(فَصْلٌ)
في اللُّغةِ
وأصلُها لُغْوَةٌ على وزنِ «فُعْلَةٍ»، مِن لَغَوْتَ إذا تَكَلَّمْتَ.
وهو توقيفٌ ووحيٌ لا اصطلاحٌ وتَواطُؤٌ على الأشهرِ، وذلك لِما رَوَى وكيعٌ في «تفسيرِه» بسندِه إلى ابنِ عبَّاسٍ في قولِه تَعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ (١) قَالَ: علَّمه اسمَ كلِّ شيءٍ، حَتَّى علَّمَه القَصْعَةَ والقُصَيْعَةَ، والفَسْوَةَ والفُسَيَّةَ (٢).
ولِما رَوَى ابنُ جَريرٍ في «تفسيرِه» مِن طريقِ الضَّحَّاكِ إلى ابنِ عبَّاسٍ في قولِه تَعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ (٣) قال: هيَ هذه الأسماءُ الَّتي تَتَعارَفُ بها النَّاسُ الآنَ: إنسانٌ، دابَّةٌ، أرضٌ، سَهلٌ، جبلٌ، حمارٌ، وأشباهُ ذلك مِن الأُمَمِ وغيرِها (٤).
ثمَّ إنَّ ألفاظَ اللُّغةِ تَنقسمُ إلى: مُتواردةٍ، وإلى مُترادفةٍ:
- فالمُتواردةُ: كما تُسَمَّى الخَمرُ عُقَارًا تُسَمَّى صَهْبَاءَ وقهوةً، والسَّبُعُ ليثًا وأسدًا وضِرْغامًا،
- والمُترادفةُ: هي الَّتي يُقامُ لفظٌ مُقامَ لفظٍ لمَعانٍ متقاربةٍ يَجمَعُها مَعنًى واحدٌ، كما يُقالُ: أَصلَحَ الفاسدَ، ولَمَّ الشَّعَثَ، ورَتَقَ الفَتْقَ، وشَعَبَ الصَّدْعَ.
стр. 72
وهذا يَحتاجُ إليه البليغُ في بلاغتِه، فبِحُسْنِ الألفاظِ واختلافِها على المعنَى الواحدِ تُرَصَّعُ المعاني في القُلوبِ وتَلتصِقُ بالصُّدورِ، ويَزيدُ حُسنُه وحلاوتُه بضَربِ الأمثلةِ والتَّشبيهاتِ المَجازيَّةِ.
ثمَّ تَنقسِمُ الألفاظُ أيضًا إلى: مشتَرَكةٍ، وإلى عامَّةٍ مُطلقةٍ، وتُسَمَّى مُستغرِقةً، وإلى ما هو مُفردٌ بإزاءِ مُفردٍ، وسيَأتي بيانُ ذلك.
والدَّاعي إلى ذِكرِ اللُّغةِ هنا لكونِها مِن الأمورِ المُستمَدِّ منها هذا العلمُ؛ وذلك أنَّه لمَّا كانَ الاستدلالُ مِن الكتابِ والسُّنَّةِ اللَّذينِ هما أصلُ الإجماعِ والقياسِ، وكانَا أفصحَ الكلامِ العربيِّ؛ احتيجَ إلى معرفةِ لغةِ العربِ؛ لتوقُّفِ الاستدلالِ منهما عليها.
فَإِنْ قِيلَ: مَن سَبَقَ نبيَّنا محمَّدًا ﷺ مِن الأنبياء إِنَّمَا كانَ مبعوثًا لقومِه خاصَّةً، فهو مبعوثٌ بلسانِهم، ونبيُّنا محمَّدٌ ﷺ مبعوثٌ لجميعِ الخلْقِ، فلِمَ لمْ يُبعَثْ بجميعِ الألسنةِ، ولم يُبعَثْ إلَّا بلسانِ بعضِهم، وهم العربُ؟
فالجوابُ: أنَّه لو بُعِثَ بلسانِ جميعِهم لكانَ كلامُهم خارجًا عن المعهودِ، ويَبعُدُ -بل يَستحيلُ- أن تَرِدَ كلُّ كلمةٍ مِن القرآنِ مُكَرَّرَةً بكلِّ الألسنةِ، فيَتَعَيَّنُ البعضُ، وكانَ لسانُ العربِ أحقَّ؛ لأنَّه أوسعُ وأفصحُ، ولأنَّه لسانُ المُخاطَبينَ، وإنْ كانَ الحُكمُ عليهم وعلى غيرِهم، ولَمَّا خَلَقَ اللهُ تَعالى النَّوعَ الإنسانِيَّ وجَعَلَه مُحتاجًا لأمورٍ لا يَستقلُّ بها بل يَحتاجُ فيها إلى المُعاونةِ؛ كانَ لا بدَّ للمُعاوِنِ مِن الاطِّلاعِ على ما في نَفْسِ المُحتاجِ بشيءٍ يَدُلُّ عليه من لفظٍ، أو إشارةٍ، أو كتابةٍ، أو مثالٍ، أو نحوِه.
стр. 73
إذا تَقَرَّرَ هذا فـ (اللُّغَةُ) في الدَّلالةِ على ذلك (أَفْيَدُ) أي: أكثرُ فائدةً (مِنْ غَيْرِهَا)؛ لأنَّ اللَّفظَ يَقَعُ على المَعدومِ، والموجودِ، والحاضرِ الحِسِّيِّ، والمعنويِّ، (وَأَيْسَرُ لِخِفَّتِهَا) لأنَّ الحروفَ كيفيَّاتٌ تَعرِضُ للنَّفَسِ الضَّروريِّ، فلا يُتَكَلَّفُ لها ما يُتَكَلَّفُ لغيرِها.
(وَسَبَبُهَا) أي: سببُ وَضعِها (حَاجَةُ النَّاسِ) إليها ليَعرِفَ بعضُهم مُرادَ بعضٍ للتَّساعُدِ، والتَّعاضُدِ، بلا مُؤنةٍ فيه ولا مَحذورٍ، وهذا مِن تمامِ نِعَمِ اللهِ علينا أنْ جَعَلَ ذلك بالمنطقِ دونَ غيرِه.
(وَهِيَ) أي: اللُّغةُ (أَلْفَاظٌ) وتَشمَلُ: الموضوعَ، والمُهْمَلَ.
وقولُه: (وُضِعَتْ لِمَعَانٍ) ليُخرِجَ المُهمَلَ؛ لأنَّه لم يُوضَعْ لمَعنًى.
(فَمَا الحَاجَةُ إِلَيْهِ) أي: فالمعنى الَّذِي يَحتاجُ الإنسانُ إلى الاطِّلاعِ عليه مِن نَفْسِه دائمًا كطلبِ ما يَدفَعُ به عن نَفْسِه (١) مِن ألمِ جوعٍ وغيرِه (٢) لم تَخْلُ اللُّغةُ مِن وضعِ لفظٍ له، (وَالظَّاهِرُ) مِن استعمالِ العَربِ (أَوْ كَثُرَتْ) حاجةُ الإنسانِ إليه كالمُعاملاتِ (لَمْ تَخْلُ) اللُّغةُ (مِنْ) وَضعِ (لَفْظٍ لَهُ) أي: لذلك المعنى، بل هو كالمقطوعِ به، لا سِيَّمَا وهي أوسعُ اللُّغاتِ وأَفصَحُها.
(وَيَجُوزُ خُلُوُّهَا) أي: اللُّغةِ (مِنْ لَفْظٍ) كَثُرَتِ الحاجةُ إليه (كَعَكْسِهِمَا (٣) أي: ما لا يُحتاجُ إليه البَتَّةَ، يَجوزُ خُلُوُّ اللُّغةِ عمَّا يَدُلُّ عليه، وخُلُوُّها واللهُ أعلمُ أَكثَرُ، وما قلَّتِ الحاجةُ إليه يَجوزُ خُلُوُّها منه وليسَ بمُمتنعٍ.
стр. 74
(وَالصَّوْتُ) رَسْمُهُ: (عَرَضٌ) يَشمَلُ جميعَ الأعراضِ، كالحركاتِ والألوانِ، وقولُه: (مَسْمُوعٌ) خَرَجَ جميعُها إلَّا ما يُدرَكُ بالسَّمْعِ، وهو الصَّوتُ يَحصُلُ عندَ اصْطِكاكِ الأجرامِ، وسَبَبُه: انضغاطُ الهواءِ بينَ الجِرمَينِ فيَتَمَوَّجُ تَمَوُّجًا شديدًا، فيَخْرُجُ فيَقْرَعُ صِماخَ الأُذنِ، فتُدْرِكُه قُوَّةُ السَّمْعِ، ولهذا تَختلفُ الأصواتُ في الظُّهورِ والخفاءِ لاختلافِ الأجسامِ المُتَصَاكِكةِ في الصَّلابةِ والرَّخاوةِ.
(قُلْتُ: بَلِ) الأخلصُ في العِبارةِ أن تَقُولَ: الصَّوتُ (صِفَةٌ مَسْمُوعَةٌ، وَاللهُ أَعْلَمُ).
(وَاللَّفْظُ) بمَعنى الملفوظِ، فإطلاقُ اللَّفظِ عليه مِن بابِ تسميةِ المفعولِ باسمِ المصدرِ، كقولِهم: هذا (١) الدِّرهمُ ضَرْبُ الأميرِ؛ أي: مَضروبُه، وهو لغةً: الرَّمْيُ. يُقالُ: لَفَظْتَ النُّخامَةَ إذا نَفَثْتَها مِن فِيكَ.
