← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 2505

الإعراب المحيط من تفسير البحر المحيط

ياسين جاسم المحيمد

Полный текст (2 567 стр.). Показаны 1891–1930 · переход к 1896.

стр. 1891

﴿وأينما كنت﴾ شرط وجزاؤه محذوف تقديره ﴿جعلني مباركاً﴾ وحذف لدلالة ما تقدم عليه، ولا يجوز أن يكون معمولاً لجعلني السابق لأن ﴿أين﴾ لا يكون إلاّ استفهاماً أو شرطاً لا جائز أن يكون هنا استفهاماً، فتعينت الشرطية واسم الشرط لا ينصبه فعل قبله إنما هو معمول للفعل الذي يليه. و ﴿ما﴾ في ﴿ما دمت﴾ مصدرية ظرفية. ﴿وبراً﴾ بفتح الباء فقال الحوفي وأبو البقاء: إنه معطوف على ﴿مباركاً﴾ وفيه بعد للفصل بين المعطوف والمعطوف عليه بالجملة التي هي ﴿أوصاني﴾ ومتعلقها، والأولى إضمار فعل أي وجعلني ﴿براً﴾ . ﴿ذلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِى فِيهِ يَمْتُرُونَ * مَا كَانَ للَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ سُبْحَنَهُ إِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ * وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّى وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَطٌ مُّسْتَقِيمٌ * فَاخْتَلَفَ الأٌّحْزَابُ مِن بَيْنِهِمْ فَوْيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن مَّشْهِدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ * أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا لَكِنِ الظَّلِمُونَ الْيَوْمَ فِى ضَلَلٍ مُّبِينٍ * وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِىَ الأٌّمْرُ وَهُمْ فِى غَفْلَةٍ وَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ * إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الأٌّرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ﴾ و ﴿ذلك﴾ مبتدأ و ﴿عيسى﴾ خبره و ﴿ابن مريم﴾ صفة لعيسى أو خبر بعد خبر أو بدل، وقال الزمخشري: وارتفاعه على أنه خبر بعد خبر أو بدل انتهى. وقرأ طلحة والأعمش في رواية زائدة قال: بألف جعله فعلاً ماضياً ﴿الحق﴾ برفع القاف على الفاعلية، والمعنى قال الحق وهو الله. وهذا الذي ذكر لا يكون إلا على المجاز في قول وهو أن يراد به كلمة الله لأن اللفظ لا يكون الذات.

стр. 1892

وقرأ الجمهور ﴿وإن اللَّه﴾ بكسر الهمزة على الاستئناف. وقرأ أبي بالكسر دون واو. وقرأ الحرميان وأبو عمرو ﴿وإن﴾ بالواو وفتح الهمزة، وخرجه ابن عطية على أن يكون معطوفاً على قوله هذا ﴿قول الحق﴾ ﴿وإن اللَّه ربي﴾ كذلك. وخرجه الزمخشري على أن معناه ولأنه ربي وربكم فأعبدوه كقوله: ﴿وأن المساجد للَّه فلا تدعوا مع اللَّه أحداً﴾ انتهى. وهذا قول الخليل وسيبويه وفي حرف أبي أيضاً، وبأن ﴿اللَّه﴾ بالواو وباء الجر أي بسبب ذلك فاعبدوه. وأجاز الفراء في ﴿وإن﴾ يكون في موضع خفض معطوفاً على والزكاة، أي ﴿وأوصاني بالصلاة والزكاة﴾ وبأن الله ربي وربكم انتهى. وهذا في غاية البعد للفصل الكثير، وأجاز الكسائي أن يكون في موضع رفع بمعنى الأمر ﴿إن اللَّه ربي وربكم﴾ . وقرأ زيد بن عليّ وابن عامر وعاصم وحمزة وابن أبي إسحاق والحسن ويعقوب ﴿قول الحق﴾ بنصب اللام، وانتصابه على أنه مصدر مؤكد لمضمون الجملة أي هذه الأخبار عن ﴿عيسى﴾ أنه ﴿ابن مريم﴾ ثابت صدق ليس منسوباً لغيرها. وقرأ طلحة والأعمش في رواية زائدة قال: بألف جعله فعلاً ماضياً ﴿الحق﴾ برفع القاف على الفاعلية، والمعنى قال الحق وهو الله. وقال ابن عطية: ﴿وهم في غفلة﴾ يريد في الدنيا الآن ﴿وهم لا يؤمنون﴾ كذلك انتهى. وعلى هذا يكون حالاً والعامل فيه ﴿وأنذرهم﴾ .

стр. 1893

﴿وَاذْكُرْ فِى الْكِتَبِ إِبْرَهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَّبِيّاً * إِذْ قَالَ لأًّبِيهِ يأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ وَلاَ يَبْصِرُ وَلاَ يُغْنِى عَنكَ شَيْئاً * يأَبَتِ إِنِّى قَدْ جَآءَنِى مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِى أَهْدِكَ صِرَاطاً سَوِيّاً * يأَبَتِ لاَ تَعْبُدِ الشَّيْطَنَ إِنَّ الشَّيْطَنَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيّاً * يأَبَتِ إِنِّى أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَنِ وَلِيّاً * قَالَ أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنْ آلِهَتِى يإِبْرَهِيمُ لَئِن لَّمْ تَنتَهِ لأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِى مَلِيّاً * قَالَ سَلَمٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِى حَفِيّاً * وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّى عَسَى أَلاَّ أَكُونَ بِدُعَآءِ رَبِّى شَقِيًّا * فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلاًّ جَعَلْنَا نَبِيّاً * وَوَهَبْنَا لَهٍّمْ مِّن رَّحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيّاً * وَاذْكُرْ فِى الْكِتَبِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلِصاً وَكَانَ رَسُولاً نَّبِيّاً * وَنَدَيْنَهُ مِن جَانِبِ الطُّورِ الأٌّيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيّاً * وَوَهَبْنَا لَهُ مِن رَّحْمَتِنَآ أَخَاهُ هَرُونَ نَبِيّاً * وَاذْكُرْ فِى الْكِتَبِ إِسْمَعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَدِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولاً نَّبِيّاً * وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَوةِ وَالزَّكَوةِ وَكَانَ عِندَ رَبِّهِ مَرْضِيّاً * وَاذْكُرْ فِى الْكِتَبِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَّبِيَّاً * وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً * أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّيْنَ مِن ذُرِّيَّةِ ءادَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ

стр. 1894

وَمِن ذُرِّيَّةِ إِبْرَهِيمَ وَإِسْرَءِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَآ إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ ءايَتُ الرَّحْمَنِ خَرُّواْ سُجَّداً وَبُكِيّاً * فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُواْ الصَّلَوةَ وَاتَّبَعُواْ الشَّهَوَتِ فَسَوْفَ يَلْقُونَ غَيّاً * إِلاَّ مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ صَلِحاً فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلاَ يُظْلَمُونَ شَيْئاً * جَنَّتِ

стр. 1895

عَدْنٍ الَّتِى وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيّاً * لاَّ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً إِلاَّ سَلَماً وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيّاً * تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِى نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيّاً * وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً * رَّبُّ السَّمَوَتِ وَالأٌّرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً * وَيَقُولُ الإِنْسَنُ أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيّاً * أَوَلاَ يَذْكُرُ إلإِنْسَنُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئاً * فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيّاً * ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيّاً * ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيّاً * وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْماً مَّقْضِيّاً * ثُمَّ نُنَجِّى الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّنَذَرُ الظَّلِمِينَ فِيهَا جِثِيّاً * وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْءَايَتُنَا بِيِّنَتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَءَامَنُواْ أَىُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَّقَاماً وَأَحْسَنُ نَدِيّاً * وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِّن قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثاً وَرِءْياً * قُلْ مَن كَانَ فِى الضَّلَلَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدّاً حَتَّى إِذَا رَأَوْاْ مَا يُوعَدُونَ إِمَّا العَذَابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَّكَاناً وَأَضْعَفُ جُنداً * وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَواْ هُدًى وَالْبَِّقِيَتُ الصَّلِحَتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَاباً

стр. 1896

وَخَيْرٌ مَّرَدّاً * أَفَرَأَيْتَ الَّذِى كَفَرَ بِئَايَتِنَا وَقَالَ لائوتَيَنَّ مَالاً وَوَلَداً * أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَنِ عَهْداً * كَلاَّ سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدّاً * وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْداً * وَاتَّخَذُواْ مِن دُونِ اللَّهِ ءالِهَةً لِّيَكُونُواْ لَهُمْ عِزّاً * كَلاَّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبَدَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدّاً * أَلَمْ تَرَ أَنَّآ أَرْسَلْنَا الشَّيَطِينَ عَلَى الْكَفِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزّاً * فَلاَ تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدّاً * يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْداً * وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْداً * لاَّ يَمْلِكُونَ الشَّفَعَةَ إِلاَّ مَنِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَنِ عَهْداً * وَقَالُواْ اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَداً * لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدّاً * تَكَادُ السَّمَوَتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الأٌّرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدّاً * أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَداً * وَمَا يَنبَغِى لِلرَّحْمَنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَداً * إِن كُلُّ مَن فِى السَّمَوَتِ وَالأٌّرْضِ إِلاَّ آتِى الرَّحْمَنِ عَبْداً * لَّقَدْ أَحْصَهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدّاً * وَكُلُّهُمْءَاتِيهِ يَوْمَ الْقِيَمَةِ فَرْداً * إِنَّ الَّذِينَءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً * فَإِنَّمَا يَسَّرْنَهُ بِلَسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُّدّاً * وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِّن قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِّنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزاً﴾ ﴿

стр. 1897

وَاذْكُرْ فِى الْكِتَبِ إِبْرَهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَّبِيّاً * إِذْ قَالَ لأًّبِيهِ يأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ وَلاَ يَبْصِرُ وَلاَ يُغْنِى عَنكَ شَيْئاً * يأَبَتِ إِنِّى قَدْ جَآءَنِى مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِى أَهْدِكَ صِرَاطاً سَوِيّاً * يأَبَتِ لاَ تَعْبُدِ الشَّيْطَنَ إِنَّ الشَّيْطَنَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيّاً * يأَبَتِ إِنِّى أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَنِ وَلِيّاً * قَالَ أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنْ آلِهَتِى يإِبْرَهِيمُ لَئِن لَّمْ تَنتَهِ لأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِى مَلِيّاً * قَالَ سَلَمٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِى حَفِيّاً * وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّى عَسَى أَلاَّ أَكُونَ بِدُعَآءِ رَبِّى شَقِيًّا * فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلاًّ جَعَلْنَا نَبِيّاً * وَوَهَبْنَا لَهٍّمْ مِّن رَّحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيّاً﴾ (إنه كان صديقاً نبياً) . وهذه الجملة وقعت اعتراضاً بين المبدل منه وبدله أعني ﴿إبراهيم﴾ .

