← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 2506

بحر الدموع

ابن الجوزي

Полный текст (150 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

الفصل الخامس والعشرون يا أخي، أفنيت عمرك في اللعب، وغيرك فاز بالمقصود وأنت منه بعيد، غيرك على الجادة، وأنت من الشهوات في أوجال وتنكيد، ترى متى يقال: فلان استقال ورجع. يا له من وقت سعيد، متى تخرج من الهوى وترجع إلى مولاك العزيز الحميد، يا مسكين، لو عاينت قلق التائبين، وتململ الخائفين من هول الوعيد، جعلوا قرّة أعينهم في الصلاة، والزكاة، والتزهيد، وأهل الحرمان ضيعوا الشباب في الغفلة، والشيب في الحرص والأمل المديد، لا بالشباب انتفعت، ولا عند المشيب ارتجعت، يا ضيعة الشباب والمشيب: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ﴾ سبأ ٥١. وأنشدوا: عملت على القبائح في شبابي ... فلما شبت عدت إلى الرياء فلا حين الشباب حفظت ديني ... ولا حين المشيب طببت دائي فشاب عنده مصغر غويّ ... وشيخ عند مكبره مرائي قضاء سابق في علم غيب ... فيا لله من سوء القضاء يروى في بعض الأخبار إن عمر بن الخطاب ﵁ لقي حذيفة بن اليمان وهو يومئذ أمير المؤمنين، فقال لحذيفة: كيف أصبحت يا حذيفة؟ قال: أصبحت يا أمير المؤمنين أحب الفتنة، وأكره الحق، وأقول بما لم يخلق، وأشهد بما لم أر، وأصلي بلا وضوء، ولي في الأرض ما ليس لله في السماء. فغضب عمر لذلك غضبا شديدا، وهمّ إن يبطش به، ثم تذكر صحبته من

стр. 107

النبي، فأمسك، فهو كذلك إذ مرّ به عليّ بن أبي طالب ﵁، فرأى الغضب في وجهه، فقال: ما أغضبك يا أمير المؤمنين، فقصّ عليه القصّة. فقال: يا أمير المؤمنين لا يغضبك ذلك، أما قوله: إنه يحب الفتنة، فهو تأويل قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ التغابن ١٥. أما قوله: يكره الحق، فالحق هو الموت الذي لا بدّ منه ولا محيص عنه. وأما قوله: يقول بما لم يخلق: القرآن، فهو يقرأ القرآن وهو غير ومخلوق. وأما قوله: يشهد بما لم ير، فانه يصدق بالله ولم يره. وأما قوله: يصلي بغير وضوء، فانه يصلي على النبي ﷺ بغير وضوء. وأما قوله: إن له في الأرض ما ليس لله في السماء، فان له زوجة وبنين، وليس لله شيء من ذلك. فقال عمر: لله درّك: يا أبا الحسن، لقد كشفت عني هما عظيما. ويروى أن رجلا من أهل دمشق يسمى بأبي عبد ربه، وكان أكثر أهل دمشق مالا، وأنه خرج مسافرا، فأمسى إلى جانب نهر ومرعى، فنزل فيه، فسمع صوتا يكثر حمدا لله في ناجية المرج. قال: فاتبعته، فوجدته رجلا ملفوفا في حصير، قال: فسلمت عليه، وقلت له: من أنت يا عبد الله؟. قال: رجل من المسلمين. فقلت له: فما هذه الحالة؟ قال: نعمة يجب عليّ شكرها. فقلت: كيف وأنت ملفوف في حصير وأي نعمة عليك؟!. قال: إن الله خلقني، فأحسن خلقي، وجعل منشأي ومولدي في الإسلام،

стр. 108

وألسني العافية في أركاني، وستر عليّ ما أكره ذكره، فمن أعظم نعمة ممن أمسى في مثل ما أنا فيه؟. فقلنا: رحمك الله، لعلك أن تقوم معي إلى منزلي، فأنا نزول على النهر هاهنا بإزائك. قال: ولم؟. قلت: لتصيب شيئا من الطعام، ونعطيك ما يغنيك عن لبس الحصير. قال: ما لي في ذلك من حاجة. فأبى أن يسير معي، فانصرفت وقد تقاصرت عندي نفسي ومقتها، وقلت: لم أخلّف بدمشق رجلا أكثر مني مالا، وأنا ألتمس الزيادة. فقلت: اللهم إني أتوب إليك مما أنا فيه، فتبت ولم يعلم أحد بما اجتمعت عليه، فلما كان في السحر، رحل الناس، وقدّموا إليّ دابتي، فصرفتها إلى دمشق، وقلت: ما أنا بصادق في التوبة إن أنا مضيت إلى متجري، فسألني القوم فأخبرتهم، فعاتبوني على المشي معهم فأبيت. فلما قدم على دمشق قال ناقل الحديث: فوضع يده في ماله وتصدق به، وفرّقه في سبيل الله، ولزم العبادة حتى توفي ﵁، فلما توفي لم يوجد عنده إلا قدر حق الكفن. وأنشدوا: ذكر الوعيد فطرفه لا يهجع ... وجفا الرّقاد فبان عنه المضجع متفرّدا بغليله يشكو الذي ... منه الجوانح والحشا يتوجع لما تيقّن صدق ما جاءت به ... الآيات صار إلى الإنابة يسرع فجفا الأحبّة في محبّة ربّه ... وسما إليه بهمّة ما يقلع

стр. 109

وتمتعت بوداده أعضاؤه ... إذ خصّها منه بودّ ينفع كم في الظلام له إذا نام الورى ... من زفرة في إثرها يتوجّع ويقول في دعواته يا سيدي ... العين يسعدها دموع رجع إني فزعت إليك فارحم عبرتي ... وإليك من ذلّ الخطيئة أفزع من ذا سواك يجيرني من زلتي ... يا من لعزته أذلّ وأخضع فامنن عليّ بتوبة أحيا بها ... إني بما اجترمت يداي مروّع قل التصبّر عنك يا من حبّه ... في الجارحات سقامه يتسرّع كيف اصطبار متيّم في حبّه ... قدما لكاسات الهوى يتجرّع لاحت وعن صدق المحبة ما بدت ... للناظرين نجوم ليل تطلع ما الفوز إلا في محبّة سيده ... فيها المحبّ إذا تواضع يرفع يروى أن قتادة بن النعمان الأنصاري ﵁ كان من الرماة المذكورين، شهد بدرا وأحدا، ورميت يومئذ عينه، فسالت على خدّه، فأتى النبي ﷺ وهي في يده، فقال: ما هذه يا قتادة؟ قال: هذا ما ترى يا رسول الله، فقال له رسول الله: "إن شئت صبرت ولك الجنة، وإن شئت رددتها لك ودعوت الله لك فلم تفقد منها شيئا"، فقال: والله يا رسول الله إن الجنة لجزاء جزيل، وعطاء جليل، ولكني مبتلى بحب النساء، وأخاف إن يقلن: أعور فلا يردنني، ولكن أحبّ إن تردّها إليّ وتسأل الله لي الجنة، فقال: "أفعل ذلك يا قتادة" ثم أخذها رسول الله ﷺ بيده، وأعادها إلى موضعها، فعادت أحسن ما كانت، إلى إن مات ودعا الله له بالجنة ﷺ . قال: فدخل ابنه على عمر بن عبد العزيز ﵁، وهو خليفة فقال له عمر: من أنت يا فتى؟ فقال: أنا ابن الذي سالت على الخدّ عينه ... فردّت بكف المصطفى أحسن ردا فعادت كما كانت بأحسن حالها ... فيا حسن ما عين ويا حسن ما ردّ

стр. 110

فقال عمر: بمثل هذا فليتوسل إليه المتوسلون، ﵁ (١) .

стр. 111

الفصل السادس والعشرون يا هذا، لا يزال التائبون يهربون إلى دير الخلوة هروب الخائف إلى دار الأمان، لهم في سحر الليل تأنس بمدامع الأجفان، كتب السجود في ألواح جباههم خطوط العرفان، كم لأقدامهم في الدجى من جولان وكم لهم في وادي السحر من عيون تجري كالطوفان، فإذا لاحت أعلام الفجر كبّروا عند مشاهدة العيان، فديت طراق الدجى، فديت أرباب العزائم، فديت الفتيان. بادروا رواهب الخلوة، نحن لكم جيران، تركنا الأسباب والأهل والأوطان، فرقنا شهوات النفوس والأبدان، وخرّبنا ديار اللهو، فأقفرت منذ زمان، طلقنا الدنيا بتاتا، وهجرنا الدار والسكان، سقينا من شراب الأنس شربة ولو كان ما كان، لبسوا حلة الجوع بالنهار، وتركوا خدمة من جلّ وهان، عمروا القلوب بالتقوى، وبالذكر اللسان، لهم نزاحم على باب الدجى، فمنهم من صاح ومنهم نشوان، ومنهم من خامره بالشوق، فهو من الحب ولهان، ومنهم من غلبه الوجد، فهو هائم سكران، أفناهم الخوف وأذبلهم الأرق وهم من القلق كل يوم في شأن. سيّرهم ذكر الحبيب ولهم في التلاوة ألحان، نالوا منازل التوكل، وأصبحوا فيها قطان، باعوا شهوات النفوس بأبخس الأثمان، سجلوا على أنفسهم سجل الرضا بالقضاء، فأهلا بالرجال الشجعان، تتجافى جنوبهم عن المضاجع ولهم تلحين بالقرآن، خامرهم الخوف فسكروا من شرابه مخافة النيران، منهم من سقي شراب المحبة صرفا، وتزايدت لهم الأحزان، ومنهم من مزج له بالأشواق، فعاين منه ألوان، كم خرّبوا في حبه منازل، وكم أيتموا فيه من ولدان. تراهم أبدا سكارى عرايا في القفار وفي البلدان. قلوبهم مملوءة بالخوف، وظاهرهم مضمّخ بالأحزان، ينادي لسان شوقهم: لا كان من ألم السلوى ولا كان، خرق لهم حجاب العادات وعقد على رؤوسهم للولاية تيجان، مجلس أنسهم مضمخ بالمشاهدة شديدة الأركان.