واصطلاحًا: (صَوْتٌ مُعْتَمِدٌ عَلَى بَعْضِ مَخَارِجِ الحُرُوفِ) لأنَّ الصَّوتَ بخُروجِه مِن الفَمِ صارَ كالجوهرِ الملفوظِ المُلْقَى، فهو ملفوظٌ حقيقةً، أو مجازًا، فاللَّفظُ الاصطلاحيُّ نوعٌ للصَّوتِ؛ لأنَّه صوتٌ مخصوصٌ.
(وَالقَوْلُ) أخصُّ مِنَ اللَّفظِ،
وهو لُغةً: مُجَرَّدُ النُّطقِ.
واصطلاحًا: (لَفْظٌ وُضِعَ لِمَعْنًى) خَرَجَ المُهمَلُ، وقولُه: (ذِهْنِيٌّ) وهو ما يَتَصَوَّرُه العقلُ، سواءٌ طابَقَ ما في الخارجِ أو لا، لدَوَرانِ الألفاظِ مَعَ المعاني الذِّهنيَّةِ وُجودًا وعدمًا، فإنَّ الإنسانَ إذا رأى شخصًا مِن بعيدٍ تَخَيَّلَه طَلَلًا
стр. 75
سَمَّاه بذلك، فإذا قَرُبَ منه وظَنَّه شَجَرًا سَمَّاه به، فإذا دَنَا منه ورآه رَجُلًا سَمَّاه به.
(وَالوَضْعُ) له إطلاقانِ:
أحدُهما: (خَاصٌّ: وَهُوَ جَعْلُ اللَّفْظِ دَلِيلًا) أي: مُتَهَيِّئًا (عَلَى) أنْ يُفيدَ ذلك (المَعْنَى) الموضوعَ له عندَ استعمالِ المُتكلِّمِ له على وجهٍ مخصوصٍ.
وقولُه: (وَلَوْ مَجَازًا) يَشمَلُ المنقولَ مِن شرعيٍّ وعُرفِيٍّ، يَعني أنَّ المجازَ مَوضوعٌ.
(وَ) الثَّاني (عَامٌّ: وَهُوَ تَخْصِيصُ شَيْءٍ بِشَيْءٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ، كَـ) جَعْلِ (المَقَادِيرِ) دَالَّةً على مُقَدَّراتِها مِن مَكيلٍ ومَوزونٍ ومعدودٍ، وغيرِها.
وفي كِلا القِسمَينِ الوضعُ أمرٌ مُتعلِّقٌ بالواضعِ.
(وَالِاسْتِعْمَالُ: إِطْلَاقُ اللَّفْظِ وَإِرَادَةُ المَعْنَى) يَعني إرادةَ مُسَمَّى اللَّفظِ بالحُكمِ، وهو الحقيقةُ، أو غيرَ مُسَمَّى اللَّفظِ لعَلاقةٍ بينَهما، وهو المجازُ، وهو مِن صفاتِ المُتكلِّمِ.
(وَالحَمْلُ: اعْتِقَادُ السَّامِعِ مُرَادَ المُتَكَلِّمِ مِنْ لَفْظِهِ) أو ما اشْتَمَلَ على مُرادِه، فالمُرادُ كاعتقادِ الحنبليِّ والحنفيِّ أنَّ اللهَ تَعالى أرادَ بلفظِ القُرءِ الحيضَ، والمالكيِّ والشَّافعيِّ أنَّ اللهَ تَعالى أرادَ به الطُّهرَ، وهذا مِن صفاتِ السَّامعِ.
فالوضعُ سابقٌ، والاستعمالُ مُتوسِّطٌ، والحملُ لاحقٌ.
(وَهِيَ) أي: اللُّغةُ:
(١) (مُفْرَدٌ) لا نزاعَ في وضعِ العَربِ له، وهو عندَ النُّحاةِ: كلمةٌ واحدةٌ،
стр. 76
(كَزَيْدٍ) وعندَ المَناطقةِ والأُصوليِّينَ: لفظٌ وُضِعَ لمعنًى وَلَا جُزءَ لذلك (١) اللَّفظُ يَدُلُّ على (٢) المَعنى الموضوعِ له، أو له جزءٌ ولا يَدُلُّ فيه (٣)، فشَمِلَ أربعةَ أقسامٍ:
الأوَّلُ: ما لا جُزءَ له البتَّةَ كباءِ الجرِّ.
الثَّاني: ما له جزءٌ، ولكنْ لا يَدُلُّ مُطلقًا، كزاءِ زيدٍ، فإنَّ الزَّايَ منه لا تدُلُّ على شيءٍ منه.
الثَّالثُ: ما له جزءٌ، ويَدُلُّ لكنْ لا على جزءِ المعنى، كإنسانٍ فإنَّ «إِنْ» في أوَّلِه لا تَدُلُّ على بعضِ الإنسانِ، وإنْ كانَتْ بانفرادِها تَدُلُّ على الشَّرطِ أو النَّفيِ.
الرَّابعُ: ما له جزءٌ يَدُلُّ على جزءِ المعنى، لكنْ في وضعٍ آخَرَ لا في ذلك الوضعِ، كقولِنا: حيوانٌ ناطقٌ، عَلَمًا على شخصٍ.
(٢) (وَمُرَكَّبٌ) عندَ الأكثرِ أنَّه في اللُّغةِ، ويُرادِفُ المُؤلَّفَ على الصَّحيحِ، وهو عندَ النُّحاةِ: ما كانَ أكثرَ مِن كلمةٍ: فشَمِلَ التَّركيبَ (٤) المَزجيَّ، كبَعلَبَكَّ، وسيبويْه، وخمسةَ عَشَرَ، والمُضافَ ولو عَلَمًا (كَـ عَبْدِ اللهِ) وغلامِ زيدٍ.
وعندَ المَناطقةِ والأُصوليِّينَ المُرَكَّبُ: ما دَلَّ جُزؤُه على جزءِ مَعناه الَّذِي وُضِعَ له، سواءٌ كانَ إسناديًّا: كـ قامَ زيدٌ، أو إضافيًّا: كـ غلامِ زيدٍ، أو تَقْيِيديًّا: كـ زيدٍ العالمِ، فـ «عبدُ اللهِ» عَلَمًا مُرَكَّبٌ على الأوَّلِ لا على الثَّاني (٥)، و «يَضرِبُ» عَكْسُه؛ لأنَّ الياءَ منه يَدُلُّ على جُزءِ مَعناه وهو المُضارعةُ.
стр. 77
(وَالمُفْرَدُ) قِسمانِ:
(١) (مُهْمَلٌ) كأسماءِ حروفِ الهجاءِ؛ أي: لمَدلولاتِها، فإنَّ مَدلولَ الألفِ (أ)، ومدلولَ الباءِ (١) (ب) إلى آخِرِها.
وهذه المدلولاتُ لم تُوضَعْ بإزاءِ شيءٍ، ألا تَرى أنَّ الضَّادَ موضوعٌ لهذا الحرفِ، فهو مُهمَلٌ لا مَعنى له، وإنَّما يَتَعَلَّمُه الصِّغارُ في الابتداءِ للتَّوصُّلِ به إلى معرفةِ غيرِه.
(وَ) الثَّاني: (مُسْتَعْمَلٌ) ويَنقسمُ إلى: اسمٍ، وفعلٍ، وحرفٍ.
ووجهُ الحَصرِ في ذلك أنْ يُقالَ: (إِنِ اسْتَقَلَّ) المُفردُ (بِمَعْنَاهُ وَدَلَّ (٢) بِهَيْئَتِهِ عَلَى زَمَنٍ مِنَ) الأزمنةِ (الثَّلَاثَةِ) وهي الماضي، والحالُ، والمُستقبلُ، (فَـ) هو (الفِعْلُ، وَهُوَ) ثلاثةُ أنواعٍ:
(١) (مَاضٍ): كـ قامَ، فأصلُ وَضْعِه للماضي، (وَ) قد (يَعْرِضُ لَهُ الِاسْتِقْبَالُ بِالشَّرْطِ) أي: يَخرُجُ عن أصلِه لعارضٍ نحوُ: إنْ قامَ زيدٌ قُمْتُ.
(وَ) الثَّاني: (مُضَارِعٌ) عكسُ الماضي، كـ: يَقومُ، فأصلُ وضعِه للحالِ والاستقبالِ، (وَ) قد (يَعْرِضُ لَهُ المُضِيُّ بِـ) دُخُولِ حرفِ (لَمْ) أي: يَخرُجُ عن أصلِه، ويَبقى للماضي.
(وَ) الثَّالثُ: (أَمْرٌ) كـ: قُمْ، وهو واضحٌ، وأمَّا «لِيَقُمْ» فإنَّه مضارعٌ، ودَخَلَتْ عليه لامُ الأمرِ.
стр. 78
(وَتَجَرُّدُهُ) أي: تجرُّدُ الفِعلِ (عَنِ الزَّمَانِ) الماضي والحالِ والمستقبلِ (لِلْإِنْشَاءِ) بوضعِ العُرفِ، كـ: زَوَّجْتُ، وقَبِلْتُ، (عَارِضٌ،
وَقَدْ يَلْزَمُهُ) التَّجرُّدُ عن الزَّمانِ، (كَـ: عَسَى) فإنَّه وُضِعَ أوَّلًا للماضي، ولم يُستَعمَلْ فيه قطُّ، بل في الإنشاءِ.
