«لَا صِيَامَ لِمَنْ لَمْ يُبَيِّتِ الصِّيَامَ مِنَ اللَّيْلِ» (١).
- (أَوْ) بِـ (تَأْوِيلِهِ) بأن يَدَّعِيَ أنَّ النَّصَّ المُعارَضَ به مُؤَوَّلٌ بدليلٍ يُرَجِّحُه على الظَّاهرِ، كأنْ يَقُولَ في مسألةِ الصَّومِ: إنَّ الآيةَ دَلَّتْ على ثوابِ الصَّائمِ، وإنَّا لا نُسَلِّمُ أنَّ المُمسِكَ بدونِ تبييتِ النِّيَّةِ صائمٌ.
- (أَوْ) بِـ (القَوْلِ بِمُوجَبِهِ) على ظاهرِه ويَدَّعِيَ أنَّ مَدلولَه لا يُنافي القِيَاسَ، كأنْ يَقُولَ: إنَّ الآيةَ دَلَّتْ على أنَّ الصَّائمَ يُثابُ بدونِ تبييتِ النِّيَّةِ، وأنا أَقولُ بمُوجَبِه، لكنَّها لا تَدُلُّ على أنَّه لا يَلْزَمُه القضاءُ، والنِّزاعُ فيه.
- (أَوْ) بِـ (مُعَارَضَتِهِ) أي: معارضةِ النَّصِّ (بِـ) نصٍّ (مِثْلِهِ) فَيُسَلَّمُ القِيَاسُ حينئذٍ لقوَّتِه بموافقةِ النَّصِّ.
القادحُ الثَّالثُ: (فَسَادُ الوَضْعِ وَهُوَ أَخَصُّ مِمَّا تَلَاه) أي: مِن فسادِ الاعتبارِ.
فإنْ قِيلَ: فسادُ الاعتبارِ يَؤُولُ إلى فسادِ الوضعِ؛ لأنَّ كلًّا مِنهما اجتهادٌ في مقابلةِ النَّصِّ فما وجهُ تَمييزِه عنه؟
والجوابُ: أنَّ مِن أنواعِ فسادِ الاعتبارِ كَوْنَ تَركيبِه مُشعِرًا بنقيضِ الحُكمِ المطلوبِ، فهو أَعَمُّ مِن فسادِ الوضعِ ومُقَدَّمٌ عليه؛ لأنَّ فسادَ الاعتبارِ نَظَرٌ في فسادِ القِيَاسِ [مِن حيثُ الحُكمُ، وفسادُ الوضعِ أخصُّ باعتبارٍ؛ لأنَّه يَستلزمُ عَدَمَ اعتبارِ القِيَاسِ] (١)؛ لأنَّه قد يَكُونُ بالنَّظَرِ إلى أمرٍ خارجٍ عنه وهو: (كَوْنُ الجَامِعِ) بينَ الأصلِ والفرعِ (ثَبَتَ اعْتِبَارُهُ بِنَصٍّ) في نقيضِ الحُكمِ، كقولِ حنفيٍّ: الهِرَّةُ سَبُعٌ ذو نابٍ، فيَكُونُ سُؤرُه نَجِسًا كالكلبِ.
стр. 702
فيُقال: السَّبُعِيَّةُ اعتَبَرها الشَّارِعُ عِلَّةً للطَّهارةِ حيثُ دُعِيَ إلى دارٍ فيها كلبٌ، فامتنعَ، ودارٍ أُخرى فيها سِنَّوْرٌ فأجابَ، فقِيلَ له، فقالَ: «السِّنَّوْرُ سَبُعٌ» (١)، رَوَاه أحمدُ وغيرُه.
(أَوْ) ثَبَتَ اعتبارُه بـ (إِجْمَاعٍ (٢)، كَقَوْلِ شَافِعِيٍّ فِي مَسْحِ الرَّأْسِ) في الوُضوءِ: (مَسْحٌ، فَسُنَّ تَكْرَارُهُ كَاسْتِجْمَارٍ) حيثُ استُحِبَّ الإتيانُ فيه.
(فيُعتَرَضُ) على الشَّافعيِّ (بكراهةِ تَكْرَارِ مَسْحِ الخُفِّ) فيُقالُ: المسحُ على الخُفِّ لا يُستَحَبُّ تَكرارُه إجماعًا، وجوابُ المُستدِلِّ ببيانِ المانعِ لتَعَرُّضِه لتلفِ الخُفِّ، وسُؤالُ فسادِ الوضعِ نقضٌ خاصٌّ لإثباتِه نقيضَ الحُكْمِ، فإنْ ذَكَرَ المُعتَرضُ نقيضَ الحكمِ معَ أصلِه، فقالَ: لا يُستَحَبُّ تَكرارُ مسحِ الرَّأسِ كالخُفِّ: فهو القلبُ، لكنِ اختلَفَ أصلُهما، وإنْ بَيَّنَ المُعتَرضُ مُناسبةَ الجامعِ للنَّقيضِ ولم يَذكُرْ أصلَه، فإنْ بَيَّنَها (٣) مِن جهةِ دَعوى المُستدلِّ: فهو القدحُ في المناسبةِ، وإلَّا لم يَقدَحْ؛ لجوازِ أنَّ للوصفِ جهتينِ كمَحَلٍّ مُشْتَهًى: يُناسِبُ حِلَّه لإراحةِ القلبِ، وتحريمَه لكفِّ النَّفسِ.
(وَمِنْهُ) أي: مِن فسادِ الوضعِ (كَوْنُ الدَّلِيلِ عَلَى هَيْئَةٍ غَيْرِ صَالِحَةٍ لِاعْتِبَارِهِ) أي: بألَّا يَكُونَ الدَّليلُ على الهيئةِ الصَّالحةِ لاعتبارِه (فِي تَرْتِيبِ الحُكْمِ) كأنْ يَكُونَ صالحًا لضِدِّ ذلك الحُكْمِ أو نقيضِه، فدَلَّ أنَّهما نوعانِ لخطابِ الوضعِ:
стр. 703
فالأوَّلُ (كَتَلَقِّي:
(١) تَخْفِيفٍ مِنْ تَغْلِيظٍ، كَقَوْلِ حَنَفِيٍّ: القَتْلُ جِنَايَةٌ عَظِيمَةٌ، فَلَا يَجِبُ فِيهَا كَفَّارَةٌ كَبَقِيَّةِ الكَبَائِرِ، فَـ) قَوْلُهُ (١) أي: المُستدلِّ: (جِنَايَةٌ عَظِيمَةٌ تُناسِبُ التَّغليظَ).
(أَوْ) تَلَقِّي (تَوْسِيعٍ مِنْ تَضْيِيقٍ، كـ) قولِه: (الزَّكَاةُ مَالٌ وَاجِبٌ إِرْفَاقًا لِدَفْعِ الحَاجَةِ، فَكَانَ عَلَى التَّرَاخِي، كَالدِّيَةِ عَلَى العَاقِلَةِ، فَـ) قَوْلُهُ: (لِدَفْعِ (٢) الحَاجَةِ (٣) يَقْتَضِي الفَوْرَ).
(٢) (أَوْ) أي: والنَّوعُ الثَّاني: كتَلَقِّي (إِثْبَاتٍ مِنْ نَفْيٍ، كَـ) قولِه: (المُعَاطَاةُ فِي اليَسِيرِ بَيْعٌ لَمْ يُوجَدْ فِيهِ سِوَى الرِّضَا، فَوَجَبَ أَنْ يَبْطُلَ كَغَيْرِهِ، فَـ) قولُه: (الرِّضَى يُنَاسِبُ الِانْعِقَادَ).
وإنَّما سُمِّيَ هذا فسادَ الوضعِ؛ لأنَّ وضعَ القِيَاسِ جَعَلَه في مَحَلٍّ على هيئةٍ أو كيفيَّةٍ صالحةٍ لأنْ يَتَرَتَّبَ على ذلك الحُكمِ المطلوبِ، فإذا كانَ ذلك المحلُّ أو تلك الهيئةُ لا تُناسِبُ: فَسَدَ وضعُه، فإذا اقتضَتِ العِلَّةُ نقيضَ الحُكمِ المُدَّعَى أو خلافَه: كانَ ذلك مُخالفًا للحِكمةِ؛ إذْ مِن شأنِ العِلَّةِ أنْ تُناسِبَ مَعلُولَها؛ لأنَّها تُخالِفُه، فكانَ ذلك فاسدَ الوضعِ بهذا الاعتبارِ.
(وَجَوَابُهُمَا) أي: جوابُ نَوْعَيْ فسادِ الوضعِ (بِتَقْرِيرِ (٤) كَوْنِهِمَا كَذَلِكَ) فيُقَدَّرُ كَوْنُ الدَّليلِ صالحًا لاعتبارِه في ترتيبِ الحُكمِ عليه، كأنْ يَكُونَ له جهتانِ يَنظُرُ المُستدلُّ مِن إحداهما والمُعتَرضُ مِن الأُخرى، كالارتفاقِ ودفعِ الحاجةِ في مسألةِ الزَّكاةِ، ويُجابُ عنِ الكَفَّارةِ في القتلِ بأنَّه غُلِّظَ فيه
стр. 704
بالقصاصِ فلا يُغَلَّظُ فيه بالكَفَّارةِ، وعنِ المُعاطاةِ بأنَّ عَدَمَ الانعقادِ بها مُرَتَّبٌ على عَدَمِ الصِّيغةِ لا على الرِّضى، ويُقَرِّرُ النَّوعَ الأوَّلَ كَوْنُ الجامعِ مُعتَبَرًا في ذلك الحُكمِ، ويَكُونُ تَخَلُّفُه عنه بأنْ وُجِدَ معَ نقيضِه لمانعٍ، كما في مسحِ الخُفِّ، فإنَّ تَكرارَه يُفسِدُه بغسلِه.
القادحُ الرَّابعُ: (مَنْعُ) المُعتَرضِ مِن (حُكْمِ الأَصْلِ) أي: أصلِ المُستدلِّ، كأنْ يَقُولَ حنبليٌّ: الخلُّ مائعٌ لا يَرفَعُ الحَدَثَ، فلا يُزيلُ النَّجاسةَ كالدُّهنِ. فيقولُ حنفيٌّ: لا أُسَلِّمُ الحُكمَ في الأصلِ، فإنَّ الدُّهنَ عندي يُزيلُ النَّجاسةَ؛ فـ (يُسْمَعُ) منه منعُ حُكمُ الأصلِ في الأصحِّ.
(وَلَا يَنْقَطِعُ) المُستدلُّ (بِمُجَرَّدِ) مَنْعِـ (ـهِ) منه (١) عندَ الأكثرِ؛ لأنَّه منعُ مُقدِّمةٍ مِن مُقدِّماتِ القِيَاسِ، فله إثباتُه (٢) كسائرِ المُقدِّماتِ، أي: (فَيَدُلُّ) المُستدلُّ (عَلَيْهِ) أي: على أصلٍ مَقِيسٍ عليه، و (كَـ) ـما لو اعتُرِضَ عليه بـ (مَنْعِ العِلَّةِ، أَوْ وُجُودِهَا) فإِنَّه لا يَنقَطِعُ المُستدلُّ بذلك، وله إقامةُ الدَّليلِ على حُكمِ الأصلِ.
(فَإِنْ دَلَّ) أي: أقامَ الدَّليلَ على إثباتِ حُكمِ الأصلِ (لَمْ يَنْقَطِعِ المُعْتَرِضُ) بمُجرَّدِ دَلالةِ المُستدلِّ على الأصحِّ (فَلَهُ الِاعْتِرَاضُ) على ذلك الدَّليلِ بطريقِه؛ إذْ لا يَلْزَمُ مِن وجودِ صورةِ الدَّليلِ صِحَّتُه.
(وَلَيْسَ) ذلك الاعتِراضُ (بِخَارِجٍ عَنِ المَقْصُودِ) الأصليِّ (فَيَتَوَجَّهُ لَهُ) أي: للمُعتَرضِ (سَبْعُ مُنُوعٍ) أي: سبعُ اعتِراضاتٍ (مُرَتَّبَةٍ) ثلاثةٌ تَتَعَلَّقُ بالأصلِ، وثلاثةٌ بالعلَّةِ، وواحدٌ بالفرعِ:
стр. 705
فيُقَدَّمُ منها ما يَتَعَلَّقُ بالأصلِ: مِن منعِ حُكمِه، أو كَوْنِه ممَّا لا يُقاسُ عليه، أو كَوْنِه غيرَ مُعَلَّلٍ،
ثمَّ ما يَتَعَلَّقُ بالعِلَّةِ؛ لأنَّها فَرعُه لاستنباطِها منه مِن مَنْعِ كَوْنِ ذلك الوصفِ عِلَّةً، أو مَنْعِ وجودِه في الأصلِ، أو مَنْعِ كَوْنِهِ مُتَعَدِّيًا،
ثمَّ ما يَتَعَلَّقُ بالفرعِ؛ لابتنائِه عليهما، كمنعِ وجودِ الوصفِ المُدَّعَى عِلِّيَّتُه في الفرعِ، فيُقالُ في الإثباتِ بمُنُوعٍ مُرَتَّبَةٍ: لا نُسَلِّمُ حُكْمَ الأصلِ، سَلَّمْنا ذلك، ولا نُسَلِّمُ أنَّه ممَّا يُقاسُ فيه، لِمَ لا يَكُونُ ممَّا اختُلِفَ في جوازِ القِيَاسِ فيه؟ سَلَّمْنا ذلك، ولا نُسَلِّمُ أنَّه مُعَلَّلٌ، لِمَ لا يُقالُ: إنَّه تَعبُّدِيٌّ؟ سَلَّمْنا ذلك، ولا نُسَلِّمُ أنَّ هذا الوصفَ عِلَّتُه. لِم لا يُقالُ: العِلَّةُ غيرُه؟ سَلَّمْنا ذلك، ولا نُسَلِّمُ وُجودَ الوصفِ في الأصلِ، سَلَّمْنا ذلك، ولا نُسَلِّمُ: «الوصفُ مُتعدٍّ» لِمَ لا يُقالُ: إنَّه قاصرٌ؟ سَلَّمْنا ذلك، ولا نُسَلِّمُ وجودَه في الفرعِ.
