود على المشركين وجدالهم في الحق هو في شريعة الإسلام.
стр. 1361
وقرأ مسلمة بن محارب بعدكموَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَن يُحِقَّ الحَقَّ بِكَلِمَتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَفِرِينَ * لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ * إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلَئِكَةِ مُرْدِفِينَ * وَمَا﴾ بسكون الدال لتوالي الحركات وابن محيصن ﴿الله إحدى﴾ بإسقاط همزة ﴿إحدى﴾ على غير قياس، وعنه أيضاً أحد على التذكير إذ تأنيث الطائفة مجاز، وأدغم أبو عمرو ﴿الشوكة تكون﴾ ، وقرأ مسلم بن محارب بكلمته على التوحيد وحكاها ابن عطية عن شيبة وأبي جعفر ونافع بخلاف عنهم وأطلق المفر مراداً به الجمع للعلم به أو أريد به كلمة تكوين الأشياء وهو كن.
و ﴿الباطل﴾ إبليس وتتعلق هذه اللام بمحذوف تقديره ليحقّ الحقّ ﴿ويبطل الباطل﴾ فعل ذلك.
وتقدير ما تعلّق به متأخراً أحسن. قال الزمخشري ويجب أن يقدر المحذوف متأخراً حتى يفيد معنى الاختصاص وينطبق عليه المعنى انتهى، وذلك على مذهبه في أنّ تقديم المفعول والمجرور يدل على الاختصاص والحصر وذلك عندنا لا يدل على ذلك إنما يدلّ على الاعتناء والاهتمام بما قدّم لا على تخصيص ولا حصر وتقدم الكلام معه في ذلك؛ وقيل يتعلق ﴿ليحق﴾ بقوله ﴿ويقطع﴾ ؛ وقال ابن عطية ﴿ولو كره﴾ أي وكراهتكم واقعة فهي جملة في موضع الحال انتهى، وقد تقدم لنا الكلام معه في ذلك وأن التحقيق فيه أن الواو للعطف على محذوف ذلك المحذوف في موضع الحال والمعطوف على الحال حال ومثّلنا ذلك بقوله أعطوا السائل ولو جاء على فرس على كل حال ولو على هذه الحالة التي تنافي الصدقة على السائل.
стр. 1362
والظاهر أنه خطاب لمن خوطب بقوله وإذ يعدكم وتودّونإِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلَئِكَةِ مُرْدِفِينَ * وَمَا﴾ وأن الخطاب في قوله كما ﴿أخرجك ويجادلونك﴾ هو خطاب للرسول ولذلك أفرد فالخطابان مختلفان، وقيل المستغيث هو النبي ﷺ
﴿وإذ﴾ بدل من ﴿إذ يعدكم﴾ قاله الزمخشري وابن عطية وكان قد قدم أن العامل في ﴿إذ يعدكم اذكر﴾ ، وقال الطبري هي متعلقة بيحق ﴿ويبطل﴾ وأجاز هو والحوفي أن تكون منصوبة بيعدكم وأجاز الحوفي أن تكون مستأنفة على إضمار واذكروا وأجاز أبو البقاء أن تكون ظرفاً لتودون واستغاث يتعدى بنفسه كما هو في الآية ويتعدى بحرف جر كما جاء في لفظ سيبويه في باب الاستغاثة، وفي باب ابن مالك في النحو المستغاث ولا يقول المستغاث به وكأنه لما رآه في القرآن تعدّى بنفسه قال المستغاث ولم يعده بالباء كما عداه سيبويه والنحويون وزعم أن كلام العرب بخلاف ذلك وكلامه مسموع من كلام العرب فما جاء معدى بالباء قول الشاعر:
حتى استغاث بماء لا رشاء له
من الأباطح في حاجاته البرك
مكلّل بأصول النبت تنسجه
ريح حريق لضاحي مائه حبك
كما استغاث بشيء قبر عنطلة
خاف العيون ولم ينظر به الحشك وقرأ الجمهور ﴿أني﴾ بفتح أي بأني وعيسى بن عمر ورواها عن أبي عمرو وإني بكسرها على إضمار القول على مذهب البصريين أو على الحكاية باستجاب لإجرائه مجرى الفعل إذ سوى في معناه وتقدم الكلام في شرح استجاب. وقرأ الجمهور ﴿بألف﴾ على التوحيد والجحدري بآلف على وزن أفلس وعنه وعن السدّي بالآلف والجمع بين الأفراد والجمع أن يحمل الأفراد على من قاتل منهم أو على الوجوه الذين من سواهم اتباع لهم.