(وَقَدْ لَا) يَلْزَمُ الفعلَ التَّجرُّدُ عنِ الزَّمانِ، فيُستعمَلُ في الأصلِ وهو الماضي، ويَتَجَرَّدُ عن الزَّمانِ أيضًا للإنشاءِ، (كَـ: نِعْمَ) وبِئْسَ، فيُقالُ: نِعمَ زيدٌ أمسِ، وبئسَ زيدٌ أمسِ، ونِعمَ زيدٌ، وبئسَ زيدٌ، مِن غيرِ نظرٍ إلى زمانٍ (١).
(وَإِلَّا) أي: وإنِ اسْتَقَلَّ المُفردُ بمَعناه ولم يَدُلَّ بهيئتِه على أحدِ الأزمنةِ الثَّلاثةِ (فَـ) هو (الِاسْمُ) فصبوحٌ، أمسِ، وضاربُ اليومِ، وغَبُوقٌ، غدٌ (٢)، ونحوُه، يَدُلُّ بنَفْسِه، لكنْ لم يَدُلَّ وَضعًا بل لعارضٍ، كاللَّفظِ بالاسمِ ومَدلولِه، فإنَّه لازمٌ كالمكانِ (٣)، ونحوُ: صَهْ، دَلَّ على «اسْكُتْ» وبواسطتِه على سكوتٍ مُقتَرنٍ بالاستقبالِ.
والمُضارعُ إنْ قِيلَ مشتَركٌ بينَ الحالِ والاستقبالِ فوَضعُه لأحدِهما، واللَّبْسُ عندَ السَّامعِ.
(وَإِنْ لَمْ يَسْتَقِلَّ) المُفردُ بنَفْسِه بالمعنى كـ: عن (فَـ) هو (الحرفُ، وَهُوَ) أي: حَدُّه: (مَا دَلَّ عَلَى مَعْنًى فِي غَيْرِهِ) ليَخرُجَ الاسمُ والفعلُ.
стр. 79
(وَالمُرَكَّبُ) قِسمانِ:
(١) (مُهْمَلٌ مَوْجُودٌ) ومَثَّلَه بعضُهم بالهَذَيَانِ، فإنَّه لفظٌ مدلولُه لفظٌ مُرَكَّبٌ مُهمَلٌ، (لَمْ تَضَعْهُ العَرَبُ قَطْعًا) ولا يَجوزُ نِسبتُه إليها لا حقيقةً وَلَا مجازًا، وهذا لا خلافَ فيه.
(وَ) الثَّاني: (مُسْتَعْمَلٌ وَضَعَتْهُ) العربُ على الصَّحيحِ، بدليلِ أنَّ له قوانينَ في العربيَّةِ لا يَجوزُ تَغييرُها، ومتى غُيِّرَتْ حُكِمَ عليها بأنَّها ليسَتْ عربيَّةً، كتقديمِ المُضافِ إليه على المُضافِ، وإنْ قُدِّمَ في غيرِ لغةِ العربِ، وكتقديمِ الصِّلةِ أو مَعمولِها على الموصولِ، وغيرِ ذلك مِمَّا لا يَنحَصِرُ، فحَجَرُوا في التَّركيبِ كما في المُفرداتِ.
(وَهُوَ) أي: المُرَكَّبُ الَّذِي وَضَعَتْه العربُ نوعانِ:
(١) (غَيْرُ جُمْلَةٍ كَمُثَنًّى) لتَركيبِه (١) مِن مفردِه ومِن علامةِ التَّثنيةِ، (وَ) كـ (جَمْعٍ) لتَركيبِه (٢) منَ المُفردِ وعلامةِ الجَمعِ.
(وَ) الثَّاني: (جُمْلَةٌ، وَ) هي (تَنْقَسِمُ إِلَى:
(١) مَا) أي: لفظٍ (وُضِعَ لِإِفَادَةِ نِسْبَةٍ) أي: إسنادِ إحدى الكلمتينِ إلى الأُخرى لإفادةِ المخاطَبِ مَعنًى يَصِحُّ سُكُوتُه عليه، (وَ) اللَّفظُ الَّذِي وُضِعَ لإفادةِ نِسبةٍ (هُوَ الكَلَامُ).
(وَلَا يَتَأَلَّفُ) الكلامُ (إِلَّا مِنِ اسْمَيْنِ) مثلُ: زيدٌ قائمٌ، (أَو) مِن (اسْمٍ وَفِعْلٍ) مثلُ: قامَ زيدٌ، فيَخرُجُ المُرَكَّبُ الإضافِيُّ، كغلامِ زيدٍ ونحوِه؛
стр. 80
لأنَّه لم يُفِدِ المُخاطَبَ مَعنًى يَصِحُّ السُّكُوتُ عليه، ولأنَّ الكلامَ يَتَضَمَّنُ الإسنادَ، والإسنادُ يَقتضي مُسنَدًا ومُسنَدًا إليه، والاسمُ يَصلُحُ لهما، والفعلُ يَصلُحُ أن يَكُونَ مُسندًا ولا يَصلُحُ أن يَكُونَ مُسنَدًا إليه، والحرفُ لا يَصلُحُ لشيءٍ منهما.
والتَّركيبُ [العقليُّ مِن كلمتينِ يَشمَلُ سِتَّ صورٍ:
- اسمٌ مَعَ اسمٍ،
- واسمٌ معَ] (١) فعلٍ،
- واسمٌ مَعَ حرفٍ،
- وفعلٌ مَعَ فعلٍ،
- وفعلٌ مَعَ حرفٍ،
- وحرفٌ مَعَ حرفٍ،
فالأربعةُ الأخيرةُ لا يَتَأَتَّى منها الكلامُ إمَّا: لعدمِ (٢) المُسندِ، أو لعدمِ المُسندِ إليه، أو لعَدَمِهما.
ويُعتَبَرُ أنْ يَكُونَ تَأليفُ الكلامِ (مِنْ) شخصٍ (وَاحِدٍ) لأنَّه لا بدَّ مِن مسندٍ ومسندٍ إليه.
(وَحَيَوَانٌ نَاطِقٌ، وَكَاتِبٌ فِي) قولِك: (زَيْدٌ كَاتِبٌ؛ لَمْ يُفِدْ نِسْبَةً) هذا جوابٌ عن سؤالٍ مُقَدَّرٍ تَقديرُه: إنَّ الحدَّ المذكورَ للجملةِ غيرُ مُطَّرِدٍ ضرورةَ صِدقِه على المُرَكَّبِ التَّقييديِّ، وعلى نحوِ كاتبٍ في قولِك: زيدٌ كاتبٌ.
стр. 81
والمُرادُ بالمُرَكَّبِ التَّقييديِّ: المُرَكَّبُ مِن اسمينِ، أو مِن اسمٍ وفعلٍ، يَكونُ (١) الثَّاني قَيْدًا في الأوَّلِ، ويَقومُ مَقامَهما لفظٌ مفردٌ، مثلُ: «حَيَوانٌ نَاطِقٌ»، و «الَّذي يَكْتُبُ» فإنَّه يَقومُ مَقامَ الأوَّلِ (٢): الإنسانُ، ومقامَ الثَّاني (٣): الكاتبُ، وإنَّما قُلْنا: «الحدُّ يَصْدُقُ عليهما»؛ لأنَّ الأوَّلَ وُضِعَ لإفادةِ نسبةٍ تقييديَّةٍ، والثَّاني وُضِعَ لإفادةِ اسمِ الفاعلِ إلى الضَّميرِ الَّذِي هو فاعلُه.
والجوابُ: أن يُقالَ: لا نُسَلِّمُ أنَّ الحدَّ يَصْدُقُ عليهما؛ لأنَّ المُرادَ بإفادةِ النِّسبةِ: إفادةُ نسبةٍ يَحسُنُ سُكُوتُ المُتكَلِّمِ عليها، وهما لم يُوضَعَا لإفادةِ نِسبةٍ كذلك. قالَه في «شرحِ الأصلِ» (٤).
(٢) (وَإِلَى غَيْرِهِ) أي: تَنقسِمُ الجملةُ إلى ما وُضِعَ لإفادةِ نسبةٍ، وتَقَدَّمَ.
وإلى غيرِ ما وُضِعَ لإفادةِ نسبةٍ، (كَجُمْلَةِ الشَّرْطِ) بدونِ جزاءٍ (أَو) جملةِ (٥) (الجَزَاءِ) بدونِ شرطٍ، (وَنَحْوِهِمَا) فيَندَرِجُ فيه المُرَكَّباتُ التَّقييديَّةُ، وكاتبٌ في «زيدٌ كاتبٌ»، وكـ غلامِ زيدٍ.
(وَيُرَادُ بِمُفْرَدٍ) في بعضِ إطلاقاتِه:
(١) (مُقَابِلُهَا) أي: مقابلُ الجملةِ،
(٢) (وَ) يُرادُ به (مُقَابِلُ مُثَنًّى وَجَمْعٍ،
(٣) وَمُقَابِلُ مُرَكَّبٍ) فيُقالُ: مفردٌ وجملةٌ، ومفردٌ ومُثَنًّى ومجموعٌ، ومفردٌ ومُرَكَّبٌ، ويَكُونُ إطلاقًا مُتعارفًا.
(فَصْلٌ)
(الدَّلَالَةُ: مَصْدَرُ دَلَّ) يَدُلُّ دَلالةً بفتحِ الدَّالِ على الأفصحِ، وتَقَدَّمَ معناها في الدَّليلِ.
(وَ) الدَّلالةُ هنا: (هِيَ مَا) قال في «شرحِه» (١): يَعني الَّتي (يَلْزَمُ مِنْ فَهْمِ شَيْءٍ) أيِّ شيءٍ كانَ (فَهْمُ) شيءٍ (آخَرَ)، فالشَّيءُ الأوَّلُ هو الدَّالُّ، والشَّيءُ الثَّاني هو المَدلولُ.
