الفصل السادس عشر
يا تائها في الضلال بلا دليل ولا زاد، متى يوقظك منادي الرحيل فترحل عن الأموال والأولاد؟ قل لي: متى تتيقّظ وماضي الشباب لا يعاد، ويحك كيف تقدم على سفر الآخرة بلا زاد ولا راحلة. ستندم إذ حان الرحيل، وأمسيت مريضا تقاد، ومنعت التصرف فيما جمعت، وقطعت الحسرات منك الأكباد، فجاءتك السكرات، ومنع عنك العوّاد، وكفنت في أخصر الثياب، وحملت على الأعواد، وأودعت في ضيق لحد وغربة ما لها من نفاذ، تغدو عليك الحسرات وتروح إلى يوم التناد، ثم بعده أهوال كثيرة، فيا ليتك لمعاينتها لا تعاد.
فاغتنموا بضائع الطاعات، فبضائع المعاصي خاسرة ﴿كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ﴾ القيامة ٢٠ـ٢١.
وأنشدوا:
احذر دنياك وغرّتها ... واحذر إن تبد لها طلبا
تبغى ودّا ممن قدما ... لك قد قتلت أمّا وأبا
وعلى الجيران فقد جارت ... كلا قهرت أولت عطبا
كم من ملك ذي مملكة ... قد مال لها سكرا وصبا
أضحى في اللحد ومقعده ... بتراب اللحد قد احتجبا
اطلب مولاك ودع دنياك ... ففي أخراك ترى عجبا
كم من قصر قد شيد بنا ... بالموت وها أضحى خربا
يا طالبها لا تله بها ... كم من تاه ملك غضبا
أين الماضون قد سكنوا ... لحدا فردا خربا تربا
كانوا ومضوا ثم انقرضوا ... فتأدب أنت بهم أدبا
стр. 72
فالعمر مضى والشيب أتى ... والموت لجينك قد قربا
فأعدّ الزاد فما سفر ... عمر الأيام قد انتهبا
بادر بالتوب وكن فطنا ... لا تلق بجريتك النصبا
فلعل الله برحمته ... يلقي بالعفو لنا سببا
قال أبو سليمان الداراني ﵀: كنت أحمل الحطب من الجبال وأتقوّت به، وكان طريقي فيه التقوى والتحري، فرأيت جماعة من صلحاء البصرة في النوم، منهم الحسن ومالك بن دينار، وفرقد السّبخي.
فقلت لهم: أنتم أئمة المسلمين فدلوني على الحلال الذي ليس فيه تبعة، ولا للخلق فيه منّة، فأخذوا بيدي وأخرجوني من طرسوس إلى مرج فيه خبّازي، فقالوا لي: هذا هو الحلال الذي ليس فيه لله تبعة، ولا للخلق فيه منة.
قال: قعدت آكل منه دهرا نيئا، وآكل منه مطبوخا، فأوجدني الله تعالى قلبا طيبا.
قلت: إن كان أهل الجنة بالقلب الذي لي، فهم والله في عيش.
فخرجت يوما على باب البلد، وإذا بفتى يريد البلد، وكانت لي قطيعات بقيت لي من الحطب الذي كنت أبيعه قبل ذلك، فقلت: هذه لا أحتاج إليها، أدفعها لهذا الفقير ينفقها.
فلما دنا مني، أدخلت يدي لأخرجها له، فرأيته قد حرّك شفتيه، وإذا كل ما حولي من الأرض ذهب وفضة، حتى كاد يخطف بصري.
قال: ثم خرجت مرة أخرى، فرأيته قاعدا وبين يديه ركوة وفيها ماء، فسلمت عليه، ثم طلبت منه أن يكلمني فمدّ رجله، فقلب الركوة بمائها، ثم قال: كثرة الكلام تنشفّ الحسنات، كما تنشف هذه الأرض الماء، يكفيك.
قال محمد بن غسان صاحب الكوفة وقاضيها: دخلت على أمي في يوم عيد أضحى، فرأيت عندها عجوزا في أطمار رثة، وإذا لها بيان ولسان، فقلت لأمي
стр. 73
من هذه؟ فقالت: خالتك عانية أم جعفر بن يحيى البرمكي، وزير هارون الرشيد، فسلكت عليها، وسلمت علي، فسألتها عن حالها، وقلت لها: صيّرك الدهر إلى ما أرى!.
قالت: نعم يا بنيّ، إنما كنا في عوار ارتجعها الدّهر منا.
فقلت لها: حدّثني ببعض شأنك.
قالت: خذ جملة، وقس على ذلك. لقد مضى عليّ عيد مثل هذا منذ ثلاث سنين، وعلى رأسي أربعمائة وصيفة، وأنا أزعم أن ابني عاق، وقد كان بعث إليّ برسم الضاحي ألف رأس من الغنم، وثلاثمائة رأس من البقر، دون ما يتبع ذلك من الزينة واللباس، وقد جئتكم اليوم أطلب جلدي شاتين أجعل إحداهما شعارا، والآخر دثارا (١) ، تعني غطاء بليل.
قال: فغمّني ذلك من قولها، وكربني ما رأيت من حالها، وأبكاني والله قولها، فوهبت لها دنانير كانت عندي.
فانظر أخي حال الدنيا، وكيف يحوّل نعيمها وكيف يذهب ويزول، فالمغرور، والله من اغترّ بها، والمسعود من رأى عيبها وفرّ منها والمصائب في الدنيا أعداد: فواحد يصاب في الأموال والأولاد، والآخر يعرى من الإسلام بالطرد والإبعاد.
قال: بعض السادات: كنت جالسا عند الحسن البصري ﵁، فمرّ بنا قوم يجرون قتيلاـ، فلما رآه الحسن البصري، وقع مغشيا عليه، فلما أفاق من غشيته، سألته عن أمره فقال: إن هذا الرجل كان من أفضل العبّاد والزهاد وكبار السادات، فقلت له: يا أبا سعيد أخبرنا بخبره، وأطلعنا على أمره.
قال: إن هذا الشيخ خرج من بيته يريد المسجد ليصلي فيه، فرأى في طريقه
стр. 74
جارية نصرانية، فافتتن بها، فامتنعت عليه، فقالت: لا أتزوجك حتى تدخل في ديني، فلما طالت المدة، وزاد به الأمر جبذته شهوته، ثم غلبت عليه شقوته، فأجاب إلى ذلك، وبريء من دين الحنيفية.
فلما صار نصرانيا، وكان منه ما كان، خرجت المرأة من خف الستر، وقالت: يا هذا، لا خير فيك، خرجت من دينك الذي صحبته عمرك من أحل شهوة لا قدر لها، لكن أنا أترك دين النصرانية طلبا لنعيم لا يفنى عني طول الأبد في جوار الواحد الصمد، ثم قرأت: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ سورة الإخلاص.
فتعجب الناس من أمرها، وقالوا لها: أكنت تحفظين هذه السورة قبل هذا؟! قالت: لا والله ما عرفتها قط، ولكن هذا الرجل لما ألحّ عليّ، رأيت في النوم كأني دخلت النار، فعرض عليّ مكاني منها، فارتعبت وخفت خوفا شديدا، فقال لي مالك: لا تخافي ولا تحزني، فقد فداك الله بهذا الرجل منها، ثم أخذ بيدي، وأدخلني الجنة، فوجدت فيها سطرا مكتوبا. فقرأته، فوجدت فيه ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ الرعد ٣٩. ثم أقرأني سورة الإخلاص، فأقبلت أردّدها، ثم انبتهت وأنا أحفظها.
قال الحسن: فأسلمت المرأة، وقتل الشيخ على ردّته نصرانيا. نسأل الله العافية.
стр. 75
الفصل السابع عشر
يا من يذوب ولا يتوب، كم كتبت عليك الذنوب، ويحك خلّ الأمل الكذوب. واأسفا، أين أرباب القلوب، تفرّقت بالهوى في شعوب، ندعوك إلى صلاحك ولا تؤوب، واعجبا لك، ما الناس إلا ضروب.
يا دهر ما أقضاك من متلوّن ... في حالتيك وما أقلك منصفا
وغدوت للعبد الجهول مصافيا ... وعلى الكريم الحرّ سيفا مرهفا
دهر إذا أعطى استردّ عطاءه ... وإذا استقام بدا له فتحرّفا
لا أرتضيك وإن كرمت لأنني ... أدري بأنك لا تدوم على الصفا
ما دام خيرك يا زمان بشرّه ... أولى بنا ما قل منك وما كفى
روي عن الحسن البصري ﵁ أنه قال: أدركت أقواما، وصحبت طوائف، كان يأتي على أحدهم الخمسون سنة ونحوها ما طوى منهم أحد ثوبا قط لفراش ولا نوم، ولم يأمر أهله قد بعمل طعام، ولا جعل بينه وبين الأرض فراشا، ولقد كان يأكل أحدهم الأكلة، فيودّ أنها حجر في بطنه، وما كانوا يفرحون بشيء من الدنيا أقبل ولا يتأسفون على شيء منها أدبر، ولهي أهون عليهم من هذا التراب الذي تطؤونه بأرجلكم، ولقد كان أحدهم يعيش عمره مجهودا شديد الجهد، والمال الحلال إلى جنبه، فيقال له: إلا تأخذ من هذا المال شيئا لتقتات به؟ فيقول: لا والله، إني لأخاف إن أصبت منه شيئا يكون فساد لقلبي وديني.