стр. 1898

و ﴿إذ. قال﴾ نحو قولك: رأيت زيداً ونعم الرجل أخاك، ويجوز أن تتعلق ﴿إذ﴾ بكان أو بـ ﴿صديقاً نبياً﴾ أي كان جامعاً لخصائص الصديقين والأنبياء حين خاطب أباه تلك المخاطبات انتهى. فالتخريج الأول يقتضي تصرف ﴿إذ﴾ وقد تقدم لنا أنها لا تتصرف، والتخريج الثاني مبني على أن كان لنا قصة وأخواتها تعمل في الظروف وهي مسألة خلاف. والتخريج الثالث لا يصح لأن العمل لا ينسب إلاّ إلى لفظ واحد، أما أن ينسب إلى مركب من مجموع لفظين فلا، وجائز أن يكون معمولاً لصديقاً لأنه نعت إلاّ على رأي الكوفيين، ويحتمل أن يكون معمولاً لنبياً أي منبأ في وقت قوله لأبيه ما قال، وأن التنبئة كانت في ذلك الوقت وهو بعيد. و ﴿ما لا يسمع﴾ الظاهر أنها موصولة، وجوزوا أن تكون نكرة موصوفة ومعمول ﴿يسمع﴾ و ﴿يبصر﴾ منسي ولا ينوي أي ما ليس به استماع ولا إبصار لأن المقصود نفي هاتين الصفتين دون تقييد بمتعلق. و ﴿شيئاً﴾ . إما مصدر أو مفعول به. قال الزمخشري: وقدم الخبر على المبتدأ في قوله ﴿أراغب أنت عن آلهتي﴾ لأنه كان أهم عنده وهو عنده. والمختار في إعراب ﴿أراغب أنت﴾ أن يكون راغب مبتدأ لأنه قد اعتمد على أداة الاستفهام، و ﴿أنت﴾ فاعل سد مسد الخبر، ويترجح هذا الإعراب على ما أعربه الزمخشري من كون ﴿أراغب﴾ خبراً و ﴿أنت﴾ مبتدأ بوجهين: أحدهما: أنه لا يكون فيه تقديم ولا تأخير إذ رتبة الخبر أن يتأخر عن المبتدأ. والثاني: أن لا يكون فصل بين العامل الذي هو ﴿أراغب﴾ وبين معموله الذي هو ﴿عن آلهتي﴾ بما ليس بمعمول للعامل، لأن الخبر ليس هو عاملاً في المبتدأ بخلاف كون ﴿أنت﴾ فاعلاً فإن معمول ﴿أراغب﴾ فلم يفصل بين ﴿أراغب﴾ وبين ﴿عن آلهتي﴾ بأجنبي إنما فصل بمعمول له. ﴿لأرجمنك﴾ جواب القسم المحذوف قبل ﴿لئن﴾ .

стр. 1899

قال الزمخشري: فإن قلت: علام عطف ﴿وأهجرني﴾ ؟ قلت: على معطوف عليه محذوف يدل عليه ﴿لأرجمنك﴾ أي فاحذرني ﴿واهجرني﴾ لأن ﴿لأرجمنك﴾ تهديد وتقريع انتهى. وإنما احتاج إلى حذف ليناسب بين جملتي العطف والمعطوف عليه، وليس ذلك بلازم عند سيبويه بل يجوز عطف الجملة الخبرية على الجملة الإنشائية. فقوله ﴿واهجرني﴾ معطوف على قوله ﴿لئن لم تنته لأرجمنك﴾ وكلاهما معمول للقول. وانتصب ﴿ملياً﴾ على الظرف. كلا: حرف ردع وزجر عند الخليل وسيبويه والأخفش والمبرد وعامة البصريين، وذهب الكسائي ونصر بن يوسف وابن واصل وابن الأنباري إلى أنها بمعنى حقاً، وذهب النضر بن شميل إلى أنها حرف تصديق بمعنى نعم، وقد تستعمل مع القسم. وذهب عبد الله بن محمد الباهلي إلى أن كلا رد لما قبلها فيجوز الوقف عليها وما بعدها استئناف، وتكون أيضاً صلة للكلام بمنزلة إي والكلام على هذه المذاهب مذكور في النحو. ﴿وَاذْكُرْ فِى الْكِتَبِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلِصاً وَكَانَ رَسُولاً نَّبِيّاً * وَنَدَيْنَهُ مِن جَانِبِ الطُّورِ الأٌّيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيّاً * وَوَهَبْنَا لَهُ مِن رَّحْمَتِنَآ أَخَاهُ هَرُونَ نَبِيّاً * وَاذْكُرْ فِى الْكِتَبِ إِسْمَعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَدِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولاً نَّبِيّاً * وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَوةِ وَالزَّكَوةِ وَكَانَ عِندَ رَبِّهِ مَرْضِيّاً * وَاذْكُرْ فِى الْكِتَبِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَّبِيَّاً * وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً * أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّيْنَ مِن ذُرِّيَّةِ ءادَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِن ذُرِّيَّةِ إِبْرَهِيمَ وَإِسْرَءِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَآ إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ ءايَتُ الرَّحْمَنِ خَرُّواْ سُجَّداً وَبُكِيّاً﴾

стр. 1900

والظاهر أن ﴿الأيمن﴾ صفة للجانب لقوله في آية أخرى ﴿جانب الطور الأيمن﴾ بنصب الأيمن نعتاً لجانب الطور. قال الزمخشري: و ﴿أخاه﴾ على هذا الوجه بدل و ﴿هارون﴾ عطف بيان كقولك رأيت رجلاً أخاك زيداً انتهى. والذي يظهر أن أخاه مفعول بقوله ﴿ووهبنا﴾ ولا تراردف من بعضاً فتبدل منها. وقرأ الجمهور ﴿رضياً﴾ وهو اسم مفعول أي مرضو وفاعل بقلب واوه ياء لأنها طرف بعد واو ساكنة، والساكن ليس بحاجز حصين فكأنها وليت حركة، ولو بنيت من ذوات الواو مفعلاً لصار مفعلاً لأن الواو لا تكون طرفاً وقبلها متحرك في الأسماء المتمكنة غير المتقيدة بالإضافة، ألا ترى أنهم حين سموا بيغزو الغازي من الضمير قالوا: بغز حين صار اسماً، وهذا الإعلال أرجح من التصحيح، ولأنه اعتل في رضي وفي رضيان تثنية رضي. و ﴿إدريس﴾ اسم أعجمي منع من الصرف للعلمية والعجمة، ولا جائز أن يكون إفعيلاً من الدرس كما قال بعضهم لأنه كان يجب صرفه إذ ليس فيه إلاّ واحد وهو العلمية. ﴿وممن هدينا﴾ يحتمل العطف على ﴿من﴾ الأولى أو الثانية، والظاهر أن ﴿الذين﴾ خبر لأولئك. ﴿وإذا تتلى﴾ كلام مستأنف، ويجوز أن يكون ﴿الذين﴾ صفة لأولئك والجملة الشرطية خبر. وانتصب ﴿سجداً﴾ على الحال المقدرة قاله الزجاج لأنه حال خروره لا يكون ساجداً. وقرأ الجمهور ﴿بكياً﴾ بضم الباء وعبد الله ويحيى والأعمش وحمزة والكسائي بكسرها اتباعاً لحركة الكاف كعصي ودلي، والذي يظهر أنه جمع لمناسبة الجمع قبله. قيل: ويجوز أن يكون مصدر البكا بمعنى بمكاء، وأصله بكو وكجلس جلوساً. وقال ابن عطية: و ﴿بكياً﴾ بكسر الباء وهو مصدر لا يحتمل غير ذلك انتهى. وقوله ليس بسديد لأن اتباع حركة الكاف لا تعين المصدرية، ألا تراهم قروؤا ﴿جثياً﴾ بكسر الجيم جمع جاث، وقالوا عصي فاتبعوا.

стр. 1901

﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُواْ الصَّلَوةَ وَاتَّبَعُواْ الشَّهَوَتِ فَسَوْفَ يَلْقُونَ غَيّاً * إِلاَّ مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ صَلِحاً فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلاَ يُظْلَمُونَ شَيْئاً * جَنَّتِ عَدْنٍ الَّتِى وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيّاً * لاَّ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً إِلاَّ سَلَماً وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيّاً * تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِى نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيّاً * وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً﴾ ﴿إلا من تاب﴾ استثناء ظاهره الاتصال. وقال الزجاج: منقطع ﴿وآمن﴾ هذا يدل على أن تلك الإضاعة كفر. وقرأ الجمهور جنات نصباً جمعاً بدلاً من ﴿الجنة﴾ ﴿ولا يظلمون شيئاً﴾ اعتراض أو حال. وقرأ الحسن وأبو حيوة وعيسى بن عمر والأعمش وأحمد بن موسى عن أبي عمر و ﴿جنات﴾ رفعاً جمعاً أي تلك جنات وقال الزمخشري الرفع على الابتداء انتهى يعني والخبر ﴿التي﴾ . وقرأ الحسن بن حي وعليّ بن صالح جنة عدن نصباً مفرداً ورويت عن الأعمش وهي كذلك في مصحف عبد الله. وقرأ اليماني والحسن وإسحاق الأزق عن حمزة جنة رفعاً مفرداً و ﴿عدن﴾ إن كان علماً شخصياً كان التي نعتاً لما أضيف إلى ﴿عدن﴾ وإن كان المعنى إقامة كان ﴿التي﴾ بدلاً. (إلا سلاماً: استثناء منقطع) . وتنزل تفعل وهي للمطاوعة وهي أحد معاني تفعل، تقول: نزلته فتنزل فتكون لمواصلة العمل في مهلة، وقد تكون لا يلحظ فيه ذلك إذا كان بمعنى المجرد كقولهم: تعدى الشيء وعداه ولا يكون مطاوعاً فيكون تنزل في معنى نزل. كما قال الشاعر: فلست لأنسى ولكن لملاكتنزل من جو السماء يصوب