وقال بعضُهم: هي كونُ الشَّيْءِ بحالتَيْه يَلْزَمُ مِن العِلْمِ به العلمُ بشيءٍ آخَرَ، وسواءٌ (٢) كانَ ذلك بلفظٍ أو غيرِه؛ لأنَّ الدَّلالةَ تارةً تكُونُ غيرَ لفظيَّةٍ، وتارةً تَكُونُ لفظيَّةً.
والدَّلالةُ المُطلقةُ ثلاثةُ أنواعٍ:
الأوَّلُ: ما دَلالتُه غيرُ لفظيَّةٍ (وَهِيَ وَضْعِيَّةٌ): كدَلالةِ الأقدارِ على مُقَدَّرَاتِها، ومنه (٣) دَلالةُ السَّببِ على المُسَبَّبِ كالدُّلُوكِ على وُجوبِ الصَّلاةِ، وكدَلالةِ المَشروطِ على وجودِ الشَّرطِ، كالصَّلاةِ (٤) على الطَّهارةِ، وإلَّا لَما صَحَّتْ.
(وَ) الثَّاني: ما دَلالتُه غيرُ لفظيَّةٍ أيضًا وهي (عَقْلِيَّةٌ) كدَلالةِ (٥) الأثرِ على المُؤَثِّرِ، ومنه دَلالةُ العالَمِ على مُوجِدِه، وهو اللهُ تَعالى، ونحوُ ذلك.
(وَ) الثَّالثُ: ما دَلالتُه (٦) (لَفْظِيَّةٌ) أي: دَلالةُ اللَّفظِ، وتَأتي الدَّلالةُ باللَّفظِ، (وَاللَّفْظِيَّةُ): هي المُسنَدَةُ لوجودِ اللَّفظِ، إذا ذُكِرَ وُجِدَتْ، وتَنْقَسِمُ ثلاثةَ أقسامٍ:
стр. 84
(١) (طَبِيعِيَّةٌ) كدَلالةِ «أَحْ أَحْ» على وَجَعِ الصَّدرِ.
(وَ) الثَّاني: (عَقْلِيَّةٌ) كدَلَالةِ الصَّوتِ على حياةِ صاحبِه.
(وَ) الثَّالثُ: (وَضْعِيَّةٌ) وهي هنا منَ الدَّلالاتِ اللَّفظيَّةِ، وهي المُرادةُ، (وَهَذِهِ) الدَّلالةُ الوضعيَّةُ (كَوْنُ اللَّفْظِ إِذَا أُطْلِقَ فُهِمَ) مِن إطلاقِه (مَا وُضِعَ لَهُ) أي: فُهِمَ المعنى الَّذِي هو له بالوضعِ، سواءٌ كانَ بوضعِ اللُّغةِ، أو الشَّرعِ، أو العُرفِ لذلك اللَّفظِ، فهي غيرُ الوضعيَّةِ الَّتي هي مِن قَسيم (١) اللَّفظيَّةِ.
(وَهِيَ) أي: دَلالةُ اللَّفظِ الوَضعيَّةُ ثلاثةُ أقسامٍ:
(١) فـ (عَلَى مُسَمَّاهُ) أي: مُسَمَّى ذلك اللَّفظِ (مُطَابَقَةٌ) أي: دَلالةُ مُطابَقةٍ، كدَلالةِ الإنسانِ على الحيوانِ النَّاطقِ، وإنَّما سُمِّيَتْ بذلك لأنَّ اللَّفظَ موافِقٌ لتمامِ ما وُضِعَ له مِن قولِهم: طابَقَ النَّعلُ النَّعلَ إذا تَوَافَقَتَا، فاللَّفظُ موافِقٌ للمعنى لكونِه مَوضوعًا بإزائِه.
(وَ) الثَّاني: دَلالة اللَّفظِ الوضعيَّةِ على (جُزْئِهِ) أي: جزءِ مُسَمَّاه، فهي (تَضَمُّنٌ) كدَلالةِ البيتِ على الجِدارِ، سُمِّيَ بذلك لتَضَمُّنِه إيَّاه؛ لأنَّه يَدُلُّ على الجزءِ الَّذِي في ضِمْنِه.
(وَ) الثَّالثُ: غيرُ لفظيَّةٍ، وهي دَلالةُ اللَّفظِ على (لَازِمِهِ الخَارِجِ) كدَلالةِ البيتِ على الباني، فهي (التِزَامٌ)؛ لأنَّها دَلَّتْ على ما هو خارجٌ عنِ المُسَمَّى، لكونِه لازمًا له كما مَثَّلْنا؛ لأنَّ اللَّفظَ لا يَدُلُّ على كلِّ أمرٍ خارجٍ عنه، بل على الأمرِ الخارجِ اللَّازمِ له (٢).
стр. 85
(وَهِيَ) أي: دَلالةُ اللَّفظِ (عَلَيْهِ) أي: على لازمِ مُسَمَّى اللَّفظِ الخارجِ عنه، (عَقْلِيَّةٌ) وَقِيلَ: لفظيَّةٌ أيضًا، حَكاه الأكثرُ.
(وَالمُطَابَقَةُ) أي: دَلالتُها (أَعَمُّ) مِن دَلالةِ التَّضمُّنِ والالتزامِ على الصَّحيحِ، لجوازِ كونِ المُطابقةِ بسيطةً لا تَضَمُّنَ فيها وَلَا لازمَ لها (١) ذهنيٌّ، (وَ) قد (يُوجَدُ مَعَهَا) أي: مَعَ دَلالةِ المُطابقةِ:
- (تَضَمُّنٌ) أي: دَلالةُ تَضمُّنٍ (بِلَا) دَلالةِ (التِزَامٍ) بأنْ يَكُونَ اللَّفظُ موضوعًا لمعنًى مُركَّبٍ وَلَا يَكُونَ له لازمٌ خارجيٌّ.
- (وَعَكْسُهُ) وهو وجودُ التزامٍ مَعَ المُطابقةِ وَلَا يُوجَدُ تَضمُّنٌ، بأنْ يَكُونَ اللَّفظُ موضوعًا لمعنًى بسيطٍ وله لازمٌ خارجيٌّ.
(وَالتَّضَمُّنُ) أي: دَلالتُه (أَخَصُّ) مِن دَلالةِ المُطابَقةِ والالتزامِ، وهما أعمُّ مِن التَّضمُّنِ، لجوازِ كَونِ المدلولِ واللَّازمِ بسيطًا لا جُزءَ له.
(وَالدَّلَالَةُ) تَنقسِمُ إلى قسمينِ:
أحدُهما: دَلالةُ اللَّفظِ المُتقدِّمِ ذِكْرُها.
الثَّاني: الدَّلالةُ (بِاللَّفْظِ) وهي (اسْتِعْمَالُهُ) أي: استعمالُ اللَّفظِ (فِي الحَقِيقَةِ وَالمَجَازِ) والباءُ في قولِه: «باللَّفظِ» للاستعانةِ والسَّببيَّةِ؛ لأنَّ الإنسانَ يَدُلُّنا على ما في نَفْسِه بإطلاقِ لفظِه، فإطلاقُ اللَّفظِ آلةٌ (٢) للدَّلالةِ؛ كالقَلمِ للكتابةِ.
(فَصْلٌ)
الاسمُ المُفرَدُ ومدلولُه يَتَّحِدُ كلٌّ مِنهما ويَتَعَدَّدُ، فـ (إِذَا اتَّحَدَ اللَّفْظُ وَمَعْنَاهُ) أي: مدلولُ اللَّفظِ (وَاشْتَرَكَ فِي مَفْهُومِهِ) أي: مَفهومِ لَفظِه (كَثِيرٌ) يُحمَلُ اللَّفظُ عليهم إيجابًا لا سلبًا؛ لأنَّ الجُزئيَّ يَشتَركُ بينَ كثيرين بسلْبِه عنها، فالمُعتبَرُ الإيجابُ.
(وَلَوْ) كانَ الاشتِراكُ (بِالقُوَّةِ) دونَ الحقيقةِ (فَـ) هو (كُلِّيٌّ) وله تقسيماتٌ سِتَّةٌ: لأنَّه إمَّا أن يُوجَدَ منه (١) في الخارجِ، أو لا يُوجَدُ، فإنْ وُجِدَ: فإمَّا أن يُوجَدَ منه واحدٌ فقطْ أو كثيرٌ، وما وُجِدَ منه واحدٌ إمَّا أنْ يَكونَ غيرُه مُمتنِعًا وجودُه، أو جائزًا، وما وُجِدَ منه كثيرٌ، فإمَّا أن يَكُونَ مُتناهيًا أو غيرَ مُتناهٍ، والَّذي لم يُوجَدْ منه شيءٌ إمَّا أن يُمكِنَ وجودُه، أو يَستحيلَ.
مثالُ ما وُجِدَ منه واحدٌ وامتنعَ غيرُه: «إلهٌ»؛ فإنَّ اللهَ لا إلهَ غيرُه، ولا يُمكِنُ وجودُ إلهٍ غيرِه، ومَعنى دخولِ «إلهٍ» في الكُلِّيِّ أنَّه لا يَمتنعُ تَصوُّرُ مَعناه مِن الشَّركةِ في مَعناه باعتبارِ التَّصوُّرِ في الذِّهنِ، لا باعتبارِ المُمكنِ في الخارجِ، فلهذا ضَلَّ مَن ضَلَّ بالاشتِراكِ.
ومثالُ ما وُجِدَ فيه واحدٌ، ولا يُمنَعُ وجودُ غيرِه: «الشَّمسُ».