وظاهرُ إيرادِها على هذا التَّرتيبِ وجوبُه (١) لمُناسبةِ ذلك التَّرتيبِ الطَّبيعيِّ، وجوابُ هذه الاعتِراضاتِ بدَفعِ ما يُرادُ دَفعُه منها بطريقِه المفهومةِ.
(وَإِنِ اعْتَرَضَ) المُعتَرضُ (عَلَى حُكْمِ الأَصْلِ بـ) أنْ قال للمُستدلِّ: (إِنِّي [لَا أَعْرِفُ] (٢) مَذْهَبِي فِيهِ) أي: فيما قِسْتَ عليه، (فَإِنْ أَمْكَنَ المُسْتَدِلَّ بَيَانُهُ) أي: بيانُ حُكْمِ الأصلِ بيَّنَه (وَإِلَّا) يُمْكِنْه بيانُه (دَلَّ) المُعتَرضُ (عَلَى إِثْبَاتِهِ) أي: إثباتِ أصلِه ولمْ يَنقطِعْ بذلك (٣).
(وَلِلْمُسْتَدِلِّ) عندَ أصحابِنا وغيرِهم (أَنْ يَسْتَدِلَّ) يَعني: يَحتَجَّ (بِدَلِيلٍ عِنْدَهُ فَقَطْ) أي: دونَ المُعتَرضِ (كَمَفْهُومٍ وَقِيَاسٍ، فَإِنْ) مَنَعَه خصمُه بأنِ
стр. 706
(اعْتَرَضَ) عليه (دَلَّ) المُستدلُّ (عَلَيْهِ) أي: على ذلك الدَّليلِ (وَلَمْ يَنْقَطِعْ) بذلك.
(وَلَيْسَ لِلْمُعْتَرِضِ أَنْ يُلْزِمَهُ) أي: يُلْزِمَ المُستدلَّ (مَا يَعْتَقِدُهُ هُوَ) فقطْ (وَلَا) للمُعتَرضِ (أَنْ يَقُولَ) للمُستدلِّ: (إِنْ سَلَّمْتَ) ما أَعتقِدُه (وَإِلَّا دَلَّلْتُ عَلَيْهِ).
قالَ الشَّيخُ: لا يَنقطِعُ واحدٌ مِنهما، فيَكُونُ الاستدلالُ في مهلةِ النَّظرِ في المُعارضِ (١).
القادحُ الخامسُ: (التَّقْسِيمُ) وهو (احْتِمَالُ لَفْظِ المُسْتَدِلِّ لِأَمْرَيْنِ فَأَكْثَرَ عَلَى السَّوَاءِ) أي: بأن يَكُونَ اللَّفظُ مُتَرَدِّدًا بينَ احتمالينِ متساويينِ؛ لأنَّه لو كانَ ظاهرًا في أحدِهما لوَجَبَ تنزيلُه عليه.
(بَعْضُهَا) أي: بعضُ الاحتمالاتِ مُسَلَّمٌ لا يُحَصِّلُ المقصودَ، والبعضُ الآخَرُ (مَمْنُوعٌ) وهو الَّذِي يُحَصِّلُ المقصودَ، ولا بدَّ مِن زيادةِ هذا القيدِ الأخيرِ؛ لأنَّهما لو كانا مُسلمَينِ يُحَصِّلانِ المقصودَ أو لا يُحَصِّلان: لم يَكُنْ للتَّقسيمِ مَعنًى؛ لأنَّ المقصودَ حاصلٌ أو غيرُ حاصلٍ على التَّقديرَينِ معًا وَقَعَ زيادتُه، فيَرِدُ عليه ما لو حَصَّلَا المقصودَ، ووَرَدَ على أَحدِهما مِن القوادحِ ما لا يَرِدُ على الآخَرِ، فإِنَّه مِن التَّقسيمِ أيضًا لحُصُولِ غرضِ المُستدلِّ به.
(وَهُوَ) أي: التَّقسيمُ (وَارِدٌ) على المُستدلِّ عندَ الأكثرِ (وَبَيَانُهُ) أي: بيانُ احتمالِ لفظِ المُستدلِّ (عَلَى المُعْتَرِضِ) كالاستفسارِ وذلك (كَـ) قولِ المُستدلِّ: (الصَّحِيحُ فِي الحَضَرِ وَجَدَ السَّبَبَ بِتَعَذُّرِ المَاءِ) عليه (فَجَازَ)
стр. 707
لَهُ (أَنْ يَتَيَمَّمَ، فَيَقُولُ) المُعتَرضُ: (السَّبَبُ) المبيحُ للتَّيمُّمِ (تَعَذُّرُهُ) أي: تَعذُّرُ الماءِ (مُطْلَقًا) أي: مِن غيرِ قيدِ سفرٍ أو حضرٍ أو غيرِه، (أَوْ) تَعَذُّرُه (فِي سَفَرٍ، أَوْ مَرَضٍ) فَـ (الأَوَّلُ) وهو تَعَذُّرُه مُطلقًا (مَمْنُوعٌ، فَهُوَ مَنْعٌ بَعْدَ تَقْسِيمٍ) والصَّحيحُ قَبولُ هذا السُّؤالِ بَعدَما يُبَيِّنُ المعترضُ مَحَلَّ التَّردُّدِ.
(وَجَوَابُهُ) أي: جوابُ هذا الاعتراضِ (كَالِاسْتِفْسَارِ) بأنْ يَقُولَ المستدلُّ: لفظي الَّذِي ذَكَرْتُه مَحمولٌ (١) على المعنى الَّذِي يُؤَدِّي للدَّلالةِ، والدَّالُّ على حَمْلِه على ذلك اللُّغةُ، أو العُرفُ الشَّرعيُّ، أو العُرفُ العامُّ، أو كونُه مَجازًا راجحًا بعُرفِ الاستعمالِ أو بكَوْنِ أحدِ الاحتمالاتِ ظاهرًا بسببِ ما انْضَمَّ إليه مِن القرينةِ مِن لفظِ المستدلِّ، إنْ كانَ هناك قرينةٌ لفظيَّةٌ أو حاليَّةٌ أو عقليَّةٌ، بحيثُ لا يحتاجُ إلى إثباتِه لغةً وعرفًا.
القادحُ السَّادسُ: (مَنْعُ وُجُودِ المُدَّعَى) أي: ما ادَّعاه المستدلُّ (عِلَّةً فِي الأَصْلِ) مُتَعَلِّقٌ بـ «وجودِ» (كَـ) قولِه: (الكَلْبُ حَيَوَانٌ يُغْسَلُ مِنْ وُلُوغِهِ سَبْعًا فَلَا يَطْهُرُ) جِلْدُهُ (بِدَبْغٍ كَخِنْزِيرٍ؛ فَيَمْنَعُ) المُعتَرضُ بأنْ يَقولَ: لا نُسَلِّمُ أنَّ الخنزيرَ يُغسَلُ مِن وُلُوغِه سَبْعًا.
(وَجَوَابُهُ) أي: جوابُ المُستدلِّ عن هذا الاعتِراضِ (بِبَيَانِهِ) أي: بإثباتِ وجودِ الوصفِ في الأصلِ (بِدَلِيلٍ) أي: بما هو طريقُ ثبوتِ مِثْلِه (مِنْ عَقْلٍ، أَوْ حِسٍّ، أَوْ شَرْعٍ بحَسَبِ حالِ الوصفِ)؛ [لأنَّ الوصفَ] (٢) قد يَكُونُ عقليًّا فبالعقلِ، أو حِسِّيًّا فبالحسِّ، أو شرعيًّا فبالشَّرعِ.
مِثالٌ يَجمَعُ الثَّلاثةَ: إذا قال في القتلِ بالمُثْقَلِ: قتلٌ عمدٌ عدوانٌ، فلو قال:
стр. 708
لا نُسَلِّمُ أنَّه قتلٌ، قال بالحِسِّ. ولو قِيلَ: لا نُسَلِّمُ أنَّه عمدٌ قال: معلومٌ عقلًا بأمارتِه، ولو قِيلَ: لا نُسَلِّمُ أنَّه عدوانٌ، قال: لأنَّ الشَّرعَ حَرَّمَه.
(وَلَهُ) أي: للمُستدلِّ (تَفْسِيرُ لَفْظِهِ بـ) مَعنًى (مُحْتَمَلٍ).
القادحُ السَّابعُ: (مَنْعُ كَوْنِهِ) أي: الوصفِ (عِلَّهً (١) أي: منعُ العِلَّةِ في الوصفِ الَّذِي عَلَّلَ به المُستدلُّ والمُطالبةُ بتصحيحِ ذلك وهو (أَعْظَمُ الأَسْئِلَةِ) لعمومِ وُرُودِه وتَشَعُّبِ مَسَالِكِه.
(وَيُقْبَلُ) هذا القدحُ مِن المُعتَرضِ عندَ الأكثرِ؛ لأنَّ الأصلَ عدمُ دليلِ القِيَاسِ، ولو لم يُقبَلْ لأَدَّى الحالُ إلى اللَّعِبِ في التَّمسُّكِ بكلِّ طردٍ مِن الأوصافِ كالطُّولِ والقِصَرِ، فإنَّ المُستدلَّ يَأْمَنُ المنعَ، ويَتَعَلَّقُ بما شاءَ مِن الأوصافِ.
(وَجَوَابُهُ) أي: جوابُ هذا السُّؤالِ (بِبَيَانِهِ) أي: بأن يُثْبِتَ المُستدلُّ عِلِّيَّةَ الوصفِ (بِأَحَدِ مَسَالِكِهَا) أي: أحدِ مَسالكِ العِلَّةِ السَّابقةِ مِن إجماعٍ، أو نصٍّ، أو سبْرٍ، أو غيرِ ذلك مِن مَسَالِكِها.
القادحُ الثَّامنُ: (عَدَمُ التَّأْثِيرِ بِـ) أنْ يَدَّعِيَ المُعتَرضُ (أَنَّ الوَصْفَ لَا مُنَاسَبَةَ لَهُ) بينَ الأصلِ والفرعِ، كأنْ يَقُولَ: هذا الَّذِي عَلَّلَ به غيرُ مناسبٍ للتَّعليلِ لكَوْنِه طرديًّا، أو لاختلالِ شرطٍ مِن شروطِ العِلَّةِ فيه، فلا يَكْتَفي به في التَّعليلِ.
و (لَا يَرِدُ) عَدَمُ التَّأثيرِ:
- (عَلَى قِيَاسِ الدَّلَالَةِ) المتقدِّمِ ذِكْرُه قُبَيْلَ القوادحِ على الصَّحيحِ؛ لأنَّه لا يَلْزَمُ مِن عدمِ الدَّليلِ عدمُ المدلولِ،
- (وَلَا) يَرِدُ عَدَمُ التَّأثيرِ أيضًا (عَلَى قِيَاسٍ نَافٍ لِلْحُكْمِ) لتعدُّدِ سببِ انتفائِه
стр. 709
لعدمِ العِلَّة أو جزئِها، أو وجودِ مانعٍ، أو فَوَاتِ شرطٍ، بخلافِ سببِ ثُبوتِه؛ لأنَّ عَدَمَ التَّأثيرِ إِنَّمَا يَصِحُّ إذا لم تَخْلُفِ العِلَّةُ عِلَّةً أُخرى؛ ولأنَّه يَرجِعُ إلى قياسِ الدَّلالةِ.
(وَأَقْسَامُهُ أَرْبَعَةٌ) أي: قَسَّمَ الجدليُّونَ عَدَمَ التَّأثيرِ أربعةَ أقسامٍ: ما لا تأثيرَ له أصلًا، وما لا تأثيرَ له في حُكْمِ ذلك الأصلِ، وما اشتملَ على قيدٍ لا تأثيرَ له، وما لا يَظهَرُ فيه شيءٌ مِن ذلك، ولكنْ لا يَطَّرِدُ في مَحَلِّ النِّزاعِ فيُعلَمُ مِن ذلك عَدَمُ تأثيرِه.
ولكلِّ قسمٍ اسمٌ يُعرَفُ به:
فالأوَّلُ: (عَدَمُهُ فِي) ذلك (الوَصْفِ) أي: لا تأثيرَ له أصلًا لكونِه طرديًّا (كَـ) قولِ المستدلِّ: (صَلَاةُ) الصُّبحِ صلاةٌ (١) (لَا تُقْصَرُ، فَلَا يُقَدَّمُ أَذَانُهَا عَلَى وَقْتِهَا كَالمَغْرِبِ، فَعَدَمُ القَصْرِ هُنَا) بالنِّسبةِ لعدمِ التَّقديمِ (طَرْدِيٌّ) كأنَّه قالَ: لا يُقَدَّمُ الأذانُ على الفجرِ؛ لأنَّها لا تُقصَرُ، واطَّرَدَ ذلك في المغربِ، لكنَّه لم يَنعكِسْ في بقيَّةِ الصَّلواتِ؛ إذ مُقتضى هذا القِيَاسِ أنَّ ما يُقصَرُ مِن الصَّلواتِ يَجُوزُ تقديمُ أذانِه على وقتِه من حيثُ انعكاسُ العِلَّةِ (فَيَرْجِعُ) حاصلُه (إِلَى سُؤَالِ المُطَالَبَةِ) قَبْلَه.