стр. 112

يا معشر الفقراء، طوفوا بهذا الدير، وزاحموا على بابه، وباكروا هذه الدنّان، طيبوا على هذا السماع، وتواجدوا على هذه الألحان، معكم جمال المحبوب، في الكون والحال. يا معشر الفتيان، ما أطيب عيش الصدّيقين، شربوا هذا الشراب وباحوا بالكتمان، فما تراهم إلا بين واجد وهائم وخائف وراج وولهان. فعندما تجلى لهم محبوبهم في قلوبهم، أغناهم عن مشاهدة العيان. لاطفهم بملاطفة: يا عبادي لا خوف عليكم، اليوم لكم الأمان. بعيني ما تحملتم من أجلي، فكم من جفنت ساهر، وكم من كبد من الشوق ملآن، سأكشف لكم لمألم الحجاب عن وجهي فتتنعمون بما لم يخطر على قلب إنسان. ألبسكم حلل الرضا، وأبسط مجالسكم بالرضوان، أسقيكم شراب التوحيد صرفا خالصا، وأنا الحنّان المنّان. يا أهل السماع تواجدوا، ويا معشر الإخوان، أين المشتاق؟ هذا الشراب، هذا كأس المتاب ملآن. أين أنت من أهل الصفا يا مضيّعا عمره في العصيان؟ بادر قبل تغيّر الحال، فتعود بالخيبة والخسران، واعص من لامك وخالف من عدلك، وأطع من نصحك ودع قالا وقيلا. ﴿فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولَئِكَ يَقْرَأُونَ كِتَابَهُمْ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلاً﴾ الإسراء ٧١ـ ٧٢. قال عبد الله بن عباس ﵄: صلى بنا رسول الله ﷺ صلاة العصر، فقام في الركعة الأولى، حتى ظننا أنه لا يرفع رأسه، فرفع رأسه، ورفعنا بعده، فلما قضيت الصلاة، انفتل من محرابه ﷺ وقال: "أين أخي وابن عمي علي ابن أبي طالب؟ " فأجابه علي ﵁ من آخر الصفوف، وهو يقول لبيك لبيك يا رسول الله ﷺ . فقال رسول الله ﷺ : "أدن مني يا أبا الحسن"، فدنا منه، فلم

стр. 113

يزل يدنيه حتى جلس بين يديه. فقال: "يا أبا الحسن، أما سمعت ما أنزل الله عليّ في فضل الصف الأول، والتكبيرة الأولى؟ " فقال: بلى يا رسول الله. فقال له رسول الله ﷺ : "فما الذي أبطأك عن الصف الأول والتكبيرة الأولى، فهل شغلك حب الحسن والحسين عن ذلك؟ " فقال له علي ﵁: وهل يشغلني حبهما عن حب الله تعالى؟! قال له: "فما الذي شغلك عن ذلك يا عليّ" قال: يا رسول الله، أذن بلال وأنا في المسجد، فركعت ركعتين، وأقام بلال الصلاة فكبّرت معك التكبيرة الأولى، فوسوسني شيء من أمر الوضوء، فخرجت من المسجد إلى منول فاطمة ﵂، فناديت، يا حسن، يا حسين، فلم يجيبني أحد، فبينما أنا كالمرأة الثكلى، أو كالحبة في المقلى، وأنا أطلب ماء لوضوئي، إذ هتف بي هاتف عن يميني، فإذا أنا بقدح من الذهب الأحمر، وعليه منديل أخضر، فكشفت المنديل، فإذا هو ماء أشد بياضا من اللبن، وأحلى من الشهد، وألين من الزبد، فتطهرت للصلاة، تمندلت بالمنديل، ورددته على القدح، والتفت فلم أره، ولم أر من وضعه ولا من رفعه. فتبسم رسول الله ﷺ ، وقال: "بخ بخ، هل تعلم من أتاك بالمنديل والقدح يا أبا الحسن؟ " قال: الله ورسوله أعلم. قال: "أتاك بالقدح جبريل ﵇، والماء من حظيرة القدس، والذي مندلك بالمنديل ميكائيل ﵇، والذي أمسك يدي على ركبتي حتى أدركت الركعة الأولى إسرافيل ﵇. يا أبا الحسن من أحبّك، أحبّه الله، ومن أبغضك أبغضه الله". ويروى إن رسول الله ﷺ جلس ذات يوم مع أصحابه، فإذا بيهودية قد أقبلت تبكي، حتى وقفت بين يديه، وجعلت تقول هذه الأبيات، وهي تبكي: بأبي أفديك يا نور الفلك ... ليت شعري إن شيء قتلك غبت عني غيبة موحشة ... أترى ذئب يهودي أكلك إن تكن ميتا فما أسرع ما ... كان من أمر الليالي من أجلك

стр. 114

أو تكن حيا فلا بدّ لمن عاش إن يرجع من حيث سلك فقال لها رسول الله ﷺ : "مالك أيتها المرأة؟ ". قالت: يا محمد بينما أنا وولدي يلعب بين يدي، إذ خطف، وبقي المكان منه بلقعة. قال لها: "يا هذه إن ردّ الله ولدك على يدي، أتؤمنين بي؟ " قالت: نعم وحق الأنبياء الكرام، إبراهيم، وإسحاق، ويعقوب عليهم الصلاة والسلام. فقام رسول الله ﷺ ، فصلى ركعتين، ثم دعا بدعوات، فما استكملها حتى وضع الطفل بين يديه ﷺ . فقال له النبي ﷺ : "أين كنت أيها الطفل؟ ". قال: بينما كنت ألعب بين أمي، إذا أقبل عليّ عفريت كافر، فاختطفني وذهب بي من وراء البحر، فلما دعوت الله ، سلط الله عليه جنا مؤمنا أشد منه بطشا، وأعظم خلقا فانتزعني منه، وساقني إليك، فها أنا بين يديك صلى الله عليك. فقلت المرأة: أشهد إن لا اله إلا الله، وأشهد إن محمدا رسول الله ﷺ . **

стр. 115

الفصل السابع والعشرون اعلم أن الزنى من أكبر الكبائر، وهو شؤم على صاحبه في الدنيا والآخرة، ووبال على صاحبه. وقد نهى الله تعالى عنه في مواضع من كتابه، فقال تعالى: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً﴾ الإسراء ٣٢. وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ المؤمنون ٥، ٧. وقال رسول الله ﷺ : "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن" (١) .، أراد بذلك أن الزاني مبعد عن الله تعالى، مستوجب المقت من الله . وفي الخبر أن شابا أتى النبي ﷺ ، فقال: يا رسول الله، أتأذن لي في الزنى، فصاح الناس به، فقال: "اتركوه، أدن مني"، فقال: "أتحبه لأمك؟ " قال: لا، جعلني الله فداك. قال: "كذلك الناس لا يحبونه لأمهاتهم"، ثم قال له: "أتحبه لأبنتك؟ " قال: لا. قال: "كذلك الناس لا يحبونه لبناتهم". حتى ذكر الأخت، والخالات والعمات وهو يقول: لا، ورسول الله ﷺ يقول: "كذلك الناس لا يحبونه"، ثم وضع يده الكريمة على صدره، وقال: "اللهم طهر قلبه، واغفر ذنبه، وحصن فرجه"، فلم يكن بعد ذلك شيء أبغض إليه من الزنى (٢) . وقال رسول الله ﷺ : "لما خلقت المرأة، قال لها إبليس: أنت نصف جندي، وأنت موضع سري، وأنت سهمي الذي أرمي به فلا أخطئ" فتحفظ رحمك الله نت سهام الشيطان.

