Полный текст (2 567 стр.). Показаны 2171–2210 · переход к 2176.
стр. 2171
والواو في ﴿ولقد﴾ واو عطف، عطفت جملة على جملة. قال ابن عطية: والقسم فيها بعيد، يعني أن يكون المقسم به قد حذف وبقي حرفه وجوابه، وفيه حذف المجرور وإبقاء حرف الجار، وحرف الجر لا يعلق عن عمله، بل لا بد له من ذكره. والظاهر أنه أقام في قومه هذه المدة المذكورة يدعوهم إلى الله. وقال ابن عطية: يحتمل أن تكون المدة المذكورة مدة إقامته في قومه، من لدن مولده إلى غرق قومه. انتهى. وليس عندي محتملاً، لأن اللبث متعقب بالفاء الدالة على التعقيب.
﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلاَّ﴾ .
والاستثناء من الألف استدل به على جواز الاستثناء من العدد، وفي كونه ثابتاً من لسان العرب خلاف مذكور في النحو، وقد عمل الفقهاء المسائل على جواز ذلك، وغاير بين تمييز المستثنى منه وتمييز المستثنى، لأن التكرار في الكلام الواحد مجتنب في البلاغة، إلا إذا كان لغرض من تفخيم، أو تهويل، أو تنويه. ولأن التعبير عن المدة المذكورة بما عبر به، لأن ذكر رأس العدد الذي لا رأس أكبر منه أوقع وأوصل إلى الغرض من استطالة السامع مدّة صبره، ولإزالة التوهم الذي يجيء مع قوله: تسعمائة وخمسون عاماً، بأن ذلك على سبيل المبالغة لا التمام، والاستثناء يرفع ذلك التوهم المجازي.
وانتصب ﴿إبراهيم﴾ عطفاً على ﴿نوحاً﴾ . قال ابن عطية: أو على الضمير في ﴿فأنجيناه﴾ . وقال هو والزمخشري: بتقدير اذكروا بدل منه، إذ بدل اشتمال منه، لأن الأحيان تشتمل على ما فيها، وقد تقدّم لنا أن إذ ظرف لا يتطرف، فلا يكون مفعولاً به، وقد كثر تمثيل المعربين، إذ في القرآن بأن العامل فيها اذكر، وإذا كانت ظرفاً لما مضي، فهو لو كان منصرفاً، لم يجز أن يكون معمولاً لا ذكر، لأن المستقبل لا يقع في الماضي، لا يجوز ثم أمس، فإن كان خلع من الظرفية الماضية وتصرف فيه، جاز أن يكون مفعولاً به ومعمولاً لا ذكر.
стр. 2172
وقرأ ابن الزبير، وفضيل بن زرقان: أفكاً، بفتح الهمزة وكسر الفاء، وهو مصدر مثل الكذب.
وقال الزمخشري: إفكاً فيه وجهان: أحدهما: أن تكون مصدراً نحو: كذب ولعب، والإفك مخفف منه، كالكذب واللعب من أصلهما، وأن تكون صفة على فعل، أي خلقاً إفكاً، ذا إفك وباطل.
﴿لا يملكون لكم رزقاً﴾ على جهة الاحتجاج بأمر يفهمه عامّتهم وخاصتهم، فقرر أن الأصنام لا ترزق، والرزق يحتمل أن يريد به المصدر: لا يملكون أن يرزقوكم شيئاً من الرزق، واحتمل أن يكون اسم المرزوق، أي لا يملكون لكم إيتاء رزق ولا تحصيله.
فليس ﴿ثم يعيده﴾ معطوفاً على يبدىء، ولا ﴿ثم ينشىء﴾ ، داخلاً تحت كيفية النظر في البدء، بل هما جملتان مستأنفتان، إخباراً من الله تعالى بالإعادة بعد الموت. وقدم ما قبل هاتين الجملتين على سبيل الدلالة على إمكان ذلك، فإذا أمكن ذلك وأخبر الصادق بوقوعه، صار واجباً مقطوعاً بعلمه، ولا شك فيه.
والآخرة صفة للنشأة.
﴿وما أنتم بمعجزين﴾ : أي فائتين ما أراد الله لكم. ﴿في الأرض ولا في السماء﴾ ، إن حمل السماء على العلو فجائز، أي في البروج والقلاع الذاهبة في العلو، ويكون تخصيصاً بعد تعميم، أو على المظلة، فيحتاج إلى تقرير، أي لو صرتم فيها، ونظيره قول الأعشى:
ولو كنت في جب ثمانين قامةورقيت أسباب السماء بسلم
ليعتورنك القول حتى تهزهوتعلم أني فيك لست بمجرم
وقوله تعالى: ﴿إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السموات والأرض﴾ ، على تقدير الحكم لو كنتم فيها، ﴿والأرض فانفذوا﴾ . وقال ابن زيد، والفراء: التقدير: ولا من في السماء، أي يعجز إن عصى. وقال الفراء: وهذا من غوامض العربية، وأنشد قول حسان:
стр. 2173
فمن يهجو رسول الله منكمويمدحه وينصره سواء أي: ومن ينصره، وهذا عند البصريين لا يكون إلا في الشعر، لأن فيه حذف الموصول وإبقاء صلته. وأبعد من هذا القول قول من زعم أن التقدير: وما أنتم بمعجزين من في الأرض من الإنس والجنّ، ولا من في السماء من الملائكة، فكيف تعجزون الله؟
﴿عَذَابٌ أَلِيمٌ * فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن قَالُواْ اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنْجَاهُ اللَّهُ﴾ .
وقرأ الجمهور: ﴿جواب﴾ ، بالنصب؛ والحسن، وسالم الأفطس: بالرفع، اسما لكان. وقرأ الحسن، وأبو حيوة، وابن أبي عبلة، وأبو عمرو في رواية الأصمعي، والأعمش عن أبي بكر: مودة بالرفع، وبينكم بالنصب. فالرفع على خبر إن، وما موصولة بمعنى الذي، أي إن الأوثان التي اتخذتموها مودوداً، أو سبب مودة، أو مصدرية، أي إن اتخاذكم أوثاناً مودة، أو على خبر مبتدأ محذوف، أي هي مودة بينكم، وما إذ ذاك مهيئة. وروى عن عاصم: مودة، بالرفع من غير تنوين؛ وبينكم بالفتح، أي بفتح النون، جعله مبنياً لإضافته إلى مبني، وهو موضع خفض بالإضافة، ولذلك سقط التنوين من مودة. وقرأ أبو عمرو، والكسائي، وابن كثير: كذلك، إلا أنه خفض نون بينكم. وقرأ ابن عامر، وعاصم: بنصب مودة منوناً ونصب بينكم؛ وحمزة كذلك، إلا أنه أضاف مودة إلى بينكم وخفض، كما في قراءة من نصب مودّة مهيئة. واتخذ، يحتمل أن يكون مما تعدت إلى اثنين، والثاني هو مودة، أي اتخذتم الأوثان بسبب المودة بينكم، على حذف المضاف، أو اتخذتموها مودّة بينكم، كقوله: ﴿ومن الناس من يتخذ من دون الله أنداداً يحبونهم كحب الله﴾ ، أو مما تعدت إلى واحد، وانتصب مودة على أنه مفعول له، أي ليتوادوا ويتواصلوا ويجتمعوا على عبادتها، كما يجتمع ناس على مذهب، فيقع التحاب بينهم.
стр. 2174
و ﴿بينكم﴾ ، و ﴿في الحياة﴾ : يجوز تعليقهما بلفظ مودة وعمل في ظرفين لاختلافهما، إذ هما ظرفاً مكان وزمان، ويجوز أن يتعلقا بمحذوفين، فيكونان في موضع الصفة، أي كائنة بينكم في الحياة في موضع الحال من الضمير المستكن في بينكم. وأجاز أبو البقاء أن يتعلق ﴿في الحياة﴾ . باتخذتم على جعل ما كافة ونصب مودة، لا على جعل ما موصولة بمعنى الذي، أو مصدرية ورفع موده، لئلا يؤدي إلى الفصل بين الموصول وما في الصلة بالخبر. وأجاز قوم منهم ابن عطية أن يتعلق ﴿في الحياة﴾ بمودة، وأن يكون ﴿بينكم﴾ صفة لمودة، وهو لا يجوز، لأن المصدر إذا وصف قبل أخذ متعلقاته لا يعلم، وشبهتهم في هذا أنه يتسع في الظرف، بخلاف المفعول به. وأجاز أبو البقاء أن يتعلق بنفس بينكم، قال: لأن معناه: اجتماعكم أو وصلكم. وأجاز أيضاً أن يجعله حالاً من بينكم، قال: لتعرفه بالإضافة. انتهى، وهما إعرابان لا يتعقلان.
﴿لَمِنَ الصَّلِحِينَ * وَلُوطاً إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّنَ الْعَلَمِينَ﴾ .
وانتصب لوطاً بإضمار اذكر، أو بالعطف على إبراهيم، أو بالعطف على ما عطف عليه إبراهيم. والجمهور: على الاستفهام في أئنكم معاً. وقرىء: أنكم على الخبر، والثاني على الاستفهام.
قال الزمخشري: ﴿ما سبقكم بها﴾ جملة مستأنفة مقررة لفاحشة تلك الفعلة، كأن قائلاً قال: لم كانت فاحشة؟ فقيل: لأن أحداً قبلهم لم يقدم عليها اشمئزازاً منها في طباعهم لإفراط قبحها، حتى قدم عليها قوم لوط لخبث طينتهم.
ويظهر أن ﴿ما سبقكم بها﴾ جملة حالية، كأنه قال: أتأتون الفاحشة مبتدعين لها غير مسبوقين بها؟ واستفهم أولاً وثانياً استفهام إنكار وتوبيخ وتقريع.
стр. 2175
﴿مِنَ الْغَبِرِينَ * وَلَمَّآ أَن جَآءَتْ رُسُلُنَا لُوطاً سِىءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعاً وَقَالُواْ لاَ تَخَفْ وَلاَ تَحْزَنْ﴾ : تقدم الكلام على مثل هذه الجملة، إلاّ أن هنا زيدت، أن بعد لما، وهو قياس مطرد. وقال الزمخشري أن صلة أكدت وجود الفعلين مترتباً أحدهما على الآخر في وقتين متجاورين لا فاصل بينهما، كأنهما وجدا في جزء واحد من الزمان، كأنه قيل: لما أحس بمجيئهم، فاجأت المساءة من غير وقت خيفة عليهم من قومه. انتهى. وهذا الذي ذكره في الترتيب هو مذهب سيبويه، إذ مذهبه. أن لما: حرف لا ظرف، خلافاً للفارسي، وهذا مذكور في علم النحو. وقرأ العربيان، ونافع، وحفص: ﴿منجوك﴾ ، مشدداً؛ وباقي السبعة: مخففاً، والكاف في مذهب سيبويه في موضع جر. ﴿وأهلك﴾ : منصوب على إضمار فعل، أي وننجي أهلك. ومن راعى هذا الموضع، عطفه على موضع الكاف، والكاف على مذهب الأخفش وهشام في موضع نصب، وأهلك معطوف عليه، لأن هذه النون كالتنوين، وهما على مذهبهما يحذفان للطافة الضمير وشدة طلبه الاتصال بما قبله.