ويروى عن سلمان الفارسي ﵁، أنه تزوّج امرأة من كندة يقال لها: صواب، فأتاها ووقف بباب البيت ونادى باسمها فلم تجبه.
فقال لها: يا هذه أخرساء أنت أم صمّاء؟ ألا تسمعين؟.
قالت: يا صاحب رسول الله ﷺ ، ما بي خرس ولا صم ولكن العروس تستحي أن تتكلم.
стр. 76
فدخل المنزل، فإذا بالأستار والأرياش ولباس الديباج، فقال: يا هذه أبيتك هذا محموم فدثرته، أم تحوّلت الكعبة في كندة.
قالت: لا يا صاحب رسول الله، ولكن العروس تزيّن بيتها، فرفع رأسه فرأى خدما وقوفا على رأسه قد أتوه بالماء والطعام، فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من نام على الموثور، ولبس المشهور، وركب المنظور، وأكل الشهوات، لم يرح رائحة الجنة".
قالت: يا صاحب رسول الله ﷺ : أشهدك أن كل ما في البيت صدقة لوجه الله تعالى، واكفني برا، أكفك اشتغال البيت ومحاولة العيش، فقال لها: رحمك الله وأعانك.
نفعنا الله ببركاتهم بمنّه.
**
стр. 77
الفصل الثامن عشر
يا غافلا عن نصيره، يا واقفا مع تقصيره، سبقك أهل العزائم، وأنت في بحر الغفلة عائم، قف على الباب وقوف نادم، ونكّس رأس الذل وقل: أنا ظالم، وناد في الأسحار: مذنب وراحم، وتشبّه بالقوم وإن لم تكن منهم وزاحم، وابعث بريح الزفرات سحاب دمع ساجم، وقم في الدجى نادبا، وقف على الباب تائبا، واستدرك من العمر ذاهبه، ودع اللهو جانبا، وطلّق الدنيا إن كنت للآخرة طالبا، يا نائما طوال الليل سارت الرفقة، ورحل القوم كلهم، وما انتبهت من الرقدة.
ويروى عن اياس بن قتادة ﵁، وكان سيّد قومه، أنه نظر يوما إلى شعرة بيضاء في لحيته، فقال: اللهم إني أعوذ بك من فجأة الأمور، أرى الموت يطلبني، وأنا لا أفوته، ثم خرج إلى ثومه، وقال لهم: يا بني سعد، قد وهبت لكم شبابي فلتهبوا لي شيبتي، ثم دخل داره، ولزم بيته حتى مات.
وأنشدوا:
أمن بعد شيب أيها الرجل الكهل ... جهلت ومنك اليوم لا يحسن الجهل
تحكّم شيب الرأس فيك وإنما ... تميل إلى الدنيا ويخدعك المطل
دع المطل والتسويف إنك ميّت ... وبادر بجدّ لا يخالطه هزل
سأبكي زمانا هدّني بفراقه ... فليس لقلبي عن تذكره شغل
عجبت لقلبي والكرى إذا تهاجرا ... وقد كان قبل اليوم بينهما وصل
أخذت لنفسي حتف نفسي بكفها ... وأثقلت ظهري من ذنوب لها ثقل
وبارزت بالعصيان ربا مهيمنا ... له المنّ والإحسان والجود والفضل
أخاف وأرجو عفوه وعقابه ... وأعلم حقا أنه حكم عدل
وروي عن الحسن البصري أنه كان يقول: يا ابن آدم، هبطت
стр. 78
صحيفتك، ووكّل بك ملكان كريمان، أحدهما عن يمينك، والآخر عن شمالك، فالذي عن يمينك يكتب حسناتك، والذي عن يسارك يكتب سيئاتك، اعمل ما شئت، وأقلل أو أكثر، حتى إذا فارقت الدنيا، طويت صفحتك، وعلّقت في عنقك، فإذا كان يوم القيامة، أخرجت وقيل لك: ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً﴾ الإسراء ١٤.
يا أخي، عدل والله عليك من جعلك حسيب نفسك.
يا ابن آدم، اعلم أنك تموت وحدك، وتدخل قبرك وحدك، وتبعث وحدك، وتحاسب وحدك.
يا ابن آدم: لو أن الناس كلهم أطاعوا الله، وعصيت أنت، لم تنفعك طاعتهم.
وروي عن إبراهيم بن أدهم أنه لقي رجلا، فقال له: كيف حالك يا أبا إسحاق، فقال له:
نرقّع دنيانا بتمزيق ديننا ... فلا ديننا يبقى ولا ما نرقّع
فطوبى لعبد آثر الله ربّه ... وجاد بدنياه لما يتوقع
ويروى أن عون بن عبد الله كان يقول: ويحي، كيف أغفل ولا يغفل عني.
وكيف يهنأ عيشي، واليوم ثقيل من ورائي؟ كيف لا أبادر بعملي، ولا أدري متى أجلي؟ أم كيف أسرّ بالدنيا ولا يدوم فيها حالي، أم كيف أؤثرها وقد أضرّت بمن آثرها قبلي؟ وهي زائلة ومنقطعة عني؟ أم كيف لا يطول حزني وربي لا أدري ما يفعل بي في ذنوبي.
ويروى عن عائشة ﵂ أنها قالت: كانت تأتي أربعون ليلة ما يوقد في بيت رسول الله ﷺ مصباح ولا نار. قيل لها: فيم كنتم تعيشون؟ قالت على الأسودين: الماء والتمر.
стр. 79
وعن عائشة بنت سليمان زوج يوسف بن أسباط أنها قالت: قال لي يوسف بن أسباط: إني لأشتهي من الله ثلاثة، قلت: وما هي؟ قال: أشتهي أن أكون حين أموت ليس في ملكي شيء، ولا يكون عليّ دين، ولا يكون على عظمي لحم.
ولقد أعطي من ذلك كله ولقد قال في مرضه: قالت: هل بقي عندك نفقة؟ قلت: لا، فقال: أي شيء تريدين؟ فقلت: أخرج هذه الخابية إلى السوق للبيع، قال: فإذا فعلت ذلك، انكشف حالنا، فقال الناس: إنما باعوها من الحاجة.
وكان عندنا خروف أهداه لنا بعض إخواننا، فأمر بإخراجه إلى السوق، فبيع بعشرة دراهم.
فقال لي: اعزلي درهما لحنوطي، وأنفقي سائرها.
قالت: فمات وما بقي من الدراهم إلا الدرهم الذي أمر بعزله لحنوطه، ﵁ ونفعنا ببركاته.
يا من تحدّثه الآمال، دع عنك هذه الوساوس، متى تنتبه لصلاحك أيها الناعس، متى تطلب الأخرى، يا من على الدنيا يتنافس. متى تذكر وحدتك إذا انفردت عن كل مؤانس، يا من قلبه قد قسا وجفنه ناعس.
وأنشدوا:
إني بليت بأربع ما سلّطت ... إلا لعظم بليّتي وشقائي
إبليس والدنيا ونفسي والهوى ... كيف التخلص من يدي أعدائي
وروي عن عبد الأعلى بن علي ﵁ قال: صعدت على جبل لبنان، لأرى من أتأدب به وأتهذب بأخلاقه، فدلّني الله على أحدهم في مغارة، فوجدت فيها شيخا تلوح على وجهه الأنوار وقد علته السكينة والوقار، فسلمت عليه، فأحسن الرد، فبينما أنا قاعد عنده، وإذا أنا بمطر عظيم وسيل شديد، فاستحييت أن آوي إلى المغارة من غير إذنه، فناداني وآواني، وأقعدني على صخرة بإزائه،
стр. 80
وكان يصلي على مثلها، وقد ضاق صدري من المطر، وتضييقي عليه في موضعه، فناداني، وقال لي: من شرائط الخدّام، التواضع والاستسلام. فقلت له: ما علامة المحبة؟
قال: إذا كان البدن كالحية يلتوي، والفؤاد بنار الشوق يكتوي، فاعلم أن القلب على المحبة منطو، وكل نقمة يشاهدها المحب دون الهجر فهي نعمة، فالكل عنه عوض إلا المحبوب. ألا ترى إلى آدم ﵇ شاهد العتاب والنقمة، ولكنه لما لم يكن معه هاجر، كانت منحا ونعمة، وجعل يقول ﵁:
جسد ناحل ودمع يفيض ... وهوى قاتل وقلب مريض
وسقام على التنائي شديد ... وهموم وحرقة ومضيض
يا حبيب القلوب قلبي مريض ... والهوى قاتلي ودمعي يفيض
إن يكن عاشق طويل بلاه ... فبلائي بك الطويل والعريض
قال: وصاح الشيخ صيحة، فسقط ميتا، فخرجت لأنظر معي من يدفنه وأجهزه، فما وجدت أحدا.