стр. 116

وقال رسول الله ﷺ : "الزنى من أكبر الكبائر، والزاني عليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين إلى يوم القيامة، فان تاب، تاب الله عليه" (١) . وقال ﷺ : "من علامة المؤمن أن يجعل الله شهوته في الصلاة والصيام، وعلامة المنافق أن يجعل الله شهوته في بطنه وفرجه". وقال ﷺ : "الزنى يورث الفقر، ويذهب بهاء الوجه" يقول الله تعالى: "آليت على نفسي أن أفقر الزاني ولو بعد حين". والزنى يذهب بالمال، وبنور الوجه، ويخلد صاحبه في النار. وقال رسول الله ﷺ لأبي ذر ﵁: "ما لقي الله العبد بذنب بعد الشرك بالله، أعظم من الزنى، ومن امرئ يضع نطفته في رحم حرام، وإن الزاني يسيل من فرجه يوم القيامة صديد لو وضعت منه قطرة على وجه الأرض، لأفسدت على أهل الدنيا معايشهم نتنا". وقال ﷺ : "إياكم والزنى فإنه ذهاب البهاء، وطول الفقر، وقصار العمر، وأما اللواتي في الآخرة فسخط الله، وسوء الحساب، والخلود في النار" (٢) . يا من عصى الله في الشباب وقد ... أدركه الشيب راقب الله صحفك بالسيئات قد ملئت ... بأي وجه تراك تقراها أعدد جوابا إذا سئلت غدا ... وقرّب النار منك مولاها يا معشر المسلمين كم رجل ... تلومه النار حين يصلاها قال رسول الله ﷺ : "ما من أحد أغير من الله تعالى أن يرى عبده أو أمته يزني، والله لو تعلمون ما أعلم، لضحكتم قليلا، ولبكيتم كثيرا، ألا وإن في النار لتوابيت من نار، فيها أقوام محبوسون في تلك التوابيت، فإذا سألوا الراحة، فتحت لهم تلك التوابيت فإذا فتحت بلغ شررها أهل جهنم، فيستغيث أهل جهنم

стр. 117

بصوت واحد، ويقولون: اللهم العن أهل التوابيت، وهم الذين يغتصبون فروج النساء حراما". وقال ﷺ : "إن الله لما خلق الجنة، قال لها: تكلمي. قالت: سعد من دخلني، فقال الجبار ﷻ : وعزتي وجلالي لا يسكن فيك ثمانية نفر من الناس، مدمن خمر، ولا مصرّ على الزنى، ولا نمّام، ولا ديّوث، ولا شرطيّ، ولا مخنّث، ولا قاطع رحم، ولا الذي يقول: عليّ عهد الله أن أفعل كذا وكذا ولا يفعله". فليس المصر على الزنى هو المداوم عليه، ولا مدمن الخمر هو الملازم لشربه، ولكنه هو إذا وجد الخمر شربها، ولم يمنعه منها خوف الله تعالى، ومتى تهيأ له الزنى، ولم يتب من ذلك، ومن لم ينه النفس عن الهوى فان الجحيم هي المأوى. وكان ابن عباس ﵄ يقول لغلمانه: إن أردتم النكاح نكحتم، أي تزوّجتم، فان العبد إذا زنى، خرج الإيمان من قلبه فلا يبقى للعبد إيمان. وقال لقمان لابنه: إياك والزنى، فإن أوله مخافة آخره ندامة، ومن بعد تلقى آثامه. وأنشدوا: يا من خلا بمعاصي الله في الظلم ... في اللوح يكتب فعل السوء بالقلم بها خلوت وعين الله ناظرة ... وأنت بالإثم منه غير مكتتم فهل أمنت المولى من عقوبته ... يا من عصى الله بعد الشيب والهرم واعلم إن من غلبه هواه افتضح، فما نال الكرامات من نالها إلا بغلبة الهوى. كما روي أنه في بني إسرائيل رجل تزوج امرأة من بلد آخر، فأرسل بثقته إليها ليسوقها إليه، فراودته نفسه، وطالبته بها، فزجرها، واستعصم بالله، قال: فنبأه الله تعالى بترك هواه، وكان نبيا من بني إسرائيل. وأنشدوا:

стр. 118

توق نفسك لا تأمن غوائلها ... فالنفس أخبث من سبعين شيطانا وحكى ابن عباس عن كعب الأحبار ﵄ أنه قال: كان في بني إسرائيل صدّيق منفرد للعبادة، فأقام في صومعته دهرا طويلا، وكان يأتيه ملك في كل غدوّة وعشيّة، فيقول له الملك: ألك حاجة؟ فيقول: الله أعلم بحاجتي. وأنبت الله له فوق الصومعة كرمة، تحمل في كل يوم بالعنب، وكان إذا عطش مد يده، فينبع منها الماء، فيشرب منه. فلما كان بعد مدة مرت به امرأة لها حسن وجمال، عند المغرب، فنادته: يا عبد الله. فقال لها: لبيك. فقالت له: أيراك ربك؟ قال لها: هو الله الواحد القهار، الحيّ القيّوم، العالم بما في الصدور وباعث من في القبور. قالت له: البلد مني بعيد. قال لها: اصعدي. فلما صارت في صومعته، رمت بثيابها، وقامت عريانة، تجلو نفسها عليه، فغضّ بصره عنها. وقال لها: ويلك، استري نفسك. قالت له: ما يضرّك إذا تمتعت بي في هذه الليلة؟. فقال لنفسه: يا نفس، وما تقولين؟ قالت: والله إني أتمتع بها. قال لها: ويحك: أتريدين سرابيل القطران، مقطعات وتذهبين بعبادتي هذه المدة، وليس كل من زنى عفي عنه، وإن الزاني يكبّ على وجهه في النار، وهي نار لا تطفأ، وعذابها لا يفنى، وأخاف إن يغضب الله عليك، ولا يرضى أبدا عنك. فراودته نفسه على ذلك، فقال: أعرض عليك نارا صغيرة، فإن صبرت عليها، متعتك بهذه الجارية الليلة. قال: فملأ السراج دهنا، وأغلظ الفتيلة، والمرأة تسمع وتبصر، ثم ألقى يده إلى الفتيلة، وهي تتقد، فصاح بالفتيلة: ما لك؟ أحرقي، فأكلت إبهامه، ثم أكلت

стр. 119

أصابعه، ثم أكلت يده، فصاحت الجارية صيحة عظيمة، فارقت الدنيا، فسترها بثوبها. فلما أصبح صرخ إبليس لعنه الله: أيها الناس إن العابد قد زنى بفلانة بنت فلان، وقتلها. فركب الملك في جنده وأهل مملكته، فلما انتهى إلى الصومعة، صاح، فأجابه العابد، فقال له: أين فلانة بنت فلان؟ قال له: عندي ها هنا. قال له: قل لها أن تنزل. قال له: إنها قد ماتت. قال له الملك: ما رضيت بالزنى حتى قتلت النفس التي حرّم الله؟ فهدم الصومعة، وجعل في عنق العابد سلسلة، فجرّه بها، وحملت المرأة، وجيء بالعابد ملفوفة في كمه وهو لا يعلمهم بقصته. فوضع المنشار على رأسه، وقيل لأصحاب العذاب: جرّوا، فجرّوا. فلما بلغ المنشار إلى دماغه، تأوّه، فأوحى الله تعالى إلى جبريل ﵇: قل له: لا ينطق بشيء، وها أنا أنظر إليك، وقد أبكى حملة عرشي، وسكان سماواتي، فوعزتي وجلالي لئن تأوّه الثانية، لأهدمنّ السموات على الأرض، فما تأوه ولا تكلم حتى مات ﵀. فلما مات، ردّ الله الروح على المرأة، وقالت: مات والله مظلوما، ما زنى وما أنا إلا بخاتمي بكر. ثم قصت عليهم القصة، فأخرجوا يده، فإذا هي محروقة كما قالت الجارية. فقالوا: لو علمنا ما نشرناه، وخرّ العابد نصفين على الأرض، وعادت الجارية كما كانت، فحفروا لهما قبرا واحدا، فوجدوا في القبر مسكا وعنبرا وكافورا. ثم أتوا بهما ليصلوا عليهما، فناداهم مناد من السماء: اصبروا حتى تصلي عليهما

стр. 120

الملائكة، ثم صلى عليهما الناس ودفنوهما، فأنبت الله على قبرهما الياسمين، ووجدوا على قبرهما رق مكتوب فيه: بسم الله الرحمن الرحيم، من الله إلى عبدي ووليي، إني نصبت المنبر تحت عرشي، وجمعت ملائكتي، وخطب جبريل ﵇، وأشهدت الملائكة أني زوّجتك خمسين ألف عروس من الفردوس، وهكذا أفعل بأهل طاعتي وأهل مراقبتي. وقال ﷺ : "النظر إلى محاسن المرأة سهم من سهام إبليس، فمن غضّ بصره، أذاقه الله تعالى عبادة يجد حلاوة تلك العبادة في قلبه" (١) . وفي المناجاة أن الله تعالى قال لموسى ﵇: يا موسى، حرمت على النار ثلاثة أعين: عين سهرت في سبيل الله، وعين غضّت عن محارم الله، وعين بكت من خشيتي، ولكل شيء جزاء، إلا الدمعة، فلا جزاء لها إلا الرحمة والمغفرة ودخول الجنة. والله تعالى أعلم. ***

