Полный текст (2 567 стр.). Показаны 2206–2245 · переход к 2211.
стр. 2206
وإذا اجتمع شرطان، فالثاني شرط في الأول، متأخر في اللفظ، متقدم في الوقوع، ما لم تدل قرينة على الترتيب، نحو: إن تزوجتك أو طلقتك فعبدي حر. واجتماع الشرطين مسألة فيها خلاف وتفصيل، وقد استوفينا ذلك في (شرح التسهيل) ، في باب الجوازم. وقرأ أبو حيوة: وامرأة مؤمنة، بالرفع على الابتداء، والخبر محذوف: أي أحللناها لك. وقرأ أبي، والحسن، والشعبي، وعيسى، وسلام: أن بفتح الهمزة، وتقديره: لأن وهبت، وذلك حكم في امرأة بعينها، فهو فعل ماض، وقراءة الكسر استقبال في كل امرأة كانت تهب نفسهما دون واحدة بعينها. وقرأ زيد بن علي: اذ وهبت، إذ ظرف لما مضى، فهو في امرأة بعينها.
وقرأ الجمهور: ﴿خالصة﴾ ، بالنصب، وهو مصدر مؤكد، ﴿كوعد الله﴾ ، و ﴿صبغة الله﴾ ، أي أخلص لك إخلاصاً. ﴿أحللنا لك﴾ ، ﴿خالصة﴾ بمعنى خلوصاً، ويجىء المصدر على فاعل وعلى فاعلة. وقال الزمخشري: والفاعل والفاعلة في المصادر على غير عزيزين، كالخارج والقاعد والعاقبة والكاذبة. انتهى، وليس كما ذكر، بل هما عزيزان، وتمثيله كالخارج يشير إلى قول الفرزدق:
ولا خارج من في زور كلام
والقاعد إلى أحد التأويلين في قوله:
أقاعداً وقد سار الركب
والكاذبة إلى قوله تعالى: ﴿ليس لوقعتها كاذبة﴾ . وقد تتأول هذه الألفاظ على أنها ليست مصادر. وقرىء: خالصة، بالرفع، فمن جعله مصدراً، قدره ذلك خلوص لك، وخلوص من دون المؤمنين. والظاهر أن قوله: ﴿خالصة لك﴾ من صفة الواهبة نفسها لك، فقراءة النصب على الحال، قاله الزجاج: أي أحللناها خالصة لك، والرفع خبر مبتدأ: أي هي خالصة لك، أي هبة النساء أنفسهنّ مختص بك، لا يجوز أن تهب المرأة نفسها لغيرك.
﴿من دون المؤمنين﴾ ، وهي جملة اعتراضية.
وقرأ الجمهور: ﴿كلهن﴾ بالرفع، تأكيداً النون ﴿يرضين﴾ ؛ وأبو إياس حوبة بن عائد: بالنصب تأكيداً لضمير النصب في ﴿آتيتهن﴾ .
стр. 2207
والجملة، قال الزمخشري، في موضع الحال من الفاعل، وهو الضمير في تبدل ﴿مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ﴾ ، لا من المفعول الذي هو ﴿من أزواج﴾ ، لأنه موغل في التنكير، وتقديره: مفروضاً إعجابك لهن؛ وتقدم لنا في مثل هذا التركيب أنه معطوف على حال محذوفة، أي ﴿ولا أن تبدل بهن من أزواج﴾ على كل حال، ولو في هذه الحال التي تقتضي التبدل، وهي حالة الإعجاب بالحسن.
﴿إلا ما ملكت يمينك﴾ : أي فإنه يحل لك. وأما إن كانت موصولة واقعة على الجنس، فهو استثناء من الجنس، يختار فيه الرفع على البدل من النساء. ويجوز النصب على الاستثناء، وإن كانت مصدرية، ففي موضع نصب، لأنه استثناء من غير جنس الأول، قاله ابن عطية، وليس بجيد، لأنه قال: والتقدير: إلا، ملك اليمين، وملك بمعنى: مملوك، فإذا كان بمعنى مملوك صار من حملة النساء لأنه لم يرد حقيقة المصدر، فيكون الرفع هو أرجح، ولأنه قال: وهو في موضع نصب، ولا يتحتم أن يكون في موضع نصب. ولو فرضنا أنه من غير الجنس حقيقة، بل الحجاز تنصب وتميم تبدل، لأنه مستثنى، يمكن توجه العامل عليه، وإنما يكون النصب متحتماً حيث كان المستثنى لا يمكن توجه العامل عليه نحو: ما زاد المال إلا النقص، فلا يمكن توجه الزيادة على النقص، ولأنه قال: استثناء من غير الجنس. وقال مالك: بمعنى مملوك فناقض.
стр. 2208
و ﴿إلا أن يؤذن﴾ ، قال الزمخشري: ﴿إلا أن يؤذن﴾ في معنى الظرف تقديره: وقت أن يؤذن لكم، و ﴿غير ناظرين﴾ : حال من ﴿لا تدخلوا﴾ ، أوقع الاستثناء على الوقت والحال معاً، كأنه قيل: لا تدخلوا بيوت النبي إلا وقت الإذن، ولا تدخلوها إلا غير ناظرين إناه. انتهى. فقوله: ﴿إلا أن يؤذن﴾ في معنى الظرف وتقديره: وقت أن يؤذن لكم، وأنه أوقع الاستثناء على الوقت فليس بصحيح، وقد نصوا على أن أنْ المصدرية لا تكون في معنى الظرف. تقول: أجيئك صياح الديك وقدوم الحاج، ولا يجوز: أجىئك أن يصيح الديك ولا أن يقدم الحاج. وأما أن الاستثناء وقع على الوقت والحال معاً، فلا يجوز على مذهب الجمهور، ولا يقع بعد إلا في الاستثناء إلا المستثنى، أو المستثنى منه، أو صفة المستثنى منه: وأجاز الأخفش والكسائي ذلك في الحال، أجازا: ما ذهب القوم إلا يوم الجمعة راحلين عنا، فيجوز ما قاله الزمخشري في الحال. وأما قوله: ﴿إلا أن يؤذن لكم﴾ ، فلا يتعين أن يكون ظرفاً، لأنه يكون التقدير: إلا بأن يؤذن لكم، فتكون الباء للسببية، كقوله: ﴿فأخرجنا به من كل الثمرات﴾ ، أو للحال، أي مصحوبين بالإذن. وأما ﴿غير ناظرين﴾ ، كما قرر في قوله: ﴿بالبينات والزبر﴾ . أرسلناهم بالبينات والزبر، دل علىه ﴿لا تدخلوا﴾ ، كما دل عليه أرسلناهم قوله: ﴿وما أرسلنا﴾ . ومعنى ﴿غير ناظرين﴾ فحال، والعامل فيه محذوف تقديره: ادخلوا بالإذن غير ناظرين. كما قرر في قوله: ﴿بالبينات والزبر﴾ ، أي غير منتظرين وقته، أي وقت استوائه وتهيئته. وقرأ الجمهور: ﴿غير﴾ بالنصب على الحال؛ وابن أبي عبلة: بالكسر، صفة لطعام. قال الزمخشري: وليس بالوجه، لأنه جرى على غير من هو له، فمن حق ضمير ما هو له أن يبرز من إلى اللفظ، فيقال: غير ناظرين إناه أنتم، كقوله: هند زيد ضاربته هي. انتهى. وحذف هذا الضمير جائزو عند الكوفيين إذا لم يلبس وأنى الطعام إدراكه، يقال: أني الطعام أنى، كقوله: قلاه قلى، وقيل: وقته، أي غير ناظرين ساعة
стр. 2209
أكله.
﴿ولا مستأنسين لحديث﴾ : معطوف على ﴿ناظرين﴾ ، فهو مجرور أو معطوف على ﴿غير﴾ ، فهو منصوب، أي لا تدخلوها لا ناظرين ولا مستأنسين. وقيل: ثم حال محذوفة، أي لا تدخلوها أجمعين ولا مستأنسين، فيعطف عليه. واللام في ﴿لحديث﴾ إما لام العلة، نهوا أن يطيلوا الجلوس يستأنس بعضهم ببعض لأجل حديث يحدثه، به أو اللام المقوية لطلب اسم الفاعل للمفعول، فنهوا أن يستأنسوا حديث أهل البيت.
وقرأت فرقة: فيستحيي بكسر الحاء، مضارع استحا، وهي لغة بني تميم. واختلفوا ما المحذوف، أعين الكلمة أم لامها؟ فإن كان العين فوزنها يستفل، وإن كان اللام فوزنها يستفع، والترجيح مذكور في النحو.
وقرأ الجمهور: وملائكته ﴿يُؤْذِى النَّبِىِّ﴾ نصباً؛ وابن عباس، وعبد الوارث عن أبي عمرو: رفعاً. فعند الكوفيين غير الفراء هو عطف على موضع اسم إن، والفراء يشترط خفاء إعراب اسم إن. وعند البصريين هو على حذف الخبر، أي يصلي على النبي، وملائكته يصلون.
ومن في: ﴿من جلابيبهن﴾ للتبعيض.
و ﴿ثم لا يجاورونك﴾ معطوف على ﴿لنغرينك﴾ ، ولم يكن العطف بالفاء، لأنه لم يقصد أنه متسبب عن الإغراء، بل كونه جواباً للقسم أبلغ. وكان العطف بثم، لأن الجلاء عن الوطن كان أعظم عليهم من جميع ما أصيبوا، به فتراخت حالة الجلاء عن حالة الإغراء. ﴿إلا قليلاً﴾ : أي جواراً قليلاً، أو زماناً قليلاً، أو عدداً قليلاً، وهذا الأخير استثناء من المنطوق، وهو ضمير الرفع في ﴿يجاورونك﴾ ، أو ينتصب قليلاً على الحال، أي إلا قليلين، والأول استثناء من المصدر الدال عليه ﴿يجاورونك﴾ ، والثاني من الزمان الدال عليه ﴿يجاورونك﴾ .
