← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 2505

الإعراب المحيط من تفسير البحر المحيط

ياسين جاسم المحيمد

Полный текст (2 567 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.

стр. 1296

والظاهر أن مفعول ﴿كتبنا﴾ أي كتبنا فيها ﴿موعظة من كل شيء وتفصيلاً لكل شيء﴾ قاله الحوفي قال نصب ﴿موعظة﴾ بكتبنا ﴿وتفصيلاً﴾ عطف على ﴿موعظة لكل شيء﴾ متعلق بتفصيلاً انتهى، وقال الزمخشري: ﴿من كل شيء﴾ في محل النصب مفعول ﴿وكتبنا وموعظة، وتفصيلاً﴾ بدل منه والمعنى كتبنا له كل شيء كان بنو إسرائيل يحتاجون إليه في دينهم من المواعظ وتفصيل الأحكام انتهى، ويحتمل عندي وجه ثالث وهو أن يكون مفعول ﴿كتبنا﴾ موضع المجرور كما تقول أكلت من الرّغيف، و ﴿من﴾ للتبعيض أي كتبنا له أشياء من كل شيء وانتصب ﴿موعظة وتفصيلاً﴾ على المفعول من أجله أي كتبنا له تلك الأشياء للاتعاظ والتفصيل لأحكامهم. فقلنا خذها عطفاً على كتبنافَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُواْ بِأَحْسَنِهَا سَأُوْرِيكُمْ دَارَ الْفَسِقِينَ * سَأَصْرِفُ عَنْءَايَتِي الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِن يَرَوْاْ كُلَّ﴾ ويجوز أن يكون ﴿فخذها﴾ بدلاً من قوله ﴿فخذ ما آتيتك﴾ ، والضمير في ﴿فخذها﴾ عائد على ما على معنى ما لا على لفظها وأما إذا كان على إضمار فقلنا فيكون عائداً على ﴿الألواح﴾ أي الألوح أو على ﴿كل شيء﴾ لأنه في معنى الأشياء أو على التوراة أو على الرسالات وهذه احتمالات مقوّلة أظهرها الأول. ﴿بأحسنها﴾ ظاهره أنه أفعل التفضيل وفيها الحسن والأحسن كالقصاص والعفو والانتصار والصبر.

стр. 1297

وقال ابن عطية: ولو كان من رؤية القلب لتعدّى بالهمزة إلى ثلاثة ولو قال قائل المفعول الثالث يتضمنه المعنى فهو مقدّر أي مدمرة أو خربة أو مسعرة على قول من قال إنها جهنم قيل له: لا يجوز حذف هذا المفعول ولا الاقتصار دونه لأنها داخلة على الابتداء والخبر ولو جوز لكان على قبح في اللسان لا يليق بكتاب الله تعالى انتهى، وحذف المفعول الثالث في باب أعلم لدلالة المعنى عليه جائز فيجوز في جواب هل أعلمت زيداً عمراً منطلقاً أعلمت زيداً عمراً ويحذف منطلقاً لدلالة الكلام السابق عليه وأما تعليله لأنها داخلة على الابتداء والخبر لا يدل على المنع لأن خبر المبتدأ يجوز حذفه اختصاراً والثاني والثالث في بام أعلم يجوز حذف كل واحد منهما اختصاراً وفي قوله لأنها أي سأريكمسَأُوْرِيكُمْ دَارَ الْفَسِقِينَ * سَأَصْرِفُ عَنْءَايَتِي الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِن يَرَوْاْ كُلَّءَايَةٍ لاَّ يُؤْمِنُواْ بِهَا وَإِن يَرَوْاْ﴾ داخلة على المبتدأ والخبر فيه تجوز ويعني أنها قبل النقل بالهمزة فكانت داخلة على المبتدأ والخبر، وقرأ الحسن: ﴿سأوريكم﴾ بواو ساكنة بعد الهمزة على ما يقتضيه رسم المصحف ووجّهت هذه القراءة بوجهين، أحدهما: ما ذكره أبو الفتح وهو أنه أشبع الضمة ومطّلها فنشأ عنها الواو قال: ويحسن احتمال الواو في هذا الموضع أنه موضع وعيد وإغلاظ فمكن الصوت فيه انتهى، فيكون كقوله أدنوا فانظر رأى فانظر، وهذا التوجيه ضعيف لأن الأشباع بابه ضرورة الشعر والثاني: ما ذكره الزمخشري قال وقرأ الحسن ﴿سأوريكم﴾ وهي لغة فاشية بالحجاز يقال: أورني كذا وأوريته فوجهه أن يكون من أوريت الزند كأن المعنى بينه لي وأثره لأستبينه انتهى، وهي أيضاً في لغة أهل الأندلس كأنهم تلقفوها من لغة الحجاز وبقيت في لسانهم إلى الآن وينبغي أن ينظر في تحقق هذه اللغة أهي في لغة الحجاز أم لا، وقرأ ابن عباس وقسامة بن زهير سأورثكم،

стр. 1298

قال الزمخشري وهي قراءة حسنة يصححها قوله تعالى: ﴿وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون﴾ . ويجوز أن يكون في موضع الحال فيتعلق بمحذوف أي متلبسين بغير الحقّ والمعنى غير مستحقّين لأنّ التكبر بالحق لله وحده لأنه هو الذي له القدرة والفضل الذي ليس لأحد. وقرأ ابن أبي عبلة لا يتخذوها ويتخذوها على تأنيث السبيل والسبيل تذكر وتؤنث، قال تعالى: قل هذه سبيليوَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ الرُّشْدِ لاَ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ الْغَىِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً﴾ ولما نفى عنهم الإيمان وهو من أفعال القلب استعار للرّشد والغي سبيلين فذكر أنهم تاركو سبيل الرشد سالكو سبيل الغي وناسب تقديم جملة الشرط المتضمنة سبيل الرشد على مقابلتها لأنها قبلها. ﴿وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها﴾ فذكر موجب الإيمان وهو الآيات وترتّب نقيضه عليه وأتبع ذلك بموجب الرشد وترتب نقيضه عليه ثم جاءت الجملة بعدها مصرّحة بسلوكهم سبيل الغي ومؤكدة لمفهوم الجملة الشرطية قبلها لأن يلزم من ترك سبيل الرّشد سلوك سبيل الغي لأنهما إما هدى أو ضلال فهما نقيضان إذا انتفى أحدهما ثبت الآخر. والظاهر أن ذلك مبتدأ وخبره بأنهم أي ذلك الصرف كائن بأنهم كذّبوا وجوّزوا أن يكون منصوباً فقدّره ابن عطية فعلنا ذلك، وقدّره الزمخشري صرفهم الله ذلك الصّرف بعينه.

стр. 1299

والذين كذبوا بآياتنا ولقاء الآخرة حبطت أعمالهم هل يجزون إلا ما كانوا يعملونذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُواْ بِئَايَتِنَا وَكَانُواْ عَنْهَا غَفِلِينَ * وَالَّذِينَ كَذَّبُواْ بِئَايَتِنَا وَلِقَآءِ الأٌّخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمَلُهُمْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ وإضافة ﴿لقاء﴾ إلى ﴿الآخرة﴾ إضافة المصدر إلى المفعول أي ولقائهم الآخرة. قال الزمخشري: ويجوز أن يكون من إضافة المصدر إلى المفعول به أي ولقائهم الآخرة ومشاهدتهم أحوالهم ومن إضافة المصدر إلى الظرف بمعنى ولقاء ما وعد الله تعالى في الآخرة انتهى. ولا يجيز جلّة النحويين الإضافة إلى الظرف لأنّ الظرف هو على تقدير في والإضافة عندهم إنما هي على تقدي اللام أو تقدير من على ما بين في علم النحو فإنّ اتسع في العامل جاز أن ينصب الظرف نصب المفعول به وجاز إذ ذاك أن يُضاف مصدره إلى ذلك الظرف المتسع في عامله وأجاز بعض النحويين أن تكون الإضافة على تقدير في كما يفهمه ظاهر كلام الزمخشري، وهو مذهب مردود في علم النحو. و ﴿هل يجزون﴾ استفهام بمعنى التقرير أي يستوجبون بسوء فعلهم العقوبة، قال ابن عطية: والظاهر أنه استفهام بمعنى النفي ولذلك دخلت ﴿إلا﴾ والاستفهام الذي هو بمعنى التقرير هو موجب من حيث المعنى فيبعد دخول إلا ولعله لا يجوز. ومن حليهموَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِن بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلاً جَسَداً لَّهُ خُوَارٌ﴾ متعلق باتخذ وبها يتعلق من بعده وإن كانا حرفي جرّ بلفظ واحد وجاز ذلك لاختلاف مدلوليهما لأنّ من الأولى لابتداء الغاية والثانية للتبعيض وأجاز أبو البقاء أن يكون ﴿من حليهم﴾ في موضع الحال فيتعلق بمحذوف لأنه لو تأخر لكان صفة أي ﴿عجلاً﴾ كائناً ﴿من حليهم﴾ . وأنتصب ﴿جسداً﴾ ، قال الزمخشري على البدل، وقال الحوفي على النعت وأجازهما أبو البقاء وأن تكون عطف بيان.