(وَ) الثَّاني: (عَدَمُهُ) أي: عدمُ التَّأثيرِ (فِي الأَصْلِ) بأنْ يَستغنيَ عنه بوصفٍ آخَرَ لثبوتِ حُكمِه بدونِه (كَـ) قولِ المستدلِّ في بيعِ الغائبِ: (مَبِيعٌ غَيْرُ مَرْئِيٍّ، فبَطَلَ كَالطَّيْرِ فِي الهَوَاءِ) فيُعارَضُ بأنَّ العِلَّةَ العجزُ عن التَّسليمِ وهو كافٍ في البطلانِ، وعدمُ التَّأثيرِ هنا جهةُ العكسِ؛ لأنَّ عَدَمَ تعليلِ صِحَّةِ بيعِ الغائبِ بكَوْنِه غيرَ مرئيٍّ يَقتضي أنَّ كلَّ مرئيٍّ يَجُوزُ بَيعُه، وقد بَطَلَ بيعُ
стр. 710
الطَّيرِ في الهواءِ، وحاصلُه: مُعارَضةٌ في الأصلِ؛ أي بإبداءِ عِلَّةٍ أُخرى، وهي العجزُ عن التَّسليمِ،
(فَالعَجْزُ عَنِ التَّسْلِيمِ) وصفٌ (مُسْتَقِلٌّ) يَصلُحُ وَحدَه أنْ يَكُونَ عِلَّةً لعدمِ صِحَّةِ البيعِ، ولذلك بَنَاه البَيْضَاوِيُّ (١) وغيرُه على جوازِ التَّعليلِ بعِلَّتَينِ.
فإنْ قُلْنا بجوازِه: لم يَقدَحْ، يَعني: فلا يُقبَلُ القدحُ بعدمِ التَّأثيرِ، وهو القولُ المُقَدَّمُ.
(وَيُقْبَلُ) القدحُ بعدمِ التَّأثيرِ (فِي وَجْهٍ) وهو قولُ المُوَفَّقِ وغيرِه (وَهُوَ مُعَارَضَتُهُ (٢) فِي الأَصْلِ).
والثَّالثُ: (عَدَمُهُ) أي: عدمُ التَّأثيرِ (فِي الحُكْمِ) وهو ثلاثةُ أنواعٍ:
(١) (إِمَّا لَا فَائِدَةَ لِذِكْرِهِ) أو له فائدةٌ ضروريَّةٌ أو غيرُ ضروريَّةٍ، فالأوَّلُ (كـ) قولِ المُستدلِّ: (المُرْتَدُّ مُشْرِكٌ أَتْلَفَ مَالًا) مُحْتَرَمًا (فِي دَارِ حَرْبٍ، فَلَا ضَمَانَ) عليه (كَحَرْبِيٍّ، فَـ) لا فائدةَ في قولِه: (دَارِ الحَرْبِ)؛ لأنَّه (طَرْدِيٌّ؛ إِذْ مَنْ أَوْجَبَهُ) أي: الضَّمانَ (أَوْ نَفَاهُ أَطْلَقَ) فلم يُقَيَّدْ بدارِ حربٍ، فيَرجِعُ إلى ما رَجَعَ إليه القسمُ الأوَّلُ وهو المُطالبةُ بتأثيرِ كَوْنِه في دارِ الحربِ.
(٢) والثَّاني المشارُ إليه بقولِه: (أَوْ لَهُ) أي: لذِكْرِ عدمِ التَّأثيرِ (فَائِدَةٌ ضَرُورِيَّةٌ) في القِيَاسِ (كَقَوْلِ مُعْتَبِرِ) بكسرِ الباءِ (عَدَدِ الأَحْجَارِ فِي الِاسْتِجْمَارِ) أنَّها (عِبَادَةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِالأَحْجَارِ لَمْ يَتَقَدَّمْهَا مَعْصِيَةٌ، فَاعْتُبِرَ فِيهَا العَدَدُ، كـ) رميِ (الجِمارِ) في الحجِّ، (فَقَوْلُهُ) أي: المُستدلِّ: («لَمْ يَتَقَدَّمْهَا
стр. 711
مَعْصِيَةٌ» لَا أَثَرَ لَهُ) في الاستدلالِ (لَكِنَّهُ مُضَطَرٌّ إِلَى ذِكْرِهِ؛ لَئَلَّا يَنْتَقِضَ) استدلالُه (بِالرَّجْمِ)، وهذا أيضًا راجعٌ إلى الأوَّلِ كالَّذي قَبْلَه.
(٣) والثَّالثُ المُشارُ إليه بقولِه: (أَوْ) لذِكرِ عَدَمِ التَّأثيرِ فائدةٌ (غَيْرُ ضَرُورِيَّةٍ) في القِيَاسِ، بأنْ لم يَضطَرَّ إليها المُعلِّلُ، ولذلك يُسَمَّى الحشوَ، (كـ) ما لو قِيلَ: (الجُمُعَةُ صَلَاةٌ مَفْرُوضَةٌ، فَلَمْ تَفْتَقِرْ) إقامتُها (إِلَى إِذْنِ) الإمامِ (كـ) الظُّهرِ و (غيرِها، فَـ) قولُه: (مَفُروضَةٌ: حَشْوٌ) لا فائدةَ فيه؛ (إِذْ لَوْ حُذِفَتْ) «مفروضةٌ» (لَمْ يَنْتَقِضْ) قياسُه؛ لأنَّ النَّفلَ كذلك، وإنَّما ذُكِرَ لتقريبِ الفرعِ مِن الأصلِ وتقويةِ الشَّبَهِ بينَهما؛ إذ الفرضُ بالفرضِ أشبهُ مِن غيرِه.
(٤) (وَ) القسمُ الرَّابعُ: (عَدَمُهُ) أي: عدمُ التَّأثيرِ (فِي الفَرْعِ) لكنْ له تأثيرٌ، ولا يُطرَدُ في ذلك الفرعِ ونحوِه مِن مَحَالِّ النِّزاعِ، وإنْ كانَ الوصفُ له تأثيرٌ في الجملةِ، (كَـ) ما لو قيلَ في ولايةِ المرأةِ: امرأةٌ (زَوَّجَتْ نَفْسَهَا، فَلَا يَصِحُّ) نِكاحُها (كَمَا لَوْ زُوِّجَتْ) مِن وليِّها (بِغَيْرٍ كُفْءٍ) فالتَّزويجُ مِن غيرٍ كفؤٍ وإنْ ناسَبَ البطلانَ، إلَّا أنَّه لا اطِّرَادَ له في صورةِ النِّزاعِ الَّتي هي تزويجُها نفسَها مُطلقًا، فبانَ أنَّ الوصفَ لا أَثَرَ له في الفرعِ المُتنازَعِ فيه.
(وَهُوَ) أي: عدمُ التَّأثيرِ في الفرعِ (كَـ) القِسْمِ (الثَّانِي) الَّذِي هو عَدَمُ التَّأثيرِ في الأصلِ، من حيثُ إنَّ حُكمَ الفرعِ هنا مُضافٌ إلى غيرِ الوصفِ المذكورِ.
واعلَمْ أنَّ هذا القسمَ الرَّابعَ كيف كانَ مَبنيٌّ على قَبولِ الفرضِ، (وَ) الصَّحيحُ أَنَّهُ (يَجُوزُ الفَرْضُ فِي بَعْضِ صُوَرِ المَسْأَلَةِ) كما لو قالَ المسؤولُ عن نفوذِ عتقِ الرَّاهنِ: افرضِ الكلامَ في المُعسِرِ أو عمَّن زَوَّجَتْ نَفْسَها أو افرضْ فيمَنْ زُوِّجَتْ بغيرِ كفؤٍ، فإذا خَصَّ المُستدلُّ تزويجَها نَفْسَها مِن غيرِ الكفؤِ بالدَّليلِ، فقد فَرَضَ دليلَه في بعضِ صورِ النِّزاعِ، وعِلَّتُه الاصطلاحُ
стр. 712
لإرفاقِ المُستدلِّ وتقريبِ الفائدةِ، واستدلَّ له بأنَّه قد لا يُساعِدُه الدَّليلُ على الكلِّ، أو يُساعِدُه غيرَ أنَّه لا يُعَلِّلُ على دَفعِ الخصمِ بأنْ يَكُونَ كلامُه في بعضِ الصُّوَرِ أَشْكَلَ، فيستفيدُ بالفرضِ غرضًا صحيحًا، ولا يَفْسُدُ بذلك جوابُه؛ لأنَّ مِن سُئِلَ عن الكلِّ، فقد سُئِلَ عنِ البعضِ.
(وَ) على هذا (يَكْفِي) المُستدلَّ (قَوْلُهُ: ثَبَتَ الحُكْمُ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ، فَلَزِمَ ثُبُوتُهُ فِي البَاقِي) منها ضرورةَ ألَّا قَائِلَ بالفرقِ.
(وَإِنْ أَتَى) المُستدلُّ (بِمَا لَا أَثَرَ لَهُ فِي الأَصْلِ، لـ) قصدِ (دَفْعِ النَّقْضِ: لَمْ يَجُزْ) عندَ الجمهورِ ويَحتمِلُ أنْ يَجُوزَ؛ لأنَّه محتاجٌ إليه لتَعَلُّقِ الحُكمِ بالوصفِ المُؤَثِّرِ.
وقال في «التمهيد» (١): إنْ أَتَى في العِلَّةِ بما لا أَثَرَ له، نحوُ: الجمعةُ صلاةٌ مفروضةٌ، فلم تَفتقِرْ إلى إِذْنٍ كغيرِها، قِيلَ: يَضُرُّ دُخولُه؛ لأنَّه بعضُ العِلَّةِ، وقِيلَ: لا فارقَ فيه تَنبيهًا على أنَّ غيرَ الفرضِ أَوْلى ألَّا يَفتقرَ؛ ولأنَّه يُريدُ تَقريبَه من الأصلِ، فالأَوْلَى ذِكْرُه، وإنْ أَتَى به تأكيدًا، فكلامُه يَقتضي مَنْعَه بخلافِه لزيادةِ بيانٍ.
القادحُ التَّاسِعُ والعاشرُ والحاديَ عَشَرَ والثَّانيَ عَشَرَ: ما اشتهرَ باسمِ القَدحِ، فالمذكورُ أربعةُ أنواعٍ، وهذه الأربعةُ المخصوصةُ بالمناسبةِ:
أحدُها: (القَدْحُ فِي مُنَاسَبَةِ الوَصْفِ) للحُكْمِ المُستَدَلِّ عليه (بِمَا يَلْزَمُ فِيهِ مِنْ مَفْسَدَةٍ رَاجِحَةٍ) على المصلحةِ الَّتي مِن أجلها قُضِيَ عليه بالمناسبةِ، (أَوْ مُسَاوِيَةٍ) لها وذلك لِما سَبَقَ مِن أنَّ المناسبةَ تَنخَرِمُ بالمعارضةِ، وإنَّما
стр. 713
أُعِيدَتْ لأجلِ التَّقسيمِ، وبيانِ أنَّ ذلك مِن جملةِ القوادحِ الواردةِ على المستدلِّ حَتَّى يَحتاجَ إلى الجوابِ عنها.
(وَجَوَابُهُ) عنها (بِالتَّرْجِيحِ) أي: ببيانِ ترجيحِ تلك المصلحةِ الَّتي هي في العِلَّةِ على تلك المفسدةِ الَّتي يُعتَرَضُ بها تفصيلًا وإجمالًا، أمَّا تفصيلًا فبخصوصِ المسألةِ بأنَّ هذا ضروريٌّ، وذلك حاجيٌّ، أو بأنَّ هذا إفضاءٌ قطعيٌّ أو أكثريٌّ، وذلك ظنِّيٌّ أو أقلِّيٌّ، أو أنَّ هذا اعتُبِرَ نوعُه في نوعِ الحُكمِ، وذلك اعتُبِرَ نوعُه في جنسِ الحُكْمِ إلى غير ذلك ممَّا تَنَبَّهْتَ له، وأمَّا إجمالًا فبلزومِ التَّعبُّدِ لولا اعتبارُ المصلحةِ، وقد أَبْطَلْناه، كأنْ يَقُولَ المستدلُّ في الفسخِ في المجلسِ: وُجِدَ سببُ الفسخِ فيُوجَدُ الفسخُ، وذلك دَفعُ ضررِ المحتاجِ إليه مِن المتعاقدَينِ، فيَقولُ المُعتَرضُ: هذا مُعارَضٌ بضررِ الآخَرِ، فيَقُولُ المُستدلُّ: الآخَرُ يَجلِبُ نفعًا، وهذا يَدفَعُ ضررًا، ودَفعُ الضَّرَرِ أهمُّ عندَ العُقلاءِ، ولذلك يُدفَعُ كلُّ ضررٍ ولا يُجلَبُ كلُّ نفعٍ.
الثَّاني مِن الأربعةِ: (القَدْحُ فِي) صلاحيَّةِ (إِفْضَاءِ الحُكْمِ إِلَى المَقْصُودِ) وهو المصلحةُ مِن شرعِ الحُكمِ (كَتَعْلِيلِ) المستدلِّ (حُرْمَةَ المَصَاهَرَةِ أَبَدًا) في حقِّ المحارمِ (بِالحَاجَةِ إِلَى رَفْعِ الحِجَابِ) من الرِّجالِ والنِّساءِ المُؤدِّي إلى الفجورِ، (فَإِذَا تَأَبَّدَ) التَّحريمُ (انْسَدَّ بَابُ الطَّمَعِ) في النِّكاحِ المُفضي إلى مُقدِّماتِ التُّهمةِ والنَّظرِ المُفضي إلى ذلك، (فَيَعْتَرِضُ) المُعتَرِضُ (بِأَنَّ سَدَّهُ) بالتَّحريمِ المُؤَبَّدِ (يُفْضِي إِلَى الفُجُورِ) لأنَّ النَّفسَ تَميلُ إلى الممنوعِ، كما قالَ الشاعر (١):
وَالقَلْبُ يَطْلُبُ مَنْ يَجُورُ وَيَعْتَدِي … وَالنَّفْسُ مَائِلَةٌ إِلَى المَمْنُوعِ
وَلِكُلِّ شَيْءٍ يَشْتَهِيهِ طَلَاوَةٌ … مَدْفُوعَةٌ إِلَّا عَنِ المَدْفُوعِ
стр. 714
(وَجَوَابُهُ) أي: جوابُ المستدلِّ عن ذلك بتَبْيينِ (أَنَّ التَّأْبِيدَ يَمْنَعُ عَادَةً) مِن ذلك بانسدادِ بابِ الطَّمَعِ، (فَيَصِيرُ) بتَطاوُلِ الأمرِ وتَمَادِيه (طَبْعًا) بحيثُ لا يَبْقى المَحَلُّ مُشتَهًى (كَرَحِمِ مَحْرَمٍ).