﴿دَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ .
وانتصب ﴿وعاداً وثموداً بإضمار﴾ أهلكنا، لدلالة فأخذتهم الرجفة عليه. وقيل: بالعطف على الضمير في فأخذتهم، وأبعد الكسائي في عطفه على الذين من قوله: ﴿ولقد فتنا الذين من قبلهم﴾ . وقرأ: ثمود، بغير تنوين؛ حمزة، وشيبة، والحسن، وحفص، وباقي السبعة: بالتنوين. وقرأ ابن وثاب: وعاد وثمود.
﴿وَعَاداً وَثَمُودَ وَقَد تَّبَيَّنَ لَكُم﴾ .
وقرأ الأعمش: مساكنهم، بالرفع من غير من، فيكون فاعلاً بتبين.
﴿وقارون﴾ : معطوف على ما قبله، أو منصوب بإضمار اذكر.
﴿كَانُواْ يَعْلَمُونَ * إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ مِن شَىْءٍ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ .
стр. 2176
وجوزوا في ما أن يكون مفعولاً بيدعون، أي يعلم الذين يدعون من دونه من جميع الأشياء، أي يعلم حالهم، وأنهم لا قدرة لهم. وأن تكون نافية، أي لستم تدعون من دونه شيئاً له بال ولا قدر، فيصلح أن يسمى شيئاً، وأن يكون استفهاماً، كأنه قدر على جهة التوبيخ على هذا المعبود من جميع الأشياء، وهي في هذين الوجهين مقتطعة من يعلم، واعتراض بين يعلم وبين قوله: ﴿وهو العزيز الحكيم﴾ . وجوز أبو علي أن يكون ما استفهاماً منصوباً بيدعون، ويعلم معلقة؛ فالجملة في موضع نصب بها، والمعنى: أن الله يعلم أوثاناً تدعون من دونه، أم غيرها لا يخفى عليه ذلك. والجملة تأكيد للمثل، وإذا كانت ما نافية، كان في الجملة زيادة على المثل، حيث لم يجعل تعالى ما يدعونه شيئاً.
﴿الْفَحْشَآءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ﴾ والظاهر أن اكبر افعل التفضيل.
﴿أَهْلَ الْكِتَبِ إِلاَّ بِالَّتِى﴾ .
وقرأ الجمهور: إلا، حرف استثناء؛ وابن عباس: ألا، حرف تنبيه واستفتاح، وتقديره: ألا جادلوهم بالتي هي أحسن.
﴿إِلاَّ الْكَفِرونَ * وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَبٍ وَلاَ تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لاَّرْتَبَ الْمُبْطِلُونَ﴾ .
أي كتاباً، ومن زائدة لأنها في متعلق النفي.
وانتصبت يوم ﴿تعيشاهم﴾ بـ محيطة.
﴿فإياي فاعبدون﴾ ، من باب الاشتغال: أي فإياي اعبدوا فاعبدون. وقال الزمخشري: فإن قلت: ما معنى الفاء في فاعبدون، وتقدم المفعول؟ قلت: الفاء جواب شرط محذوف، لأن المعنى: إن أرضي واسعة، فإن لم تخلصوا العبادة في أرض، فاخلصوها في غيرها. ثم حذف الشرط وعوض من حذفة تقديم المفعول، مع إفادة تقديمه معنى الاختصاص والإخلاص. انتهى. ويحتاج هذا الجواب إلى تأمل.
﴿فَإِيَّاىَ فَاعْبُدُونِ * كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ .
وقرأ أبو حيوة: ﴿ذائقة﴾ ، بالتنوين؛ ﴿الموت﴾ : بالنصب.
стр. 2177
﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ * وَالَّذِينَءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِّنَ الْجَنَّةِ غُرَفَاً تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأٌّنْهَرُ خَلِدِينَ فِيهَا نِعْمَ أَجْرُ الْعَمِلِينَ﴾ .
سورة الروم
لم يتكلم عنها المؤلف أو حدث فيها سقط والله أعلم
سورة لقمان
أربع وثلاثون آية مكية
لقمان: اسم علم، فإن كان أعجمياً فمنعه من الصرف للعجمة والعلمية، وإن كان عربياً فمنعه للعلمية وزيادة الألف والنون، ويكون مشتقاً من اللقم مرتجلاً، إذ لا يعلم له وضع في النكرات.
وآيات الكتاب القرآن واللوح المحفوط. ووصف الكتاب بالحكيم، إما لتضمنه للحكمة، قيل: أو فعيل بمعنى المحكم، وهذا يقل أن يكون فعيل بمعنى مفعل، ومنه عقدت العسل فهو عقيد، أي معقد، ويجوز أن يكون حكيم بمعنى حاكم.
وقال الزمخشري: الحكيم: ذو الحكمة؛ أو وصف لصفة الله على الإسناد المجازي، ويجوز أن يكون الأصل الحكيم قابله، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، فبانقلابه مرفوعاً بعد الجر استكن في الصفة المشبهة. وقرأ الجمهور: ﴿هدى ورحمة﴾ ، بالنصب على الحال من الآيات، والعامل فيها ما في تلك من معنى الإشارة، قاله الزمخشري وغيره، ويحتاج إلى نظر. وقرأ حمزة، والأعمش، والزعفراني، وطلحة، وقنبل، من طريق أبي الفضل الواسطي: بالرف، خبر مبتدأ محذوف، أو خبر بعد خبر، على مذهب من يجيز ذلك.
والظاهر أن الشراء هنا مجاز عن اختيار الشيء، وصرف عقله بكليته إليه. فإن أريد به ما يقع عليه الشراء، كالجواري المغنيات عند من لا يرى ذلك، وككتب الأعاجم التي اشتراها النضر؛ فالشراء حقيقة ويكون على حذف، أي من يشتري ذات لهو الحديث. وإضافة لهو إلى الحديث هي لمعنى من، لأن اللهو قد يكون من حديث، فهو كباب ساج، والمراد بالحديث: الحديث المنكر. وقال الزمخشري: ويجوز أن تكون الإضافة بمعنى من التبعيضية، كأنه قال: ومن الناس من يشتري بعض الحديث الذي هو اللهو منه. انتهى.
стр. 2178
وقرأ حمزة، والكسائي، وحفص: ويتخذها ﴿هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِى لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ﴾ ، بالنصب عطفاً على ﴿ليضل﴾ ، تشريكاً في الصلة؛ وباقي السبعة: بالرفع، عطفاً على ﴿يشتري﴾ ، تشريكاً في الصلة.
﴿وإذا تتلى عليه﴾ : بدأ أولاً بالحمل على اللفظ، فأفرد في قوله: ﴿من يشتري﴾ ، ﴿وليضل﴾ ، ﴿ويتخذها﴾ ، ثم جمع على الضمير في قوله: ﴿أولئك لهم﴾ ، ثم حمل على اللفظ فأفرد في قوله: ﴿وإذا تتلى﴾ إلى آخره. ومن في: ﴿من يشتري﴾ موصولة، ونظيره في من الشرطية قوله: ﴿ومن يؤمن من بالله﴾ ، فما بعده أفرد ثم قال: ﴿خالدين﴾ ، فجمع ثم قال: ﴿قد أحسن الله له رزقاً﴾ ، فأفرد، ولا نعلم جاء في القرآن ما حمل على اللفظ، ثم على المعنى، ثم على اللفظ، غير هاتين الآيتين. والنحويون يذكرون ﴿ومن يؤمن بالله﴾ الآية فقط، ثم على المعنى، ثم على اللفظ، ويستدلون بها على أن هذا الحكم جار في من الموصولة ونظيرها مما لم يثن ولم يجمع من الموصولات.
و ﴿كأن لم يسمعها﴾ : حال من الضمير في ﴿مستكبراً﴾ ، أي مشبهاً حال من لم يسمعها، لكونه لا يجعل لها بالاً ولا يلتفت إليها؛ وكأن هي المخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن واجب الحذف. و ﴿كأن في أذنيه وقراً﴾ : حال من لم يسمعها. وقال الزمخشري: ويجوز أن يكونا استئنافين. انتهى، يعني الجملتين التشبيهيتين.
وانتصب ﴿وعد الله﴾ على أنه مصدر مؤكد لنفسه، و ﴿حقاً﴾ على المصدر المؤكد لغيره، لأن قوله: ﴿لهم جنات النعيم﴾ ، والعامل فيها متغاير، فوعد الله منصوب، أي يوعد الله وعده، وحقاً منصوب بأحق ذلك حقاً.
стр. 2179
ويجوز في ماذا أن تكون كلها موصولة بمعنى الذي، وتكون مفعولاً ثانياً لأروني. واستعمال ماذا كلها موصولاً قليل، وقد ذكره سيبويه. ويجوز أن تكون ما استفهامية في موضع رفع على الابتداء، وذا موصولة بمعنى الذي، وهو خبر عن ما، والجملة في موضع نصب بأروني، وأروني معلقة عن العمل لفظاً لأجل الاستفام.
وقال الزجاج: المعنى: ولقد آتينا لقمان الحكمة ﴿خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِى مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ﴾ لأن يشكر الله، فجعلها مصدرية، لا تفسيرية. وحكى سيبويه: كتبت إليه بأن قم.
﴿وهو يعظه﴾ : جملة حالية.
انتصب على الحال. وقيل: وهناً على وهن ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً﴾ : نطفة ثم علقة، فعلى هذا يكون حالاً من الضمير المنصوب في حملته، وهو الولد.
و ﴿أن اشكر﴾ في موضع نصب، على قول الزجاج. وقال النحاس: الأجود أن تكون مفسرة.
وانتصب ﴿معروفاً﴾ على أنه صفة لمصدر محذوف، أي صحاباً، أو مصاحباً معروفاً وعشرة جميلة، وهو إطعامهما وكسوتهما وعدم جفائهما وانتهارهما، وعيادتما إذا مرضا، ومواراتهما إذا ماتا.
﴿يا بني إنها إن تك﴾ ، والظاهر أن الضمير في إنها ضمير القصة. وقرأ نافع: مثقال، بالرفع على ﴿إن تك﴾ تامة، وهي قراءة الأعرج وأبي جعفر، وأخبر عن مثقال، وهو مذكر، إخبار المؤنث، لأضافته إلى مؤنث، وكأنه قال: إن تك زنة حبة؛ وباقي السبعة: بالنصب على ﴿إن تك﴾ ناقصة، واسمها ضمير يفهم من سياق الكلام تقديره: هي، أي التي سألت عنها. وكان فيما روي قد سأل لقمان ابنه: أرأيت الحبة تقع في مغاص البحر؟ أيعلمها الله؟ فيكون الضمير ضمير جوهر لا ضمير عرض، ويؤيده قوله: ﴿إن تك مثقال حبة﴾ .