стр. 1300

قال ابن عطية ويحتمل أن تكون الواو واو الحال انتهى يعني في ﴿وكانوا﴾ والوجه الأول أبلغ في الذمّ وهو الإخبار عن وصفهم بالظلم وإنّ شأنهم ذلك فلا يتقيد ظلمهم بهذه الفعلة الفاضحة. ذكر بعض النحويين أن قول العرب سقط في يده فعل لا يتصرف فلا يستعمل منه مضارع ولا اسم فاعل ولا مفعول وكان أصله متصرّفاً تقول سقط الشيء إذا وقع من علو فهو في الأصل متصرّف لازم. وكان متعلق سقط قوله في أيديهم لأنّ اليد هي الآلة التي يؤخذ بها ويضبط وسقطوَلَمَّا سُقِطَ فَى أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْاْ أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّواْ قَالُواْ لَئِن لَّمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَسِرِينَ * وَلَمَّا﴾ مبني للمفعول والذي أوقع موضع الفاعل هو الجار والمجرور كما تقول: جلس في الدار وضحك من زيد، وقيل: ﴿سقط﴾ تتضمن مفعولاً وهو هاهنا المصدر الذي هو الإسقاط كما يقال: ذهب بزيد انتهى، وصوابه وهو هنا ضمير المصدر الذيهو السقوط لأنّ سقط ليس مصدره الإسقاط وليس نفس المصدر هو المفعول الذي لم يسمّ فاعله بل هو ضميره وقرأت فرقة منهم ابن السميقع سقط في أيديهم مبنياً للفاعل. مصحف أبي قالوا: ربنا لئن ترحمنا وتغفر لنا، بتقديم المنادى وهو ربّنا ويحتمل أن يكون القولان صدراً منهم جميعهم على التعاقب أو هذا من طائفة وهذا من طائفة فمن غلب عليه الخوف وقوي على المواجهة خاطب مستقيلاً من ذنبه العظيم ومن غلب عليه الحياء أخرج كلامه مخرج المستحيي من الخطاب فأسند الفعل إلى الغائب. أعجلتموَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَنَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِى مِن بَعْدِى أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ﴾ استفهام إنكار قال الزمخشري يقال: عجل عن الأمر إذا تركه غير تام ونقيضه تم عليه وأعجله عنه غيره ويضمن معنى سبق فيعدّى تعديته، فيقال: عجلت الأمر.

стр. 1301

﴿قال ابن أم إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني فلا تشمت بي الأعداء ولا تجعلني مع القوم الظالمين﴾ ناداه نداء استضعاف وترفق وكان شقيقه وهي عادة العرب تتلطف وتتحنن بذكر الأمّ كما قال: يا ابن أمي ويا شقيق نفسي وقال آخر: يا ابن أمي فدتك نفسي ومالي وأيضاً فكانت أمهما مؤمنة قالوا: وكان أبوه مقطوعاً عن القرابة بالكفر كما قال تعالى لنوح ﵇: ﴿إنه ليس من أهلك﴾ وأيضاً لما كان حقها أعظم لمقاساتها الشدائد في حمله وتربيته والشفقة عليه ذكره بحقها، وقرأ الحرميان وأبو عمرو وحفص: ﴿ابن أم﴾ بفتح الميم، فقال الكوفيون: أصله يا ابن أماه فحذفت الألف تخفيفاً كما حذفت في يا غلام وأصله يا غلاماً وسقطت هاء السكت لأنه درج فعلى هذا الاسم معرب إذ الألف منقلبة عن ياء المتكلم فهو مضاف إليه ابن، وقال سيبويه: هما اسمان بنيا على الفتح كاسم واحد كخمسة عشر ونحوه فعلى قوله ليس مضافاً إليه ابن والحركة حركة بناء، وقرأ باقي السبعة بكسر الميم فقياس قول الكوفييّن أنه معرب وحذفت ياء المتكلم واجتزىء بالكسرة عنها كما اجترؤوا بالفتحة عن الألف المنقلبة عن ياء المتكلم، وقال سيبويه هي مبنيّ أضيف إلى ياء المتكلم كما قالوا يا أحد عشر أقبلوا وحذفت الياء واجتزؤوا بالكسرة عنها كما اجتزؤوا في ﴿يا قوم﴾ ولو كانا باقيين على الإضافة لم يجز حذف الياء لأنّ الاسم ليس بمنادى ولكنه مضاف إليه المنادى فلا يجوز حذف الياء منه، وقرىء بإثبات ياء الإضافة وأجود اللغات الاجتزاء بالكسرة على يا الإضافة ثم قلب الياء ألفاً والكسرة قبلها فتحة ثم حذف التاء وفتح الميم ثم إثبات التاء مفتوحة أو ساكنة وهذه اللغات جائزة في ابنة أمي وفي ابن عمي وابنة عمي، وقرىء يا ابن أمي بإثبات الياء وابن إمّ بكسر الهمزة والميم ومعمول القول المنادى والجملة بعده المقصود بها تخفيف ما أدرك موسى من الغضب والاستعذار له بأنه لم يقصّر في كفّهم من الوعظ والإنذار وما بلغته

стр. 1302

طاقته ولكنهم استضعفوه فلم يلتفتوا إلى وعظه بل قاربوا أن يقتلوه ودلّ هذا على أنه بالغ في الإنكار عليهم حتى همّوا بقتله. وقرأ ابن محيصن ﴿تشمت﴾ بفتح التاء وكسر الميم ونصب ﴿الأعداء﴾ ومجاهد كذلك إلا أنه فتح الميم وشمت متعدية كأشمت وخرّج أبو الفتح قراءة مجاهد على أن تكون لازمة والمعنى فلا تشمت أنت يا ربّ وجاز هذا، كما قال الله يستهزىء بهم ونحو ذلك ثم عاد إلى المراد فأضمر فعلاً نصب به الأعداء كقراءة الجماعة انتهى، وهذا خروج عن الظاهر وتكلّف في الإعراب وقد روي تعدّى شمت لغة يتكلّف أنها لازمة مع نصب الأعداء وأيضاً قوله: ﴿اللَّه يستهزىء بهم﴾ . إنما ذلك على سبيل المقابلة لقولهم ﴿إنما نحن مستهزئون﴾ فقال ﴿اللَّه يستهزىء بهم﴾ وكقوله ﴿ويمكرون ويسكر اللَّه﴾ ولا يجوز ذلك ابتداءً من غير مقابلة وعن مجاهد ﴿فلا تشمت﴾ بفتح التاء والميم ورفع ﴿الأعداء﴾ ، وعن حميد بن قيس كذلك إلا أنه كسر الميم جعلاه فعلاً لازماً فارتفع به الأعداء فظاهره أنه نهى الأعداء عن الشماتة به وهو من باب لا أرينك هنا والمراد نهيه أخاه أي لا تحلّ بي مكروهاً فيشمتوا بي وبدأ أوّلاً بسؤال أخيه أن لا يشمت به الأعداء لأنّ ما يوجب الشماتة هو فعل مكروه ظاهر لهم فيشمتوا به فبدأ بالأوكد ثم سأله أن لا يجعله ولا يعتقده واحداً من الظالمين إذ جعله معهم واعتقاده من جملتهم هو فعل قلبي وليس ظاهراً لبني إسرائيل أو يكون المعنى ﴿ولا تجعلني﴾ في موجدتك عليّ قريناً له مصاحباً لهم.

стр. 1303

لما اعتذر إليه أخوه استغفر لنفسه وله قالوا واستغفاره لنفسه بسبب فعلته مع أخيه وعجلته في إلقاء الألواح واستغفاره لأخيه من فعلته في الصبر لبني إسرائيل قالوا: ويمكن أن يكون الاستغفار مما لا يعلمه والله أعلم، وقال الزمخشري لما اعتذر إليه أخوه وذكر شماتة الأعداء، قال رب اغفر لي ولأخيقَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِى وَلأَخِى وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرحِمِينَ﴾ ليرضي أخاه ويظهر لأهل الشماتة رضاه عنه فلا يتمّ لهم شماتتهم واستغفر لنفسه مما فرط منه إلى أخيه ولأخيه أن عسى فرّط في حين الخلافة وطلب أن لا يتفرقا عن رحمته ولا تزال متضمنة لهما في الدنيا والآخرة انتهى. وقوله ولأخيه أن عسى فرط إن كانت أن بفتح الهمزة فتكون المخففة من الثقيلة ويقرب معناه، وإن كانت بكسر الهمزة فتكون للشرط ولا يصح إذ ذاك دخولها على عسى لأنّ أدوات الشرط لا تدخلعلى الفعل الجامد. الغضب إن أخذ بمعنى الإرادة فهو صفة ذات، أو بمعنى العقربة فهو صفة فعل والظاهر أن قوله في الحياة الدنياإِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُواْ الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِى الْحَيوةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِى الْمُفْتَرِينَ﴾ متعلق بقوله ﴿سينالهم﴾ . داموا على إيمانهم وأخلصوا فيه أو تكون حالية أي وقد أمنوا أن ربك من بعدها أي من بعد عمل السيئات هذا هو الظاهر، ويحتمل أن يكون الضمير في من بعدهاوَالَّذِينَ عَمِلُواْ السَّيِّئَاتِ ثُمَّ تَابُواْ مِن بَعْدِهَا وَءَامَنُواْ إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ عائداً على التوبة أي ﴿إن ربك﴾ من بعد توبتهم فيعود على المصدر المفهوم من قوله ﴿ثم تابوا﴾ وهذا عندي أولى لأنك إذا جعلت الضمير عائداً على ﴿السيئات﴾ ، احتجت إلى حذف مضاف وحذف معطوف إذ يصير التقدير من بعد عمل السيئات والتوبة منها وخبر ﴿الذين﴾ قوله ﴿إن ربك﴾ وما بعده والرابط محذوف أي ﴿لغفور رحيم﴾ لهم.

стр. 1304

قال الزجاج: مصدر سكتوَلَمَّا سَكَتَ عَن مُّوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الأٌّلْوَاحَ وَفِى نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ * وَاخْتَارَ﴾ الغضب سكت ومصدر سكت الرجل سكوت وهذا يقتضي أنه فعل على حدّه وليس من سكوت الناس، وقيل هو من باب القلب أي ولمّا سكت موسى عن الغضب نحو أدخلت في فيّ الحجر، وأدخلت القلنسوة في رأسي انتهى، ولا ينبغي هذا لأنه من القلب وهو لم يقع إلاّ في قليل من الكلام والصحيح أنه لا ينقاس. واللام في ﴿لربهم﴾ تقوية لوصول الفعل إلى مفعوله المتقدم، وقال الكوفّيون: هي زائدة، وقال الأخفش: هي لام المفعول له أي لأجل ربهم ﴿يرهبون﴾ لا رباء ولا سمعة، وقال المبرد: هي متعلقة بمصدر المعنى الذين هم رهبتهم لربهم وهذا على طريقة البصريين لا يتمشّء لأنّ فيه حذف المصدر وإبقاء معموله وهو لا يجوز عندهم إلا في الشعر وأيضاً فهذا التقدير يخرج الكلام عن الفصاحة.