стр. 2210
وانتصب ﴿ملعونين﴾ على الذم، قاله الطبري؛ وأجاز ابن عطية أن يكون بدلاً من ﴿قليلاً﴾ ، قال: هو من إقلاء الذي قدرناه؛ وأجاز هو أيضاً أن يكون حالاً من الضمير في ﴿يجاورونك﴾ ، قال: كأنه قال: ينتفون من المدينة معلونين، فلا يقدر ﴿لا يجاورونك﴾ ، فقدر ينتفون حسن هذا. انتهى. وقال الزمخشري، والحوفي، وتبعهما أبو البقاء: يجوز أن يكون حالاً من الضمير في ﴿لا يجاورونك﴾ ، كما قال ابن عطية. قال الزمخشري: وهذا نصه معلونين، نصب على الشتم أو الحال، أي لا يجاورونك، إلا ملعونين. دخل حرف الاستثناء على الظرف والحال معاً، كما مر في قول: ﴿إلا أن يؤذن لكم إلى طعام غير ناظرين إناه﴾ ، ولا يصح أن ينتصب من أخذ، والأن ما بعد كلمة الشرط لا يعمل فيما قبلها. انتهى. وتقدم الكلام معه في مجيء الحال مما قبل إلا مذكورة بعد ما استثنى بإلا، فيكون الاستثناء منصباً عليهما، وأن جمهور البصريين منعوا من ذلك. وأما تجويز ابن عطية أن يكون بدلاً، فالبدل بالمشتق قليل. وأما قول الزمخشري: لأن ما بعد كلمة الشرط لا يعمل فيما قبلها، فليس هذا مجمعاً عليه، لأن ما بعد كلمة الشرط شيئان: فعل الشرط والجواب. فأما فعل الشرط، فأجاز الكسائي تقديم معموله على الكلمة، أجاز زيد أن يضرب اضربه، وأما الجواب فقد أجاز أيضاً تقديم معموله عليه نحو: إن يقم زيد عمراً يضرب. وقد حكي عن بعض النحويين أنه قال: المعنى: ﴿أينما ثقفوا﴾ : أخذوا ملعونين، والصحيح أن ملعونين صفة لقليل، أي إلا قليلين ملعونين، ويكون قليلاً مستثنى من الواو في لا يجاورونك، والجملة الشرطية صفة أيضاً، أي مقهورين مغلوباً عليهم. ﴿سنة الله﴾ : مصدر مؤكد، ﴿وما يدريك﴾ : ما استفهام في موضع رفع بالابتداء، أي: وأي شيء يدريك بها؟ ومعناه النفي، أي ما يدريك بها أحد. ﴿لعل الساعة تكون قريباً﴾ : بين قرب الساعة، وفي ذلك تسلية للممتحن، وتهديد للمستعجل. وانتصب قريباً على الظرف، أي في زمان قريب، إذ استعماله ظرفاً
стр. 2211
كثير، ويستعمل أيضاً غير ظرف، تقول: إن قريباً منك زيد، فجاز أن يكون التقدير شيئاً قريباً، أو تكون الساعة بمعنى الوقت، فذكر قريباً على المعنى. أو يكون التقدير: لعل قيام الساعة، فلوحظ الساعة في تكون فأنث، ولوحظ المضاف المحذوف وهو قيام في قريباً فذكر.
﴿يوم تقلب وجوههم في النار﴾ : يجوز أن ينتصب يوم بقوله: ﴿لا يجدون﴾ ، ويكون يقولون استئناف إخبار عنهم، أو تم الكلام عند قولهم: ﴿ولا نصيراً﴾ . وينتصب يوم بقوله: ﴿يقولون﴾ ، أو بمحذوف، أي اذكر ويقولون حال.
﴿مما قالوا﴾ : أي من وصم ما قالوا، وما موصولة أو مصدرية. وقرأ الجمهور: ﴿وكان عند الله﴾ : الظرف معمول لوجيهاً، أي ذا وجه ومنزلة عند الله تعالى، تميط عنه الأذى وتدفع التهم. وقرأ عبد الله، والأعمش، وأبو حيوة: عبد من العبودية، لله جر بلام الجر، وعبداً خبر كان، ووجيهاً صفة له.
واللام في ﴿ليعذب﴾ لام الصيرورة، لأنه لم يحملها لأن يعذب، لكنه حملها فآل الأمر إلى أن يعذب من نافق وأشرك، ويتوب على من آمن. وقال الزمخشري: لام التعليل على طريق المجاز، لأن نتيجة حمل الأمانة العذاب، كما أن التأديب في: ضربته للتأديب، نتيجة الضرب.
سورة سبأ
أربعة وخمسون آية مكية
العرم: إما صفة للسيل أضيف فيه الموصوف إلى صفته كقولهم: مسجد الجامع، وإما اسم لشيء، ويأتي القول فيه في تفسير المركبات.
стр. 2212
وبلى جواب للنفي السابق من قولهم لا تأتينا الساعة أي بلى لتأتينكم. وقرأ الجمهور: ﴿لتأتينكم﴾ بتاء التأنيث، أي الساعة التي أنكرتم مجيئها. وقرأ طلق عن أشياخه بياء الغيبة، أي ليتأتينكم البعث، لأنه مقصودهم من نفي الساعة أنهم لا يبعثون. وقال الزمخشري: أو على معنى الساعة، أي اليوم، أو على إسناده إلى الله على معنى ليتأتينكم أمر عالم الغيب كقوله: ﴿أو يأتي ربك﴾ ، أي أمره. ويبعد أن يكون ضمير الساعة، لأنه مذهوب به مذهب التذكير، لا يكون إلا في الشعر، نحو قوله:
ولا أرض أبقل أبقالها
ثم أكد الجواب بالقسم على البعث، واتبع القسم بقوله: ﴿عالم الغيب﴾ وما بعده، ليعلم أن إنباتها من الغيب الذي تفرد به تعالى. وجاء القسم بقوله: ﴿وربي﴾ مضافاً إلى الرسول، ليدل على شدّة القسم، إذ لم يأت به في الاسم المشترك بينه وبين من أنكر الساعة، وهو لفظ الله. وقرأ نافع، وابن عامر، ورويس، وسلام، والجحدري، وقعنب: ﴿عالم﴾ بالرفع على إضمار هو؛ وجوز الحوفي وأبو البقاء أن يكون مبتدأ، والخبر لا ﴿يعزب﴾ . وقال الحوفي: أو خبره محذوف، أي عالم الغيب هو، وباقي السبعة: عالم بالجر. قال ابن عطية، وأبو البقاء: وذلك على البدل. وأجاز أبو البقاء أن تكون صفة، ويعني أن عالم الغيب يجوز أن يتعرف، وكذا كل ما أضيف إلى معرفة مما كان لا يتعرف بذلك يجوز أن يتعرف بالاضافة، إلا الصفة المشبهة فلا تتعرف بإضافة. ذكر ذلك سيبويه في كتابة، وقل من يعرفه. وقرأ ابن وثاب، والأعمش، وحمزة، والكسائي: علام على المبالغة والخفض، وتقدّمت قراءة يعزب في يونس.
стр. 2213
وقرأ الجمهور: ﴿ولا أصغر من ذلك ولا أكبر﴾ ، برفع الراءين، واحتمل أن يكون معطوفاً على ﴿مثقال﴾ ، وأن يكون مبتدأ، والخبر في قوله: ﴿إلا في كتاب﴾ . وعلى الاحتمال الأول، يكون ﴿إلا في كتاب مبين﴾ توكيداً لما تضمن النفي في قوله: ﴿لا يعزب﴾ ، وتقديره: لكنه في كتاب مبين، وهو كناية عن ضبط الشىء والتحفظ به، فكأنه في كتاب، وليس ثم كتاب حقيقة. وعلى التخريج الأول، يكون الكتاب هو اللوح المحفوظ. وقرأ الأعمش، وقتادة: بفتح الراءين. قال ابن عطية: عطفاً على ﴿ذرة﴾ . ورويت عن أبي عمرو، وعزاها أيضاً إلى نافع، ولا يتعين ما قال، بل تكون لا لنفي الجنس، وهو مبتدأ، أعني مجموع لا وما بني معها على مذهب سيبويه، والخبر ﴿إلا في كتاب مبين﴾ ، وهو من عطف الجمل، لا من عطف المفردات، كما قال ابن عطية.
وقال الزمخشري: جواباً لسؤال من قال: هل جاز عطف ﴿ولا أصغر﴾ على ﴿مثقال﴾ ، وعطف ﴿ولا أصغر﴾ على ﴿ذرة﴾ ؟ قلت: يأبى ذلك حرف الاستثناء، إلا إذا جعلت الضمير في عنه للغيب، وجعلت الغيب اسماً للخفيات قبل أن تكتب في اللوح، لأن إثباتها في اللوح نوع من البروز عن الحجاب على معنى أنه لا ينفصل عن الغيب شيء ولا يزول عنه إلا مسطوراً في اللوح. انتهى. ولا يحتاج إلى هذا التأويل إذا جعلنا الكتاب المبين ليس اللوح المحفوظ. وقرأ زيد بن على: ولا أصغر من ذلك ولا أكبر، بخفض الراءين بالكسرة، كأنه نوى مضافاً إليه محذوفاً، التقدير: ولا أصغر ولا أكبره، ومن ذلك ليس متعلقاً بأفعل، بل هو بتبين، لأنه لما حذف المضاف إليه أبهم لفظاً فبينه بقوله: ﴿من ذلك﴾ ، أي عنى من ذلك، وقد جاءت من كون أفعل التفضيل مضافاً في قول الشاعر:
стр. 2214
تحن نفوس الورى وأعلمنابنا يركض الجياد في السدفوخرج على أنه أراد علم بنا، فأضاف ناوياً طرح المضاف إليه، فاحتملت قراءة زيد هذا التوجيه الآخر: أنه لما أضاف أصغر وأكبر على إعرابهما حالة الإضافة، وهذا كله توجيه شذوذ، وناسب وصفه تعالى بعالم الغيب، وأنه لا يفوت علمه شيء من الخفيات، فاندرج في ذلك وقت قيام الساعة، وصار ذلك دليلاً على صحة ما أقسم عليه، لأن من كان عالماً بجميع الأشياء كلها وجزئها، وكانت قدرته ثابتة، كان قادراً على إعادة ما فنى من جميع الأرواح والأشباح.
والظاهر أن قوله: ﴿ليجزي﴾ متعلق بقوله: ﴿لا يعزب﴾ ، وقيل: بقوله ﴿لتأتينكم﴾ ، وقيل: بالعامل ﴿في كتاب مبين﴾ : أي إلا مستقراً في كتاب مبين ليجزي.
وقرأ ابن كثير وحفص وابن أبي عبلة: ﴿أليم﴾ هنا، وفي الجاثية بالرفع صفة للعذاب، وباقي السبعة بالجر صفة للرجز، والرجز: العذاب السيء. والظاهر أن قوله: ﴿والذين سعوا﴾ مبتدأ، والخبر في الجملة الثانية، وهي ﴿أولئك﴾ . وقيل: هو منصوب عطفاً على ﴿الذين آمنوا﴾ ، أي وليجزي الذين سعوا. واحتمل أن تكون الجملتان المصدرتان بأولئك هما نفس الثواب والعقاب، واحتمل أن تكونا مستأنفتين، والثواب والعقاب ما تضمنتا مما هو أعظم، كرضا الله عن المؤمن دائماً، وسخطه على الفاسق دائماً. قال العتبي: والظاهر أن قوله: ﴿ويرى﴾ استئناف إخبار عمن أوتي العلم، يعلمون القرآن المنزل عليك هو الحق. وقيل: ويرى منصوب عطفاً على ليجزي، وقاله الطبري والثعلبي.