فرجعت إلى المغارة، فطلبته، فما وجدته، فبقيت متحيّرا في أمره متفكرا، فسمعت هاتفا يقول:
رفع المحب إلى المحبوب ... وفاز بالبغية والمطلوب
ونفعنا الله ببركاته ورضي الله عنه.
**
стр. 81
الفصل التاسع عشر
يا أخي، لا يبيع الباقي بالفاني إلا خاسر، وإياك والأنس بمن ترحل عنه، فتبقى كالحائر، رفيق التقوى رفيق صادق، ورفيق المعاصي غادر، مهر الآخرة يسير، قلب مخلص، ولسان ذاكر، إذا شبت ولم تنتبه، فاعلم أنك سائر، فديت أهل التهجد بلسان باك وجفن ساهر، كم لهم على باب تتجافى جنوبهم من تملق ودمع قاطر، إذا تنسّموا نسيم السحر أغناهم عن نسيم العذيب وحناجر، عصفت بهم رواشق الاستغفار البواكر، عمروا منازل الخدمة، ومنزل الغفلة خراب داثر.
قال ذا النون المصري ﵁: رأيت شابا في بعض السواحل مصفرّ اللون على وجه نور القبول، وآثار القرب وعز الأنس، فقلت: السلام عليك يا أخي، فقال: وعليك السلام ورحمة الله وبركاته، فقلت له: ما علامة المحبة، فقال: التشتت في البلاد، والتهتك في العباد، وتحريم الرّقاد، وخشية البعاد.
وأنشدوا:
أبليت من أحببت يا حسن البلا ... وخصصت بالبلوى رجالا خشعا
أحببت بلواهم وطول حنينهم ... وأطلت ضرّهم لكي يتخضعا
إخواني: كم إلى دير المحبة من موارد ومصادر، نبهوا رواهب الشوق لتكون إليهم سائر، طلبوا منه شرابا عتيقا جلّ عن معاصرة العاصر، فتح لهم دنان التوله، فانفض منه رحيق التحقيق له شعاع يملأ البصائر، أدار عليهم أقداح الوجد، فحنّوا إلى المزيد حنين الذاكر، خامرهم سكر التولة، فبدا لهم كل غائب وحاضر، استزادوا من هذا الشراب الطيّب الطاهر، بذلوا فيه النفوس والأوطان والغائب والحاضر، أطربهم تلحين أهل دير المحبة، فتواجدوا تواجد كابر عن كابر، محبوبهم ساقيهم، ومجلس أنسهم منضدّ بأنواع الأزاهر، ملوك في وقت السكر، عبيد في وقت الصحو، فهم بين غائب وحاضر.
стр. 82
شربة من هذا المدام رخيصة ببذل الكون والأوائل والأواخر، لا يتركه إلا سيفه ليس لتيه شقائه من آخر، اقبل نصحي وبادر قبل غلق بابه وباكر، يغنيك عن كل مطعوم ومشروب، وعن كل نسيم عاطر.
منها شرب آدم، وناح عليها نوح، ونشر زكريا بالمناشر، وعرض الخليل على النار،، فما أحسّ بما هو إليه سائر، وعاجل الشوق موسى فقال: أرني لعلي أرى المنظور في الناظر، وكم لداود من سكر وأشواق وتلحين مزامر، وهام عيسى في البراري لا يأوي على باد ولا حاضر، شربها شربا نبينا محمد ﷺ يوم السبت، فألقت فيه بقيّة أوجبت المدائح والمفاخر.
لك انفتح الكون، فاختر هذا الشراب الطيب الطاهر، قطرة منها نهر الكوثر، تروى منها في ظمأ الهواجر، دارت على الصدّيق والفاروق والسعيد إلى العاشر. اجتمعوا لشربها في الأول، واجتمعوا لشربها في الآخر، أبقوا في أدنان المعاني بقايا الكرام فعل الأكابر، صفت لأهل الصفة، فصفت بشربها السرائر.
فاخلع في شربها العذار، فما لك إن خلعت من عاذل، وإن لم تخلعه فما لك من عاذر، وزمزم وأطرب وارقص، فالكون كونك، ومحبوبك حاضر. صن موضع السر عن سواه، وإيّاك والخاطر الخاطر، إن نظرت لغيره، أبعدك وما لك إن بعدت من ناصر.
يا معشر الفقراء، هذه سماعكم، فأين من هو معي حاضر، يا أرباب الأحوال، معكم أتحدث، ولكم أصف، ولركبكم أساير، يا معشر التائبين، أما يهون عليكم بذل المعصية لنيل هذا الجوهر الفاخر، إن فاتك هذا السماع ولم تطرب، فأنت في بريّة الحرمان حائر.
قال أبو بكر الوراق (١) ﵁: حقيقة المحبة مشاهدة المحبوب على كل حال، فان الاشتغال بالغير حجاب، وأصله التسليم واليقين، فإنها يبلغان إلى
стр. 83
درجات المتقين في جنات النعيم.
وأنشدوا:
أحبّ الصالحين ولست منهم ... وأطلب أن أنال بهم شفاعة
وأكره من بضاعته المعاصي ... ولو كنا سواء في البضاعة
ويروى عن ذي النون المصري ﵁ أنه قال: بينما أنا في بعض الفيافي والقفار، أطوف، وإذا بغلام قد انتقع لونه ونحل جسمه، يتلألأ نور الخدمة بين عينيه، وينطق آثار القبول من بين وجنتيه، وعلى وجهه سمت الطاعة والمجاهدة، وهيأة المؤانسة والمشاهدة، وعليه طمران (١) ، وعلى بدنه جبّة صوف متفتقة الأكمام والذيول، وعلى أحد كميّه مكتوب: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً﴾ الإسراء٣٦. وعلى الكم الآخر مكتوب: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ النور ٢٤. وعلى أذيالها مكتوب: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ ق ١٦. وعلى ظهرها مكتوب: ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ﴾ الحاقة ١٨.
وعلى رأسه مكتوب:
حبّ مولاي بلائي ... حيث مولاي دوائي
فما رأيت أنظف من طمرين كانا عليه، فتهيأت لخطابه، ثم دنوت منه بعد ساعة، فقلت: السلام عليك يا عبد الله، فقال: السلام عليك عليك يا ذا النون، فقلت له: ومن أين عرفتني يا أخي؟! فقال: اطلعت حقائق الحق من ضميري على مكنون ضميرك، فشاهد صفاء معرفتك في غياهب غيوب همتك، فتناطقا وتعانقا، فعرّفني أنك ذو النون المصري.
فقلت له: يا أخي ما هي ابتداء المحبة؟
فقال: الاعتبار بهذه الآية التي تراها وتسمعها، وأشار إلى المكتوبة على
стр. 84
طمريه، فقلت له يا أخي وما انتهاء المحبة، فقال: يا ذا النون محبوب بلا انتهاء ومحبته بابتهال محال، فقلت له: يا أخي الزهد في الدنيا طلب للعقبى، أم طلب للمولى؟
فقال: يا ذا النون، الزهد في مخلوق لطلب مخلوق آخر خسران، وإنما يصلح الزهد في الدنيا المخلوقة لطلب المولى الخالق.
يا ذا النون، صغرت همة عبد رضيت من محبوب قديم بجنة مخلوقة. إنما معنى الزهد: التجنّب عن الأغيار، وتتبع الأخيار، ومشاهدة الآثار لوجود الملك الجبار، فمن طلب الأغيار، فمطلوبه مشهوده، ومن طلب الجبار، فمطلوبه محبوبه، فالمخلوق إذا رضي بمخلوق مثله، فالمشاكلة مقصودة.
يا أخي ذا النون: الدّون كل الدّون والمغبون كل المغبون من هجر لذة الكرى والهوى، وأبغض طيب الدنيا، ثم رضي بدون المولى، وكدّ نفسه وهجر دنياه، رهبة أن تكون النار مثواه، أو رغبة أن تكون الجنة مأواه.
فقلت له: يا أخي: تصبرون في هذه الفيافي والمهالك المقحطة بلا زاد؟.
فغضب، وقال: يا بطّال، ما هذا الاعتراض على من لم يطلعك على حاله، ولا يأتمنك على سره، أما أمرنا في حال المأكول والمشروب، فهكذا، فوكز برجله اليمنى الأرض، فإذا بعين من سمن وعسل، فأكل وأكلت معه، ثم وكز الأرض برجله اليسرى فإذا بعين من الماء أحلى من العسل، وأبرد من الثلج، فشرب وشربت معه، وردّ الرمل عليهما، فعادت الأرض كما كانت، كأن لم يكن بها شيء قط، ثم ولى عني وتركني، فبقيت باكيا، ومما عاينت متعجبا، ﵁ ونفعنا بأمثاله.