стр. 1305

اختاروَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِّمِيقَتِنَا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُم مِّن قَبْلُ وَإِيَّىَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَآءُ مِنَّآ إِنْ هِىَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَآءُ وَتَهْدِى مَن تَشَآءُ أَنتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الْغَفِرِينَ * وَاكْتُبْ لَنَا فِى هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الأٌّخِرَةِ إِنَّا هُدْنَآ إِلَيْكَ قَالَ عَذَابِى أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَآءُ وَرَحْمَتِى وَسِعَتْ كُلَّ شَىْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَوةَ وَالَّذِينَ هُم بِئَايَتِنَا يُؤْمِنُونَ﴾ افتعل من الخير وهو التخير والانتقاء ﴿واختار﴾ من الأفعال التي تعدت إلى اثنين أحدهما بنفسه والآخر بوساطة حرف الجر وهي مقصورة على السماع وهي اختار واستغفر وأمر وكنى ودعا وزوج وصدق، ثم يحذف حرف الجر ويتعدى إليه الفعل فيقول اخترت زيداً من الرجال واخترت زيداً الرجال. قال الشاعر: اخترتك الناس إذ رثت خلائقهم واعتل من كان يرجى عنده السول أي اخترتك من الناس و ﴿سبعين﴾ هو المفعول الأوّل، و ﴿قومه﴾ هو المفعول الثاني وتقديره ﴿من قومه﴾ ومن أعرب ﴿قومه﴾ مفعولاً أوّل و ﴿سبعين﴾ بدلاً من بدل بعض من كلّ وحذف الضمير أي ﴿سبعين رجلاً﴾ منهم احتاج إلى تقدير مفعول ثان وهو المختار منه فإعرابه فيه بعد وتكلف حذف في رابط البدل وفي المختار منه.

стр. 1306

ومفعول شئتفَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُم مِّن قَبْلُ وَإِيَّىَ﴾ محذوف تقديره لو شئت إهلاكنا وجواب ﴿لو أهلكتهم﴾ وأتى دون لام وهو فصيح لكنه باللام أكثر كما قال ﴿لو شئت لاتخذت﴾ ﴿ولو شاء ربك لآمن﴾ ، ولا يحفظ جاء بغير لام في القرآن إلا هذا وقوله ﴿أن لو شاء أصبناهم﴾ و ﴿لو نشاء جعلناه أجاجاً﴾ والمحذوف في ﴿من قبل﴾ أي من قبل الاتيار وأخذ الرّجفة وذلك زمان إغضائهم على عبادة العجل أو عبادتهم هم إياه وقوله ﴿وإياي﴾ أي وقت قتلي القبطي فأنت قد سترت وغفرت حينئذ فكيف الآن إذ رجوعي دونهم فساد لبني إسرائيل قال أكثره ابن عطية وعطف ﴿وإياي﴾ على الضمير المنصوب في ﴿أهلكتهم﴾ وعطف الضمير مما يوجب فصله وبدأ بضميرهم لأنّهم الذين ﴿أخذتهم الرجفة﴾ أو أغمي عليهم ولم يمت هو ولا أغمي عليه. اتهلكناأَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَآءُ مِنَّآ﴾ له وللسبعين وقيل الضمير في اتهلكنا له ولبني إسرائيل. الضمير في هي يفسره سياق الكلام أي أنت هو الذي فتننهم. أنا هدنا إليكإِنْ هِىَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَآءُ وَتَهْدِى مَن تَشَآءُ أَنتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الْغَفِرِينَ * وَاكْتُبْ لَنَا فِى هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الأٌّخِرَةِ إِنَّا هُدْنَآ إِلَيْكَ قَالَ عَذَابِى أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَآءُ وَرَحْمَتِى وَسِعَتْ كُلَّ شَىْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ﴾ من هاد يهود وقال ابن بحر تقرّبنا بالتوبة وقيل ملنا ومنه قول الشاعر: قد علمت سلمى وجاراتها إني من اللَّه لها هائد أي مائل فيكون الضمير فاعلاً ويحتمل أن يكون مفعولاً لم يسَمَّ فاعله أي حركنا إليك واملنا.

стр. 1307

أي أقضيها وأقّرها والضمير عائد على الرحمة لأنها أقرب مذكور ويحتمل عندي أن يعود على حسنة في قوله واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة وفي الآخرةفَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَوةَ﴾ . كون ما بعدها وقع بعدما قبلها، وقيل الدخول حالة مقتضية فحسن ذكر فاء التعقيب بعده والسكنى حالة مستمرة فحسن الأمر بالأكل معه لا عقيبة فحسنت الواو الجامعة للأمرين في الزمن الواحد وهو أحد محاملها ويزعم بعض النحويين أنه أولى بحاملها وأكثر. وقيل ثبت رغداًالَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِىَّ الأُمِّىَّ الَّذِى يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِى التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأٌّغْلَلَ الَّتِى كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَءَامَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِى أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * قُلْ يَأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّى رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِى لَهُ مُلْكُ السَّمَوَتِ وَالأٌّرْضِ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ يُحْىِ وَيُمِيتُ فَئَامِنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِىِّ الأُمِّىِّ الَّذِى يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ * وَمِن قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ * وَقَطَّعْنَهُمُ اثْنَتَىْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا وَأَوْحَيْنَآ إِلَى مُوسَى إِذِ اسْتَسْقَهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الْغَمَمَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُواْ مِن طَيِّبَتِ مَا رَزَقْنَكُمْ

стр. 1308

وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ * وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُواْ هَذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُواْ حِطَّةٌ وَادْخُلُواْ الْبَابَ سُجَّدًا نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئَتِكُمْ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ * فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ قَوْلاً غَيْرَ الَّذِى قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِّنَ السَّمَآءِ بِمَا كَانُواْ يَظْلِمُونَ * وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِى كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِى السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لاَ يَسْبِتُونَ لاَ تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُم بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ * وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيدًا قَالُواْ مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ * فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُواْ بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ * فَلَمَّا عَتَوْاْ عَن مَّا نُهُواْ عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَسِئِينَ * وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَمَةِ مَن يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ بعد الأمر بالدخول لأنها حالة قدوم فالأكل فيها ألذ وأتم وهم إليه أحوج بخلاف السكنى فإنها حالة استقرار واطمئنان فليس الأكل فيها ألذّ ولا هم أحوج. وأما التقديم والتأخير في ﴿وقولوا وادخلوا﴾ ، فقال الزمخشريّ: سواء قدّموا الحطة على دخول الباب وأخروها فهم جامعون في الإيجاد بينهما انتهى، وقوله سواء قدّموا وأخّروها تركيب غير عربي وإصلاحه سواء أقدموا أم أخروها

стр. 1309

كما قال تعالى: ﴿سواء علينا أجزعنا أم صبرنا﴾ ويمكن أن يقال: ناسب تقديم الأمر بدخول الباب ﴿سجّداً﴾ مع تركيب ﴿ادخلوا هذه القرية﴾ لأنه فعل دالّ على الخضوع والذلة و ﴿حطة﴾ قول والفعل أقوى في إظهار الخضوع من القول فناسب أن يذكر مع مبدأ الشيء وهو الدخول ولأنّ قبله ﴿ادخلوا﴾ فناسب الأمر بالدخول للقرية الأمر بدخول بابها على هيئة الخضوع ولأنّ دخول القرية لا يمكن إلا بدخول بابها فصار باب القكرية كأنه بدل من القرية أعيد معه العامل بخلاف الأمر بالسّكنى.f وأما ﴿سنزيد﴾ هنا فقال الزمخشري موعد بشيئين بالغفران والزيادة وطرح الواو لا يخلّ بذلك لأنه استئناف مرتب على تقدير قول القائل وماذا بعد الغفران فقيل له: ﴿سنزيد المحسنين﴾ وزيادة ﴿منهم﴾ بيان وأرسلنا وأنزلنا و ﴿يظلمون﴾ ويفسقون من واد واحد، وقرأ الحسن: ﴿حطة﴾ بالنصب على المصدر أي حطّة ذنوبنا حطة ويجوز أن ينتصب بقولوا: على حذف التقدير ﴿وقولوا﴾ قولاً ﴿حطّة﴾ أي ذا ﴿حطة﴾ فحذف ذا وصار ﴿حطّة﴾ وصفاً للمصدر المحذوف كما تقول: قلت حسناً وقلت حقّاً أي قولاً حسنا وقولاً حقًّا. واسئلهم عائد على من بحضرة الرسول من اليهود. وقوله عن القرية فيه حذف أي عن أهل القرية. يحتمل أن يريد معنى الحاضرة على جهة التعظيم لها أي هي الحاضرة في قرى البحر فالتقدير حاضرةوَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِى كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِى السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لاَ يَسْبِتُونَ لاَ تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُم بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ قرى ﴿البحر﴾ أي يحضر أهل قرى البحر إليها لبيعهم وشرائهم وحاجتهم.

стр. 1310

﴿إذ﴾ ظرف والعامل فيه. قال الحوفي: ﴿إذ﴾ متعلقة بسلهم انتهى. ولا يتصور لأن ﴿إذ﴾ ظرف لما مضى وسلهم مستقبل ولو كان ظرفاً مستقبلاً لم يصحّ المعنى لأن العادين وهم أهل القرية مفقودون فلا يمكن سؤالهم والمسؤول عن أهل القرية العادين. وقال الزمخشري: ﴿إذ يعدون﴾ بدل ﴿من القرية﴾ والمراد بالقرية أهلها كأنه قيل وسلهم عن أهل القرية وقت عدوانهم في السبت وهو من بدل الاشتمال انتهى، وهذا لا يجوز لأن ﴿إذ﴾ من الظروف التي لا تتصرف ولا يدخل عليها حرف جر وجعلها بدلاً يجوز دخول عن عليها لأن البدل هو على نيّة تكرار العامل ولو أدخلت عن عليها لم يجز وإنما تصرف فيها بأن أضيف إليها بعض الظروف الزمانية نحو يوم إذ كان كذا وأما قول من ذهب إلى أنها يتصرّف فيها بأن تكون مفعولة باذكر فهو قول من عجز عن تأويلها على ما ينبغي لها من إبقائها ظرفاً، وقال أبو البقاء ﴿عن القرية﴾ : أي عن خبر القرية وهذا المحذوف هو الناصب للظرف الذي هو ﴿إذ يعدون﴾ ، وقيل هو ظرف للحاضرة وجوّز ذلك أنها كانت موجودة في ذلك الوقت ثم خربت انتهى. وقال الزمخشري: السبت مصدر سبتت اليهود إذا عظمت سبتها بترك الصيد والاشتغال بالتعبّد فمعناه يعدون في تعظيم هذا اليوم وكذلك قوله تعالى يوم سبتهم يوم تعظيمهم ويدل عليه قوله ﴿ويوم لا يسبتون وإذ تأتيهم﴾ العامل في ﴿إذ يعدون﴾ أي إذ عدوا في السبت إذ أتتهم لأنّ إذ ظرف لما مضى يصرف المضارع للمضي. وقال الزمخشري: ويجوز أن يكون بدلاً بعد بدل انتهى، يعني بدلاً من ﴿القرية﴾ بعد بدل ﴿إذ يعدون﴾ وقد ذكرنا أن ذلك لا يجوز وأضاف ﴿السبت﴾ إليهم لأنهم مخصوصون بأحكام فيه. وقرأ عمر بن عبد العزيز: ﴿حيتانهم﴾ يوم أسباتهم، قال أبو الفضل الرازي في كتاب ج٥ ص٢٠٤ اللوامح وقد ذكر هذه القراءة عن عمر بن عبد العزيز: وهو مصدر من أسبت الرجل إذا دخل في السبت.