стр. 2215
وقرأ الجمهور: الحق بالنصب، مفعولاً ثانياً ليرى، وهو فصل؛ وابن أبي عبلة: بالرفع جعل هو مبتدأ والحق خبره، والجملة في موضع المفعول الثاني ليرى، وهو لغة تميم، يجعلون ما هو فصل عند غيرهم مبتدأ، قاله أبو عمر الجرمي. والظاهر أن الفاعل ليهدي هو ضمير الذي أنزل، وهو القرآن، وهو استئناف إخبار. وقيل: هو في موضع الحال على إضمار، وهو يهدي، ويجوز أن يكون معطوفاً على الحق، عطف الفعل على الاسم، كقوله: ﴿صافات ويقبضن﴾ ، أي قابضات، كما عطف الاسم على الفعل في قوله:
فألفيته يوماً يبير عدوهوبحر عطاء يستحق المعابرا عطف وبحر على يبير، وقيل: الفاعل بيهدي ضمير عائد على الله، وفيه بعد.
وإذا جوابها محذوف تقديره: تبعثون، وحذف لدلالة ما بعده عليه، وهو العامل إذا، على قول الجمهور. وقال الزجاج ذلك، وقال أيضاً هو والنحاس: العامل مزقتم ﴿عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ﴾ . قال ابن عطية: هو خطأ وإفساد للمعنى. وليس بخطأ ولا إفساد للمعنى، وإذا الشرطية مختلف في العامل فيها، وقد بينا ما كتبناه في (شرح التسهيل) أن الصحيح أن يعمل فيها فعل الشرط، كسائر أدوات الشرط. والجملة الشرطية يحتمل أن تكون معمولة لينبئكم، لأنه في معنى يقول لكم: ﴿إذا مزقتم كل ممزق﴾ ، ثم أكد ذلك بقوله: ﴿إنكم لفي خلق جديد. ويحتمل أن يكون: إنكم لفي خلق جديد﴾ معمولاً لينبئكم، ينبئكم متعلق، ولولا اللام في خبر إن لكانت مفتوحة، فالجملة سدت مسد المفعولين. والجملة الشرطية على هذا التقدير اعتراض، وقد منع قوم التعليق في باب أعلم، والصحيح جوازه. قال الشاعر:
حذار فقد نبئت أنك للذيستنجزى بما تسعى فتسعد أو تشقى
وممزق مصدر جاء على زنة اسم المفعول، على القياس في اسم المصدر من كل فعل زائد على الثلاثة، كقوله:
стр. 2216
ألم تعلم مسرحي القوافيفلا عيابهن ولا اجتلابا أي: تسريحي القوافي. وأجاز الزمخشري أن يكون ظرف مكان، أي إذا مزقتم في مكان من القبور وبطون الطير والسباع، وما ذهبت به السيول كل مذهب، وما نسفته الرياح فطرحته كل مطرح. انتهى. و ﴿جديد﴾ ، عند البصريين، بمعنى فاعل، تقول: جد فهو جاد وجديد، وبمعنى مفعول عند الكوفيين من جده إذا قطعه.
وقال الزمخشري: أعموا فلم ينظروا، جعل بين الفاء والهمزة فعلاً يصح العطف عليه، وهو خلاف ما ذهب إليه النحويون من أنه لا محذوف بينهما، وأن الفاء للعطف على ما قبل همزة الاستفهام، وأن التقدير فالم، لكن همزة الاستفهام لما كان لها الصدر قدمت، وقد رجع الزمخشري إلى مذهب النحويين في ذلك، وقد رددنا عليه هذا المذهب فيما كتبناه في (شرح التسهيل) . وقفهم تعالى على قدرته الباهرة، وحذرهم إحاطتها بهم على سبيل الإهلاك لهم، وكان ثم حال محذوفة، أي أفلا يرون إلى ما يحيط بهم من سماء وأرض مقهور تحت قدرتنا نتصرف فيه كما نريد؟
يا جبال ﴿وَالضَّلَلِ الْبَعِيدِ * أَفَلَمْ يَرَوْاْ إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِّنَ السَّمَآءِ وَالأٌّرْضِ إِن نَّشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ﴾ : هو إضمار القول، إما مصدر، أي قولنا ﴿يا جبال﴾ ، فيكون بدلاً من ﴿فضلاً﴾ ، وأما فعلاً، أي قلنا، فيكون بدلاً من ﴿آتينا﴾ ، وإما على الاستئناف، أي قلنا.
وأن في ﴿أن اعمل﴾ مصدرية، وهي على إسقاط حرف الجر، أي ألناه لعمل ﴿سابغات﴾ . وأجاز الحوفي وغيره أن تكون مفسرة، ولا يصح، لأن من شرطها أن يتقدمها معنى القول، وأن ليس فيه معنى القول. وقدر بعضهم قبلها فعلاً محذوفاً حتى يصح أن تكون مفسرة، وتقديره: وأمرناه أن اعمل، أي اعمل، ولا ضرورة تدعو إلى هذا المحذوف.
стр. 2217
وقرأ الجمهور: الريح بالنصب، أي ولسليمان سخرنا الريح؛ وأبو بكر: بالرفع على الابتداء، والخبر في المجرور، ويكون الريح على حذف مضاف، أي تسخير الريح، أو على إضمار الخبر، أي الريح مسخرة.
والغدو ليس الشهر هو على حذف مضاف، أي جزى غدوها، أي جريها في الغد ومسيرة شهر، وجرى رواحها، أي جريها في الرواح مسيرة شهر. وأخبر هنا في الغد وعن الرواح بالزمان وهو شهر، ويعني شهراً واحداً كاملاً، ونصب شهر جائز، ولكنه لم يقرأ به فيما أعلم. وقرأ ابن أبي عبلة: غدوتها وروحتها على وزن فعلة، وهي المرة الواحدة من غدا وراح.
ويحتمل من يعمل ﴿تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ أن يكون في موضع نصب، أي وسخرنا من الجن من يعمل، وأن يكون في موضع رفع على الابتداء، وخبره في الجار والمجرور قبله ﴿بإذن ربه﴾ لقوله: ﴿ومن يزغ منهم عن أمرنا﴾ .
﴿إعلموا آل داود﴾ . وقيل: مفعول اعلموا محذوف، أي اعلموا الطاعات وواظبوا عليها شكراً لربكم على ما أنعم به عليكم، فقيل: انتصب شكراً على الحال، وقيل: مفعول من أجله، وقيل: مفعول له باعملوا، أي اعلموا اعملاً هو الشكر، كالصلاة والصيام والعبادات كلها في أنفسها هي الشكر إذا سدت مسدة، وقيل: على المصدر لتضمينه اعلموا اشكروا بالعمل لله شكراً.
و ﴿الشكور﴾ : صيغة مبالغة، وأريد به الجنس.
وجواب لما النفي الموجب، وهذا يدل على أن لما حرف لا ظرف، خلافاً لمن زعم ذلك، لأنه لو كان ظرفاً لكان الجواب هو العامل وما دخلت عليه، وهي نافية، ولا يعمل ما قبلها فيما بعدها، وقد مضى لنا نظير هذا في يوسف في قوله: ولما دخلوا من حيث أمرهم أبوهم ما كان يغني عنهم من الله من شيء ﴿عِبَادِىَ الشَّكُورُ * فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلاَّ دَابَّةُ الأٌّرْضِ تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَن﴾ .
стр. 2218
وقالت فرقة، منها أبو حاتم: الأرض هنا مصدر أرضت الأبواب، والخشب أكلتها الأرضة فكأنه قال: دابة الأكل الذي هو بتلك الصورة. وإذا كان الأرض مصدراً، كان فعله أرضت الدابة الخشب تأرضه أرضاً فأرض بكسر الراء نحو: جدعت أنفه فجدع. ويقال: إنه مصدر لفعل مفتوح العين، قراءة ابن عباس. والعباس بن الفضل: الأرض بفتح الراء، لأن مصدر فعل المطاوع لفعل يكون على فعل نحو: جدع أنفه جدعاً وأكلت الأسنان أكلاً، مطاوع أكلت. وقيل: الأرض بفتح الراء جمع أرضه، وهو إضافة العام إلى الخاص، لأن الدابة أعم من الأرض. وقراءة الجمهور: بسكون الراء، فالمتبادر أنها الأرض المعروفة، وتقدم أنها مصدر لأرضت الدابة الخشب. وتأكل: حال، أي أكلت منسأته، وهي حال مصاحبة.
وقرأ ابن ذكوان وجماعة، منهم بكار والوليدان بن عتبة وابن مسلم: منسأته، بهمزة ساكنة، وهو من تسكين التحريك تخفيفاً، وليس بقياس. وضعف النحاة هذه القراءة، لأنه يلزم فيها أن يكون ما قبل التأنيث ساكناً غير الفاء. وقيل: قياسها التخفيف بين بين، والراوي لم يضبط، وأنشد هارون بن موسى الأخفش الدمشقي شاهداً على سكون هذه القراءة قول الراجز:
صريع خمر قام من وكأتهكقومة الشيخ إلى منسأته ويجىء تبين بمعنى بإن وظهر لازماً، وبمعنى علم متعدياً موجود في كلام العرب. قال الشاعر:
تبين لي أن القماءة ذلةوأن أعزاء الرجال طيالها وقال آخر:
стр. 2219
أفاطم إني ميت فتبينيولا تجزعي على الأنام بموتأي: فتبيني ذلك، أي اعلمية. وقال ابن عطية: ذهب سيبويه إلى أن أن لا موضع لها من الإعراب، إنما هي موزونة، نحو: إن ما ينزل القسم من الفعل الذي معناه التحقيق واليقين، لأن هذه الأفعال التي هي تحققت وتيقنت وعلمت ونحوها تحل محل القسم. فما لبثوا: جواب القسم، لا جواب لو. وعلى الأقوال، الأول جواب لو. وفي كتاب النحاس إشارة إلى أنه يقرأ: تبينت الجن ﴿مَوْتِهِ إِلاَّ دَابَّةُ الأٌّرْضِ تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ﴾ ، بنصب الجن، أي تبينت الإنس الجن.
