(مُحْتَوٍ) أي: مُشتملٌ، أو مُحيطٌ (عَلَى مَسَائِلِ) الكِتَابِ المُسَمَّى بـ (تَحْرِيرِ المَنْقُولِ وَتَهْذِيبِ عِلْمِ الأُصُولِ) اسمٌ عَلَمٌ لأصلِ ذلك المُختصَرِ، سُمِّي بذلك لتحريرِ نُقولِه؛ أي: تقويمِها، وتهذيبِ أصولِه؛ أي: تلخيصِها وتسهيلِها، بعباراتٍ واضحةٍ مُقرِّبةٍ إلى الفهمِ، مَعَ الإتيانِ بالمعنى الجليِّ الواضحِ، (فِي أُصُولِ الفِقْهِ) الآتي تعريفُه؛ أي: لا في عِلْمٍ غيرِه.
(جَمْعِ الشَّيْخِ) الإمامِ (العَلَّامَةِ) أبي الحسنِ القاضي (عَلَاءِ الدِّينِ المَرْدَاوِيِّ الحَنْبَلِيِّ تَغَمَّدَهُ اللهُ تَعَالَى بِرَحْمَتِهِ، وَأَسْكَنَهُ فَسِيحَ جَنَّتِهِ) مُنْتَقًى هذا المختصَرُ (مِمَّا قَدَّمَهُ) القاضي علاءُ الدِّينِ مِن الأقوالِ الَّتي في المسألةِ (أَوْ كَانَ) القولُ (عَلَيْهِ الأَكْثَرُ مِنْ أَصْحَابِنَا) يَذْكُرُه في هذا المختصَرِ (دُونَ) ذِكْرِ بَقِيَّةِ (الأَقْوَالِ) المرجوحةِ.
(خَالٍ) هذا المختصرُ (مِنْ قَوْلٍ ثَانٍ) يَذْكُرُهُ فِيهِ (إِلَّا) مِن قولٍ ذَكَرَه (لِفَائِدَةٍ تَزِيدُ) أي: زائدةٍ (عَلَى مَعْرِفَةِ الخِلَافِ) لَا ليُعلَمَ أنَّ في المسألةِ خلافًا فقط.
(وَ) خالٍ أيضًا (مِنْ عَزْوِ مَقَالٍ إِلَى مَنْ إِيَّاهُ قَالَ) أي: خالٍ هذا المُختصرُ، مِن أنْ أَعزُوَ قولًا منه إلى قائلِه.
(وَمَتَى قُلْتُ) في هذا المُختصَرِ: هو كذا، كقولِه: العِلمُ لا يُحَدُّ (فِي وَجْهٍ) ويَنْدُرُ ذلك، سواءٌ كانَ بعدَ ذِكرِ حُكْمِ مسألةٍ كما في المثالِ، أو قَبْلَهُ؛ (فَالمُقَدَّمُ) أي: المُعتَمَدُ (غَيْرُهُ) أي: غيرُ ما قَالَ: إنَّه كذا في وجهٍ، أو في وجهٍ هو كذا.
(وَ) متى ما قُلْتُ: هو كذا، أو: لَيْسَ بكذا، كقولِه في المجازِ، و (فِي) قولِه: «ولا يُشتقُّ منه»، وَيَكْثُرُ ذلك، (أَوْ) كقولِه في الحروفِ: «في» لظرفٍ، وهي بمَعناه (عَلَى قَوْلٍ) في: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ (١).
стр. 40
(فَإِذَا قَوِيَ الخِلَافُ، أَوِ اخْتَلَفَ التَّرْجِيحُ) في المسألةِ (أَوْ مَعَ إِطْلَاقِ القَوْلَيْنِ، أَوِ الأَقْوَالِ) أي: فإذا قَوِيَ الخلافُ إلى آخِرِه، قُلْتُ: في قَوْلٍ، أو: على قولٍ؛ (إِذْ) أي: لأجلِ أَنِّي (لَمْ أَطَّلِعْ عَلَى) قولٍ (مُصَرَّحٍ) أو قائلٍ مُصَرِّحٍ (بِالتَّصْحِيحِ) لأحدِ القَولينِ، أو الأقوالِ؛ أي: لعدمِ اطِّلاعي على ذلك قُلْتُ: «في قولٍ»، أو: «على قولٍ».
(وَأَرْجُو) مِن اللهِ تَعالى، والرَّجاءُ: ضِدُّ اليأسِ، وهو تجويزُ وُقوعِ مَحبوبٍ على قُرْبٍ (أَنْ يَكُونَ) هذا المختصَرُ (مُغْنِيًا لِحَافِظِهِ (١) وقارِئِه (عَنْ غَيْرِه) مِن أُصُولِ الفقهِ، (عَلَى وَجَازَةِ أَلْفَاظِهِ) أي: اختَصَرَه لتسهيلِ حِفظِه، وكثرةِ عِلْمِه مَعَ قِلَّةِ حَجمِه.
(وَأَسْأَلُ اللهَ أَنْ يَعْصِمَنِي) أي: يَمْنَعَني (وَ) يَمنَعَ (مَنْ قَرَأَهُ) وحَفِظَه (مِنَ الزَّلَلِ): السَّقطِ في المنطقِ والخطِّ، (وَ) أَسأَلُ اللهَ تَعالى (أَنْ يُوَفِّقَنَا) والتَّوفيقُ (٢): «خلْقُ قُدرةِ الطَّاعةِ في العبدِ والدِّعايةِ إليها» (٣)؛ أي: يُوَفِّقَني ومَنْ قَرَأَه (وَالمُسْلِمِينَ لِمَا يُرْضِيهِ مِنَ القَوْلِ وَالعَمَلِ) إنَّه على ما يَشاءُ قديرٌ.
ورَتَّبْتُه كأصلِه على مُقدِّمَةٍ، وثمانيةَ عَشَرَ بابًا، مشتملةٍ على فصولٍ وفوائدَ وتَنَابِيهَ ونحوِ ذلك، ثمَّ خاتمةٍ.
стр. 41
(مُقَدِّمَةٌ)
تَشْتَمِلُ على تعريفِ هذا العِلْمِ، وفائدتِه، واستمدادِه، وما يَتَّصِلُ بذلك مِن مُقدِّماتٍ ولواحقَ؛ كالدَّليلِ، والنَّظرِ، والإدراكِ، والعِلمِ، والعَقلِ، والحدِّ، واللُّغةِ ومَسائِلِها، وأحكامِها، وأحكامِ خِطابِ الشَّرعِ، وخطابِ الوضعِ، وما يَتَعَلَّقُ بهما، وغيرِ ذلك.
ومُقدِّمةُ العِلْمِ لِما تَتَوَقَّفُ عليه مسائلُه؛ كمعرفةِ حدودِه، وغايتِه، وموضوعِه، ومقدِّمةُ الكتابِ لطائفةٍ مِن كلامِه، قُدِّمَتْ أمامَ المقصودِ لارتباطٍ له بها، وانتفاعٍ بها فيه، سواءٌ تَوَقَّفَ عليها أم لا.
وهي بكسرِ الدَّالِ على المشهورِ، كلامٌ مُقَدَّمٌ أمامَ المقصودِ لتَوَقُّفِه عليه، أو انتفاعِه به بوجهٍ، كمُقدِّمةِ الجيشِ، وهي طائفةٌ تَتَقَدَّمُه، وهي مِن قَدَّمَ بمَعنى تَقَدَّمَ؛ كقولِه تَعالى ﴿لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ (١) أي: لا تَتَقَدَّموا.
وقد تُفتَحُ الدَّالُ؛ لأنَّ صاحبَ الكتابِ، أو أميرَ الجيشِ قَدَّمَها، واقتصَرَ جماعةٌ على الكسرِ، والحقُّ جوازُ الوجهينِ بالاعتبارينِ، وهذه المادَّةُ تَرجِعُ تراكيبُها إلى مَعنى الأوَّليَّةِ، فمُقدِّمةُ الكتابِ: أَوَّلُه.
وهي في الأصلِ صفةٌ، ثمَّ اسمٌ لكلِّ ما وُجِد فيه التَّقدُّمُ، كمُقدِّمةِ الجيشِ والكتابِ، ومُقدِّمةِ الدَّليلِ والقياسِ: وهي القضيَّةُ الَّتي تُنْتِجُ ذلك مَعَ قضيَّةٍ أُخرى، نحوُ: «كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ، وَكُلُّ خَمْرٍ حَرَامٌ» (٢) ونحوُ: كلُّ وضوءٍ عبادةٌ، وكلُّ عبادةٍ تُشتَرَطُ لها النِّيَّةُ، ونحوُه.
стр. 42
واعلَمْ أنَّ العِلمَ لا يَتَمَيَّزُ عندَ العَقلِ إلَّا بعدَ العِلمِ بموضوعِه، فكلُّ عِلمٍ يَتَمَيَّزُ عن غيرِه بموضوعه كما يَتَمَيَّزُ برسمِه.
ولمَّا كانَ موضوعُ أصولِ الفقهِ أخصَّ مِن مُطلقِ الموضوعِ، والعلمُ بالخاصِّ مسبوقًا بالعِلمِ بالعامِّ؛ وَجَبَ أوَّلًا تعريفُ موضوعِ العِلمِ حَتَّى تَحصُلَ معرفةُ موضوعِ أصولِ الفقهِ، وكلُّ عِلمٍ له موضوعٌ ومَسائلُ.
فـ (مَوْضُوعُ كُلِّ عِلْمٍ: مَا) أي: الشَّيءُ الَّذِي (يُبْحَثُ فِيهِ) أي: في ذلك العِلمِ (عَنْ عَوَارِضِهِ) أي: عن الأحوالِ العارضةِ له (الذَّاتِيَّةِ) دونَ العَوارضِ اللَّاحقةِ لأمرٍ خارجٍ عن الذَّاتِ، ومسائلُه هي معرفةُ تلك الأحوالِ.
(فَمَوْضُوُعُ ذَا) الأصولُ: الكتابُ، والسُّنَّةُ، والإجماعُ، والقياسُ، ونحوُها، وهي (الأَدِلَّةُ المُوَصِّلَةُ إِلَى الفِقْهِ)؛ لأنَّه يُبحَثُ فيها عنِ العَوارضِ اللَّاحقةِ لها مِن كونِها عامَّةً، أو خاصَّةً، أو مُطلقةً، أو مُقَيَّدَةً، ونحوِ ذلك، وهذه الأشياءُ هي مَسائلُه.
و موضوعُ الفقهِ: أفعالُ العِبادِ من حَيْثُ تَعلُّقُ الأحكامِ الشَّرعيَّةِ بها، ومَسائلُه: ما يُذكَرُ في كلِّ بابٍ.
و موضوعُ عِلمِ الطِّبِّ: بدنُ الإنسانِ؛ لأنَّه يَبحَثُ فيه عن الأمراضِ اللَّاحقةِ له، ومَسائلُه: هي معرفةُ تلك الأمراضِ.
و موضوعُ عِلْمِ النَّحوِ: الكلماتُ، فإنَّه يَبحَثُ عن أحوالِها مِن الإعرابِ والبناءِ، ومَسائلُه: هي معرفةُ الإعرابِ والبناءِ.
و موضوعُ عِلْمِ الفرائضِ: التَّرِكَاتُ، فإنَّه يَبحَثُ فيها مِن حَيْثُ قِسْمَتُها، ومسائلُه: هي معرفةُ حُكْمِ قِسمَتِها.