стр. 85
الفصل الموفى عشرين
يا أسيرا في قبضة الغفلة، يا صريعا في سكرة المهلة، يا ناقض العهد، انظر لمن عاهدت في الزمن الأول، أكثر العمر قد مضى، وانت تتعلل، يا مدعوّا إلى نجاته وهو يتوانى، ما هذا الفتور والعمر قد تدانى، كأنك بالدمع يجري عند الموت هتانا.
يا أخي ما أحسن ما كنت فتغيّرت، ما أقوم جادتك، فكيف تعثرت؟ يا معاشر المطرود عن رفاق التائبين ﴿وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ النمل ٧٥.
كان بعض الأغنياء كثير الشكر فطال عليه المد، فبطر وعصى، فما زالت نعمته ولا تغيّرت حالته، فقال: يا رب، تغيّرت طاعتي، وما تغيّرت نعمتي، فهتف به هاتف يقول: يا هذا: إن الأيام الوصال عندنا حرمة وذمام، حفظناها نحن لك، وضيّعتها أنت لنا.
وأنشدوا:
سأترك ما بيني وبينك واقفا ... فإن عدت عدنا والوداد سليم
تواصل قوما لا وفاء بعهدهم ... وتترك مثلي والحفاظ قديم
قال رجل لحاتم الأصم ﵁: أوصني بشيء أتصل به إلى باب الله ، فقد عزمت على سفر الحج.
فقال: يا أخي، إن أردت أنيسا، فاجعل القرآن أنيسك، وإن أردت رفيقا، فاجعل الملائكة رفقاءك، وإن أردت حبيبا، فالله سبحانه يتولى قلوب أحبابه، وإن أردت الزاد، فاليقين بالله نعم الزاد، واجعل البيت قبلة وجهك، وطف بسرّك حوله.
стр. 86
وقال عطاء السليمي لعمر بن يزيد السلمي: أوصني:
فقال: يا أحمد، الدنيا بلاء في بلاء مع هوى النفس ومقارنة الشيطان، والآخرة بلاء في بلاء مع الموافقة والحساب. فيا لها من نفوس مضمحلة فيما بينهما، فحتى متى تسهو وتلعب وملك الموت في طلبك لا يغفل عنك، والملائكة يكتبون عليك أنفاسك.
قال: فخرّ مغشيا عليه.
يا من صحيفته سوداء، اغسلها بالدموع، وتعرّض لمجال المتهجدين، وقل: ضال ضل عن الطريق مقطوع، وهذا مأتم الأحزان، إلى أي وقت تدّخر الدموع، هذا مجلس الشكوى، هذا وقت الرجوع.
فبادروا إخوتي، وافهموا أسرار المراد: ﴿فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ غافر ٤٤.
وأنشدوا:
ما الذنب لي فيما مضى سالفا ... الذنب للدهر وسوء القضا
فامنن وجد بالصفح عن مذنب ... معترف بالذنب فيما مضى
قد ظل من خوفك في حيرة ... في قلبه منك لهيب الفضا
إن كان لي ذنب فلي حرمة ... توجب لي منك جميل الرضا
ومن كتاب لوامع أنوار القلوب، قال الأصمعي: كنت مارا في البادية، وإذا أنا بامرأة كأنها فلقة قمر، فدنوت منها، وسلمت عليها، فأحسنت إليّ الرد، ثم قلت: يا جارية، كلّي بكلّك مشغول، فقالت في الحال: كلّي لكلّك مبذول، ولكن إن أعجبك حسني فانظر خلفك فانك ترى من هي أحسن مني، فنظرت خلفي، فما رأيت أحدا، فصرخت علي وقالت: إليك عني يا بطّال، لما رأيتك من بعيد
стр. 87
حسبتك عارفا، فلما تكلمت حسبتك وامقا (١) ، وإذا بك يا مسكين لا عارفا ولا وامقا، تدّعي محبتي وتنظر إلى غيري، وأنت لم تصل إلى قربي، ثم ولّت عني، ورمقت إلى السماء بطرفها، ونادت، آه.... آه، حب الوصال شرّدني، آه آه، خوف القطيعة أزعجني، آه من الانفصال قبل الاتصال، وجعلت تقول:
حبي في ذي القفار شرّدني ... آه من الحب ثم آه
خوف فراق الحبيب أزعجني ... آه من الخوف ثم آه
شبه حالي بتاجر غرق ... نجا من البحر ثم تاه
ومن الكتاب المذكور: قال سالم: بينما أنا سائر مع ذي النون المصري في جبل لبنان، إذ قال مكانك يا سالم حتى أعود إليك، فغاب عني ثلاثة أيام في الجبل، وأنا أطعم نفسي من نبات الأرض، وأسقيها من غدرانها إذا طالبتني بشيء من القوت.
فلما كان بعد ثلاثة أيام، عاد إليّ وهو متغيّر اللون، ذاهب العقل.
فقلت له: هل عارضك السبع يا أبا الفيض؟.
فقال: دعني من تخويف البشرية، إني دخلت كهفا من كهوف هذا الجبل، فرأيت فيه رجلا أبيض الرأس واللحية، أشعث أغبر، نحيفا، كأنه خرج من قبره، ذا منظر يهول وهو يصلي، فسلمت عليه فردّ عليّ السلام، وقال لي: الصلاة، وقام إلى الصلاة، فلم يزل راكعا ساجدا حتى صلى العصر واستند إلى حجر كان بإزاء محرابه، وهو لا يكلمني، فبدأته الكلام، وقلت له: يرحمك الله أوصني بشيء أنتفع به، وادع لي بدعوة.
فقال لي: يا بني، من آنسه الله سبحانه بقربه، أعطاه أربع خصال: عزا من غير عشيرة، وعلما من غير تعلّم، وغنى من غير مال، وأنسا من غير جماعة، ثم شهق شهقة لم يفق منها إلا بعد ثلاثة أيام، حتى ظننت أنه ميّت، فلما أفاق قام وتوضأ
стр. 88
من عين كانت إلى جنبه وسألني عما فاته من الصلاة، فأخبرته، فقضاه، ثم قال لي:
إن ذكر الحبيب هيّج قلبي ... ثم حب الحبيب أذهل عقلي
وقد استوحشت من ملاقاة المخلوقين. وأنست بذكر رب العالمين، انصرف عني بسلام.
فقلت: يرحمك الله، وقفت عليك ثلاثة أيام رجاء الزيادة منك. فقال: أحبّ مولاك ولا تحب غيره، ولا ترد بحبّه بدلا، فالمحبون لله سبحانه هم تيجان العبّاد، وأعلام الزهاد، وهم أصفياء الله وأحباؤه.
ثم صرخ صرخة ووقع فحرّكته، فإذا هو ميّت، فما كان إلا هنيهة، وإذا بجماعة من العباد قد انحدروا من الجبل فغسلوه وكفنوه وصلوا عليه ودفنوه، فسألتهم ما اسم هذا الشيخ الصالح؟ فقالوا: شيبان المصاب.
قال سالم: فسألت عنه أهل الشام فقالوا نعم، رجل مجنون، خرج من أذى الصبيان، فقلت لهم: هل تعرفون من كلامه شيئا؟ قالوا: نعم كان إذا ضجر يقول: إذا أنا بك لم أجن سيدي فبمن أجن. ﵀ ونفعنا به.
**
стр. 89
الفصل الحادي والعشرون
يا أخي، لله درّ أقوام نعمّهم مولاهم بقربه، فحجبهم عن خطرات الوسواس. حمي إقليم قلوبهم من غبار الشهوات من حمايته بحراس، قبلوا أمره بالقبول، وقاموا به على العينين والرأس، قدّموا زاد الأعمال لسفر الموت وظلمة الأرماس، يا بطّال، أبطال ميدان الدّجى لله درّهم من أبطال وأفراس، خلع عليهم خلعة الرضا، ونادهم مرحبا بالأحباب الأكياس، ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ آل عمران ١١٠.
وأنشدوا:
أيا نفس توبي قبل أن ينكشف ... الغطا وأدعى إلى يوم النشور وأجزع
فلله عبد خائف من ذنوبه ... تكاد حشاه من أسى تتقطع
إذا جنّه الليل البهيم رأيته ... وقد قام في محرابه يتضرّع
ينادي بذل يا إلهي وسيدي ... ومن يهرب العاصي إليه ويفزع
قصدتك يا سؤلي ومالي مشفع ... سوى حسن ظني حين أرجو وأطمع
فجد لي بعفو وامح ذنبي ونجّني ... من النار يا مولى يضرّ وينفع
بهذا ينال الملك والفوز في غد ... ويجزى نعيما دائما ليس يقطع
وقف الفضل الجوهري العالم في الحرم متوجها إلى الكعبة وهو محرم ثم قال بأعلى صوته:
يا تلفى بحتوف المراقبة والمعرفة، يا قتلى بسيوف المؤانسة والمحبة، يا حرقى بنار الخوف والاشتياق، ويا غرقى في بحر المشاهدة والتلاق، هذه ديار المحبوب، فأين المحبون؟ هذه أسرار القرب، فأين المشتاقون؟ هذه آثار الديار والربوع فأين القاصدون؟ هذه ساعة العرض والاطلاع على الدموع فأين الباكون؟.