стр. 121

الفصل الثامن والعشرون وفي الخبر أن النبي ﷺ فقد كعبا فسأل عنه، فقيل إنه مريض، فخرج يمشي حتى أتاه، فلما دخل عليه قال: "أبشر يا كعب"، فقالت له أمه: هنيئا لك الجنة يا كعب. فقال رسول الله ﷺ : "من هذه المتألية على الله؟ " قال: أمي. قال: "وما يدريك يا أم كعب، لعل كعبا قال ما لا يعنيه أو سمع ما لا يعنيه؟ ". وقال ﷺ : "العبادة تسعة أجزاء في الصمت، وجزء في الفرار من الناس" (١) . وفي الحكمة: تسعة أعشار العبادة في الصمت. وحكي أن مريم لما نذرت إلا تتكلم، وحبست لسانها لأجل الله تعالى، أطلق الله لسان صبي لا يعرف الخطاب، أنطقه الله لأجلها. فمن حفظ لسانه لأجل الله تعالى في الدنيا، أطلق الله لسانه بالشهادة عند الموت ولقاء الله تعالى. ومن سرّح لسانه في أعراض المسلمين، واتبع عوراتهم أمسك الله لسانه عن الشهادة عند الموت. وقال رسول الله ﷺ : "من كثر كلامه كثر سقطه، ومن كثر سقطه، كثرت ذنوبه، ومن كثرت ذنوبه، كانت النار أولى به" (٢) فلذلك كان الصّدّيق ﵁ يضع فيه حجرا ليمنع نفسه عن الكلام.

стр. 122

وسأل معاذ ﵁ رسول الله ﷺ : أيّ الأعمال أفضل، فأخرج لسانه، ووضع يده عليه. وأوصى عليّ ابن أبي طالب عنه ولده الحسن، فقال له: أمسك عليك لسانك، فان تلاف المرء في منطقه. وذكر أن عمر بن الخطاب ﵁ خطب الناس يوما، فقال: إن ربكم تعالى يقول: يا ابن آدم، لم تحرّض الناس على الخير، وتدع ذلك من نفسك؟ يا ابن آدم، لم تذكّر الناس وتنسى نفسك؟ يا ابن آدم، لم تدعوني وتفرّ مني؟ إن كان كما تقول، فاحبس لسانك، واذكر خطيئتك، واقعد في بيتك. وفي صحائف إبراهيم ﵇: على العاقل أن يكون بصيرا بزمانه، مقبلا على شأنه، حافظا للسانه. وعن مالك بن دينار رحمه الله تعالى أنه قال: إذا رأيت قساوة في قلبك، أو وهنا في بدنك، أو حرمانا في رزقك، فاعلم أنك تكلمت بما لا يعنيك. وقال لقمان الحكيم لابنه: يا بنيّ، من رحم يرحم، ومن يصمت يسلم، ومن يفعل الخير يغنم، ومن يفعل الشر يأثم، ومن لا يملك لسانه يندم. وأنشدوا: احفظ لسانك أيها الإنسان ... لا يقتلنك انه ثعبان كم في المقابر من قتيل لسانه ... كانت تهاب لقاءه الشجعان ويقال: إن جميع الأعضاء تبكّر كل يوم للسان، وتقول له: ناشدتك الله تعالى أن تستقيم، فإنك إن استقمت استقمنا، وإن اعوججت اعوججنا. وقال بعض الحكماء: احبس لسانك قبل أن يطول حبسك، وتتلف نفك، فلا شيء أولى بطول حبس من اللسان ليقصر على الصواب ويسرع إلى الجواب.

стр. 123

قال بعض الحكماء: ترك فضول الكلام يثمر النطق بالحكمة، وترك فضول النظر يثمر الخشوع والخشية، وترك فضول الطعام يثمر حلاوة العبادة، وترك الضحك يثمر حلاوة لهيبة، وترك الرغبة في الحرام يثمر المحبة، وترك التجسس عن عيوب الناس يثمر صلاح العيوب، وترك التوهم في الله ينفي الشك والشرك والنفاق. وأنشدوا: الصمت نفع والكلام مضرة ... فلربّ صمت في الكلام شفاء فإذا أردت من الكلام شفاء ... لسقام قلبك فالقرآن دواء واعلم أن التجسس عن عيوب الناس، وتطلب مساوئهم، يبدي العورات، ويكشف المخبّآت. وقد نهى الله عن ذلك في كتابه العزيز بقوله: ﴿وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً﴾ الحجرات ١٢. فاتق الله واشتغل بعيوبك عن عيوب الناس، ولا تكن كمثل الذباب الذي لا يعرج على المواضع السليمة من الجسد، ولا ينزل عليها، وإنما يقع على القروح فيدميها. فمن بحث عن مساوئ الناس واتبع عوراتهم، واشتغل بعيب غيره، وترك عيبه، سلط الله تعالى عليه من يبحث في عيبه ومساوئه ليشهّرها، ويتبع عورته ويبديها وينشرها (١) . فالعاقل السعيد من نظر في عيبه، وشغل بذلك عن عيوب غيره، وعن كل شيء سوى الله تعالى. وروي عن النبي ﷺ عن جبريل ﵇ عن الله تعالى، أنه قال:

стр. 124

يا موسى خمس كلمات ختمت بهن التوراة، فإن عملت بهن، نفعك علم التوراة، وإن لم تعمل بهنّ، لم ينفعك علم التوراة: أولهنّ: يا موسى، كن واثقا برزقي المضمون لك ما لم تر خزائني نفدت. الثانية: يا موسى، لا تخافنّ سلطان الأرض ما لم تر سلطاني زائلا. والثالثة: يا موسى، لا تجسس عن عيب أحد ما لم تخل من العيوب. الرابعة: يا موسى، لا تدعنّ محاربة الشيطان ما دام روحك في جسدك. الخامسة: يا موسى، لا تأمن عقابي ولو رأيت نفسك في الجنة. وقال: يا أخي، إياك أن تعيّر أحدا بما فيه، فاني أخشى أن يبتليك الله ويعافيه، ولا تستر على الفاجر الظاهر فجوره، ولا على من لا يستتر بالمعصية ويعلن بها. قال رسول الله ﷺ : "لا يرى امرؤ من أخيه عورة، فيسترها عليه إلا أدخله الله الجنة". وقال ﷺ : "من أقال مسلما عثرته، أقال الله عثرته يوم القيامة" (١) ويقال إن أبا حنيفة ﵁ كان يسكن بجواره شاب مولّع بشرب الخمر، فكان أبو حنيفة يسهر الليل على النظر في الكتب والقراءة، وكان بينه وبين الشاب جدار، فكان يشرب ويتمثل: سأنشدهم إذا ما هم جفوني ... أضاعوني وأي فتى أضاعوا ويكثر التردد بهذا البيت، فكان أبو حنيفة يستأنس بكلامه. فلما كان ذات ليلة، لم يسمع له أبو حنيفة حسا، فلما خرج لصلاة الصبح سأل عنه فقيل له: إن صاحب الشرطة لقاه مخمورا، فحمله إلى السجن، فلما صلى أبو

стр. 125

حنيفة، مضى إلى منزل صاحب الشرطة، واستأذن عليه، واعلمه بنفسه، فخرج إليه صاحب الشرطة حافي القدمين، عاري الرأس، وقبّل يده، وقال: يا سيدي، وما بلغ من قدري حتى تأتيني إلى منزلي؟ فقال أبو حنيفة: إني جئتك في قضية جار لي سجن الليلة، فقال: أشهدك يا سيدي أني أطلقته وجميع من سجن في تلك الليلة. قال: وانصرف أبو حنيفة والرجل معه. ثم التفت إليه، وقال: هل ضيّعناك يا أخي، أم قمنا بحقك رعيا لقولك: أضاعوني وأي فتى أضاعوا؟ فقال: لا والله لم تضيّعني، بل رعيتني، جزاك الله عن الجوار خيرا، وأشهدك أني تائب لوجه الله تعالى. قال: فلزم الإمام، وعبد الله تعالى حتى أتاه اليقين. **

стр. 126

الفصل التاسع والعشرون قال رسول الله ﷺ لأبي هريرة: "يا أبا هريرة، إن أحببت أن يفشي الله لك الثناء، الحسن الجميل في الدنيا والآخرة، فكف لسانك عن المسلمين". وقال ﷺ : "ما صام من ظل يأكل لحوم الناس" (١) . وقال عمر بن الخطاب ﵁: أبغض عباد الله إلى الله كل طعّان لعّان. وقال سعيد بن عامر عن النبي ﷺ : من دعا رجلا بغير اسمه، لعنته الملائكة (٢) . قال رسول الله ﷺ : "إن العبد يعطى كتابه يوم القيامة، فيرى فيه حسنات لم يكن عملها قط، فيقول: يا رب، من أين هذه الحسنات؟ فيقول: باغتياب الناس فيك وأنت لا تعلم" (٣) . وقال حاتم الأصمّ: ثلاثة إذا منّ في مجلس فالرحمة مصروفة عنه: ذكر الدنيا، والضحك، والوقيعة في الناس. واعلم رحمك الله، إن النميمة تفسد الدين والدنيا، وتغيّر القلوب، وتولّد البغضاء، وسفك الدماء، والشتات. قال الله العظيم: ﴿وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾ القلم ١٠-١٣. وسئل رسول الله ﷺ عن الغيبة فقال: "أن تذكر أخاك بما هو فيه غائب عنك، وإن ذكرته بما ليس فيه فقد بهته" (٤) أي فذلك البهتان.