ومثالُ ما وُجِدَ فيه كثيرٌ في الخارجِ وهو مُتناهٍ: إنسانٌ.
وغيرُ المُتناهي: مُتَعَذِّرٌ على قولِ أهلِ السُّنَّةِ؛ إذ لا يُوجَدُ في العالَمِ شيءٌ مِن الموجوداتِ إلَّا وهو مُتناهٍ.
ومثالُ ما لا يُوجَدُ منه شيءٌ أصلًا، ويُمكِنُ وجودُه: بحرٌ مِن زِئبَقٍ،
стр. 88
ومثالُ ما يَستحيلُ: شريكُ الباري ﵎، ولا يَخفى ما في التَّمثيلِ به وبما قَبْلَه مِن إساءةِ الأدبِ، وهذا مِن اصطلاحاتِ المناطقةِ.
(وَهُوَ) أي: الكُلِّيُّ قسمانِ:
(١) (ذَاتِيٌّ): وهو الَّذِي لم يَخرُجْ عن حقيقةِ الشَّيءِ، مثلُ: الحيوانِ بالنِّسبةِ إلى الإنسانِ.
(وَ) الثَّاني: (عَرَضِيٌّ) وهو الَّذِي يَخرُجُ عن حقيقةِ الشَّيءِ، مثلُ: الضَّاحكِ.
(فَإِنْ تَفَاوَتَتْ) أفرادُ الكُلِّيِّ في مَدلولِه [بأَوْلَوِيَّةٍ وعَدَمِها] (١) أو شِدَّةٍ أو (٢) ضعفٍ، أو تَقدُّمٍ أو (٣) تأخُّرٍ، كالوجودِ (٤) للخالقِ والمخلوقِ، فإنَّه يَتَفَاوَتُ فيهما بالاعتباراتِ الثَّلاثِ، فإنَّه في الخالقِ أشدُّ وأقدمُ.
(فَمُشَكِّكٌ) فأفرادُ الكُلِّيِّ تَتَفَاوَتُ باعتبارِ الوجوبِ والإمكانِ، كالوجودِ (٥) للقديمِ والحادثِ كما مَثَّلْنا، وباعتبارِ الاستغناءِ والافتقارِ، كالوجودِ الممكِنِ للجوهرِ المُستغني عن مَحَلٍّ، والعَرَضِ المُفتقِرِ إلى مَحَلٍّ يَقُومُ به، وباعتبارِ الشِّدَّةِ والضَّعفِ، كبياضِ الثَّلجِ، وبياضِ العاجِ، وسُمِّيَ مُشَكِّكًا لشَكِّ النَّاظرِ في مَعناه هل هو مِن المُتواطئِ لوجودِ الكُلِّيِّ في أفرادِه، أو المُشتَركِ لتغايُرِ أفرادِه، فهو اسمُ فاعلٍ مِن شَكَّكَ المُضاعَفِ مِن «شَكَّ» إذا تَرَدَّدَ.
(وَإِلَّا) بأنْ لم تَتَفَاوَتِ الأفرادُ بشيءٍ مِمَّا تَقَدَّمَ (فَـ) اللَّفظُ (مُتَوَاطِئٌ) سُمِّيَ بذلك مِن التَّواطُؤِ وهو التَّوافُقُ؛ لأنَّه الَّذِي تَتَسَاوَى أفرادُه باعتبارِ
стр. 89
ذلك الكُلِّيِّ الَّذِي تَشَارَكَتْ فيه، كالإنسانِ بالنِّسبةِ إلى أفرادِه، فإنَّ الكُلِّيَّ فيها وهو الحيوانيَّةُ والنَّاطقيَّةُ لا تَتَفَاوَتُ (١) فيها بزيادةٍ وَلَا نقصٍ.
قالَ ابنُ مُفْلِحٍ: فإطلاقُ لفظِ «المبدأِ» على النُّقطةِ أوَّلَ خَطٍّ، وعلى «آنٍ» أوَّلَ زمانٍ؛ مُتواطئٌ، وَقِيلَ: مشتركٌ، والمرادُ إنْ أُضيفتْ إلى الخطِّ، وكذا لفظُ الخَمْرِ على التَّمْرِ (٢) والعِنبِ والدَّواءِ؛ لعمومِ النِّسبةِ إلى الخمرِ: متواطئٌ، وباختلافِ النِّسَبِ: مُشتَركٌ، ولفظُ «أسودَ» لقارٍ وزنجيٍّ: متواطئٌ، ولرجلٍ مُسَمًّى بأسودَ وقارٍ: مشتَركٌ (٣). انتهى.
تنبيهٌ: المتواطئُ أعمُّ مِمَّا تساوَتْ أفرادُه، أو تَفَاوَتَتْ، إلَّا أنَّه إذا كانَ فيه تفاوتٌ فهو مُشَكِّكٌ.
(وَإِنِ) اتَّحَدَ اللَّفظُ ومَعناه و (لَمْ يَشْتَرِكْ) في مَفهومِه كثيرٌ، مثلُ: زيدٍ، وعمرٍو، وهذا الإنسانُ، و (كَمُضْمَرٍ) في الأصحِّ؛ (فَجُزْئِيٌّ) والجُزئيُّ يُقالُ على المُنْدَرِجِ تحتَ الكُلِّيِّ.
(وَيُسَمَّى النَّوعُ) المُنْدَرِجُ تَحْتَ الجِنْسِ مثلُ الإنسانِ: (جُزْئِيًّا إِضَافِيًّا)؛ لأنَّه مُندرجٌ تحتَ كُلِّيٍّ وهو الحيوانُ، فكلُّ جنسٍ عالٍ، أو وسطٍ (٤) أو سافلٍ كُلِّيٌّ لِما تَحتَه جُزئيٌّ لِما فوقَه، لكنْ لا بدَّ في الجُزئيِّ مِن ملاحظةِ قيدِ الشَّخصِ والتَّعيينِ في التَّصوُّرِ، وإلَّا لصَدَقَ أنَّه لم يَمنَعْ تَصوُّرُه مِن وقوعِ الشَّركةِ فيه؛ إذْ لا بدَّ مِن اشتراكٍ ولو في أخصِّ صفاتِ النَّفْسِ.
стр. 90
(وَمُتَعَدِّدُ اللَّفْظِ فَقَطْ) يَعني إذا تَعَدَّدَ اللَّفظُ واتَّحَدَ مَعناه، كالأسدِ واللَّيثِ المُسَمَّى به الحيوانُ المُفتَرِسُ، فهو (مُتَرَادِفٌ) لتَرادُفِ اللَّفظينِ بتوارُدِهما على مَحَلٍّ واحِدٍ.
(وَالمَعْنَى فَقَطْ) يَعني إذا تَعَدَّدَ المعنى واتَّحَدَ اللَّفظُ فهو (مُشْتَرَكٌ) لكنْ (إِنْ كَانَ) اللَّفظُ وُضِعَ (حَقِيقَةً لِلْمُتَعَدِّدِ) سواءٌ تَبايَنَتِ المُسَمَّياتُ كالعَينِ، أو (١) كالشَّفَقِ وكالجَوْنِ للسَّوادِ والبياضِ، أو لا كأسودَ على أسودَ، عَلَمًا وصِفةً، فمَدلولُه عَلَمًا: الذَّاتُ، ومُشْتَقًّا: الذَّاتُ مَعَ الصِّفةِ، فمَدلولُه عَلَمًا: جزءٌ، ومَدلولُه مُشْتَقًّا: صفةٌ لمدلولِه عَلَمًا.
(وَإِلَّا) يَكُنِ اللَّفظُ وُضِعَ حقيقةً للمُتعدِّدِ، بل كانَ موضوعًا لأحدِهما، ثمَّ نُقِلَ إلى الثَّاني لمناسبةٍ، (فَـ) هو (حَقِيقَةٌ) بالنِّسبةِ إلى الموضوعِ له (وَمَجَازٌ) بالنِّسبةِ إلى المنقولِ إليه، كـ الأسدِ فإنَّه بالنِّسبةِ إلى الحيوانِ المُفتَرسِ: حقيقةٌ، وبالنِّسبةِ إلى الرَّجُلِ الشُّجاعِ: مَجازٌ.
(وَهُمَا) يَعني إذا تَعَدَّدَ اللَّفظُ والمعنى، فأسماءٌ (مُتَبَايِنَةٌ) لتَبايُنِها لِكَونِ كلِّ واحدٍ منها مُبايِنًا للآخَرِ في مَعناه، سواءٌ (تَفَاصَلَتْ) أي: لَيْسَ لأحدِها (٢) ارتباطٌ بالآخَرِ، كإنسانٍ، وفرسٍ، وضَرَبَ زيدٌ عَمرًا، (أَوْ تَوَاصَلَتْ) بأنْ كانَ بعضُ المعاني صفةً للبعضِ الآخَرِ، كالسَّيفِ، والصَّارمِ، فإنَّ السَّيفَ اسمٌ للحديدةِ المعروفةِ ولو مع كَوْنِها كالَّةً، والصَّارمُ اسمٌ للقاطعةِ، وكالنَّاطقِ والبليغِ.
(وَ) الأقسامُ (كُلُّهَا مُشْتَقٌّ) إنْ دَلَّ على صفةٍ مُعيَّنةٍ، كضاربٍ (وَغَيْرُهُ) أي: غيرُ مُشتقٍّ إن لم يَكُنْ كذلك، كالجسمِ.