стр. 90
ثم شهق شهقة عظيمة وغشي عليه، فأفاق بعد ساعة وهو يقول:
مذ تبدي لناظري ... بلبل الشوق وخاطري
حاضر غير غائب ... ساكن في الضمائر
هو كنزي الذي بدا ... في الرسوم والدوائر
قال الراوي: فدنوت منه وقلت له: يا سيدي ما علامة المحبين لله؟.
قال: إن المحبين عند ظلام الليل عند الله نشاطا، وبينهم وبينه انبساطا، شغلهم الأنس بمعبودهم عن لذة الكرى، وقطعهم الشغل به عن جميع الورى، ولا يؤثرون على مناجاته مناما، ولا يختارون على كلامه كلاما، عرفه من عرفه، وذاقه من ذاقه، واستأنس به من استطابه.
سبحان من حكم بالفناء على الخلائق، فتساوى عنده الملوك والعبيد، تفرّد بالبقاء، وتوحّد بالقدم، وصرف أقداره في الملك بما يريد، ظهر افتقار الكل إليه، الصالح والطالح والغويّ والرشيد، ﴿يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ الرحمن ٢٩.
جواد غمر الكل عطاؤه، فأين يفر العاصي ومن يجبر الفقيد؟ كم جدّل القضاء من زعيم، وكم أدخل للحضر من طريد، ما أغفل أهل المعاصي عن قسمة العباد، فمنهم شقي ومنهم سعيد.
وأنشدوا:
احدى وستون لو مرّت على حجر ... لكان من حكمها إن يخلق الحجر
تؤمّل النفس آمالا لتبلغها ... كأنها لا ترى ما يصنع القدر
قال أبو إسحاق الجيلي: قدمت على علي بن عبد الحميد الغضائري، فوجدته أفضل خلق الله عبادة، وأكثرهم مجاهدة، وكان لا يتفرّغ من صلاته آناء ليله ونهاره، فانتظرت فراغه. فلم أصبه ولا وجدته.
стр. 91
فقلت له: إنّا قد تركنا الآباء والأمهات والأهلين والأوطان ولبنين والبنات بالراحلة إليك، فلو تفرّغت ساعة تحدثنا بما آتاك الله من العلم.
فقال: أدركني دعاء الشيخ الصالح سريّ السّقطي ﵁، جئت إليه وقرعت عليه الباب، فسمعته يقول قبل أن يخرج إليّ مناجيا: اللهم من جاءني يشغلني عن مناجاتك، فأشغله بك عني، فما رجعت من عنده، حتى حبّبت إليّ الصلاة والشغل بذكر الله تعالى، فلا أتفرّغ إلى شيء سواه، ببركة ذلك الشيخ.
قال أبو اسحاق: فرأيت كلامه يخرج من قلب حزين، وهم كمين، والدمع يسابقه ﵁.
سبحان من ألف بحكمته بين لطائف الأرواح، وكثائف الأشباح، جعل الليل والنهار جناحي الأعمال، يطيران للفناء بلا ريش ولا جناح، سقى أرواح المحبين شراب المحبة، فلله ما أحلاه من راح، غني لهم في مجلس أنسهم معبد الوجد، فشربوا بالدّنان، لا بالأقداح، زيّنوا روضة الدجى بأزهار التهجد، واصطبحوا على الأذكار أي اصطباح، فهم بين صبوح وغبوق (١) وبين ريحان وراح، قلوبهم في قالب الابتلاء، تنادي بلسان تصبّرهم: لا براح. خلع عليهم خلعة الرضا، وأجلسهم بين أفراح من الشوق وافتراح. انظروا إلى الكون، فما رأوا سواه، فليس عليهم في هيمانهم جناح. غشي بصائرهم نور معرفته، فترنّم عارفهم بألسنة من التوحيد، فصاح.
وأنشدوا:
يا أعز الناس عندي ... كيف حتى خنت عهدي
سوف أشكو لك حالي ... فعسى شكواي تجدي
أنت مولاي تراني ... ودموعي فوق خدي
أقطع الليل أقاسي ... ما أقاسي فيه وحدي
стр. 92
قال ذو النون المصري ﵁: عطشت في بعض أسفاري عطشا شديدا، فعدلت إلى بعض السواحل أريد الماء، فإذا أنا بشخص قد ائتزر بالحياء والإحسان، وتدرّع بدراع البكاء والأحزان، قائم على ساحل البحر يصلي، فلما سلّم دنوت منه، وسلمت عليه قال: وعليك السلام يا ذا النون.
قال: فقلت له: يرحمك الله، من أين عرفتني؟!.
قال: اطّلع شعاع أنوار المعرفة من قلبي على صفاء نور المحبة من قلبك، فعرفت روحي روحك بحقائق الأسرار، وألف سريّ سرّك في محبة العزيز الجبار.
قال: فقلت: ما أراك إلا وحيدا!.
قال: ما الأنس بغير الله إلا وحشة، وما التوكل بغيره إلا ذل.
فقلت له: أما تنظر إلى تغطغط هذا البحر، وتلاطم هذه الأمواج؟.
فقال: ما بك من العطش أكثر من ذلك.
فقلت: نعم، فدلني على الماء بقرب منه فشربت، ورجعت إليه، فوجدته يبكي بشهيق وزفير.
فقلت له: يرحمك الله، ما يبكيك؟ ّ.
فقال: يا أبا الفيض، إن لله عبادا سقاهم بكأس محبته شربة أذهبت عنهم لذة الكرى.
قال: فقلت له: دلني على أخل ولاية الله يرحمك الله.
قال: هم الذين أخلصوا في الخدمة، فاستخصّوا بالولاية، وراقبوا مولاهم، ففتح لهم في نور القلوب.
قال: فقلت له: ما علامة المحبة؟.
стр. 93
فقال: المحب لله غريق في بحر الحزن إلى قرار التحيّر.
قال: فقلت له: ما علامة المعرفة؟.
قال: العارف بالله لم يطلب مع معرفته جنّة، ولا يستعيذ من نار، فعرفه له ولم يعظم سواه معه.
ثم شهق شهقة عظيمة، فخرجت روحه، فواريته في الموضع الذي مات فيه، وانصرفت عنه، ﵀ ونفعنا ببركاته.
стр. 94
الفصل الثاني والعشرون
يا أخي لا تغسل أدناس الذنوب إلا بماء المدامع، لا ينجو من قتار المعصية إلا من يسارع، أحضر قلبك ساعة، عساه بنائحة الموعظة يراجع، كم لي أتلو عليك صحف الموعظة، وما أظنك سامع.
لكن يوم المعصية ما أنحسه من طالع، ويوم الطاعة مختار وكل سعد فيه طالع، أطلب، ويحك، رفاق التائبين، وجدد رسائلك للحبيب وطالع، مصباح التقوى يدل على الجادة، وكم في ظلمة الغفلة من قاطع، ابك، ويحك، على موت قلبك وعمى بصيرتك، وكثرة الموانع. إذا لم يعظك الدهر والشيب والضعف، فما أنت صانع، فبالله يا إخواني بادروا بالمتاب، وراجعوا أنفسكم قبل يوم الحساب.
ما اعتذاري وأمر ربي عصيت ... حين تبدي صحائفي ما أتيت
ما اعتذاري إذا وقفت ذليلا ... قد نهاني ما أراني انتهيت
يا غنيا عن العباد جميعا ... وعليما بكل ما قد سعيت
ليس لي حجة ولا لي عذر ... فاعف عن زلتي وما قد جنيت
قال علي بن يحيى في كتاب لوامع أنوار القلوب: صحبت شيخا من عسقلان سريع الدمعة، حسن الخدمة، كامل الأدب، متهجدا بالليل متنسكا في النهار، وكنت أسمع أكثر دعائه الاعتذار والاستغفار، فدخل يوما في بعض كهوف جبل اللكام وغيرانه، فلما أمسى رأيت أهل الجبل وأصحاب الصوامع يهرولون إليه، ويتبركون بدعائه، فلما أصبح وعزم على الخروج، قام أحدهم، وقال: عظني، قال: عليك بالاعتذار، فإنه إن قبل عذرك وفزت بالمغفرة، سلك بك إلى درجات المقامات، فوجدتها أمانيك، ثم بكى وشهق وخرج من الموضع، فلم يلبث إلا قليلا حتى مات.
стр. 95
قال: فرأيته في المنام، فقلت له: ما فعل الله بك؟ فقال: حبيبي أكرم من إن يعتذر إليه مذنب، فيخيب ظنه ولم يقبل عذره. قبل الله عذري وغفر ذنبي، وشفّعني في أصحاب اللكام.
لا شيء أعظم من ذنبي سوى أملي ... في حسن عفوك عن جرمي وعن عملي
فإن يكن ذا وذا فالذنب قد عظما ... فأنت أعظم من ذنبي ومن زللي
ويروى عن يوسف بن عاصم أنه ذكر له عن حاتم الأصم أنه كلن يتكلم على الناس في الزهد، والإخلاص، فقال يوسف لأصحابه: اذهبوا بنا إليه نسأله عن صلاته إن كان يكملها، وإن لم يكن يكملها، نهيناه عن ذلك.