стр. 43
إذا عَلِمْتَ ذلك، فلا يُبحَثُ في العلومِ إلَّا عن الأعراضِ الذَّاتيَّةِ لموضوعاتِها؛ أي: الَّتي مَنْشَؤُها الذَّاتُ، بأنْ لَحِقَتْه لذاتِه.
- والعوارضُ الذَّاتيَّةُ: هي الَّتي تَلْحَقُ الشَّيْءَ لِما هُو هُو؛ أي: لذاتِه، كالتَّعجُّبِ اللَّاحقِ لذاتِ الإنسانِ،
- أو تَلْحَقُ الشَّيْءَ لجُزئِه، كالحركةِ بالإرادةِ اللَّاحقةِ للإنسانِ بواسطةِ أنَّه حيوانٌ،
- أو تَلْحَقُه لأمرٍ خارجٍ عنه مُساوٍ له، كالضَّحِكِ العارضِ للإنسانِ بواسطةِ التَّعجُّبِ.
- وأمَّا العوارضُ الَّتي تَلْحَقُ الشَّيْءَ لأمرٍ خارجٍ أعمَّ مِن المَعروضِ، كالحركةِ اللَّاحقةِ للأبيضِ بواسطةِ أنَّه جسمٌ.
- أو أخصَّ، كالضَّحكِ العارضِ للحيوانِ بواسطةِ أنَّه إنسانٌ.
- أو مُبايِنٍ، كالحرارةِ العارضةِ للماءِ بواسطةِ النَّار؛ تُسَمَّى أعراضًا غَريبةً؛ لِما فيها مِن الغَرابةِ بالقياسِ إلى ذاتِ المعروضِ.
(وَلَا بُدَّ لِمَنْ طَلَبَ) أي: حاوَلَ (عِلْمًا) مِن العلومِ، وطَلَبَ مَعرفتَه أنْ يَعرِفَ ثلاثةَ أمورٍ:
(١) (أَنْ يَتَصَوَّرَهُ بِوَجْهٍ مَا) أي: بوجهٍ مِن الإجمالِ؛ لأنَّ طلبَ الإنسانِ ما لا يَعرِفُه مُحالٌ ببديهةِ العَقلِ، وذلك الوجهُ الَّذِي يَعرِفُه به هو المعنى الَّذِي يُحيطُ بكثرتِه، ثمَّ يَطلُبُه مِن جهةِ تَفصيلِه، فإنْ عَرَفَه مِن جهةِ التَّفصيلِ كانَ طلبُه له مُحالًا؛ لأنَّه تحصيلُ الحاصلِ.
(وَ) الثَّاني: أنْ (يَعْرِفَ: غَايَتَهُ) لِئلَّا يَكُونَ سعيُه عَبَثًا، فيَضِيعَ عُمُرُه فيما لا يَعلَمُ له فائدةً.
стр. 44
(وَ) الثَّالثُ: أنْ يَعرِفَ (مَادَّتَهُ) أي: ما يُستَمَدُّ منه، ليَرجِعَ في تلك الجُزئيَّةِ إلى مَحَلِّها منه.
واعلَمْ أنَّ أصلَ هذه القاعدةِ: أنَّ كُلَّ معدومٍ يُوجَدُ يَتَوَقَّفُ وجودُه على أربعِ عِلَلٍ: صوريَّةٍ، وغائيَّةٍ، ومادِّيَّةٍ، وفاعِليَّةٍ.
فالأُولى: هي الَّتي تَقُومُ صورتُه وتَتَمَيَّزُ بها عن غيرِه، فتَصَوُّرُ المُرَكَّبِ يَتَوَقَّفُ على تَصَوُّرِ أركانِه، وانتظامِها على الوجهِ المقصودِ.
الثَّانيةُ: هي الباعثةُ على إيجادِه، والأُولى في الفِكرِ مُقدَّمةٌ على سائرِ العللِ، وإنْ كانَتْ آخِرًا في الوجودِ الخارجيِّ، ولهذا يُقالُ: مَبدَأُ العِلْمِ مُنتهى العملِ، ويُقالُ أيضًا: هي علَّةٌ في الذِّهنِ معلولةٌ في الخارجِ.
الثَّالثةُ: الَّتي تُستَمَدُّ منها المُرَكَّباتُ، أو ما في حُكمِها.
الرَّابعةُ: هي المُؤثِّرةُ في إيجادِ ذلك وإخراجِه مِن العدمِ إلى الوجودِ.
(فَأُصُولٌ: جَمْعُ أَصْلٍ، وَهُوَ) أي: الأصلُ:
(لُغَةً) أي: في اللُّغةِ (مَا يُبْنَى عَلَيْهِ) أي: على الأصلِ (غَيْرُهُ).
(وَ) مَعنى الأصلِ (اصْطِلَاحًا: مَا لَهُ فَرْعٌ)؛ لأنَّ الفَرعَ إِنَّمَا يَنْشَأُ عن أصلٍ، والأصلُ لا يُطلَقُ غالبًا إلَّا على ما له فرعٌ.
(و) اعلَمْ أنَّ للأصلِ أربعَ إطلاقاتٍ:
أحدُها: أنَّه (يُطْلَقُ عَلَى الدَّلِيلِ غَالِبًا) كقولِك: أصلُ هذه المسألةِ الكتابُ أو السُّنَّةُ؛ أي: دليلُها. (وَ) هذا الإطلاقُ (هُوَ المُرَادُ هُنَا) أي: في أُصولِ الفقهِ.
(وَ) الثَّاني: يُطلَقُ (عَلَى الرُّجْحَانِ) أي: على الرَّاجحِ مِنَ الأمرينِ،
стр. 45
كقولِك: الأصلُ في الكلامِ الحقيقةُ لا المجازُ، و: الأصلُ براءةُ الذِّمَّةِ، وبقاءُ ما كانَ على ما كانَ.
(وَ) الثَّالثُ: (القَاعِدَةُ المُسْتَمِرَّةُ) أو الأمرُ المُستمرُّ، كقولِك: أكلُ المَيْتَةِ على خلافِ الأصلِ؛ أي: خلافِ القاعدةِ المُستمرَّةِ في الحُكمِ.
(وَ) الرَّابِعُ: (المَقِيسُ عَلَيْهِ) وهو ما يُقابِلُ الفرعَ في بابِ القياسِ على ما يَأتي إنْ شاءَ اللهُ تَعالى.
(وَالفِقْهُ لُغَةً: الفَهْمُ) لأنَّ العِلمَ يَكُونُ عنه، قَالَ اللهُ تَعالى: ﴿وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ (١)، و ﴿مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ﴾ (٢) أي: ولكنْ لا تَفهَمون، وما نَفْهَمُ كثيرًا مِمَّا تَقُولُ، ونحوُه.
(وَهُوَ) أي: الفَهمُ (إِدْرَاكُ مَعْنَى الكَلَامِ) و المُرادُ بالفَهمِ: الإدراكُ، لا جَودةُ الذِّهنِ مِن جهةِ تَهيُّئهِ لاقتباسِ مَا يَرِدُ عليه مِن المَطالبِ، والذِّهنُ: قُوَّةُ النَّفْسِ المُستعِدَّةِ لاكتسابِ الحُدودِ والآراءِ.
(وَ) الفقهُ (شَرْعًا) أي: في اصطلاحِ فقهاءِ الشَّرعِ: (مَعْرِفَةُ الأَحْكَامِ) لا الذَّواتِ والصِّفاتِ والأفعالِ.
والحُكْمُ: هو النِّسبةُ بينَ الأفعالِ والذَّواتِ.
(الشَّرْعِيَّةِ) لا العَقليَّةِ، (الفَرْعِيَّةِ) لا الأُصُولِيَّةِ، والحُكمُ الشَّرعيُّ الفَرعيُّ لا يَتَعَلَّقُ بالخَطأِ في اعتقادِ مُقتضاه، وَلَا في العَملِ به قَدحٌ في الدِّينِ، وَلَا وعيدٌ في الآخرةِ، كالنِّيَّةِ في الوُضوءِ، والنِّكاحِ بلا وَلِيٍّ، ونحوِهما.
стр. 46
وقولُه: (بِالفِعْلِ) أي: بالاستدلالِ (أَوْ) بـ (القُوَّةِ القَرِيبَةِ) مِن الفِعلِ بالتَّهيُّؤِ لمعرفتِها عن أدلَّتِها التَّفصيليَّةِ بالاستدلالِ.
(وَالفَقِيهُ: مَنْ عَرَفَ جُمْلَةً غَالِبَةً) أي: كثيرًا (مِنْهَا) أي: الأحكامِ الشَّرعيَّةِ الفَرعيَّةِ (كَذَلِكَ) أي: بالفِعلِ والقوَّةِ القَريبةِ مِن الفِعلِ، فلا يَكُونُ فقيهًا حَتَّى يَعرِفَها على هذه الصِّفةِ، وإلَّا كانَ مُقَلِّدًا.
ولا يُطلَقُ الفقيهُ على مُحَدِّثٍ، وَلَا مُفَسِّرٍ، وَلَا مُتكلِّمٍ، ونحوِهم.
ولَمَّا تَقَدَّمَ الكلامُ على تعريفِ أُصولِ الفقهِ مِن حَيْثُ معناه الإضافِيُّ شَرَعَ في تعريفِه مِن حَيْثُ كونُه عِلْمًا، فقَالَ:
(وَأُصُولُ الفِقْهِ عَلَمًا) أي: مِن حَيْثُ كونُها صارَتْ لَقَبًا على هذا العِلْمِ: (القَوَاعِدُ) جَمْعُ قاعدةٍ، وهي الأمرُ الكُلِّيُّ الَّتي تَنطَبِقُ عليه جُزئيَّاتٌ كثيرةٌ تُفهَمُ أحكامُها منها:
- فمنها ما لا يَختَصُّ ببابٍ، كقولِنا: اليقينُ لا يُرفَعُ بالشَّكِّ.
- ومنها ما يختص، كقولِنا: كفَّارَةٌ سَبَبُها معصيةٌ فهي على الفورِ، والغالبُ فيما يَختَصُّ ببابٍ، وقُصِدَ به نَظْمُ صورٍ مُتشابهةٍ يُسَمَّى ضابطًا.
- ومنها القواعدُ الأُصُوليَّةُ، وهي المقصودةُ هنا، كقَولِنا: الأمرُ للوجوبِ، و: دليلُ الخطابِ حُجَّةٌ، و: قياسُ الشَّبَهِ دليلٌ صحيحٌ، و: الحديثُ المُرسَلُ يُحتَجُّ به، ونحوِ ذلك مِن مسائلِ أصولِ الفقهِ.
إذا عَلِمْتَ ذلك: فالقاعدةُ هنا: عبارةٌ عن صورٍ كُلِّيَّةٍ تَنطبِقُ كلُّ واحدةٍ منها على جُزئيَّاتِها الَّتي تَحتَها، ولذلك لم يُحتَجْ إلى تقييدِها بالكُلِّيَّةِ؛ لأنَّها لا تَكُونُ إلَّا كذلك، وذلك كقولِنا مثلًا: «حقوقُ العقدِ تَتَعَلَّقُ بالموكِّلِ دونَ
стр. 47
الوكيلِ»، وقولِنا: «الحِيَلُ في الشَّرعِ باطلةٌ»، فكلُّ واحدةٍ مِن هاتينِ القضيَّتينِ يُعرَفُ بالنَّظرِ فيها قضايا مُتَعَدِّدَةٌ، كقولِنا: عُهدَةُ المُشتَري على المُوكِّلِ، ولو حَلَفَ لا يَفعَلُ شيئًا فوَكَّلَ في فِعلِه: حَنَثَ، ولو وَكَّلَ مسلمٌ ذِمِّيًّا في شراءِ خمرٍ، أو خنزيرٍ: لم يَصِحَّ؛ لأنَّ أحكامَ العَقدِ تَتَعَلَّقُ بالمُوكِّلِ، وقولِنا: لا يَصِحُّ نكاحُ المُحَلِّلِ، وَلَا تَخليلُ الخمرِ علاجًا، وَلَا بيعُ العِينَةِ، وَلَا الحيلةُ على إبطالِ الشُّفعةِ؛ لأنَّ الحِيَلَ باطلةٌ، وهكذا قولُنا: الأمرُ للوجوبِ وللفَورِ، ونحوُه على ما تَقَدَّمَ، وذلك كلُّه مسائلُ للقواعدِ الفقهيَّةِ.