وقرأ الجمهور: في مساكنهم ﴿الْعَذَابِ الْمُهِينِ * لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِى مَسْكَنِهِمْءَايَةٌ جَنَّتَانِ عَن يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُواْ مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُواْ لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ﴾ ، جمعاً؛ والنخعي، وحمزة، وحفص: مفرداً بفتح الكاف؛ والكسائي: مفرداً بكسرها، وهي قراءة الأعمش وعلقمة. وقال أبو الحسن: كسر الكاف لغة فاشية، وهي لغة الناس اليوم؛ والفتح لغة الحجاز، وهي اليوم قليلة. وقال الفراء: هي لغة يمانية فصيحة، فمن قرأ الجمع فظاهر، لأن كل أحد له مسكن، ومن أفرد ينبغي أن يحمل على المصدر، أي في سكناهم، حتى لا يكون مفرداً يراد به الجمع، لأن سيبويه يرى ذلك ضرورة نحو: كلوا في بعض بطنكم تعفوا، يريد بطونكم. وقوله:
قد عض أعناقهم جلد الجواميس
أي جلود.
стр. 2220
و ﴿جنتان﴾ : خبر مبتدأ محذوف، أي هي جنتان، قاله الزجاج، أو بدل، قال معناه الفراء، قال: رفع لأنه تفسير لآية. وقال مكي وغيره، وضعفه ابن عطية، ولم يذكر جهة تضعيفه. وقال: ﴿جنتان﴾ ابتداء، وخبره في قوله: ﴿عن يمين وشمال﴾ . انتهى. ولا يظهر لأنه نكرة لا مسوغ للابتداء بها، إلا إن اعتقد إن ثم صفة محذوفة، أي جنتان لهم، أو عظيمتان لهم ﴿عن يمين وشمال﴾ ، وعلى تقدير ذلك يبقى الكلام مفلتاً مما قبله. وقرأ ابن أبي عبلة: جنتين بالنصب، على أن آية اسم كان، وجنتين الخبر.
وقرأ رويس: بنصب الأربعة. قال أحمد بن يحيى: اسكنوا بلدة طيبة واعبدوا رباً غفوراً. وقال الزمخشري: منصوب على المدح.
وقال ابن عباس أيضاً: العرم: الشديد، فاحتمل أن يكون صفة للسيل أضيف فيه الموصوف إلى صفته، والتقدير: السيل العرم، أو صفة لموصوف محذوف، أي سيل المطر الشديد الذي كان عنه السيل، أو سيل الجرذ العرم، فالعرم صفة للجرذ. وقيل: العرم اسم للجرذ، وأضيف السيل إليه لكونه كان السبب في خراب السد الذي حمله السيل، والإضافة تكون بأدنى ملابسة.
ودخلت الباء في بجنيتهم ﴿وَرَبٌّ غَفُورٌ * فَأَعْرَضُواْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَهُمْ بِجَنَّتِهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَىْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَىْءٍ مِّن سِدْرٍ قَلِيلٍ﴾ على الزائل، وانتصب ما كان بدلاً، وهو قوله: ﴿جنتين﴾ على المعهود في لسان العرب، وإن كان كثيراً لمن ينتمي للعلم يفهم العكس حتى قال بعضهم: ولو أبدل ضاداً بظاء لم تصح صلاته، وهو خطأ في لسان العرب، ولو أبدل ظاء بضاد، وقد تكلمنا على ذلك في البقرة في قوله: ﴿ومن يتبدل الكفر بالايمان﴾ .
стр. 2221
وقرأ الجمهور: أكل منوناً، وأُلاكُل: الثمر المأكول، فخرجه الزمخشري على أنه على حذف مضاف، أي أُكُل خمط قال أو وصف أُلاكُل بالخمط كأنه قيل ذواتي أُكُل شبع. انتهى. والوصف بالأسماء لا يطرد، وإن كان قد جاء منه شيء، نحو قولهم: مررت بقاع عرفج كله. وقال أبو علي: البدل في هذا لا يحسن، لأن الخمط ليس بالأكل نفسه. انتهى. وهو جائز على ما قاله الزمخشري، لأن البدل حقيقة هو ذلك المحذوف، فلما حذف أعرب ما قام مقامه بإعرابه. قال أبو علي: والصفة أيضاً كذلك، يريد لا بجنتين، لأن الخمط اسم لا صفة، وأحسن ما فيه عطف البيان، كأنه بين أن أُلاكُل هذه الشجرة ومنها. انتهى. وهذا لا يجوز على مذهب البصريين، إذ شرط عطف البيان أن يكون معرفة، وما قبله معرفة، ولا يجيز ذلك في النكرة من النكرة إلا الكوفيون، فأبو علي أخذ بقولهم في هذه المسألة. وقرأ أبو عمرو: أُكُل خمط بالإشافة: أي ثمر خمط. وقرىء: وأثلاً وشيئاً بالنصب، حكاه الفضل بن إبراهيم، عطفاً على جنتين. وقليل صفة لسدر.
ربنا باعد بين أسفارنا ﴿بِجَنَّتِهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَىْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَىْءٍ مِّن﴾ . وقرأ جمهور السبعة: ربنا بالنصب على النداء، باعد: طلب.
стр. 2222
وسعيد بن أبي الحسن أخي الحسين، وابن الحنفية أيضاً، وسفيان بن حسين، وابن السميفع: ربنا بالنصب، بعد بضم العين فعلاً ماضياً بين بالنصب، إلا سعيداً منهم، فضم نون بين جعله فاعلاً، ومن نصب، فالفاعل ضمير يعود على السير، أي أبعد السير بين أسفارنا، فمن نصب ربنا جعله نداء، فإن جاء بعده طلب كان ذلك أشراً منهم وبطراً وإن جاء بعد فعلاً ماضياً كان ذلك شكوى مما أحل بهم من بعد الأسفار التي طلبوها أولاً، ومن رفع ربنا فلا يكون الفعل إلا ماضياً، وهي جملة خبرية فيها شكوى بعضهم إلى بعض مما حل بهم من بعد الأسفار. ومن قرأ باعد، أو بعد بالألف والتشديد، فبين مفعول، به لأنهما فعلان متعديان، وليس بين ظرفاً. ألا ترى إلى قراءة من رفعه كيف جعله اسماً؟ ﴿فكذلك﴾ إذا نصب وقرىء بعد مبنياً للمفعول.
﴿وظلموا أنفسهم﴾ : عطف على ﴿فقالوا﴾ . وقال الكلبي: هو حال، أي وقد ظلموا أنفسهم بتكذيب الرسل.
وقرأ ابن عباس، وقتادة، وطلحة، والأعمش، وزيد بن علي، والكوفيون: صدّق ﴿صَبَّارٍ شَكُورٍ * وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلاَّ فَرِيقاً مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ بتشديد الدال، وانتصب ﴿ظنه﴾ على أنه مفعول بصدق.
وقرأ باقي السبعة: بالتخفيف، فانتصب ظنه على المصدر، أي يظن ظناً، أو على إسقاط الحرف، أي في ظنه، أو على المفعول به نحو قولهم: أخطأت ظني، وأصبت ظني، وظنه هذا كان حين قال: ﴿لأضلنهم﴾ ، ﴿ولأغوينهم﴾ ، وهذا مما قاله ظناً منه، فصدق هذا الظن.
وقرأ عبد الوارث عن أبي عمرو: إبليس ظنه، برفعهما، فظنه بدل من إبليس بدل اشتمال.
ومن لبيان الجنس، ولا يمكن أن تكون للتبعيض لاقتضاء ذلك، إن فريقاً من المؤمنين اتبعوا إبليس.
стр. 2223
والمفعول الأول هو الضمير المحذوف العائد على الذين، والثاني محذوف أيضاً لدلالة المعنى، ونابت صفته منابه، التقدير: الذي زعمتموهم آلهة من دونه؛ وحسن حذف الثاني قيام صفته مقامه، ولولا ذلك ما حسن، إذ في حذف إحدى مفعولي ظن وأخواتها اختصاراً خلاف، منع ذلك ابن ملكوت، وأجازه الجمهور، وهو مع ذلك قليل، ولا يجوز أن يكون الثاني من دونه، لأنه لا يستقل كلاماً. لو قلت: هم من دونه، لم يصح، ولا الجملة من قوله: لا يملكون مثقال ذرة ﴿إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلاَّ فَرِيقاً مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ * وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِّن سُلْطَنٍ إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يُؤْمِنُ بِالأٌّخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِى شَكٍّ وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ حَفُيظٌ * قُلِ ادْعُواْ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ﴾ ، لأنه لو كانت هذه النسبة مزعومة لهم لكانوا معترفين بالحق قائلين.
стр. 2224
و ﴿إلا لمن أذن له﴾ : استثناء مفرغ، فالمستثنى منه محذوف تقديره: ولا تنفع الشفاعة لأحد ﴿إلا لمن أذن له﴾ . واحتمل قوله لأحد أن يكون مشفوعاً له، وهو الظاهر، فيكون قوله: ﴿إلا لمن أذن له﴾ ، أي المشفوع، أذن لأجله أن يشفع فيه؛ والشافع ليس بمذكور، وإنما دل عليه المعنى. واحتمل أن يكون شافعاً، فيكون قوله: ﴿إلا لمن أذن له﴾ بمعنى: إلا لشافع أذن له أن يشفع، والمشفوع ليس بمذكور، إنما دل عليه المعنى. وعلى هذا الاحتمال تكون اللام في ﴿أذن له﴾ لام التبليغ، لا لام العلة. وقال الزمخشري: يقول: الشفاعة لزيد على معنى أنه الشافع، كما يقول: الكرم لزيد، وعلى معنى أنه المشفوع له، كما تقول: القيام لزيد، فاحتمل قوله: ﴿ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له﴾ أن يكون على أحد هذين الوجهين، أي لا تنفع الشافعة إلا كائنة لمن أذن له من الشافعين ومطلقة له، أو لا تنفع الشافعة إلا كائنة لمن أذن له، أي لشفيعه، أو هي اللام الثانية في قولك: أذن لزيد لعمرو، أي لأجله، وكأنه قيل: إلا لمن وقع الإذن للشفيع لأجله، وهذا وجه لطيف، وهو الوجه، وهذا تكذيب لقولهم: هؤلاء شفعاؤنا عند الله. انتهى. فجعل إلا لمن أذن له استثناء مفرغاً من الأحوال، ولذلك قدره: إلا كائنة، وعلى ما قررناه استثناء من الذوات.
وأل في الشفاعة الظاهر أنها للعموم، أي شفاعة جميع الخلق. وقيل: للعهد، أي شفاعة الملائكة التي زعموها شركاء وشفعاء. انتهى، وفيه بعض تلخيص. وقال أبو البقاء: اللام في لمن أذن له ﴿مِّن ظَهِيرٍ * وَلاَ تَنفَعُ الشَّفَعَةُ عِندَهُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ قَالُواْ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُواْ الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِىُّ الْكَبِيرُ﴾ يجوز أن تتعلق بالشفاعة، لأنك تقول: أشفعت له، وأنت بتنفع. انتهى، وهذا فيه قلة، لأن المفعول متأخر، فدخول اللام عليه قليل.