стр. 2180
ويجوز أن يكون الضمير ضمير عرض، أي تلك الفعلة من الطاعة أو المعصية. وعلى من قرأ بنصب مثقال، يجوز أن يكون الضمير في أنها ضمير الفعلة، لا ضمير القصة. قال الزمخشري: فمن نصب يعني مثقال، كان الضمير للهيئة من الإساءة والإحسان، أي كانت مثلاً في الصغر والقماءة، كحبة الخردل، فكانت مع صغرها في أخفى موضع وأحرزه، كجوف الصخرة، أو حيث كانت من العالم العلوي أو السفلي.
والعزم مصدر، فاحتمل أن يراد به المفعول، أي من معزوم الأمور، واحتمل أن يراد به الفاعل، أي عازم الأمور، كقوله: فإذا عزم الأمر ﴿مَآ أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ﴾ .
ولما كان صوت الحمير متماثلاً في نفسه، لا يكاد يختلف في الفظاعة، أفرد لأنه في الأصل مصدر.
وانتصب ظاهرة ﴿مِن صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ الأٌّصْوَتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ * أَلَمْ تَرَوْاْ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ﴾ على الحال من ﴿نعمه﴾ ، الجمع على الصفة، ومن نعمة على الإفراد.
﴿ولو أن ما في الأرض﴾ ، وأن بعد لو في موضع رفع على الفاعلية، أي لو وقع أو ثبت على رأي المبرد، أو في موضع مبتدأ محذوف الخبر على رأي غيره، وتقرر ذلك في علم النحو. و ﴿من شجرة﴾ : تبيين لما، وهو في التقرير في موضع الحال من الضمير الذي في الجار والمجرور المنتقل من العامل فيه، وتقديره: ولو أن الذي استقر في الأرض كائناً من شجرة وأقلام خبر لأن، وفيه دليل على بطلان دعوى الزمخشري وبعض العجم ممن ينصر قوله: إن خبر أن الجائية بعد لولا يكون اسماً جامداً ولا اسماً مشتقاً، بل يجب أن يكون فعلاً، وهو قول باطل، ولسان العرب طافع بالزيادة عليه. قال الشاعر:
ولو أنها عصفورة لحسبتهامسومة تدعو عبيداً وأيماً وقال الآخر:
ما أطيب العيش لو أن الفتى حجرتنبو الحوادث عنه وهو ملموم وقال آخر:
стр. 2181
ولو أن حياً فائت الموت فاتهأخو الحرب فوق القارح القدوان وهو كثير في لسانهم. والظاهر أن الواو في قوله: ﴿والبحر﴾ ، في قراءة من رفع، وهم الجمهور، واو الحال؛ والبحر مبتدأ، و ﴿يمده﴾ الخبر، أي حال كون البحر ممدوداً. وقال الزمخشري: عطفاً على محل إن ومعمولها على ولو، ثبت كون الأشجار أقلاماً، وثبت أن البحر مدوداً بسبعة أبحر. انتهى. وهذا لا يتم إلا على رأي المبرد، حيث زعم أن ﴿أن﴾ في موضع رفع على الفاعلية. وقال بعض النحويين: هو عطف على أن، لأنها في موضع رفع بالإبتداء، وهو لا يتم إلا على رأي من يقول: إن أن بعد لو في موضع رفع على الابتداء، ولولا يليها المبتدأ اسماً صريحاً إلا في ضرورة شعر، نحو قوله:
لو بغير الماء حلقي شرقكنت كالغصان بالماء اعتصاري فإذا عطفت والبحر على أن ومعموليها، وهما رفع بالابتداء، لزم من ذلك أن لو يليها الاسم مبتدأ، إذ يصير التقدير: ولو البحر، وذلك لا يجوز إلا في الضرورة، إلا أنه قد يقال: إنه يجوز في المعطوف عليه نحو: رب رجل وإخيه يقولان ذلك. وقرأ عبد الله: وبحر يمده، بالتنكير بالرفع، والواو للحال، أو للعطف على ما تقدم؛ وإن كان الواو واو الحال، كان بحر، وهو نكرة، مبتدأ، وذكروا في مسوغات الابتداء بالنكرة أن تكون واو الحال تقدمته، نحو قوله:
سرينا ونجم قد أضاء فقد بدامحياك أخفى ضوؤه كل شارق وقرأ جعفر بن محمد والبحر مداده، أي يكتب به من السواد. وقال ابن عطية: هو مصدر. انتهى.
стр. 2182
سبعة أبحر ﴿شَجَرَةٍ أَقْلاَمٌ وَالْبَحْرُ﴾ : لا يراد به الاقتصار على هذا العدد، بل جيء للكثرة، كقوله: المؤمن من يأكل في معي واحد، والكافر في سبعة أمعاء، لا يراد به العدد، بل ذلك إشارة إلى القلة والكثرة. ولما كان لفظ سبعة ليس موضوعاً في الأصل للتكثير، وإن كان مراداً به التكثير، جاء مميزه بلفظ القلة، وهو أبحر، ولم يقل بحور، وإن كان لا يراد به أيضاً إلا التكثير، ليناسب بين اللفظين. فكما يجوز في سبعة، واستعمل للتكثر، كذلك يجوز في أبحر، واستعمل للتكثير. وفي الكلام جملة محذوفة يدل عليها المعنى، وكتب بها الكتاب كلمات الله.
وقال الزمخشري: فإن قلت: زعمت أن قوله: ﴿والبحر يمده﴾ ، حال في أحد وجهي الرفع، وليس فيه ضمير راجع إلى ذي الحال، قلت: هو كقوله:
وقد اغتدي والطير في وكناتها
وجئت والجيش مصطف، وما أشبه ذلك من الأحوال التي حكمها حكم الظروف. يجوز أن يكون المعنى: وبحرها، والضمير للأرض. انتهى. وهذا الذي جعله سؤالاً وجواباً من واضح النحو الذي لا يجهله المبتدئون فيه، وهو أن الجملة لا سمية إذا كانت حالاً بالواو، لا يحتاج إلى ضمير يربط، واكتفى بالواو فيها. وأما قوله: وما أشبه ذلك من الأحوال التي حكمها حكم الظروف، فليس بجيد، لأن الظرف إذا وقع حالاً، ففي العامل فيه ضمير ينتقل إلى الظرف. والجملة الاسمية إذا كانت حالاً بالواو، فليس فيها ضمير منتقل. وأما قوله: ويجوز، فلا يجوز إلا على رأي الكوفيين، حيث يجعلون أل عوضاً من الضمير.
стр. 2183
وقال الزمخشري: فإن قلت: لم قيل: ﴿من شجرة﴾ ، على التوحيد دون اسم الجنس الذي هو شجر؟ قلت: أريد تفصيل الشجر ونقضها شجرة شجرة، حتى لا يبقى من جنس الشجر واحدة إلا قد بريت أقلاماً. انتهى. وهذا النوع هو مما أوقع فيه المفرد موقع الجمع، والنكرة موقع المعرفة، ونظيره: ﴿ما ننسخ من آية﴾ ، ﴿ما يفتح الله للناس من رحمة﴾ ، ﴿ولله يسجد ما في السموات وما في الأرض من دابة﴾ ؛ وكقول العرب: هو أول فارس، وهذا أفضل عالم، يريد من الآيات ومن الرحمات ومن الدواب، وأول الفرسان. أخبروا بالمفرد والنكرة، وأرادوا به معنى الجمع المعرف بأل، وهو مهيع في كلام العرب معروف. وكذلك يتقدر هذا من الشجرات، أو من الأشجار. وفي هذا الكلام من المبالغة في تكثير الأقلام والمداد ما ينبغي أن يتأمل، وذلك أن الأشجار مشتمل كل واحدة منها على الأغصان الكثيرة، وتلك الأغصان كل غصن منها يقطع على قدر القلم، فيبلغ عدد الأقلام في التناهي إلى ما لايعلم به، ولا يحيط إلا الله تعالى.
والباء، وتحتمل السبية: أي تجري بسبب الريح وتسخير الله، وتحتمل الحالية، أي مصحوبة بنعمة الله، وهي ما تحمله السفن من الطعام والأرزاق والتجارات. وقال ابن عطية: الباء للالصاق. انتهى.
وقوله: وإذا غشيهم ﴿أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِى فِى الْبَحْرِ﴾ ، فيه التفات خرج من ضمير الخطاب في ﴿ليريكم﴾ إلى ضمير الغيبة في ﴿غشيهم﴾ .
و ﴿موج﴾ : اسم جنس يفرق بينه وبين مفرده بتاء التأنيث، فهو يدل على الجمع، ولذلك شبهه بالجمع.
والجملة من لا يجزي صفة ليوم، والضمير محذوف، أي منه، فإما أن يحذف برمته، وإما على التدريج حذف الخبر، فتعدى الفعل إلى الضمير وهو منصوب فحذف.
стр. 2184
ويجوز في ولا مولود ﴿رَبَّكُمْ وَاخْشَوْاْ يَوْماً لاَّ يَجْزِى وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ وَلاَ مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن﴾ وجهان: أحدهما: أن يكون معطوفاً على والد، والجملة من قوله: ﴿هو جاز﴾ ، صفة لمولود. والثاني: أن يكون مبتدأ، وهو مبتدأ ثان، وجاز خبره، والجملة خبر للأول، وجاز الابتداء به، وهو نكرة لوجود مسوغ ذلك، وهو النفي. وذهل المهدوي فقال: لا يكون ﴿مولود﴾ مبتدأ، لأنه نكرة وما بعده صفة، فيبقى بلا خبر و ﴿شيئاً﴾ منصوب بجاز، وهو من باب الأعمال، لأنه يطلبه ﴿لا يجزي﴾ ويطلبه ﴿جاز﴾ ، فجعلناه من أعمال الثاني، لأنه المختار.
وقال الزمخشري: فإن قلت: قوله: ﴿ولا مولود هو جاز عن والده شيئاً﴾ هو وارد على طريق من التوكيد، لم يرد عليه ما هو معطوف عليه. قلت: الأمر كذلك، لأن الجملة الاسمية آكد من الفعلية، وقد انضم إلى ذلك قوله: ﴿هو﴾ ، وقوله: ﴿مولود﴾ ، والسبب في مجيئه هذا السنن أن الخطاب للمؤمنين، وغالبهم قبض آباؤهم على الكفر وعلى الدين الجاهلي، فأريد حسم أطماعهم وأطماع الناس أن ينفعوا آباءهم في الآخرة، وأن يشفعوا لهم، وأن يغنوا عنهم من الله شيئاً، فلذلك جيء به على الطريق الأوكد. ومعنى التوكيد في لفظ المولود: أن الواحد منهم لو شفع للوالد الأدنى الذي ولد منه، لم تقبل شفاعته فضلاً أن يشفع لمن فوقه من أجداده، لأن الولد يقع على الولد، وولد الولد بخلاف المولود، فإنه لمن ولد منك.
وعلم: مصدر أضيف إلى الساعة.