قال: فأتوه وقال له يوسف: يا حاتم، جئنا نسألك عن صلاتك، فقال له حاتم: عن أي شيء تسألني عافاك الله؟ عن معرفتها أو عن تأديتها؟
فالتفت يوسف إلى أصحابه، وقال لهم: زادنا حاتم ما لم نحسن إن نسأله عنه. ثم قال لحاتم: نبدأ بتأديتها.
فقال لهم: تقوم بالأمر. وتقف بالاحتساب وتدخل بالسنة، وتكبّر بالتعظيم، وتقرأ بالترتيل، وتركع بالخشوع، وتسجد بالخضوع، وترفع بالسكينة، وتتشهد بالإخلاص، وتسلم بالرحمة.
قال يوسف: هذا التأديب فما المعرفة؟.
قال: إذا قمت إليها فاعلم أن الله مقبل عليك، فأقبل على من هو مقبل عليك، واعلم أن جهة التصديق لقلبك، أنه قريب منك، قادر عليك، فإذا ركعت: فلا تؤمّل أن تقوم. ومثل الجنة عن يمينك، والنار عن يسارك، والصراط تحت قدميك، فإذا فعلت فأنت مصل. فالتفت يوسف إلى أصحابه، وقال: قوموا نعيد الصلاة التي مضت من أعمارنا.
يا من مات قلبه، أي شيء تنفع حياة البدن إذا لم تفرّق بين القبيح والحسن.
стр. 96
سلبك المشيب من الشباب، فأين البكاء، وأين الحزن؟ إذا كان القلب خرابا من التقوى، فما ينفع البكاء في الدّمن. يا قتيل الهجران، هذا أوان الصلح بادر عسى يزول الحون.
وقال عاصم بن محمد في كتاب لوامع أنوار القلوب: كان لي معامل يهودي، فرأيته بمكة متضرعا مبتهلا فأعجبني حسن إسلامه. فسألته عن سبب إسلامه.
فقال: تقدّمت إلى أبي إسحاق إبراهيم الآجري النيسابوري، وهو يوقد في تنّور الآجر، أطلب دينا كان لي عليه، فقال لي: أسلم، واحذر نارا وقودها الناس والحجارة، فقلت: لا بأس عليك يا أبا إسحاق، فأنت أيضا فيها. قال: فعسى تعني قوله سبحانه: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ مريم: ٧١، الآية، فقلت: نعم. فقال لي: أعطني ثوبك، فأعطيته ثوبي، ثم لف ثوبي في ثوبه، ثم رمى بهما في التنور، وصبر ساعة طويلة ثم قام واجدا شاهقا، باكيا ودخل في الأتون، يعني مستوقد النار وهي تتأجج لهيبا وزفيرا، وأخذ الثياب من وسط النار، وخرج على الباب الآخر، فهالني ذلك من فعله، فهرولت إليه متعجبا، وإذا بالرزمة صحيحة كما كانت، فحلها، وإذا بثيابي قد احترقت كأنها فحمة في وسط ثيابه، وثيابه صحيحة لم تمسها النار.
ثم قال: يا مسكين، هكذا يكون ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيّاً﴾ مريم ٧١.
فأسلمت على يديه في الحال، وهذا ما رأيت من احوال الرجال.
لله درّ قوم ملأ قلوبهم بأنوار الحكمة والرشاد، حرّك ساكنا وجدهم، فتمايلهم كالغصن الميّاد، صفت زجاجة أرواحهم ورقّ لهم شراب وجدهم، وطاب لهم سماع الإنشاد.
أدرا عليهم حميا الحماية، فألفت عيونهم السهاد، فمنهم سكران ونشوان، وكل أيامكمهم بمحبوبهم أعياد.
стр. 97
مدّ عليهم أطناب ليل الخلوة غيرة من رقيب الرقاد، فهم يتشاكون الشواق بنفس تلف في محبة أو كاد.
والمحروم نهاره في الشقا وليله في النوم، وعمره في نفاد ركب مركب القضاء للمحنة، ففي أصل تركيبة فساد. ضيّع أيامه في الغفلة، وفي الكبر يبكي على فائت لا يعاد.
فيا معشر المذنبين جدّوا قبل الرحيل عن الأجساد.
قال يوسف بن الحسن: كنت أسير في طريق الشام، إذ عرض لي عارض، فعدلت عن الطريق فهالتني المفازة (١) ، فبدت لي صومعة، فدنوت منها، وإذا براهب فيها قد أخرج رأسه منها، فأنست به، فلما دنوت منه، قال لي: يا هذا، أتريد موضع صاحبكم؟.
قال: رجل في هذا الوادي على دينكم، متخل عن فتنة الأقران، منفرد بنفسه في ذلك المكان، واشوقاه إلى حديثه!.
فقلت له: وما الذي يمنعك عنه، وأنت على قرب منه؟.
فقال: أصحابي أقعدوني في هذا الموضع، وأنا أخشى على نفسي القتل منهم، ولكن إذا مضيت إليه فأقرئه مني السلام، وأساله لي في الدعاء.
قال: فمضيت إليه، وإذا برجل قد اجتمعت إليه الوحوش، فلما رآني قرب مني وكنت أسمع جلبة عظيمة للقوم، ولا أرى أحدا منهم، فسمعت قائلا يقول: من هذا البطال الذي وطئ محل العاملين؟.
فرأيت رجلا منكّسا رأسه مسترسلا في كلامه، تعلوه هيبة ووقار شديد. فسمعته
стр. 98
يقول: لك الحمد على ما وهبت من معرفتك، وخصصتني به من محبتك، لك الحمد على آلائك، وعلى جميع بلائك. اللهم ارفع درجتي إلى درجات الأبرار للرضا بحكمك، وانقلني إلى درجة الأخيار.
ثم صاح صيحة عظيمة، ثم قال: آه من لي بهم، وخرّ مغشيا عليه، فلم يتحرّك لساني هيبة له، فلما أفاق من غشيته، قال لي: سر زودّك الله التقوى، وسار عني وتركني.
نفعنا الله به، وبأمثاله.... آمين.
**
стр. 99
الفصل الثالث والعشرون
يا من سوّف بالمتاب حتى شاب، يا من ضيّع في الغفلة أيام الشباب، يا مطرودا بذنوبه عن الباب، إذا كنت في الشباب غافلا، في المشيب مسوّفا، متى تقف بالباب؟ كم عوملت على الوفاء؟ ما هكذا فعل الأحباب، الظاهر منك عامر، والباطن ويحك، خراب، كم عصيان كم مخالفة، كم رياء, كم حجاب؟ ولّى طيب العمر في الخطايا، يا ترى تعود إلى الصواب؟.
ما بعد الشيب لهو، كيف يجمل بالشيخ التصاب؟ أنت لو قدمت في متقادم عمرك الطاعة، لخفف عنك الحساب. كيف والعمر ولى في الغفلة وفي طلب الأسباب؟ إذا أنذرك المشيب بالرحلة، ولم تقدّم الزاد ماذا يكون الجواب.
ليت شعري أهل المعاصي كيف عيشهم يطيب ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ﴾ سبأ ٥١.
يروى أن محمد بن واسع رأى شبابا في المسجد، قد خاضوا في بحر الغيبة والضلالة، فقال لهم: أيجمل بأحدكم أن يكون له حبيب، فيخالفه ليفوز به غيره؟ فقالوا: لا. فقال: أنتم قعود في بيت الله تخالفون أمره، وتغتابون الناس. فقالوا: قد تبنا. فقال: يا أولادي، هو ربكم وحبيبكم، وإذا عصيتموه، وأطاعه غيركم، خسرتموه. وربحه غيركم، أفلا يضرّكم ذلك؟ قالوا: نعم. فقال: ومن خالفه، وربما يعاقبه لو عاقبه، أفلا تغيرون على شبابكم كيف يعاقب بالنار والعذاب وغيركم يفوز بالجنة والثواب. قالوا: نعم وحسن رجوعهم إلى الله تعالى.