стр. 1902

وقال ابن عطية: وهذه الواو التي في قوله ﴿وما نتنزل﴾ هي عاطفة جملة كلام على أخرى واصلة بين القولين، وإن لم يكن معناهما واحداً. وارتفع ﴿رب السموات﴾ على البدل أو على خبر مبتدأ محذوف. ﴿وَيَقُولُ الإِنْسَنُ أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيّاً * أَوَلاَ يَذْكُرُ إلإِنْسَنُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئاً * فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيّاً * ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيّاً * ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيّاً * وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْماً مَّقْضِيّاً * ثُمَّ نُنَجِّى الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّنَذَرُ الظَّلِمِينَ فِيهَا جِثِيّاً * وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْءَايَتُنَا بِيِّنَتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَءَامَنُواْ أَىُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَّقَاماً وَأَحْسَنُ نَدِيّاً * وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِّن قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثاً وَرِءْياً﴾ وقرأ الجمهور ﴿لسوف﴾ باللام. وقرأ طلحة بن مصرف سأخرج بغير لام وسين الاستقبال عوض سوف، فعلى قراءته تكون إذا معمولاً لقوله سأخرج لأن حرف التنفيس لا يمنع من عمل ما بعده من الفعل فيما قبله، على أن فيه خلافاً شاذاً وصاحبه محجوج بالسماع. قال الشاعر: فلما رأته آمناً هان وجدهاوقالت أبونا هكذا سوف يفعل فهكذا منصوب بفعل وهو بحرف الاستقبال. وحكى الزمخشري أي طلحة بن مصرف قرأ لسأخرج، وأما على قراءة الجمهور وما نقله الزمخشري من قراءة طلحة فاللام لام الابتداء فلا يعمل ما بعدها فيما قبلها، فيقدر العالمل محذوفاً من معنى ﴿لسوف أخرج﴾ تقديره إذا ما مت أبعث.

стр. 1903

وقال الزمخشري: فإن قلت لام الابتداء الداخلة على المضارع تعطي معنى الحال، فكيف جامعت حرف الاستقبال؟ قلت: لم تجامعها إلاّ مخلصة للتوكيد كما أخلصت الهمزة في يا الله للتعويض، واضمحل عنها معنى التعريف انتهى. وما ذكر من أن اللام تعطي معنى الحال مخالف فيه، فعلى مذهب من لا يقول ذلك يسقط السؤال، وأما قوله كما أخلصت الهمزة إلى آخره فليس ذلك إلاّ على مذهب من يزعم أن الأصل فيه إله، وأما من يزعم أن أصله لاه فلا تكون الهمزة فيه للتعويض إذ لم يحذف منه شيء، ولو قلنا إن أصله إله وحذفت فاء الكلمة لم يتعين أن الهمزة فيه في النداء للتعويض، إذ لو كانت للعوض من المحذوف لثبتت دائماً في النداء وغيره، ولما جاز حذفها في النداء قالوا: يا الله بحذفها وقد نصوا على أن قطع همزة الوصل في النداء شاذ. قال الزمخشري: الواو عاطفة لا يذكر على يقول، ووسطت همزة الإنكار بين المعطوف عليه وحرف العطف انتهى. وهذا رجوع منه إلى مذهب الجماعة من أن حرف العطف إذا تقدمته الهمزة فإنما عطف ما بعدها على ما قبلها، وقدمت الهمزة لأن لها صدر الكلام، وكان مذهبه أن يقدر بين الهمزة والحرف ما يصلح أن يعطف على ما بعد الواو فيقر الهمزة على حالها، وليست مقدمة من تأخير وقد رددنا عليه هذه المقالة. وقرأ الجمهور ﴿أيهم﴾ بالرفع وهي حركة بناء على مذهب سيبويه، فأيهم مفعول بننزعن وهي موصولة: و ﴿أشد﴾ خبر مبتدأ محذوف، والجملة صلة لأيهم وحركة إعراب على مذهب الخليل ويونس على اختلاف في التخريج. و ﴿أبهم أشد﴾ مبتدأ وخبر محكي على مذهب الخليل أي الذين يقال فيهم ﴿أيهم أشد﴾ . وفي موضع نصب فيعلق عنه ﴿لننزعن﴾ على مذهب يونس، والترجيج بين هذه المذاهب مذكور في علم النحو. قيل: ﴿عتياً﴾ جمع عات فاتصابه على الحال.

стр. 1904

﴿صلياً﴾ دخولاً. وقيل: لزوماً. وقيل: جمع صال فانتصب على الحال وبها متعلق بأولى. والواو في قوله ﴿وإن منكم﴾ للعطف. وقال ابن عطية: ﴿وإن منكم إلاّ واردها﴾ قسم والواو تقتضيه، ويفسره قول النبيّ ﷺ «من مات له ثلاث من الولد لم تمسه النار إلاّ تحلة القسم» . انتهى. وذهل عن قول النحويين أنه لا يستغنى عن القسم بالجواب لدلالة المعنى إلاّ إذا كان الجواب باللام أو بأن، والجواب هنا جاء على زعمه بأن النافية فلا يجوز حذف القسم على ما نصوا. وقوله والواو تقتضيه يدل على أنها عنده واو القسم، ولا يذهب نحوي إلى أن مثل هذه الواو واو قسم لأنه يلزم من ذلك حذف المجرور وإبقاء الجار، ولا يجوز ذلك إلاّ إن وقع في شعر أو نادر كلام بشرط أن تقوم صفة المحذوف مقامه كما أولوا في قولهم: نعم السير على بئس العير، أي على عير بئس العير. وقول الشاعر: والله ما زيد بنام صاحبه أي برجل نام صاحبه. وهذه الآية ليست من هذا الضرب إذ لم يحذف المقسم به وقامت صفته مقامه. ومفعول ﴿اتقوا﴾ محذوف أي الشرك. وقال الزمخشري: و ﴿هم أحسن﴾ في محل النصب صفة لكم. ألا ترى أنك لو تركت ﴿هم﴾ لم يكن لك بد من نصب ﴿أحسن﴾ على الوصفية انتهى. وتابعه أبو البقاء على أن ﴿هم أحسن﴾ صفة لكم، ونص أصحابنا على أن ﴿كم﴾ الاستفهامية والخبرية لا توصف ولا يوصف بها، فعلى هذا يكون ﴿هم أحسن﴾ في موضع الصفة لقرن. وقرأ الجمهور ﴿ورئياً﴾ بالهمزة من رؤية العين فعل بمعنى مفعول كالطحن والسقي.

стр. 1905

﴿قُلْ مَن كَانَ فِى الضَّلَلَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدّاً حَتَّى إِذَا رَأَوْاْ مَا يُوعَدُونَ إِمَّا العَذَابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَّكَاناً وَأَضْعَفُ جُنداً * وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَواْ هُدًى وَالْبَِّقِيَتُ الصَّلِحَتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ مَّرَدّاً * أَفَرَأَيْتَ الَّذِى كَفَرَ بِئَايَتِنَا وَقَالَ لائوتَيَنَّ مَالاً وَوَلَداً * أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَنِ عَهْداً * كَلاَّ سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدّاً * وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْداً * وَاتَّخَذُواْ مِن دُونِ اللَّهِ ءالِهَةً لِّيَكُونُواْ لَهُمْ عِزّاً * كَلاَّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبَدَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدّاً * أَلَمْ﴾ وقرىء ورياءً بياء بعدها ألف بعدها همزة، حكاهها اليزيدي وأصله ورئاء من المراءاة أي يرى بعضهم بعضاً حسنه. وقرأ ابن عباس، فيما روي عنه طلحة ورياً من غير همز ولا تشديد، فتجاسر بعض الناس وقال هي لحن وليس كذلك بل لها توجيه بأن تكون من الرواء، وقلب فصار ﴿ورئياً﴾ ثم نقلت حركة الهمزة إلى الياء وحذفت، أو بأن تكون من الريّ وحذفت إحدى الياءين تخفيفاً كما حذفت في لا سيما، والمحذوفة الثانية لأنها لام الكلمة لأن النقل إنما حصل للكلمة بانضمامها إلى الأولى فهي أولى بالحذف. وقال الزمخشري: ﴿يزيد﴾ معطوف على موضع فليمدد لأنه واقع موقع الخبر تقديره من كان في الضلالة مداً ويمد له الرحمن ﴿ويزيد﴾ .

стр. 1906

ولا يصح أن يكون ﴿ويزيد﴾ معطوفاً على موضع ﴿فليمدد﴾ سواء كان دعاء أم خبراً بصورة الأمر لأنه في موضع الخبر إن كانت ﴿من﴾ موصولة أو في موضع الجواب إن كانت ﴿من﴾ شرطية، وعلى كلا التقديرين فالجملة من قوله ﴿ويزيد الله الذين اهتدوا هدى﴾ عارية من ضمير يعود على من يربط جملة الخبر بالمبتدأ أو جملة الشرط بالجزاء الذي هو فليمدد وما عطف عليه لأن المعطوف على الخبر خبر، والمعطوف على جملة الجزاء جزاء، وإذا كانت أداة الشرط اسماً لا ظرفاً تعين أن يكون في جملة الجزاء ضميره أو ما يقول مقامه، وكذا في الجملة المعطوفة عليها. وجاء التركيب في أرأيت على الوضع الذي ذكره سيبويه من أنها تتعدى لواحد تنصبه، ويكون الثاني استفهاماً فأطلع وما بعده في موضع المفعول الثاني لأرأيت. وقرأ أبو نهيك ﴿كلا﴾ بالتنوين فيهما. هنا وهو مصدر من كلّ السيف كلاً إذا نبا عن الضريبة، وانتصابه على إضمار فعل من لفظه وتقديره كلوا كلاً عن عبادة الله أو عن الحق. و ﴿يقول﴾ صلة ﴿ما﴾ مضارع، والمعنى على الماضي أي ما قال. واللام في ليكونوا لام كي.