стр. 1311

وقرأ علي والحسن وعاصم بخلاف ﴿يسبتون﴾ بضم ياء المضارعة من أسبت دخل في السبت، قال الزمخشري: وعن الحسن ﴿لا يسبتون﴾ بضم الياء على البناء للمفعول أي لا يدار عليهم السبت ولا يؤمرون بأن يسبتوا والعامل في ﴿يوم﴾ قوله ﴿لا تأتيهم﴾ وفيه دليل على أنّ ما بعد لا للنفي يعمل فيما قبلها وفيه ثلاثة مذاهب الجواز مطلقاً والمنع مطلقاً والتفصيل بين أن يكون لا جواب قسم فيمتنع أو غير ذلك فيجوز وهو الصحيح كذلك أي مثل ذلك البلاء بأمر الحوت نبلوهم أي بلوناهم وامتحناهم، وقيل ﴿كذلك﴾ متعلق بما قبله أي ﴿ويوم لا يسبتون لا تأتيهم كذلك﴾ أي ﴿لا تأتيهم﴾ إتياناً مثل ذلك الإتيان. بئيسفَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُواْ بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ * فَلَمَّا﴾ وقرأ جرية بن عائد ونصر بن عاصم في رواية بأس على وزن ضرب فعلاً ماضياً وعن الأعمش ومالك بن دينار بأس أصله بأس فسكن الهمزة جعله فعلاً لا يتصرف. وقرأت فرقة بيس بفتح الباء والياء والسّين وحكى الزهراوي عن ابن كثير وأهل مكة بئس بكسر الباء والهمز همزاً خفيفاً ولم يبيّن هل الهمزة مكسورة أو ساكنة، وقرأت فرقة باس بفتح الباء وسكون الألف. وقرأ خارجة عن نافع وطلحة بيس على وزن كيل لفظاً وكان أصله فيعل مهموزاً إلا أنه خفّف الهمزة بإبدالها ياء وأدغم ثم حذف كميت، وقرأ نصر في رواية مالك بن دينار عنه بأس على وزن جبل وأبو عبد الرحمن بن مصرف بئس على وزن كبد وحذر، وقال أبو عبد الله بن قيس الرقيات: ليتني ألقى رقية في خلوة من غير ما بئس وقرأ ابن عباس وأبو بكر عن عاصم والأعمش بيأس على وزن ضيغم وقال امرؤ القيس بن عابس الكندي: كلاهما كان رئيساً بيأسا

стр. 1312

يضرب في يوم الهياج القونسا وقرأ عيسى بن عمر والأعمش بخلاف عنه بيئس على وزن صيقل اسم امرأة بكسر الهمزة وبكسر القاف وهما شاذّان لأنه بناء مختصّ بالمعتل كسيد وميت، وقرأ نصر بن عاصم في رواية بيس على وزن ميت وخرج على أنه من البؤس ولا أصل له في الهمز وخرج أيضاً على أنه خفّف الهمزة بإبدالها ياءً ثم أدغمت وعنه أيضاً بئس بقلب الياء همزة وإدغامها في الهمزة ورويت هذه عن الأعمش، وقرأت فرقة بأس بفتح الثلاثة والهمزة مشدّدة، وقرأ باقي السبعة ونافع وفي رواية أبي قرة وعاصم في رواية حفص وأبو عبد الرحمن ومجاهد والأعرج والأعمش في رواية وأهل الحجاز ﴿بئيس﴾ على وزن رئيس وخرج على أنه وصف على وزن فعيل للمبالغة من بائس على وزن فاعل وهي قراءة أبي رجاء عن علي أو على أنه مصدر وصف به كالنكير والقدير، وقال أبو الإصبع العدواني: حنقا عليّ ولا أرى لي منهما شراً بئيسا وقرأ هل مكّة كذلك إلا أنهم كسروا الباء وهي لغة تميم في فعيل حلقي العين يكسرون أوله وسواء كان اسماً أم صفة، وقرأ الحسن والأعمش فيما زعم عصمة بيئس على وزن طريم وحزيم فهذه اثنتان وعشرون قراءة وضبطها بالتلخيص أنها قرئت ثلاثية اللفظ ورباعيته فالثلاثي اسما بئس وبيس وبيس وبأس وبأس وبيس وفعلا بيس وبئس وبئس وبأس وبأس وبئس والرباعية اسما بيأس وبيئس وبيئس وبي وبييس وبييس وبئيس وبائس وفعلا باءس.

стр. 1313

قال الزمخشري تأذّنوَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَمَةِ مَن يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ﴾ عزم ﴿ربك﴾ وهو تفعل من الإيذان وهو الإعلام لأن العازم على الأمر يحدث به نفسه ويؤذنها بفعله وأجرى مجرى فعل القسم كعلم الله وشهد الله ولذلك أجيب بما يجاب به القسم وهو قوله ﴿ليبعثن﴾ والمعنى وإذا حتم ربك وكتب على نفسه، وقال ابن عطية: بنية ﴿تأذن﴾ هي التي تقتضي التكسّب من أذن أي علم ومكن فإذا كان مسنداً إلى غير الله لحقّه معنى التكسب الذي يلحق المحدثين وإلى الله كان بمعنى علم صفة لا مكتسبة بل قائمة بالذات فالمعنى وإذا علم ﴿ليبعثن﴾ ويقتضي قوة الكلام، إن ذلك العلم منه مقترن بإنفاذ وإمضاء كما تقول في أمر قد عزمت عليه غاية العزم على الله لأبعثن كذا نحا إليه أبو علي الفارسي، وقال الطبري وغيره تأذّن معناه أعلم وهو فلق من جهة التصريف إذ نسبه ﴿تأذّن﴾ إلى الفاعل غير نسبة أعلم وبين ذلك فرق من التعدي وغيره انتهى وفيه بعض اختصار.

стр. 1314

وقرأ زيد بن علي وعاصم في بعض ما روي عنه وعيسى بن عمر وطلحة بن مصرف معذرةوَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيدًا قَالُواْ مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ * فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُواْ بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ * فَلَمَّا عَتَوْاْ عَن مَّا نُهُواْ عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَسِئِينَ * وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَمَةِ مَن يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ * وَقَطَّعْنَهُمْ فِي الأٌّرْضِ أُمَمًا مِّنْهُمُ الصَّلِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ وَبَلَوْنَهُمْ بِالْحَسَنَتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ * فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُواْ الْكِتَبَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الأٌّدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِن يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِّثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِم مِّيثَاقُ الْكِتَبِ أَن لاَّ يِقُولُواْ عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ وَدَرَسُواْ مَا فِيهِ وَالدَّارُ الأٌّخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ * وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَبِ وَأَقَامُواْ الصَّلَوةَ إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ * وَإِذ﴾ بالنصب أي وعظناهم معذرة، قال سيبويه: لو قال رجل لرجل معذرة إلى الله وإليك من كذا لنصب انتهى، ويختار هنا سيبويه الرفع قال لأنهم لم يريدوا أن يعتذروا اعتذاراً مستأنفاً ولكنهم قيل) لهم ﴿لم تعظون﴾ قالوا: موعظتنا معذرة، وقال أبو البقاء: من نصب فعل المفعول له أي وعظنا للمعذرة، وقيل: هو مصدر أي نعتذر معذرة

стр. 1315

وقالهما الزمخشري. ﴿ الضمير في نسوافَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُواْ بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ﴾ للمنهيين أي تركوا ما ذكرهم به الصالحون وجعل الترك نسياناً مبالغة إذ أقوى أحوال الترك أن ينسى المتروك وما موصولة بمعنى الذي. ﴿بئيس﴾ شديد موجع وقال الأخفش: مهلك، وقرأ أهل المدينة، نافع وأبو جعفر وشيبة وغيرهما بيس على وزن جيد، وابن عامر كذلك إلا أنه همز كبئر ووجهتا على أنه فعل سمّي به كما جاء «أنهاكم عن قيل وقال» ويحتمل أن يكون وضع وصفاً على وزن فعل كحلف فلا يكون أصله فعلا، وخرجه الكسائي على وجه آخر وهو أنّ الأصل بيئس فخفف الهمزة فالتفت ياء أن فحذفت إحداهما وكسر أوله كما يقال رغيف وشهيد، وخرجه غيره على أن يكون على وزن فعل فكسر أوله اتباعاً ثم حذفت الكسرة كما قالوا فخذ ثم خففوا الهمزة وقرأ الحسن ﴿بئيس﴾ بهمز وبغير همز عن نافع وأبي بكر مثله إلا أنه بغير همز عن نافع كما تقول بيس الرجل، وضعفها أبو حاتم وقال: لا وجه له اقال لأنه لا يقال مررت برجل بيس حتى يقال بيس الرجل أو بس رجلاً، قال النحاس: هذا مردود من كلام أبي حاتم حكى النحويون إن فعلت كذا وكذا فيها ونعمت يريدون ونعمت الخصلة والتقدير بيس العذاب، وقرىء بئس على وزن شهد.