стр. 1363
والظاهر أن قراءة من قرأ ﴿مردفين﴾ بسكون الراء وفتح الدال أنه صفة لقوله ﴿بألف﴾ أي أردف بعضهم لبعض؛ قال ابن عطية: ويحتمل أن يراد بالمردفين المؤمنين أي أردفوا بالملائكة فمردفين على هذا حال من الضمير.
وملّخصه أنّ اتّبع مشدداً يتعدى إلى واحد واتبع مخففاً يتعدى إلى اثنين وأردف أتى بمعناهما والمفعول لاتبع محذوف والمفعولان لاتبع محذوفان فيقدر ما يصح به المعنى وقوله أو متبعين إياهم المؤمنين هذا ليس من مواضع فصل الضمير بل مما يتصل وتحذف له النون لا يقال هؤلاء كاسون إياك ثوباً بل يقال كاسوك فتصحيحه أن يقول أو بمعنى متبعيهم المؤمنين أو يقول أو بمعنى متبعين أنفسهم المؤمنين.
تقدم تفسير نظير هذه الآية والمعنى إلا بشرىوَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلاَّ بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ لكم واثبت في آل عمران لأنّ القصة فيها مسهبة وهنا موجزة فناسب هنا الحذف وهنا قدم وأخر هناك على سبيل التفنن والاتساع في الكلام وهنا جاء ﴿أنّ الله عزيز حكيم﴾ مراعاة لأواخر الآي وهناك ليست آخر آية لتعلق يقطع بما قبله فناسب أن يأتي ﴿العزيز الحكيم﴾ على سبيل الصفة وكلاهما مشعر بالعلية كما تقول أكرم زيداً العالم وأكرم زبداً أنه عالم والضمير في ﴿وما جعله﴾ عائد على الإمداد المنسبك من ﴿أني ممدكم﴾ أو على المدد أو على الوعد الدال عليه يعدكم إحدى الطائفتين أو على الألف أو على الاستجابة أو على الإرداف أو على الخبر بالإمداد أو على جبريل أقوال محتملة مقولة أظهرها الأول ولم يذكر الزمخشري غيره.
стр. 1364
قال الزمخشري بدل ثان من إذ يعدكمإِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّن السَّمَآءِ مَآءً لِّيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَنِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأٌّقْدَامَ﴾ أو منصوب بالنصر أو بما في ﴿عند الله﴾ من معنى الفعل أو بما جعله الله أو بإضمار اذكر انتهى. أما كونه بدلاً ثانياً من ﴿إذ يعدكم﴾ فوافقه عليه ابن عطية فإنّ العامل في إذ هو العامل في قوله ﴿وإذ يعدكم﴾ بتقدير تكراره لأنّ الاشتراك في العامل الأول نفسه لا يكون إلا بحرف عطف.
стр. 1365
وأما كونه منصوباً بالنصر ففيه ضعف من وجوه: أحدها أنه مصدر فيه أل وفي إعماله خلاف ذهب الكوفيون إلى أنه لا يجوز إعماله، الثاني أنه موصول وقد فصل بينه وبين معموله بالخبر الذي هو ﴿إلا من عند الله﴾ وذلك إعمال لا يجوز لا يقال ضرب زيد شديد عمراً، الثالث أنه يلزم من ذلك إعمال ما قبل ﴿إلا﴾ في ما بعدها من غير أن يكون ذلك المفعول مستثنى أو مستنثى منه أو صفة له وإذ ليس واحداً من هذه الثلاثة فلا يجوز ما قام إلا زيد يوم الجمعة وقد أجاز ذلك الكسائي والأخفش، وأما كونه منصوباً بما في ﴿عند الله﴾ من معنى الفعل فيضعفه المعنى لأنه يصير استقرار النصر مقيداً بالظرف والنصر من عند الله مطلقاً في وقت غشي النعاس وغيره وأما كونه منصوباً بما جعله الله فقد سبقه إليه الحوفيّ وهو ضعيف أيضاً لطول الفصل ولكونه معمول ما قبل ﴿إلا﴾ وليس أحد تلك الثلاثة، وقال الطبري العامل في ﴿إذ﴾ قوله ﴿ولتطمئن﴾ . قال ابن عطية: وهذا مع احتماله فيه ضعف، وقال أبو البقاء: ويجوز أن يكون ظرفاً لما دلّ عليه ﴿عزيز حكيم﴾ وقد سبقه إلى قريب من هذا ابن عطية فقال: ولو جعل العامل في ﴿إذ﴾ شيئاً فرنها بما قبلها لكان الأولى في ذلك أن يعمل في ﴿إذ حكيم﴾ لأن إلقاء النعاس عليهم وجعله أمة حكمة من الله انتهى، والأجود من هذه الأقوال أن يكون بدلاً.