стр. 2185
فالجملة من قوله: ماذا تكسب ﴿بِاللَّهِ الْغَرُورُ * إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِى الأٌّرْحَامِ وَمَا تَدْرِى نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِى نَفْسٌ بِأَىِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلَيمٌ خَبِيرٌ﴾ في موضع مفعول ﴿تدري﴾ ، ويجوز أن يكون ماذا كلها موصولاً منصوباً بتدري، كأنه قال: وما تدري نفس الشيء التي تكسب غداً. وبأي متعلق بتموت، والباء ظرفية، أي: في أي أرض؟ فالجملة في موضع نصب بتدري.
سورة السجدة
ثلاثون آية مكية
والكتاب القرآن. قال الحوفي: ﴿تنزيل﴾ مبتدأ، ﴿ولا ريب﴾ خبره. ويجوز أن يكون ﴿تنزيل﴾ خبر مبتدأ، أي هذا المتلو تنزيل، أو هذه الحروف تنزيل، و ﴿الم﴾ بدل على الحروف. وقال أبو البقاء: ﴿الم﴾ مبتدأ، و ﴿تنزيل﴾ خبره بمعنى المنزل، و ﴿لا ريب فيه﴾ حال من الكتاب، والعامل فيه تنزيل، و ﴿من رب العالمين﴾ متعلق بتنزيل أيضاً. ويجوز أن يكون حالاً من الضمير في فيه، والعامل فيه الظرف. ويجوز أن يكون ﴿تنزيل﴾ مبتدأ، و ﴿لا ريب فيه﴾ الخبر، و ﴿من رب العالمين﴾ حال كما تقدم. ولا يجوز على هذا أن يتعلق بتنزيل، لأن المصدر قد أخبر عنه. ويجوز أن يكون الخبر ﴿من رب العالمين﴾ ، و ﴿لا ريب﴾ حال من الكتاب، وأن يكون خبراً بعد خبر. انتهى. والذي أختاره أن يكون ﴿تنزيل﴾ مبتدأ، و ﴿لا ريب﴾ اعتراض، و ﴿من رب العالمين﴾ الخبر. وقال ابن عطية: ﴿من رب العالمين﴾ متعلق بتنزيل، ففي الكلام تقديم وتأخير؛ ويجوز أن يتعلق بقوله: ﴿لا ريب﴾ ، أي لا شك، من جهة الله تعالى، وإن وقع شك الكفرة، فذلك لا يراعى. والريب: الشك، وكذا هو في كل القرآن، إلا قوله: ﴿ريب المنون﴾ . انتهى.
стр. 2186
وإذا كان ﴿تنزيل﴾ خبر مبتدأ محذوف، وكانت الجملة اعتراضية بين ما افتقر إلى غيره وبينه، لم نقل فيه: إن فيه تقديماً وتأخيراً، بل لو تأخر لم يكن اعتراضاً. وأما كونه متعلقاً بلا ريب، فليس بالجيد، لأن نفي الريب عنه مطلقاً هو المقصود، لأن المعنى: لا مدخل للريب فيه، إن تنزيل الله، لأن موجب نفي الريب عنه موجود فيه، وهو الإعجاز، فهو أبعد شيء من الريب.
وقال الزمخشري: والضمير في فيه راجع إلى مضمون الجملة، كأنه قيل: لا ريب في ذلك، أي في كونه منزلاً من رب العالمين.
ومن ربك في موضع الحال، أي كائناً من عند ربك، وبه متعلق بلتنذر، أو بمحذوف تقديره: أنزله لتنذر. والقوم هنا قريش والعرب، وما نافية، ومن نذير: من زائدة، ونذير فاعل أتاهم.
والذي ذهب إليه غير ما ذهب إليه المفسرون، وذلك أنهم فهموا من قوله: ما أتاهم ﴿رَّبِّ الْعَلَمِينَ * أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِن﴾ ، و ﴿ما أنذر آباؤهم﴾ ، أن ما نافية، وعندي أن ما موصولة.
وكذلك ﴿لتنذر قوماً ما أنذر آباؤهم﴾ : أي العقاب الذي أنذره آباؤهم، فما مفعولة في الموضعين، وأنذر يتعدى إلى اثنين. قال تعالى: ﴿فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة﴾ ، وهذا القول جار على ظواهر القرآن. قال تعالى: ﴿وإن من أمة إلا خلا فيها نذير﴾ ، و ﴿أن تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير فقد جاءكم بشير ونذير﴾ ، ﴿وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً﴾ ، ﴿وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها رسولاً﴾ .
стр. 2187
وقرأ زيد بن علي: ﴿عالم الغيب والشهادة العزيز الرحيم﴾ : بخفض الأوصاف الثلاثة؛ وأبو زيد النحوي: بخفض ﴿العزيز الرحيم﴾ . وقرأ الجمهور: برفع الثلاثة على أنها أخبار لذلك، أو الأول خبر والاثنان وصفان، ووجه الخفض أن يكون ذلك إشارة إلى الأمر، وهو فاعل بيعرج، أي ثم يعرج إليه ذلك، أي الأمر المدبر، ويكون عالم وما بعده بدلاً من الضمير في إليه. وفي قراءة ابن زيد يكون ذلك عالم مبتدأ وخبر، والعزيز الرحيم بالخفض بدل من الضمير في إليه. وقرأ الجمهور: خلقه، بفتح اللام، فعلاً ماضياً صفة لكل أو لشيء. وقرأ العربيان، وابن كثير: بسكون اللام، والظاهر أنه بدل اشتمال، والمبدل منه كل، أي أحسن خلق كل شيء، فالضمير في خلقه عائد على كل. وقيل: الضمير في خلقه عائد على الله، فيكون انتصابه نصب المصدر المؤكد لمضمون الجملة، كقوله: ﴿صبغة الله﴾ ، وهو قول سيبويه، أي خلقه خلقاً. ورجح على بدل الاشتمال بأن فيه إضافة المصدر إلى الفاعل، وهو أكثر من إضافته إلى المفعول، وبأنه أبلغ في الامتنان، لأنه إذا قال: ﴿أحسن كل شيء﴾ ، كأن أبلغ من: أحسن خلق كل شيء، لأنه قد يحسن الخلق، وهو المجاز له، ولا يكون الشيء في نفسه حسناً. فإذا قال: ﴿أحسن كل شيء﴾ ، اقتضى أن كل شيء خلقه حسن، بمعنى: أنه وضع كل شيء في موضعه. انتهى.
وقيل: في هذا الوجه، وهو عود الضمير في خلقه على الله، يكون بدلاً من كل شيء، بدل شيء من شيء، وهما لعين واحدة.
﴿وجعل لكم﴾ : التفات، إذ هو خروج من مفرد غائب إلى جمع مخاطب، وتعديد للنعم، وهي شاملة لآدم؛ كما أن التسوية ونفخ الروح شامل له ولذريته. والظاهر أن ﴿وقالوا﴾ ، الضمير لجمع، وقيل: القائل أبيّ بن خلف، وأسند إلى الجمع لرضاهم به، والناصب للظرف محذوف يدل عليه ﴿أئنا﴾ وما بعدها تقديره انبعث.
стр. 2188
﴿ولو ترى﴾ : رأى أن الجملة معطوفة على ﴿يتوفاكم﴾ ، داخلة تحت ﴿قل﴾ ، فلذلك لم يجعله خطاباً للرسول. والظاهر أن لو هنا لم تشرب معنى التمني، بل هي التي لما كان سيقع لوقوع غيره، والجواب محذوف، أي لرأيت أسوأ حال يرى. ولو تعليق في الماضي، وإذ ظرف للماضي، فلتحقق الأخبار ووقوعه قطعاً أتى بهما تنزيلاً منزلة الماضي. وقال الزمخشري: يجوز أن يكون خطاباً لرسول الله، وفيه وجهان: أحدهما: أن يراد به التمني، كأن قيل: وليتك ترى، والتمني له، كما كان الترجي له في: ﴿لعلهم يهتدون﴾ ، لأنه تجرع منهم الغصص ومن عداوتهم وضرارهم، فجعل الله له، تمنى أن يراهم على تلك الصفة الفظيعة من الحياء والخزي والغم ليشمت بهم، وأن تكون لو امتناعية، وقد حذف جوابها، وهو: لرأيت أمراً فظيعاً. ويجوز أن يخاطب به كل أحد، كما تقول: فلان لئيم إن أكرمته أهانك، وإن أحسن إليه أساء إليك، فلا يريد به مخاطباً بعينه، وكأنك قلت: إن أكرم وإن أحسن إليه. انتهى. والتمني بلو في هذا الموضع بعيد، وتسمية لو امتناعية ليس بجيد، بل العبارة الصحيحة لو لما كان سيقع لوقوع غيره، وهي عبارة سيبويه، وقوله قد حذف جوابها وتقديره: وليتك ترى ما يدل على أنها كانت إذا للتمني لا جواب لها، والصحيح أنها إذا أشربت معنى التمني، يكون لها جواب كحالها إذا لم تشربه. قال الشاعر:
فلو نبش المقابر عن كليبفيخبر بالذنائب أي زير بيوم الشعمثين لقر عيناوكيف لقاء من تحت القبوروقال الزمخشري: وقد تجيء لو في معنى التمني، كقولك: لو تأتيني فتحدثني، كما تقول: ليتك تأتيني فتحدثني. فقال ابن مالك: إن أراد به الحذف، أي وددت لو تأتيني فصحيح، وإن أراد أنها موضوعة للتمني فغير صحيح، لأنها لو كانت موضوعة له، ما جاز أن يجمع بينها وبين فعل التمني. لا يقال: تمنيت ليتك تفعل، ويجوز: تمنيت لو تقوم. وكذلك امتنع الجمع بين لعل والترجي، وبين إلا واستثنى. انتهى.
стр. 2189
و ﴿هذا﴾ : صفة ليومكم، ومفعول ﴿فذوقوا﴾ محذوف، أو مفعول فذوقوا هذا العذاب بسبب نسيانكم ﴿لقاء يومكم هذا﴾ ، وهو ما أنتم فيه من نكس الرؤوس والخزي والغم؛ أو ذوقوا العذاب المخلد في جهنم. وفي استئناف قوله: ﴿إنا نسيناكم﴾ ، وبناء الفعل على إن واسمها تشديد في الانتقام منهم.
﴿يدعون﴾ : حال، أو مستأنف خوفاً وطمعاً، مفعول من أجله، أو مصدران في موضع الحال.
و ﴿ما أخفي﴾ يحتمل أن تكون موصولة، وأن تكون استفهامية، فيكون ﴿تعلم﴾ متعلقة. والجملة في موضع المفعول، إن كان ﴿تعلم﴾ مما عدى لواحد؛ وفي موضع المفعولين إن كانت تتعدى لاثنين.
﴿ولا تعلم نفس﴾ : نكرة في سياق النفي، فيعم جميع الأنفس مما ادّخرا لله تعالى لأولئك، وأخفاه من جميع خلائقه مما تقر به أعينهم، لا يعلمه إلا هو، وهذه عدة عظيمة لا تبلغ الأفهام كنهها، بل ولا تفاصيلها. وقال الحسن: أخفوا اليوم أعمالاً في الدنيا، فأخفى الله لهم ما لا عين رأت ولا أذن سمعت.