стр. 1907

وفي محتسب ابن جنيّ ﴿كلا﴾ بفتح الكاف والتنوين، وزعم أن معناه كل هذا الرأي والإعتقاد كلاً، ولقائل أن يقول إن صحت هذه الرواية فهي ﴿كلا﴾ التي للردع قلب الواقف عليها ألفها نوناً كما في قواريراً انتهى. فقوله وقرأ ابن نهيك الذي ذكر ابن خالويه وصاحب اللوامح وابن عطية وأبو نهيك بالكنية وهو الذي يحكى عنه القراءة في الشواذ وأنه قرأ ﴿كلا﴾ بفتح الكاف والتنوين وكذا حكاه عنه أبو الفتح. وقال ابن عطية وهو يعني ﴿كلا﴾ نعت للآلهة قال: وحكى عنه أي عن أبي نهيك أبو عمر والداني ﴿كلا﴾ بضم الكاف والتنوين وهو منصوب بفعل مضمر يدل عليه ﴿سيكفرون﴾ تقديره يرفضون أو يتركون أو يجحدون أو نحوه. وأما قول الزمخشري ولقائل أن يقول إلى آخره فليس بجيد لأنه قال إنها التي للردع، والتي للردع حرف ولا وجه لقلب ألفها نوناً وتشبيهه بقواريراً ليس بجيد لأن قواريراً اسم رجع به إلى أصله، فالتنوين ليس بدلاً من ألف بل هو تنوين الصرف. وهذا الجمع مختلف فيه أيتحتم منع صرفه أم يجوز؟ قولان، ومنقول أيضاً أن لغة للعرب يصرفون ما لا ينصرف عند غيرهم، فهذا التنوين إما على قول من لا يرى بالتحتم أو على تلك اللغة. وذكر الطبري عن أبي نهيك أنه قرأ كل بضم الكاف ورفع اللام ورفعه على الابتداء والجملة بعده الخبر، وتقدم ظاهر وهو الآلهة وتلاه ضمير في قوله ليكونوا فالأظهر أن الضمير في ﴿سيكفرون﴾ عائد على أقرب مذكور محدث عنه.

стр. 1908

﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّآ أَرْسَلْنَا الشَّيَطِينَ عَلَى الْكَفِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزّاً * فَلاَ تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدّاً * يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْداً * وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْداً * لاَّ يَمْلِكُونَ الشَّفَعَةَ إِلاَّ مَنِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَنِ عَهْداً * وَقَالُواْ اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَداً * لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدّاً * تَكَادُ السَّمَوَتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الأٌّرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدّاً * أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَداً * وَمَا يَنبَغِى لِلرَّحْمَنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَداً * إِن كُلُّ مَن فِى السَّمَوَتِ وَالأٌّرْضِ إِلاَّ آتِى الرَّحْمَنِ عَبْداً * لَّقَدْ أَحْصَهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدّاً * وَكُلُّهُمْءَاتِيهِ يَوْمَ الْقِيَمَةِ فَرْداً * إِنَّ الَّذِينَءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً * فَإِنَّمَا يَسَّرْنَهُ بِلَسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُّدّاً * وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِّن قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِّنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزاً﴾ والضمير في ﴿لا يملكون﴾ عائد على الخلق الدال عليهم ذكر المتقين والمجرمين إذ هم قسماه، والاستثناء متصل و ﴿من﴾ بدل من ذلك الضمير أو نصب على الاستثناء ﴿ولا يملكون﴾ استئناف إخبار. وقيل: موضه نصب على الحال من الضمير في ﴿لا يملكون﴾ ويكون عائداً على المجرمين. والمعنى غير مالكين أن يشفع لهم، ويكون على هذا الاستثناء منقطعاً. وقيل: الضمير في ﴿لا يملكون﴾ عائد على المتقين والمجرمين، والاستثناء متصل.

стр. 1909

وقال بعض من جعل الضمير للمتقين: المعنى لا يملك المتقون ﴿الشفاعة﴾ إلاّ لهذا الصنف، فعلى هذا يكون من اتخذ المشفوع فيهم، وعلى التأويل الأول يكون من اتخذ الشافعين فالتقدير على التقدير الثاني ﴿لا يملكون الشفاعة لأحد إلاّ من اتخذ﴾ فيكون في موضع نصب كما قال: فلم ينج إلاّ جفن سيف ومئزرا. أي لم ينج شيء إلا جفن سيف. وعلى هذه الأقوال الواو ضمير. وقال الزمخشري: ويجوز أن تكون يعني الواو في ﴿لا يملكون﴾ علامة للجمع كالتي في أكلوني البراغيث، والفاعل من ﴿اتخذ﴾ لأنه في معنى الجمع انتهى. ولا ينبغي حمل القرآن على هذه اللغة القليلة مع وضوح جعل الواو ضميراً. وذكر الأستاذ أبو الحسن بن عصفور أنها لغة ضعيفة. وأيضاً قالوا: والألف والنون التي تكون علامات لا ضمائر لا يحفظ ما يجيء بعدها فاعلاً إلاّ بصريح الجمع وصريح التثنية أو العطف، إما أن تأتي بلفظ مفرد يطلق على جمع أو على مثنى فيحتاج في إثبات ذلك إلى نقل، وأما عود الضمائر مثناة ومجموعة على مفرد في اللفظ يراد به المثنى، والمجموع فمسموع معروف في لسان العرب على أنه يمكن قياس هذه العلامات على تلك الضمائر، ولكن الأحفظ أن لا يقال ذلك إلاّ بسماع. وقال الزمخشري: ويجوز أن ينتصب يعني من على تقدير حذف المضاف أي إلاّ شفاعة من ﴿اتخذ﴾ . وقرأ الجمهور ﴿إداً﴾ بكسر الهمزة وعليّ بن أبي طالب وأبو عبد الرحمن بفتحها أي شيئاً أداً حذف المضاف وأقيم المصدر مقامه. وانتصب ﴿هدّاً﴾ عند النحاس على المصدر قال: لأن معنى ﴿تخرّ﴾ تنهد انتهى. وهذا على أن يكون ﴿هداً﴾ مصدراً لهد الحائط يهد بالكسر هديداً وهداً وهو فعل لازم. وقيل ﴿هداً﴾ مصدر في موضع الحال أي مهدودة، وهذا على أن يكون ﴿هداً﴾ مصدر هد الحائط إذا هدمه وهو فعل متعد، وأجاز الزمخشري أن يكون مفعولاً له أي لأنها تهد، وأجاز الزمخشري في ﴿أن دعوا﴾ ثلاثة أوجه. قال أن يكون مجروراً بدلاً من الهاء في منه كقوله:

стр. 1910

على حالة لو أن في القوم حاتماًعلى جوده لضن بالماء حاتموهذا فيه بعد لكثرة الفصل بين البدل والمبدل منه لجملتين، قال: ومنصوباً بتقدير سقوط اللام وإفضاء الفعل أي ﴿هداً﴾ لأن دعوا علل الخرور بالهد، والهد بدعاء الولد للرحمن، وهذا فيه بعد لأن الظاهر أن ﴿هداً﴾ لا يكون مفعولاً بل مصدر من معنى ﴿وتخر﴾ أو في موضع الحال، قال: ومرفوعاً بأنه فاعل ﴿هداً﴾ أي هدها دعاء الولد للرحمن، وهذا فيه بعد لأن ظاهر ﴿هداً﴾ أن يكون مصدراً توكيدياً، والمصدر التوكيدي لا يعمل ولو فرضناه غير توكيد لم يعمل بقياس إلاّ إن كان أمراً أو مستفهماً عنه، نحو ضرب زيداً، واضربا زيداً على خلاف فيه. وأما إن كان خبراً كما قدره الزمخشري أي هدها دعاء الرحمن فلا ينقاس بل ما جاء من ذلك هو نادر كقوله. وقوفاً بها صحبي عليّ مطيهم أي وقف صحبي. وقال الحوفي وأبو البقاء ﴿أن دعوا﴾ في موضع نصب مفعول له، ولم يبينا العامل فيه. وقال أبو البقاء أيضاً: هو في موضع جر على تقدير اللام، قال: وفي موضع رفع أي الموجب لذلك دعاؤهم، ومعنى ﴿دعوا﴾ سموا وهي تتعدّى إلى اثنين حذف الأول منهما، والتقدير سموا معبودهم ولداً للرحمن أي بولد لأن دعا هذه تتعدى لاثنين، ويجوز دخول الباء على الثاني تقول: دعوت ولدي بزيد، أو دعوت ولدي زيداً. وقال الشاعر: دعتني أخاها أم عمرو ولم أكنأخاها ولم أرضع لها بلبان وقال آخر ألا رب من يدعي نصيحاً وإن يغبتجده بغيب منك غير نصيح و ﴿ينبغي﴾ ليس من الأفعال التي لا تتصرف بل سمع لها الماضي قالوا: أنبغى وقد عدّها ابن مالك في التسهيل من الأفعال التي لا تتصرف وهو غلط و ﴿من﴾ موصولة بمعنى الذي أي ما كل الذي. وقال الزمخشري: ﴿من﴾ موصوفة لأنها وقعت بعد كل نكرة وقوعها بعد رب في قوله: رب من أنضجت غيظاً صدره

стр. 1911

انتهى. والأولى جعلها موصولة لأن كونها موصوفة بالنسبة إلى الموصولة قليل. وقرأ عبد الله وابن الزبير وأبو حيوة وطلحة وأبو بحرية وابن أبي عبلة ويعقوب إلاّ آتٍ بالتنوين ﴿الرحمن﴾ بالنصب والجمهور بالإضافة و ﴿آتي﴾ خبر ﴿كل﴾ وانتصب ﴿عبداً﴾ على وانتصب ﴿فرداً﴾ على الحال أي منفرداً. وخير ﴿كلهم آتيه﴾ ﴿فرداً﴾ وكلّ إذا أضيف إلى معرفة ملفوظ بها نحو كلهم وكل الناس فالمنقول أنه يجوز أن يعود الضمير مفرداً على لفظ كل، فتقول: كلكم ذاهب، ويجوز أن يعود جمعاً مراعاة للمعنى فتقول: كلكم ذاهبون. وحكى إبراهيم ابن أصبغ في كتاب رؤوس المسائل الإتفاق على جواز الوجهين، وعلى الجمع جاء لفظ الزمخشري في تفسير هذه الآية في الكشاف ﴿وكلهم﴾ متقلبون في ملكوته مقهورون بقهره، وقد خدش في ذلك أبو زيد السهيلي فقال: كل إذا ابتدئت وكانت مضافة لفظاً يعني إلى معرفة فلا يحسن إلاّ إفراد الخبر حملاً على المعنى، تقول: كلكم ذاهب أي كل واحد منكم ذاهب، هكذا هذه المسألة في القرآن والحديث والكلام الفصيح فإن قلت: في قوله ﴿وكلهم آتيه﴾ إنما هو حمل على اللفظ لأنه اسم مفرد قلنا: بل هو اسم للجمع واسم الجمع لا يخبر عنه بإفراد، تقول: القوم ذاهبون، ولا تقول: القوم ذاهب وإن كان لفظ القوم كلفظ المفرد، وإنما حسن كلكم ذاهب لأنهم يقولون كل واحد منكم ذاهب فكان الإفراد مراعاة لهذا المعنى انتهى. ويحتاج في إثبات كلكم ذاهبون بالجمع ونحوه إلى سماع ونقل عن العرب، أما إن حذف المضاف المعرفة فالمسموع من العرب الوجهان. سورة طه ﵇ مائة وخمس وثلاثون آية مكية