وقولُه: (الَّتِي يُتَوَصَّلُ) أي: يُقصَدُ الوصولُ (بِهَا إِلَى اسْتِنْبَاطِ الأَحْكَامِ) الخمسةِ؛ أي: لا القواعدِ الَّتي لا يُتَوَصَّلُ بها إلى استنباطِ شيءٍ، كقواعدِ البيتِ، أو يُستنبَطُ منها غيرُ الأحكامِ مِنَ الصَّنائعِ، والعِلمِ بالهَيئاتِ، والصِّفاتِ (الشَّرْعِيَّةِ) لا الاصطلاحيَّةِ، والعَقليَّةِ، كقَواعِدِ عِلمِ الحِسابِ والهَندسةِ (الفَرْعِيَّةِ) لا الأحكام الَّتي تكون مِن جِنسِ الأُصولِ، كمَعرفةِ التَّوحيدِ مِنْ أمرِه تَعالى لِنَبِيِّه ﵇ في قولِه تَعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ (١).
(وَالأُصُولِيُّ) مَن قامَ به عِلْمُ الأصولِ: وهو (مَنَ عَرَفَهَا) أي: القواعدَ المذكورةَ، فهو منسوبٌ إلى الأُصولِ، كالأنصاريِّ نسبةً إلى الأنصارِ، ولا بدَّ أن يَكُونَ قد عَرَفَها، وحَرَّرَها، وأَتْقَنَها، فبذلك يُسَمَّى أُصُوليًّا، كما أنَّ مَن أَتْقَنَ الفقهَ وحَرَّرَه يُسَمَّى فقيهًا، ومَن أَتْقَنَ الطِّبَّ يُسَمَّى طبيبًا.
(وَغَايَتُهَا) أي: غايةُ معرفةِ هذه الأصولِ لمَن صارَ قادرًا على استنباطِ الأحكامِ الشَّرعيَّةِ مِن أَدِلَّتِها.
стр. 48
(مَعْرِفَةُ أَحْكَامِ اللهِ تَعَالَى، وَالعَمَلُ بِهَا) فهي فائدتُه؛ لأنَّ ذلك مُوصِلٌ للعِلمِ، وبالعِلمِ يَتَمَكَّنُ المُتَّصِفُ به من العَملِ المُوصِلِ إلى خَيريِ الدُّنْيَا والآخرةِ.
(وَمَعْرِفَتُهَا) أي: أُصولِ الفِقهِ (فَرْضُ كِفَايَةٍ، كَالفِقْهِ) على الصَّحيحِ.
وَقِيلَ: فرضُ عينٍ، حَكاه ابنُ عَقِيلٍ وغيرُه، والمرادُ للاجتهادِ.
(وَالأَوْلَى) بل أَوْجَبَ ابنُ البَنَّا وابنُ عَقِيلٍ وغيرُهما (تَقْدِيمَهَا عَلَيْهِ) ليَتَمَكَّنَ بمعرفتِها إلى استفادةِ معرفةِ الفُروعِ.
(وَيُسْتَمَدُّ) أصولُ الفقهِ مِن ثلاثةِ أشياءَ:
(١) (مِنْ أُصُولِ الدِّينِ)؛ لتَوَقُّفِ معرفةِ كَوْنِ الأَدِلَّة الكُلِّيَّةِ حُجَّةً شرعًا على معرفةِ اللهِ تَعالى بصفاتِه، وصِدقِ رسولِه ﵇ فيما جاءَ به عنه، ويَتَوَقَّفُ صدقُه على دَلالةِ المُعجزةِ عليه.
(وَ) الشَّيْءُ الثَّاني: مِن (العَرَبِيَّةِ) بأنواعِها؛ لتَوَقُّفِ فَهْمِ ما يَتَعَلَّقُ بأُصولِ الفقهِ مِنَ الكتابِ والسُّنَّةِ وغيرِهما، فإنْ كانَ مِن حَيْثُ المدلولُ فهو عِلمُ اللُّغةِ، أو مِن أحكامِ تَركيبِها فعِلمُ النَّحوِ، أو مِن أحكامِ أفرادِها فعِلمُ التَّصريفِ، أو مِن جهةِ مُطابقتِه لمُقتضى الحالِ وسلامتِه مِنَ التَّعقيدِ، ووجوهِ الحُسْنِ فعِلْمُ البيانِ بأنواعِه الثَّلاثةِ.
(وَ) الشَّيْءُ الثَّالثُ مِن (تَصَوُّرِ الأَحْكَامِ) أي: أحكامِ التَّكْلِيف؛ لتَوَقُّفِ كيفيَّةِ معرفةِ الاستنباطِ عليه، دون إثباتِ الأحكامِ في آحادِ المسائلِ، فإنَّه مِنَ الفِقهِ، وهو يَتَوَقَّفُ على الأُصولِ، فيَدورُ.
стр. 49
(فَصْلٌ)
الفصلُ لغةً: الحجزُ بينَ الشَّيئينِ، ومنه فصلُ الرَّبيعِ؛ لأنَّه يَحجِزُ بينَ الشِّتاءِ والصَّيفِ، وهو في كُتبِ العِلْمِ كذلك؛ لأنَّه يَحجِزُ بينَ أجناسِ المسائلِ وأنواعِها.
(الدَّالُّ): هو اللهُ تَعالى، (النَّاصِبُ لِلدَّلِيلِ) وهو القُرآنُ.
وَقِيلَ: إنَّ الدَّالَّ هو الدَّليلُ، «فعيلٌ» بمَعنى «فاعلٍ» كعَليمٍ، وعالمٍ، وعليه أكثرُ المُتَأَخِّرينَ، فالدَّليل بمعنى الدَّالِّ، فهما بمَعنًى واحدٍ مِن دَلَّ دَلَالَةً، بفتحِ الدَّالِ على الأفصحِ، ومعنى الدَّلالةِ: الإرشادُ إلى الشَّيءِ.
(وَهُوَ) أي: الدَّليلُ (لُغَةً):
(١) إمَّا (المُرْشِدُ) حقيقةً،
(٢) (وَ) إمَّا (مَا) يَحصُلُ (بِهِ الإِرْشَادُ) مَجازًا، والمُرشِدُ: النَّاصبُ للدَّليلِ، والذَّاكرُ له، وما به الإرشادُ: هو العَلَامةُ الَّتي نُصِبَتْ للتَّعْرِيفِ.
(وَ) الدَّليلُ (شَرْعًا: مَا) أي: الشَّيْءُ الَّذِي (يُمْكِنُ التَّوَصُّلُ بِصَحِيحِ النَّظَرِ) أي: النَّظرِ الصَّحيحِ مِن إضافةِ الصِّفةِ إلى الموصوفِ، فالهاءُ مِن (فِيهِ) عائدةٌ على «ما» (إِلَى مَطْلُوبٍ خَبَرِيٍّ) أي: تصديقيٍّ.
وخرجَ بقولِه: «ما يُمكِنُ»: ما لا يُمكِنُ التَّوَصُّلُ به إلى المطلوبِ كالمطلوبِ نَفسِه، فإنَّه لا يُمكِنُ التَّوصُّلُ به إليه، أو يُمكِنُ التَّوصُّلُ إلى المطلوبِ، لكنْ لا بالنَّظرِ؛ كسلوكِ طريقٍ يُمكِنُ أن يُتَوَصَّلَ بها اتِّفاقًا، أو يُمكِنُ
стр. 50
لا بصحيحِ النَّظرِ، بل بفاسدِه، ككاذبِ المَادَّةِ في اعتقادِ النَّاظرِ، أو يُمكِنُ التَّوصُّلُ بصحيحِه، لكنْ بمطلوبٍ تصويريٍّ لا تصديقيٍّ خَبَريٍّ، وهو الحدُّ والرَّسمُ، فلا يُسَمَّى شيءٌ مِن ذلك دليلًا، لكنْ يَدخُلُ في المطلوبِ الخَبَريِّ ما يُفيدُ القَطعَ والظَّنَّ، وهو مذهبُ أصحابِنا وأكثرِ الفقهاءِ والأُصوليِّينَ.
(وَيَحْصُلُ المَطلُوبُ المُكْتَسَبُ:
(١) عَقِبَهُ) أي: عَقِبَ النَّظرِ الصَّحيحِ في الدَّليلِ (عَادَةً) لا ضرورةً على الأصحِّ؛ لأنَّ العادةَ جَرَتْ بأنْ يَفِيضَ على المُستدِلِّ بعدَ النَّظرِ الصَّحيحِ مادةُ مطلوبِه، وصورةُ مطلوبِه الَّذِي تَوَجَّه إلى تَحصيلِه.
والقولُ الثَّاني: أنَّ المطلوبَ يَحصُلُ عَقِيبَه ضرورةً؛ لأنَّه لا يُمْكِنُه تَركُه.
(وَالمُسْتَدِلُّ: الطَّالبُ لَهُ) أي: للدَّليلِ (مِنْ سَائِلٍ وَمَسْؤُولٍ، فـ) ـقد قَالَ الإمامُ أحمدُ ﵀:
(١) (الدَّالُّ: اللهُ تَعَالَى،
(٢) وَالدَّلِيلُ: القُرْآنُ،
(٣) وَالمُبَيِّنُ: الرَّسُولُ،
(٤) وَالمُسْتَدِلُّ: أُولُو العِلْمِ. هَذِهِ قَوَاعِدُ الإِسْلَامِ).
وقولُه: «هذه قواعدُ الإسلامِ» الَّذِي يَظهَرُ أنَّ (١) قواعدَ الإسلامِ تَرجِعُ إلى اللهِ تَعالى، وإلى قولِه: وهو القرآنُ، وإلى رسولِه ﷺ ، وإلى عُلماءِ الأُمَّةِ، لم يَخرُجْ شيءٌ مِن أحكامِ المسلمينَ والإسلامِ عنها. قالَه في «شرحِ الأصلِ» (٢).
стр. 51
(وَالمُسْتَدَلُّ عَلَيْهِ): هو (الحُكْمُ) على الشَّيْءِ بكَوْنِه حلالًا، أو حرامًا، أو واجبًا ونحوِه.
(وَ) المُستدَلُّ (بِهِ: مَا يُوجِبُهُ) أي: العِلَّةُ المُوجِبَةُ للحُكمِ.
(وَ) المُستدَلُّ (لَهُ) أي: لخلافِه وقطعِ جدالِه (الخَصْمُ).
(وَالنَّظَرُ) يُطلَقُ لغةً: على الانتظارِ، وعلى رُؤيةِ العَينِ المُعَيَّنَ (١)، وعلى الإحسانِ، وعلى مَعانٍ غيرِ ذلك.