стр. 127

وقال ﷺ : "شرّ عباد الله المشاؤون بالنميمة، المفرّقون بين الأحبّة" (١) . وقال ﷺ : "لا يدخل الجنة قتات" (٢) . وقال ﷺ : "من مشى بين اثنين بالنميمة، سلط الله عليه نارا في قبره تحرقه إلى يوم القيامة. وحيّة تنهشه حتى يدخل النار". قال ﷺ : "من ألقى بين اثنين عداوة، فليتبوأ مقعده من النار، ومن أصلح بينهما، فقد وجبت له على الله الجنة". قال بعض الحكماء: النميمة تهدي إلى القلوب البغضاء، ومن واجهك فقد شتمك، ومن نقل إليك فقد نقل عنك، والسّاعي بالنميمة كاذب لمن يسعى إليه، وخائن لمن يسعى به. قال الشاعر: احفظ لسانك لا تؤذي به أحدا ... من قال في الناس عيبا قيل فيه بمثله قال الأصمعي: شاهدت أعرابية وهي توصي ابنها، فقالت: يا بنيّ، أمنحك وصيّتي وبالله التوفيق، فإياك والنميمة، فإنها تورث العداوة بين الأهلين، وتفرّق بين المحبين، وإياك والتعرّض للعيوب، فتصير لها أهلا، وإيّاك والجود بدينك، والبخل بمالك، ومثل لنفسك مثالا من غيرك، فما استحسنته من الناس فافعله، وما استقبحته منهم فاجتنبه، فان المرء لا يرى عيب نفسه. ثم أمسكت، فقلت: يا أعرابية، بالله إلا زدتيه، فقالت: يا حضريّ، أعجبك كلام العرب؟ فقلت: أى والله. فقالت: يا بني، إياك والغدر فانه أقبح ما تعامل به الناس، واجمع بين السخاء والعلم، والتواضع والحياء، وأستودعك الله، وعليكم السلام.

стр. 128

واعلم رحمك الله أن الغيبة أشد من ثلاثين زنية في الإسلام. وقال بعض أهل العلم: الغيبة تنقض الوضوء، وتفطّر الصائم. وكان بعض الفقهاء يعيد الوضوء من الغيبة. وقيل: مثل صاحب الغيبة كمثل من نصب منجنيقا، فهو يرمي به حسناته يمينا وشمالا، وشرقا وغربا. وأوحى الله تعالى إلى موسى ﵇: أتحب أن أنصرك على عدوّك؟ قال: بم؟ قال: بردّك الغيبة عن المسلمين. ومن مات تائبا عن الغيبة والنميمة، فهو آخر من يدخل الجنة، ومن مات وهو مصر عليهما، فهو أول من يدخل النار. وقال سليمان ﵇: يا رب، أي الأعمال أفضل وأحب إليك؟ فقال تعالى عشر خصال يا سليمان، أدها أن لا تذكر أحدا من عبادي إلا بخير، ولا تغتب أحدا ولا تجسّه. فقال: ربّ، احبس عني السبعة فقد كربني هؤلاء. وقال عطاء السليمي: عذاب القبر ثلاث أثلاث: ثلث من البول وثلث من الغيبة، وثلث من النميمة. فإيّاك يا أخي والتعرّض للأقدار، وأن تغتاب أحدا بما أودع فيه الجبار، فان المولى ﷻ أعلم به، وأحكم ولو شاء لأهلكه وانتقم. يروى أن عيسى ﵇ مرّ ببعض الأنهار، فإذا بصبيان يلعبون في ذلك النهر، ومعهم صبي أعمى قد كف بصره، وهم يغمسونه في الماء، ويفرّون منه يمينا وشمالا، وهو يطلبهم ولا يظفر بهم. ففكر عيسى ﵇ في أمره، ودعا ربه أن يردّ عليه بصره، وأن يساوي بينه وبين أصحابه.

стр. 129

فردّ عليه بصره، فلما فتح عينيه ورآهم وثب على واحد منهم، فتعلق به ولم يزل يغمسه في الماء حتى قتله، وطلب آخر فتعلق به كذلك حتى مات، وهرب الباقون. فرأى عيسى ﵇ ذلك، فتعجب، وقال: يا الهي، وسيدي ومولاي، أنت بخلقك أعلم، فدعا ربه أن يردّه كما كان ويكفيهم أمره. فأوحى الله تعالى إلى عيسى ﵇: قد كنت أعلمتك وتعرّضت إليّ في حكمي وتدبيري، فخرّ عيسى ﵇ ساجدا. واعلم أنه لا يجري في هذا العالم أمر إلا وللمولى فيه حكم تدبير. عن بعض السلف أنه قال: إذا كان يوم القيامة، اجتمع القوم الذين كان يتجالسون على غير طاعة الله تعالى، ويتعاونون على المعاصي، فيجثون على الرّكب، ويعض بعضهم بعضا، وينهش بعضهم بعضا، كالكلاب، وهم الذين خرجوا من الدنيا على غير توبة. قال الفقيه أبو الحسن علي بن فرحون القرطبي ﵀ في كتابه المعروف بالزاهر، كان لي عم، وتوفى في مدينة قاس سنة خمس وخمسين وخمسمائة، فرأيته بعد ذلك في المنام وهو داخل عليّ في داري، فقمت إليه ولاقيته بقرب الباب، وسلمت عليه، ودخلت خلفه، فلما توسّط في البيت، قعد واستند بظهره إلى الجدار، فقعدت بين يديه، فرأيته شاحب اللون متغيّرا، فقلت له: يا عمّاه، ماذا لقيت من ربك؟ قال: ما يلقى من الكريم يا بنيّ، سمح لي في كل شيء إلا في الغيبة، فاني منذ فرقت الدنيا إلى الآن محبوس فيها، ما سمح لي بعد فيها، فأنا أوصيك يا بنيّ: إيّاك والغيبة والنميمة، فما رأيت في هذه الدار شيئا أشد بطشا وطلبا من الغيبة. وتركني وانصرف. وأنشدوا:

стр. 130

يموت كل الأنام طرّا ... من صالح كان أو خبيث فمستريح ومستراح ... منه كما جاء في الحديث وقال سعيد بن جبير ﵁ قال: يؤتى بالعبد يوم القيامة فيدفع له كتابه، فلا يرى فيه صلاته ولا صيامه، ويرى أعماله الصالحة، فيقول يا رب، هذا كتاب غيري، كانت لي حسنات ليس في هذا الكتاب، فيقال له: إن ربك لا يضل ولا ينسى، ذهب عملك باغتيابك الناس. فإيّاك يا أخي والغيبة والنميمة، فإنهما يضرّان بالدين، ويحبطان عمل العاملين، وتورث العداوة بين المسلمين، أعاذنا الله منهم. **

стр. 131

الفصل الموفى ثلاثين قال رسول الله ﷺ : "إن الله تعالى حرّم من المسلم دمه وماله وعرضه". فالغيبة بالقلب حرام، كما هي باللسان حرام، إلا إن يضطرّ لمعرفته، بحيث لا يمكنه التجاهل، فحدّ الغيبة كما بيّنه رسول الله ﷺ وهو أن تذكر أخاك بما يكرهه إن بلغه أو سمعه، وإن كنت صادقا سواء ذكرت نقصانا في نفسه، أو عقله، أو ثوبه، أو في فعله، أو في قوله أو في دينه، أو في داره، أو في دابته، أو في ولده، أو في عبده، أو في أمته، أو بشيء ما يتعلق به، حتى قولك: إنه واسع الكم، طويل الذيل. وقد ذكر رجل عند رسول الله ﷺ ، فقيل: ما أعجزه، فقال: "اغتبتموه". وأشارت عائشة ﵂ إلى صفيّة، وقالت لها كذا وكذا، وأشارت بيدها، تعني قصرها، فقال رسول الله ﷺ : "اغتبتها يا عائشة"، فقالت: يا رسول الله، أليست هي قصيرة؟ قال: "إنك ذكرت أقبح شيء فيها". والغيبة لا تقتصر على اللسان، بل كل ما يفهم منه عرض يكرهه المذكور فيه إن بلغه أو سمعه، باليد، أو بالرجل، أو بالإشارة، أو بالحركة، أو بالتعرّيض أو بالمحاكاة، فهي غيبة. وقد عظم الله تعالى أمر الغيبة، فقال تعالى: ﴿وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ الحجرات ١٢. وقال تعالى: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ الهمزة ١. فقيل معناه الطاعن في الناس، الذي يأكل لحوم الناس. وقال رسول الله ﷺ : "مررت ليلة أسري بي على قوم يخمشون وجوههم