стр. 2225
و ﴿حتى﴾ : تدل على الغاية، وليس في الكلام عائد على أن حتى غاية له. فقال ابن عطية: في الكلام حذف يدل علىه الظاهر، كأنه قال: ولا هم شفعاء كما تحبون أنتم، بل هم عبدة أو مسلمون أبداً، يعني منقادون، ﴿حتى إذا فزع عن قلوبهم﴾ .
والجملة بعد من قوله: ﴿قل ادعوا﴾ اعتراضية بين المغيا والغاية. قال ابن زيد: أقروا بالله حين لا ينفعهم الإقرار، فالمعنى: فزع الشيطان عن قلوبهم وفارقهم ما كان يطلبهم به، ﴿قالوا ماذا قال ربكم﴾ . وقال الحسن: وإنما يقال للمشركين ﴿ماذا قال ربكم﴾ على لسان الأنبياء، فأقروا حين لا ينفع. وقيل: ﴿حتى﴾ غاية متعلقة بقوله: ﴿زعمتم﴾ ، أي زعمتم الكفر إلى غاية التفزيع، ثم تركتم ما زعمتم وقلتم: قال الحق. انتهى.
وتلخص من هذا أن حتى غائيه إما لمنطوق وهو زعمتم، ويكون الضمير في ﴿عن قلوبهم﴾ التفاتاً، وهو للكفار، أو هو فاتبعوه، وفيه تناسق الضمائر لغائب. والفصل بالاعتراض والضمير أيضاً للكفار، والضمير في ﴿قالوا﴾ للملائكة، وضمير الخطاب في ﴿ربكم﴾ ، والغائب في ﴿قالوا﴾ الثانية للكفار. وأما لمحذوف، فما قدره ابن عطية لا يصح أن يغيا، لأن ما بعد الغاية مخالف لما قبلها.
وقرأ الحسن: ﴿فزع﴾ من الفزع، بتخفيف الزاي، مبنياً للمفعول، و ﴿عن قلوبهم﴾ في موضع رفع به، كقولك: انطلق يزيد.
стр. 2226
ماذا يحتمل أن تكون ما منصوبة بقال، أي أي شيء قال ربكم، وأن يكون في موضع رفع على أن ذا موصولة، أي ما الذي قال ربكم، وذا خبره، ومعموله قال ضمير محذوف عائد على الموصول. وقرأ ابن أبي عبلة: قالوا الحق، برفع الحق، خبر مبتدأ، أي مقوله الحق، وخبر إنا أو إياكم ﴿قُلُوبِهِمْ قَالُواْ مَاذَا﴾ هو ﴿لعلى هدى أو في ضلال مبين﴾ ، ولا يحتاج إلى تقدير حذف، إذ المعنى: أن أحدنا لفي أحد هذين، كقولك: زيد أو عمر وفي القصر، أو في المسجد، لا يحتاج هذا إلى تقدير حذف، إذ معناه: أحد هذين في أحد هذين. وقيل: الخبر محذوف، فقيل: خبر لا وله، والتقدير: وإنا لعلى هدى أو في ضلال مبين، فحذف لدلالة خبر ما بعده عليه، فلعلى هدى أو في ضلال مبين المثبت خبر عنه، أو إياكم، إذ هو على تقدير إنا، ولكنها لما حذفت اتصل الضمير، وقيل: خبر الثاني، والتقدير: أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين، وحذف لدلالة خبر الأول عليه، وهو هذا المثبت ﴿لعلى هدى أو في ضلال مبين﴾ ، ولا حاجة لهذا التقدير من الحذف لو كان ما بعد أو غير معطوف بها، نحو: زيد أو عمر وقائم، كان يحتاج إلى هذا التقدير، وإن مع ما يصلح أن يكون خبراً لأن اسمها عطف عليه بأو، والخبر معطوف بأو، فلا يحتاج إليه. وذهب أبو عبيدة إلى أن أو بمعنى الواو، فيكون من باب اللف والنشر، والتقدير: وإنا لعلى هدى، وإياكم في ضلال مبين، فأخبر عن كل بما ناسبه، ولا حاجة إلى إخراج أو عن موضوعها. وجاء في الهدى بعلى، لأن صاحبه ذو استعلاء، وتمكن مما هو عليه، يتصرف حيث شاء. وجاء في الضلال بعن لأنه منغمس في حيرة مرتبك فيها لا يدري أين يتوجه.
стр. 2227
﴿قل أروني الذين ألحقتهم به شركاء﴾ : الظاهر أن أرى هنا بمعنى أعلم، فيتعدى إلى ثلاثة: الضمير للمتكلم هو الأول، والذين الثاني، وشركاء الثالث، أي أروني بالحجة والدليل كيف وجه الشركة، وهل يملكون مثقال ذرة أو يرزقونكم؟ وقيل: هي رؤية بصر، وشركاء نصب على الحال من الضمير المحذوف في ألحقتم، إذ تقديره: ألحقتموهم به في حال توهمه شركاء له. قال ابن عطية: وهذا ضعيف، لأن استدعاء رؤية العين في هذا لا غناء له.
و ﴿كافة﴾ : اسم فاعل من كف، وقيل: مصدر كالعاقبة والعافية، فيكون على حذف مضاف، أي إلا ذا كافة، أي ذا كف للناس، أي منع لهم من الكفر، أو ذا منع من أن يشذوا عن تبليغك. وإذا كان اسم فاعل، فقال الزجاج وغيره: هو حال من الكاف في ﴿رأسلناك﴾ .
стр. 2228
وقال الزمخشري: إلا إرسالة عامة لهم محيطة بهم، لأنها إذا شملتهم فقد كفتهم أن يخرج منها أحد منهم، قال: ومن جعله حالاً من المجرور متقدماً عليه فقد أخطأ، لأن تقدم حال المجرور عليه في الإصالة بمنزلة تقدم المجرور على الجار، وكم ترى ممن يرتكب هذا الخطأ ثم لا يقنع به حتى يضم إليه أن يجعل اللام بمعنى إلى، لأنه لا يستوي له الخطأ الأول إلا بالخطأ الثاني، فلا بد من ارتكاب الخطأين. انتهى. أما كافة بمعنى عامة، فالمنقول عن النحويين أنها لا تكون إلا حالاً، ولم يتصرف فيها بغير ذلك، فجعلها صفة لمصدر محذوف، خروج عما نقلوا، ولا يحفظ أيضاً استعماله صفة لموصوف محذوف. وأما قول الزجاج: إن كافة بمعنى جامعاً، والهاء فيه للمبالغة، فإن اللغة لا تساعد على ذلك، لأن كف ليس بمحفوظ أن معناه جمع. وأما قول الزمخشري: ومن جعله حالاً إلى آخره، فذلك مختلف فيه. ذهب الأكثرون إلى أن ذلك لا يجوز، وذهب أبو علي وابن كيسان وابن برهان ومن معاصرينا ابن مالك إلى أنه يجوز، وهو الصحيح. ومن أمثلة أبي علي زيد: خير ما يكون خير منك، التقدىر: زيد خير منك خير ما يكون، فجعل ما يكون حالاً من الكاف في منك، وقدمها عليه، قال الشاعر:
إذا المرء أعيته المروءة ناشئاًفمطلبها كهلاً عليه شديد وقال آخر:
تسليت طراً عنكم بعد بينكمبذكركم حتى كأنكم عندي أي: تسليت عنكم طراً، أي جميعاً. وقد جاء تقديم الحال على صاحبها المجرور وعلى ما يتعلق به، ومن ذلك قول الشاعر:
مشغوفة بك قد شغفت وإنماحتم الفراق فما إليك سبيل وقال الآخر:
стр. 2229
غافلاً تعرض المنية للمرء فيدعى ولات حين إباء أي: شغفت بك مشغوفة، وتعرض المنية للمرء غافلاً. وإذا جاز تقديمها على المجرور والعامل، فتقديمها عليه دون العامل أجوز، وعلى أن كافة حال من الناس، حمله ابن عطية وقال: قدمت للاهتمام والمنقول عن ابن عباس قوله: أي إلى العرب والعجم وسائر الأمم، وتقدير إلى الناس كافة. انتهى. وقول الزمخشري: وكم ترى ممن يرتكب هذا الخطأ، إلى آخر كلامه، شنيع؟ لأن قائل ذلك لا يحتاج إلى أن يتأول اللام بمعنى إلى، لأن أرسل يتعدى بإلى ويتعدى باللام، كقوله: ﴿وأرسلناك للناس رسولاً﴾ . ولو تأول اللام بمعنى إلى، لم يكن ذلك خطأ، لأن اللام قد جاءت بمعنى إلى، وإلى قد جاءت بمعنى اللام، وأرسل مما جاء متعدياً بهما إلى المجرور.
وقال أبو عبيد: الوعد والوعيد والميعاد بمعىن. وقال الجمهور: الوعد في الخير، والوعيد في الشر، والميعاد يقع لهذا. والظاهر أن الميعاد اسم على وزن مفعال استعمل بمعنى المصدر، أي قل لكم وقوع وعد يوم وتنجيزه. وقال الزمخشري: الميعاد ظرف الوعد من مكان أو زمان، وهو ههنا الزمان، والدليل عليه قراءة من قرأ ميعاد يوم فأبدل منه اليوم. انتهى. ولا يتعين ما قال، إذ يكون بدلاً على تقدير محذوف، أي قل لكم ميعاد يوم، فلما حذف أعرب ما قام مقامه بإعرابه.
стр. 2230
وقرأ الجمهور: ميعاد يوم ﴿كُنتُمْ صَدِقِينَ * قُل لَّكُم مِّيعَادُ يَوْمٍ لاَّ تَسْتَئَخِرُونَ﴾ بالإضافة. ولما جعل الزمخشري الميعاد ظرف زمان قال: أما الإضافة فإضافته تبيين، كما تقول: سحق ثوب وبعير سانية. وقرأ ابن أبي عبلة، واليزيدي: ميعاد يوماً بتنوينهما. قال الزمخشري: وأما نصب اليوم فعلى التعظيم بإضمار فعل تقديره لكم ميعاد، أعني يوماً، وأريد يوماً من صفته، أعني كيت وكيت، ويجوز أن يكون انتصابه على حذف مضاف، ويجوز أن يكون الرفع على هذا للتعظيم. انتهى. لما جعل الميعاد ظرف زمان، خرج الرفع والنصب على ذلك، ويجوز أن يكون انتصابه على الظرف على حذف مضاف، أي إنجاز وعد يوم من صفته كيت وكيت. وقرأ عيسى: ميعاد منوناً، ويوم بالنصب من غير تنوين مضافاً إلى الجملة، فاحتمل تخريج الزمخشري على التعظيم، واحتمل تخريجاً على الظرف على حذف مضاف، أي إنجاز وعد يوم كذا.