والظاهر أن الضمير عائد على موسى، مضافاً إليه على طريق المفعول، والفاعل محذوف ضمير الرسول، أي من لقائك موسى، أي في ليلة الإسراء، أي شاهدته حقيقة، وهو النبي الذي أوتي التوراة، وقد وصفه الرسول فقال: آدم طوال جعد، كأنه من رجال شنوءة حين رآه ليلة الإسراء، قاله أبو العالية وقتادة وجماعة من السلف. وقال المبرد: حين امتحن الزجاج بهذه المسألة.
وقيل: عائد على الكتاب، فإما مضاف إليه على طريق الفاعل والمفعول محذوف، أي من لقاء الكتاب موسى ووصوله إليه، وإما بالعكس، أي من لقاء موسى الكتاب وتلقيه. وقيل: يعود على الكتاب على تقدير مضمر، أي من لقاء مثله، أي: إنا آتيناك مثل ما آتينا موسى، ولقناك بمثل ما لقن من الوحي، فلا تك في شك من أنك لقنت مثله ولقيت نظيره، ونحوه من لقائه قوله: وإنك لتُلَقىّ القرآن ﴿مُوسَى الْكِتَبَ فَلاَ تَكُن فِى مِرْيَةٍ﴾ .
стр. 2190
﴿وكانوا﴾ : يحتمل أن يكون معطوفاً على ﴿صبروا﴾ ، فيكون داخلاً في التعليق. ويحتمل أن يكون عطفاً على ﴿وجعلنا منهم﴾ . وقرأ عبد الله أيضاً: بما صبروا، بباء الجر، والضمير في منهم ظاهره يعود على بني إسرائيل.
سورة الأحزاب
ثلاث وسبعون آية مدنية
وأدعياء: جمع دعي، فعيل بمعنى مفعول، جاء شاذاً، وقياسه فعلى، كجريح وجرحى، وإنما هذا الجمع قياس فعيل المعتل اللام بمعنى فاعل، نحو: تقي وأتقياء. شبهوا أدعياء بتقي، فجمعوه جمعه شذوذاً، كما شذوا في جمع أسير وقتيل فقالوا: أسراء وقتلاء، وقد سمع المقيس فيهما فقالوا: أسرى وقتلى.
стр. 2191
أقسط ﴿عَنْهُمْ وَانتَظِرْ إِنَّهُمْ مُّنتَظِرُونَ * يأَيُّهَا النَّبِىِّ اتَّقِ اللَّهَ وَلاَ تُطِعِ الْكَفِرِينَ وَالْمُنَفِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً * وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِن رَبِّكَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً * وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً * مَّا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِى جَوْفِهِ وَمَا جَعَلَ أَزْوَجَكُمُ اللاَّئِى تُظَهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَآءَكُمْ أَبْنَآءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُم بِأَفْوَهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِى السَّبِيلَ * ادْعُوهُمْ لأًّبَآئِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ فَإِن لَّمْ تَعْلَمُواْءَابَاءَهُمْ فَإِخوَانُكُمْ فِى الدِّينِ وَمَوَلِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَآ أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً * النَّبِىُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَجُهُ أُمَّهَتُهُمْ وَأُوْلُو الأٌّرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِى كِتَبِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَجِرِينَ إِلاَّ أَن تَفْعَلُواْ إِلَى أَوْلِيَآئِكُمْ مَّعْرُوفاً كَانَ ذَلِكَ فِى الْكِتَبِ مَسْطُوراً * وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّيْنَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِن نُّوحٍ وَإِبْرَهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِّيثَاقًا غَلِيظاً * لِّيَسْأَلَ الصَّدِقِينَ عَن صِدْقِهِمْ وَأَعَدَّ لِلْكَفِرِينَ عَذَاباً أَلِيماً * يأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُواْ اذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَآءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً * إِذْ جَآءُوكُمْ مِّن فَوْقِكُمْ
стр. 2192
وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ
الأٌّبْصَرُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَاْ * هُنَالِكَ ابْتُلِىَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُواْ زِلْزَالاً شَدِيداً * وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَفِقُونَ وَالَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُوراً * وَإِذْ قَالَت طَّآئِفَةٌ مِّنْهُمْ يأَهْلَ.يَثْرِبَ لاَ مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُواْ وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِّنْهُمُ النَّبِىَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِىَ بِعَوْرَةٍ إِن يُرِيدُونَ إِلاَّ فِرَاراً * وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِّنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُواْ الْفِتْنَةَ لأّتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُواْ بِهَآ إِلاَّ يَسِيراً * وَلَقَدْ كَانُواْ عَهَدُواْ اللَّهَ مِن قَبْلُ لاَ يُوَلُّونَ الأٌّدْبَرَ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولاً * قُل لَّن يَنفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِن فَرَرْتُمْ مِّنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذاً لاَّ تُمَتَّعُونَ إِلاَّ قَلِيلاً * قُلْ مَن ذَا الَّذِى يَعْصِمُكُمْ مِّنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءاً أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلاَ يَجِدُونَ لَهُمْ مِّن دُونِ اللَّهِ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً * قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنكُمْ وَالْقَآئِلِينَ لإِخْوَنِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلاَ يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلاَّ قَلِيلاً * أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَآءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ تَدورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِى يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُم بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أوْلَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُواْ فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَلَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً * يَحْسَبُونَ الأٌّحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُواْ وَإِن
стр. 2193
يَأْتِ الأٌّحْزَابُ يَوَدُّواْ لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِى الأٌّعْرَابِ يَسْأَلُونَ عَنْ أَنبَآئِكُمْ وَلَوْ كَانُواْ فِيكُمْ مَّا قَاتَلُواْ إِلاَّ قَلِيلاً * لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الأٌّخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً * وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الأٌّحْزَابَ قَالُواْ هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلاَّ إِيمَانًا وَتَسْلِيماً *
стр. 2194
مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَهَدُواْ اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُواْ تَبْدِيلاً * لِّيَجْزِىَ اللَّهُ الصَّدِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَفِقِينَ إِن شَآءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً * وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُواْ خَيْراً وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيّاً عَزِيزاً * وَأَنزَلَ الَّذِينَ ظَهَرُوهُم مِّنْ أَهْلِ الْكِتَبِ مِن صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِى قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقاً تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقاً * وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَرَهُمْ وَأَمْوَلَهُمْ وَأَرْضاً لَّمْ تَطَئُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيراً * يأَيُّهَا النَّبِىُّ قُل لأٌّزْوَجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَوةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً * وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الأٌّخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَتِ مِنكُنَّ أَجْراً عَظِيماً * ينِسَآءَ النَّبِىِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً * وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ للَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَلِحاً نُؤْتِهَآ أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقاً كَرِيماً * ينِسَآءَ النَّبِىِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَآءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلاَ تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِى فِى قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَّعْرُوفاً * وَقَرْنَ فِى بُيُوتِكُنَّ وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَهِلِيَّةِ الاٍّولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَوةَ وَءَاتِينَ
стр. 2195
الزَّكَوةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً * وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِى بُيُوتِكُنَّ مِنْءَايَتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفاً خَبِيراً * إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ وَالْقَنِتِينَ وَالْقَنِتَتِ وَالصَّدِقِينَ وَالصَّدِقَتِ وَالصَّبِرِينَ وَالصَّبِرَتِ وَالْخَشِعِينَ وَالْخَشِعَتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَتِ والصَّئِمِينَ والصَّئِمَتِ وَالْحَفِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَفِظَتِ وَالذكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذكِرَتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً * وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَلاً مُّبِيناً * وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِى أَنعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِى فِى نِفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَكَهَا لِكَىْ لاَ يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِى أَزْوَاجِ أَدْعِيَآئِهِمْ إِذَا قَضَوْاْ مِنْهُنَّ وَطَراً وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولاً * مَّا كَانَ عَلَى النَّبِىِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ فِى الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَراً مَّقْدُوراً * الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلاَ يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلاَّ اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيباً * مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَآ أَحَدٍ مّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن
стр. 2196
رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيماً * يأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُواْ اذْكُرُواْ اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً * هُوَ الَّذِى يُصَلِّى عَلَيْكُمْ﴾ : أفعل التفضيل.
﴿
مسطوراً﴾ : أي مثبتاً بالأسطار، وهذه الجملة مستأنفة كالخاتمة.
واللام في ﴿ليسأل﴾ ، قيل: يحتمل أن تكون لام الصيرورة، أي أخذ الميثاق على الأنبياء ليصير الأمر إلى كذا. والظاهر أنها لام كي، أي بعثنا الرسل وأخذنا عليهم المواثيق في التبليغ، لكي يجعل الله خلقه فرقتين: فرقة يسألها عن صدقها على معنى إقامة الحجة، فتجيب بأنها قد صدقت الله في إيمانها وجميع أفعالها، فيثيبها على ذلك؛ وفرقة كفرت، فينالها ما أعد لها من العذاب. فالصادقون على هذا المسئولون هم: المؤمنون. والهاء في ﴿صدقهم﴾ عائدة عليهم، ومفعول ﴿صدقهم﴾ محذوف تقديره: عن صدقهم عهده. أو يكون ﴿صدقهم﴾ في معنى: تصديقهم، ومفعوله محذوف، أي عن تصديقهم الأنبياء.
﴿وأعد﴾ : معطوف على أخذنا.
وإذ معمولة لنعمة، أي إنعامه عليكم وقت مجيء الجنود.
و ﴿هنالك﴾ : ظرف مكان للبعيد هذا أصله، فيحمل عليه، أي في ذلك المكان الذي وقع فيه الحصار والقتال ﴿ابتلي المؤمنون﴾ ، والعامل فيه ابتلي. وقال ابن عطية: ﴿هنالك﴾ ظرف زمان؛ قال: ومن قال إن العامل فيه ﴿وتظنون﴾ ، فليس قوله بالقوي، لأن البداءة ليست متمكنة.
وقرأ الجمهور: ﴿زلزالاً﴾ ، بكسر الزاي؛ والجحدري. وعيسى: بفتحها، وكذا: ﴿إذا زلزلت الأرض زلزالها﴾ ، ومصدر فعلل من المضاعف يجوز فيه الكسر والفتح نحو: قلقل قلقالاً. وقد يراد بالمفتوح معنى اسم الفاعل، فصلصال بمعنى مصلصل، فإن كان غير مضاعف، فما سمع منه على فعلان، مكسور الفاء نحو: سرهفه سرهافاً.
стр. 2197
﴿لا مقام لكم﴾ ، وقرأ السلمي والأعرج واليماني وحفص: بضم الميم، فاحتمل أن يكون مكاناً، أي لا مكان إقامة؛ واحتمل أن يكون مصدراً، أي لا إقامة. وقرأ أبو جعفر، وشيبة، وأبو رجاء، والحسن، وقتادة، والنخعي، وعبد الله بن مسلم، وطلحة، وباقي السبعة: بفتحها، واحتمل أيضاً المكان، أي لا مكان قيام، واحتمل المصدر، أي لا قيام لكم.