стр. 1912

﴿طه * مَآ أَنَزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْءَانَ لِتَشْقَى * إِلاَّ تَذْكِرَةً لِّمَن يَخْشَى * تَنزِيلاً مِّمَّنْ خَلَق الأٌّرْضَ وَالسَّمَوَتِ الْعُلَى * الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى * لَهُ مَا فِي السَّمَوَتِ وَمَا فِي الأٌّرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى * وَإِن تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى * اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ لَهُ الأٌّسْمَآءُ الْحُسْنَى﴾ و ﴿لتشقى﴾ و ﴿تذكرة﴾ علة لقوله ﴿ما أنزلنا﴾ وتعدى في ﴿لتشقى﴾ باللام لاختلاف الفاعل إذ ضمير ﴿ما أنزلنا﴾ هو لله، وضمير ﴿لتشقى﴾ للرسول ﷺ ولما اتحد الفاعل في ﴿أنزلنا﴾ و ﴿تذكرة﴾ إذ هو مصدر ذكر، والمذكر هو الله وهو المنزل تعدى إليه الفعل فنصب على أن في اشتراط اتحاد الفاعل خلافاً والجمهور يشترطونه. وقال الزمخشري: فإن قلت: أما يجوز أن تقول: ما أنزلنا عليك القرآن أن تشقى كقوله ﴿أن تحبط أعمالكم﴾ قلت: بلى ولكنها نصبة طارئة كالنصبة في ﴿واختار موسى قومه﴾ وأما النصبة في ﴿تذكرة﴾ فهي كالتي في ضربت زيد لأنه أحد المفاعيل الخمسة التي هي أصول وقوانين لغيرها انتهى. وليس كون أن تشقى إذا حذف الجار منصوب متفقاً عليه بل في ذلك خلاف. أهو منصوب تعدى إليه الفعل بعد إسقاط الحرف أو مجرور بإسقاط الجار وإبقاء عمله؟ وقال ابن عطية: ﴿إلا تذكرة﴾ يصح أن ينصب على البدل من موضع ﴿لتشقى﴾ ويصح أن ينصب بإضمار فعل تقديره لكن أنزلناه تذكرة انتهى. وقد ردّ الزمخشري تخريج ابن عطية الأول فقال: فإن قلت: هل يجوز أن يكون ﴿تذكرة﴾ بدلاً من محل ﴿لتشقى﴾ ؟ قلت: لا لاختلاف الجنسين ولكنها نصب على الاستثناء المنقطع الذي إلاّ فيه بمعنى لكن انتهى. ويعني باختلاف الجنسين أن نصب ﴿تذكرة﴾ نصبة صحيحة ليست بعارضة والنصبة التي تكون في ﴿لتشقى﴾ بعد نزع الخافض نصبة عارضة والذي نقول أنه ليس له محل البتة فيتوهم البدل منه.

стр. 1913

وكون ﴿إلاّ تذكرة﴾ بدل من محل ﴿لتشقى﴾ هو قول الزجاج. وقال النحاس: هذا وجه بعيد وأنكره أبو عليّ من قبل أن التذكرة ليست بشقاء. وقال الحوفي: ويجوز أن يكون ﴿تذكرة﴾ بدلاً من ﴿القرآن﴾ ويكون ﴿القرآن﴾ هو ﴿التذكرة﴾ وأجاز هو وأبو البقاء أن يكون مصدراً أي لكن ذكرنا به ﴿تذكرة﴾ . قال أبو البقاء ولا يجوز أن يكون مفعولاً له لأنزلنا المذكور لأنه قد تعدى إلى مفعول وهو ﴿لتشقى﴾ ولا يتعدى إلى آخر من جنسه انتهى. والخشية باعثة على الإيمان والعمل الصالح. وانتصاب ﴿تنزيلاً﴾ على أنه مصدر لفعل محذوف أي نزل ﴿تنزيلاً ممن خلق﴾ . وقال الزمخشري: في نصب ﴿تنزيلاً﴾ وجوه أن يكون بدلاً من ﴿تذكرة﴾ إذا جعل حالاً لا إذا كان مفعولاً له، لأن الشيء لا يعلل بنفسه، وأن ينصب بنزل مضمراً، وأن ينصب بأنزلنا لأن معنى ﴿ما أنزلنا﴾ ﴿إلاّ تذكرة﴾ أنزلناه تذكرة، وأن ينصب على المدح والاختصاص، وأن ينصب بيخشى مفعولاً به أي أنزله الله ﴿تذكرة لمن يخشى﴾ تنزيل الله وهو معنى حسن وإعراب بين انتهى. والأحسن ما قدمناه أولاً من أنه منصوب بنزل مضمرة. وما ذكره الزمخشري من نصبه على غير ذلك متكلف أما الأول ففيه جعل ﴿تذكرة﴾ و ﴿تنزيلاً﴾ حالين وهما مصدران، وجعل المصدر حالاً لا ينقاس، وأيضاً فمدلول ﴿تذكرة﴾ ليس مدلول ﴿تنزيلاً﴾ ولا ﴿تنزيلاً﴾ بعض ﴿تذكرة﴾ فإن كان بدلاً فيكون بدل اشتمال على مذهب من يرى أن الثاني مشتمل على الأول لأن التنزيل مشتمل على التذكرة وغيرها. وأما قوله: لأن معنى ما أنزلناه إلاّ تذكرة أنزلناه تذكرة فليس كذلك لأن معنى الحصر يفوت في قوله أنزلناه تذكرة، وأما نصبه على المدح فبعىد، وأما نصبه بمن يخشى ففي غاية البعد لأن يخشى رأس آية وفاصل فلا يناسب أن يكون تنزيل مفعولاً بيخشى وقوله فيه وهو معنى حسن وإعراب بين عجمة وبعد عن إدراك الفصاحة.

стр. 1914

وقرأ ابن أبي عبلة تنزيل رفعاً على إضمار هو، وهذه القراءة تدل على عدم تعلق يخشى بتنزيل وأنه منقطع مما قبله فنصبه على إضمار نزل كما ذكرناه، ومن الظاهر أنها متعلقة بتنزيل ويجوز أن يكون في موضع الصفة فيتعلق بمحذوف. والظاهر رفع ﴿الرحمن﴾ على خبر مبتدأ محذوف تقديره هو ﴿الرحمن﴾ . وقال ابن عطية: ويجوز أن يكون بدلاً من الضمير المستتر في ﴿خلق﴾ انتهى. وأرى أن مثل هذا لا يجوز لأن البدل يحل محل المبدل منه، و ﴿الرحمن﴾ لا يمكن أن يحل محل الضمير لأن الضمير عائد على من الموصولة و ﴿خلق﴾ صلة، والرابط هو الضمير فلا يحل محله الظاهر لعدم الرابط. وأجاز الزمخشري أن يكون رفع ﴿الرحمن﴾ على الابتداء قال يكون مبتدأ مشاراً بلامه إلى من خلق. وروى جناح بن حبيش عن بعضهم أنه قرأ الرحمن بالكسر. قال الزمخشري: صفة لمن خلق يعني لمن الموصولة ومذهب الكوفيين أن الاسماء النواقص التي لا تتم إلاّ بصلاتها نحو من وما لا يجوز نعتها إلاّ الذي والتي فيجوز نعتهما، فعلى مذهبهم لا يجوز أن يكون ﴿الرحمن﴾ صفة لمن فالأحسن أن يكون ﴿الرحمن﴾ بدلاً من من، وقد جرى ﴿الرحمن﴾ في القرآن مجرى العلم في ولايته العوامل. وعلى قراءة الجر يكون التقدير هو ﴿على العرش استوى﴾ وعلى قراءة الرفع إن كان بدلاً كما ذهب إليه ابن عطية فكذلك أو مبتدأ كما ذكره الزمخشري ففي موضع الخبر أو خبر مبتدأ كما هو الظاهر، فكيون ﴿الرحمن﴾ والجملة خبرين عن هو المضمر. وتقدم الكلام على مثل هذه الجملة في الأعراف. والجلالة مبتدأ و ﴿لا إله إلاّ هو﴾ الخبر و ﴿له الأسماء الحسنى﴾ خبر ثان، ويجوز أن يكون خبر مبتدأ محذوف كأنه قيل من ذا الذي يعلم السر وأخفى؟ فقيل: هو ﴿الله﴾ .

стр. 1915

﴿وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى * إِذْ رَأَى نَاراً فَقَالَ لأًّهْلِهِ امْكُثُواْ إِنِّىءَانَسْتُ نَاراً لَّعَلِّى آتِيكُمْ مِّنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى * فَلَمَّآ أَتَاهَا نُودِىَ يمُوسَى * إِنِّى أَنَاْ رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى * وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى * إِنَّنِى أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَاْ فَاعْبُدْنِى وَأَقِمِ الصَّلَوةَ لِذِكْرِى * إِنَّ السَّاعَةَءَاتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى * فَلاَ يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَن لاَّ يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى * وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يمُوسَى * قَالَ هِىَ عَصَاىَ أَتَوَكَّؤُا عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِى وَلِىَ فِيهَا مَأَرِبُ أُخْرَى * قَالَ أَلْقِهَا يمُوسَى * فَأَلْقَهَا فَإِذَا هِىَ حَيَّةٌ تَسْعَى * قَالَ خُذْهَا وَلاَ تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيَرتَهَا الاٍّولَى * وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَآءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍءَايَةً أُخْرَى * لِنُرِيَكَ مِنْءَايَتِنَا الْكُبْرَى * اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى﴾ والظاهر أن ﴿إذ﴾ ظرف للحديث لأنه حدث. وأجاز الزمخشري أن تكون ظرفاً لمضمر أي ﴿ناراً﴾ كان كيت وكيت، وأن تكون مفعولاً لأذكر. وانتصب ﴿هدى﴾ على أنه مفعول به على تقدير محذوف أي ذا ﴿هدى﴾ أو على تقدير حذف لأنه إذا وجد الهادي فقد وجد الهدى هدى الطريق. والجمهور ﴿وأنا اخترتك﴾ بضمير المتكلم المفرد غير المعظم نفسه. وقرأ أُبَيّ وأني بفتح الهمزة وياء المتكلم ﴿اخترتك﴾ بتاء عطفاً على ﴿إني أنا ربك﴾ ومفعول ﴿اخترتك﴾ الثاني المتعدي إليه بمن محذوف تقديره من قومك. والظاهر أن ﴿لما يوحى﴾ من صلة استمع وما بمعنى الذي.