стр. 1366
وقرأ مجاهد وابن محيصن وأبو عمرو وابن كثير ﴿يغشاكم النعاس﴾ مضارع غشى و ﴿النعاس﴾ رفع به، وقرأ الأعرج وابن نصاح وأبو حفص ونافع يغشيكم مضارع أغشى، وقرأ عروة بن الزبير ومجاهد والحسن وعكرمة وأبو رجاء وابن عامر والكوفيون يغشيكم مضارع غشى و ﴿النعاس﴾ في هاتين القراءتين منصوب والفاعل ضمير الله وناسبت قراءة نافع قوله ﴿يغشى طائفة منكم﴾ وقراءة الباقين وينزل حيث لم يختلف الفاعل ومعنى يغشيكم يعطيكم به وهو استعارة جعل ما غلب عليهم من النعاس غشياناً لهم، وتقدم شرح ﴿النعاس وأمنة﴾ في آل عمران والضمير في ﴿منه﴾ عائد على الله وانتصب ﴿أمنة﴾ ، قيل على المصدر أي فأمنتم أمنة والأظهر أنه انتصب على أنه مفعول له في قراءة يغشيكم لاتحاد الفاعل لأنّ المغشى والمؤمن هو الله تعالى، وأما على قراءة ﴿يغشاكم﴾ فالفاعل مختلف إذ فاعل ﴿يغشاكم﴾ هو ﴿النعاس﴾ والمؤمن هو الله وفي جواز مجيء المفعول له مع اختلاف الفاعل خلاف، وقال الزمخشري، (فإن قلت) : أما وجب أن يكون فاعل الفعل المعلل والعلة واحداً، قلت بلى ولكن لما كان معنى ﴿يغشاكم النعاس﴾ تتغشون انتصب ﴿أمنة﴾ على أن النعاس والأمنة لهم والمعنى إذ تتغشون أمنة بمعنى أمنا أي لأمنكم و ﴿منه﴾ صفة لها أي ﴿أمنة﴾ حاصلة لكم من الله تعالى، (فإن قلت) : هل يجوز أن ينتصب على أن الأمنة للنعاس الذي هو ﴿يغشاكم﴾ أي يغشاكم النعاس لأمنه على أنّ إسناد الأمن إلى النعاس إسناد مجازي وهو لأصحاب النعاس على الحقيقة أو على أنه إمامكم في وقته كان من حق النعاس في ذلك الوقت المخوف أن لا يقدم على غثيابنكم وإنما غشاكم أمنة حاصلة من الله تعالى لولاها لم يغشاكم على طريقة التمثيل والتخييل، (قلتلله: لا تتعدى فصاحة القرآن عن احتماله وله فيه نظائر ولقد ألمّ به من قال:
يهاب النوم أن يغشى عيوناً
стр. 1367
تهابك فهو نفار شرود وقرأ طلحة ﴿وينزّل﴾ بالتشديد، وقرأ الجمهور ماء بالمد، وقرأ الشعبي ما بغير همز، حكاه ابن جنّي، صاحب اللوامح في شواذ القراءات، وخرّجاه على أنّ ما بمعنى الذي، قال صاحب اللوامح: وصلته حرف الجر الذي هو ﴿ليطهركم﴾ والعائد عليه هو ومعناه الذي هو ﴿ليطهركم﴾ به انتهى، وظاهر هذا التخريج فاسد لأنّ لام كي لا تكون صلة ومن حيث جعل الضمائر هو وقال معناه الذي هو ليطهركم ولا تكون لام كي هي الصلة بل الصلة هو ولام الجر والمجرور، وقال ابن جنّي ما موصولة وصلتها حرف الجر بما جره فكأنه قال ما للطهور انتهى. وهذا فيه ما قلنا من مجيء لام كي صلة ويمكن تخريج هذه القراءة على وجه آخر وهو أنّ ما ليس موصولاً بمعنى الذي وأنه بمعنى ماء المحدود وذلك أنهم حكوا أن العرب حذفت هذه الهمزة فقالوا ما يا هذا بحذف الهمزة وتنوين الميم فيمكن أن تُحرّج على هذا إلا أنهم أجروا الوصل مجرى الوقف فحذفوا التنوين لأنك إذا وقفت على شربت ما قلت شربت ما بحذف التنوين وإبقاء الألف إما ألف الوصل الذي هي بدل من الواو وهي عين الكلمة وإما الألف التي هي بدل من التنوين حالة النصب.