﴿ولو ترى إذا الظالمون﴾ : أخبر عن حالهم في صفة التعجب منها، وترى في معنى رأيت لإعمالها في الظرف الماضي، ومفعول ترى محذوف، أي حال الظالمين، إذ هم ﴿موقوفون﴾ . وجواب لو محذوف، أي لرأيت لهم حالاً منكرة من ذلهم وتخاذلهم وتحاورهم، حيث لا ينفعهم شيء من ذلك.
وأتى الضمير بعد لولا ضمير رفع على الأفصح. وحكى الأئمة سيبويه والخليل وغيرهما مجيئه بضمير الجر نحو: لولاكم، وإنكار المبرد ذلك لا يلتفت إليه.
стр. 2231
وأضيف المكر إلى الليل والنهار اتسع في الظرفين، فهما في موضع نصب على المفعول به على السعة، أو في موضع رفع على الإسناد المجازي، كما قالوا: ليل نائم، والأولى عندي أن يرتفع مكر على الفاعلية، أي بل صدنا مكركم بالليل والنهار، ونظيره قول القائل: أنا ضربت زيداً بل ضربه عمرو، فيقول: بل ضربه غلامك، والأحسن في التقدير أن يكون المعنى: ضربه غلامك. وقيل: يجوز أن يكون مبتدأ وخبراً، أي سبب كفرنا. وقرأ قتادة، ويحيى بن يعمر: بل مكر بالتنوين، الليل والنهار نصب على الظرف. وقرأ سعيد بن جبير بن محمد، وأبو رزين، وابن يعمر أيضاً: بفتح الكاف وشد الراء مرفوعة مضافة.
وقرأ ابن جبير أيضاً، وطلحة، وراشد هذا من التابعين ممن صحح المصاحف بأمر الحجاج: كذلك، إلا أنهم نصبوا الراء على الظرف، وناصبه فعل مضمر، أي صدد تمونا مكر الليل والنهار، أي في مكرهما، ومعناه دائماً. وقال صاحب اللوامح: يجوز أن ينتصب بإذ تأمروننا مكر الليل والنهار. انتهى. وهذا وهم، لأن ما بعد إذ لا يعمل فيما قبلها. وقال الزمخشري: بل يكومن الإغراء مكراً دائماً لا يفترون عنه. انتهى.
جملة حالية.
стр. 2232
وقرأ الجمهور: بالتي ﴿لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ لَوْلاَ أَنتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ * قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُواْ أَنَحْنُ صَدَدنَكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَآءَكُمْ بَلْ كُنتُمْ مُّجْرِمِينَ * وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُواْ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ بَلْ مَكْرُ الَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَآ أَن نَّكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَندَاداً وَأَسَرُّواْ النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُاْ اْلَعَذَابَ وَجَعَلْنَا الأٌّغْلَلَ فِى أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُواْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ * وَمَآ أَرْسَلْنَا فِى قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَآ إِنَّا بِمَآ أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَفِرُونَ * وَقَالُواْ نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَلاً وَأَوْلَداً وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ * قُلْ إِنَّ رَبِّى يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ * وَمَآ أَمْوَلُكُمْ وَلاَ أَوْلَدُكُمْ بِالَّتِى تُقَرِّبُكُمْ عِندَنَا زُلْفَى إِلاَّ مَنْءَامَنَ وَعَمِلَ صَلِحاً فَأُوْلَئِكَ لَهُمْ جَزَآءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُواْ وَهُمْ فِى الْغُرُفَتِءَامِنُونَ﴾ ، وجمع التكسير من العقلاء وغيرهم يجوز أن يعامل معاملة الواحدة المؤنثة. وقال الزمخشري: ويجوز أن يكون التي هي التقوى، وهي المقربة عند الله زلفى وحدها، أي ليست أموالكم تلك الموضوعة للتقريب. انتهى. فجعل التي نعتاً لموصوف محذوف وهي التقوى. انتهى، ولا حاجة إلى تقدير هذا الموصوف. والظاهر أن التي راجع إلى الأموال والأولاد، وقاله الفراء.
стр. 2233
وقال أيضاً، هو والزجاج: حذف من الأول لدلالة الثاني عليه، والتقدير: ﴿وما أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى﴾ . انتهى. ولا حاجة لتقدير هذا المحذوف، إذ يصح أن يكون التي لمجموع الأموال والأولاد. وقرأ الحسن: باللاتي جمعاً، وهو أيضاً راجع للأموال والأولاد. وقرى بالذي، وزلفى مصدر، كالقربى، وانتصابه على المصدرية من المعنى، أي يقربكم. وقرأ الضحاك: زلفا بفتح اللام وتنوين الفاء، جمع زلفة، وهي القربة.
﴿إلا من آمن﴾ : الظاهر أنه استثناء منقطع، وهو منصوب على الاستثناء، أي لكن من آمن؛ ﴿وعمل صالحاً﴾ ، فإيمانه وعمله يقربانه. وقال الزجاج: هو بدل من الكاف والميم في تقربكم، وقال النحاس: وهذا غلط لأن الكاف والميم للمخاطب، فلا يجوز البدل، ولو جاز هذا الجاز: رأيتك زيداً؛ وقول أبي اسحق هذا قول الفراء. انتهى. ومذهب الأخفش والكوفيين أنه يجوز أن يبدل من ضمير المخاطب والمتكلم، لكن البدل في الآية لا يصح. ألا ترى أنه لا يصح تفرغ الفعل الواقع صلة لما بعد إلا؟ لو قلت: مازيد بالذي يضرب إلا خالداً، لم يصح. وتخيل الزجاج أن الصلة، وإن كانت من حيث المعنى منفية، أنه يصح البدل، وليس بجائز إلا فيما يصح التفريغ له. وقد اتبعه الزمخشري فقال: إلا من آمن استثناء من كم في تقربكم، والمعنى: أن الأموال لا تقرب أحداً إلا المؤمن الصالح الذي ينفقها في سبيل الله؛ والأولاد لا تقرب أحداً إلا من علمهم الخير وفقهم في الدين ورشحهم للصلاح والطاعة. انتهى، وهو لا يجوز. كماذ كرنا، لا يجوز: ما زيد بالذي يخرج إلا أخوة، ولا مازيد بالذي يضرب إلا عمراً، ولا ما زيد بالذي يمر إلا ببكر.
стр. 2234
و ﴿هؤلاء﴾ مبتدأ و، خبره ﴿كانوا يعبدون﴾ ، و ﴿إياكم﴾ مفعول ﴿يعبدون﴾ . ولما تقدم انفصل، وإنما قدم لأنه أبلغ في الخطاب، ولكون ﴿يعبدون﴾ فاصلة. فلو أتى بالضمير منفصلاً، كان التركيب يعبدونكم، ولم تكن فاصلة. واستدل بتقديم هذا المعمول على جواز تقديم خبر كان عليها إذا كان جملة، وهي مسألة خلاف، أجاز ذلك ابن السراج، ومنع ذلك قوم من النحويين، وكذلك منعوا توسطه إذا كان جملة. وقال ابن السراج: القياس جواز ذلك، ولم يسمع. ووجه الدلالة من الآية أن تقديم المعمول مؤذن بتقديم العامل، فكما جاز تقديم ﴿إياكم﴾ ، جاز تقديم ﴿يعبدون﴾ ، وهذه القاعدة ليست مطردة، والأولى منع ذلك إلى أن يدل على جوازه سماع من العرب.
وعن ابن عباس: فليس أنه أعلم من أمّته، ولا كتاب أبين من كتابه. والمعشار مفعال من العشر، ولم يبن على هذا الوزن من ألفاظ العدد غيره وغير المرباع، ومعناهما: العشر والربع. وقال قوم: المعشار عشر العشر. قال ابن عطية: وهذا ليس بشيء. انتهى. وقيل: والعشر في هذا القول عشر المعشرات، فيكون جزأ من ألف جزء. قال الماوردي: وهو الأظهر، لأن المراد به المبالغة في التقليل.
قال أبو علي: أن تقوموا ﴿مِّن نَّذِيرٍ * وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبلِهِمْ وَمَا بَلَغُواْ مِعْشَارَ مَآءَاتَيْنَهُمْ فَكَذَّبُواْ﴾ في موضع خفض على البدل من واحدة. وقال الزمخشري: ﴿بواحدة﴾ : بخصلة واحدة، وهو فسرها بقوله: ﴿أن تقوموا﴾ على أن عطف بيان لها. انتهى. وهذا لا يجوز، لأن بواحدة نكرة، وأن تقوموا معرفة لتقديره قيامكم لله. وعطف البيان فيه مذهبان: أحدهما: أنه يشترط فيه أن يكون معرفة من معرفة، وهو مذهب الكوفيين، وأما التخالف فلم يذهب إليه ذاهب، وإنما هو وهم من قائله. وقد ردّ النحويون على الزمخشري في قوله: ﴿إن مقام إبراهيم﴾ عطف بيان من قوله: ﴿آيات بينات﴾ ، وذلك لأجل التحالف، فكذلك هذا.
انتصب على الحال.
стр. 2235
عطف على أن تقوموا ﴿تَقُومُواْ لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى﴾ .
الوقف عند أبي حاتم عند قوله: ﴿ثم تتفكروا ما بصاحبكم من جنة﴾ ، نفي مستأنف. قال ابن عطية: وهو عند سيبويه جواب ما ينزل منزلة القسم، لأن تفكر من الأفعال التي تعطي التمييز كتبين، ويكون على هذا في آيات الله والإيمان به. انتهى. واحتمل أن يكون تتفكروا معلقاً، والجملة المنفية في موضع نصب.
والظاهر أن ما للنفي، كما شرحنا. وقيل: ما استفهام، وهو استفهام لا يراد به حقيقته، بل يؤول معناه إلى النفي، التقدير: أي شيء بصاحبكم من الجنون، أي ليس به شيء من ذلك.
واحتملت ما أن تكون موصولة مبتدأ، والعائد من الصلة محذوف تقديره: سألتكموه، وفهو لكم ﴿ثُمَّ تَتَفَكَّرُواْ مَا بِصَحِبِكُمْ مِّن جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ لَّكُمْ بَيْنَ يَدَىْ عَذَابٍ شَدِيدٍ * قُلْ مَا سَأَلْتُكُم مِّن أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِىَ إِلاَّ﴾ الخبر. ودخلت الفاء لتضمن المبتدأ معنى الشرط، واحتملت أن تكون شرطية مفعولة بسألتكم، وفهو لكم جملة هي جواب الشرط.