و ﴿يقولون﴾ : حال، أي قائلين: ﴿إن بيوتنا عورة﴾ .
﴿لا يولون الأدبار﴾ . وجواب هذا القسم جاء على الغيبة عنهم على المعنى: ولو جاء كما لفظوا به، لكان التركيب: لا نولي الأدبار.
قال الربيع بن خيثم: وجواب الشرط محذوف لدلالة ما قبله عليه، أي: ﴿إن فررتم من الموت﴾ ، أو القتل، لا ينفعكم الفرار، وإذاً هنا تقدّمها حرف عطف، فلا يتحتم إعمالها، بل يجوز، ولذلك قرأ بعضهم: ﴿وإذاً لا يلبثوا خلفك﴾ في سورة الإسراء، بحذف النون. و ﴿قليلاً﴾ : نعت لمصدر محذوف، أي تمتيعاً قليلاً، أو لزمان محذوف، أي زماناً قليلاً.
و ﴿من ذا﴾ : استفهام، ركبت ذا مع من وفيه معنى النفي، أي لا أحد يعصمكم من الله.
وقال الزمخشري: وهلموا إلينا، أي قربوا أنفسكم إلينا، قال: وهو صوت سمي به فعل متعد مثل: احضر واقرب. انتهى.
والذي عليه النحويون أن هلم ليس صوتاً، وإنما هو مركب مختلف في أصل تركيبه؛ فقيل: هو مركب من هاالتي للتنبيه ولم، وهو مذهب البصريين. وقيل: من هل وأم، والكلام على ترجيح المختار منهما مذكور في النحو. وأما قوله: سمي به فعل متعد، ولذلك قدر ﴿هلم إلينا﴾ : أي قربوا أنفسكم إلينا؛ والنحويون: أنه متعد ولازم؛ فالمتعدي كقوله: ﴿قل هلم شهداءكم﴾ : أي احضروا شهداءكم، واللازم كقوله: ﴿هلم إلينا﴾ ، وأقبلوا إلينا.
стр. 2198
وقرأ الجمهور: ﴿أشحة﴾ ، بالنصب. قال الفراء: على الذم، وأجاز نصبه على الحال، والعامل يعوقون. وقال الطبري: حال من ﴿هلم إلينا﴾ . وقال الزجاج: حال من ﴿ولا يأتون﴾ ؛ وقيل: حال من ﴿المعوقين﴾ ؛ وقيل: من ﴿القائلين﴾ ، ورد القولان بأن فيهما تفريقاً بين الموصول وما هو من تمام صلته. وقرأ ابن أبي عبلة: أشحة، بالرفع على إضمار مبتدأ، أي هم أشحة.
و ﴿تدور﴾ : في موضع الحال، أي دائرة أعينهم. ﴿كالذي﴾ : في موضع الصفة لمصدر محذوف، وهو مصدر مشبه، أي دوراناً كدوران عين الذي يغشى عليه. فبعد الكاف محذوفان وهما: دوران وعين، ويجوز أن يكون في موضع الصفة لمصدر من ﴿ينظرون إليك﴾ ، نظراً كنظر الذي يغشى عليه.
وقرأ ابن أبي عبلة: أشحة بالرفع، أي هم أشحة؛ والجمهور: بالنصب على الحال من ﴿سلقوكم﴾ ، وعلى الخبر يدل على عموم الشح في قوله أولاً: ﴿أشحة عليكم﴾ .
و ﴿أسوة﴾ : اسم كان، و ﴿لكم﴾ : الخبر، ويتعلق ﴿في رسول الله﴾ بما يتعلق به ﴿لكم﴾ ، أو يكون في موضع الحال، لأنه لو تأخر جاز أن يكون نعتاً لأسوة، أو يتعلق بكان على مذهب من أجاز في كان وأخواتها الناقصة أن تعمل في الظرف والمجرور، ويجوز أن يكون ﴿في رسول الله﴾ الخبر، ولكم تبيين، أي لكم، أعني: ﴿لمن كان يرجو الله﴾ . قال الزمخشري: بدل من لكم، كقوله: ﴿للذين استضعفوا لمن آمن منهم﴾ . انتهى. ولا يجوز على مذهب جمهور البصريين أن يبدل من ضمير المتكلم، ولا من ضمير المخاطب، اسم ظاهر في بدل الشيء من الشيء وهما لعين واحدة، وأجاز ذلك الكوفيون والأخفش، ويدل عليه قول الشاعر:
بكم قريش كفينا كل معضلةوأمّ نهج الهدى من كان ضليلاً
стр. 2199
وتقول: صدقت زيداً الحديث، وصدقت زيداً في الحديث. وقد عدت صدق هذه في ما يتعدى بحرف الجر، وأصله ذلك، ثم يتسع فيه فيحذف الحرف ويصل الفعل إليه بنفسه، ومنه قولهم في المثل: صدقني سن بكره، أي في سن بكره. فما عاهدوا، إما أن يكون على إسقاط الحرف، أي فيما عاهدوا، والمفعول الأول محذوف، والتقدير: صدقوا الله، وإما أن يكون صدق يتعدى إلى واحد، كما تقول: صدقني أخوك إذا قال لك الصدق، وكذبك أخوك إذا قال لك الكذب.
واللام في ليجزي ﴿الأٌّحْزَابَ قَالُواْ هَذَا مَا وَعَدَنَا﴾ ، قيل: لام الصيرورة؛ وقيل: لام التعليل، ويتعلق بقوله: ﴿وما بدلوا تبديلاً﴾ .
﴿بغيظهم﴾ : فهو حال، والباء للمصاحبة؛ و ﴿لم ينالوا﴾ : حال ثانية، أو من الضمير في بغيظهم، فيكون حالاً متداخلة. وقال الزمخشري: ويجوز أن تكون الثانية بياناً للأولى، أو استئنافاً. انتهى. ولا يظهر كونها بياناً للأولى، ولا للاستئناف، لأنها تبقى كالمفلتة مما قبلها.
وقراءة حميد الخراز: ﴿أمتعكن وأسرحكن﴾ ، بالرفع على الاستئناف؛ والجمهور: بالجزم على جواب الأمر، أو على جواب الشرط، ويكون ﴿فتعالين﴾ جملة اعتراض بين الشرط وجزائه، ولا يضر دخول الفاء على جملة الاعتراض، ومثل ذلك قول الشاعر:
واعلم فعلم المرء ينفعهإن سوف يأتي كل ما قدرا
стр. 2200
وقرأ الجمهور: ومن يقنت بالمذكر، حملاً على لفظ من، وتعمل بالتاء حملاً على المعنى. ﴿نؤتها﴾ : بنون العظمة. وقرأ الجحدري، والأسواري، ويعقوب، في رواية: ومن تقنت بتاء التأنيث، حملاً على المعنى، وبها قرأ ابن عامر في رواية، ورواها أبو حاتم عن أبي جعفر وشيبة ونافع. وقال ابن خالويه: ما سمعت أن أحداً قرأ: ومن يقنت، إلا بالتاء. وقرأ السلمي، وابن وثاب، وحمزة، والكسائي: بياء من تحت في ثلاثتها. وذكر أبو البقاء أن بعضهم قرأ: ومن يقنت بالياء، حملاً على المعنى، ويعمل بالياء حملاً على لفظ من قال؛ فقال بعض النحويين: هذا ضعيف، لأن التذكير أصل لا يجعل تبعاً للتأنيث، وما عللوه به قد جاء مثله في القرآن، وهو قوله تعالى: ﴿خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا﴾ . انتهى.
وقال الزمخشري: أحد في الأصل بمعنى وحد، وهو الواحد؛ ثم وضع في النفي العام مستوياً فيه المذكر والمؤنث والواحد وما وراءه.
أما قوله: أحد في الأصل بمعنى: وحد، وهو الواحد فصحيح. وأما قوله: ثم وضع، إلى قوله: وما وراءه، فليس بصحيح، لأن الذي يستعمل في النفي العام مدلوله غير مدلول واحداً، لأن واحد ينطلق على كل شيء اتصف بالوحدة، وأحد المستعمل في النفي العام مخصوص بمن يعقل. وذكر النحويون أن مادته همزة وحاء ودال، ومادة أحد بمعنى وحد أصله واو وحاء ودال، فقد اختلفا مادة ومدلولاً.
стр. 2201
وأما قوله: لستن ﴿رِزْقاً كَرِيماً * ينِسَآءَ النَّبِىِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَآءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلاَ تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِى﴾ كجماعة واحدة، فقد قلنا: إن قوله ﴿لستن﴾ معناه: ليست كل واحدة منكن، فهو حكم على كل واحدة واحدة، ليس حكماً على المجموع من حيث هو مجموع. وقلنا: إن معنى كأحد: كشخص واحد، فأبقينا أحداً على موضوعه من التذكير، ولم نتأوله بجماعة واحدة. وأما ﴿ولم يفرقوا بين أحد منهم﴾ ، فاحتمل أن يكون الذي للنفي العام، ولذلك جاء في سياق النفي، فعم وصلحت البينية للعموم. واحتمل أن يكون أحد بمعنى واحد، ويكون قد حذف معطوف، أي بين واحد وواحد من رسله، كما قال الشاعر:
فما كان بين الخير لوجا سالماًأبو حجر ألا ليال قلائل
أي: لستن مثلهن إن اتقيتن الله، وذلك لما انضاف مع تقوى الله من صحبة الرسول وعظيم المحل منه، ونزول القرآن في بيتهن وفي حقهن. وقال الزمخشري: ﴿إن اتقيتن﴾ : إن أردتن التقوى، وإن كن متقيات. ﴿فلا تخضعن بالقول﴾ : فلا تجبن بقولكنّ خاضعاً، أي ليناً خنثاً، مثل كلام المريبات والمومسات. ﴿فيطمع الذي في قلبه مرض﴾ : أي ريبة وفجورا. انتهى. فعلى القول الأول يكون ﴿إن اتقيتن﴾ قيداً في كونهن لسن كأحد من النساء، ويكون جواب الشرط محذوفاً. وعلى ما قاله الزمخشري، يكون ﴿إن تقيتن﴾ ابتداء شرط، وجوابه ﴿فلا تخضعن﴾ ، وكلا القولين فيهما حمل.
وقرأ الجمهور: ﴿فيطمع﴾ ، بفتح الميم ونصب العين، جواباً للنهي؛ والذي مفعول، أو الذي فاعل والمفعول محذوف، أي فيطمع نفسه.
﴿وقرن﴾ : أمر من قار، كما تقول: خفن من خاف؛ أو من القرار، تقول: قررت بالمكان، وأصله: واقررت، حذفت الراء الثانية تخفيفاً، كما حذفوا لام ظللت، ثم نقلت حركتها إلى القاف فذهبت ألف الوصل. وقال أبو علي: أبدلت الراء ونقلت حركتها إلى القاف، ثم حذفت الياء لسكوتها وسكون الراء بعدها. انتهى.
стр. 2202
وانتصب أهل على النداء، أو على المدح، أو على الاختصاص، وهو قليل في المخاطب، ومنه.