وقوله: (هُنَا) أي: في اصطلاحِ أهلِ الشَّرعِ: (فِكْرٌ يُطْلَبُ بِهِ) أي: بالفِكرِ (عِلْمٌ أَوْ ظَنٌّ).
وقالَ ابنُ حَمْدَانَ في «المُقنعِ» (٢): النَّظَرُ: تَفَكُّرٌ وَتَأَمُّلٌ وَاعْتِبَارُ تَرْتِيبٍ، يُعْرَفُ بِهِ المَطْلُوبُ مِنْ: تَصَوُّرٍ، وَتَصْدِيقٍ، وَحُدُودٍ، وَأَمَارَةٍ.
(وَالفِكْرُ) كالجنسِ، ويُطلق على ثلاثةِ مَعانٍ:
أحدُها: حركةُ النَّفْسِ آلتَها مُقَدَّمَ البَطنِ الأوسطِ مِنَ الدِّماغِ، إذا كانَتِ الحركةُ في المعقولاتِ.
الثَّاني: وهو أخصُّ مِن الأول وهو المُرادُ بالحدِّ (هُنَا: حَرَكَةُ النَّفْسِ مِنَ المَطَالِبِ إِلَى المَبَادِئِ، وَرُجُوعُهَا) أي: رجوعُ حَرَكَةِ النَّفْسِ (مِنْهَا) أي: مِنَ المَبادئِ (إِلَيْهَا) أي: إلى المَطالبِ في المَعقولاتِ، وفي المَحسوساتِ تُسَمَّى حَرَكَتُها تَخَيُّلًا، تَخييلًا، لا فِكْرًا، ويُوسَمُ الفِكْرُ بهذا المعنى بتَرتيبِ أمورٍ حاصلةٍ في الذِّهنِ ليُتَوَصَّلَ بها إلى تحصيلِ غيرِ الحاصلِ.
стр. 52
الثَّالثُ: إطلاقُه على جُزءِ الثَّاني، وهو الحركةُ مِنَ المَطالبِ إلى المَبادئِ، وإن كانَ الغرضُ منها الرُّجوعَ، وهو الَّذِي يُستعمَلُ بإزالةِ الحَدْسِ، وهو سرعةُ الانتقالِ مِن المَبادئِ إلى المَطالبِ.
(وَالإِدْرَاكُ) أي: إدراكُ الماهيَّةِ:
(١) (بِلا حُكْمٍ) عليها بنفيٍ، أو إيجابٍ: (تَصَوُّرٌ) سُمِّيَ بذلك لأخذِه مِن الصُّورةِ، وهو حاصلُ صورةِ الشَّيْءِ في الذِّهنِ فهو ساذَجٌ؛ أي: مشروطٌ فيه عدمُ الحُكْمِ.
(٢) (وَبِهِ) أي: تصوُّرُ الماهيَّةِ مَعَ الحُكْمِ عليها بإيجابٍ أو سلبٍ: (تَصْدِيقٌ) وهو مشروطٌ فيه الحُكْمُ، ومَعنى الحُكْمِ في التَّصديقِ: إسنادُ أمرٍ إلى آخَرَ إثباتًا أو نفيًا، نحوُ كونِ زيدٍ قائمًا، أو لَيْسَ بقائمٍ، وإنَّما سُمِّيَ تَصديقًا لأنَّ فيه حُكمًا يُصَدُّقُ فيه، أو يُكَذَّبُ، سُمِّيَ بأشرفِ لازِمَيِ الحُكمِ في النِّسبةِ.
стр. 53
(فَصْلٌ)
(العِلْمُ لَا يُحَدُّ فِي وَجْهٍ) قَالَ أبو المَعَالي (١) وتلميذُه الغَزَّاليُّ (٢): لعُسْرِه، ويَتَمَيَّزُ ببحثٍ، وتقسيمٍ، ومثالٍ.
وقالَ الرَّازيُّ: لِأَنَّهُ ضَرُورِيٌّ (٣).
والصَّحيحُ أنَّه يُحَدُّ عندَ أصحابِنا والأكثرِ، ولهم فيه حدودٌ كثيرةٌ.
(وَ) الأَوْلَى منها قولُ ابنِ حمدانَ في «مُقنِعِه»: (هُوَ صِفَةٌ يُمَيِّزُ) الإنسانُ (المُتَّصِفُ بِهَا) بينَ الجَواهرِ والأجسامِ، والأعراضِ، والواجبِ، والمُمكِنِ، والمُمتنعِ (تَمْيِيزًا جَازِمًا مُطَابِقًا) لِما في نفسِ الأمرِ، فالتَّمييزُ المطابِقُ: هو الَّذِي لا يَحتملُ النَّقيضَ.
(فَلَا يَدْخُلُ إِدْرَاكُ الحَوَاسِّ) فيما لا يَحتملُ النَّقيضَ على الصَّحيحِ؛ لأنَّ الحِسَّ قد يُدرِكُ الشَّيْءَ لا على ما هو عليه، كالمُستديرِ مُستويًا، والمُتحرِّكِ ساكنًا ونحوِهما، وَقِيلَ: إنَّ إدراكَ الحَوَاسِّ نوعٌ مِن العِلْمِ.
(وَيَتَفَاوَتُ) العِلْمُ على أصحِّ الرِّوايتينِ، وعليه الأكثرُ، (كَـ) ـما يَتَفَاوَتُ (المَعْلُومُ) قَالَ الأُرْمَوِيُّ: الحقُّ أنَّ المعلوماتِ تَتَفاوَتُ (٤).
قالَ ابنُ قاضي الجَبلِ (٥): وهي مسألةُ خلافٍ، وعن أحمدَ فيها روايتانِ
стр. 54
الأصحُّ التَّفاوُتُ، فإنَّا نَجِدُ بالضَّرورةِ الفرقَ بينَ كونِ الواحدِ نصفَ الاثنينِ، وبينَ ما عَلِمْناه مِن جهةِ التَّواتُرِ مَعَ كونِ اليقينِ حاصلًا فيهما. قالَه في «شرحِ الأصلِ» (١).
(وَ) كما يَتَفَاوَتُ (الإِيمَانُ) قَالَ ابنُ مُفْلِحٍ في الكلامِ على الواجبِ: والصَّوابُ أنَّ جميعَ الصِّفاتِ المَشروطةِ بالحياةِ تَقبَلُ التَّزايُدَ.
وعن أحمدَ في المعرفةِ الحاصلةِ في القلبِ في الإيمانِ: هل تَقبَلُ التَّزايُدَ والنَّقصَ؟ روايتانِ، والصَّحيحُ في مذهبِنا ومذهبِ أهلِ السُّنَّةِ: إمكانُ الزِّيادةِ في جميعِ ذلك (٢). انتهى.
وعُلِمَ أنَّ للعِلمِ إطلاقاتٍ لغةً وعرفًا:
أحدُها: اليقينُ: وهو الَّذِي لا يَحتملُ النَّقيضَ، وهو المُرادُ بالحَدِّ الأَوَّلِ وهو الأصلُ.
(وَ) الإطلاقُ الثَّاني: (يُرَادُ بِهِ) أي: بالعِلمِ (مُجَرَّدُ الإِدْرَاكِ) فيَشمَلُ الأربعةَ قولُه تَعالى: ﴿مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ﴾ (٣) والمُرادُ نفيُ كلِّ إدراكٍ؛ أي: سواءٌ كانَ:
(١) (جَازِمًا،
(٢) أَوْ مَعَ احْتِمَالٍ رَاجِحٍ،
(٣) أَوْ مَرْجُوحٍ،
(٤) أَوْ مُسَاوٍ) مَجازًا.
لشيءٍ (بَعْدَ لَبْسٍ) فهو قريبٌ مِنَ الأوَّلِ، إلَّا أنَّ الأوَّلَ لم يَكُنْ حَصَلَ فيه لَبْسٌ، بل استُحدِثَ مِن غيرِ لَبْسٍ، فهي: (أَخَصُّ مِنْهُ) أيضًا؛ لكونِ العِلمِ يَكُونُ مُستحدَثًا وهو عِلْمُ العبادِ، وغيرَ مُستحدَثٍ وهو عِلمُ اللهِ تَعالى .
(٢) (وَمِنْ حَيْثُ إِنَّهَا) أي: المعرفةَ (يَقِينٌ وَظَنٌّ) أي: تَشمَلُ اليقينيَّ والظَّنِّيَّ، والعِلْمُ يَقينيٌّ، فهي: (أَعَمُّ) منه.
(٣) (وتُطْلَقُ المَعْرِفَةُ عَلَى مُجَرَّدِ التَّصَوُّرِ) الَّذِي لا حُكمَ معه، (فَتُقَابِلُهُ) أي: تُقابِلُ العِلْمَ، فعلى هذا تَكُونُ المعرفةُ قَسيمَ العِلْمِ.
ومَعنى المُقابَلةِ: أنَّك تَقولُ: إمَّا علمٌ، وإمَّا معرفةٌ، كما تَقولُ: إمَّا تصديقٌ، وإما تَصوُّرٌ.
(وَعِلْمُ اللهِ) تَبارَكَ و (تَعَالَى قَدِيمٌ، لَيْسَ ضَرُوريًّا وَلَا نظريًّا) وفاقًا لأبي حنيفةَ، ومالكٍ والشَّافعيِّ رَضِيَ اللهُ تَعالى عنهم. وهو واحدٌ لَيْسَ بعَرَضٍ، ويَتَعَلَّقُ بجميعِ المعلوماتِ إجمالًا وتفصيلًا على ما هي به.
قالَ في «المقنعُ»: عِلْمُ اللهِ تَعالى صفةٌ ذاتيَّةٌ وجوديَّةٌ واحدةٌ، أحاطَ اللهُ بها، لم تَزَلْ، وَلَا تَزَالُ بكلِّ كُلِّيٍّ، وجزءٍ موجودٍ ومعدومٍ على ما هو عليه، وَلَيْسَ ضروريًّا، وَلَا نظريًّا.
(وَلَا يُوصَفُ) (بِأَنَّهُ عَارِفٌ) لأنَّ المعرفةَ قد تَكُونُ عِلمًا مُستحدَثًا، واللهُ تَعالى مُحيطٌ علْمُه بجميعِ الأشياءِ على حقائقِها على ما هي عليه، وهو صفةٌ مِن صفاتِه قديمٌ.
(وَعِلْمُ المَخْلُوقَاتِ مُحْدَثٌ) وِفاقًا أيضًا، (وَ) هو قسمانِ:
стр. 57
(١) (ضَرُورِيٌّ) وهو ما يَلزَمُ العِلمُ به ضرورةً؛ أي: (يُعْلَمُ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ) ولا يُمكِنُه دَفعُه عن نَفسِه بحالٍ، ولا يُمكِنُه إدخالُ الشَّكِّ فيه، كتَصوُّرِنا مَعنى النَّارِ وأنَّها حارَّةٌ.
(وَ) الثَّاني: (نَظَرِيٌّ عَكْسُهُ) أي: عكسُ الضَّروريِّ، وهو ما لا يُعلَمُ إلَّا بالنَّظرِ ويُسَمَّى المطلوبَ؛ أي: يُطلَبُ بالدَّليلِ.
стр. 58
(فَصْلٌ)
في ذِكْرِ جملةٍ مِن أحوالِ المَعلومِ
(المَعْلُومَانِ) لا يَخلُوَانِ مِن أربعِ صورٍ:
(١) (إِمَّا نَقِيضَانِ) كالوُجودِ والعَدمِ المُضافَينِ إلى مُعَيَّنٍ واحدٍ (لَا يَجْتَمِعَانِ وَلَا يَرْتَفِعَانِ).