стр. 2236
والظاهر أن بالحق هو المفعول، فالحق هو المقذوف محذوفاً، أي يقذف، أي يلقي ما يلقي إلى أنبيائه من الوحي والشرع بالحق لا بالباطل، فتكون الباء إمّا للمصاحبة، وإمّا للسبب، ويؤيد هذا الاحتمال كون قذف متعدّياً بنفسه، فإذا جعلت بالحق هو المفعول، كانت الباء زائدة في موضع لا تطرد زيادتها. وقرأ الجمهور: علام بالرفع، فالظاهر أنه خبر ثان، وهو ظاهر قول الزجاج، قال: هو رفع، لأن تأويل قل رب علام الغيوب. وقال الزمخشري: رفع محمول على محل إن واسمها، أو على المستكنّ في يقذف، أو هو خبر مبتدأ محذوف. انتهى. أمّا الحمل على محل إن واسمها فهو غير مذهب سيبويه، وليس بصحيح عند أصحابنا على ما قررناه في كتب النحو. وأمّا قوله على المستكن في يقذف، فلم يبين وجه حمله، وكأنه يريد أنه بدل من ضمير يقذف. وقال الكسائي: هو نعت لذلك الضمير، لأنه مذهبه جواز نعت المضمر الغائب. وقرأ عيسى، وابن أبي إسحاق، وزيد بن علي، وابن أبي عبلة، وأبو حيوة، وحرب عن طلحة: علام بالنصب؛ فقال الزمخشري: صفة لربي. وقال أبو الفضل الرازي، وابن عطية: بدل. وقال الحوفي: بدل أو صفة؛ وقيل: نصب على المدح. وقرىء: الغيوب بالجر، أمّا الضم فجمع غيب، وأمّا الكسر فكذلك استثقلوا ضمتين والواو فكسر، والتناسب الكسر مع الياء والضمة التي على الياء مع الواو؛ وأمّا الفتح فمفعول للمبالغة، كالصبور، وهو الشيء الذي غاب وخفي جداً.
والظاهر أن ما نفي، وقيل: استفهام ومآله إلى النفي، كأنه قال: أي شيء يبدىء الباطل، أي إبليس، ويعيده، قاله الزجاج وفرقة معه.
وإن اهتديت فبما يوحي إليّ ربي ﴿إِنَّ رَبِّى يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَّمُ الْغُيُوبِ * قُلْ جَآءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِىءُ الْبَطِلُ وَمَا يُعِيدُ * قُلْ إِن﴾ ، وأن تكون مصدرية، أي فبوحي ربي.
ومفعول ترى محذوف، أي ولو ترى الكفار إذ فزعوا فلا فوت، أي لا يفوتون الله، ولا يهرب لهم عنما يريد بهم.
стр. 2237
وقرأ عبد الرحمن مولى بني هاشم عن أبيه، وطلحة؛ فلا فوت، وأخذ مصدرين منونين. وقرأ أبي: فلا فوت مبنياً، وأخذ مصدراً منوناً، ومن رفع وأخذ فخبر مبتدأ، أي وحالهما أخذ أو مبتدأ، أي وهناك أخذ. وقال الزمخشري: وقرىء: وأخذ، وهو معطوف على محل فلا فوت، ومعناه: فلا فوت هناك، وهناك أخذ. انتهى. كأنه يقول: لا فوت مجموع لا، والمبني معها في موضع مبتدأ، وخبره هناك، فكذلك وأخذ مبتدأ، وخبره هناك، فهو من عطف الجمل، وإن كانت إحداهما تضمنت النفي والأخرى تضمنت الإيجاب.
وقرأ الجمهور: التناوش بالواو. وقرأ حمزة، والكسائي. وأبو عمرو، وأبو بكر: بالهمز، ويجوز أن يكونا مادتين، إحداهما النون والواو والشين، والأخرى والهمزة والشين، وتقدّم شرحهما في المفردات. ويجوز أن يكون أصل الهمزة الواو، على ما قاله الزجاج، وتبعه الزمخشري وابن عطية والحوفي وأبو البقاء، وقال الزجاج: كل واو مضمومة ضمة لازمة، فأنت فيها بالخيار، إن شئت تثبت همزتها، وإن شئت تركت همزتها. تقول: ثلاث أدور بلا همز، وأدؤر بالهمز.
وحيل بينهم ﴿سَمِيعٌ قَرِيبٌ * وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُواْ فَلاَ فَوْتَ وَأُخِذُواْ مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ * وَقَالُواْءَامَنَّا بِهِ وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ مِن مَّكَانِ بَعِيدٍ﴾ ، قال الحوفي: الظرف قائم مقام اسم ما لم يسم فاعله. انتهى. ولو كان على ما ذكر، لكان مرفوعاً بينهم، كفراءة من قرأ: ﴿لقد تقطع بينكم﴾ ، في أحد المعنين، لا يقال لما أضيف إلى مبني وهو الضمير بنى، فهو في موضع رفع، وإن كان مبنياً. كما قال بعضهم في قوله: وإذ ما مثلهم، يشير إلى أنه في موضع رفع لإضافته إلى الضمير، وإن كان مفتوحاً، لأنه قول فاسد. يجوز أن تقول: مررت بغلامك، وقام غلامك بالفتح، وهذا لا يقوله أحد. والبناء لأجل الإضافة إلى المبني ليس مطلقاً، بل له مواضع أحكمت في النحو، وما يقول قائل ذلك في قول الشاعر:
стр. 2238
وقد حيل بين العير والنزوان
فإنه نصب بين، وهي مضافة إلى معرب، وإنما يخرج ما ورد من نحو هذا على أن القائم مقام الفاعل هو ضمير المصدر الدال عليه، وحيل هو، أي الحول، ولكونه أضمر لم يكن مصدراً مؤكداً، فجاز أن يقام مقام الفاعل، وعلى ذلك يخرج قول الشاعر:
وقالت متى يبخل عليك ويعتللبسوء وإن يكشف غرامك ربأي: ويعتلل هو، أي الاعتلال.
و ﴿من قبل﴾ : يصح أن يكون متعلقاً ﴿بأشياعهم﴾ ، أي من اتصف بصفتهم من قبل، أي في الزمان الأول. ويترجح بأن ما يفعل بجميعهم إنما هو في وقت واحد، ويصح أن يكون متعلقاً بفعل إذا كانت الحيلولة في الدنيا.
ومريب اسم فاعل من أراب الرجل: أتى بريبة ودخل فيها، وأربت الرجل: أوقعته في ريبة، ونسبة الارابة إلى الشك مجاز. قال الزمخشري: إلا أن بينهما فرقاً، وهو أن المريب من المتعدي منقول ممن يصح أن يكون مريباً من الأعيان إلى المعنى، ومن اللازم منقول من صاحب الشك إلى الشك، كما تقول: شعر شاعر. انتهى.
٣٥
سورة فاطر
مكية وهي خمس وأربعون آية
وقرأ الضحاك والزهري: فطر، جعله فعلاً ماضياً ونصب ما بعده. قال أبو الفضل الرازي: فأما على إضمار الذي فيكون نعتاً لله ، وأما بتقدير قد فيما قبله فيكون بمعنى الحال. انتهى. وحذف الموصول الاسمي لا يجوز عند البصريين، وأما الحال فيكون حالاً محكية، والأحسن عندي أن يكون خبر مبتدأ محذوف، أي هو فطر.
من قرأ: وجاعل، فالأظهر أنهما اسماً فاعل بمعنى المضي، فيكونان صفة لله، ويجيء الخلاف في نصب رسلاً. فمذهب السيرافي أنه منصوب باسم الفاعل، وإن كان ماضياً لما لم يمكن إضافته إلى اسمين نصب الثاني. ومذهب أبي علي أنه منصوب بإضمار فعل، والترجيح بين المذهبين مذكور في النحو. وأما من نصب الملائكة فيتخرج على مذهب الكسائي وهشام في جواز إعمال الماضي النصب، ويكون إذ ذاك إعرابه بدلاً.
стр. 2239
فقال الزمخشري: مثنى وثلاث ورباع صفات الأجنحة، وإنما لم تنصرف لتكرار العدل فيها، وذلك أنها عدلت عن ألفاظ الإعداد من صيغ إلى أخر، كما عدل عمر عن عامر، وحذام عن حاذمة، وعن تكرير إلى غير تكرير. وأما بالوصفية، فلا تقترن الحال فيها بين المعدولة والمعدول عنها. ألا تراك تقول بنسوة أربع وبرجال ثلاثة فلا يعرج عليها؟ انتهى. فجعل المانع للصرف هو تكرار العدل فيها، والمشهور أنها امتنعت من الصرف للصفة والعدل. وأما قوله: ألا تراك، فإنه قاس الصفة في هذا المعدول على الصفة في أفعل وفي ثلاثة، وليس بصحيح، لأن مطلق الصفة لم يعدوه علة، بل اشترطوا فيه. فليس الشرط موجوداً في أربع، لأن شرطه أن لا يقل تاء التأنيث. وليس شرطه في ثلاثة موجوداً، لأنه لم يجعل علة مع التأنيث. فقياس الزمخشري قياس فاسد، إذ غفل عن شرط كون الصفة علة. وقال ابن عطية: عدلت عن حال التنكير، فتعرفت بالعدل، فهي لا تنصرف للعدل والتعريف، وقيل: للعدل والصفة. انتهى. وهذا الثاني هو المشهور، والأول قول لبعض الكوفيين.
والظاهر أن مثنى وما بعده من صفات الأجنحة، وقيل: أولي أجنحة معترض، ﴿ومثنى﴾ حال، والعامل فعل محذوف يدل عليه ﴿رسلاً﴾ ، أي يرسلون مثنى وثلاث ورباع.
ومن في موضع الحال، أي كائناً من الرحمات، ولا يكون في موضع الصفة، لأن اسم الشرط لا يوصف.