стр. 1316

والضمير في عليهموَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَمَةِ مَن يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ عائد على اليهود قاله الجمهور أو ﴿عليهم﴾ وعلى النصارى قاله مجاهد، وقيل: نسل الممسوخين والذين بقوا منهم وقيل: يهود خيبر وقريظة والنضير وعلى هذا ترتب الخلاف في من ﴿يسومهم﴾ ، فقيل: بختنصر من أذلهم بعده إلى يوم القيامة، وقيل المجوس كانت اليهود تؤدي الجزية إليهم إلى أن بعث الله محمداً صلى الله عليه وسلّمفضربها عليهم فلا تزال مضروبة عليهم إلى آخر الدهر، وقيل: العرب كانوا يجبون الخراج من اليهود قاله ابن جبير، وقال السّدي بعث الله عليهم العرب يأخذون منهم الجزية ويقتلونهم، وقال ابن عباس المبعوث عليهم محمد صلى الله عليه وسلّموأمته ولم يجب الخراج نبي قط إلا موسى جباه ثلاث عشرة سنة ثم أمسك للنبي ﷺ وقيل: الإخراج والإبعاد عن الوطن وذلك على قول من قال إن الضمير في ﴿عليهم﴾ عائد على أهل خيبر وقريظة والنضير وهذه الآية تدلّ على أن لا دولة لليهود ولا عزّ وأن الذلّ والصغار فيهم لا يفارقهم. وأمماًوَقَطَّعْنَهُمْ فِي الأٌّرْضِ أُمَمًا مِّنْهُمُ الصَّلِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ﴾ حال، وقال الحوفي مفعول ثان وتقدم قوله هذا في قطعناهم ﴿اثنتي عشرة والصالحون﴾ من آمن منهم بعيسى ومحمد ﵉ أو من آمن بالمدينة ومنهم منحطون عن الصالحين وهم الكفرة وذلك إشارة إلى الصلاح أي ﴿ومنهم قوم﴾ دون أهل الصلاح لأنه لا يعتدل التقسيم إلا على هذا التقدير من حذف مضاف أو يكون ذلك المعنى به أولئك فكأنه قال ﴿ومنهم قوم﴾ دون أولئك، وقد ذكر النحويون أنّ اسم الإشارة المفرد قد يستعمل للمثنى والمجموع فيكون ﴿ذلك﴾ بمعنى أولئك على هذه اللغة.

стр. 1317

ثم يستعمل للانحطاط في المرتبة، وقال ابن عطية: فإن أريد بالصلاح الإيمان فدون ذلك بمعنى غير يراد به الكفرة انتهى، فإن أراد أنّ ﴿دون﴾ ترادف غيراً فهذا ليس بصحيح وإن أراد أنه يلزم ممن كان دون شيء أن يكون غيراً فصحيح و ﴿دون﴾ ظرف في موضع رفع نعت لمنعوت محذوف ويجوز في التفصيل بمن حذف الموصوف وإقامة صفته مقامة نحو هذا ومنه قولهم منا ظعن ومنا أقام. وهذا العطف على التقدير ودرسوا معطوف على قولة ألم يؤخذ. وقال الطبري وغيره: هو معطوف على قوله ورثوا الكتابوَدَرَسُواْ مَا فِيهِ﴾ وفيه بعد، وقيل هو على إضمار قد أي وقد ﴿درسوا ما فيه﴾ وكونه معطوفاً على التقرير هو الظاهر. وقرأ الجحدري ﴿أن لا تقولوا﴾ بتاء الخطاب، وقرأ علي والسلمي: وادّارسوا وأصله وتدارسوا كقوله ﴿فادارأتم﴾ أي تدارأتم وقد مر تقريره في العربية، وهذه القراءة نوضح أن معنى ﴿ودرسوا ما فيه﴾ هو التكرار لقراءته والوقوف عليه وأنّ تأويل من تأوّل ﴿ودرسوا ما فيه﴾ أن معناه ومحوه بترك العمل والفهم له من قولهم درست بالريح الآثار إذا محتها فيه بعد ولو كان كما قيل لقيل ربع مدروس وخط مدروس، وإنما قالوا: ربع دارس وخط دارس بمعنى دائر. وقرأ أبو عمرو وأهل مكة يعقلونوَالدَّارُ الأٌّخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ * وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَبِ وَأَقَامُواْ الصَّلَوةَ إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ * وَإِذ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّواْ أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُواْ مَآءَاتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُواْ مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ بالياء جرياً على الغيبة في الضمائر السابقة، وقرأ الجمهور بالخطاب على طريقة الالتفات إليهم أو على طريق خطاب هذه الأمة. وقيل: الكتاب هنا للجنس أي الكتب الإلهية.

стр. 1318

وقرأ عمر وأبو العالية وأبو بكر عن عاصم يمسكونوَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَبِ وَأَقَامُواْ الصَّلَوةَ إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ * وَإِذ﴾ من أمسك والجمهور ﴿يمسكون﴾ مشدّداً من مسك وهما لغتان جمع بينهما كعب بن زهير فقال: فتما تمسّك بالعهد الذي زعمت إلا كما يمسك الماء الغرابيل وأمسك متعدّ قال: ﴿ويمسك السماء أن تقع على الأرض﴾ فالمفعول هنا محذوف أي يمسكون أعمالهم أي يضبطونها والباء على هذا تحتمل الحالية والآلة ومسك مشدد بمعنى تمسّك والباء معها للآلة وفعل تأتّى بمعنى تفعل نصّ عليه التصريفيون، وقرأ عبد الله والأعمش: استمسكوا وفي حرف أبي تمسكوا بالكتاب والظاهر أن قوله ﴿والذين﴾ استئناف إخبار لما ذكر حال من لم يتمسك بالكتاب ذكر حال من استمسك به فيكونن والذين على هذا مرفوعاً بالابتداء وخبره الجملة بعده كقوله ﴿إنّ الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنا لا نضيع أجر من أحسن عملاً﴾ إذا جعلنا الرابط هو في من أحسن عملاً وهو العموم كذلك هذا يكون الرابط هو العموم في ﴿المصلحين﴾ ، وقال الحوفي وأبو البقاء: الرابط محذوف تقديره أجر المصلحين اعتراض والتقدير مأجورون أو نأجرهم انتهى، ولا ضرورة إلى ادعاء الحذف وأجاز أبو البقاء أن يكون الرّابط هو ﴿المصلحين﴾ وضعه موضع المضمر أي لا نضيع أجرهم انتهى، وهذا على مذهب الأخفش حيث أجاز الرابط بالظاهر إذا كان هو المبتدأ فأجاز زيد قام أبو عمرو إذا كان أبو عمرو وكنية زيد كأنه قال: زيد قام أي هو وأجاز الزمخشري أن يكون ﴿والذين﴾ في موضع جرّ عطفاً على ﴿الذين يتّقون﴾ ولم يذكر ابن عطية غيره والاستئناف هو الظاهر كما قلنا.

стр. 1319

الكلب حيوان معروف ويجمع في القلة على أكلب وفي الكثرة على كلاب وشذوا في هذا الجمع فجمعوه بالألف والتاء فقالوا كلابات، وتقدّمت هذه المادة في مكلبينوَإِذ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّواْ أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُواْ مَآءَاتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُواْ مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِىءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَآ أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَمَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَفِلِينَ * أَوْ تَقُولُواْ إِنَّمَآ أَشْرَكَءَابَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ * وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ * وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِى ءاتَيْنَهُءَايَتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَنُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأٌّرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِثَايَتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ * سَآءَ مَثَلاً الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِئَايَتِنَا وَأَنفُسَهُمْ كَانُواْ يَظْلِمُونَ * مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِى وَمَن يُضْلِلْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَسِرُونَ * وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْءَاذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَآ أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَمِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَفِلُونَ * وَللَّهِ

стр. 1320

الأَسْمَآءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُواْ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِى أَسْمَئِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ * وَمِمَّنْ خَلَقْنَآ أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ * وَالَّذِينَ كَذَّبُواْ بِئَايَتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ * وَأُمْلِى لَهُمْ إِنَّ كَيْدِى مَتِينٌ * أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُواْ مَا بِصَاحِبِهِم مِّن جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ مُّبِينٌ * أَوَلَمْ يَنظُرُواْ فِى مَلَكُوتِ السَّمَوَتِ وَالأٌّرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِن شَىْءٍ وَأَنْ عَسَى أَن يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ * مَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلاَ هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِى طُغْيَنِهِمْ يَعْمَهُونَ * يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لاَ يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَآ إِلاَّ هُوَ ثَقُلَتْ فِى السَّمَوَتِ وَالأٌّرْضِ لاَ تَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً يَسْئَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِىٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ * قُل﴾ وكرّرناها لزيادة فائدة، لهث الكلب يلهث بفتح الهاءين ماضياً ومضارعاً والمصدر لهثاً ولهثاً بالضم أخرج لسانه وهي حالة له في التعب والراحة والعطش والريّ بخلاف غيره من الحيوان فإنه لا يلهث إلا من إعياء وعطش، لحد وألحد لغتان قيل بمعنى واحد هو العدول عن الحقّ والإدخال فيه ما ليس منه قاله ابن السكيت، وقال غيره: العدول عن الاستقامة والرّباعي أشهر في الاستعمال من الثلاثي وقال الشاعر: ليس الأمير بالشحيح الملحد