стр. 91
(وَ) أيضًا كلُّ واحدٍ منها (صِفَةٌ): إنْ دَلَّ على مَعنًى قائمٍ بذاتٍ (١)، كالضَّحِكِ، والعلمِ، والكتابةِ (وَغَيْرُهَا) أي: غيرُ صفةٍ، كالجسمِ والإنسانِ والرَّجُلِ.
(وَيَكُونُ اللَّفْظُ الوَاحِدُ مُتَوَاطِئًا مُشْتَرَكًا) باعتبارينِ، كإطلاقِ لفظِ الخمرِ على التَّمْرِ والعنبِ المُتقدِّمِ في كلامِ ابنِ مُفْلِحٍ (٢).
(وَ) يَكُونُ (اللَّفْظَانِ مُتَبَايِنَيْنِ مُتَرَادِفَيْنِ بِاعْتِبَارَيْنِ) كلفظيْ: مُهَنَّدٍ، وصارمٍ، فأمَّا مهندٌ -نسبةٌ إلى الهندِ- وصارمٌ: فمُتَرادفانِ على الذَّاتِ كالسَّيفِ، ومُتباينانِ صفةً، وناطقٌ وفصيحٌ مُترادفانِ على مَوصُوفَيْهِما مِن لسانٍ أو إنسانٍ، مُتباينانِ لاختلافِهما معنًى.
(وَ) اللَّفظُ (المُشْتَرَكُ) فيه (وَاقِعٌ لُغَةً) على الصَّحيحِ في الأسماءِ: كالقُرءِ للحيضِ والطُّهْرِ، وفي الأفعالِ: كـ «عسى» للتَّرَجِّي والإشفاقِ، وفي الحروفِ: كالباءِ للتَّبعيضِ (٣) وبيانِ الجنسِ وغيرِ ذلك، وإذا كانَ واقعًا في اللُّغةِ لَزِمَ وقوعُه (جَوَازًا) واستُدِلَّ للجوازِ: بأنَّه لا يَمتنِعُ وضعُ لفظٍ واحدٍ لمعنيينِ مُختلفينِ على البدلِ مِن واضعٍ أو أكثرَ، ويَشتهرُ (٤) الوضعُ، ولا فرقَ بينَ كَونِ مَفهومَيْه.
(تَبَايَنَا) أي: لم يَصْدُقُ أحدُهما على الآخَرِ، فإن لم يَصِحَّ اجتماعُهما كالقُرءِ الموضوعِ للحيضِ والطُّهرِ، فهُما مُتَضادَّانِ، وإنْ صَحَّ اجتماعُهما -ولم يَظْفَرِ الإسْنَوِيُّ لهما بمثالٍ- فهما مُتخالِفانِ.
стр. 92
(أَوْ) بَيْنَ كَوْنِ مَفهومَيهِ (تَوَاصَلَا) بصدقِ أَحَدِهما على الآخَرِ (بِكَوْنِهِ جُزْءَ) المفهومِ (الآخَرِ) كلفظِ المُمكِنِ، فإنَّه موضوعٌ للمُمكنِ بالإمكانِ العامِّ، وبالمُمكنِ بالإمكانِ الخاصِّ، (أَو) بكَونِه (لَازِمَهُ) أي: لازمَ المفهومِ الآخرِ، كالشَّمْسِ فهو تمثيلٌ للمُشتَركِ ولازمِه، فإنَّها تُطلَقُ على الكوكبِ المُضيءِ نهارًا، تَقولُ: طَلَعَتِ الشَّمسُ، وعلى ضوئِه تَقولُ: جَلَسْنا في الشَّمسِ، مَعَ أنَّ الضَّوءَ لازمٌ له.
(وَكَذَا) أي: وكالمُشتَركِ (مُتَرَادِفٌ وُقَوعًا) أي: واقعٌ لغةً على الصَّحيحِ في الأسماءِ: كصَلْهَبٍ وسَلْهَبٍ للطَّويلِ، وفي الأفعالِ: كجَلَسَ وقَعَدَ، وفي الحروفِ: كـ إلى وحتَّى؛ لانتهاءِ الغايةِ.
(وَلَا تَرَادُفَ فِي:
(١) حَدٍّ غَيْرِ لَفْظِيٍّ وَمَحْدُودٍ) على الصَّحيحِ، كـ: الإنسانُ حيوانٌ ناطقٌ، ويُشْبِهُ المترادفَ وَلَيْسَ منه؛ لأنَّ التَّرادُفَ مِن عوارضِ المفرداتِ؛ لأنَّها الموضوعةُ، والحدُّ مُرَكَّبٌ.
وأمَّا الحدُّ اللَّفظيُّ فمرادفٌ بلا نزاعٍ، وتَقَدَّمَ في أقسامِ الحدِّ.
(٢) (وَلَا) ترادُفَ أيضًا في التَّابعِ الَّذِي على زِنَةِ مَتْبُوعِه، (نَحوُ شَذَرَ مَذَرَ) لأنَّ التَّابعَ وَحدَه لا يُفيدُ شيئًا غيرَ التَّقويةِ، ولو كانَ مُترادفًا وأُفرِدَ التَّابعُ لأفادَ، وهو لا يُفيدُ مَعَ الإفرادِ.
(٣) (وَ) لا ترادُفَ أيضًا في (تَأْكِيدٍ) لعدمِ استقلالِه، كما قُلْنا في الَّذِي قَبْلَه.
(وَأَفَادَ التَّابِعُ) اللَّفظيُّ (التَّقْوِيَةَ) لأنَّه لم يُوضَعْ عَبَثًا.
стр. 93
(وَهُوَ) أي: التَّابعُ اللَّفظيُّ (عَلَى زِنَةِ مَتْبُوعِهِ) وهذا معروفٌ بالاستقراءِ، حَتَّى لو وُجِدَ ما لَيْسَ على زِنَتِه لم يُحكَمْ بأنَّه مِن هذا البابِ.
قالَ ابنُ مُفْلِحٍ: وقد لا يُفيدُ معنًى (١).
(وَ) اللَّفظُ (المُؤَكِّدُ) بكسرِ الكافِ (يُقَوِّي) مَتبوعَه؛ لأنَّ التَّوكيدَ هو التَّقويةُ باللَّفظِ، وأمَّا اللَّفظُ فهو المُؤَكِّدُ، (وَ) يَزيدُ على ذلك بكونِه (يَنْفِي احْتِمَالَ المَجَازِ) فإنَّ قولَك: قامَ القومُ، أو جاءَ زيدٌ، احتمَلَ أنَّ بَعضَهم قامَ، أو (٢) أكثرَهم، أو جاءَ خبَرُ زيدٍ، أو كتابُه، فإذا قُلْتَ: قامَ القومُ كلُّهم، أو جاءَ زيدٌ نَفْسُه: انْتَفَى ذلك الاحتمالُ.
(وَيَقُومُ كُلُّ مُتَرَادِفٍ) مِن مترادفينِ (مَقَامَ الآخَرِ فِي التَّرْكِيبِ) لأنَّ مَعنى كلِّ واحدٍ مِن الرَّديفينِ مَعنى الآخَرِ، والمقصودُ مِن التَّركيبِ المعنى دونَ اللَّفظِ، فإذا صَحَّ المعنى مع أحدِ اللَّفظينِ: وَجَبَ أنْ يَصِحَّ مَعَ الآخَرِ؛ لاتِّحادِ مَعناهما.
(فَائِدَةٌ)
وهي في الأصلِ الزِّيادةُ تَحصُلُ للإنسانِ.
(العَلَمُ) بفتحِ اللَّامِ والعينِ، وقولُه: (اسْمٌ) جِنْسٌ مُخرِجٌ لِما سِواه مِن الأفعالِ والحروفِ، وقولُه: (يُعَيِّنُ مُسَمَّاهُ) فَصْلٌ مُخْرِجٌ للنَّكِراتِ، وقولُه: (مُطْلَقًا) مُخْرِجٌ لِما سِوى العَلَمِ مِن المعارفِ، فإنَّه لا يُعَيِّنُه إلَّا بقرينةٍ لفظيَّةٍ كـ «الـ» أو معنويَّةٍ كالحضورِ والغَيبةِ في «أنتَ» و «هو» ونحوِ ذلك.
стр. 94
والعَلَمُ قسمانِ:
(١) (فَإِنْ كَانَ التَّعْيِينُ) فيه (خَارِجِيًّا) أي: موضوعًا للحقيقةِ بقيدِ التَّشَخُّصِ (١) الخارجيِّ (فَعَلَمُ شَخْصٍ) كزيدٍ.
(٢) (وَإِلَّا) أي: والثَّاني: إن لمْ يَكُنِ التَّعيينُ خارجيًّا، بأنْ وُضِعَ للماهيَّةِ بقيدِ التَّشَخُّصِ (٢) الذِّهنيِّ (فَـ) عَلَمُ (جِنْسٍ) كـ أسامةَ عَلَمٌ على الأسدٍ.
والفرقُ بينَهما أنَّ التَّعيينَ في الشَّخصِ خارجيٌّ، وفي الجنسِ ذهنيٌّ.
وعَلَمُ الجنسِ يُساوي عَلَمَ الشَّخصِ في أحكامِه اللَّفظيَّةِ؛ فإنَّه:
- لا يُضافُ،
- ولا يَدخُلُ عليه حرفُ التَّعريفِ،
- ولا يُنعَتُ بنكرةٍ،
- ولا يَقبُحُ مَجيئُه مبتدأً،
- ولا انتصابُ النَّكرةِ بعدَه على الحالِ،
- ولا يُصرَفُ منه ما فيه سببٌ زائدٌ على العَلَمِيَّةِ، كأسامةَ،
ويُفارِقُه مِن جهةِ المعنى لعُمومِه؛ إذ لَيْسَ بعضُ الأشخاصِ أَوْلى به من بعضٍ، ألا ترى أنَّ أُسامةَ صالحٌ لكلِّ أسدٍ بخلافِ العَلَمِ الشَّخصيِّ.