وأنشدوا:
ألا فاسلك إلى المولى سبيلا ... ولا تطلب سوى التقوى دليلا
وسر فيها بجد وانتهاض ... تجد فيخا المنى عرضا وطولا
стр. 100
ولا تركن إلى الدنيا وعوّل ... على مولاك واجعله وكيلا
وإن أحببت أنء تعتزّ عزا ... يدوم فكن له عبدا ذليلا
وواصل من أناب إليه واقطع ... وصال المسرفين تكن نبيلا
ولا تفني شبابك واغتنمه ... ومثل بين عينيك الرحيلا
ولا تصل الدنيا واهجر بنيها ... على طبقاتهم هجرا جميلا
وعامل فيهم المولى بصدق ... يضع لك في قلوبهم القبولا
ومن كتاب أنس المريدين وقدوة الزاهدين: قال يزيد بن الحباب: مررت بحمدونه المجنونة وهي قاعدة على قارعة الطريق وعليها جبّة صوف مكتوب بين كتفيها، بمداد هذا البيت المفرد:
سلب الرقاد عن الجفون تشوقي ... فمتى اللقا يا وارث الأموات
قال: فسلمت عليها، فردت السلام، فقالت: ألست أنت يزيد بن الحباب؟ قلت: لها، نعم، فبم عرفتيني؟! قالت: اتصلت المعرفة في الأسرار، فعرفتك بتعريف الملك الجبار، ثم قالت: أسالك. قلت: اسألي. قالت: ما هو السخاء في الدين؟ قلت لها: المسارعة إلى طاعة المولى. قالت: يا يزيد. آه آه، ليس هذا مسارعة، إنما المسارعة إلى طاعة الله أن لا يطلع على قلبك وأنت تريد منه شيئا بشيء، ثم أنشأت تقول هذين البيتين:
حسب من الحبيب بعلمه ... أن المحب ببابه مطروح
فإذا تقلب في الدنا ففؤاده ... بسهام لوعات الهوى مجروح
ويروى عن الحسن البصري ﵁ أنه قرأ ﴿وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ البقرة ٢٨١، فقال: هذه موعظة وعظ الله بها المسلمين، وذلك إن الحور العين تقول لولي الله، وهو متكئ على نهر العسل وهي تعطيه الكأس، وهما في سرور ونعيم: أتدري يا حبيب الله متى
стр. 101
زوجنيك الله ربي؟ فيقول: لا أدري. فتقول: نظر إليك في يوم صائف بعيد ما بين الطرفين وأنت في ظمأ الهواجر، فتباهى بك الملائكة، وقال: أنظروا يا ملائكتي إلى عبدي، ترك شهوته ولذته، وزوجته وطعامه وشرابه رغبة فيما عندي، أشهدكم أني قد غفرت له، فغفر لك يومئذ وزوجنيك.
لله درّ أقوام لاطفهم بأنسه، فتقرّبوا إليه بقلب سليم، أذاقهم حلاوة مناجاته، فكل منهم بحبه يهيم، أسكن قلوبه حبه، فليلهم بالأشواق ليل سليم، طهرها من الهوى، فحب الدنيا عنها راحل، وحب الآخرة مقيم على كل حال لا يعرفون سواه، فأهلا به من تنعّم، وأهلا به من نعيم.
للصالحين كرامات وأسرار ... لهم من الله تخصيص وآثار
صفت قلوبهم لله واتصفت ... بالصدق واكتنفت بالنور أنوار
واستغرقت كل وقت من زمانهم ... في طاعة الله أوراد وأذكار
صاموا النهار وقاموا الليل ما سئموا ... حتى تعرّفت على الظلماء أسحار
خلو به وراق الليل منسدل ... حتى لهم قد تجلت منه أنوار
طوبى لهم فلقد طابت حياتهم ... وشرّفت لهم في الناس أقدار
فازوا من الله بالزلفى وأسكنهم ... جنات عدن فنعم الدار والجار
ويروى عن إبراهيم بن أدهم (١) ﵁ أنه كان على بعض جبال مكة يحدّث أصحابه، فقال: لو أن وليا من أولياء الله تعالى قال لهذا الجبل: زل، لزال فتحرّك الجبل، فضربه إبراهيم برجله، وقال له اسكن، إنما ضربتك مثلا لأصحابي.
وروي عنه أيضا أنه ركب البحر فتحرك ريح عاصف فوضع إبراهيم رأسه ونام، فقال أصحابه: أما ترى ما نحن فيه من الشدة، فقال: أو هذه شدة؟ قالوا:
стр. 102
نعم، قال: لا، وإنما الشدة الحاجة للناس، ثم قال: الهي، أريتنا قدرتك، فأرنا عفوك، فصار البحر كأنه قدح زيت.
وعنه أيضا أنه كان في بعض الطرق مع أصحابه، فتعرّض لهم أسد، فقال له أصحابه: يا إبراهيم، هذا السبع قد ظهر لنا، فقال: أرونيه، فلما نظر إليه إبراهيم، قال: يا قسورة، إن كنت أمرت فينا بشيء فامض لما أمرت به، وإلا فتنحّ عنا.
قال: فضرب الأسد بذنبه، وولى هاربا، فتعجبنا منه حين فقه كلام إبراهيم، ﵁ ونفعنا به.
**
стр. 103
الفصل الرابع والعشرون
يا راحلا بلا زاد والسفر بعيد، العين جامدة والقلب أقسى من الحديد. من ألوى منك بالضراء وأنت تغرق في بحر المعاصي في كل يوم جديد. ما أيقظك الشباب ولا أنذرك الاكتهال، ولا نهاك المشيب، ما أرى صلاحك إلا بعيد، فديت أهل العزائم، لقد نالوا من الفضل المزيد، طووا فراش النوم، فلهم بكاء وتعديد، دموعهم تجري على خدودهم، خدّدت في الخدود أي تخديد، ما أنت من أهل المحبة ولا من العشاق يا قليل الهمة يا طريد.
لأمر ما تغيرا الليالي ... وأنت على البطالة لا تبالي
تبيت منعّما في خفض عيش ... وتصبح في هواك رخيّ بال
ألم تر إن أثقال الخطايا ... على كتفيك أمثال الجبال
أتكسب ما اكتسبت ولا تبالي ... فهل هو من حرام أو من حلال
إذا ما كنت في الدنيا بصيرا ... كففت النفس عن طرق الضلال
ألا بأبي خليل بات يحيى ... طويل الليل بالسبع الطوال
بقلب لا يفيق عن اضطراب ... وجفن لا يكف عن انهمال
أرى الأيام تنقلنا وشيكا ... إلى الأجداث حالا بعد حال
سأقنع ما حييت يشطر بر ... أشيّعه بريّ من زلال
إذا كان المصير إلى هلاك ... فما لي والتنعّم ثم ما لي
أما لي عبرة فيمن تفانى ... على الأيام من عم وخال
كأن بنسوتي قد قمن خلفي ... ونعشي فوق أعناق الرجال
يعجلن المسير ولست أدري ... لدار الفوز أم دار النكال
يبيد الكل منا دون شك ... ويبقى الله بري ذو الجلال
يروى عن رجل من أصحاب داود الطائي أنه قال: دخلت على داود، فقال لي:
стр. 104
ما حاجتك؟ قلت: زيارتك، فقال: أما أنت، فقد عملت خيرا حين زرتنا، ولكن أنظر ما ينزل بي إذا قيل لي: من أنت فتزار، أمن العبّاد أنت؟ لا والله. أمن الزهاد أنت؟ لا والله، ثم أقبل يوبّخ نفسه ويقول: كنت في الشباب فاسقا، وفي الكهولة مداهنا، فلما شخت صرت مرائيا. لا والله، إلا المرائي أشد من الفاسق، وجعل يقول: يا إله السموات والأرض، هب لي رحمة من عندك تصلح شبابي وتقيني من كل سوء، وتعلى في أعلى مقامات الصالحين مكاني.
اسمع يا أخي مقامات الرجال، وكرامات ذوي الأحوال، الذين اختصهم مولاهم وحباهم بالإفضال.
وعن عبد الله بن عبد الرحمن قال: حج سفيان الثوري مع شيبان الراعي، فعرض لهم أسد في بعض الطرق، فقال له سفيان: أم ترى كيف قطع علينا الطريق، وأخاف الناس. قال شيبان: لا تخف، فلما سمع الأسد كلام شيبان، بصبص إليه، وأخذ شيبان بأذنه وفركها، فبصبص وحرك ذنبه وولى هاربا، فقال سفيان: ما هذه الشهرة يا شيبان؟ قال: أو هذه شهرة يا سفيان؟ لولا مكان الشهرة لوضعت زادي على ظهره حتى أتيت مكة.
يروى عن عبد الرحمن بن أبي عباد المكّي أنه قال: قدم علينا شيخ يكنى بأبي عبد الله. قال: أقبلت في السحر إلى بئر زمزم، وإذا بشيخ قد سدل ثوبه على وجهه، وأتى البئر واستسقى، قال: فقمت إلى فضلته، فشربت منها. فإذا هو ماء مضروب بعسل لم أذق ماء أطيب منه. فالتفتّ فإذا بالشيخ قد ذهب، فلما كان في السحر في الليلة الثانية أتيت البئر وإذا بالشيخ دخل من باب المسجد قد سدل ثوبه على وجهه، فأتى البئر واستسقى، فشرب وخرج، فقمت إلى فضلته، فإذا هو سويق ألذ ما يكون، فلما كان في الليلة الثالثة، أتى البئر أيضا، واستسقى. فأخذت طرف ملحفته، ولففته على يدي، ثم شربت فضلته، فإذا هو لبن مضروب بسكر لم أذق قط أطيب منه، فقلت يا شيخ، بحق هذا البيت عليك، من أنت؟ قال:
стр. 105
تكتم عليّ. قلت: نعم. قال: سفيان الثوري.