стр. 1916

وقال الزمخشري وغيره: ﴿لما يوحي﴾ للذي يوحى أو للوحي، فعلق اللام باستمع أو باخترتك انتهى. ولا يجوز التعليق باخترتك لأنه من باب الأعمال فيجب أو يختار إعادة الضمير مع الثاني، فكان يكون فاستمع له لما يوحى فدل على أنه إعمال الثاني. والذكر مصدر يحتمل أن يضاف إلى الفاعل أي ليذكرني فإن ذكري أن اعبدو يصلي لي أو ليذكرني فيها لاشتمال الصلاة على الأذكار أو لأني ذكرتها في الكتب وأمرت بها، ويحتمل أن تضاف إلى المفعول أي لأن أذكرك بالمدح والثناء. ولام ﴿لتجزَى﴾ على هذه القراءة متعلقة بأخفيها أي أظهرها ﴿لتجزَى﴾ كل نفس. وقرأ الجمهور ﴿أُخْفِيها﴾ بضم الهمزة وهو مضارع أخفي بمعنى ستر. واللام على قراءة الجمهور. قال صاحب اللوامح متعلقة بآتية كأنه قال ﴿إن الساعة آتية﴾ لنجزي انتهى، ولا يتم ذلك إلاّ إذا قدرنا ﴿أكاد أخفيها﴾ جملة اعتراضية، فإن جعلتها في موضع الصفة لآتية فلا يجوز ذلك على رأي البصريين لأن أسم الفاعل لا يعمل إذا وصف قبل أخذ معموله. وقيل: ﴿أخفيها﴾ بضم الهمزة بمعنى أظهرها فتتحد القراءتان، وأخفى من الأضداد بمعنى الإظهار وبمعنى الستر. قال أبو عبيدة: خفيت وأخفيت بمعنى واحد وقد حكاه أبو الخطاب وهو رئيس من رؤساء اللغة لا شك في صدقه و ﴿أكاد﴾ من أفعال المقاربة لكنها مجاز هنا، ولما كانت الآية عبارة عن شدة إخفاء أمر القيامة ووقتها وكان القطع بإتيانها مع جهل الوقت أهيب على النفوس بالغ في إبهام وقتها فقال ﴿أكاد أخفيها﴾ حتى لا تظهر ألبتة، ولكن لا بد من ظهورها. وقالت فرقة ﴿أكاد﴾ بمعنى أريد، فالمعنى أريد إخفاءها وقاله الأخفش وابن الأنباري وأبو مسلم. قال أبو مسلم: ومن أمثالهم لا أفعل ذلك: ولا أكاد أي لا أريد أن أفعله. وقالت فرقة: خبر كاد محذوف تقديره ﴿أكاد﴾ أتى بها لقربها وصحة وقوعها كما حذف في قول صابيء البرجمي: هممت ولم أفعل وكذت وليتنيتركت على عثمان تبكي حلائله أي وكدت أفعل.

стр. 1917

﴿فتردى﴾ يجوز أن يكون منصوباً على جواز النهي وأن يكون مرفوعاً أي فأنت تردى. وقرأ يحيى فَتِردى بكسر التاء. و ﴿ما﴾ استفهام مبتدأ و ﴿تلك﴾ خبره و ﴿يمينك﴾ في موضع الحال كقوله ﴿وهذا بعلي شيخاً﴾ والعامل اسم الإشارة. قال الزمخشري: ويجوز أن يكون ﴿تلك﴾ أسماً موصولاً صلته بيمينك، ولم يذكر ابن عطية غيره وليس ذلك مذهباً للبصريين وإنما ذهب إليه الكوفيون، قالوا: يجوز أن يكون اسم الإشارة موصولاً حيث يتقدر بالموصول كأنه قيل: وما التي بيمينك؟ واختلفوا في إعراب ﴿سيرتها﴾ فقال الحوفي مفعول ثان لسنعيدها على حذف الجار مثل ﴿واختار موسى قومه﴾ يعني إلى ﴿سىرتها﴾ قال: ويجوز أن يكون بدلاً من مفعول ﴿سنعيدها﴾ . وقال هذا الثاني أبو البقاء قال: بدل اشتمال أي صفتها وطريقتها. وقال الزمخشري: يجوز أن ينتصب على الظرف أي ﴿سنعيدها﴾ في طريقتها الأولى أي في حال ما كانت عصا انتهى. و ﴿سيرتها﴾ وطريقتها ظرف مختص فلا يتعدى إليه الفعل على طريقة الظرفية إلاّ بواسطة، في ولا يجوز الحذف إلاّ في ضرورة أو فيما شذت فيه العرب. قال الزمخشري: ويجوز أن يكون مفعولاً من عاده بمعنى عاد إليه. ومنه بيت زهير: وعادك أن تلاقيها عداء فيتعدى إلى مفعولين انتهى. وهذا هو الوجه الأول الذي ذكره الحوفي. قال: ووجه ثالث حسن وهو أن يكون ﴿سنعيدها﴾ مستقلاً بنفسه غير متعلق بسيرتها، بمعنى أنها أنشئت أول ما أنشئت عصا ثم ذهبت وبطلت بالقلب حية، فسنعيدها بعد الذهاب كما أنشأناها أولاً ونصب ﴿سيرتها﴾ بفعل مضمر أي تسير ﴿سيرتها الأولى﴾ يعني ﴿سنعيدها﴾ سائرة ﴿سيرتها الأولى﴾ . وانتصب ﴿بيضاء﴾ على الحال.

стр. 1918

انتصب ﴿آية﴾ على الحال وهذا على مذهب من يجيز تعداد الحال لذي حال واحد. وأجاز الزمخشري أن يكون منصوباً على إضمار خذ ودونك وما أشبه ذلك حذف لدلالة الكلام كذا قال، فأما تقدير خذ فسائغ وأما دونك فلا يسوغ لأنه اسم فعل من باب الإغراء فلا يجوز أن يحذف النائب والمنوب عنه ولذلك لم يجر مجراه في جميع أحكامه، وأجاز أبو البقاء والحوفي أن يكون ﴿آية﴾ بدلاً من ﴿بيضاء﴾ وأجاز أبو البقاء أن يكون حالاً من الضمير في ﴿بيضاء﴾ أي تبيض ﴿آية﴾ . وقيل منصوب بمحذوف تقديره جعلناها ﴿آية﴾ أو آتيناك ﴿آية﴾ . نعني أنه جاز أن يكون مفعول ﴿لنريك﴾ الثاني ﴿الكبرى﴾ أو يكون ﴿من آياتنا﴾ في موضع المفعول الثاني. وتكون ﴿الكبرى﴾ صفة لآياتنا على حد ﴿الأسماء الحسنى﴾ و ﴿مآرب أخرى﴾ . بجريان مثل هذا الجمع مجرى الواحدة المؤنثة، وأجاز هذين الوجهين من الإعراب الحوفي وابن عطية وأبو البقاء. والذي نختاره أن يكون ﴿من آياتنا﴾ في موضع المفعول الثاني، و ﴿الكبرى﴾ صفة لآياتنا لأنه يلزم من ذلك أن تكون إياته تعالى كلها هي الكبر لأن ما كان بعض الآيات الكبر صدق عليه أنه ﴿الكبرى﴾ . وإذا جعلت ﴿الكبرى﴾ مفعولاً لم تتصف الآيات بالكبر لأنها هي المتصفة بأفعل التفضيل، وأيضاً إذا جعلت ﴿الكبرى﴾ مفعولاً فلا يمكن أن يكون صفة للعصا واليد معاً لأنهما كان يلزم التثنية في وصفيهما فكان يكون التركيب الكبريين ولا يمكن أن يخص أحدهما لأن كلاً منهما فيها معنى التفضيل.

стр. 1919

﴿قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِى صَدْرِى * وَيَسِّرْ لِى أَمْرِى * وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِى * يَفْقَهُواْ قَوْلِي * وَاجْعَل لِّى وَزِيراً مِّنْ أَهْلِى * هَرُونَ أَخِى * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِى * وَأَشْرِكْهُ فِى أَمْرِى * كَىْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً * وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً * إِنَّكَ كُنتَ بِنَا بَصِيراً * قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يمُوسَى * وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى * إِذْ أَوْحَيْنَآ إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى * أَنِ اقْذِفِيهِ فِى التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِى الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِّى وَعَدُوٌّ لَّهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّى وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِى * إِذْ تَمْشِى أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَن يَكْفُلُهُ فَرَجَعْنَكَ إِلَى أُمِّكَ كَى تَقَرَّ عَيْنُها وَلاَ تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْساً فَنَجَّيْنَكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّكَ فُتُوناً فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِى أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يمُوسَى * وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِى﴾ و ﴿من لساني﴾ صفة للعقدة كأنه قيل ﴿عقدة من﴾ عقد ﴿لساني﴾ انتهى. ويظهر أن ﴿من لساني﴾ متعلق باحلل لأن موضع الصفة لعقدة وكذا قال الحوفي. وأجاز أبو البقاء الوجهين. وقال الأصمعي: هو من المؤازرة وهي المعاونة والمساعدة، والقياس أزير وكذا قال الزمخشري: قال وكان القياس أزير فقلبت الهمزة إلى الواو ووجه قلبها أن فعيلاً جاء في معنى مفاعل مجيأ صالحاً كعشير وجليس وقعيد وخليل وصديق ونديم، فلما قلب في أخيه قلبت فيه. وجوزوا أن يكون ﴿لي وزيراً﴾ مفعولين لاجعل و ﴿هارون﴾ بدل أو عطف بيان، وأن يكون ﴿وزيراً﴾ و ﴿هارون﴾ مفعولية، وقدم الثاني اعتناء بأمر الوزارة و ﴿أخي﴾ بدل من ﴿هارون﴾ في هذين الوجهين.