(٢) (أَوْ خِلَافَانِ) كالحَركةِ، والبَياضِ، (يَجْتَمِعَانِ) في الجسمِ الواحدِ (وَيَرْتَفِعَانِ) لكنْ قد يَتَعَذَّرُ ارتفاعُهما لخُصوصِ حقيقةٍ غيرِ كونِهما خِلافَينِ، كذاتِ واجبِ الوجودِ مَعَ صفاتِه، وقد يَتَعَذَّرُ افتِراقُهما كالعَشَرَةِ مَعَ الزَّوجيَّةِ خلافانِ، ويَتَعَذَّرُ ويَستحيلُ افتِراقُهما، والخمسةِ مَعَ الفرديَّةِ، والجَوهرِ مَعَ الألوانِ وهو كثيرٌ، ولا تَنافِيَ بينَ إمكانِ الافتِراقِ والارتفاعِ بالنِّسبةِ إلى الذَّاتِ، وتَعَذُّرِ الارتفاعِ بالنِّسبةِ إلى أمرٍ خارجيٍّ عنهما.
(٣) (أَوْ ضِدَّانِ) كالسَّوادِ والبياضِ (لَا يَجْتَمِعَانِ) لأنَّ الشَّيْءَ لا يَكُونُ أسودَ وأبيضَ في زمنٍ واحدٍ، (وَيَرْتَفِعَانِ) مَعَ بقاء المَحَلِّ لا أسودَ وَلَا أبيضَ (لِاخْتِلَافِ الحَقِيقَةِ).
(٤) (أَوْ مِثْلَانِ) كبياضٍ وبياضٍ (لَا يَجْتَمِعَانِ، وَيَرْتَفِعَانِ؛ لِتَسَاوِي الحَقِيقَةِ) لا يَخرُجُ فَرْضُ وُجودِ مَعلُومَينِ عن هذه الأربعِ صورٍ.
ودليلُ الحَصْرِ أنَّ المَعلُومَينِ: إمَّا أنْ يُمكِنَ اجتماعُهما أو لا، فإنْ أَمْكَنَ اجتماعُهما:
فالخلافانِ، وإن لم يُمكِنِ اجتماعُهما، فإمَّا أن يُمكِنَ ارتفاعُهما أو لا.
стр. 59
الثَّاني: النَّقيضانِ، كوُجودِ الحركةِ مَعَ السُّكونِ، والأوَّلُ إمَّا أنْ يَختلِفَا في الحقيقةِ أو لا، الأوَّلُ الضِّدَّانِ، والثَّاني المِثْلانِ.
فائدةٌ: حَصْرُ المعلوماتِ في هذه الأربعةِ كلِّها حَتَّى لا يَخرُجَ منها شيءٌ إلَّا ما تَوَحَّدَ اللهُ به وتَفَرَّدَ، فإنَّه لَيْسَ ضِدَّ الشَّيءِ، وَلَا نقيضًا، وَلَا مِثْلًا، وَلَا خِلافًا؛ لتَعَذُّرِ الرَّفعِ، وهذا حُكمٌ عامٌّ في صفاتِه العُلَى وذاتِه؛ لتَعذُّرِ رَفعِها بسببِ وجوبِ وجودِها.
(وَكُلُّ شَيْئَيْنِ حَقِيقَتاهُمَا):
(١) (إمَّا مُتَسَاوِيَتَانِ) كالإنسانِ والضَّاحكِ بالقُوَّةِ، فإنَّه (يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِ كُلِّ) حقيقةٍ (وُجُودُ) الحقيقةِ (الأُخْرَى وَعَكْسُهُ) أي: ويَلْزَمُ مِن عدمِ كلِّ واحدٍ مِنهما عدمُ الأُخرى، فلا إنسانَ إلَّا وهو ضاحكٌ بالقُوَّةِ، وَلَا ضاحكَ بالقُوَّةِ إلَّا وهو إنسانٌ، ونَعني بالقُوَّةِ: كَوْنَه قابلًا ولو لم يَقَعْ، ويُقابِلُه الضَّاحكُ بالفعلِ وهو المُباشِرُ للضَّحِكِ.
(٢) (أَوْ مُتَبَايِنَتَانِ) كالإنسانِ والفَرَسِ، (لَا يَجْتَمِعَانِ فِي مَحَلٍّ وَاحِدٍ) فما هو إنسانٌ لَيْسَ بفَرسٍ، وما هو فرسٌ فليسَ بإنسانٍ، فيَلْزَمُ مِن صِدقِ أَحدِهما على مَحَلٍّ عدمُ صِدقِ الآخَرِ.
(٣) (أَوْ إِحْدَاهُمَا أَعَمُّ مُطْلَقًا، وَالأُخْرَى أَخَصُّ مُطْلَقًا) كالحيوانِ والإنسانِ (تُوجَدُ إِحْدَاهُمَا مَعَ وُجُودِ كُلِّ أَفْرَادِ الأُخْرَى) فالحيوانُ أَعَمُّ مُطلقًا؛ لصِدقِه على جميعِ أفرادِ الإنسانِ، فلا يُوجَدُ إنسانٌ بدونِ حيوانيَّةٍ البَتَّةَ، فيَلْزَمُ مِن وجودِ الإنسانِ الَّذِي هو أخصُّ مطلقًا وجودُ الحيوانِ الَّذِي هو أعمُّ (بِلَا عَكْسٍ) أي: فلا يَلْزَمُ مِن عدمِ الإنسانِ عدمُ الحيوانِ؛ لأنَّ الحيوانَ قد يَبْقى موجودًا في الفَرسِ وغيرِه، فهو أعمُّ مِن الإنسانِ.
стр. 60
(٤) (أَوْ إِحْدَاهُمَا أَعَمُّ) منَ الحقيقةِ الأُخرى (مِنْ وَجْهٍ، وَالأُخْرَى أَخَصُّ) منها (مِنْ وَجْهٍ) آخَرَ، كالحيوانِ والأبيضِ، (تُوجَدُ كُلُّ) واحدةٍ مِن الحقيقتَينِ (مَعَ) الحقيقةِ (الأُخْرَى، وَبِدُونِهَا) أي: يَجتمعانِ في صورةٍ، وتَنفردُ كلُّ واحدةٍ مِنهما عنِ الأُخرى بصورةٍ، فإنَّ الحيوانَ يُوجَدُ بدونِ الأبيضِ في السُّودانِ، ويُوجَدُ الأبيضُ في الثَّلجِ وغيرِه مِمَّا لَيْسَ بحيوانٍ، ويَجتمعانِ في الحيواناتِ البِيضِ، فلا يَلْزَمُ مِن وجودِ الأبيضِ وجودُ الحيوانِ، وَلَا مِن وجودِ الحيوانِ وجودُ الأبيضِ، وَلَا مِن عدمِ أحدِهما عدمُ الآخَرِ، فلا جَرَمَ لا دَلَالةَ فيهما مُطلقًا لا في وجودِه، وَلَا في عَدَمِه، بخلافِ الأعمِّ مُطلقًا، يَلْزَمُ مِن عَدَمِ الحيوانِ عدمُ الإنسانِ، ومِن وجودِ الإنسانِ الَّذِي هو أخصُّ وجودُ الحيوانِ، وَلَا يَلْزَمُ مِن عدمِ الأخصِّ عَدَمُ الأعمِّ؛ لأنَّ الحيوانَ قد يَبْقى موجودًا في الفَرَسِ وغيرِه مِن الأنواعِ.
وفائدةُ هذه القاعدةِ: الاستدلالُ ببعضِ الحقائقِ على بعضٍ، والتَّمثيلُ في المُتساوِيَينِ بالرَّجمِ وزنا المُحصَنِ، بناءً على أنَّ اللَّائطَ لا يُرجَمُ، أمَّا لو فَرَّعْنا على أنَّه يُرجَمُ، كانَ الرَّجمُ أعمَّ مِنَ الزِّنا عمومًا مطلقًا، كالغُسْلِ، والإنزالِ المُعتبَرِ، فإنَّ الغُسْلَ أعمُّ مُطلقًا لوجودِه بدونِ الإنزالِ في انقطاعِ دمِ الحيضِ، والتقاءِ الختانَينِ، وغيرِ ذلك مِن أسبابِ الغُسلِ.
قالَ في «شرحِ الأصلِ»: الصَّحِيحُ مِنْ مَذْهَبِنَا أَنَّ حَدَّ اللُّوطِيِّ كَحَدِّ الزِّنَا (١) سَوَاءٌ، فَيَحْتَاجُ إِلَى مِثَالٍ غَيْرِ ذَلِكَ (٢).
стр. 61
(فَصْلٌ)
الذِّكْرُ الحُكْمِيُّ: هو الكلامُ الخَبَريُّ تَخَيَّلَه، أو لَفَظَ به، فإذا قُلْتَ: زيدٌ قائمٌ، أو لَيْسَ بقائمٍ، فقد ذَكَرْتَ حُكْمًا، وهو الذِّكْرُ الحُكمِيُّ.
و (مَا عَنْهُ الذِّكْرُ الحُكْمِيُّ) هو مفهومُ الكلامِ الخَبَريِّ:
- (إِمَّا أَنْ يَحْتَمِلَ مُتَعَلَّقُهُ): وهو النِّسبةُ الواقعةُ بينَ طَرَفَيِ الخبَرِ في الذِّهنِ، فإنَّ الحُكْمَ يَتَعَلَّقُ بها (النَّقِيضَ بِوَجْهٍ) منَ الوجوهِ، سواءٌ كانَ في الخارجِ، أو عندَ الذَّاكرِ، إمَّا بتقديرِه في نَفْسِه، أو بتشكيكِ مُشَكِّكٍ إيَّاه،
- (أَوْ لَا) يَحتمِلُ أصلًا.
(وَالثَّانِي) أي: الَّذِي لا يَحتمِلُ النَّقيضَ أصلًا: (العِلْمُ) وقسيمُه الاعتقادُ الصَّحيحُ والفاسدُ،
وحَدُّه: ما عنه ذِكْرٌ حُكمِيٌّ لا يَحتمِلُ مُتَعَلَّقُه النَّقيضَ بوجهٍ لا في الواقعِ، ولا عندَ الذَّاكرِ، ولا بتشكيكٍ.
(وَالأَوَّلُ) أي: الَّذِي يَحتَمِلُ مُتَعَلَّقُه النَّقيضَ: (إِمَّا أَنْ يَحْتَمِلَهُ عِنْدَ الذَّاكِرِ لَوْ قَدَّرَهُ) أي: بتقديرِ الذَّاكِرِ النَّقيضَ في نَفْسِه، (أَوْ لَا) يَحتمِلُه.
(وَالثَّانِي) أي: الَّذِي لا يَحتمِلُ النَّقيضَ عندَ الذَّاكِرِ هُوَ (الِاعْتِقَادُ:
فَإِنْ طَابَقَ) لِما في نَفْسِ الأمْرِ (فَصَحِيحٌ)، وحَدُّه: ما عنه ذِكْرٌ حُكْمِيٌّ لا يَحتملُ مُتَعَلَّقُه النَّقيضَ عندَ الذَّاكرِ بتشكيكِ مُشَكِّكٍ إيَّاه.