стр. 1368
والضمير في ﴿به﴾ عائد على المطر، وقيل التثبيت للأقدام معنوي والمراد به كونه لا يفر وقت القتال والضمير في ﴿به﴾ عائد على المصدر الدال عليه ﴿وليربط﴾ وانظر إلى فصاحة مجيء هذه التعليلات بدأ أولاً منها بالتعليل الظاهر وهو تطهيرهم من الجنابة، وهو فعل جسماني أعني اغتسالهم من الجنابة، وعطف عليه بغير لام العلة ما هو من لازم التطهير وهو إذهاب رجز الشيطان حيث وسوس إليهم بكونهم يصلون ولم يغتسلوا من الجنابة ثم عطف بلام العلة ما ليس بفعل جسماني، وهو فعل محله القلب، وهو التشجيع والاطمئنان والصبر على اللقاء وعطف عليه بغير لام العلة ما هو من لازمه وهو كونهم لا يقرّون وقت الحرب فحين ذكر التعليل الظاهر الجسماني والتعليل الباطن القلبيّ ظهر حرف التعليل وحين ذكر لازمها لم يؤكد بلام التعليل وبدأ أولاً بالتطهير لأنه الآكد والأسبق في الفعل ولأنه الذي تؤدي به أفضل العبادات وتحيا به القلوب.
وقال الزمخشري: إذ يوحىإِذْ يُوحِى رَبُّكَ إِلَى الْمَلَئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُواْ الَّذِينَءَامَنُواْ سَأُلْقِى فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرُّعْبَ فَاضْرِبُواْ فَوْقَ الأَعْنَقِ وَاضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ يجوز أن يكون بدلاً ثالثاً من ﴿إذ يعدكم﴾ وأن ينتصب بثبت، وقال ابن عطية: العامل في إذ العامل الأول على ما تقدم فيما قبلها ولو قدّرناه قريباً لكان قوله ﴿ويثبت﴾ على تأويل عود الضمير على الرّبط وأما عوده على الماء فيمكن أن يعمل ويثبت في إذ انتهى وإنما يمكن ذلك عنده لاختلاف زمان التثبيت عنده وزمان هذا الوحي.
стр. 1369
وقرأ عيسى بن عمر بخلاف عنه إذ معكم بكسر الهمزة على إضمار القول على مذهب البصريين أو على إجراء ﴿يوحي﴾ مجرى تقول على مذهب الكوفيين والملائكة هم الذين أمدّ المؤمنون بهم، ولما كان ما تقدم من تعداد النعم على المؤمنين جاء الخطاب لهم بيغشاكم ﴿وينزل عليكم ويطهّركم ويذهب﴾ رجز ﴿وليربط على قلوبكم﴾ إذ كان في هذه أشياء لا تناسب منصب الرسالة ولما ذكر الوحي إلى الملائكة أتى بخطاب الرسول وحده فقال ﴿إذ يوحى ربك﴾ ففي ذلك تشريف بمواجهته بالخطاب وحدَه أي مربيك والناظر في مصلحتك.