стр. 132

بأظفارهم، فقيل لي: هؤلاء الذين يغتابون الناس". وقال رسول الله ﷺ : "ما النار في اليبس بأسرع من الغيبة في حسنات العبد". روي عن عبد الملك بن حبيب رحمه الله تعالى بإسناده عمّن حدّثه أنه قال لمعاذ بن جبل: يا معاذ حدّثني حديثا سمعته من رسول الله ﷺ . قال: قال لي رسول الله ﷺ : "يا معاذ إني محدثك حديثا، إن أنت حفظته نفعك الله، وإن ضيّعته ولم تحفظه، انقطعت حجتك عند الله يوم القيامة. يا معاذ: الله خلق سبع أملاك قبل أن يخلق السموات والأرض، فجعل لكل سماء ملكا بوّابا عليها، فتصعد الحفظة بعمل العبد من حين يصبح إلى حين يمسي، له نور كنور الشمس، حتى إذا بلغت به إلى سماء الدنيا، فتزكيه وتكثره، فيقول الملك الموكل بها للحفظة: اضربوا بهذا العمل وجه صاحبه، أنا صاحب الغيبة أمرني ربي أن لا أدع عمل من اغتاب الناس يجاوزني إلى غيري. ثم تأتي الحفظة بعمل صالح من العبد، فتزكيه وتكثره، حتى تبلغ به إلى السماء الثانية، فيقول لهم الملك الموكل بها: قفوا واضربوا بهذا العمل وجه صاحبه، انه أراد بهذا العمل عرض الدنيا، أمرني ربي أن لا أدع عمله يجاوزني إلى غيري، إنه كان يفتخر على الناس في مجالسهم. قال: وتصعد الحفظة بعمل العبد يبتهج نورا من صدقة وصيام، وقد أعجب الحفظة، فيجاوزون به إلى السماء الثالثة، فيقول لهم الملك الموكل بها: قفوا واضربوا بهذا العمل وجه صاحبه، أنا ملك الكبر، أمرني ربي إلا أدع عمله يجاوزني إلى غيري، انه كان يتكبّر على الناس. قال: وتصعد الحفظة بعمل العبد يزهر كما يزهر الكوكب الدري وله دويّ من صلاة وتسبيح وحج وعمرة، حتى يجاوزوا به إلى السماء الرابعة فيقول لهم الملك الموكل بها، قفوا واضربوا بهذا العمل وجه صاحبه ظاهره وباطنه، أنا صاحب

стр. 133

العجب، أمرني ربي أن لا أدع عمله يجاوزني إلى غيري، إنه كان إذا عمل عملا أدخل العجب فيه. قال: وتصعد الحفظة بعمل العبد من صلاة وصوم وصدقة وزكاة وحج وعمرة، حتى يجاوزوا بها إلى السماء الخامسة كأنه العروس المزفوفة، فيقول لهم الملك الموكل بها: قفوا واضربوا بهذا العمل وجه صاحبه، واحملوه على عاتقه، أنا ملك الحسد، انه كان يحسد من يتعلم، ولا يعمل بمثل عمله، وكل من كان يأخذ فضلا من العبادة كان يحسده، أمرني ربي أن لا أدع عمله يجاوزني إلى غيري. قال: وتصعد الحفظة بعمل العبد من صلاة وزكاة وحج وعمرة وصيام، فيجاوزون به إلى السماء السادسة، فيقول لهم الملك، قفوا واضربوا بهذا العمل وجه صاحبه، انه كان لا يرحم إنسانا ولا مسكينا من عباد الله تعالى قط إذا أصابه بلاء أو ضرّ، بل كان يشمت به، أنا ملك الرحمة، أمرني ربي أن لا أدع عمله يجاوزني إلى غيري. قال: وتصعد الحفظة بعمل العبد من صلاة وصوم وجهاد وورع، له دويّ كدويّ النحل، وضوء كضوء الشمس، ومعه ثلاث آلاف ملك، فيجاوزون به السماء السابعة: فيقول لهم الملك الموكل بها: قفوا واضربوا بهذا العمل وجه صاحبه، واقفلوا على قلبه، إني أحجب عن ربي كل عمل لم يرد به ربي، إنما أراد بعمله رفعة عند الفقهاء، وذكرا عند العلماء، وصيتا في المدائن، أمرني ربي أن لا أدع عمله يجاوزني إلى غيري، وكل عمل لم يكن لوجه الله خالصا، فهو رياء ولا يقبل الله عمل المرائي. قال: وتصعد الحفظة بعمل العبد من صلاة وزكاة وعمرة وخلق وحسن وصمت، وذكر الله تعالى، فتشيّعه ملائكة السموات السبع، حتى يقطعوا الحجب كلها، ويقفوا بين يدي الله تعالى، ويشهدوا له بالعمل الصالح لله تعالى، فيقول لهم: أنتم الحفظة على عبدي، وأنا الرقيب على قلبه، انه لم يردني بهذا العمل، وأراد به

стр. 134

غيري، فعليه لعنتي ولعنة أهل السموات والأرض، فتقول الملائكة كلها: عليه لعنتك ولعنتنا، وتقول السموات كلها: عليه لعنة الله ولعنتنا، وتلعنه السموات السبع ومن فيهنّ". قال نعاذ: قلت: يا رسول الله، أنت رسول الله، وأنا معاذ. قال: "اقتد بي، وإن كان في عملك نقص، يا معاذ، احفظ لسانك من الوقيعة في لسانك من إخوانك من حملة القرآن، واحمل ذنوبك، ولا تحملها عنهم، ولا تركّ نفسك بذمّهم ولا توقع نفسك عليهم، ولا تدخل الدنيا في عمل الآخرة، ولا تتكبّر في مجلسك لكي يحذر الناس من سوء خلقك، ولا تمازح رجلا وعندك آخر، ولا تتعاظم على الناس، فتقطع عنك خيرات الدنيا والآخرة، ولا تمزق لحوم الناس بلسانك، فتمزقك كلاب النار يوم القيامة بالنار، قال الله تعالى: ﴿وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطاً﴾ النازعات ٢. هل تدري ما هنّ يا معاذ؟ " قلت: ما هنّ بأبي وأمي يا رسول الله؟ قال: "كلاب من نار تنشط العظم واللحم". قال: قلت: يا رسول الله من يطيق هذه الخصال، ومن ينجو منها؟ قال: "يا معاذ، إنه يسير على من يسّره الله تعالى عليه". قال: فما رأيت أحدا أكثر تلاوة للقرآن من معاذ لهذا الحديث (١) .

стр. 135

الفصل الحادي والثلاثون قال رسول الله ﷺ : "المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده" (١) . وقال: "المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يسلمه" (٢) . وقال: "المسلمون كرجل واحد، إذا اشتكى رأسه، تداعى بقيّة جسده بالحمّى السهر" (٣) . وقال رسول الله ﷺ : "من سرّه أن يسلم فليلزم الصمت". وقال معاذ ﵁ لرسول الله ﷺ : يا رسول الله، أنؤاخذ بما نقول؟ فقال: "ثكلتك أمك يا ابن جبل، وهل يكبّ الناس في النار على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم؟! " (٤) . وقيل لعيسى ﵇: دلنا على عمل ندخل به الجنة، قال: فلا تنطقوا أبدا. قالوا: لا بدّ لنا من ذلك. قال: فلا تنطقوا إلا بخير. وقال ﷺ : "اخزن لسانك إلا من خير، فانك بذلك تغلب الشيطان" (٥) . وقال ﷺ : "إن الله تعالى عند كل لسان ناطق، فليتق الله امرؤ علم ما يقول" (٦) . وقال ﷺ : "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت" (٧) .

стр. 136

وقال ﷺ : "رحم الله عبدا قال خيرا أو صمت" (١) . وقال ﷺ : "إن أكثر خطايا ابن آدم في لسانه" (٢) . وقال ﷺ : "لسان العاقل من وراء قلبه، فإذا أراد الكلام رجع إلى قلبه، فان كان له تكلم، وإن كان عليه امسك، وقلب الجاهل من وراء لسانه، فهو يتكلم بكلّ ما عرض له". وقال ﷺ : "إن الرجل ليتكلم بالكلمة من رضوان الله تعالى، ما كان يظن أن تبلغ ما بلغت، يكتب الله له بها رضوانه إلى يوم القيامة" (٣) . وقال ﷺ : "إن الرجل ليتكلم بالكلمة ما يلقي لها بالا يهوي بها في نار جهنم، وإن الرجل ليتكلم بالكلمة ما يلقي لها بالا يرفعه الله بها إلى الجنة" (٤) . وإيّاك يا أخي، والعجب، فانه مذموم كيف كان: بالنفس أو بالفعل أو بالقول، ولا تغترّ بفعلك ولا بقولك، فإن الله تعالى يقول: ﴿فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ . النجم ٣٢. وقال ﷺ : "ثلاث مهلكات: شحّ مطاع، وهوى متبع، وإعجاب المرء بنفسه" (٥) . وقال ﷺ : "لو لم تذنبوا، لخشيت عليكم ما هو أشد من الذنب، وهو العجب" (٦) . وقيل لعائشة ﵂: متى يكون الرجل مسيئا؟ قالت: إذا ظنّ أنه محسن. وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: الهلاك في اثنتين القنوط والعجب.