(وَإِلَّا) بأنْ لم يُطابِقْ لِما في نَفْسِ الأمرِ (فَفَاسِدٌ)، وحَدُّه: ما عنه ذِكْرٌ
стр. 62
حُكْمِيٌّ لا يَحتمِلُ مُتَعَلَّقُه النَّقيضَ عندَ الذَّاكِرِ بتشكيكِ مُشَكِّكٍ إيَّاه، ويَكُونُ غيرَ مطابقٍ للواقعِ.
قالَ في «شرحِ الأصلِ»: الاعتقادُ الصَّحيحُ: ما عنه ذِكْرٌ حُكْمِيٌّ (١) يَحتمِلُ مُتَعَلَّقُه النَّقيضَ عندَ الذَاكرِ بتشكيكِ مُشَكِّكٍ إيَّاه فقط، والفاسدُ: ما عنه ذِكْرٌ حُكمِيٌّ يَحتمِلُ مُتَعَلَّقُه النَّقيضَ عندَ الذَّاكرِ بتشكيكِ مُشَكِّكٍ، وَلَا يَحتمِلُ النَّقيضَ بتقديرِه، ويَكونُ غيرَ مطابقٍ للواقعِ (٢). ولَعَلَّ هذا الحَدَّ غيرُ مَرْضِيٍّ، فتَأَمَّلْ.
(وَالأَوَّلُ) أي: الَّذِي يَحتملُ النَّقيضَ عندَ الذَّاكِرِ، إمَّا أن يَكُونَ المُتَعَلَّقُ راجحًا عندَ الذَّاكِرِ على احتمالِ النَّقيضِ أو لا، وحينئذٍ إمَّا أن يَكُونَ مَرجوحًا أو لا.
فَـ (الرَّاجِحُ مِنْهُ ظَنٌّ) وقسيمُه الشَّكُّ والوَهمُ، وحَدُّه: ما عنه ذِكْرٌ حُكْمِيٌّ يَحتمِلُ مُتَعَلَّقُه النَّقيضَ عندَ الذَّاكرِ مَعَ كونِه راجحًا.
(وَالمَرْجُوحُ) منه (وَهْمٌ)، وحَدُّه: ما عنه ذِكْرٌ حُكْمِيٌّ يَحتمِلُ مُتَعَلَّقُه النَّقيضَ بتقديرِ الذَّاكِرِ مَعَ كونِه مَرجوحًا.
(وَالمُسَاوِي) منه (شَكٌّ)، وحَدُّه: ما عنه ذِكْرٌ حُكمِيٌّ يَحتمِلُ مُتَعَلَّقُه النَّقيضَ مَعَ تَساوي طَرَفَيْه عندَ الذَّاكِرِ.
(وَقَدْ عَلِمْتَ) بذلك (حُدُودَهَا)، وذلك لَمَّا ذَكَرَ المُشتَركَ الَّذِي هو كالجنسِ، وهو ما عنه الذِّكْرُ الحُكمِيُّ، وقَيَّدَ كلَّ قِسمٍ بما يُمَيِّزُه عمَّا عَدَاه؛
стр. 63
كانَ ذلك حدًّا لكُلِّ واحدٍ مِن الأقسامِ؛ لأنَّ الحدَّ عندَ الأصوليِّينَ: كلُّ لفظٍ مُرَكَّبٍ يُمَيِّزُ الماهيَّةَ عن أغيارِها، سواءٌ كانَ بالذَّاتيَّاتِ أو بالعَرَضِيَّاتِ.
(وَالِاعْتِقَادُ الفَاسِدُ: تَصَوُّرُ الشَّيْءِ عَلَى غَيْرِ هَيْئَتِهِ) وذلك أنَّ حُكمَ العَقلِ بأمرٍ على أمرٍ جازمٍ غيرِ مطابقٍ في الخارجِ هو الاعتقادُ الفاسدُ، (وَ) هذا (هُوَ الجَهْلُ المُرَكَّبُ) لتَرَكُّبِه مِن عدمِ العِلمِ بالشَّيءِ، واعتقادٍ غيرِ مُطابقٍ.
(وَ) الجهلُ (البَسِيطُ: عَدَمُ العِلْمِ).
وقالَ ابنُ مُفْلِحٍ: عدمُ معرفةِ المُمكِنِ بالفِعلِ لا بالقُوَّةِ (١). انتهى.
فإذا قِيلَ لشخصٍ: هل تَجوزُ الصَّلاةُ بالتَّيمُّمِ عندَ عدمِ الماءِ؟ فإنْ قَالَ: لا أَعلَمُ، كانَ جهلًا بسيطًا. وإن قَالَ: لا يَجوزُ، كانَ جهلًا مُركَّبا مِن عدمِ العِلْمِ بالحُكمِ الصَّحيحِ، ومِن الفُتيا بالحُكمِ الباطلِ.
(وَمِنْهُ) أي: مِن الجهلِ البسيطِ: (سَهْوٌ، وَغَفْلَةٌ، وَنِسْيَانٌ) والكُلُّ (بِمَعْنًى وَاحِدٍ) عندَ كثيرٍ مِن العلماءِ.
(وَهُوَ) أي: مَعنى الثَّلاثةِ: (ذُهُولُ القَلْبِ عَنْ مَعْلُومٍ) قَالَ في «القاموسُ»: سَهَا في الأمْرِ: نَسِيَهُ، وغَفَلَ عنه، وذَهَبَ قَلْبُه إلى غَيْرِهِ، فهو ساهٍ وسَهْوانُ (٢).
стр. 64
(فَصْلٌ)
في ذِكْرِ بعضِ تعريفِ العقلِ
(العَقْلُ: مَا يَحْصُلُ بِهِ المَيْزُ) وعنِ الشَّافعيِّ ﵀ أنَّه قَالَ: آلةُ التَّمييزِ (١).
(وَهُوَ) أي: العَقلُ (غَرِيزَةٌ) نَصًّا، يَتَأَتَّى بها دَرْكُ العُلومِ.
قالَ في «نهاية المُبتدئينَ»: العَقلُ غريزةٌ، لَيْسَ مُكْتَسَبًا، خَلَقَه اللهُ تَعالى يُفارِقُ به الإنسانُ البهيمةَ، ويَستَعِدُّ به لقبولِ العِلْمِ، وتدبيرِ الصَّنائعِ الفِكريَّةِ، فكأنَّه نورٌ يُقذَفُ في القلبِ، كالعلمِ الضَّروريِّ (٢)، والصِّبا ونحوُه حجابٌ له (٣). انتهى.
واختلَفوا في ماهيَّةِ العقلِ اختلافًا كثيرًا، بحَيثُ إنَّه لا يَنحصِرُ، (وَ) قد ذَهَبَ بعضُ أصحابِنا والأكثرُ إلى أنَّه: (بَعْضُ العُلُومِ الضَّرُورِيَّةِ) يُستَعدُّ بها لفَهمِ دقيقِ العُلومِ، وتدبيرِ الصَّنائعِ الفِكريَّةِ، فخَرَجَتِ العلومُ الكَسْبِيَّةُ، وممَّا يَدُلُّ على أنَّه لَيْسَ بجميعِ العلومِ؛ لأنَّا نَقولُ: العِلْمُ يَشتملُ على ضروريٍّ ومكتسبٍ، ومعلومٌ أنَّ الإنسانَ إذا لم يَكتَسِبْ ولم يُفَكِّرْ في الدَّلائلِ يُسَمَّى عاقلًا، فإذا خَرَجَ منه العِلمُ المُكتَسَبُ لم يَبْقَ إلَّا أنَّه عِلمٌ ضروريٌّ، وَلَيْسَ بجميعِ العلومِ الضَّروريَّةِ؛ لأنَّ الإنسانَ لو عَدِمَ الحَوَاسَّ الخمسَ مَعَ أنَّها يَحصُلُ بها عِلمٌ ضروريٌّ، ولو عُدِمَتْ يُسَمَّى عاقلًا، ولهذا لو قِيلَ له ما
стр. 65
يَضُرُّه وما يَنفَعُه اختارَ ما يَنْفَعُه، وعَكسُ هذا: الصَّبيُّ، والبهيمةُ، فإنَّه يَحصُلُ لهم عِلمٌ ضروريٌّ، مِثْلُ حِسِّهم بالألمِ وغيرِ ذلك، ومعَ هذا لا يَكونونَ عُقلاءَ، فثَبَتَ أيضًا أنَّه لَيْسَ بجميعِ العلومِ الضَّروريَّةِ، وإنَّما هو بعضُها، مثلُ أنْ يَعلَمَ الإنسانُ استحالةَ الضِّدَّينِ، وكونَ الجِسمِ الواحدِ لَيْسَ في مكانَينِ.
(وَمَحَلُّهُ) أي: العَقلِ (القَلْبُ) قَالَ ابنُ الأعرابيِّ وغيرُه: العَقلُ القلبُ، والقلبُ العقلُ، واسْتَدَلَّ لذلك بقولِه تَعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ (١) أي: عقلٌ، فعَبَّرَ بالقلبِ عنِ العَقلِ لأنَّه مَحَلُّه، وأيضًا العلومُ الضَّروريَّةُ لا تَكُونُ إلَّا في القلبِ وهو بَعضُها.
(وَلَهُ اتِّصَالٌ بِالدِّمَاغِ) وقَطَعَ أَكثَرُ الأصحابِ عن أحمدَ: أنَّه في الدِّماغِ، ولم يَحكُوا عنه فيه خِلافًا.
(وَيَخْتَلِفُ مَا يُدْرَكُ بِهِ) أي: العَقلِ، وهو الفِكرُ والتَّمييزُ، فعقلُ بعضِ النَّاسِ أكثرُ مِن بعضٍ؛ لحديثِ أبي سعيدٍ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قَالَ للنِّساءِ: «أَلَيْسَ شَهَادَةُ إِحْدَاكُنَّ مِثْلَ نِصْفِ شَهَادَةِ الرَّجُلِ؟» قُلْنَ: بلى. قَالَ: «فَذَلِكِ مِنْ نُقْصَانِ عَقْلِهَا» (٢).
ولأنَّ كمالَ الشَّيْءِ ونقصَه يُعرَفُ بكمالِ آثارِه وأفعالِه ونَقْصِها، ونحن نُشاهِدُ قَطْعًا تفاوتَ آثارِ العُقولِ في الآراءِ والحِكمِ والحِيَلِ وغيرِها، وذلك يَدُلُّ على تفاوُتِ العُقولِ في نَفسِها، وأجمعَ العُقلاءُ على صِحَّةِ قولِ القائلِ: فلانٌ أعقلُ مِن فلانٍ، أو أكملُ عقلًا، وذلك يَدُلُّ على ما قُلْنا.
و (لَا) يَختلِفُ ما يُدرَكُ (بِالحَوَاسِّ، وَلَا) ما يُدرَكُ بـ (ـالإِحْسَاسِ) بخلافِ العَقلِ، فإنَّه يَختلِفُ ما يُدرَكُ به، وتَقَدَّمَ.
стр. 66
(فَصْلٌ)
(الحَدُّ) له معنيانِ: مَعنًى في اللُّغةِ، ومعنًى في الاصطلاحِ، فمَعناه:
(لُغَةً: المَنْعُ)، ولذلك يُسَمَّى البَوَّابُ حَدَّادًا؛ لأنَّه يَمنَعُ مِن دُخُولِ الدَّارِ، ويُسَمَّى التَّعريفُ حدًّا لمَنعِه الدَّاخلَ مِنَ الخُروجِ، والخارجَ مِنَ الدُّخولِ.