الثَّالثُ مِن الأربعةِ: (كَوْنُ الوَصْفِ) المُعَلَّلِ به (خَفِيًّا) أي: غيرَ ظاهرٍ (كَتَعْلِيلِهِ) أي: المستدلِّ (صِحَّةَ النِّكَاحِ بِالرِّضَى) ووجوبِ (١) القَوَدِ بالقصدِ (فَيَعْتَرِضُ) المُعتَرضُ عليه (بِأَنَّهُ) أي: الرِّضى (خَفِيٌّ وَالخَفِيُّ لَا يُعَرِّفُ الخَفِيَّ، وَجَوَابُهُ) أي: المُستدلِّ (ضَبْطُهُ) أي: الرِّضى بأنْ يُبَيِّنَ ظُهورَه بصفةٍ ظاهرةٍ (بِمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ مِنْ: صِيغَةٍ كَإِيجَابٍ وَقَبُولٍ، أَوْ) ضبطِ العَمْدِ بما يَدُلُّ عليه عادةً مِن (فِعْلٍ) كاستعمالِ الجارحِ والمُثَقَّلِ، أو غيرِ ذلك ممَّا هو مبسوطٌ (٢) في الفقهِ.
الرَّابعُ (٣) من الأربعةِ: (كَوْنُهُ) أي: الوصفِ [مُضطرِبًا، أي] (٤): (غَيْرَ مُنْضَبِطٍ كَتَعْلِيلِهِ) أي: المستدلِّ (بِالحِكَمِ) واحدُها حِكْمَةٌ (وَالمَقَاصِدِ) جمعُ مَقْصِدٍ، وهي المصالحُ (كَـ) تعليلِ (رُخَصِ السَّفَرِ) مِن القصرِ والجمعِ والمسحِ وغيرِها (بِالمَشَقَّةِ) وقطعِ السَّارقِ بالزَّجرِ، (فَيَعْتَرِضُ) المُعتَرضُ على المُستدلِّ (بِاخْتِلَافِهَا) أي: المَشَقَّةِ، فإنَّها لا تَتَمَيَّزُ وتختلفُ (بِـ) اختلافِ (الأَشْخَاصِ وَالأَزْمَانِ وَالأَحْوَالِ) فلا يُمكِنُ تعيينُ المقصودِ منها.
(وَجَوَابُهُ) أي: المُستدلِّ (بـ) بيانِ (أَنَّهُ) أي: الوصفَ (مُنْضَبِطٌ):
- إمَّا (بِنَفْسِهِ) كما تَقُولُ في المَشقَّةِ والمَضَرَّةِ أنَّه مُنضبطٌ عُرفًا، بناءً على الجوازِ للتَّعليلِ بالحكمةِ إذا انْضَبَطَتْ،
стр. 715
- (أَوْ بِضَابِطٍ لِلْحِكْمَةِ) بأنْ تَكُونَ العِلَّةُ هي الوصفَ المنضبطَ المشتملَ على الحِكمةِ كالمَشَقَّةِ في السَّفرِ والزَّجرِ بالحدِّ، ونحوِ ذلك.
القادحُ الثَّالثَ عَشَرَ: (النَّقْضُ) وهو وجودُ العِلَّةِ بلا حُكمٍ، وتَقَدَّمَ في شروطِ العِلَّةِ، وأنَّه لا يَقدَحُ فيها مطلقًا (كَـ) قولِ المُستدلِّ: (الحُلِيُّ مَالٌ غَيْرُ نَامٍ فَلَا زَكَاةَ فِيهِ، كَثِيَابِ البِذْلَةِ. فيَعْتَرِضُ) المُعترِضُ على المُستدِلِّ (بِالحُلِيِّ المُحَرَّمِ) بأنَّه مالٌ غيرُ نامٍ، وفيه الزَّكاةُ.
(وَجَوَابُهُ) أي: المُستدلِّ عن هذا الاعتِراضِ مِن وُجوهٍ:
- إمَّا (بِمَنْعِ وُجُودِ العِلَّةِ فِي صُورَةِ النَّقْضِ) لأنَّ النَّقضَ إِنَّمَا يَتَحَقَّقُ بوجودِ العِلَّةِ وتَخَلُّفِ الحُكمِ عنها، فإذا مُنِعَ وُجُودُ العِلَّةِ لم يَتَحَقَّقِ النَّقضُ، وإنَّما تَخَلَّفَ الحُكمُ في الصُّورةِ المذكورةِ لعَدَمِ عِلَّتِه، فهو يَدُلُّ على صِحَّةِ عِلَّتِه عَكسًا، وهو انتفاءُ الحُكمِ لانتفائِها، مثالُه: أنْ يَقُولَ الحنفيُّ في قتلِ المسلمِّ بالذِّمِّيِّ: قتلٌ عمدٌ عدوانٌ، فيَجِبُ به (١) القصاصُ كما في المُسلِمِ بالمسلمِ، فيُقالُ له: يَنتقضُ بقتلِ المعاهَدِ، فإِنَّه قتلٌ عمدٌ عدوانٌ، ولا يُقتَلُ به المسلمُ. فيَقولُ: لا أُسَلِّمُ أنَّه عدوانٌ. فيَندفعُ النَّقضُ بذلك إنْ ثَبَتَ له، [مثالُه في الصُّورةِ المذكورةِ أنْ يَقُولَ: لا أُسَلِّمُ الحُكمَ في المعاهَدِ، فإِنَّه عِندي يَجِبُ القصاصُ بقتلِه] (٢).
- (أَوْ) بـ (مَنْعِ) وجودِ (الحُكْمِ فِيهَا) أي: في صُورةِ النَّقضِ، وهذا هو الوجهُ الثَّاني.
(وَ) إذا مَنَعَ المُستدلُّ وجودَ العِلَّةِ في صورةِ النَّقضِ فـ (لَيْسَ لِلْمُعْتَرِضِ
стр. 716
الدَّلَالَةُ عَلَى وُجُودِ العِلَّةِ فِيهَا) أي: في صورةِ النَّقضِ على الصَّحيحِ؛ لأنَّه انتقالٌ عن مَحَلِّ النَّظَرِ وغصبٌ لمنصبِ المُستدلِّ، ويَلْزَمُ منه أنْ يَكُونَ المعترضُ مُستدِلًّا، فهو قلبٌ لقاعدةِ المصطلحِ لكَوْنِه يَبقى مستدلًّا، والمستدلُّ مُعتَرضًا، كما لو قالَ المُعتَرضُ في الصُّورةِ المذكورةِ على أنَّ قتلَ المعاهَدِ عدوانٌ أنَّه قتلٌ مُخفِرٌ لذِمَّةِ الإسلامِ، وكلُّ ما كانَ مُخفِرًا لذِمَّةِ الإسلامِ فيُفضي إلى ما ذَكَرْنا.
والوجهُ الثَّالثُ: أنْ يُبَيِّنَ المُستدلُّ في صورةِ النَّقضِ وجودَ مانعٍ أو انتفاءَ شرطٍ مُختَلٍّ تَخَلَّفَ الحُكمُ فيها عليه، كما إذا أَوْرَدَ المُعتَرضُ قَتْلَ الوالدِ وَلَدَه على عِلَّةِ القتلِ العمدِ العدوانِ، فقالَ المُستدلُّ: تَخَلَّفَ لمانعِ الأُبُوَّةِ، وكما إذا قالَ المُستدلُّ: سَرَقَ نصابًا كاملًا ولا شُبهةَ له فيه، فقُطِعَ، فأَوْرَدَ المُعتَرضُ السَّرِقَةَ مِن غيرِ حِرزٍ، فقالَ المُستدلُّ: لانتفاءِ شرطٍ وهو الحرزُ.
الوجهُ الرَّابعُ: أنْ يُبَيِّنَ المُستدلُّ أنَّ صورةَ النَّقضِ واردةٌ على مذهبِه ومذهبِ خصمِه، كما إذا قِيلَ: مَكيلٌ، فحَرُمُ فيه التَّفاضُلُ، فأَوْرَدَ المُعتَرضُ العرايا؛ إذ هي مكيلٌ، وقد جازَ فيه التَّفاضُلُ بينَه وبينَ التَّمرِ المَبيعِ به على وجهِ الأرضِ، فيَقُولُ المُستدلُّ: هذا واردٌ عليَّ وعليك جميعًا، فلَيْسَ بُطلانُ مَذهبي فيه أَوْلى مِن بُطلانِ مَذهبِك.
الوجهُ الخامسُ: أنْ يَقُولَ: هذه العِلَّةُ منصوصةٌ، فهي مُؤَثِّرةٌ بالنَّصِّ فلا يَرِدُ عليها كقولِه تَعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ (١) إذا عَلَّلَ بالسَّرقةِ في مسألةِ النَّبَّاشِ وغيرِه، فأُورِدَ عليه بعضُ النُّقوضِ المذكورةِ، وكذلك عِلَّةُ العرايا منصوصةٌ، فلا يُؤَثِّرُ فيها النَّقضُ بالعرايا.
стр. 717
(وَلَوْ دَلَّ المُسْتَدِلُّ) بأحدِ الأجوبةِ المُتقدِّمةِ (عَلَى وُجُودِهَا) أي: العِلَّةِ في مَحَلِّ التَّعليلِ (بِدَلِيلٍ مَوْجُودٍ فِي صُورَةِ النَّقْضِ، فَـ) نَقَضَ المُعتَرضُ العِلَّةَ، فمَنَعَ المستدلُّ وُجودَها في مَحَلِّ النَّقضِ بأنْ (قالَ المُعْتَرِضُ) للمُستدلِّ: (يَنْتَقِضُ دَلِيلُكَ) حينئذٍ؛ لأنَّه موجودٌ في مَحَلِّ النَّقضِ، والعِلَّةُ غيرُ موجودةٍ فيه على زَعمِك، (فَـ) لا يُسمَعُ قولُه؛ لأنَّه (قَدِ انْتَقَلَ مِنْ نَقْضِهَا) أي: العِلَّةِ (إِلَى نَقْضِ دَلِيلِهَا، فَلَا يُقْبَلُ).
مثالُه: أنْ يَقُولَ الحنفيُّ في قتلِ المسلمِ بالذِّمِّيِّ: قتلٌ عمدٌ عدوانٌ، فأَوْجَبَ القصاصَ كقتلِ المسلمِ. فيَقُولُ الحنبليُّ: لا أُسَلِّمُ أنَّ قتلَ الذِّمِّيِّ عدوانٌ. فيَقُولُ الحنفيُّ: الدَّليلُ على أنَّ قتلَ الذِّمِّيِّ عدوانٌ أنَّه معصومٌ بعهدِ الإسلامِ، وكلُّ مَن كانَ مَعصومًا بعصمةِ الإسلامِ فقَتْلُه عدوانٌ. فيَقُولُ المُعتَرضُ: دليلُ العدوانيَّةِ في قتلِ الذِّمِّيِّ موجودٌ في قتلِ المُعاهَدِ، فلْيَكُنْ عدوانًا يَجِبُ به القصاصُ على المسلمِ. فهذا نقضٌ لدليلِ العِلَّةِ لا لنَفْسِها، فلا يُسمَعُ؛ لأنَّه انتقالٌ.
وبيانُه: أنَّ الكلامَ أوَّلًا كانَ في نقضِ وُجوبِ قتلِ المسلمِ بالذِّمِّيِّ بعدمِ وجوبِ قَتْلِه بالمعاهَدِ، معَ اشتراكِهما في العِلَّةِ، وهو نقضُ الحُكمِ، والكلامُ الآنَ في كونِه إِخْفَارَ ذِمَّةِ الإسلامِ بقتلِ الذِّمِّيِّ عدوانًا عليه، بكونِ الإخفارِ المذكورِ بقتلِ المعاهَدِ لَيْسَ عدوانًا عليه، وهو نقضٌ لدليلِ العِلَّةِ كما ذُكِرَ، فقدِ انتقلَ مِن النَّقضِ لعِلَّةِ الحُكمِ إلى النَّقضِ لدليلِ عِلَّةِ الحُكمِ.
(وَيَكْفِي المُسْتَدِلَّ) في ردِّ هذا النَّقضِ (دَلِيلٌ) أي: أدنى دليلٍ (يَلِيقُ بِأَصْلِهِ) أي: يُوافِقُه ويُطابِقُه، مِثلُ أنْ يَقولَ: إِنَّمَا لم أَحكُمْ بالعدوانيَّةِ في صورةِ قتلِ المسلمِ بالحربيِّ لمُعارِضٍ لي (١) في مَذهبي، وهو أنَّ الحربيَّ المعاهَدَ مُفَوِّتٌ
стр. 718
للعهدِ، فالمُقتضى لانتفاءِ القصاصِ فيه قويٌّ موافقٌ للأصلِ، والمقتضى لإثباتِه ضعيفٌ بخلافِ الذِّمِّيِّ فإنَّ المقتضى لقتلِ المُسلمِ به قويٌّ لنابِذِ عهدِه وذِمَّتِه، فصارَ كالمسلمِ.