بل الله نرجو الفضل
وأكثر ما يكون في المتكلم، وقوله:
نحن بنات طارقنمشي على النمارق وحذف من الحافظات والذاكرات المفعول لدلالة ما تقدّم، والتقدير: والحافظاتها والذاكراته.
والخيرة ﴿عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً * وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِى بُيُوتِكُنَّ مِنْءَايَتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفاً خَبِيراً * إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ وَالْقَنِتِينَ وَالْقَنِتَتِ وَالصَّدِقِينَ وَالصَّدِقَتِ وَالصَّبِرِينَ وَالصَّبِرَتِ وَالْخَشِعِينَ وَالْخَشِعَتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَتِ والصَّئِمِينَ والصَّئِمَتِ وَالْحَفِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَفِظَتِ﴾ : مصدر من تخير على غير قياس، كالطيرة من تطير. وقرىء: بسكون الياء، ذكره عيسى بن سليمان. وقرأ الحرميان، والعربيان، وأبو جعفر، وشيبة، والأعرج، وعيسى: أن تكون، بتاء التأنيث؛ والكوفيون، والحسن، والأعمش، والسلمي: بالياء. ولما كان قوله: ﴿لمؤمن ولا مؤمنة﴾ ، يعم في سياق النفي، جاء الضمير مجموعاً على المعنى في قوله: ﴿لهم﴾ ، مغلباً فيه المذكر على المؤنث. وقال الزمخشري: كان من حق الضمير أن يوحد، كما تقول: ما جاءني من رجل ولا امرأة إلا كان من شأنه كذا. انتهى. ليس كما ذكر، لأن هذا عطف بالواو، فلا يجوز إفراد الضمير إلا على تأويل الحذف، أي: ما جاءني من رجل إلا كان من شأنه كذا، وتقول: ما جاء زيد ولا عمرو إلا ضرباً خالداً، ولا يجوز إلا ضرب إلا على الحذف، كما قلنا.
وقوله: ﴿أمسك عليك﴾ فيه وصول الفعل الرافع الضمير المتصل إلى الضمير المجرور وهماً لشخص واحد، فهو كقوله:
هوّن عليك ودع عنك نهياً صيح في حجراته
стр. 2203
وذكروا في مثل هذا التركيب أن على وعن اسمان، ولا يجوز أن يكونا حرفين، لامتناع فكر فيك، وأعني بك، بل هذا مما يكون فيه النفس، أي فكر في نفسك، وأعني بنفسك، وقد تكلمنا على هذا في قوله: ﴿وهزي إليك﴾ ، ﴿واضم إليك جناحك﴾ . وقال الحوفي: ﴿وتخفي في نفسك﴾ : مستأنف، ﴿وتخشى﴾ : معطوف على وتخفي. وقال الزمخشري: واو الحال، أي تقول لزيد: ﴿أمسك عليك زوجك﴾ ، مخفياً في نفسك إرادة أن لا يمسكها، وتخفي خاشياً قاله الناس، أو واو العطف، كأنه قيل: وأن تجمع بين قولك: ﴿أمسك﴾ ، وإخفاء قالة، وخشية الناس. انتهى. ولا يكون ﴿وتخفي﴾ حالاً على إضمار مبتدأ، أي وأنت تخفي، لأنه مضارع مثبت، فلا يدخل عليه الواو إلا على ذلك الإضمار، وهو مع ذلك قليل نادر، لا يبنى على مثله القواعد؛ ومنه قولهم: قمت وأصك عينه، أي وأنا أصك عينه. ﴿والله أحق أن تخشاه﴾ : تقدّم إعراب نظيره في التوبة.
وانتصب سنة الله ﴿اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ فِى الَّذِينَ خَلَوْاْ﴾ على أنه اسم موضوع موضع المصدر، قاله الزمخشري؛ أعلى المصدر؛ أو على إضمار فعل تقديره: ألزم أو نحوه، أو على الإغراء، كأنه قال: فعليه سنة الله. قال ابن عطية: وقوله: أو على الإغراء، ليس بجيد، لأن عامل الاسم في الإغراء لا يجوز حذفه، وأيضاً فتقديره: فعليه سنة الله بضمير الغيبة، ولا يجوز ذلك في الإغراء، إذ لا يغرى غائب. وما جاء من قولهم: عليه رجلاً، ليسنى له تأويل، وهو مع ذلك نادر.
و ﴿الذين﴾ : صفة للذين خلوا، أو مرفوع، أو منصوب على إضمارهم، أو على أمدح.
وقرأ الجمهور؛ ﴿ولكن رسول﴾ ، بتخفيف لكن ونصب رسول على إضمار كان، لدلالة كان المتقدّمة عليه؛ قىل: أو على العطف على ﴿أبا أحد﴾ . وقرأ عبد الوارث، عن أبي عمرو: بالتشديد والنصب على أنه خبر لكن، والخبر محذوف تقديره: ﴿ولكن رسول الله وخاتم النبيين﴾ هو، أي محمد ﷺ وحذف خبر لكن واخواتها جائز إذا دل عليه الدليل. ومما جاء في ذلك قول الشاعر:
стр. 2204
فلو كنت ضبياً عرفت قرابتيولكنّ زنجياً عظيم المشافر أي: أنت لا تعرف قرابتي. وقرأ زيد بن علي، وابن أبي عبلة: بالتخفيف، ورفع ورسوله وخاتم، أي ولكن هو رسول الله، كما قال الشاعر:
ولست الشاعر السقاف فيهمولكن مدرة الحرب العوال و ﴿بكرة وأصيلاً﴾ : يقتضيهما اذكروا وسبحوا، والنصب بالثاني على طريق الإعمال.
﴿وملائكته﴾ : معطوف على الضمير المرفوع المستكن في ﴿يصلي﴾ ، فأغنى الفصل بالجار والمجرور عن التأكيد.
والتحية مصدر في هذه الأقوال أضيف إلى المفعول، إلا في قول من قال إنه مصدر مضاف للمحيي والمحيا، لا على جهة العمل، لأن الضمير الواحد لا يكون فاعلاً مفعولاً، وانتصب شاهداً ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً * تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَمٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْراً كَرِيماً﴾ على أنه حال مقدّرة، إذا كان قولك عند الله وقت الإرسال لم يكن شاهداً عليهم، وإنما يكون شاهداً عند تحمل الشهادة وعند أدائها، أو لأنه أقرب زمان البعثة.
وقال الزجاج: هو معطوف على ﴿شاهداً﴾ ، أي وذا سراج منير، أي كتاب نير. وقال الفراء: إن شئت كان نصباً على معنى: وتالياً سراجاً منيراً. وقال الزمخشري؛ ويجوز على هذا التفسير أن يعطف على كاف ﴿أرسلناك﴾ . انتهى. ولا يتضح هذا الذي قاله، إذ يصير المعنى: أرسلنا ذا سراج منير، وهو القرآن. ولا يوصف بالإرسال القرآن، إنما يوصف بالإنزال. وكذلك أيضاً إذا كان التقدير: وتالياً، يصير المعنى: أرسلنا تالياً سراجاً منيراً، ففيه عطف الصفة التي للذات على الذات، كقولك: رأيت زيداً والعالم. إذا كان العالم صفة لزيد، والعطف مشعر بالتغاير، لا يحسن مثل هذا التخريج في كلام الله، وثم حمل على ما تقتضيه الفصاحة والبلاغة.
стр. 2205
﴿ودع أذاهم﴾ : الظاهر إضافته إلى المفعول. لما نهى عن طاعتهم، أمر بتركه إذا يتهم وعقوبتهم، ونسخ منه ما يخص الكافرين بآية السيف. ﴿وتوكل على الله﴾ ، فإنه ينصرك ويخذلهم. ويجوز أن يكون مصدراً مضافاً للفاعل، أي ودع إذايتهم إياك، أي مجازاة الإذاية من عقاب وغيره حتى تؤمر، وهذا تأويل مجاهد.
فإن جعلت من الاعتداء الذي هو الظلم ضعف، لأن الاعتداء يتعدى بعلى. انتهى. وإذا كان يتعدى بعلى، فيجوز أن لا يحذف على، ويصل الفعل إلى الضمير، نحو قوله:
تحن فتبدى ما بها من صبابةوأخفى الذي لولا الأسى لقضاني
أي: لقضى علي. وقال الزمخشري: وقريء: تعتدونها مخففاً، أي تعتدون فيها، كقوله: ويوماً شهدناه. والمراد بالاعتداء ما في قوله: ولا تمسكوهنّ ضراراً لتعتدوا. انتهى. ويعني أنه اتصل بالفعل لما حذف حرف الجر وصل الفعل إلى ضمير العدة، كقوله:
ويوماً شهدناه سليماً وعامراً
أي: شهدنا فيه. وأما على تقدير على، فالمعنى: تعتدون عليهنّ فيها.
وقرأ الجمهور: وامرأة ﴿أَن تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ﴾ ، بالنصب؛ ﴿إن وهبت﴾ ، بكسر الهمزة: أي أحللنا لك. ﴿إن وهبت﴾ ، ﴿إن أراد﴾ ، فهنا شرطان، والثاني في معنى الحال، شرط في الإحلال هبتها نفسها، وفي الهبة إرادة استنكاح النبي، كأنه قال: أحللناها لك إن وهبت لك نفسها، وأنت تريد أن تستنكحها، لأن إرادته هي قبوله الهبة وما به تتم، وهذان الشرطان نظير الشرطين في قوله: ﴿ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم، إن كان الله يريد أن يغويكم﴾ .
стр. 2206
وإذا اجتمع شرطان، فالثاني شرط في الأول، متأخر في اللفظ، متقدم في الوقوع، ما لم تدل قرينة على الترتيب، نحو: إن تزوجتك أو طلقتك فعبدي حر. واجتماع الشرطين مسألة فيها خلاف وتفصيل، وقد استوفينا ذلك في (شرح التسهيل) ، في باب الجوازم. وقرأ أبو حيوة: وامرأة مؤمنة، بالرفع على الابتداء، والخبر محذوف: أي أحللناها لك. وقرأ أبي، والحسن، والشعبي، وعيسى، وسلام: أن بفتح الهمزة، وتقديره: لأن وهبت، وذلك حكم في امرأة بعينها، فهو فعل ماض، وقراءة الكسر استقبال في كل امرأة كانت تهب نفسهما دون واحدة بعينها. وقرأ زيد بن علي: اذ وهبت، إذ ظرف لما مضى، فهو في امرأة بعينها.