(وَ) مَعنى الحدِّ (اصْطِلَاحًا: الوَصْفُ المُحِيطُ بِمَوْصُوفِهِ) أي: بالمحدودِ (المُمَيِّزُ لَهُ) أي: للمحدودِ (عَنْ غَيْرِهِ،
وَهُوَ) أي: الحدُّ على الحقيقةِ (أَصْلُ كُلِّ عِلْمٍ) فمَنْ لا يُحيطُ به عِلْمًا، لا يَثِقُ بما عندَه.
(وَشَرْطُهُ) أي: الحدِّ:
(١) (أَنْ يَكُونُ مُطَّرِدًا، وَ) المُطَّرِدُ: (هُوَ المَانِعُ) مِن دُخولِ غيرِه فيه، والمانعُ: هو الَّذِي (كُلَّمَا وُجِدَ الحَدُّ وُجِدَ المَحْدُودُ).
(٢) وأنْ يَكُونَ أيضًا (مُنْعَكِسًا، وَهُوَ) أي: المُنعَكِسُ هو (الجَامِعُ) الَّذِي (كُلَّمَا وُجِدَ المَحْدُودُ وُجِدَ الحَدُّ)، عَكْسُ الاطِّرادِ الَّذِي هو كُلَّمَا وُجِدَ الحدُّ وُجِدَ المحدودُ.
(وَيَلْزَمُ) من ذلك أنَّه (كُلَّمَا انْتَفَى الحَدُّ انْتَفَى المَحْدُودُ). قَالَ في «شرحِ التَّحريرِ»: وفسَّرَه ابنُ الحاجبِ (١) وغيرُه بلازِمِه، فقَالَ: «المنعكسُ كُلَّما انْتَفَى الحدُّ انتفى المحدودُ». والتَّحقيقُ الأَوَّلُ (٢).
стр. 67
وكَوْنُ المانعِ تفسيرًا للمُطَّرِدِ والجامعِ تفسيرًا للمُنعكسِ هو الصَّحيحُ الَّذِي عليه الأكثرُ، وعَكَسَ القَرَافِيُّ وأبو عليٍّ التَّميميُّ في «التَّذكِرَة في أُصُولِ الدِّينِ» (١)، والطُّوفِيُّ في «شَرحِه» (٢) فقالوا: كَوْنُه مُطَّرِدًا هو الجامعُ، وكونُه مُنعكسًا هو المانعُ، ويَجِبُ مساواةُ الحدِّ للمحدودِ؛ لأنَّه إنْ كانَ أعمَّ فلا دَلالةَ له على الأخصِّ، ولا يُفيدُ التَّمييزَ (٣)، وإن كانَ أخصَّ فلأنَّه أَخْفَى لأنَّه أقلُّ وُجودًا منه، ويَجِبُ أيضًا ألَّا يَكُونَ في لَفظِه مجازٌ وَلَا مُشتَركٌ؛ لأنَّ الحدَّ مُميِّزٌ للمَحدودِ، ولا يَحصُلُ المُميِّزُ مع واحدٍ مِنهما.
(وَهُوَ) أي: الحدُّ خمسةُ أقسامٍ:
الأَوَّلُ: (حَقِيقِيٌّ تَامٌّ) وهو الأصلُ، وإنَّما يَكُونُ حقيقيًّا تامًّا (إِنْ أَنْبَأَ عَنْ ذَاتِيَّاتِ المَحْدُودِ الكُلِّيَّةِ المُرَكَّبَةِ) كقولِك: ما الإنسانُ؟ فيُقالُ: حيوانٌ ناطقٌ، (وَلِذَا) أي: ولهذا القِسْمِ (حَدٌّ وَاحِدٌ) لأنَّ ذاتَ الشَّيْءِ لا يَكُونُ له حَدَّانِ.
فَإِنْ قِيلَ: جميعُ ذاتيَّاتِ الشَّيْءِ عينُ الشَّيءِ، والشَّيءُ لا يُفسِّرُ نَفْسَه.
فالجوابُ: أنَّ دَلالةَ المحدودِ مِن حَيْثُ الإجمالُ، ودَلالةَ الحدِّ مِن
стр. 68
حَيْثُ التَّفصيلُ، فليسَ عينَه مِن كلِّ وجهٍ، فصَحَّ تعريفُه به، ولذلك لم يُجعَلِ اللَّفظانِ مُترادِفَينِ إلَّا إذا كانَ الحَدُّ لفظيًّا على ما يَأتي.
(وَ) القِسْمُ الثَّاني: حقيقيٌّ (نَاقِصٌ) وله صورتانِ:
- أُشيرَ إلى الأُولى منهما بقولِه: (إِنْ كَانَ بِفَصْلٍ قَرِيبٍ فَقَطْ) كقولِنا: ما الإنسانُ؟ فيُقالُ: النَّاطقُ.
- وأُشيرَ إلى الثَّانيةِ بقولِه: (أَوْ مَعَ جِنْسٍ بَعِيدٍ) أي: إنْ كانَ الحدُّ بفصلٍ قريبٍ مِن جنسٍ بعيدٍ كقولِنا: ما الإنسانُ؟ فيُقالُ: جسمٌ ناطقٌ، فالجنسُ البعيدُ هو الجسمُ، والفصلُ القريبُ هو النَّاطقُ.
(وَ) القِسْمُ الثَّالثُ: (رَسْمِيٌّ) أي: لَيْسَ بحقيقيٍّ، وهو (تَامٌّ إِنْ كَانَ بِخَاصَّةٍ مَعَ جِنْسٍ قَرِيبٍ) كقولِنا: ما الإنسانُ؟ فيُقالُ: حيوانٌ ضاحكٌ. فالجنسُ القريبُ هو الحيوانُ، والخاصَّةُ هو الضَّاحكُ.
(وَ) القِسْمُ الرَّابعُ: رسميٌّ (نَاقِصٌ) وله صورتانِ:
- أُشيرَ إلى الأُولى منهما بقولِه: (إنْ كَانَ بِهَا) أي: بالخاصَّةِ (فَقَطْ) كـ: الإنسانُ ضاحكٌ.
- وأُشيرَ إلى الصُّورةِ الثَّانيةِ مِنَ الرَّسميِّ النَّاقصِ بقولِه: (أَوْ مَعَ جِنْسٍ بَعِيدٍ) أي: إنْ كانَ الحدُّ بالخاصَّةِ مَعَ جنسٍ بعيدٍ كـ: الإنسانُ جسمٌ ضاحكٌ.
(وَ) القِسْمُ الخامسُ مِن أقسامِ الحَدِّ: (لَفْظِيٌّ إِنْ كَانَ) الحدُّ (بِـ) لفظٍ (مُرَادِفٍ أَظْهَرَ) أي: هو أشهرُ عندَ السَّائِلِ مِنَ المسؤولِ عنه كما لو قَالَ قائلٌ: ما الخَنْدَرِيسُ؟ فيُقالُ: هو الخمرُ، ونحوُ ذلك.
стр. 69
(وَيَرِدُ عَلَيْهِ) أي: على الحدِّ في فنِّ الجَدَلِ: (النَّقْضُ، وَالمُعَارَضَةُ) قَالَ في «شرحِ التَّحريرِ»: عندَ الأكثرِ (١).
قالَ القَرَافِيُّ في «شرحِ التَّنقيحِ»: فإنْ قُلْتَ: إذا لم يُطالَبْ على صِحَّةِ الحدِّ بدليلٍ ونحن نَعتقِدُ بُطلانَه فكيف الحيلةُ في ذلك؟
قُلْتُ: الطَّريقُ في ذلك أمرانِ:
أحدُهما: النَّقضُ، كما لو قال: الإنسانُ عبارةٌ عن الحيوانِ. فيُقالُ: يُنْتَقَضُ عليك بالفَرَسِ، فإنَّه حيوانٌ مع أنَّه لَيْسَ بإنسانٍ.
وثانيهما: المُعارضةُ، كما لو قال: الغاصبُ مِنَ الغاصبِ يَضمَنُ لأنَّه غاصبٌ، أو وَلَدُ المغصوبِ مضمونٌ لأنَّه مغصوبٌ؛ لأنَّ حدَّ الغاصبِ: مَن وَضَعَ يَدَه بغيرِ حقٍّ، وهذا وَضَعَ يَدَه بغيرِ حقٍّ، فيَكُونُ غاصبًا، فيَقُولُ الخَصمُ: أُعارِضُ هذا الحدَّ بحدٍّ آخَرَ وهو: أنَّ حَدَّ الغاصبِ مَن رَفَعَ اليدَ المُحِقَّةَ ووَضَعَ اليدَ المُبطِلَةَ، وهذا لم يَرفَعِ اليدَ المُحِقَّةَ، فلا يَكونُ غاصبًا (٢).
(لَا المَنْعُ) يَعني أنَّه لا يَرِدُ المنعُ على الحدِّ، قَالَ في «التَّحرير»: في الأصحِّ (٣)، ثمَّ قال في «الشَّرحِ»: وما قِيلَ بالجوازِ فخطأٌ؛ لعدمِ الفائدةِ غالبًا، ولهذا لا يَجوزُ مَنْعُ النَّقلِ لتكذيبِ النَّاقلِ (٤)، ولأنَّه لا يُمكِنُ إثباتُه إلَّا
стр. 70
بالبُرهانِ، وهما مُقدِّمتانِ (١)، فطالِبُ الحَدِّ يَطلُبُ تَصَوُّرَ كلِّ مفردٍ، فإذا أَتَى المسؤولُ بحَدِّه ومُنِعَ؛ احتاجَ في إثباتِه إلى (٢) مِثْلِ الأوَّلِ، وتَسَلْسَلَ (٣)، ثمَّ الجدلُ اصطلاحٌ يَجِبُ الرُّجُوعُ إلى أربابِه (٤).
стр. 71
(فَصْلٌ)
في اللُّغةِ
وأصلُها لُغْوَةٌ على وزنِ «فُعْلَةٍ»، مِن لَغَوْتَ إذا تَكَلَّمْتَ.
وهو توقيفٌ ووحيٌ لا اصطلاحٌ وتَواطُؤٌ على الأشهرِ، وذلك لِما رَوَى وكيعٌ في «تفسيرِه» بسندِه إلى ابنِ عبَّاسٍ في قولِه تَعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ (١) قَالَ: علَّمه اسمَ كلِّ شيءٍ، حَتَّى علَّمَه القَصْعَةَ والقُصَيْعَةَ، والفَسْوَةَ والفُسَيَّةَ (٢).
ولِما رَوَى ابنُ جَريرٍ في «تفسيرِه» مِن طريقِ الضَّحَّاكِ إلى ابنِ عبَّاسٍ في قولِه تَعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ (٣) قال: هيَ هذه الأسماءُ الَّتي تَتَعارَفُ بها النَّاسُ الآنَ: إنسانٌ، دابَّةٌ، أرضٌ، سَهلٌ، جبلٌ، حمارٌ، وأشباهُ ذلك مِن الأُمَمِ وغيرِها (٤).
ثمَّ إنَّ ألفاظَ اللُّغةِ تَنقسمُ إلى: مُتواردةٍ، وإلى مُترادفةٍ:
- فالمُتواردةُ: كما تُسَمَّى الخَمرُ عُقَارًا تُسَمَّى صَهْبَاءَ وقهوةً، والسَّبُعُ ليثًا وأسدًا وضِرْغامًا،
- والمُترادفةُ: هي الَّتي يُقامُ لفظٌ مُقامَ لفظٍ لمَعانٍ متقاربةٍ يَجمَعُها مَعنًى واحدٌ، كما يُقالُ: أَصلَحَ الفاسدَ، ولَمَّ الشَّعَثَ، ورَتَقَ الفَتْقَ، وشَعَبَ الصَّدْعَ.