(وَ) أمَّا (لَوْ قَاَل) المُعْتَرِضُ للمُستدلِّ (ابْتِدَاءً: يَلْزَمُكَ) إمَّا (انْتِقَاضُ عِلَّتِكِ، أَوِ) انتقاضُ (دَلِيلِهَا) لأنَّك إنِ اعتقدْتَ وجودَ العِلَّةِ في مَحَلِّ النَّقضِ انْتقضَتْ عِلَّتُك، وإنِ اعتقدْتَ عدمَ العِلَّةِ في مَحَلِّ النَّقضِ انْتقضَ دليلُك؛ (قُبِلَ) منه ذلك؛ لأنَّ هذا دَعوى أحدِ أمرينِ، وكيفَ كانَ فلا تَثْبُتُ العِلَّةُ.
(وَلَوْ مَنَعَ المُسْتَدِلُّ تَخَلُّفَ الحُكْمِ فِي صُورَةِ النَّقْضِ؛ لَمْ يُمْكِنِ المُعْتَرِضُ أَنْ يَدُلَّ عَلَيْهِ) أي: على ثبوتِ الحكمِ الَّذِي مَنَعَه المُستدلُّ على الأصحِّ. مثالُه: قولُ الشَّافعيِّ في مسألةِ الثَّيِّبِّ الصَّغيرةِ: ثَيِّبٌ فلا تُجبَرُ كالثَّيِّبِ الكبيرةِ، فيَقولُ المُعتَرضُ: يُنتقَضُ بالثَّيِّبِ المجنونةِ، فيَقُولُ المُستدلُّ: لا نُسَلِّمُ إجبارَ الثَّيِّبِ المجنونةِ.
تنبيهٌ: لو قالَ: وليسَ للمُعتَرضِ أنْ يَدُلَّ على ثُبُوتِ العِلَّةِ أو الحُكمِ في صورةِ النَّقضِ لكانَ أَخْصَرَ، لكنَّه تَبِعَ صاحبَ الأصلِ، فلْيُتَأَمَّلْ.
(وَيَكْفِي المُسْتَدِلَّ) إذا نَقَضَ المعترضُ عليه بصورةٍ أنْ يُجِيبَ عن النَّقضِ بالتَّصريحِ بقولِه: (لَا أَعْرِفُ الرِّوَايَةَ فِيهَا) كقولِه: لا أُسَلِّمُ أنَّ المسلمَ لا يُقتَلُ بالمعاهَدِ؛ لأنَّ دليلَه على العِلَّةِ صحيحٌ، وهو قولُه: قتلٌ عمدٌ عدوانٌ، فلا يَبْطُلُ بأمرٍ مشكوكٍ فيه، وذلك لأنَّ المُستدلَّ إذا لم يَعرِفِ الرِّوايةَ في صورةِ النَّقضِ احتملَ أنْ يَكُونَ الحُكمُ فيها على وَفْقِ العِلَّةِ، فلا يَرِدُ النَّقضُ، واحتملَ أنْ يَكُونَ على خلافِه فيُرَدُّ، ومَعَ الاحتمالِ فلا يَبطُلُ دليلُه بأمرٍ مُتَرَدَّدٍ فيه.
стр. 719
(وَإِنْ قالَ) المستدلُّ: (أَنَا أَحْمِلُهَا) أي: صورةَ النَّقضِ (عَلَى مُقْتَضَى القِيَاسِ وَأَقُولُ فِيهَا كَمَسْأَلَةِ الخِلَافِ؛ مُنِعَ) في الأظهرِ لإثباتِ مذهبِه بالقِيَاسِ، (إِلَّا إِنْ نَقَلَ) المستدلُّ (عَنْ إِمَامِهِ أَنَّهُ عَلَّلَ بِهَا) أي: بصورةِ النَّقضِ (فَيُجْرِيهَا) على حُكمِ تعليلِ إمامِه.
(وَإِنْ فَسَّرَ المُسْتَدِلُّ لَفْظَهُ بـ) معنًى (دَافِعٍ لِلنَّقْضِ غَيْرِ ظَاهِرِهِ) أي: هو خلافُ ظاهرِ لَفظِه (كَـ) تفسيرِ لفظٍ (عَامٍّ بِـ) مَعنًى (خَاصٍّ) ونحوِه ممَّا هو بعيدٌ عن اللَّفظِ، لكنَّه مُحتملٌ؛ (لَمْ يُقْبَلْ) في الأصحِّ؛ لأنَّه يَزيدُ وَصفًا لم يَكُنْ، وذِكْرُه للعلَّةِ وقتَ حاجتِه، فلا يُؤَخَّرُ عنه بخلافِ تأخيرِ الشَّارِعِ البيانَ عن وقتِ خطابِه.
(وَلَوْ أَجَابَ) المُستدلُّ (بِتَسْوِيَةٍ بَيْنَ أَصْلٍ وَفَرْعٍ لـ) أجلِ (دَفْعِهِ) أي: النَّقضِ (قُبِلَ) عندَ أكثرِ أصحابِنا؛ لأنَّ الطَّردَ لَيْسَ شرطًا للعلَّةِ إذنْ.
مِثالُه: في المسحِ على العمامةِ عضوٌ يَسقُطُ في التَّيمُّمِ فمَسَحَ حائلَه كالقَدَمِ، فيَنتقضُ بالرَّأسِ في الطَّهارةِ الكُبْرى، فيُجِيبُه: يَستوي فيها الأصلُ والفرعُ.
(وَلَا يُلْزَمُ) المُستدلُّ (بِمَا) أي: لَيْسَ للمعترضِ أنْ يُلْزِمَ المُستدلَّ بشيءٍ (لَا يَقُولُ بِهِ) أي: لا يَعتقِدُ صِحَّتَه (المُعْتَرِضُ؛ كَمَفْهُومٍ وَقِيَاسٍ وَقَوْلِ صَحَابِيٍّ) لأنَّ المُعتَرضَ احتجَّ وأَثْبَتَ الحُكمَ بلا دليلٍ، ولاتِّفاقِهما على تَركِه؛ لأنَّ أَحَدَهما لا يَراه دليلًا والآخَرَ لَمَّا خالَفَه دَلَّ على دليلٍ أقوى منه.
(إِلَّا النَّقْضَ وَالكَسْرَ عَلَى قَوْلِ مَنِ التَزَمَهُمَا) لأنَّ النَّاقضَ لم يَحتجَّ بالنَّقضِ، ولا أَثْبَتَ الحُكمَ به، ولاتِّفاقهما على فسادِ العِلَّةِ على أصلِ المُستدلِّ بصورةِ الإلزامِ وعلى أصلِ المُعتَرضِ بمَحَلِّ النِّزاعِ، ذَكَرَه أصحابُنا وغيرُهم.
стр. 720
(وَإِنْ نَقَضَ أَحَدُهُمَا) أي: المُعتَرضُ أو المُستدلُّ (عِلَّةَ الآخَرِ بِأَصْلِ نَفْسِهِ) لم يَجُزْ عندَ أصحابِنا وغيرِهم.
قالَ ابنُ البَاقِلَّانِيِّ: له وجهٌ، فإنْ سَلَّمَه خصمُه، وإلَّا دَلَّ عليه (أَوْ زَادَ المُسْتَدِلُّ وَصْفًا مَعْهُودًا مَعْرُوفًا في العِلَّةِ؛ لَمْ يَجُزْ) ويَتَوَجَّهُ احتمالٌ وفاقًا لبعضِ الجَدَلِيِّينَ؛ لأنَّه تَرَكَه سهوًا أو سَبَقَ لسانُه، فعُذِرَ.
(وَإِنْ نَقَضَ) المُعتَرضُ دليلًا لمُستدلٍّ (بِمَنْسُوخٍ، أَوْ بِـ) حُكمٍ (خَاصٍّ بِهِ ﷺ رُدَّ نَقْضُه في الأصحِّ، (أَوْ) نَقَضَه (بِرُخْصَةٍ ثَابِتَةٍ عَلَى خِلَافِ مُقْتَضَى الدَّلِيلِ) رُدَّ، (أَوْ) نَقَضَه (بِمَوْضِعِ اسْتِحْسَانٍ: رُدَّ) نقضُه عندَ أصحابِنا، ومثَّل (١) أبو الخطَّابِ بما إذا سَوَّى بينَ العَمْدِ والسَّهوِ فيما يُبْطِلُ العبادةَ، فينتقضُ بأكلِ الصَّائِمِ.
وقال ابنُ عَقِيلٍ: يَقُولُ المُعتَرضُ: النَّصُّ دَلَّ على انتقاضِه فيَكُونُ آكَدَ للنَّقضِ (٢).
(وَيَجِبُ أَنْ يَحْتَرِزَ المُسْتَدِلُّ فِي دَلِيلِهِ عَنْ) صورةِ (النَّقْضِ) على الصَّحيحِ.
مثالُه: أنْ يُقالَ في مسألةِ النَّبَّاشِ: سَرَقَ نصابًا كاملًا مِن حِرزِ مِثْلِه، وليسَ أبًا ولا مَديونًا للمسروقِ منه، فيَلْزَمُه القطعُ، ويُقالُ: قتلٌ عمدٌ عدوانٌ خالٍ عن مانعِ الإيلاءِ والمِلكِ والتَّفاوُتِ في الدِّينِ، فأَوْجَبَ القصاصَ.
قالَ الطُّوفِيُّ: ولا نِزاعَ في استحبابِ هذا الاحتِرازِ، وإنَّما النِّزاعُ في وجوبِه، فمن لم يُوجِبْه يَقُولُ: إنَّ النَّقضَ سؤالٌ خارجٌ عن القِيَاسِ، فلا
стр. 721
يَجِبُ إدخالُه في صُلبِ القِيَاسِ، بل إذا أَوْرَدَه المُعتَرضُ لَزِمَ جوابُه بما يَدفَعُه كسائرِ الأسئلةِ، ولأنَّ فيه تنبيهًا للمُعتَرضِ على موضعِ النَّقضِ، وفي ذلك نشرُ الكلامِ وتَبَدُّدُه، وهو خلافُ المطلوبِ مِن المناظرةِ. ومَن أَوْجَبَه قالَ: لأنَّ فيه حَسْمَ مادَّةِ الشَّغَبِ وانتشارَ الكلامِ، وسدًّا لبَابِه، فكانَ واجبًا لِما فيه مِن صيانةِ الكلامِ عن التَّبديلِ (١).
(وَإِنِ احْتَرَزَ) المستدلُّ (عَنْهُ) أي: عن نقضِ العِلَّةِ (بِشَرْطٍ ذَكَرَهُ فِي الحُكْمِ) بأنْ قَيَّدَه بشرطٍ أو وَصفٍ (صَحَّ) ذلك، وانْدَفَعَ النَّقضُ في الأصحِّ.
مثالُه: أن يَقُولَ المُعلِّلُ: حُرَّانِ مُكَلَّفانِ مَحْقُونَا الدَّمِ، فجَرَى بينَهما القصاصُ في العمدِ كالمُسلِميْنِ، فمَن زَعَمَ اندفاعَ النَّقضِ بذلك قالَ: الشَّرطُ المتأخِّرُ وهو العمدُ الَّذِي قُيِّدَ به الحكمُ هو أحدُ أوصافِ العِلَّة حُكمًا، وإنْ تَأَخَّرَ في اللَّفظِ حَتَّى كأنَّه قالَ في هذا المثالِ: حُرَّانِ مُكَلَّفانِ مَحْقُونا الدَّمِ قَتَلَ أحدُهما الآخَرَ عمدًا، فجَرَى بينَهما القصاصُ كالمُسلِمين، وإذا كانَ التَّقديرُ في المعنى هذا المثالُ وَجَبَ اعتبارُه؛ لأنَّ العبرةَ نحوَ الأصلِ إِنَّمَا هي بالأحكامِ لا بالألفاظِ.
(وَإِنِ احْتَرَزَ) المستدلُّ (بِحَذْفِ الحُكْمِ: لَمْ يَصِحَّ) كقولِ حنفيٍّ في الإحدادِ على المُطلَّقَةِ: بائنٌ كالمُتَوَفَّى عنها زوجُها، فينتقضُ بصغيرةٍ وذِمِّيَّةٍ فيَقُولُ: قَصَدْتُ التَّسويَةَ بينَهما، فيُقالُ: التَّسويَةُ بينَهما حكمٌ، فيحتاجُ إلى أصلٍ يُقاسُ عليه.
القادحُ الرَّابِعَ عَشَرَ: (الكَسْرُ) وهو إبداءُ الحكمةِ بدونِ الحكمِ، وحُكمُه أنَّه غيرُ واردٍ على العِلَّة على الصَّحيحِ (كَالنَّقْضِ) وقد سَبَقَ تعريفُه أيضًا.
стр. 722
قالَ الآمِدِيُّ: الكسرُ نقضٌ على العِلَّةِ دونَ ضابِطِها (١).
قالَ الطُّوفِيُّ: الضَّابطُ هو ما رَتَّبَ الشَّرعُ عليه الحُكمَ؛ لكَوْنِه مَظِنَّةَ حصولِ الحكمةِ، كالقتلِ العمدِ العدوانِ الَّذِي رُتِّبَ عليه القصاصُ؛ لكَوْنِه مَظِنَّةَ حِفظِ النُّفوسِ، وكإيلاجِ الفرجِ في فرجٍ مُحَرَّمٍ رُتِّبَ عليه الحدُّ؛ لكونِه مَظِنَّةَ حِفْظِ الأنسابِ وأشباهِ هذا.
مثالُ ذلك: قولُ الحنفيِّ في العاصي بسَفَرِه: يَتَرَخَّصُ؛ لأنَّه مسافرٌ، فيَتَرَخَّصُ كالمسافرِ سفرًا مباحًا، فإذا قيلَ له: لِمَ قُلْتَ إنَّه يَتَرَخَّصُ؟ قالَ: لأنَّه يَجِدُ مَشَقَّةً في سفرِه، فناسَبَ التَّرخُّصُ وقد شَهِدَ له الأصلُ المذكورُ بالاعتبارِ. فيقولُ الحنبليُّ: هذا يَنكَسِرُ بالمُكاري وَالفَيِّجِ ونحوِهما مِمَّن دَأْبُه السَّفرُ يَجِدُ المَشَقَّةَ ولا يَتَرَخَّصُ (٢).