стр. 137

وإنما جمع بينهما، لأن القانط لا يطلب السعادة لقنوطه، وإن المعجب لا يطلبها لظنه أنه ظفر بها. وذكر ابن عباس ﵄ أنه قال يوما: أنا من الراسخين في العلم، وقال يوما: سلوني قبل إن تفقدوني، فلما انصرف إلى منزله، بعث الله ملكا في صورة آدمي، فدق عليه الباب، فخرج إليه عبد الله بن عباس، فقال له الملك: يا ابن عباس: ما تقول في النملة مع صغرها، أين روحها في مقدّمها، أو في مؤخرها؟ فلم يجد جوابا فدخل منزله، وأغلق بابه، وآلى على نفسه أن لا يدّعي علما أبدا. قال الله تعالى: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ يوسف ٧٦. وذكر أنه حضر بعض النحويين في مجلس ابن شمعون الوعظ، وكان من الزهاد، فكأن النحويّ أخذ على الشيخ لحنا في لسانه، وغلظا في كلامه، فانقطع عنه النحويّ، ولم يأت إلى مجلسه، فكتب إليه ابن شمعون: أراك من الإعجاب رضيت أن تقف دون الباب، أما سمعت رسالة بعض العارفين إلى بعض المتأدبين. كتب إليه: من اعتمد على ضبط أقواله، لحن في أفعاله، انك رفعت وخفضت وجزمت وتهت وانقطعت. ألا رفعت إلى الله جميع الحاجات؟ إلا خفضت صوتك عن المنكرات؟ إلا نصبت بين عينيك ميزان الممات، أما علمت أنه لا يقال غدا لعبد: لم لم تكن معربا وإنما يقال له: لم كنت مذنبا. يا هذا، ليس المرغوب الفصاحة في المقال، وإنما المرغوب الفصاحة في الفعال. ولو كانت الفصاحة محمودة في المقال دون الفعال، لكان هارون أولى بالرسالة من موسى ﵉، قال الله تعالى إخبارا عن قول موسى: ﴿وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَاناً﴾ القصص ٣٤. فجعلت الرسالة لموسى لفصاحة أفعاله، والله أعلم حيث يجعل رسالته.

стр. 138

وأنشدوا: ولاحن في الفعال ذو زلل ... حتى إذا جاء قوله وزنه قال وقد أكسبه لفظه ... تيها وعجبا أخطأن يا لحنه قلت أخطأ الذي يقوم غدا ... ولا يرى في كتابه حسنه روي أن رجلا نظر إلى بشر بن منصور السليمي رضي الله تعالى عنه وهو يطيل الصلاة، ويحسن العبادة، فلما فرغ قال له: لا يغرّنك ما رأيت مني، فان إبليس، لعنه الله، عبد الله آلافا من السنين ثم صار إلى ما صار إليه. فمن سعادة المرء أن يقرّ على نفسه بالعجز والتقصير في جميع أفعاله وأقواله. قيل المهلكات أربع هي: أنا، ونحن، ولي، وعندي. قال رسول الله ﷺ : "النادم على الذنب كمن لا ذنب له" (١) ، " النادم ينتظر الرحمة، والمعجب ينتظر المقت من الله تعالى" (٢) . قال أبو الدرادء ﵁: إن ناقدت الناس ناقدوك، وإن تركتهم لم يتركوك، وإن هربت منهم أدركوك، فالعاقل من وهب نفسه وعرضه ليوم فقره، وما تجرّع مؤمن أحب إلى الله من غيظ كظمه، فاعفوا يعزكم الله، وإياكم ودمعة اليتيم، ودعوة المظلوم، فانها تسري بالليل والناس نيام. وقال عبد الله بن مسعود ﵁: أعظم الخطايا الكذب، وسب المؤمن فسوق، وقتاله كفر، وحرمة ماله كحرمة دمه، ومن يعف يعف الله عنه، ومن يكظم الغيظ يأجره الله ومن يغفر، يغفر الله له، ومن يصبر على الرزيّة يعقبه الله خيرا منها. وعن عبد الله بن عباس ﵄ أنه قال: لما أخذ موسى ﵇ الألواح، نظر فيها، وقال: الهي، أكرمتني بكرامة لم تكرم بها أحدا من قبلي، فأوحى الله تعالى إليه: أتدري لما فعلت ذلك بك؟ قال: لا. قال: نظرت إلى قلوب عبادي،

стр. 139

فلم أجد قلبا أشد تواضعا من قلبك، فلذلك: ﴿إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاتِي وَبِكَلامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ الأعراف ١٤٤. يا موسى: إنما أقبل من تواضعي لعظمتي، ولم يتعاظم على خلقي، وألزم قلبه خوفي، وقطع نهاره بذكري، وكفّ لسانه عن الشهوات لأجلي. وقال رسول الله ﷺ : "ما من جرعة أحب إلى الله تعالى من جرعة غيظ كظمها رجل، ومن كظم غيظا هو قادر على إنفاذه، ملأ الله قلبه أمنا وإيمانا". وحكي أن غلاما لجعفر الصادق ﵁ سكب على يده الماء في الطشت، فطار الماء على ثوبه، فنظر إليه جعفر نظرة منكرة، فقال العبد: يا مولاي: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾ قال: كظمت غيظي. قال الغلام: ﴿وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ قال عفوت عنك. قال الغلام: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ آل عمران ١٣٤، قال اذهب، أنت حرّ لوجه الله تعالى، ولك من مالي ألف دينار. وعن عبد الله بن مسعود ﵁، قال: ينبغي لحامل القرآن أن يعرف بليله، إذا الناس نائمون، وبنهاره إذا الناس مفطرون، وبحزنه إذا الناس يفرحون، وببكائه إذا الناس يضحكون، وبصمته إذا الناس يخالطون، وبخشوعه إذا الناس يختالون، وينبغي لحامل القرآن أن يكون باكيا محزونا، حليما سكوتا، ولا ينبغي لحامل القرآن أن يكون جافيا، ولا غافلا، ولا سخابا، ولا صيّاحا، لا حديدا، ولا منزعجا. قال بعض الزاهدين: اغتنموا من زمانكم خمسا: إن حضرتم لم تعرفوا، وإن غبتم لم تفقدوا، وإن شهدتم لم تشاوروا، وإن قلتم شيئا لم يقبل قولكم، وإن عملتم شيئا لم تغبطوا به. وأوصيكم بخمس أيضا: إن ظلمتم لم تظلموا، وإن مدحتم لم تفرحوا، وإن ذممتم لم تجزعوا، وإن كذبتم لم تغضبوا، وإن خانوكم فلا تحزنوا. **

стр. 140

الفصل الثاني والثلاثون اعلم أن الربا من المهلكات وهو أخفى من دبيب النمل على الصفاء في الليلة الظلماء، وإن أدنى الربا كالذي يزني مع أمه والزنية مع الأم أعظم الأمور وزرا من سبعين زنية مع غيرها. قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ البقرة ٢٧٨. وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ البقرة ٢٧٥. وقال رسول الله ﷺ : "درهم الربا أشد عند الله من ست وثلاثين زنية في الإسلام" (١) . وقال سمرة بن جندب ﵁: كان رسول الله ﷺ إذا صلى صلاة الغداة، اقبل علينا بوجهه الشريف، وقال: "هل رأى أحد منك رؤيا؟ " قلنا: لا يا رسول الله، فذكر ﷺ حديث الربا. قال: ثم انتقلنا حتى أتينا على نهر من دم وفيه رجل قائم، وعلى شاطئ النهر رجل قائم، وبين يديه حجارة، فأقبل الرجل الذي في النهر ليخرج، فلما أراد إن يخرج، رماه الرجل بحجر فيه، فردّه حيث كان، فجعل كلما جاء ليخرج رمى فيه حجرا، فرجع كما كان. قال: "فسألت عنه فقيل لي: هذا آكل الربا يفعل به هكذا يوم القيامة. وقال موسى ﵇: يا رب، ما جزاء من يأكل الربا ولم يتب منه؟ قال: يا موسى أطعمه يوم القيامة من شجر الزقوم.