لله درّ أقوام أفناهم شهوده عن وجودهم، فحالهم لشوقه مستديم، أقطعهم إقليم الكرى ما أبعده من إقليم، حماهم عن الأغيار غيرة عليهم، وخلع عليهم حلل الرضا والتسليم، سقاهم مدام الإلهام، فيا له من مدام، ويا له من نديم، أسبل على المعاصي ستره، ليعود إلى بابه الكريم، تقرّب برحمته للمذنبين، ليسكن روع المفلس من الطاعة العديم، أرسل إليه رسائل اللطف على يدي رسول كريم: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ الزمر ٥٣.
وأنشدوا:
ألا قف بباب الجود واقرعه نادما ... تجده متى جئته غير مرتج
وقل عبد سوء خوّفته ذنوبه ... فمدّ إليكم ضارعا كف مرتجي
ويروى عن أبي ريحانة صاحب رسول الله ﷺ أنه ركب البحر، فكان يخيط في السفينة، فسقطت إبرته، فقال: أعزم عليك يا ربّ إلا رددت عليّ إبرتي، فظهرت له حتى أخذها بيده.
قال: واشتد عليهم البحر، فقال له: اسكن، إنما أنت عبد حبشيّ، فسكن حتى صار مثل الزيت، ﵁، ونفعنا ببركاته.
***
стр. 106
الفصل الخامس والعشرون
يا أخي، أفنيت عمرك في اللعب، وغيرك فاز بالمقصود وأنت منه بعيد، غيرك على الجادة، وأنت من الشهوات في أوجال وتنكيد، ترى متى يقال: فلان استقال ورجع. يا له من وقت سعيد، متى تخرج من الهوى وترجع إلى مولاك العزيز الحميد، يا مسكين، لو عاينت قلق التائبين، وتململ الخائفين من هول الوعيد، جعلوا قرّة أعينهم في الصلاة، والزكاة، والتزهيد، وأهل الحرمان ضيعوا الشباب في الغفلة، والشيب في الحرص والأمل المديد، لا بالشباب انتفعت، ولا عند المشيب ارتجعت، يا ضيعة الشباب والمشيب: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ﴾ سبأ ٥١.
وأنشدوا:
عملت على القبائح في شبابي ... فلما شبت عدت إلى الرياء
فلا حين الشباب حفظت ديني ... ولا حين المشيب طببت دائي
فشاب عنده مصغر غويّ ... وشيخ عند مكبره مرائي
قضاء سابق في علم غيب ... فيا لله من سوء القضاء
يروى في بعض الأخبار إن عمر بن الخطاب ﵁ لقي حذيفة بن اليمان وهو يومئذ أمير المؤمنين، فقال لحذيفة: كيف أصبحت يا حذيفة؟ قال: أصبحت يا أمير المؤمنين أحب الفتنة، وأكره الحق، وأقول بما لم يخلق، وأشهد بما لم أر، وأصلي بلا وضوء، ولي في الأرض ما ليس لله في السماء.
فغضب عمر لذلك غضبا شديدا، وهمّ إن يبطش به، ثم تذكر صحبته من
стр. 107
النبي، فأمسك، فهو كذلك إذ مرّ به عليّ بن أبي طالب ﵁، فرأى الغضب في وجهه، فقال: ما أغضبك يا أمير المؤمنين، فقصّ عليه القصّة.
فقال: يا أمير المؤمنين لا يغضبك ذلك، أما قوله: إنه يحب الفتنة، فهو تأويل قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ التغابن ١٥.
أما قوله: يكره الحق، فالحق هو الموت الذي لا بدّ منه ولا محيص عنه.
وأما قوله: يقول بما لم يخلق: القرآن، فهو يقرأ القرآن وهو غير ومخلوق.
وأما قوله: يشهد بما لم ير، فانه يصدق بالله ولم يره.
وأما قوله: يصلي بغير وضوء، فانه يصلي على النبي ﷺ بغير وضوء.
وأما قوله: إن له في الأرض ما ليس لله في السماء، فان له زوجة وبنين، وليس لله شيء من ذلك.
فقال عمر: لله درّك: يا أبا الحسن، لقد كشفت عني هما عظيما.
ويروى أن رجلا من أهل دمشق يسمى بأبي عبد ربه، وكان أكثر أهل دمشق مالا، وأنه خرج مسافرا، فأمسى إلى جانب نهر ومرعى، فنزل فيه، فسمع صوتا يكثر حمدا لله في ناجية المرج. قال: فاتبعته، فوجدته رجلا ملفوفا في حصير، قال: فسلمت عليه، وقلت له: من أنت يا عبد الله؟.
قال: رجل من المسلمين.
فقلت له: فما هذه الحالة؟
قال: نعمة يجب عليّ شكرها.
فقلت: كيف وأنت ملفوف في حصير وأي نعمة عليك؟!.
قال: إن الله خلقني، فأحسن خلقي، وجعل منشأي ومولدي في الإسلام،
стр. 108
وألسني العافية في أركاني، وستر عليّ ما أكره ذكره، فمن أعظم نعمة ممن أمسى في مثل ما أنا فيه؟.
فقلنا: رحمك الله، لعلك أن تقوم معي إلى منزلي، فأنا نزول على النهر هاهنا بإزائك.
قال: ولم؟.
قلت: لتصيب شيئا من الطعام، ونعطيك ما يغنيك عن لبس الحصير.
قال: ما لي في ذلك من حاجة.
فأبى أن يسير معي، فانصرفت وقد تقاصرت عندي نفسي ومقتها، وقلت: لم أخلّف بدمشق رجلا أكثر مني مالا، وأنا ألتمس الزيادة.
فقلت: اللهم إني أتوب إليك مما أنا فيه، فتبت ولم يعلم أحد بما اجتمعت عليه، فلما كان في السحر، رحل الناس، وقدّموا إليّ دابتي، فصرفتها إلى دمشق، وقلت: ما أنا بصادق في التوبة إن أنا مضيت إلى متجري، فسألني القوم فأخبرتهم، فعاتبوني على المشي معهم فأبيت.
فلما قدم على دمشق قال ناقل الحديث: فوضع يده في ماله وتصدق به، وفرّقه في سبيل الله، ولزم العبادة حتى توفي ﵁، فلما توفي لم يوجد عنده إلا قدر حق الكفن.
وأنشدوا:
ذكر الوعيد فطرفه لا يهجع ... وجفا الرّقاد فبان عنه المضجع
متفرّدا بغليله يشكو الذي ... منه الجوانح والحشا يتوجع
لما تيقّن صدق ما جاءت به ... الآيات صار إلى الإنابة يسرع
فجفا الأحبّة في محبّة ربّه ... وسما إليه بهمّة ما يقلع
стр. 109
وتمتعت بوداده أعضاؤه ... إذ خصّها منه بودّ ينفع
كم في الظلام له إذا نام الورى ... من زفرة في إثرها يتوجّع
ويقول في دعواته يا سيدي ... العين يسعدها دموع رجع
إني فزعت إليك فارحم عبرتي ... وإليك من ذلّ الخطيئة أفزع
من ذا سواك يجيرني من زلتي ... يا من لعزته أذلّ وأخضع
فامنن عليّ بتوبة أحيا بها ... إني بما اجترمت يداي مروّع
قل التصبّر عنك يا من حبّه ... في الجارحات سقامه يتسرّع
كيف اصطبار متيّم في حبّه ... قدما لكاسات الهوى يتجرّع
لاحت وعن صدق المحبة ما بدت ... للناظرين نجوم ليل تطلع
ما الفوز إلا في محبّة سيده ... فيها المحبّ إذا تواضع يرفع
يروى أن قتادة بن النعمان الأنصاري ﵁ كان من الرماة المذكورين، شهد بدرا وأحدا، ورميت يومئذ عينه، فسالت على خدّه، فأتى النبي ﷺ وهي في يده، فقال: ما هذه يا قتادة؟ قال: هذا ما ترى يا رسول الله، فقال له رسول الله: "إن شئت صبرت ولك الجنة، وإن شئت رددتها لك ودعوت الله لك فلم تفقد منها شيئا"، فقال: والله يا رسول الله إن الجنة لجزاء جزيل، وعطاء جليل، ولكني مبتلى بحب النساء، وأخاف إن يقلن: أعور فلا يردنني، ولكن أحبّ إن تردّها إليّ وتسأل الله لي الجنة، فقال: "أفعل ذلك يا قتادة" ثم أخذها رسول الله ﷺ بيده، وأعادها إلى موضعها، فعادت أحسن ما كانت، إلى إن مات ودعا الله له بالجنة ﷺ .
قال: فدخل ابنه على عمر بن عبد العزيز ﵁، وهو خليفة فقال له عمر: من أنت يا فتى؟ فقال:
أنا ابن الذي سالت على الخدّ عينه ... فردّت بكف المصطفى أحسن ردا
فعادت كما كانت بأحسن حالها ... فيا حسن ما عين ويا حسن ما ردّ
стр. 110
فقال عمر: بمثل هذا فليتوسل إليه المتوسلون، ﵁ (١) .