القادحُ الخامسَ عَشَرَ: (المُعَارَضَةُ فِي الأَصْلِ بِمَعْنًى آخَرَ) وهي مُفاعلةٌ مِن عَرَضَ له يَعرِضُ إذا وَقَفَ بينَ يديْه أو عارَضَه في طريقِه ليَمنَعَه النُّفوذَ فيه، فكأنَّ المعترضَ يَقِفُ بينَ يديِ المُستدلِّ أو يُوقِفُ حُجَّتَه بينَ يديْ دليلِه ليَمنَعَه مِن النُّفوذِ في إثباتِ الدَّعوى، ومَعناها أنَّ يُبيِّنَ المُعتَرضُ في الأصلِ الَّذِي قاسَ عليه المُستدلُّ مقتضيًا آخَرَ للحُكمِ غيرَ ما ذَكَرَه المُستدلُّ، وحينئذٍ لا يَتَعَيَّنُ ما ذَكَرَه المُستدلُّ لأنْ يَكُونَ مُقتضيًا -أي: عِلَّةً للحُكمِ- بل يَحتملُ أنْ يَكُونَ عِلَّةُ الحُكمِ هو الوصفَ الَّذِي ذَكَرَه المُستدلُّ، ويَحتملُ أنْ يَكُونَ عِلَّةَ الوصفينِ جميعًا الَّذِي عَلَّلَ به المُستدلُّ، والَّذي بَيَّنَه المُعتَرضُ، وهي:
стр. 723
(١) إمَّا أنْ تَكُونَ بمَعنًى (مُسْتَقِلٍّ) بثبوتِ الحكمِ، بحيثُ لا يَتَوَقَّفُ ثبوتُه على وصفٍ آخَرَ، كما لو عَلَّلَ الشَّافعيُّ تحريمَ ربا الفضلِ في البُرِّ بالطَّعمِ، فعارَضَه الحنفيُّ بتعليلِ تحريمِه بكيلٍ أو الجنسِ أو القُوتِ،
(٢) (أَوْ) تَكُونَ بمَعنًى (غَيْرِ مُسْتَقِلٍّ) بثبوتِ الحُكمِ لِما عَلَّلَ به المُستدلُّ، أو لِما أَبْداه هو، أو لمجموعِ الوصفينِ كما لو عَلَّلَ الشَّافعيُّ وُجوبَ القصاصِ في القتلِ بالمُثَقَّلِ العمدِ العدوانِ، فعارَضَه الحنفيُّ بتعليلِ وجوبِه بالجارحِ.
(وَ) هذا القِسْمُ (الثَّانِي مَقْبُولٌ) عندَ الأكثرِ؛ لأنَّ وَصْفَ المُستدلِّ لَيْسَ بأَوْلى بكونِه جزءًا أو مُستقِلًّا، فإنْ رَجَّحَ استقلالَه بتوسعةِ الحُكمِ في الأصلِ والفرعِ فتَكثُرُ الفائدةُ، فللمُعتَرِضِ منعُ دَلالةِ الاستقلالِ عليها، ثمَّ له معارضتُه بأنَّ الأصلَ انتفاءُ الأحكامِ، وباعتبارِهما معًا، فهو أَوْلى لجوازِه، كمَن أَعطى قريبًا له فقيرًا احتملَ أنَّه أعطاه لقرابتِه، واحتملَ أنَّه أعطاه لفقرِه، واحتملَ أنَّه أعطاه لقرابتِه وفقرِه جميعًا؛ جَمْعًا بينَ الصَّدقةِ والصِّلةِ، وهذا أظهرُ الاحتمالاتِ لمناسبتِهما جميعًا للعطاءِ، وكونِ المكلَّفِ لا يُخِلُّ ببعضِ المصالحِ الَّتي تَعرِضُ له.
وإذا دارَ الأمرُ بينَ الاحتمالاتِ المذكورةِ كانَ التَّعليلُ بما ذَكَرَه المُستدلُّ ترجيحًا مِن غيرِ مُرَجِّحٍ، بل تعليلًا بالمرجوحِ؛ لأنَّ ما ذَكَرَه يَصِحُّ على تقديرِ واحدٍ مِن ثلاثةِ تقاديرَ، ويَبطُلُ على تقديرينِ منها، ووقوعُ اثنينِ مِن ثلاثةٍ أرجحُ وأظهرُ مِن وقوعِ واحدٍ منها.
ومثالُ ذلك: ما لو عَلَّلَ الحنبليُّ قتلَ المرتدَّةِ بقولِه: بَدَّلَتْ دِينَها فتُقتَلُ كالرَّجُلِ، فيَقولُ المُعتَرضُ: لا يَتَعَيَّنُ تبديلُ الدِّينِ مُقتضِيًا للقتلِ، بل هنا
стр. 724
معنًى آخَرُ في الرَّجُلِ يَقتضيه لَيْسَ في المرأةِ، وهو جنايتُه على المسلمينَ [بتنقيصِ عددِهم وتقويتِه؛ إذْ هو من أهلِ الحربِ والنِّكايةِ، وحينئذٍ جازَ أنَّ العِلَّةَ في قتلِ الرَّجلِ تبديلُ الدِّينِ، أو الجنايةُ على المسلمينَ] (١) أو الأمرانِ جميعًا، وحينئذٍ لا يَتَعَيَّنُ التَّبديلُ عِلَّةً للقتلِ.
(وَلَا يَلْزَمُ المُعْتَرِضَ بَيَانُ نَفْيِ وَصْفِ المُعَارَضَةِ عَنِ الفَرْعِ) أي: لا يَلْزَمُه بيانُ أنَّ الوصفَ الَّذِي أَبْداه مُنتفٍ في الفرعِ؛ لأنَّ غَرَضَه عدمُ استقلالِ ما ادَّعَى المُستدلُّ أنَّه مستقلٌّ، فهذا القدرُ يَحصُلُ بمُجَرَّدِ إبدائِه.
وقال العَضُدُ: يَلْزَمُه ليَنفَعَه دَعوى التَّعليلِ به؛ إذ لولاه لم تَثْبُتِ العِلَّةُ في الفرعِ، فيَثبُتُ الحكمُ فيه وحَصَلَ مطلوبُ المُستدلِّ (٢).
(وَلَا يَحْتَاجُ وَصْفُهَا) أي: المُعارضةِ (إِلَى أَصْلٍ) بمَعنى أنَّ المُعارِضَ لا يَحتاجُ إلى أصلٍ يُبَيِّنُ تأثيرَ وَصفِه الَّذِي أَبْدَاه في ذلك الأصلِ، بأنْ يَقُولَ: العِلَّةُ الطَّعمُ دُونَ القوتِ كما في المِلحِ،
(وَجَوَابُها) أي: المُعارضةِ من وُجوهٍ:
مِنها: أنْ يَكُونَ (بِمَنْعِ وُجُودِ الوَصْفِ) يَعني وصفَ المُعتَرضِ، مثلُ أنْ يُعاِرَضَ القوتَ بالكيلِ، فيُجيبَه: لا نُسَلِّمُ أنَّه مَكِيلٌ؛ لأنَّ العبْرةَ بعادةِ زَمَنِ الرَّسولِ ﷺ ، وكانَ حينئذٍ موزونًا.
ومِنها: ما أَشَارَ إليه بقولِه: (أَوِ المُطَالَبَةِ بِتَأْثِيرِهِ) أي: مطالبةِ المُستدلِّ بكَوْنِ وصفِ المعارضِ مُؤَثِّرًا، يُقالُ: ولمَ قُلْتَ إنَّ الكيلَ مُؤَثِّرٌ، وهذا
стр. 725
إِنَّمَا يُسمَعُ مِن المُستدلِّ (إِنْ أَثْبَتَ) العِلِّيَّة (بِمُنَاسَبَةٍ أَو بِشَبَهٍ) حَتَّى يَحتاجَ المُعارضُ في معارضتِه إلى بيانِ مناسبةٍ أو شبهةٍ، و (لَا) يُسمَعُ جوابُ المُستدلِّ إنْ أَثْبَتَ عِلِّيَّةً (بَسَبْرٍ) فإنَّ الوصفَ يَدخُلُ في السَّبْرِ بدونِ ثُبوتِ المُناسبةِ بمُجَرَّدِ الاحتمالِ.
ومِنها: ما أَشَارَ إليه بقولِه: (أَوْ بِخَفَائِهِ) أي: بِأَنْ يُبَيِّنَ المُسْتَدِلُّ خَفَاءَ وَصْفِ المُعَارَضَةِ.
أو (لَيْسَ مُنْضَبِطًا) [فإنَّ وصفَ المُعارضِ إذا كانَ خفيًّا أو ظاهرًا غيرَ منضبطٍ لا يُثبِتُ عِلِّيَّةَ وصفِ المعارضِ.
ومِنها: ما أَشَارَ إليهما بقولِه: (أو مَنْعِ ظُهُورِه، أَوِ انْضِبَاطِه)] (١) بأنْ يَمنَعَ المُستدلُّ ظهورَ وصفِ المُعارضةِ وانضباطِه؛ لأنَّ الظُّهورَ والانضباطَ شرطٌ في الوصفِ المُعَلَّلِ به، فلا بدَّ في دَعوى صُلُوحِ الوصفِ عِلَّةً مِن بيانِهما وللصَّادِّ عنهما أن يُبَيِّنَ عَدَمَهما وأنْ يُطالَبَ ببيانِ وُجُودِهما.
ومِنها: ما أشارَ إليه بقولِه: (أَوْ بَيَانِ أَنَّهُ) أي: بأنْ يُبَيِّنَ المُستدلُّ أنَّ الوصفَ (عَدَمُ مُعَارَضٍ) أي: غيرُ مانعٍ عن ثُبُوتِ الحُكْمِ (فِي الفَرْعِ) مثالُه: أنْ يَقِيسَ المُكرَهَ على المختارِ في القصاصِ بجامعِ القتلِ، فيقولُ المُعتَرضُ: مُعارَضٌ بالطَّواعِيَةِ، فإنَّ العِلَّةَ هو القتلُ معَ الطَّواعيَةِ، فيُجيبُ المُستدلُّ: بأنَّ الطَّواعِيَةَ عدمُ الإكراهِ المناسِبِ لنقيضِ الحُكْمِ، وهو عدمُ القصاصِ، فحاصلُه عَدَمُ معارِضٍ، وعدمُ المُعارِضِ طَردٌ لا يَصلُحُ للتَّعليلِ؛ لأنَّه لَيْسَ مِن الباعثِ في شيءٍ.
стр. 726
ومِنها: المشارُ إليه بقولِه: (أَوْ) بيانِ أنَّ وصفَ المعارضِ (مُلْغًى، أَوْ أَنَّ مَا أَعْدَاهُ) أي: عَدَّى وَصْفَ المُعارضِ (مُسْتَقِلٌّ) بالعِلِّيَّةِ (فِي صُورَةٍ) ما (بِظَاهِرِ نَصٍّ أَوْ إِجْمَاعٍ) مثالُه: إذا عارَضَ في الرِّبَا الطَّعمَ بالكيلِ، فيُجيبُ بأنَّ النَّصَّ دَلَّ على اعتبارِ الطَّعمِ في صورةٍ ما، وهو قوله: «لَا تَبِيعُوا الطَّعَامَ بِالطَّعَامِ إِلَّا سَوَاءً بِسَوَاءٍ» (١) وهذا إذا لم يَتَعَرَّضْ للتَّعميمِ، فلو عَمَّمَ، وقال: فيَثْبُتُ ربويَّةُ كلِّ مطعومٍ للحديثِ؛ لم يُسمَعْ؛ لأنَّ ذلك إثباتٌ للحكمِ بالنَّصِّ دونَ القِيَاسِ، ولا تتميمَ للقياسِ بالإلغاءِ، والمقصودُ ذلك؛ لأنَّه لو ثَبَتَ العمومُ لكانَ القِيَاسُ ضائعًا، ولا يَضُرُّ كونُه عامًّا إذا لم يَتَعَرَّضْ للعمومِ، ولم يستدلَّ به.
(وَيَكْفِي) المُستدلَّ (فِي اسْتِقْلَالِهِ) أي: الوصفِ (إِثْبَاتُ الحُكْمِ فِي صُورَةٍ دُونَهُ) أي: دونَ الوصفِ؛ لأنَّ الأصلَ عدمُ غيرِه، ويَدُلُّ عليه عجزُ المُعارضِ عنه. وقِيلَ: لا يَكفي ذلك في استقلالِ الوصفِ لجوازِ وجودِ عِلَّةٍ أُخرى.
(وَ) لأجلِ هذا (لَوْ أَبْدَى المُعْتَرِضُ) في صورةِ عدمِ وصفِ المُعارضةِ وصفًا (آخَرَ يَقُومُ مَقَامَ) [الوصفِ (المُلْغَى) أي: ما أَلْغَاه المُستدلُّ (بِثُبُوتِ الحُكْمِ دُونَهُ) أي: معَ وجودِ] (٢) الوصفِ المُلغى (فَسَدَ الإِلْغَاءُ) لابتنائِه على
стр. 727
استقلالِ الباقي في تلك الصُّورةِ وقد بَطَلَ، (وَيُسَمَّى) هذا الحالُ المذكورُ (تَعَدُّدَ الوَضْعِ لِتَعَدُّدِ أَصْلَيْهِمَا) أي: أصلِ المُستدلِّ وأصلِ المُعتَرضِ، والتَّعليلُ بالباقي على وضعٍ؛ أي: معَ قيدٍ، وفي الآخَرِ على وضعٍ آخَرَ؛ أي: معَ قيدٍ آخَرَ، كقَوْلِنا في أمانِ العبدِ للكافرِ: أمانٌ مِن مسلمٍ عاقلٍ، فصَحَّ، كالحُرِّ؛ لأنَّهما مَظِنَّتانِ لإظهارِ مصالحِ الإيمانِ، فيُعَلَّلُ بهما، فيَعترِضُ بالحُرِّيَّةِ بأنْ يَقُولَ: العِلَّةُ كَوْنُه مسلمًا عاقلًا حرًّا، فإنَّ الحُرِّيَّةَ مَظِنَّةُ الفراغِ للنَّظَرِ في المصلحةِ، فهو أكملُ، فيَقولَ المستدلُّ: الحُرِّيَّةُ مُلغاةٌ بعبدٍ أُذِنَ له في القتالِ. فيَقولَ المُعتَرضُ: [قَامَ الإذنُ مَقامَ الحُرِّيَّةِ، فإِنَّه مَظِنَّةٌ لبذلِ الوسعِ في النَّظرِ أو مَظِنَّةٌ] (١) لعِلَّةِ السَّيِّدِ بصلاحيَّةِ العبدِ.