стр. 2240
﴿هل من خالق غير الله﴾ : أي فلا إله إلا الخالق، ما تعبدون أنتم من الأصنام. وقرأ ابن وثاب، وشقيق، وأبو جعفر، وزيد بن علي، وحمزة، والكسائي: غير بالخفض، نعتاً على اللفظ، ﴿ومن خالق مبتدأ. ويرزقكم﴾ : جوزوا أن يكون خبراً للمبتدأ، وإن يكون صفته، وأن يكون مستأنفاً، والخبر على هذين الوجهين محذوف تقديره لكم. وقرأ شيبة، وعيسى، والحسن، وباقي السبعة: ﴿غير﴾ بالرفع، وجوزوا أن يكون نعتاً على الموضع، كما كان الخبر نعتاً على اللفظ، وهذا أظهر لتوافق القراءتين؛ وأن يكون خبراً للمبتدأ، وأن يكون فاعلاً باسم الفاعل الذي هو خالق، لأنه قد اعتمد على أداة الاستفهام، فحسن إعماله، كقولك: أقائم زيد في أحد وجهيه؟ وفي هذا نظر، وهو أن اسم الفاعل، أو ما جرى مجراه، إذا اعتمد على أداة الاستفهام وأجرى مجرى الفعل، فرفع ما بعده، هل يجوز أن تدخل عليه من التي للاستغراق فتقول: هل من قائم الزيدون؟ كما تقول: هل قائم الزيدون؟ والظاهر أنه لا يجوز. ألا ترى أنه إذا جرى مجرى الفعل، لا يكون فيه عموم خلافه إذا أدخلت عليه من، ولا أحفظ مثله في لسان العرب، وينبغي أن لا يقدم على إجازة مثل هذا إلا بسماع من كلام العرب؟ وقرأ الفضل بن إبراهيم النحوي: غير بالنصب على الاستثناء، والخبر إما يرزقكم وإما محذوف، ويرزقكم مستأنف؛ وإذا كان يرزقكم مستأنفاً، كان أولى لانتفاء صدق خالق على غير الله، بخلاف كونه صفه، فإن الصفة تقيد، فيكون ثم خالق غير الله، لكنه ليس برازق. ومعنى ﴿من السماء﴾ : بالمطر، ﴿والأرض﴾ : بالنبات، ﴿لا إله إلا هو﴾ : جملة مستقلة لا موضع لها من الإعراب.
و ﴿الذين كفروا﴾ ، ﴿والذين آمنوا﴾ . مبتدآن، وجوز بعضهم في ﴿الذين كفروا﴾ أن يكون في موضع خفض بدلاً ﴿من أصحاب السعير﴾ ، أو صفة، وفي موضع نصب بدلاً من حزبه، وفي موضع رفع بدلاً من ضمير ﴿ليكونوا﴾ ، وهذا كله بمعزل من فصاحة التقسيم وجزالة التركيب.
стр. 2241
﴿أفمن زين له سوء عمله فرآه حسناً﴾ : أي فرأى سوء عمله حسناً، ومن مبتدأ موصول، وخبره محذوف. فالذي يقتضيه النظر أن يكون التقدير: كمن لم يزين له، كقوله: ﴿أفمن كان على بينة من ربه كمن زين له سوء عمله﴾ ، ﴿أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى﴾ ، ﴿أو من كان ميتاً فأحييناه﴾ ، ثم قال: ﴿كمن مثله في الظلمات﴾ ، وقاله الكسائي، أي تقديره: تذهب نفسك عليهم حسرات لدلالة: ﴿فلا تذهب نفسك عليهم﴾ . وقيل: التقدير: فرآه حسناً، فأضله الله كمن هداه الله، فحذف ذلك لدلالة: ﴿فإن الله يضل من يشاء﴾ ، وذكر هذين الوجهين الزجاج.
انتصب ﴿حسرات﴾ على أنه مفعول من أجله، أي فلا تهلك نفسك للحسرات، وعليهم متعلق بتذهب، كما تقول: هلك عليه حباً، ومات عليه حزناً، أو هو بيان للمتحسر عليه، ولا يتعلق بحسرات لأنه مصدر، فلا يتقدّم معموله. وقال الزمخشري: ويجوز أن يكون حالاً، كأنه كلها صارت حسرات لفرط التحسر، كما قال جرير:
مشق الهواجر لحمهن مع السرىحتى ذهبن كلاكلاً وصدرواً يريد: رجعن كلاكلاً وصدوراً، أي لم يبق إلا كلاكلها وصدورها، ومنه قوله:
فعلى إثرهم تساقط نفسيحسرات وذكرهم لي سقام انتهى. وما ذكر من أن كلاكلاً وصدوراً حالان هو مذهب سيبويه. وقال المبرد: هو تمييز منقول من الفاعل، أي حتى ذهبت كلاكلها وصدورها.
النشور: مبتدأ، والجار والمجرور قبله في موضع الجر.
ومن اسم شرط، وجملة الجواب لا بد أن يكون فيها ضمير يعود على اسم الشرط إذا لم يكن ظرفاً، والجواب محذوف تقديره.
стр. 2242
فليطلبها من العزة له يتصرف فيها كما يريد، كما قال تعالى: وتعز من تشاء وتذل من تشاء ﴿بِمَا يَصْنَعُونَ * وَاللَّهُ الَّذِى أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَباً فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الأٌّرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ * مَن كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّلِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُوْلَئِكَ هُوَ يَبُورُ * وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَجاً وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلاَ تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ وَلاَ يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلاَّ فِى كِتَبٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ * وَمَا يَسْتَوِى الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَآئِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِن كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيّاً وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * يُولِجُ الَّيْلَ فِى النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِى الَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِى لأًّجَلٍ مُّسَمًّى ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ * إِن تَدْعُوهُمْ لاَ يَسْمَعُواْ دُعَآءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُواْ مَا اسْتَجَابُواْ لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَمَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلاَ يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ ، وانتصب جميعاً على المراد، والمراد عزة الدنيا وعزة الآخرة.
стр. 2243
وقرأ الجمهور: والعمل الصالح يرفعهما. فالعمل مبتدأ، ويرفعه الخبر، وفاعل يرفعه ضمير يعود على العمل الصالح، وضمير النصب يعود على الكلم.
عن ابن عباس: والعمل الصالح يرفع عامله ويشرفه، فجعله على حذف مضاف. ويجوز عندي أن يكون العمل معطوفاً على الكلم الطيب، أي يصعدان إلى الله، ويرفعه استئناف إخبار، أي يرفعهما الله، ووحد الضمير لاشتراكهما في الصعود، والضمير قد يجري مجرى اسم الإشارة، فيكون لفظه مفرداً، والمراد به التثنية.
قرأ عيس، وابن أبي عبلة: والعمل الصالح، بنصبهما على الاشتغال، فالفاعل ضمير الكلم أو ضمير الله، ومكر لازم، والسيئات نعت لمصدر محذوف، أي المكرات السيئات، أو المضاف إلى المصدر، أي أضاف المكر إلى السيئات، أو ضمن يمكرون معنى، يكتسبون، فنصب السيئات مفعولاً به. وإذا كانت السيئات نعتاً لمصدر، أو لمضاف لمصدر.
هو مبتدأ، أو يبور خبره، والجملة خبر عن قوله: ﴿ومكر أولئك﴾ . وأجاز الحوفي وأبو البقاء أن يكون هو فاصلة، ويبور خبر، ومكر أولئك والفاصلة لا يكون ما يكون ما بعدها فعلاً، ولم يذهب إلى ذلك أحد فيما علمناه إلا عبد القاهر الجرجاني في شرح الإيضاح له، فإنه أجاز في كان زيد هو يقوم أن يكون هو فصلاً وردّ ذلك عليه.
﴿ذلكم الله ربكم له الملك﴾ ، وهي أخبار مترادفة؛ والمبتدأ ﴿ذلكم﴾ ، و ﴿الله ربكم﴾ خبران، و ﴿له الملك﴾ جملة مبتدأ في قران قوله: ﴿والذين تدعون من دونه ما يملكون من قطمير﴾ . قال الزمخشري: ويجوز في حكم الإعراب إيقاع اسم الله صفة لاسم الإشارة وعطف بيان، وربكم خبر، لولا أن المعنى يأباه. انتهى. أما كونه صفة، فلا يجوز، لأن الله علم، والعلم لا يوصف به، وليس اسم جنس كالرجل، فتتخيل فيه الصفة. وأما قوله: لولا أن المعنى يأباه، فلا يظهر أن المعنى يأباه، لأنه يكون قد أخبر بأن المشار إليه بتلك الصفات والأفعال المذكورة ربكم، أي مالكم، أو مصلحكم، وهذا معنى لائق سائغ.
стр. 2244
قرأ الجمهور: لا يحمل بالياء، مبنياً للمفعول؛ وأبو السمال عن طلحة، وإبراهيم بن زادان عن الكسائي: بفتح التاء من فوق وكسر الميم، وتقتضي هذه القراءة نصب شيء، كما اقتضت قراءة الجمهور رفعه، والفاعل بيحمل ضمير عائد على مفعول تدع المحذوف، أي وإن تدع مثقلة نفساً أخرى إلى حملها، لم تحمل منه شيئاً. واسم كان ضمير يعود على المدعو المفهوم من قوله: ﴿وإن تدع﴾ ، هذا معنى قول الزمخشري.
وازرة: صفة لمحذوف أي نفس وازرة.
﴿بالغيب﴾ : حال من الفاعل أو المفعول، أي يخشون ربهم غافلين عن عذابه، أو يخشون عذابه غائباً عنهم.
قرآئ؟؟: ولو كان ذي قربى على أن كان تامة.
﴿بالحق﴾ : حال من الفاعل، أي محق. أو من المفعول، أي محقاً، أو صفة لمصدر محذوف، أي إرسالاً بالحق، أي مصحوباً.
стр. 2245
الظاهر عطف وغرابيب ﴿كَانَ نَكِيرِ * أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أنَزَلَ مِنَ السَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفاً أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَنُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ * وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَآبِّ وَالأٌّنْعَمِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَنُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ * إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَبَ اللَّهِ وَأَقَامُواْ الصَّلَوةَ وَأَنفَقُواْ مِمَّا رَزَقْنَهُمْ سِرّاً وَعَلاَنِيَةً يَرْجُونَ تِجَرَةً لَّن تَبُورَ * لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ * وَالَّذِى أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَبِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ * ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَبَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَلِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَتِ بِإِذُنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ * جَنَّتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ * وَقَالُواْ الْحَمْدُ للَّهِ الَّذِى أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ * الَّذِى أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِن فَضْلِهِ﴾ على ﴿حمر﴾ ، عطف ذي لون على ذي لون. وقال الزمخشري: معطوف على ﴿بيض﴾ أو على ﴿جدد﴾ .
قال الزمخشري: الغربيب تأكيد للاسود، ومن حق التوكيد أن يتبع المؤكد، كقولك: أصفر فاقع، وأبيض يقق، وما أشبه ذلك؛ ووجهه أن يظهر المؤكد قبله، فيكون الذي بعده تفسيراً لما أضمر، كقول النابغة:
والمؤمن العائذات الطير
следующие страницы →