(وَ) الاسمُ (المَوْضُوعُ لِلْمَاهِيَّةِ مِنْ حَيْثُ هِيَ) أي: مِن غيرِ قيدِ تَشَخُّصِها في الذِّهنِ، ولا عدمِ تَشَخُّصِها فهو (اسْمُ جِنْسٍ) كأسدٍ.
стр. 95
والفرقُ بينَ عَلَمِ الجِنْسِ كأسامةَ، واسمِ الجنسِ كأسدٍ: قَالَ المُرادِيُّ في «شَرحِ ألفيَّتِه»: وأقولُ: تفرقةُ الواضعِ بينَ «أسامةَ» و «أسدٍ» في الأحكامِ اللَّفظيَّةِ تُؤْذِنُ بفرقٍ مِن جهةِ المعنى، وممَّا قِيلَ في ذلك: إنَّ «أسدًا» (١) وُضِعَ ليَدُلَّ على شخصٍ مُعَيَّنٍ، وذلك الشَّخصُ لا يَمتنِعُ أن يُوجَدَ منه أمثالُه، فوُضِعَ على الشِّياعِ في جُملتِها، ووُضِعَ «أسامةُ» لا بالنَّظرِ إلى شخصٍ بل على مَعنى الأسديَّةِ المعقولةِ، الَّتي لا يُمكِنُ أن تُوجَدَ خارجَ الذِّهنِ، بل هي موجودةٌ في النَّفْسِ، وَلَا يُمكِنُ أن يُوجَدَ منها اثنانِ أصلًا في الذِّهنِ، ثمَّ صارَ «أسامةُ» يَقَعُ على الأشخاصِ، [لوجودِ ماهيَّةِ المعنى المفردِ الكُلِّيِّ في الأشخاصِ] (٢).
والتَّحقيقُ في ذلك أن نَقُولَ: اسمُ الجنسِ هو الموضوعُ للحقيقةِ الذِّهنيَّةِ من حَيْثُ هي هي، فاسمُ أسدٍ موضوعٌ للحقيقةِ [مِن غيرِ اعتبارِ قيدٍ معها أصلًا، وعَلمُ الجِنسِ كـ أسامة موضوع للحقيقة] (٣) باعتبارِ حضورِها الذِّهنيِّ الَّذِي هو نوعُ تشخيصٍ لها مع قطعِ النَّظرِ عن أفرادِها، ونظيرُه المُعَرَّفُ باللَّامِ الَّتي للحقيقةِ والماهيَّةِ (٤).
стр. 96
(فَصْلٌ)
(الحَقِيقَةُ) فَعِيلَةٌ مِن الحَقِّ، بمَعنى فاعلٍ كعليمٍ، فالتَّاءُ للتَّأنيثِ؛ أي: الثَّابتةُ، أو بمَعنى مفعولٍ، كجريحٍ، فالتَّاءُ لنقلِ اللَّفظ مِنَ الوصفيَّةِ إلى الاسميَّةِ؛ أي: المُثبَتةِ، ثمَّ نُقِلَتْ إلى الاعتقادِ المُطابقِ لكَوْنِه ثابتًا، أو مُثْبِتًا، ثمَّ منه إلى القولِ المطابِقِ، ثمَّ منه إلى المرادِ هنا، وهي ثلاثةُ أنواعٍ:
(١) (لُغَوِيَّةٌ وَهِيَ) الأصلُ؛ أي: والحقيقةُ اللُّغويَّةُ: (قَوْلٌ مُسْتَعْمَلٌ) خرجَ اللَّفظُ قَبْلَ الاستعمالِ، فإنَّه لا حقيقةٌ وَلَا مجازٌ؛ إذِ المجازُ يُعتبَرُ له الاستعمالُ أيضًا.
وقولُه: (فِي وَضْعٍ أَوَّلَ) خَرَجَ المجازُ، فإنَّه بوضعٍ ثانٍ، ودَخَلَ فيه أسماءُ الأجناسِ وأَعلامُها (كَأَسَدٍ) وكأُسامةَ.
(وَ) النَّوعُ الثَّاني: حقيقةٌ (عُرْفِيَّةٌ) وحَدُّها: (مَا) أي: قولٌ (خُصَّ عُرْفًا بِبَعْضِ مُسَمَّيَاتِهِ) يَعني أنَّ أهلَ العُرفِ خَصُّوا أشياءَ كثيرةً ببعضِ مُسَمَّيَاتِها، وإنْ كانَ وَضْعُها للجميعِ حقيقةً.
والحقيقةُ العُرفيَّةُ قِسمانِ:
(١) (عَامَّةٌ) وهي ما انتقلَتْ مِن مُسَمَّاها اللُّغويِّ إلى غيرِه، للاستعمالِ العامِّ، بحَيثُ هُجِرَ الأوَّلُ، وذلك:
- إمَّا بتخصيصِ الاسمِ ببعضِ مُسَمَّياتِه، (كدابَّةٍ) بالنِّسبةِ لذاتِ (١) الحافرِ، فإنَّ الدَّابَّةَ وُضِعَتْ في أصلِ اللُّغةِ لكلِّ ما يَدِبُّ على وجهِ الأرضِ، وخُصِّصَ في العُرْفِ (لِلْفَرَسِ) والبغلِ، والحمارِ.
стр. 97
- وإمَّا باشتهارِ المَجازِ، كإِضافتِهم الحُرمَةَ إلى الخَمْرِ، وإنَّما المُحَرَّمُ الشُّرْبُ، وكذلك ما يَشِيعُ استعمالُه في غيرِ مَوضُوعِه (١) اللُّغويِّ، كالغائطِ، والعَذِرَةِ، والرَّاويةِ، وحَقيقتُها (٢): المُطْمَئِنُّ مِن الأرضِ، وفناءِ الدَّارِ، والجَمَلِ الَّذِي يُسْتَقَى عليه الماءُ.
(٢) (أَو) أي: والقسمُ الثَّاني: حقيقةٌ (خَاصَّةٌ): وهي ما لكُلِّ (٣) طائفةٍ مِن العلماءِ مِنَ الاصطلاحاتِ الَّتي تَخُصُّهم، كاصطلاحِ النُّحاةِ والأُصوليِّينَ وغيرِهم على أسماءٍ خَصُّوها بشيءٍ مِن مُصطلحاتِهم (كَـ مُبْتَدَأٍ) وخبَرٍ، وفاعلٍ، وكـ نقضٍ، وكسرٍ، وقلْبٍ، وغيرِ ذلك مِمَّا اصطلحَ عليه أربابُ كلِّ فنٍّ.
(وَ) النَّوعُ الثَّالث: حقيقةٌ (شَرْعِيَّةٌ وَاقِعَةٌ مَنْقُولَةٌ) يَعني أنَّ اللَّفظ إذا وُضِعَ لمعنًى ثمَّ نُقِلَ في الشَّرعِ إلى مَعنًى ثانٍ لمُناسبةٍ بينَهما، وغَلَبَ استعمالُه في المعنى الثَّاني يُسَمَّى مَنقولًا شرعيًّا.
والحقيقةُ الشَّرعيَّةُ: (مَا اسْتَعْمَلَهُ الشَّرْعُ (٤) كَصَلَاةٍ: لِلْأَقْوَالِ، وَالأَفْعَالِ، وَ) اسْتِعْمَال (إِيمَانٍ لِعَقْدٍ بِالجَنَانِ) أي: اعتقادٍ بالقلبِ (وَنُطْقٍ بِاللِّسَانِ، وَعَمَلٍ بِالأَرْكَانِ؛ فَدَخَلَ (٥) كُلُّ الطَّاعَاتِ).
قالَ ابنُ رجبٍ: «وأَنْكَرَ السَّلَفُ على مَن أَخْرَجَ الأعمالَ عنِ الإيمانِ إنكارًا شديدًا» (٦).
стр. 98
(وَهُمَا لُغَةً: الدُّعَاءُ وَ التَّصْدِيقُ) يَعني أنَّ الصَّلَاةَ في اللُّغةِ: الدُّعاءُ، والإيمانَ في اللُّغةِ: التَّصْدِيقُ (بِمَا غَابَ) قَوْلًا كانَ، أو فِعلًا، قَالَ اللهُ تَعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾ (١).
فائدةٌ: مَذهَبُ السَّلفِ قَاطِبَةً: أنَّ الإيمانَ يَزيدُ ويَنْقُصُ، قَالَ النَّوويُّ: «والأظهرُ المُختارُ: أنَّ الإيمانَ يَزيدُ ويَنْقُصُ بكثرةِ النَّظَرِ ووضوحِ الأَدِلَّةِ، ولهذا كانَ إيمانُ الصِّدِّيقينَ أَقْوَى مِن إيمانِ غيرِهم، بحَيثُ لا يَعتَريه شُبهةٌ» (٢).
ويُؤَيِّدُه أنَّ كلَّ أحدٍ يَعلَمُ أنَّ ما في قَلْبِه يَتَفَاضَلُ، حَتَّى إنَّه يَكُونُ في بعضِ الأحيانِ أعظمَ يَقينًا وإخلاصًا وتَوَكُّلًا منه في بَعضِها، وكذلك في التَّصديقِ والمعرفةِ، بحَسَبِ ظُهورِ البَراهينِ وكَثْرَتِها.