(وَجَوَابُ إِفْسَادِ (٢) الإِلْغَاءِ) وهو تعدُّدُ الوضعِ: (الإِلْغَاءُ) بأنْ يُلْغِيَ المستدلُّ ذلك الخَلَفَ بإِبداءِ صورةٍ لا يُوجَدُ فيها الخَلَفُ، فإنْ أَبْدَى المُعتَرضُ خَلَفًا آخَرَ، فجوابُه إلغاؤُه، وعلى هذا (إِلَى أَنْ يَقِفَ أَحَدُهُمَا) فَيَكُونُ الدَّبْرَةُ عليه، فإنْ ظَهَرَ صورةٌ لا خَلَفَ فيها تمَّ الإلغاءُ، وبَطَلَ الاعتِراضُ، والأظهرُ عَجزُ المُعتَرضِ.
(وَلَا يُفِيدُ الإِلْغَاءُ لِضَعْفِ المَظِنَّةِ) في صورةٍ (بَعْدَ تَسْلِيمِهَا) يعني: إذا سَلَّمَ المُستدلُّ وجودَ المَظِنَّةِ المُتَضَمِّنةِ لذلك المَعنى، فالحقُّ أنَّه لا يَثبُتُ الإلغاءُ، كقياسِ المُرتدَّةِ على المرتدِّ في حِلِّ القتلِ بجامعِ الرِّدَّةِ، فيُعتَرَضُ بالرُّجُولِيَّةِ، فإنَّها مَظِنَّةُ الإقدامِ على القتالِ، فيُلغِيها المُستدلُّ بالمقطوعِ اليدينِ، فهذا لا يُقبَلُ منه، حيثُ سَلَّمَ أَنَّ الرُّجُولِيَّةَ مَظِنَّةٌ اعتَبَرَها الشَّارِعُ،
стр. 728
وذلك كتَرَفُّهِ المَلِكِ في السَّفَرِ لا يَمْنَعُ رُخَصَ السَّفرِ في حقِّه لعِلَّةِ المَشَقَّةِ؛ إذ المُعتبَرُ المَظِنَّةُ، وقد وُجِدَتْ لا مِقدارُ الحكمةِ لعدمِ انضباطِها.
(وَلَا يَكْفِي المُسْتَدِلَّ) في جوابِ المُعارضةِ:
(١) (رُجْحَانُ وَصْفِهِ) وهو أنْ يَقُولَ: ما عَيَّنْتُه مِن الوصفِ راجحٌ على ما عارَضْتَ أنتَ به، ثمَّ يُظهِرُ وجهًا مِن وجوهِ التَّرجيحِ، وهذا القدرُ غيرُ كافٍ؛ لأنَّه إِنَّمَا يَدُلُّ على أنَّ استقلالَ وصفِه أَوْلى مِن استقلالِ وصفِ المعارضةِ؛ إذ لا يُعَلَّلُ بالمرجوحِ معَ وجودِ الرَّاجحِ، لكنَّ احتمالَ الجُزئيَّةِ باقٍ، ولا بُعدَ في ترجيحِ بعضِ الأجزاءِ على بعضٍ، فيَجِيءُ التَّحكُّمُ.
(أَمَّا إِنِ اتَّفَقَا) أي: المُستدلُّ والمُعتَرضُ (عَلَى كَوْنِ الحُكْمِ مُعَلَّلًا بِأَحَدِهِمَا) أي: الوصفينِ (قُدِّمَ الرَّاجِحُ) مِنهما.
(٢) (وَلَا يَكْفِي) المُستدلَّ (كَوْنُ) ما عَيَّنَـ (ـهُ مُتَعَدِّ) يًا، والآخرِ قاصرًا؛ لاحتمالِ تَرَجُّحِ (١) القاصرِ؛ إذ مَرجعُه التَّرجيحُ بذلك، فيَجِيءُ التَّحكُّمُ.
(وَيَجُوزُ: تَعَدُّدُ أُصُولِ المُسْتَدِلِّ) في الأصحِّ؛ لأنَّ التَّعدُّدَ يُقَوِّي الظَّنَّ بكَوْنِ وصفِه عِلَّةً.
(وَ) إذا تَعَدَّدَ الأصلُ، فيجُوزُ للمُعتَرضِ (اقْتِصَارُ) ـه (عَلَى) أصلٍ (وَاحِدٍ فِي مُعَارَضَتِـ) ـه لأنَّ إبطالَ جزءٍ مِن كلامِه يُبْطِلُ كلامَه كُلَّه، (وَ) يَجُوزُ للمُستدلِّ اقتصارُه على أصلٍ واحدٍ في (جَوَابِـ) ـه مِن غيرِ تعرُّضٍ لبقيَّةِ الأصولِ فيه لحصولِ المقصودِ بذلك.
стр. 729
(فَوَائِدُ)
تَدُلُّ على معاني ألفاظٍ متداولةٍ بينَ الجَدَلِيِّينَ لا بأسَ بذِكْرِها:
أحدُها: (الفَرْضُ) وذِكْرُها هنا مُخالِفٌ لِما ذَكَرَه صاحبُ الأصلِ، فإِنَّه ذَكَرَها فيما سَبَقَ آخِرَ عدمِ التَّأثيرِ لمُناسبةِ قولِه فيه: ويَجُوزُ الفرضُ في بعضِ صورِ المسألةِ، والتَّقديرُ مقارنٌ له، ومَحَلُّ النِّزاعِ كالمُقارنِ، لكنْ لَمَّا زادَ المُصنِّفُ فائدةً رابعةً، وهي تعريفُ الإلغاءِ نَاسَبَ ذِكْرَها هنا.
إذا عَرَفْتَ ذلك فالفَرْضُ: (أَنْ يَسْأَلَ عَامًّا فَيُجِيبَ خَاصًّا، أَوْ يُفْتِيَ عَامًّا وَيَدُلَّ خَاصًّا).
(وَ) الفائدةُ الثَّانيةُ: (التَّقْدِيرُ) وهو (إِعْطَاءُ المَوْجُودِ حُكْمَ المَعْدُومِ، وَ) المعدومِ حُكْمَ الموجودِ (عَكْسُهُ).
مثالُ الأوَّلِ: الماءُ للمريضِ الَّذِي يَخافُ على نَفْسِه باستعمالِه، فيَتَيَمَّمُ ويَتْرُكُه معَ وجودِه حسًّا.
ومثالُ الثَّاني: المقتولُ (١) تُورَثُ عنه الدِّيَةُ، وإنَّما تَجِبُ بمَوْتِه، ولا تُورَثُ عنه إلَّا إذا دَخَلَتْ في مِلْكِه، فيُقَدَّرُ دُخُولُها قبلَ موتِه. والتَّقديرُ مقارنُ الفرضِ، فيُقالُ يُقَدَّرُ الفرضُ في كذا، والفرضُ مُقَدَّرٌ في كذا.
(وَ) الفائدةُ الثَّالثةُ: (مَحَلُّ النِّزَاعِ) وهو (الحُكْمُ المُفْتَى بِهِ فِي المَسْأَلَةِ المُخْتَلَفِ فِيهَا) أي: المتكلِّمُ فيه مِن الجانبينِ بينَ الخصمينِ، وهذا أيضًا كالمقارنِ للفرضِ والتَّقديرِ.
(وَ) الفائدةُ الرَّابعةُ: (الإِلْغَاءُ) وَهُوَ (إِثْبَاتُ الحُكْمِ بِدُونِ الوَصْفِ
стр. 730
المُعَارَضِ بِهِ) وذلك كلُّه واضحٌ، ولكنْ لَمَّا كانَ له بعضُ تعلُّقٍ بهذا الموضعِ ذَكَرَه هنا، واللهُ أعلمُ.
القادحُ السَّادِسَ عَشَرَ: (التَّركِيبُ) أي: سؤالُ التَّركيبِ، وهو الواردُ على القِيَاسِ المُرَكَّبِ مِن مذهبَيِ المُستدلِّ والمُعتَرضِ المتقدِّمِ في شروطِ حُكمِ الأصلِ، (كَـ) قولِ المُستدلِّ فِي المرأةِ (البَالِغَةِ: أُنْثَى، فَلَا تُزَوِّجُ نَفْسَهَا) بِغَيْرِ وَلِيٍّ (كَبِنْتِ خَمْسَ عَشْرَةَ) سَنَةً، (فَالخَصْمُ) وهو الحنفيُّ (يَعْتَقِدُ) منعَ تزويجِها (لِصِغَرِهَا) لا لأُنُوثِيَّتِها، فاختلَفَتِ العِلَّةُ في الأصلِ، وإنَّما اتَّفَقَ صِحَّةُ هذا القِيَاسِ؛ لاجتماعِ عِلَّةِ الخصمينِ فيه، فيَتَرَكَّبُ (١) منهما. وتحقيقُ التَّركيبِ هاهنا هو أنْ يَتَّفِقَ الخصمانِ على حُكمِ الأصلِ، ويَختلفانِ في عِلَّتِه، فإذا أَلْحَقَ أحدُهما بذلك الأصلِ فرعًا بغيرِ عِلَّةِ صاحبِه، فالقِيَاسُ (صَحِيحٌ) لكنْ بناءً على تركيبِ حُكْمِ الأصلِ مِن عِلَّتَينِ.
مِثالُه في هذه الصُّورةِ: أنَّ أحمدَ والشَّافعيَّ رَحِمَهما اللهُ تَعَالَى يَعتقدانِ أنَّ بنتَ [خَمْسَ عَشْرَةَ] (٢) سَنَةً لا تُزَوِّجُ نَفْسَها لأُنوثَتِها، وأبو حنيفةَ يَعتقِدُ لصِغَرِها؛ إذِ الجاريةُ إِنَّمَا تَبْلُغُ عندَه لتسعَ عَشْرَةَ، أو لثمانِ عَشْرَةَ كالغلامِ، فالعِلَّتَانِ موجودةٌ فيها، والحُكمُ مُتَّفَقٌ عليه بناءً على ذلك، فإذا قالَ الحنبليُّ في البالغةِ: أُنثى، فلا تُزَوِّجُ نَفْسَها كبنتِ خَمْسَ عَشْرَةَ، انتظمَ القِيَاسُ بناءً على تركيبِ حُكْمِ الأصلِ بينَ الخصمينِ مِن العِلَّتَينِ وإسنادِ كلٍّ مِنهما إلى عِلَّتِه، ولهذا جازَ لأحدِهما منعُ صِحَّةِ القِيَاسِ لاختلافِ (٣) العِلَّةِ في الفرعِ والأصلِ، مثلُ أنْ يَقُولَ الحنفيُّ هاهنا للمُستدلِّ:
أنْتَ عَلَّلْتَ المنعَ في البالغةِ
стр. 731
بالأنوثةِ، والمنعُ في بنتِ خَمْسَ عَشْرَةَ عندي مُعَلَّلٌ بالصِّغَرِ، فما اتَّفَقَتْ عِلَّةُ الأصلِ والفرعُ فلا يَصِحُّ الإلحاقُ، وفي صِحَّةِ التَّمسُّكِ به خلافٌ، والأصحُّ الإثباتُ؛ لأنَّ حاصلَ سؤالِ التَّركيبِ يَرجِعُ إلى النِّزاعِ في الأصلِ؛ لأنَّ النِّزاعَ في عِلَّتِه كالنِّزاعِ في حُكمِه، والقِيَاسُ يَجوزُ على أصلٍ مختلفٍ فيه، فإذا مَنَعَه المُعترضُ أَثْبَتَه المُستدِلُّ بطريقِه وصَحَّ قياسُه، فها هنا كذلك يُثبِتُ المستدلُّ أنَّ العِلَّةَ في بنتِ خَمْسَ عَشْرَةَ هي الأنوثةُ، ويُحَقِّقُها في الفرعِ، وهي البالغةُ، ويُبْطِلُ مَأخذَ الخصمِ وهو تعليلُه في بنتِ خمسَ عَشْرَةَ بالصِّغرِ، وقد ثَبَتَ مُدَّعَاه وصَحَّ قِياسُه، وهو أنَّ البالغةَ أُنثى فلا تُزَوِّجُ نَفْسَها كبنتِ خمسَ عَشْرَةَ.
القادحُ السَّابِعَ عَشَرَ: (التَّعْدِيَةُ) وهي: (مُعَارَضَةُ وَصْفِ المُسْتَدِلِّ بِوَصْفٍ آخَرَ مُتَعَدٍّ، كَـ) قولِه (فِي بِكْرٍ بَالِغٍ): هي (بِكْرٌ، فأُجْبِرَتْ كَبِكْرٍ صَغِيرَةٍ. فَيُعْتَرَضُ: بِتَعَدِّي الصِّغَرِ) أي: يَقُولُ المعترضُ: هذا مُعارَضٌ بالصِّغَرِ وما ذَكَرْتُه وإنْ تَعَدَّى به الحُكمُ إلى البِكرِ البالغةِ فما ذَكَرْتُه قد تَعَدَّى به الحُكمُ (إِلَى ثَيِّبٍ صَغِيرَةٍ، و) هذا التَّمثيلُ (يَرْجِعُ إِلَى المُعَارَضَةِ فِي الأَصْلِ) بِوَصْفٍ آخَرَ وهو البَكارةُ بالصِّغَرِ معَ زيادةِ تَعرُّضِ التَّساوي في التَّعْدِيَةِ (وَ) على هذا (لَا أَثَرَ لِزِيَادَةِ التَّسويَةِ فِي التَّعْدِيَةِ).