стр. 1920

قال الزمخشري: وإن جعل عطف بيان آخر جاز وحسن انتهى. ويبعد فيه عطف البيان لأن الأكثر في عطف البيان أن يكون الأول دونه في الشهرة، والأمر هنا بالعكس. وجوزوا أن يكون ﴿وزيراً من أهلي﴾ هما المفعولان و ﴿لي﴾ مثل قوله ﴿ولم يكن له كفواً أحد﴾ يعنون أنه به يتم المعنى. و ﴿هارون﴾ على ما تقدم. وجوزوا أن ينتصب ﴿هارون﴾ بفعل محذوف أي اضم إليّ هارون وهذا لا حاجة إليه لأن الكلام تام بدون هذا المحذوف. وقرأ الحسن وزيد بن عليّ وابن عامر ﴿أَشدد﴾ بفتح الهمزة ﴿وأُشِّرِكْهُ﴾ بضمها فعلاً مضارعاً مجزوماً على جواب الأمر وعطف عليه ﴿وأشركه﴾ . وقال الزمخشري: ويجوز فيمن قرأ على لفظ الأمر أن يجعل ﴿أخي﴾ مرفوعاً على الابتداء ﴿وأشدد به﴾ خبره ويوقف على ﴿هارون﴾ انتهى. و ﴿كثيراً﴾ نعت لمصدر محذوف أو منصوب على الحال، أي نسبحك التسبيح في حال كثرتهم على ما ذهب إليه سيبويه. قال الزمخشري: و ﴿أن﴾ هي المفسرة لأن الوحي بمعنى القول. وقال ابن عطية: و ﴿أن﴾ في قوله ﴿أن اقذفيه﴾ بدل من ما يعني أنّ ﴿أن﴾ مصدرية فلذلك كان لها موضع من الإعراب. والوجهان سائغان. وقال النحاس: يقال صنعت الفرس إذا أحسنت إليه وهو معطوف على علة محذوف أي ليتلطف بك ﴿ولتصنع﴾ أو متعلقة بفعل متأخر تقديره فعلت ذلك. والعامل في ﴿إذا﴾ قال ابن عطية فعل مضمر تقديره ومننا إذ. وقال الزمخشري العامل في ﴿إذ تمشي﴾ ﴿ألقيت﴾ أو تصنع، ويجوز أن يكون بدلاً من ﴿إذ أوحينا﴾ فإن قلت: كيف يصح البدل والوقتان مختلفان متباعدان؟ قلت: كما يصح وإن اتسع الوقت وتباعد طرفاه أن يقول لك الرجل لقيت فلاناً سنة كذا، فتقول: وأنا لقيته إذ ذاك. وربما لقيه هو في أولها وأنت في آخرها انتهى. وقال الحوفي: ﴿إذ﴾ متعلقة بتصنع، ولك أن تنصب ﴿إذ﴾ بفعل مضمر تقديره واذكر.

стр. 1921

﴿اذْهَبْ أَنتَ وَأَخُوكَ بِئَايَتِى وَلاَ تَنِيَا فِى ذِكْرِى * اذْهَبَآ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى * قَالاَ رَبَّنَآ إِنَّنَا نَخَافُ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَآ أَوْ أَن يَطْغَى * قَالَ لاَ تَخَافَآ إِنَّنِى مَعَكُمَآ أَسْمَعُ وَأَرَى * فَأْتِيَاهُ فَقُولاَ إِنَّا رَسُولاَ رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِى إِسْرَءِيلَ وَلاَ تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَكَ بِئَايَةٍ مِّن رَّبِّكَ وَالسَّلَمُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى * إِنَّا قَدْ أُوحِىَ إِلَيْنَآ أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَن كَذَّبَ وَتَوَلَّى * قَالَ فَمَن رَّبُّكُمَا يمُوسَى * قَالَ رَبُّنَا الَّذِى أَعْطَى كُلَّ شَىءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى * قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الاٍّولَى * قَالَ عِلْمُهَا عِندَ رَبِّى فِى كِتَبٍ لاَّ يَضِلُّ رَبِّى وَلاَ يَنسَى * الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الأٌّرْضَ مَهْداً وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلاً وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّن نَّبَتٍ شَتَّى * كُلُواْ وَارْعَوْا أَنْعَمَكُمْ إِنَّ فِى ذلِكَ لأيَتٍ لاٌّوْلِى النُّهَى * مِنْهَا خَلَقْنَكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى * وَلَقَدْ أَرَيْنَهُءَايَتِنَا كُلَّهَا فَكَذَّبَ وَأَبَى * قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يمُوسَى * فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِّثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِداً لاَّ نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلا أَنتَ مَكَاناً سُوًى * قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَن يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى * فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتَى * قَالَ لَهُمْ مُّوسَى وَيْلَكُمْ لاَ تَفْتَرُواْ عَلَى اللَّهِ كَذِباً فَيُسْحِتَكُم بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى

стр. 1922

* فَتَنَزَعُواْ أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّواْ النَّجْوَى * قَالُواْ إِنْ هَذَنِ لَسَاحِرَنِ يُرِيدَانِ أَن يُخْرِجَاكُمْ مِّنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى * فَأَجْمِعُواْ كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُواْ صَفّاً وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَى﴾ ﴿اذْهَبْ أَنتَ وَأَخُوكَ بِئَايَتِى وَلاَ تَنِيَا فِى ذِكْرِى * اذْهَبَآ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى * قَالاَ رَبَّنَآ إِنَّنَا نَخَافُ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَآ أَوْ أَن يَطْغَى * قَالَ لاَ تَخَافَآ إِنَّنِى مَعَكُمَآ أَسْمَعُ وَأَرَى * فَأْتِيَاهُ فَقُولاَ إِنَّا رَسُولاَ رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِى إِسْرَءِيلَ وَلاَ تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَكَ بِئَايَةٍ مِّن رَّبِّكَ وَالسَّلَمُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى * إِنَّا قَدْ أُوحِىَ إِلَيْنَآ أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَن كَذَّبَ وَتَوَلَّى * قَالَ فَمَن رَّبُّكُمَا يمُوسَى * قَالَ رَبُّنَا الَّذِى أَعْطَى كُلَّ شَىءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى * قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الاٍّولَى * قَالَ عِلْمُهَا عِندَ رَبِّى فِى كِتَبٍ لاَّ يَضِلُّ رَبِّى وَلاَ يَنسَى﴾ و ﴿أخوك﴾ معطوف على الضمير المستكن في ﴿اذهب أنت وربك﴾ في سورة المائدة وقول بعض النحاة، أن ﴿وربك﴾ مرفوع على إضمار فعل، أي وليذهب ربك وذلك البحث جار هنا. قال القشيري: والخلق المخلوق لأن البطش والمشي والرؤية والنطق معان مخلوقة أودعها الله للأعضاء، وعلى هذا مفعول ﴿أعطى﴾ الأول ﴿كل شيء﴾ والثاني ﴿خلقه﴾ .

стр. 1923

وقيل ﴿كل شيء﴾ هو المفعول الثاني لأعطى و ﴿خلقه﴾ المفعول الأول أي ﴿أعطى﴾ خليقته ﴿كل شيء﴾ يحتاجون إليه ويرتفقون به. وقرأ عبد الله وأناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلّموأبو نهيك وابن أبي إسحاق والأعمش والحسن ونصير عن الكسائي وابن نوح عن قتيبة وسلام خَلَقَهُ بفتح اللام فعلاً ماضياً في موضع الصفة لكل شيء أو لشيء، ومفعول ﴿أعطى﴾ الثاني حذف اقتصاراً أي ﴿كل شيء خلقه﴾ لم يخله من عطائه وإنعامه. وقرأ السلمي لا يُضِلُّ ربِيَ ولا يُنْسَى مبنيتين للمفعول، والظاهر أن الجملتين استئناف وإخبار عنه تعالى بانتفاء هاتين الصفتين عنه. وقيل: هما في موضع وصف لقوله ﴿في كتاب﴾ والضمير العائد على الموصوف محذوف أي لا يضله ربي ولا ينساه.

стр. 1924

﴿الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الأٌّرْضَ مَهْداً وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلاً وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّن نَّبَتٍ شَتَّى * كُلُواْ وَارْعَوْا أَنْعَمَكُمْ إِنَّ فِى ذلِكَ لأيَتٍ لاٌّوْلِى النُّهَى * مِنْهَا خَلَقْنَكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى * وَلَقَدْ أَرَيْنَهُءَايَتِنَا كُلَّهَا فَكَذَّبَ وَأَبَى * قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يمُوسَى * فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِّثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِداً لاَّ نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلا أَنتَ مَكَاناً سُوًى * قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَن يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى * فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتَى * قَالَ لَهُمْ مُّوسَى وَيْلَكُمْ لاَ تَفْتَرُواْ عَلَى اللَّهِ كَذِباً فَيُسْحِتَكُم بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى * فَتَنَزَعُواْ أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّواْ النَّجْوَى * قَالُواْ إِنْ هَذَنِ لَسَاحِرَنِ يُرِيدَانِ أَن يُخْرِجَاكُمْ مِّنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى * فَأَجْمِعُواْ كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُواْ صَفّاً وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَى﴾ وإنما ذهبنا إلى أن هذا هو من كلام الله تعالى لقوله تعالى ﴿فأخرجنا﴾ وقوله ﴿كلوا وارعوا أنعامكم﴾ وقوله ﴿ولقد أريناه﴾ فيكون قوله ﴿فأخرجنا﴾ و ﴿أريناه﴾ التفاتاً من الضمير الغائب في ﴿أعل﴾ وسلك إلى ضمير المتكلم المعظم نفسه، ولا يكون الالتفات من قائلين وأبعد من ذهب إلى أن الذي نعت لقوله ﴿ربي﴾ فيكون في موضع رفع أو يكون في موضع نصب على المدح وقالهما الحوفي والزمخشري لكونه كان يكون كلام موسى فلا يتأتى الالتفات في قوله ﴿فأخرجنا﴾ ﴿ولقد أريناه﴾ .