стр. 141

وأنشدوا: أيا الذي قلبه ميّت ... بأكل الربا ازدجر وانتبه فكم نائم نام في غبطة ... أتته المنيّة في نومته وكم من مقيم على لذة ... دهته الحوداث في لذته وكم من جديد على ظهرها ... سيأتي الزمان على جدته وأما آكل الحرام، قال الله تعالى في كتابه العزيز: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالاً طَيِّباً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ البقرة ١٦٨. وقال ﷺ : "إن لله ﵎ ملكا على بيت المقدس ينادي في كل يوم وليلة: من أكل حراما، لم يقبل الله منه صرفا ولا عدلا حتى يخرج ذلك الحرام من بيته، فان مات على ذلك، فأنا بريء منه". وقال ﷺ : "أخرجوا الأمانة من بيوتكم، وردّوها إلى أربابها، فإنكم تفعلوا فلن تنفعكم أعمالكم شيئا، ولا ينفعكم قول لا اله إلا الله مع الحرام في البيت". وقال ﷺ : "من اكتسب درهما حلالا، وأنفقه في حلال، غفر الله له كل ذنب إلا الربا والحرام". قال ﷺ : "طلب الحلال فرض على كل مسلم"، أي: بعد فريضة الإيمان (١) . وقال ﷺ : "من أكل لقمة الحرام، لم يقبل الله تعالى منه صلاة أربعين يوما". "وكل لحم أنبته السحت والحرام، فالنار أولى به" (٢) . وقال ﷺ : "من اكتسب مالا حراما، لم يقبل الله منه صدقة، ولا عتقا، ولا حجا، ولا عمرة، وكانت له بعدده أوزارا، وما بقي منه بعد موته كان زاده إلى النار". وقال ﷺ : "لو أن رجلا اشترى ثوبا بعشرة دراهم، وكان فيهم دراهم حرام، لم

стр. 142

يقبل الله تعالى منه عملا حتى يؤديه إلى أهله". ويروى في حديث آخر: "لم يقبل منه عملا ما دام عليه شيء منه" (١) . وقال ﷺ : "لو أن أصحاب المال الحرام استشهدوا في سبيل الله تعالى سبعين مرة لم تكن الشهادة لهم توبة، وتوبة الحرام ردّه إلى أربابه، والاستحلال منهم". وقال ﷺ : "من أكل الحلال أربعين يوما، نوّر الله تعالى قلبه، وأجرى ينابيع الحكمة على لسانه، ويهديه الله في الدنيا والآخرة". وفي المناجاة: أن الله تعالى يقول لموسى ﵇: إن أردت أن تدعوني، فصن بطنك عن الحرام، وقل: يا ذا المنّ القديم، والفضل العميم، يا ذا الرحمة الواسعة، فأنّى أجيبك فيما سألتني. وقال عبد الله بن عمر ﵁: لو صمتم حتى تكونوا كالحنايا، وصليّتم حتى تكونوا كالأوتار، لم يقبل منكم إلا بورع حاجز. وقال بعض أهل العلم: الدنيا حلالها حساب، وحرامها عقاب، والحرام داء لا دواء له إلا الفرار للرحمن من أكله. وأنشدوا في المعنى: أشبّه من يتوب على حرام ... كبيض فاسد تحت الحمام يطول عناؤه في غير شغل ... وآخره يقوم بلا تمام إذا كان المقام على حرام ... فلا معنى لتطويل القيام وقال يحيى بن معاذ رضي الله تعالى عنه: الطاعة مخزونة في خزائن الله تعالى، ومفتاحها الدعاء، وأسنانها أكل الحلال، فإذا لم يكن في المفتاح أسنان، فلا يفتح

стр. 143

الباب، وإذا لم تفتح الخزانة كيف يتوصل إلى ما فيها من الطاعة. فصن لقمتك، وأطب طعمتك حتى يتبين لك مبيض صالح العمل من مسود خيط الأمل من فجر الأجل، ثم أتم صيام الجوارح عن حرام طعام الآثام إلى ليل القيام فتفطر على فوائد موائد ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾ . الحاقة ٢٤. ومن لم يجتنب الحرام من الطعام، أفطر بعد طول الصيام على مرارة حرارة ثمرة الزقوم، فيا له من طعام، ما أعظم ضرره، يفتت الفؤاد، ويقطع الأكباد، ويمزق الأجساد، ويورث الأنكاد في الميعاد. وقال سفيان الثوري رضي الله تعالى عنه: كنت أقرأ الآية فيفتح لي فيها سبعون بابا من العلم، فلما أكلت مال هؤلاء الأمراء، صرت أقرأ الآية فلم يفتح لي فيها باب واحد. فالحرام من القوت نار تذيب شحمة الفكر، وتذهب لذة حلاوة الذكر، وتحرّق ثياب إخلاص النيّات، ومن الحرام يتولد عمى البصيرة وظلام السريرة. فاكتسب مالا حلالا، وأنفقه في قصد، واجتنب الحرام وأهله، ولا تجالسهم، ولا تأكل طعامهم، ولا تصحب من كسبه من الحرام، إن كنت صادقا في ورعك، ولا تدلّن أحدا على الحرام فيأكله هو وتحاسب أنت عليه، ولا تعنه أيضا على طلبه، فان المعين شريك. واعلم أنه إنما تقبل الأعمال من آكل الحلال. ويتعلق بذلك كتمان الفاقة والحسرات وإخفاء الأنين والزفرات، والركون في الخلوات. وأما أكل مال اليتيم فلو لم يكن فيه إلا ما نطق القرآن الكريم على لسان نبيه الكريم ﷺ حيث قال جل وعلا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا

стр. 144

يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً﴾ النساء ١٠. وقال تعالى: ﴿وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً﴾ الإسراء ٣٤. وأما الخيانة في الوزن والكيل، فاجتنب ذلك يا أخي ما استطعت، فان الله تعالى قد أمرك بالعهد فيهما في قوله تعالى: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾ المطففين ١، ٣. وإيّاك يا أخي أن تغتبط بشيء من حقوق المسلمين، فإن البركة لا تكون مع الخيانة، وإن قليلا من الحرام يتلف كثيرا من الحلال. وإياك يا أخي إن خنت درهما، خانك إبليس في سبعين درهما. قال رسول الله ﷺ : "ثلاثة من كنّ فيه فهو منافق، وإن صلى وصام: من إذا حدّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان" (١) . وقال بعضهم: دخلت لزيارة جار لي كان يبيع الحنطة، فلما قعدت عند رأسه وهو يقول: جبلان من نار، فسألت زوجته، فقالت: إنه كال له مدّان، أحدهما كبير والآخر صغير، فإذا ابتاع من أحد شيئا اكتال بالمدّ الكبير، وإذا باع هو لأحد شيئا، كال له بالمد الصغير، فعلمت إن المدّين هما اللذان تصورا له جبلين من نار. قيل، وكان رجل بالبادية لبان يخلط اللبن بالماء، فجاء السيل، فذهب بالغنم، فجعل يبكي ويقول: اجتمعت تلك القطرات، فصارت سيلا، ولسان الجزاء يناديه: ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ الحج ١٠. واعلم أن السرقة والخيانة أمران مهلكان ضارّان بالدين.

стр. 145

وفي المناجاة أن الله ﵎ قال لموسى ﵇: ستة ناري وغضبي، فأولهم من طال عمره وساء خلق، وغنيّ سارق، وعالم فاسق، ومن أتاني على غير توبة، ومن لقيني بدم مؤمن متعمدا، ومن منع حق امرئ مسلم وأكله غضبا. وقال ﷺ : "من غشنا فليس منا" (١) . ذكر أنه وجدت على صخرة بيت المقدس مكتوب عليها ست كلمات: كل عاص مستوحش، وكل مطيع مستأنس، وكل خائف هارب، وكل راج طالب، وكل مقتنع غني، وكل حريص فقير. وأما الأيمان الكاذبة، فانه روي عن رسول الله ﷺ أنه قال: "الحلف الحنث أو ندم" (٢) . وقيل: مرّ رسول الله ﷺ برجل من أصحابه وهو يضرب عبدا له، والعبد يقول له: أسألك بوجه الله تعالى إلا ما تركتني، وهو يزيد في ضربه، فسمع رسول الله ﷺ صياح العبد، فانطلق إليه، فلما رآه السيّد أمسك فقال رسول الله ﷺ : "سألك بوجه الله العظيم، فلم تعف عنه، فلما رأيتني، أمسكت يدك"، فقال: يا رسول الله أشهدك أنه حر لوجه الله تعالى العظيم، فقال له رسول الله ﷺ : "لو لم تفعل، للفحت النار وجهك". فإياك والتعرض لمقت الله تعالى بكثرة الأيمان، فإن الله تعالى يقول: ﴿وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ﴾ البقرة ٢٢٤. وفي الإسرائيليات أن موسى ﵇ قال: يا رب، ما لمن يحلف بك كاذبا؟ قال: أجعل لسانه بين جمرتين أحقابا. قال: يا رب فما على من اقتطع مال مسلم بيمين فاجرة؟ قال: أقطع حظه من الجنة. وقال رسول الله ﷺ : "إن الله تعالى أذن لي أن أحدّث عن ملك من حملة
следующие страницы →