وقرأ الجمهور: ﴿خالصة﴾ ، بالنصب، وهو مصدر مؤكد، ﴿كوعد الله﴾ ، و ﴿صبغة الله﴾ ، أي أخلص لك إخلاصاً. ﴿أحللنا لك﴾ ، ﴿خالصة﴾ بمعنى خلوصاً، ويجىء المصدر على فاعل وعلى فاعلة. وقال الزمخشري: والفاعل والفاعلة في المصادر على غير عزيزين، كالخارج والقاعد والعاقبة والكاذبة. انتهى، وليس كما ذكر، بل هما عزيزان، وتمثيله كالخارج يشير إلى قول الفرزدق:
ولا خارج من في زور كلام
والقاعد إلى أحد التأويلين في قوله:
أقاعداً وقد سار الركب
والكاذبة إلى قوله تعالى: ﴿ليس لوقعتها كاذبة﴾ . وقد تتأول هذه الألفاظ على أنها ليست مصادر. وقرىء: خالصة، بالرفع، فمن جعله مصدراً، قدره ذلك خلوص لك، وخلوص من دون المؤمنين. والظاهر أن قوله: ﴿خالصة لك﴾ من صفة الواهبة نفسها لك، فقراءة النصب على الحال، قاله الزجاج: أي أحللناها خالصة لك، والرفع خبر مبتدأ: أي هي خالصة لك، أي هبة النساء أنفسهنّ مختص بك، لا يجوز أن تهب المرأة نفسها لغيرك.
﴿من دون المؤمنين﴾ ، وهي جملة اعتراضية.
وقرأ الجمهور: ﴿كلهن﴾ بالرفع، تأكيداً النون ﴿يرضين﴾ ؛ وأبو إياس حوبة بن عائد: بالنصب تأكيداً لضمير النصب في ﴿آتيتهن﴾ .
стр. 2207
والجملة، قال الزمخشري، في موضع الحال من الفاعل، وهو الضمير في تبدل ﴿مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ﴾ ، لا من المفعول الذي هو ﴿من أزواج﴾ ، لأنه موغل في التنكير، وتقديره: مفروضاً إعجابك لهن؛ وتقدم لنا في مثل هذا التركيب أنه معطوف على حال محذوفة، أي ﴿ولا أن تبدل بهن من أزواج﴾ على كل حال، ولو في هذه الحال التي تقتضي التبدل، وهي حالة الإعجاب بالحسن.
﴿إلا ما ملكت يمينك﴾ : أي فإنه يحل لك. وأما إن كانت موصولة واقعة على الجنس، فهو استثناء من الجنس، يختار فيه الرفع على البدل من النساء. ويجوز النصب على الاستثناء، وإن كانت مصدرية، ففي موضع نصب، لأنه استثناء من غير جنس الأول، قاله ابن عطية، وليس بجيد، لأنه قال: والتقدير: إلا، ملك اليمين، وملك بمعنى: مملوك، فإذا كان بمعنى مملوك صار من حملة النساء لأنه لم يرد حقيقة المصدر، فيكون الرفع هو أرجح، ولأنه قال: وهو في موضع نصب، ولا يتحتم أن يكون في موضع نصب. ولو فرضنا أنه من غير الجنس حقيقة، بل الحجاز تنصب وتميم تبدل، لأنه مستثنى، يمكن توجه العامل عليه، وإنما يكون النصب متحتماً حيث كان المستثنى لا يمكن توجه العامل عليه نحو: ما زاد المال إلا النقص، فلا يمكن توجه الزيادة على النقص، ولأنه قال: استثناء من غير الجنس. وقال مالك: بمعنى مملوك فناقض.
стр. 2208
و ﴿إلا أن يؤذن﴾ ، قال الزمخشري: ﴿إلا أن يؤذن﴾ في معنى الظرف تقديره: وقت أن يؤذن لكم، و ﴿غير ناظرين﴾ : حال من ﴿لا تدخلوا﴾ ، أوقع الاستثناء على الوقت والحال معاً، كأنه قيل: لا تدخلوا بيوت النبي إلا وقت الإذن، ولا تدخلوها إلا غير ناظرين إناه. انتهى. فقوله: ﴿إلا أن يؤذن﴾ في معنى الظرف وتقديره: وقت أن يؤذن لكم، وأنه أوقع الاستثناء على الوقت فليس بصحيح، وقد نصوا على أن أنْ المصدرية لا تكون في معنى الظرف. تقول: أجيئك صياح الديك وقدوم الحاج، ولا يجوز: أجىئك أن يصيح الديك ولا أن يقدم الحاج. وأما أن الاستثناء وقع على الوقت والحال معاً، فلا يجوز على مذهب الجمهور، ولا يقع بعد إلا في الاستثناء إلا المستثنى، أو المستثنى منه، أو صفة المستثنى منه: وأجاز الأخفش والكسائي ذلك في الحال، أجازا: ما ذهب القوم إلا يوم الجمعة راحلين عنا، فيجوز ما قاله الزمخشري في الحال. وأما قوله: ﴿إلا أن يؤذن لكم﴾ ، فلا يتعين أن يكون ظرفاً، لأنه يكون التقدير: إلا بأن يؤذن لكم، فتكون الباء للسببية، كقوله: ﴿فأخرجنا به من كل الثمرات﴾ ، أو للحال، أي مصحوبين بالإذن. وأما ﴿غير ناظرين﴾ ، كما قرر في قوله: ﴿بالبينات والزبر﴾ . أرسلناهم بالبينات والزبر، دل علىه ﴿لا تدخلوا﴾ ، كما دل عليه أرسلناهم قوله: ﴿وما أرسلنا﴾ . ومعنى ﴿غير ناظرين﴾ فحال، والعامل فيه محذوف تقديره: ادخلوا بالإذن غير ناظرين. كما قرر في قوله: ﴿بالبينات والزبر﴾ ، أي غير منتظرين وقته، أي وقت استوائه وتهيئته. وقرأ الجمهور: ﴿غير﴾ بالنصب على الحال؛ وابن أبي عبلة: بالكسر، صفة لطعام. قال الزمخشري: وليس بالوجه، لأنه جرى على غير من هو له، فمن حق ضمير ما هو له أن يبرز من إلى اللفظ، فيقال: غير ناظرين إناه أنتم، كقوله: هند زيد ضاربته هي. انتهى. وحذف هذا الضمير جائزو عند الكوفيين إذا لم يلبس وأنى الطعام إدراكه، يقال: أني الطعام أنى، كقوله: قلاه قلى، وقيل: وقته، أي غير ناظرين ساعة
стр. 2209
أكله.
﴿ولا مستأنسين لحديث﴾ : معطوف على ﴿ناظرين﴾ ، فهو مجرور أو معطوف على ﴿غير﴾ ، فهو منصوب، أي لا تدخلوها لا ناظرين ولا مستأنسين. وقيل: ثم حال محذوفة، أي لا تدخلوها أجمعين ولا مستأنسين، فيعطف عليه. واللام في ﴿لحديث﴾ إما لام العلة، نهوا أن يطيلوا الجلوس يستأنس بعضهم ببعض لأجل حديث يحدثه، به أو اللام المقوية لطلب اسم الفاعل للمفعول، فنهوا أن يستأنسوا حديث أهل البيت.
وقرأت فرقة: فيستحيي بكسر الحاء، مضارع استحا، وهي لغة بني تميم. واختلفوا ما المحذوف، أعين الكلمة أم لامها؟ فإن كان العين فوزنها يستفل، وإن كان اللام فوزنها يستفع، والترجيح مذكور في النحو.
وقرأ الجمهور: وملائكته ﴿يُؤْذِى النَّبِىِّ﴾ نصباً؛ وابن عباس، وعبد الوارث عن أبي عمرو: رفعاً. فعند الكوفيين غير الفراء هو عطف على موضع اسم إن، والفراء يشترط خفاء إعراب اسم إن. وعند البصريين هو على حذف الخبر، أي يصلي على النبي، وملائكته يصلون.
ومن في: ﴿من جلابيبهن﴾ للتبعيض.
و ﴿ثم لا يجاورونك﴾ معطوف على ﴿لنغرينك﴾ ، ولم يكن العطف بالفاء، لأنه لم يقصد أنه متسبب عن الإغراء، بل كونه جواباً للقسم أبلغ. وكان العطف بثم، لأن الجلاء عن الوطن كان أعظم عليهم من جميع ما أصيبوا، به فتراخت حالة الجلاء عن حالة الإغراء. ﴿إلا قليلاً﴾ : أي جواراً قليلاً، أو زماناً قليلاً، أو عدداً قليلاً، وهذا الأخير استثناء من المنطوق، وهو ضمير الرفع في ﴿يجاورونك﴾ ، أو ينتصب قليلاً على الحال، أي إلا قليلين، والأول استثناء من المصدر الدال عليه ﴿يجاورونك﴾ ، والثاني من الزمان الدال عليه ﴿يجاورونك﴾ .
стр. 2210
وانتصب ﴿ملعونين﴾ على الذم، قاله الطبري؛ وأجاز ابن عطية أن يكون بدلاً من ﴿قليلاً﴾ ، قال: هو من إقلاء الذي قدرناه؛ وأجاز هو أيضاً أن يكون حالاً من الضمير في ﴿يجاورونك﴾ ، قال: كأنه قال: ينتفون من المدينة معلونين، فلا يقدر ﴿لا يجاورونك﴾ ، فقدر ينتفون حسن هذا. انتهى. وقال الزمخشري، والحوفي، وتبعهما أبو البقاء: يجوز أن يكون حالاً من الضمير في ﴿لا يجاورونك﴾ ، كما قال ابن عطية. قال الزمخشري: وهذا نصه معلونين، نصب على الشتم أو الحال، أي لا يجاورونك، إلا ملعونين. دخل حرف الاستثناء على الظرف والحال معاً، كما مر في قول: ﴿إلا أن يؤذن لكم إلى طعام غير ناظرين إناه﴾ ، ولا يصح أن ينتصب من أخذ، والأن ما بعد كلمة الشرط لا يعمل فيما قبلها. انتهى. وتقدم الكلام معه في مجيء الحال مما قبل إلا مذكورة بعد ما استثنى بإلا، فيكون الاستثناء منصباً عليهما، وأن جمهور البصريين منعوا من ذلك. وأما تجويز ابن عطية أن يكون بدلاً، فالبدل بالمشتق قليل. وأما قول الزمخشري: لأن ما بعد كلمة الشرط لا يعمل فيما قبلها، فليس هذا مجمعاً عليه، لأن ما بعد كلمة الشرط شيئان: فعل الشرط والجواب. فأما فعل الشرط، فأجاز الكسائي تقديم معموله على الكلمة، أجاز زيد أن يضرب اضربه، وأما الجواب فقد أجاز أيضاً تقديم معموله عليه نحو: إن يقم زيد عمراً يضرب. وقد حكي عن بعض النحويين أنه قال: المعنى: ﴿أينما ثقفوا﴾ : أخذوا ملعونين، والصحيح أن ملعونين صفة لقليل، أي إلا قليلين ملعونين، ويكون قليلاً مستثنى من الواو في لا يجاورونك، والجملة الشرطية صفة أيضاً، أي مقهورين مغلوباً عليهم. ﴿سنة الله﴾ : مصدر مؤكد، ﴿وما يدريك﴾ : ما استفهام في موضع رفع بالابتداء، أي: وأي شيء يدريك بها؟ ومعناه النفي، أي ما يدريك بها أحد. ﴿لعل الساعة تكون قريباً﴾ : بين قرب الساعة، وفي ذلك تسلية للممتحن، وتهديد للمستعجل. وانتصب قريباً على الظرف، أي في زمان قريب، إذ استعماله ظرفاً
следующие страницы →