стр. 1925

والأجود أن يكون ﴿شتى﴾ في موضع نصب نعتاً لقوله ﴿أزواجاً﴾ لأنها المحدث عنها. وقال الزمخشري: يجوز أن يكون صفة للنبات. وقال القشيري: الأظهر أنه مصدر ولذلك قال ﴿لا نخلفه﴾ أي ذلك الموعد والإخلاف أن يعد شيئاً ولا ينجزه. وقال الزمخشري: إن جعلته زماناً نظراً في قوله ﴿موعدكم يوم الزينة﴾ مطابق له لزمك شيئان أن نجعل الزمان مخلفاً وأن يعضل عليك ناصب ﴿مكاناً﴾ وإن جعلته مكاناً لقوله ﴿مكاناً سُويّ﴾ لزمك أيضاً أن يقع الإخلاف على المكان وأن لا يطابق قوله ﴿موعدكم يوم الزينة﴾ وقراءة الحسن غير مطابقة له ﴿مكاناً﴾ جميعاً لأنه قرأ ﴿يوم الزينة﴾ بالنصب فبقي أن يجعل مصدراً بمعنى الوعد، ويقدر مضاف محذوف أي مكان موعد. ويجعل الضمير في ﴿نخلفه﴾ و ﴿مكاناً﴾ بدل من المكان المحذوف. فإن قلت: كيف طابقته قوله ﴿موعدكم يوم الزينة﴾ ولا بد من أن تجعله زماناً والسؤال واقع عن المكان لا عن الزمان؟ قلت: هو مطابق معنى وإن لم يطابق لفظاً لأنه لا بد لهم من أن يجتمعوا يوم الزينة في مكان بعينه مشتهراً باجتماعهم فيه في ذلك اليوم، فبذكر الزمان علم المكان. وأما قراءة الحسن فالموعد فيها مصدر لا غير، والمعنى إنجاز وعدكم يوم الزينة وطابق هذا أيضاً من طريق المعنى، ويجوز أن يقدر مضاف محذوف ويكون المعنى اجعل ﴿بيننا وبينك﴾ وعداً ﴿لا نخلفه﴾ فإن قلت: فبم ينتصب ﴿مكاناً﴾ ؟ قلت: بالمصدر أو بفعل يدل عليه المصدر، فإن قلت: كيف يطابقه الجواب؟ قلت: أما على قراءة الحسن فظاهر، وأما على قراءة العامة فعلى تقدير وعدكم وعد يوم الزينة.

стр. 1926

ويجوز على قراءة الحسن أن يكون ﴿موعدكم﴾ مبتدأ بمعنى الوقت و ﴿ضحىخبره على نية التعريف فيه لأنه قد وصف قبل العمل بقوله لا نخلفه﴾ وهو موصول، والمصدر إذا وصف قبل العمل لم يجز أن يعمل عندهم. وقوله و ﴿ضحى﴾ خبره على نية التعريف فيه، لأنه ضحى ذلك اليوم بعينه، هو وإن كان ضحى ذلك اليوم بعينه ليس على نية التعريف بل هو نكرة، وإن كان من يوم بعينه لأنه ليس معدولاً عن الألف واللام كسحر ولا هو معرف بالإضافة. ولو قلت: جئت يوم الجمعة بكراً لم ندع أن بكراً معرفة وإن كنا نعلم أنه من يوم بعينه.

стр. 1927

وقرأ أبو جعفر وشيبة لا نَخلُفْهُ بجزم الفاء على أنه جواب الأم. وقرأ الجمهور برفعها صفة لموعد. وقال الحوفي ﴿موعداً﴾ مفعول اجعل ﴿مكاناً﴾ طرف العامل فيه اجعل. وقال أبو علي ﴿موعداً﴾ مفعول أولا لأجعل و ﴿مكاناً﴾ مفعول ثان، ومنع أن يكون ﴿مكاناً﴾ معمولاً لقوله ﴿موعداً﴾ لأنه قد وصف. قال ابن عطية: وهذه الأسماء العاملة عمل الفعل إذا نعتت أو عطف عليها أو أخبر عنها أو صغرت أو جمعت وتوغلت في الأسماء كمثل هذا لم تعمل ولا يعلق بها شيء هو منها، وقد يتوسع في الظروف فيعلق بعد ما ذكرنا لقوله ﴿ينادون لمقت الله أكبر من مقتكم أنفسكم إذ تدعون إلى الإيمان﴾ فقوله إذ متعلق بقوله لمقت. وهو قد أخبر عنه وإنما جاز هذا في الظروف خاصة ومنع قوم أن يكون ﴿مكاناً﴾ نصباً على المفعول الثاني لنخلفه، وجوزه جماعة من النحاة ووجهه أن يتسع في أن يحلف الموعد انتهى. وقوله إذا نعت هذا ليس مجمعاً عليه في كل عامل عمل الفعل، ألا ترى اسم الفاعل العاري عن أل إذا وصف قبل العمل في إعماله خلاف البصريون يمنعون والكوفيون يجوزون، وكذلك أيضاً إذا صغر في إعماله خلاف، وأما إذا جمع فلا يعلم خلاف في جواز إعماله، وأما المصدر إذا جمع ففي جواز إعماله خلاف، وأما استثناؤه من المعمولات الظروف فغيره يذهب إلى منع ذلك مطلقاً في المصدر، وينصب إذ بفعل يقدر بما قبله أي مقتكم إذ تدعون. ﴿ولا أنت﴾ معطوف على الضمير المستكن في ﴿تخلفه﴾ المؤكد بقوله ﴿نحن﴾ . وقال الأخفش ﴿سوى﴾ مقصور إن كسرت سينه أو ضممت، وممدود إن فتحتها ثلاث لغات ويكون فيها جميعاً بمعنى غير وبمعنى عدل، ووسط بين الفريقين. وقال الشاعر: وإن أبانا كان حل بأهله سوىبين قيس قيس غيلان والفزر قال: وتقول مررت برجل سواك وسواك وسواك أي غيرك، ويكون للجميع وأعلى هذه اللغات الكسر قاله النحاس. وقالت فرقة: معنى مكاناً سُوًى: مكاننا.

стр. 1928

هذا وليس بشيء لأن سوى إذا كانت بمعنى غير لا تستعمل إلا مضافة لفظاً ولا تقطع عن الإضافة. قال صاحب اللوامح ﴿وأن يحشر﴾ الحاشر ﴿الناس ضحى﴾ فحذف الفاعل للعلم به انتهى. وحذف الفاعل في مثل هذا لا يجوز عند البصريين. وقال غيره ﴿وأن يحشر﴾ القوم قال ويجوز أن يكون فيه ضمير فرعون ذكره بلفظ الغيبة، إما على العادة التي تخاطب بها الملوك أو خاطب القوم لقوله ﴿موعدكم﴾ وجعل ﴿يحشر﴾ لفرعون ويجوز أن يكون ﴿وأن يحشرْ﴾ في موضع رفع عطفاً على ﴿يوم الزينة﴾ وأن يكون في موضع جر عطفاً على ﴿الزينة﴾ وانتصب ﴿ضحًى﴾ على الظرف وهو ارتفاع النهار. وقال الزجاج: اللام لم تدخل على الخبر بل التقدير لهما ساحران فدخلت على المبتدأ المحذوف، واستحسن هذا القول شيخه أبو العباس المبرد والقاضي إسماعيل بن إسحاق بن حماد بن زيد. وقيل: ها ضمير القصة وليس محذوفاً، وكان يناسب على هذا أن تكون متصلة في الخط فكانت كتابتها ﴿إن هذان لساحران﴾ وضعف ذلك من جهة مخالفته خط المصحف. وقيل ﴿إنْ﴾ بمعنى نعم، وثبت ذلك في اللغة فتحمل الآية عليه و ﴿هذان لساحران﴾ مبتدأ وخبر واللام في ﴿لساحران﴾ على ذينك التقديرين في هذا التخريج، والتخريج الذي قبله وإلى هذا ذهب المبرد وإسماعيل بن إسحاق وأبو الحسن الأخفش الصغير، والذي نختاره في تخريج هذه القراءة أنها جاءت على لغة بعض العرب من إجراء المثنى بالألف دائماً وهي لغة لكنانة حكى ذلك أبو الخطاب، ولبني الحارث بن كعب وخثعم وزبيد وأهل تلك الناحية حُكِي ذلك عن الكسائي، ولبني العنبر وبنى الهجيم ومراد وعذرة. وقال أبو زيد: سمعت من العرب من يقلب كل ياء ينفتح ما قبلها ألفاً.

стр. 1929

وقرأ أبو بحرية وأبو حيوة والزهري وابن محيصن وحميد وابن سعدان وحفص وابن كثير ﴿إنْ﴾ بتخفيف النون هذا بالألف وشدد نون ﴿هذان﴾ ابن كثير، وتخريج هذه القراءة واضح وهو على أن أن هي المخففة من الثقيلة و ﴿هذانمبتدأ ولساحران﴾ الخبر واللام للفرق بين إن النافية وإن المخففة من الثقيلة على رأي البصريين والكوفيين، يزعمون أن إن نافية واللام بمعنى إلاّ. وقرأت فرقة إن ذان لساحران وتخريجها كتخريج القراءة التي قبلها، وقرأت عائشة والحسن والنخعي والجحدري والأعمش وابن جبير وابن عبيد وأبو عمر وإن هذين بتشديد نون إنّ وبالياء في هذين بدل الألف، وإعراب هذا واضح إذ جاء على المهيع المعروف في التثنية لقوله ﴿فذانك برهانان إحدى ابنتي هاتين﴾ بالألف رفعاً والياء نصباً وجراً. انتصب ﴿صفاً﴾ على الحال أي مصطفين أو مفعولاً به.

стр. 1930

﴿قَالُواْ يمُوسَى إِمَّآ أَن تُلْقِىَ وَإِمَّآ أَن نَّكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى * قَالَ بَلْ أَلْقُواْ فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى * فَأَوْجَسَ فِى نَفْسِهِ خِيفَةً مُّوسَى * قُلْنَا لاَ تَخَفْ إِنَّكَ أَنتَ الأٌّعْلَى * وَأَلْقِ مَا فِى يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُواْ إِنَّمَا صَنَعُواْ كَيْدُ سَاحِرٍ وَلاَ يُفْلِحُ السَّحِرُ حَيْثُ أَتَى * فَأُلْقِىَ السَّحَرَةُ سُجَّداً قَالُواْ آمَنَّا بِرَبِّ هَرُونَ وَمُوسَى * قَالَءَامَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْءَاذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِى عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِّنْ خِلاَفٍ وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِى جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَآ أَشَدُّ عَذَاباً وَأَبْقَى * قَالُواْ لَن نُّؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَآءَنَا مِنَ الْبَيِّنَتِ وَالَّذِى فَطَرَنَا فَاقْضِ مَآ أَنتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِى هَذِهِ الْحَيَوةَ الدُّنْيَآ * إِنَّآ آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَيَنَا وَمَآ أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى * إِنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لاَ يَمُوتُ فِيهَا وَلاَ يَحْيَى * وَمَن يَأْتِهِ مُؤْمِناً قَدْ عَمِلَ الصَّلِحَتِ فَأُوْلَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَتُ الْعُلَى * جَنَّتُ عَدْنٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأَنْهَرُ خَلِدِينَ فِيهَا وَذلِكَ جَزَآءُ مَن تَزَكَّى * وَلَقَدْ أَوْحَيْنَآ إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِى فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقاً فِى الْبَحْرِ يَبَساً لاَّ تَخَافُ دَرَكاً وَلاَ تَخْشَى * فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُمْ مِّنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ * وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى * يبَنِى إِسْرَءِيلَ قَدْ
следующие страницы →