وذكر الثعلبي ونحوه قال: صححوا عزائمهم ونياتهم على الجهاد، وقال ابن عطية نحوه قال: ويحتمل أيضاً أن يكون التثبيت الذي أمر به ما يلقيه الملك في قلب الإنسان من توهم الظفر واحتقار الكفار ويجري عليه من خواطر تشجيعه ويقوي هذا التأويل مطابقة قوله ﴿سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب﴾ وأن كان إلقاء الرعب يطابق التثبيت على أي صورة كان التثبيت ولكنه أشبه بهذا إذ هي من جنس واحد وعلى هذا التأويل يجيء قوله ﴿سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب﴾ مخاطبة للملائكة ثم يجيء قوله ﴿فاضربوا فوق الأعناق﴾ لفظه لفظ الأمر ومعناه الخبر عن صورة الحال كما تقول إذا وصفت لمن تخاطبه لقبنا القوم وهزمناهم فاضرب بسيفك حيث شئت واقتل وخذ أسيرك، أي هذه كانت صفة الحال ويحتمل أن يكون ﴿سألقي﴾ إلى آخر الآية خبراً يخاطب به المؤمنين عما يفعله بالكفار في المستقبل كما فعله في الماضي ثم أمرهم بضرب الرقاب والبنان تشجيعاً لهم وحضًّا على نصرة الدين.
والذي يظهر أن ما بعد ﴿يوحي ربك إلى الملائكة﴾ هو من جملة الموحى به وأن الملائكة هم المخاطبون بتثبيت المؤمنين.
стр. 1370
﴿وفوق﴾ قال الأخفش: زائدة أي فاضربوا الأعناق وهو قول عطية والضحاك ﴿فيكون الأعناق﴾ هي المفعول باضربوا هذا ليس بجيد لأن ﴿فوق﴾ اسم ظرف والأسماء لا تزاد، وقال أبو عبيدة: ﴿فوق﴾ بمعنى على تقول ضربته فوق الرأس وعلى الرأس ويكون مفعول ﴿فاضربوا﴾ على هذا محذوفاً أي فاضربوهم فوق الأعناق وهذا قول حسن لا بقاء ﴿فوق﴾ على معناها من الظرفية. وقال ابن قتيبة ﴿فوق﴾ بمعنى دون قال ابن عطية: وهذا خطأ بيّن وإنما دخل عليه اللبس من قوله ﴿بعوضة فما فوقها﴾ في القلّة والصغر فأشبه المعنى دون انتهى. وعلى قولابن قتيبة يكون المفعول محذوفاً أي فاضربوهم، وقال عكرمة: ﴿فوق﴾ على بابها وأراد الرؤوس إذ هي ﴿فوق الأعناق﴾ ، قال الزمخشري: يعني ضرب الهام. قال الشاعر:
واضرب هامة البطل المشيح
وقال آخر:
غشيته وهو في جأواه باسلة
عضباً أصاب سوء الرأس فانفلقا انتهى. وقال ابن عطية: وهذا التأويل أنبلها ويحتمل عندي أن يريد بقوله ﴿فوق الأعناق﴾ وصف أبلغ ضربات العنق وأحكمها وهي الضربة التي تكون فوق عظم العنق ودون عظم الرأس في المفصل.
فإن كان قول عكرمة تفسير معنى فحسن ويكون مفعول ﴿فاضربوا﴾ محذوفاً وإن كان أراد أنّ ﴿فوق﴾ هو المضروب فليس بجيّد لأن فوق من الظروف التي لا يتصرف فيها لا تكون مبتدأة ولا مفعولاً بها ولا مضافاً إليها إنما يتصرف فيها بحرف جر كقوله ﴿من فوقهم ظلل﴾ هذا هو الصحيح في ﴿فوق﴾ وقد أجاز بعضهم أن يكون ﴿فوق﴾ في الآية مفعولاً به وأجاز فيها التصرّف قال: تقول فوقك رأسك بالرفع وفوقك قلنسوتك بالنصب ويظهر هذا القول من الزمخشري قال: ﴿فوق الأعناق﴾ أراد أعالي الأعناق التي هي المذابح لأنها مفاصل فكان إيقاع الضرب فيها جزّاً وتطييراً للرأس انتهى.
следующие страницы →