стр. 1321

ومنه لحد القبر وهو الميل إلى أحد شقيه ومن كلامهم ما فعل الواحد قالوا: لحده اللاحد، وقيل ألحد بمعنى مال وانحرف ولحد بمعنى ركن وانضوى قاله الكسائي، متن متانة اشتدّ وقوي، أيان ظرف زمان مبني لا يتصرف وأكثر استعماله في الاستفهام ويليه الاسم مرفوعاً بالابتداء والفعل المضارع لا الماضي بخلاف متى فإنهما يليانه قال تعالى: ﴿أيان يبعثون﴾ و ﴿أيان مرساها﴾ قال الشاعر: أيان تقضي حاجتي أيانا أما ترى لفعلها إبانا وتستعمل في الجزاء فتجزم المضارعين وذلك قليل فيها ولم يحفظ سيبويه لكن حفظه غيره وأنشدوا قول الشاعر: إذا النعجة العجفاء باتت بقفرة فأيّان ما تعدل بها الريح تنزل وقال غيره: أيان نؤمنك تأمن غيرنا وإذا لم تدرك الأمن منا لم تزل حذرا وقال ابن السّكيت: يقال هذا خلف صدق وهذا خلف سوء ويجوز هؤلاء خلف صدق وهؤلاء خلف سوء واحده وجمعه سواء، وقال الشاعر: إنا وجدنا خلفا بئس الخلف عبداً إذا ما ناء بالحمل وقف انتهى. وقد جمع في الردي بين اللغتين في هذا البيت، وقال النضر بن شميل: التحريك والإسكان معاً في القرآن الردي وأما الصالح فبالتحريك لا غير وأكثر أهل اللغة على هذا إلا الفراء وأبا عبيدة فإنهما أجازا الإسكان في الصالح والخلف أما مصدر خلف ولذلك لا يثنّى ولا يجمع ولا يؤنث وإن ثني وجمه وأنّث ما قبله وإما جمع خالف كراكب وركب وشارب وشرب قاله ابن الأنباري، وليس بشيء لجريانه على المفرد واسم الجمع لا يجري على المفرد، قال ابن عباس وابن زيد: هنا هم اليهود، قال الزمخشري: وهم الذين كانوا في زمان رسول الله ﷺ وقال الطبري هم أبناء اليهود وعن مجاهد أنهم النصارى وعنه أنهم هؤلاء الأمة. ولناوَرِثُواْ الْكِتَبَ﴾ في موضع المفعول الذي لم يسمّ فاعله، وقيل ضمير مصدر يأخذون أي ﴿سيغفر﴾ هو أي الأخذ ﴿لنا﴾ . ﴿وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه﴾ الظاهر أن هذا استئناف إخبار عنهم.

стр. 1322

ولهذه الأمة من هذه الآية نصيب وافر. قال رسول الله ﷺ «لتسلكنّ سنن من قبلكم» ومن اختبر حال علمائها وقضاتها ومشيبها شاهد بالعيان ما أخبر به الصادق، وقال الزمخشري: الواو للحال يعني في ﴿وإن يأتهم﴾ أي يرجون المغفرة وهم مصرّون عائدون إلى مثل قولهم غير ناسين وغفرا الذنوب لا يصحّ إلا بالتوبة والمصر لا غفران له انتهى، وجملة على جعل الواو للحال لا للعطف مذهب الاعتزال والظاهر ما قدّمناه ولا يردّ عليه بأن جملة الشرط لا تقع حالاً لأنّ ذلك جائز. وأن لا يقولواأَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِم مِّيثَاقُ الْكِتَبِ أَن لاَّ يِقُولُواْ عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ وَدَرَسُواْ مَا فِيهِ﴾ في موضع رفع على البدل من ميثاق الكتاب، وقال الزمخشري: هو عطف بيان لميثاق الكتاب ومعناه الميثاق المذكور في الكتاب وفيه إنّ إثبات المغفرة بغير توبة خروج عن ميثاق الكتاب وافتراء على الله تعالى وتقول ما ليس بحق علي وإن فسّر ﴿ميثاق الكتاب﴾ بما تقدم ذكره كان ﴿أن لا يقولوا﴾ مفعولاً له ومعناه لئلا يقولوا ويجوز أن تكون مفسّرة ولا يقولوا نهياً، كأنه قيل ألم يقل لكم لا تقولوا على الله إلا الحق. وكسر فتحة همزتها لغة سليم وهي عندي حرف بسيط لا مركب وجامد لا مشتق وذكر صاحب كتاب اللوامح أن أيّان في الأصل كان أيّ أوان فلما كثر دوره حذفت الهمزة على غير قياس ولا عوض وقلبت الواو ياء فاجتمعت ثلاث ياءات فحذفت إحداها فصارت على ما رأيت انتهى، وزعم أبو الفتح أنه فعلان وفعلال مشتق من أي ومعناه أي وقت وأي فعل من أويت إليه لأنّ البعض آو إلى الكل متساند إليه وامتنع أن يكون فعالاً وفعالاً من أين لأن أيّان ظرف زمان وأين ظرف مكان فأوجب ذلك أن يكون من لفظ أي لزيادة النون ولأن أيان استفهام كما أن أياً كذلك والأصل عدم التركيب وفي أسماء الاستفهام والشرط الجمود كمتى وحيثما وأنى وإذا.

стр. 1323

وفوقهموَإِذ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّواْ أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ﴾ حال مقدرة والعامل فيها محذوف تقديره كائناً فوقهم إذ كانت حالة النتق لم تقارن الفوقية لكنه صار فوقهم، وقال الحوفي وأبو البقاء: ﴿فوقهم﴾ ظرف لنتقنا ولا يمكن ذلك إلا أن ضمن ﴿نتقنا﴾ معنى فعل يمكن أن يعمل في ﴿فوقهم﴾ أي رفعنا بالنتق الجبل فوقهم فيكون كقوله ﴿ورفعنا فوقهم الطور﴾ والجملة من قوله ﴿كأنه ظلة﴾ في موضع الحال.

стр. 1324

(فإن قلت) : بنو آدم وذرياتهم من هم، قلت: عني ببني آدم أسلاف اليهود الذين أشركوا بالله تعالى حيث قالوا: عزير ابن اللهوَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِىءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى﴾ وبذرياتهم الذين كانوا في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلّممن أخلافهم المقتدين بآبائهم والدليل على أنها في المشركين وأولادهم قوله تعالى: ﴿أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل﴾ والدليل على أنها في اليهود الآيات التي عطفت عليها هي والتي عطفت عليها وهي على نمطها وأسلوبها وذلك على قوله ﴿واسألهم عن القرية﴾ و ﴿إذ قالت أمة منهم وإذ تأذن ربّك وإذ نتقنا الجبل فوقهم واتلُ عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا﴾ انتهى كلام الزمخشري وهو بسط كلام من تقدمه، قال ابن عطية: قال قوم الآية مشيرة إلى هذا التأويل الذي في الدنيا وأخذ بمعنى أوجد وأن الاشهادين عند بلوغ المكلّف وهو قد أعطى الفهم ونصبت له الصفة الدالة على الصانع ونحالها الزجاج وهو معنى تحتمله الألفاظ انتهى، والقول بظاهر الحديث يطرق إلى القول بالتناسخ فيجب تأويله ومفعول ﴿أخذ ذرياتهم﴾ قاله الحوفي ويحتمل في قراءة الجميع أن يكون مفعول ﴿أخذ﴾ محذوفاً لفهم المعنى و ﴿ذرّياتهم﴾ بدل من ضمير ﴿ظهورهم﴾ كما أنّ ﴿من ظهورهم﴾ بدل من قوله ﴿بني آدم﴾ والمفعول المحذوف هو الميثاق كما قال: ﴿وأخذنا منهم ميثاقاً غليظاً﴾ ﴿وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله﴾ وتقدير الكلام: وإذ أخذ ربك من ظهور ذرّيات بني آدم ميثاق التوحيد لله وإفراده بالعبادة.g وقرأ العربيان ونافع: ﴿ذرياتهم﴾ بالجمع وتقدّم إعرابه، وقرأ باقي السبعة ذرّيتهم مفرداً بفتح التاء ويتعيّن أن يكون مفعولاً بأخذ وهو على حذف مضاف أي ميثاق ذرياتهم.

стр. 1325

وإنما كان أخذ الميثاق من ذرية بني آدم لأنّ بني آدم لصلبه لم يكن فيهم مشرك وإنما حدث الإشراك في ذريتهم. فعلى هذين القولين يكون الذيوَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِى ءاتَيْنَهُءَايَتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَنُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ﴾ مفرداً أريد به الجمع، وقال الجمهور: هو شخص معين. قال القتبي تبعه من خلفه واتبعه أدركه ولحقه كقوله: ﴿فاتبعوهم مشرقين﴾ أي أدركوهم فعلى هذا يكون متعدياً إلى واحد وقد يكون اتبع متعدّياً إلى اثنين كما قال تعالى: وأتبعناهم ذرّياتهم بإيمان فيقدر هذا ﴿فأتبعه الشيطان﴾ خطواته أي جعله الشيطان يتبع خطواته فتكون الهمزة فيه للتعدي إذ أصله تبع هو خطوات الشيطان، وقرأ طلحة بخلاف والحسن فيما روى عنه هارون ﴿فاتبعه﴾ مشدّداً بمعنى تبعه، قال صاحب كتاب اللوامح: بينهما فرق وهو أن تبعه إذا مشى في أثره واتبعه إذا واراه مشياً فأما ﴿فأتبعه﴾ بقطع الهمزة فمما يتعدّى إلى مفعولين لأنه منقول من تبعه وقد حذف في العامة أحد المفعولين، وقيل فأتبعه بمعنى استتبعه أي جعله له تابعاً فصار له مطيعاً سامعاً، وقيل معناه: تبعه شياطين الإنس أهل الكفر والضلال، ﴿فكان من الغاوين﴾ يحتمل أن تكون ﴿كان﴾ باقية الدلالة على مضمون الجملة واقعاً في الزمان الماضي ويحتمل أن تكون كان بمعنى صار أي صار من الضالين الكافرين. والضمير في لرفعناهوَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأٌّرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾ في هذه الأقوال عائد على الذي أوتي الآيات وإن اختلفوا في الضمير في ﴿بها﴾ على ما يعود وقال قوم الضمير في ﴿لرفعناه﴾ على الكفر المفهوم مما سبق وفي ﴿بها﴾ عائد على الآيات أي ولو شئنا لرفعنا الكفر بالآيات وهذا المعنى روي عن مجاهد وفيه بعد وتكلّف. وهذه الجملة الشرطية في موضع الحال أي لاهثاً في الحالتين قاله الزمخشري وأبو البقاء.