стр. 72
وهذا يَحتاجُ إليه البليغُ في بلاغتِه، فبِحُسْنِ الألفاظِ واختلافِها على المعنَى الواحدِ تُرَصَّعُ المعاني في القُلوبِ وتَلتصِقُ بالصُّدورِ، ويَزيدُ حُسنُه وحلاوتُه بضَربِ الأمثلةِ والتَّشبيهاتِ المَجازيَّةِ.
ثمَّ تَنقسِمُ الألفاظُ أيضًا إلى: مشتَرَكةٍ، وإلى عامَّةٍ مُطلقةٍ، وتُسَمَّى مُستغرِقةً، وإلى ما هو مُفردٌ بإزاءِ مُفردٍ، وسيَأتي بيانُ ذلك.
والدَّاعي إلى ذِكرِ اللُّغةِ هنا لكونِها مِن الأمورِ المُستمَدِّ منها هذا العلمُ؛ وذلك أنَّه لمَّا كانَ الاستدلالُ مِن الكتابِ والسُّنَّةِ اللَّذينِ هما أصلُ الإجماعِ والقياسِ، وكانَا أفصحَ الكلامِ العربيِّ؛ احتيجَ إلى معرفةِ لغةِ العربِ؛ لتوقُّفِ الاستدلالِ منهما عليها.
فَإِنْ قِيلَ: مَن سَبَقَ نبيَّنا محمَّدًا ﷺ مِن الأنبياء إِنَّمَا كانَ مبعوثًا لقومِه خاصَّةً، فهو مبعوثٌ بلسانِهم، ونبيُّنا محمَّدٌ ﷺ مبعوثٌ لجميعِ الخلْقِ، فلِمَ لمْ يُبعَثْ بجميعِ الألسنةِ، ولم يُبعَثْ إلَّا بلسانِ بعضِهم، وهم العربُ؟
فالجوابُ: أنَّه لو بُعِثَ بلسانِ جميعِهم لكانَ كلامُهم خارجًا عن المعهودِ، ويَبعُدُ -بل يَستحيلُ- أن تَرِدَ كلُّ كلمةٍ مِن القرآنِ مُكَرَّرَةً بكلِّ الألسنةِ، فيَتَعَيَّنُ البعضُ، وكانَ لسانُ العربِ أحقَّ؛ لأنَّه أوسعُ وأفصحُ، ولأنَّه لسانُ المُخاطَبينَ، وإنْ كانَ الحُكمُ عليهم وعلى غيرِهم، ولَمَّا خَلَقَ اللهُ تَعالى النَّوعَ الإنسانِيَّ وجَعَلَه مُحتاجًا لأمورٍ لا يَستقلُّ بها بل يَحتاجُ فيها إلى المُعاونةِ؛ كانَ لا بدَّ للمُعاوِنِ مِن الاطِّلاعِ على ما في نَفْسِ المُحتاجِ بشيءٍ يَدُلُّ عليه من لفظٍ، أو إشارةٍ، أو كتابةٍ، أو مثالٍ، أو نحوِه.
стр. 73
إذا تَقَرَّرَ هذا فـ (اللُّغَةُ) في الدَّلالةِ على ذلك (أَفْيَدُ) أي: أكثرُ فائدةً (مِنْ غَيْرِهَا)؛ لأنَّ اللَّفظَ يَقَعُ على المَعدومِ، والموجودِ، والحاضرِ الحِسِّيِّ، والمعنويِّ، (وَأَيْسَرُ لِخِفَّتِهَا) لأنَّ الحروفَ كيفيَّاتٌ تَعرِضُ للنَّفَسِ الضَّروريِّ، فلا يُتَكَلَّفُ لها ما يُتَكَلَّفُ لغيرِها.
(وَسَبَبُهَا) أي: سببُ وَضعِها (حَاجَةُ النَّاسِ) إليها ليَعرِفَ بعضُهم مُرادَ بعضٍ للتَّساعُدِ، والتَّعاضُدِ، بلا مُؤنةٍ فيه ولا مَحذورٍ، وهذا مِن تمامِ نِعَمِ اللهِ علينا أنْ جَعَلَ ذلك بالمنطقِ دونَ غيرِه.
(وَهِيَ) أي: اللُّغةُ (أَلْفَاظٌ) وتَشمَلُ: الموضوعَ، والمُهْمَلَ.
وقولُه: (وُضِعَتْ لِمَعَانٍ) ليُخرِجَ المُهمَلَ؛ لأنَّه لم يُوضَعْ لمَعنًى.
(فَمَا الحَاجَةُ إِلَيْهِ) أي: فالمعنى الَّذِي يَحتاجُ الإنسانُ إلى الاطِّلاعِ عليه مِن نَفْسِه دائمًا كطلبِ ما يَدفَعُ به عن نَفْسِه (١) مِن ألمِ جوعٍ وغيرِه (٢) لم تَخْلُ اللُّغةُ مِن وضعِ لفظٍ له، (وَالظَّاهِرُ) مِن استعمالِ العَربِ (أَوْ كَثُرَتْ) حاجةُ الإنسانِ إليه كالمُعاملاتِ (لَمْ تَخْلُ) اللُّغةُ (مِنْ) وَضعِ (لَفْظٍ لَهُ) أي: لذلك المعنى، بل هو كالمقطوعِ به، لا سِيَّمَا وهي أوسعُ اللُّغاتِ وأَفصَحُها.
(وَيَجُوزُ خُلُوُّهَا) أي: اللُّغةِ (مِنْ لَفْظٍ) كَثُرَتِ الحاجةُ إليه (كَعَكْسِهِمَا (٣) أي: ما لا يُحتاجُ إليه البَتَّةَ، يَجوزُ خُلُوُّ اللُّغةِ عمَّا يَدُلُّ عليه، وخُلُوُّها واللهُ أعلمُ أَكثَرُ، وما قلَّتِ الحاجةُ إليه يَجوزُ خُلُوُّها منه وليسَ بمُمتنعٍ.
стр. 74
(وَالصَّوْتُ) رَسْمُهُ: (عَرَضٌ) يَشمَلُ جميعَ الأعراضِ، كالحركاتِ والألوانِ، وقولُه: (مَسْمُوعٌ) خَرَجَ جميعُها إلَّا ما يُدرَكُ بالسَّمْعِ، وهو الصَّوتُ يَحصُلُ عندَ اصْطِكاكِ الأجرامِ، وسَبَبُه: انضغاطُ الهواءِ بينَ الجِرمَينِ فيَتَمَوَّجُ تَمَوُّجًا شديدًا، فيَخْرُجُ فيَقْرَعُ صِماخَ الأُذنِ، فتُدْرِكُه قُوَّةُ السَّمْعِ، ولهذا تَختلفُ الأصواتُ في الظُّهورِ والخفاءِ لاختلافِ الأجسامِ المُتَصَاكِكةِ في الصَّلابةِ والرَّخاوةِ.
(قُلْتُ: بَلِ) الأخلصُ في العِبارةِ أن تَقُولَ: الصَّوتُ (صِفَةٌ مَسْمُوعَةٌ، وَاللهُ أَعْلَمُ).
(وَاللَّفْظُ) بمَعنى الملفوظِ، فإطلاقُ اللَّفظِ عليه مِن بابِ تسميةِ المفعولِ باسمِ المصدرِ، كقولِهم: هذا (١) الدِّرهمُ ضَرْبُ الأميرِ؛ أي: مَضروبُه، وهو لغةً: الرَّمْيُ. يُقالُ: لَفَظْتَ النُّخامَةَ إذا نَفَثْتَها مِن فِيكَ.
واصطلاحًا: (صَوْتٌ مُعْتَمِدٌ عَلَى بَعْضِ مَخَارِجِ الحُرُوفِ) لأنَّ الصَّوتَ بخُروجِه مِن الفَمِ صارَ كالجوهرِ الملفوظِ المُلْقَى، فهو ملفوظٌ حقيقةً، أو مجازًا، فاللَّفظُ الاصطلاحيُّ نوعٌ للصَّوتِ؛ لأنَّه صوتٌ مخصوصٌ.
(وَالقَوْلُ) أخصُّ مِنَ اللَّفظِ،
وهو لُغةً: مُجَرَّدُ النُّطقِ.
واصطلاحًا: (لَفْظٌ وُضِعَ لِمَعْنًى) خَرَجَ المُهمَلُ، وقولُه: (ذِهْنِيٌّ) وهو ما يَتَصَوَّرُه العقلُ، سواءٌ طابَقَ ما في الخارجِ أو لا، لدَوَرانِ الألفاظِ مَعَ المعاني الذِّهنيَّةِ وُجودًا وعدمًا، فإنَّ الإنسانَ إذا رأى شخصًا مِن بعيدٍ تَخَيَّلَه طَلَلًا
стр. 75
سَمَّاه بذلك، فإذا قَرُبَ منه وظَنَّه شَجَرًا سَمَّاه به، فإذا دَنَا منه ورآه رَجُلًا سَمَّاه به.
(وَالوَضْعُ) له إطلاقانِ:
أحدُهما: (خَاصٌّ: وَهُوَ جَعْلُ اللَّفْظِ دَلِيلًا) أي: مُتَهَيِّئًا (عَلَى) أنْ يُفيدَ ذلك (المَعْنَى) الموضوعَ له عندَ استعمالِ المُتكلِّمِ له على وجهٍ مخصوصٍ.
وقولُه: (وَلَوْ مَجَازًا) يَشمَلُ المنقولَ مِن شرعيٍّ وعُرفِيٍّ، يَعني أنَّ المجازَ مَوضوعٌ.
(وَ) الثَّاني (عَامٌّ: وَهُوَ تَخْصِيصُ شَيْءٍ بِشَيْءٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ، كَـ) جَعْلِ (المَقَادِيرِ) دَالَّةً على مُقَدَّراتِها مِن مَكيلٍ ومَوزونٍ ومعدودٍ، وغيرِها.
وفي كِلا القِسمَينِ الوضعُ أمرٌ مُتعلِّقٌ بالواضعِ.
(وَالِاسْتِعْمَالُ: إِطْلَاقُ اللَّفْظِ وَإِرَادَةُ المَعْنَى) يَعني إرادةَ مُسَمَّى اللَّفظِ بالحُكمِ، وهو الحقيقةُ، أو غيرَ مُسَمَّى اللَّفظِ لعَلاقةٍ بينَهما، وهو المجازُ، وهو مِن صفاتِ المُتكلِّمِ.
(وَالحَمْلُ: اعْتِقَادُ السَّامِعِ مُرَادَ المُتَكَلِّمِ مِنْ لَفْظِهِ) أو ما اشْتَمَلَ على مُرادِه، فالمُرادُ كاعتقادِ الحنبليِّ والحنفيِّ أنَّ اللهَ تَعالى أرادَ بلفظِ القُرءِ الحيضَ، والمالكيِّ والشَّافعيِّ أنَّ اللهَ تَعالى أرادَ به الطُّهرَ، وهذا مِن صفاتِ السَّامعِ.
فالوضعُ سابقٌ، والاستعمالُ مُتوسِّطٌ، والحملُ لاحقٌ.
(وَهِيَ) أي: اللُّغةُ:
(١) (مُفْرَدٌ) لا نزاعَ في وضعِ العَربِ له، وهو عندَ النُّحاةِ: كلمةٌ واحدةٌ،