(وَيَجُوزُ الِاسْتِثْنَاءُ فِيهِ) نصًّا، بأنْ يَقولَ: «أنا مُؤمنٌ إنْ شاءَ اللهُ»؛ للتَّبَرُّكِ بذِكْرِ اللهِ تَعالى، والتَّأدُّبِ بإحالةِ الأمورِ إلى مشيئةِ اللهِ تَعالى، والتَّبَرُّءِ مِن تزكيةِ النَّفْسِ والإعجابِ بحالِها، والتَّرَدُّدِ في العاقبةِ والمآلِ.
وأيضًا التَّصديقُ: الإيمانُ المَنُوطُ به النَّجاةُ، أمْرٌ قلبيٌّ خَفيٌّ، له مُعارِضاتٌ خَفِيَّةٌ كثيرةٌ مِن الهَوَى، والشَّيطانِ، والخِذلان، فالمرءُ وإنْ كانَ جازمًا بحصولِه، لكنْ لا يُؤْمَنُ أنْ يَشُوبَه شيءٌ مِن مُنافِيَاتِ النَّجاةِ، وَلَا سِيَّمَا عندَ تفاصيلِ الأوامرِ والنَّواهي الصَّعبةِ المُخالفةِ للهَوَى، والمُسْتَلَذَّاتِ مِن غيرِ عِلْمٍ له بذلك، فلذلك نُفَوِّضُ حُصولَه إلى مشيئةِ اللهِ تَعالى.
стр. 99
وأيضًا: الإيمانُ ثابتٌ في الحالِ قطعًا مِن غيرِ شَكٍّ، لكنَّ الإيمانَ الَّذِي هو عَلَمُ الفوزِ وآيَةُ النَّجاةِ إيمانُ المُوافاةِ، فاعتنى السَّلَفُ به وقرنوه بالمشيئةِ ولم يَقْصدوا الشَّكَّ في الإيمانِ النَّاجزِ.
وأمَّا الإسلامُ، فلا يَجوزُ الاستثناءُ فيه بل يُجْزَمُ (١) به.
تنبيهٌ: الإيمانُ: هل هو مرادفٌ للإسلامِ، أو مباينٌ له، أو بينَهما عمومٌ وخصوصٌ مِن وجهٍ؟
فيه خلافٌ مشهورٌ، والصَّحيحُ -الَّذي عليه أكثرُ السَّلَفِ وغيرُهم- أنَّ بينَهما فرقًا، وليسَا بمُتَّحِدَيْنِ، ومِنَ الدَّليل على أنَّ الإسلامَ غيرُ الإيمانِ: سؤالُ جبْريلَ (٢) ﵇ للنَّبِيِّ ﷺ عنِ الإيمانِ والإسلامِ والإحسانِ، وتفسيرُ كلِّ واحدٍ بغيرِ ما فُسِّرَ به الآخَرُ، وقد قَالَ: النَّبيُّ ﷺ : «اللَّهُمَّ لَكَ أَسْلَمْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ» (٣) هذا إذا جَمَعْنا بينَهما.
وأمَّا إذا أُفْرِدَ الإيمانُ فإنَّه يَتَضَمَّنُ الإسلامَ، وإذا أُفْرِدَ الإسلامُ فيَكونُ مع الإسلامِ مُؤْمِنًا بلا نزاعٍ، وهل يَكونُ مُسْلِمًا، وَلَا يُقالُ له: مُؤمنٌ؟
قالَ في: «نهاية المُبتدئينَ» (٤): كلُّ مُؤمِنٍ مُسلِمٌ، وَلَيْسَ كلُّ مُسلمٍ مُؤمِنًا.
قالَ الإمامُ أحمدُ ﵀: الإيمانُ غيرُ الإسلامِ.
стр. 100
وقالَ ابنُ حامدٍ: عِندي أيضًا الإسلامُ شَرْطُه القولُ (١) والعملُ والنِّيَّةُ، وَلَا يَكُونُ بالقولِ دونَ العملِ مُسْلِمًا، فيَكونُ كلُّ مسلمٍ مُؤمنًا عندَه، وأقلُّ العملِ كَوْنُه مُصَلِّيًا». انتهى منِ «شرحِ الأصلِ» (٢).
(وَقَدْ تَصِيرُ الحَقِيقَةُ) اللُّغويَّةُ كالدَّابَّةِ لمُطلَقِ ما دَبَّ (مَجَازًا) عُرْفًا، وهي في الأصلِ حقيقةٌ (وَبِالعَكْسِ) يَعني: وقد يَصيرُ المَجازُ كالدَّابَّةِ لذواتِ الأربعِ حقيقةً عُرفيَّةً، وهي مجازٌ لُغَوِيٌّ.
стр. 101
(فَصْلٌ (١)
(وَالمَجَازُ) لَفْظُه حقيقةٌ عُرْفًا، مجازٌ لُغَةً، كالحقيقةِ، ويَأتي آخِرَ الفصلِ؛ لأنَّه مَفْعَلٌ للمَصْدَرِ أو للمكانِ مِن الجوازِ، وهو العُبورُ، ثمَّ نُقِلَ إلى المرادِ هنا، فهو مَجازٌ في الدَّرجةِ الأُولى؛ لأنَّ العُبورَ: انتقالُ الجِسمِ، ومَفْعَلٌ هنا بمَعنى فاعلٍ؛ لأنَّ اللَّفظ يَنتقلُ فيَكونُ مجازًا.
وقولُه في حَدِّه: (قَوْلٌ) جنسٌ قريبٌ، وقولُه: (مُسْتَعْمَلٌ) احتِرازٌ مِن المُهْمَلِ، ومِن اللَّفظ قبْلَ الاستعمالِ؛ فإنَّه لا حقيقةٌ وَلَا مجازٌ.
واحتُرزَ بقولِه: (بِوَضْعٍ ثَانٍ) مِن الحقيقةِ، فإنَّها بوضعٍ أوَّلَ.
وخَرَجَ بقولِه: (لِعَلَاقَةٍ) الأعلامُ المنقولةُ، كبَكْرٍ ونَحوِه، فليسَ بمجازٍ، وإن كانَ منقولًا؛ لكَوْنِه لم يُنْقَلْ لعَلاقةِ مُشابَهَةٍ حاصلةٍ بينَ المعنى الأوَّلِ والمعنى الثَّاني، بحَيثُ يَنتقِلُ الذِّهنُ بواسِطتِها عن مَحَلِّ المجازِ إلى الحقيقةِ.
(وَلَا يُعْتَبَرُ لُزُومٌ ذِهْنِيٌّ بَيْنَ المَعْنَيَيْنِ) أي: بينَ المَعنى الحقيقيِّ والمَجازيِّ؛ لأنَّ أكثرَ المجازاتِ المعتبَرةِ عارِيَةٌ عن اللُّزومِ الذِّهنيِّ.
(وَ) إِنَّمَا (صِيرَ إِلَيْهِ) أي: عُدِلَ عنِ الحقيقةِ إلى المجازِ لفوائدَ كثيرةٍ حَسَنةٍ:
- منها (لِبَلَاغَتِهِ) لصلاحِيَتِه للسَّجْعِ والتَّجْنِيسِ، وسائرِ أنواعِ البديعِ،
- (أَوْ ثِقَلِهَا) أي: ثِقَلِ لفظِ الحقيقةِ على اللِّسانِ كالخَنْفَقِيقِ -بفتحِ الخاءِ المُعجَمةِ وسكونِ النُّونِ، وفتحِ الفاءِ، وكسرِ القافِ، وسكونِ الياءِ المُثَنَّاةِ تحتُ، وآخِرُه قافٌ- اسمٌ للدَّاهِيَةِ يُعدَلُ عنه إلى النَّائبةِ، أو الحادثةِ.
стр. 102
- (وَنَحْوِهِمَا) كبَشاعةِ اللَّفظِ، كالتَّعبيرِ بالغائطِ عنِ الخارجِ، وجَهْلِ المُتكلِّمِ أو المخاطَبِ لَفْظَ الحقيقةِ، وكَوْنِ المجازِ أَشْهَرَ مِن الحقيقةِ، وأنْ يَكُونَ مَعلومًا عندَ المُتخاطِبَينِ، ويَقصِدانِ إخفاءَه عن غيرِهما.
- ومنها عِظَمُ مَعناه، كقولِه: «سَلَامُ اللهِ عَلَى المَجْلِسِ العَالِي» فهو أرفعُ في المعنى مِن قولِه: «سَلَامٌ عَلَيْكَ»،
- ومنها كونُه أَدْخَلَ في التَّحقيرِ،
- ومنها ألَّا (١) يَكُونَ للمعنى الَّذِي عُبِّرَ عنه بالمَجازِ (٢) لفظٌ حقيقيٌّ.
(وَيُتَجَوَّزُ) أي: يُصارُ إلى المَجازِ في خمسةٍ وعشرينَ نَوْعًا مِن أنواعِ العَلاقةِ، بناءً على الاستقراءِ:
الأوَّلُ: ما أشارَ إليه بقولِه: (بِسَبَبٍ) أي: إطلاقِ السَّببِ عنِ المُسبَّبِ، وهو أربعةُ أقسامٍ:
- أحدُها: (قَابِلِيٌّ) كتسميةِ الشَّيْء باسمِ قَابِلِه، كقولِهم: سالَ الوادي، والأصلُ: سالَ الماءُ في الوادي، لكنْ لَمَّا كانَ الوادي سببًا قابلًا لسَيَلانِ الماءِ فيه؛ صارَ الماءُ -مِن حَيْثُ القابليَّةُ- كالمُسبَّبِ له، فوُضِعَ لفظُ الوادي له.