стр. 1326

وقال بعض شراح كتاب المصباح: وأما الشرطية فلا تكاد تقع بتمامها موضع الحال فلا يقال جاءني زيد إن يسأل يععط على الحال بل لو أريد ذلك لجعلت الجملة الشرطية خبراً عن ضمير ما أريد الحال عنه نحو جاء زيد هو وإن يسأل يعط فيكون الواقع موقع الحال هو الجملة الإسمية لا الشرطية، نعم قد أوقعوا الجمل المصدرة بحرف الشرط موقع الحال ولكن بعد ما أخرجوها عن حقيقة الشرط وتلك الجملة لم تخلُ من أن يُعطف عليها ما يناقضها أو لم يعطف والأول ترك الواو مستمرّ فيه نحو أتيتك إن أتيتني وإن لم تأتني إذ لا يخفى أن النقيضين من الشرطين في مثل هذا الموضع لا يبقيان على معنى الشرط بل يتحولان إلى معنى التسوية كالاستفهامين المتناقضين في قوله أأنذرتهم أم لم تنذرهمفَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث﴾ وأما الثاني فلا بدّ من الواو نحو أتيتك وإن لم تأتني ولو ترك الواو لالتبس بالشرط حقيقة انتهى فقوله ﴿إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث﴾ من قبيل الأول لأن الحمل عليه والترك نقيضان. واحتمل أن تكون أداة التشبيه محذوفة من ذلك أي صفة ذلك صفة الذين كذبوا واحتمل أن تكون محذوفة من ﴿مثل القوم﴾ أي ذلك الوصف وصف المنسلخ أو وصف الكلب كمثل ﴿الذين كذبوا بآياتنا﴾ ويكون أبلغ في ذمّ المكذبين حيث جعلوا أصلاً وشبه بهم.

стр. 1327

ساءسَآءَ مَثَلاً الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِئَايَتِنَا﴾ بمعنى بئس وتقدم لنا أن أصلها التعدّي تقول: ساءني الشيء يسوءني ثم لما استعملت استعمال بئس بنيت على فعل وجرت عليها أحكام بئس ﴿ومثلاً﴾ تمييز للضمير المستكنّ في ساء فاعلاً وهو مفسر بهذا التمييز وهو من الضمائر التي يفسرها ما بعدها ولا يثنّي ولا يجمع على مذهب البصريين وعن الكوفيين خلاف مذكور في النحو ولا بد أن يكون المخصوص بالذمّ من جنس التمييز فاحتيج إلى تقدير حذف أما في التمييز أي ساء أصحاب مثل القوم وأما في المخصوص أي ساء مثلاً مثل القوم وهذه الجملة تأكيد للجملة السابقة. وقرأ الحسن وعيسى بن عمر والأعمش: ساء مثل بالرفع ﴿القوم﴾ بالخفض واختلف على الجحدري فقيل: كقراءة الأعمش، وقيل: بكسر الميم وسكون الثاء وضم اللام مضافاً إلى ﴿القوم﴾ والأحسن في قراءة المثل بالرفع أن يكتفى به ويجعل من باب التعجب نحو لقضو الرجل أي ما أسوأ مثل القوم ويجوز أن يكون كبئس على حذف التمييز على مذهب من يجيزه التقدير ساء مثل القوم أو على أن يكون المخصوص ﴿الذين كذبوا﴾ على حذف مضاف أي بئس مثل القوم مثل ﴿الذين﴾ كذبوا لتكون الذين مرفوعاً إذ قام مقام مثل المحذوف لا مجروراً صفة للقوم على تقدير حذف التميز. يحتمل أن يكون معطوفاً على الصلة ويحتمل أن يكون استئناف إخبار عنهم بأنهم كانوا يظلمون أنفسهم والزمخشري على طريقته في أن تقديم المفعول يدلّ على الحصر فقدره وما ظلموا إلا أنفسهم بالتكذيب، قال: وتقديم المفعول به لاختصاص كأنه قيل وخصُّوا أنفسهم بالظلم ولم يتعدّ إلى غيرها. وقال بعضهم: في الكلام حذف أي من يهد اللهوَأَنفُسَهُمْ كَانُواْ يَظْلِمُونَ * مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِى وَمَن يُضْلِلْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَسِرُونَ﴾ فيقبل ويهتدي بهداه ﴿فهو المهتدي ومن يضلل﴾ بأن لم يقبل فهو الخاسر.

стр. 1328

واللام للصيرورة على قول من أثبت لها هذا المعنى أو لما كان مآلهم إليها جعل ذلك سبباً على جهة المجاز فقد رد ابن عطية قول من زعم أنها للصيرورة، فقال: وليس هذا بصحيح ولام العاقبة إنما يتصور إذا كان فعل الفاعل لم يقصد به ما يصير الأمر إليه، وأما هنا فالفعل قصد به ما يصير الأمر إليه من سكناهم لجهنم انتهى، وإنما ذهب إلى أنها لام العاقبة والصيرورة لأنه تعالى قال: وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدونوَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ﴾ فإثبات كونها للعلة ينافي قوله: ﴿إلا ليعبدون﴾ وأنشدوا دليلاً على إثبات معنى الصيرورة للام قول الشاعر: ألا كل مولود فللموت يولد ولست أرى حيا لحي يخلد وقول الآخر: فللموت تغدو الوالدات سخالها

стр. 1329

كما لخراب الدّهر تبنى المساكن وأقول هذا الإضراب ليس على جهة الإبطال للخبر السابق من تشبيهههم بالأنعام ولا يجوز أن تكون جهة المبالغة في الضلال هي جهة التشبيه لأنه يؤدي إلى كذب أحد الخبرين وذلك مستحيل في حق الله تعالى وكلام من تقدم من المفسرين يدل على أنه تعالى شبّههم بالأنعام فيما ذكر وأنهم أضل من الأنعام فيما وقع التشبيه فيه وهو لا يجوز لما ذكرناه فالمعوّل عليه أن جهة التشبيه مخالفة لجهة المبالغة في الضلال وأن هذا الإضراب ليس على سبيل الإبطال بمدلول الجملة السابقة بل هم أضلأُوْلَئِكَ كَالأَنْعَمِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾ إضراب دال على الانتقال من إخبار إلى إخبار فالجملة الأولى شبههم بالأنعام في انتفاء منافع الإدراكات المؤدّية إلى امتثال ما جاءت به الرسل والجملة الثانية أثبتت لهم المبالغة في ضلال طريقهم التي يسلكونها فالموصوف بالمبالغة في الضلال طريقهم وحذف التمييز وتقديره: ﴿بل هم أضل﴾ طريقاً منهم ويبين هذا قوله تعالى: ﴿أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام﴾ أي في انتفاء السمع للتدبر والعقل ﴿بل هم أضل سبيلاً﴾ أي بل سبيلهم أضل فالمحكوم عليه أوّلاً غير المحكوم عليه آخراً والمحكوم به أيضاً مختلف.

стр. 1330

قال الزمخشري: التي هي أحسن الأسماء لأنها لا تدل على معان حسنة من تحميد وتقديس وغير ذلك انتهى، فالحسنى هي تأنيث الأحسن ووصف الجمع الذي لا يعقل بما يوصف به الواحدة كقوله ولي فيها مآرب أخرىوَللَّهِ الأَسْمَآءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُواْ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِى أَسْمَئِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ * وَمِمَّنْ خَلَقْنَآ أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ * وَالَّذِينَ كَذَّبُواْ بِئَايَتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ * وَأُمْلِى﴾ وهو فصيح ولو جاء على المطابقة للجمع لكان التركيب الحسن على وزن الأخر كقوله ﴿فعدة من أيام أخر﴾ لأن جمع ما لا يعقل يخبر عنه ويوصف بجمع المؤنثات وإن كان المفرد مذكّراً، وقيل: ﴿الحسنى﴾ مصدر وصف به، قال ابن عطية: و ﴿الأسماء﴾ هاهنا: بمعنى التسميات إجماعاً من المتأولين لا يمكن غيره انتهى. ولا تحرير فيما قال لأنّ التسمية مصدر والمراد هنا الألفاظ التي تطلق على الله تعالى وهي الأوصاف الدالة على تغاير الصفات لا تغاير الموصوف كما تقول جاء زيد الفقيه الشجاع الكريم وكون الاسم الذي أمر تعالى أن يدعى به حسناً هو ما قرره الشرع ونص عليه في إطلاقه على الله ومعنى ﴿فادعوه بها﴾ أي نادوه بها كقولك: يا الله يا رحمن يا مالك وما أشبه ذلك، وقال الزمخشري: فسمّوه بتلك الأسماء جعله من باب دعوت ابني عبد الله أي سميته بهذا الاسم واختلف في الاسم الذي يقتضي مدحاً خالصاً ولا تتعلق به شبهة ولا اشتراك إلا أنه لم يرد منصوصاً هل يطلق ويسمى الله تعالى به فنصّ القاضي أبو بكر الباقلاني على الجواز ونصّ أبو الحسن الأشعري على المنع، وبه قال الفقهاء والجمهور وهو الصواب واختلف أيضاً في الأفعال التي في القرآن كقوله تعالى: ﴿اللَّه يستهزىء بهم﴾ و ﴿يمكرون ويمكر اللَّه﴾ هل يطلق عليه منه تعالى اسم فاعل مقيد بمتعلقه فيقال الله مستهزىء بالكافرين

стр. 1331

وماكر بالذين يمكرون فجوّز ذلك فرقة ومنعت منه فرقة وهو الصواب وأما إطلاق اسم الفاعل بغير قيده فالإجماع على منعه. لما من ذرأ للنار ذكر مقابلهم وفي لفظة وممنوَمِمَّنْ خَلَقْنَآ أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ * وَالَّذِينَ كَذَّبُواْ بِئَايَتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ * وَأُمْلِى﴾ دلالة على التبعيض وأن المعظم من المخلوقين ليسوا هداة إلى الحق ولا عادلين به، قيل: هم العلماء والدعاة إلى الدين، وقيل: هم مؤمنو أهل الكتاب قاله ابن الكلبي وروي عن قتادة وابن جريج، وقيل: هم المهاجرون والأنصار والتابعون لهم بإحسان، وقال ابن عباس: هم أمة محمد صلى الله عليه وسلّموعليه أكثر المفسرين. كما أنّ مقابلها في قوله ﴿ولقد ذرأنا لجهنم﴾ لا يدلّ على تعيين أشخاص ولا زمان وإنما هذا تقسيم للمخلوق للنار والمخلوق للجنة ولذلك قيل: إنّ في الكلام محذوفاً تقديره ﴿وممن خلقنا﴾ يدلّ عليه إثبات مقابله في قوله ﴿ولقد ذرأنا لجهنم﴾ . معطوف على سنستدرجهموَالَّذِينَ كَذَّبُواْ بِئَايَتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ * وَأُمْلِى لَهُمْ إِنَّ كَيْدِى مَتِينٌ﴾ فهو داخل في الاستقبال وهو خروج من ضمير التكلم بنون العظمة إلى ضمير تكلم المفرد والمعنى أؤخرهم ملاوة من الدهر. وقرأ عبد الحميد عن ابن عامر أن كيدي بفتح الهمزة على معنى لأجل ﴿أنّ كيدي﴾ ، وقرأ الجمهور بكسرها على الاستئناف.

стр. 1332

وهذا الاستفهام قيل: معناه التوبيخ، وقيل: التحريض على التأمل والجنة كما قال تعالى من الجنة والناسأَوَلَمْ يَتَفَكَّرُواْ مَا بِصَاحِبِهِم مِّن جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾ والمعنى من مس جنة أو تخبيط جنة، وقيل: هي هيئة كالجلسة والركبة أريد بها المصدر أي ما بصاحبهم من جنون والظاهر أن ﴿يتفكروا﴾ معلّق عن الجملة المنفيّة وهي في موضع نصب بيتفكروا بعد إسقاط حرف الجر لأن التفكر من أعمال القلوب فيجوز تعليقه والمعنى أو لم يتأملوا ويتدبروا في انتفاء هذا الوصف عن الرسول فإنه منتف لا محالة ولا يمكن لمن أنعم الفكر في نسبة ذلك إليه، وقيل ثم مضمر محذوف أي فيعلموا ما بصاحبهم من جنة قالوا الحوفي، وزعم أن تفكّروا لا تعلّق لأنه لا يدخل على الجمل قال: ودلّ التفكر على العلم، وقال أصحابنا: إذا كان فعل القلب يتعدى بحرف جر قدرت الجملة في موضع جر بعد إسقاط حرف الجر ومنهم من زعم أنه يضمن الفعل الذي تعدى بنفسه إلى واحد أو بحرف جر إلى واحد معنى ما يتعدى إلى اثنين فتكون الجملة في موضع المفعولين فعلى هذين الوجهين لا حاجة إلى هذا المضمر الذي قدّره الحوفي، وقيل تمّ الكلام على قوله ﴿يتفكروا﴾ ثم استأنف إخباراً بانتفاء الجنة وإثبات النذارة، وقال أبو البقاء: في ﴿ما﴾ وجهان أحدهما: أنها باقية وفي الكلام حذف تقديره أو لم يتفكروا في قولهم به جنة، والثاني أنها استفهام أي أو لم يتفكروا أي شيء بصاحبهم من الجنون مع انتظام أقواله وأفعاله، وقيل هي بمعنى الذي تقديره أو لم يتفكروا في ما بصاحبهم وعلى هذا يكون الكلام خرج على زعمهم انتهى وهي تخريجات ضعيفة ينبغي أن ينزه القرآن عنها وتفكر مما ثبت في اللسان تعليقه فلا ينبغي أن يعدل عنه.

стр. 1333

وأنوَأَنْ عَسَى أَن يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ﴾ معطوف على ﴿ما﴾ في قوله ﴿وما خلق﴾ وبخوا على انتفاء نظرهم في ملكوت السموات والأرض وهي أعظم المصنوعات وأدلتها على عظمة الصانع ثم عطف عليه شيئاً عاماً وهو قوله ﴿وما خلق الله من شيء﴾ . ﴿وأن﴾ هي المخففة من الثقيلة واسمها محذوف ضمير الشأن وخبرها ﴿عسى﴾ وما تعلقت به وقد وقع خبر الجملة غير الخبرية في مثل هذه الآية وفي مثل ﴿والخامسة أن غضب الله عليها﴾ فغضب الله عليها جملة دعاء وهي غير خبرية فلو كانت ﴿أن﴾ مشددة لم تقع ﴿عسى﴾ ولا جملة الدعاء لها لا يجوز علمت أن زيداً عسى أن يخرج ولا علمت أن زيداً لعنه الله وأنت تريد الدعاء وأجاز أبو البقاء أن تكون ﴿أن﴾ هي المخففة من الثقيلة وأن تكون مصدرية يعني أن تكون الموضوعة على حرفين وهي الناصبة للفعل المضارع وليس بشيء لأنهم نصوا على أنها توصل بفعل متصرّف مطلقاً يعنون ماضياً ومضارعاً وأمراً فشرطوا فيه التصرّف، و ﴿عسى﴾ فعل جامد فلا يجوز أن يكون صلة لأن و ﴿عسى﴾ هنا تامة وأن يكون فاعل بها نحو قولك عسى أن تقوم واسم ﴿يكون﴾ . قال الحوفي: ﴿أجلهم﴾ و ﴿قد اقترب﴾ الخبر، وقال الزمخشري وغيره: اسم ﴿يكون﴾ ضمير الشأن فيكون ﴿قد اقترب أجلهم﴾ في موضع نصب في موضع خبر ﴿يكون﴾ و ﴿أجلهم﴾ فاعل باقترب وما أجازه الحوفي فيه خلاف فإذا قلت كان يقوم زيد فمن النحويين من زعم أنّ زيداً هو الاسم ويقوم في موضع نصب على الخبر ومنهم من منع ذلك ويجعل في ذلك ضمير الشأن والجواز اختيار ابن مالك والمنع اختيار ابن عصفور وقد ذكرنا هذه المسألة مستوفاة التقسيم والدلائل في شرحنا لكتاب التسهيل. والضمير في بعدهفَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ للقرآن أو الرسول وقصته وأمره أو الأجل إذ لا عمل بعد الموت أقوال ثلاثة. قال الزمخشري: (فإن قلت) : بم يتعلق قوله ﴿فبأي حديث بعده يؤمنون﴾ ، (قلت) : بقوله: ﴿عسى أن يكون قد اقترب أجلهم﴾ .

стр. 1334

قرأ الحسن وقتادة وأبو عبد الرحمن وأبو جعفر والأعرج وشيبة والحرميان وابن عامر ونذرهم بالنون ورفع الراء وأبو عمرو وعاصم بالياء ورفع الراء وهو استئناف إخبار قطع الفعل أو أضمر قبله ونحن فيكون جملة اسمية، وقرأ ابن مصرّف والأعمش والأخوان وأبو عمرو فيما ذكر أبو حاتم بالياء والجزم وروى خارجة عن نافع بالنون والجزم وخرج سكون الراء على وجهين أحدهما أنه سكن لتوالي الحركات كقراءة وما يشعركموَيَذَرُهُمْ فِى طُغْيَنِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ وينصركم فهو مرفوع والآخر أنه مجزوم عطفاً على محل ﴿فلا هادي له﴾ فإنه في موضع جزم فصار مثل قوله ﴿فهو خير لكم﴾ ونكفر في قراءة من قرأ بالجزم في راء ونكفر. ومثل قول الشاعر: أنّى سلكت فإنني لك كاشح وعلى انتقاصك في الحياة وازدد ومرساهايَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَهَا﴾ مصدر أي متى إرساها وإثباتها إقرارها والرّسو ثبات الشيء الثقيل ومنه رسا الجبل وأرسيت السفينة والمرسا المكان الذي ترسو فيه، وقال الزمخشري: ﴿مرساها﴾ إرساؤها أو وقت إرسائها أي إثباتها وإقرارها انتهى، وتقديره أو وقت إرسائها ليس بجيد لأنّ ﴿أيان﴾ اسم استفهام عن الوقت فلا يصحّ أن يكون خبراً عن الوقت إلا بمجاز لأنه يكون التقدير في أي وقت وقت إرسائها ﴿وأيان مرساها﴾ مبتدأ وحكى ابن عطية عن المبرّد أن ﴿مرساها﴾ مرتفع بإضمار فعل ولا حاجة إلى هذا الإضمار ﴿وأيان مرساها﴾ جملة استفهامية في موضع البدل من ﴿الساعة﴾ والبدل على نية تكرار العامل وذلك العامل معلق عن العمل لأنّ الجملة فيها استفهام ولما علق الفعل وهو يتعدى بعن صارت الجملة في موضع نصب على إسقاط حرف الجر فهو بدل في الجملة على موضع عن الساعة لأنّ موضع المجرور نصب ونظيره في البدل قولهم عرفت زيداً أبو من هو على أحسن المذاهب في تخريج هذه المسألة أعني في كون الجملة الاستفهامية تكون في موضع البدل.

стр. 1335

و ﴿يذرون وراءهم يوماً ثقيلاً﴾ أي شديداً صعباً وأصله أن يتعدى بعلى تقول ثقل عليّ هذا الأمر، وقال الشاعر: ثقيل على الأعداء فإما أن يدّعي أنّ في بمعنى على كما قال بعضهم في قوله ﴿ولأصلبنكم في جذوع النخل﴾ أي ويضمن ﴿ثقلت﴾ معنى يتعدى بفي. وعنهايَسْئَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِىٌّ عَنْهَا﴾ إما أن يتعلق بيسألونك أي يسألونك عنها وتكون صلة ﴿حفي﴾ محذوفة والتقدير كأنك حفي بها أي معتن بشأنها حتى علمت حقيقتها ووقت مجيئها أو كأنك حفيّ بهم أو معتن بأمرهم فتجيبهم عنها لزعمهم أن علمها عندك وحفي لا يتعدى بعن قال تعالى: ﴿إنه كان بي حفيًّا﴾ فعداه بالباء وإما أن يتعلق بحفي على جهة التضمين لأنّ من كان حفياً بشيء أدركه وكشف عنه فالتقدير كأنك كاشف بحفاوتك عنها وإما أن تكون عن بمعنى الباء كما تكون الباء بمعنى عن في قوله، فإن تسألوني بالنساء فإنني، أي عن النساء، وقرأ عبد الله كأنك حفيّ بها بالباء مكان عن أي عالم بها بليغ في العلم بها. ﴿قل إنما علمها عند الله﴾ أي علم مجيئها في علم الله وظرفية ﴿عند﴾ مجازية كما تقول النحو عند سيبويه أي في عليه وتكرير السؤال والجواب على سبيل التوكيد ولما جاء به من زيادة قوله ﴿كأنك حفي عنها﴾ .
следующие страницы →