القادحُ الثَّامِنَ عَشَرَ: (مَنْعُ وُجُودِ وَصْفِ المُسْتَدِلِّ) المعلَّلِ به (فِي الفَرْعِ، كـ) أنْ يَقُولَ المُستدلُّ (فِي أَمَانِ عَبْدٍ): هو (أَمَانٌ صَدَرَ مِنْ أَهْلِهِ كَـ) العبدِ (المَأْذُونِ) له في القتالِ (فَيَمْنَعُ) المُعتَرضُ (الأَهْلِيَّةَ (١) بأنْ يَقُولَ: لا نُسَلِّمُ أنَّ العبدَ أهلٌ للأمانِ (فَيُجِيبُهُ بـ) بيانِ (وُجُودِ مَا عَنَاهُ لِأَهْلِيَّتِهِ (٢) فِي الفَرْعِ) ثمَّ
стр. 732
ببيانِ وجودِ ما عَنَاه بحسٍّ أو عقلٍ أو شرعٍ (كَـ) ما تَقَدَّمَ فِي (جَوَابِ مَنْعِهِ) أي: منعِ وجودِ الأصلِ المُدَّعَى عِلَّةً (فِي الأَصْلِ) فيَقُولُ: أُريدُ بالأهليَّةِ كَوْنَه مَظِنَّةً لرعايةِ مصلحةِ الأمانِ، وهو بإسلامِه وبلوغِه كذلك عقلًا.
(وَيُمْنَعُ المُعْتَرِضُ مِنْ تَقْرِيرِ نَفْيِ الوَصْفِ عَنِ الفَرْعِ) بمَعنى لو تَعَرَّضَ لتقريرِ مَعنى الأهليَّةِ بيانًا لعدمِه لم يُمَكَّنْ مِنه على الصَّحيحِ؛ لأنَّ تفسيرَها وظيفةُ مَن تَلَفَّظَ بِها؛ لأنَّه العالِمُ بمرادِه وإثباتُها وظيفةُ مَنِ ادَّعَاها، فيَتَوَلَّى تعيينَ ما ادَّعَاه كلُّ ذلك لئلَّا يَنتشرَ الجدلُ.
القادحُ التَّاسِعَ عَشَرَ: (المُعَارَضَةُ فِي الفَرْعِ) وهي (بِمَا يَقْتَضِي نَقِيضَ حُكْمِ المُسْتَدِلِّ بِأَحَدِ طُرُقِ) إثباتِ (العِلَّةِ) وعبَّر الطُّوفِيُّ (١) بقولِه: بذِكرِ ما يَمتنعُ مَعَه ثبوتُ الحكمِ فيه، إمَّا بالمعارضةِ بدليلٍ آكَدَ مِن نصٍّ أو إجماعٍ، وإمَّا بإبداءِ وصفٍ في الفرعِ مانعٍ للحُكمِ فيه، أو للسَّببيَّةِ أي المُعارضةِ في الفرعِ تَكُونُ بأمرَينِ:
أحدُهما: ذِكْرُ دليلٍ آكَدَ مِن قياسِ المستدلِّ مِن نصٍّ أو إجماعٍ يَدُلُّ على خلافِ ما دَلَّ عليه قياسُه فيَتَبَيَّنُ أنَّ ما ذَكَرَه المُستدلُّ فاسدُ الاعتبارِ لمخالفتِه النَّصَّ أو الإجماعَ.
مثالُه: لو قالَ الحنفيُّ في رفعِ اليدينِ في الرُّكوعِ والرَّفعِ منه: رُكنٌ مِن أركانِ الصَّلَاةِ فلا يُشرَعُ فيه رفعُ اليدينِ كالسُّجودِ، فيَقولُ له الخصمُ: هذا على خلافِ الحديثِ الصَّحيحِ مِن روايةِ ابنِ عمرَ ﵄ وغيرِه أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يَرفَعُ يَديْه في ثلاثةِ مواطنَ: عندَ الإحرامِ، والرُّكوعِ، والرَّفع
стр. 733
ِ منه (١)، أو يَقولُ: نُقِلَ عنِ ابنِ عمرَ ﵄ في جماعةٍ مِن الصَّحابةِ ﵃ أنَّهم كانوا يَرفعون أيديَهم ولم يُنكِرْه مُنكرٌ، فيَكُونُ إجماعًا سُكوتيًّا، وقياسُك فاسدُ الاعتبارِ لمخالفتِه النَّصَّ أو الإجماعَ.
الأمرُ الثَّاني: أنْ يُبدِيَ المُعتَرضُ في فرعِ قياسِ المُستدلِّ وصفًا يَمنَعُ ثبوتَ الحكمِ فيه أو يمنعُ كونَ وصفِ المُستدلِّ سببًا لثبوتِ الحكمِ، مثالُ مَنعِ الحكمِ: أنْ يَقُولَ المستدلُّ في المثالِ المذكورِ: ركنٌ فلا يُشرَعُ فيه رفعُ اليدِ كالسُّجودِ، فيَقولُ المُعتَرضُ: ركنٌ فيُشرَعُ فيه رفعُ اليدينِ كالإحرامِ، فقد مَنَعَ الحُكمَ وهو عدمُ (٢) مشروعيَّةِ رفعِ اليدينِ وقاسَه على أصلٍ آخَرَ وهو حقيقةُ القلبِ، وهو نوعُ معارضةٍ.
ومثالُ مَنعِ السَّببيَّةِ: أن يَقُولَ الحنبليُّ في المُرتدَّةِ: بَدَّلَتْ دينَها فتُقتلُ كالرَّجُلِ، فيَقولَ الحنفيُّ: أُنثى فلا تُقتَلُ بكفرِها كالكافرةِ الأصليَّةِ، فيُبَيِّنَ أنَّ تبديلَ الدِّينِ لَيْسَ سببًا لقتلِ المرأةِ (٣).
تنبيهٌ: المعنى بالمُعارضةِ إذا أُطلِقَتْ أن يَقُولَ المُعتَرضُ للمُستدلِّ: ما ذَكَرْتَه مِن الوصفِ، فإنِ اقتضى ثبوتَ الحكمِ في الفرعِ فعندي وصفٌ آخَرُ يَقتضي نقيضَه فيَتَوَقَّفُ دليلُك ولا بُدَّ مِن بنائِه على أصلٍ جامعٍ يُثبِتُ عِلِّيَّتَه، وله الاستدلالُ في إثباتِ عِلِّيَّتِه بأيِّ مسلكٍ مِن مسالكِ العِلَّةِ شاءَ على نحوِ طُرقِ إثباتِ المُستدلِّ للعِلِّيَّةِ، فينقلبُ المُعتَرضُ مستدلًّا على إثباتِ المعارضةِ والمُستدلُّ مُعتَرضًا عليها بما أمكنَ مِن الأسئلةِ فتنقلبُ الوظيفتانِ.
стр. 734
قالَ الطُّوفِيُّ (١): وذلك لأنَّ المُعارضةَ هي المُقَابَلَةُ على جِهَةٍ (٢) والممانعانِ كلُّ واحدٍ مِنهما (٣) مانعٌ لمقصودِ خصمِه مُثبِتٌ لمقصودِه هو، فإذًا للمُعارضةُ جهتانِ:
إحداهما: جهةُ منعِ مقصودِ المُستدلِّ فيَحتاجُ المُعتَرضُ فيها إلى تقديرِ ذلك المنعِ بالدَّليلِ، مثلُ أن يَستدلَّ الحنبليُّ على عدمِ كراهةِ سؤرِ الهرَّةِ بأنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يُصغي لها الإناءَ فتشربُ، فيَقُولُ الحنفيُّ: ما ذَكَرْتَ من الدَّليلِ وإنْ دَلَّ غيرَ أنَّ عندي مانعًا يُعارِضُه ويَدُلُّ على كراهةِ سُؤرِ الهِرَّةِ وهو قولُه ﵇: «الهِرَّةُ سَبُعٌ» (٤)، فعَمِلْتُ بحديثِ الإصغاءِ في الطَّهارةِ، وبهذا الحديثِ في الكراهةِ جمعًا بينَ الحديثينِ في العملِ، فهو أَوْلَى مِن إلغاءِ أحدِهما.
الجهةُ الثَّانيةُ للمُعارضةِ: إثباتُ مطلوبِ المُعْتَرِضِ كما ذُكِرَ مِن إثباتِ كراهةِ سُؤرِ الهِرَّةِ فهو من الجهةِ الأُولى مانعٌ ومِن هذه الجهةِ مستدلٌّ، فبالضَّرورةِ يَحتاجُ المُستدلُّ إلى أن يَنقلبَ مُعترضًا على استدلالِ المعترضِ ليَسْلَمَ له دليلُه، فيعتَرضُ عليه بما أَمْكَنَ مِن الأسئلةِ الواردةِ على النَّصِّ أو القِيَاسِ، فيَقُولُ هاهنا: لا نُسَلِّمُ صِحَّةَ الحديثِ المذكورِ، سَلَّمْناه، لكنَّ السَّبُعِيَّةَ فيه ليسَتْ حقيقةً بل مجازًا شَبَهِيًّا صُورِيًّا، كما يُقالُ للطَّويلِ: «نخلةٌ» لاشتباهِهما في الطُّولِ، سَلَّمْناه، لكنَّ حديثَنا أصحُّ وأثبتُ، فيُرَجَّحُ، وأشباهُ ذلك مِن الأسئلةِ على النَّصِّ.
стр. 735
وإنْ كانَتِ المُعارضةُ قياسًا اعتَرضَ المُستدلُّ عليه بأسئلةِ القِيَاسِ المذكورةِ للاستفسارِ وفسادِ الاعتبارِ والوضعِ ونحوِه مِن الأسئلةِ.
و (يُقْبَلُ) سؤالُ المُعارضةِ على الصَّحيحِ؛ لئلَّا تختلَّ فائدةُ المناظرةِ، وهو ثبوتُ الحُكمِ؛ لأنَّه لا يَتَحَقَّقُ بمجرَّدِ الدَّليلِ ما لم يُعلمْ عدمُ المعارضِ.
(وَجَوَابُهُ) أي: جوابُ المُستدلِّ عن سؤالِ المُعارضةِ (بِمَا يَعْتَرِضُ بِهِ المُعْتَرِضُ) أي: بما مَرَّ مِن الاعتراضاتِ مِن قِبَلِ المُعتَرضِ على المُستدلِّ (ابْتِدَاءً) والجوابُ هو الجوابُ لا فرقَ.
قالَ في «شرح الأصل»: وقد يُجابُ بالتَّرجيحِ بوجهٍ مِن وجوهِه الَّتي نَذكُرُها في بابِ التَّراجيحِ (١).
(وَيُقْبَلُ تَرْجِيحٌ) مِن أحدِهما (بِوَجْهٍ مَا) أي: بوجهِ ترجيحٍ مِن التَّراجيحِ على الصَّحيحِ؛ لأنَّه إذا تَرَجَّحَ قياسُ أحدِهما (فَيَتَعَيَّنُ العَمَلُ بِهِ) للإجماعِ على وجوبِ العملِ بالرَّاجحِ (وَ) ذلك (هُوَ المَقْصُوُدُ، وَ) على الصَّحيحِ (لَا يَلْزَمُ المُسْتَدِلَّ الإِيمَاءُ إِلَيْهِ) أي: التَّرجيحِ (فِي) مَتْنِ (دَلِيلِهِ) أي: المستدلِّ بأنْ يَقُولَ في أمانِ العبدِ: أمانٌ مِن مسلمٍ عاقلٍ موافقٍ للبَراءةِ الأصليَّةِ، وذلك لأنَّ التَّرجيحَ على ما يُعارِضُه خارجٌ عن الدَّليلِ وتوقُّفُ العملِ على التَّرجيحِ لَيْسَ جزءًا للدَّليلِ بل شرطٌ له إذا حَصَلَ المُعارضُ، واحتيجَ إلى دفعِه فهو مِن توابِعِ وُرودِ المُعارضةِ لدَفعِه فلا يَجِبُ ذِكْرُه مِن الدَّليلِ.
القادحُ العشرونَ: (الفَرْقُ) وهو إبداءُ المعترضِ مَعنًى يَحصُلُ به الفرقُ بينَ الأصلِ والفرعِ حَتَّى لا يَلْحَقَ به في حُكمِه، فهو (رَاجِعٌ إِلَى المُعَارَضَةِ
стр. 736
فِي أَصْلٍ أَوْ فَرْعٍ)؛ لِأَنَّهُ جَعلُ أمرٍ مخصوصٍ بالأصلِ عِلَّةً أو بالفرعِ مانعًا، فالأوَّلُ أن يَجعَلَ المُعتَرضُ تَعَيُّنَ صورةِ الأصلِ المقيسِ عليها هو العِلَّةَ في الحُكمِ كقولِ حنفيٍّ في التَّبييتِ: صومُ عينٍ، فيَتَأَدَّى بالنِّيَّةِ قبلَ الزَّوالِ كالنَّفلِ. فيُقالُ: صومُ نفلٍ فيَنبَنِي على السُّهولةِ، فجازَ بنِيَّةٍ مُتأخِّرَةٍ، بخلافِ الفرضِ.
وبالجملةِ: فهذا القسمُ راجعٌ إلى معارضةٍ في الأصلِ؛ أي: معارضةِ عِلَّةِ المستدلِّ فيه لعِلَّةٍ أُخرى.
والثَّاني: أنْ يَجعَلَ تَعيُّنَ الفرعِ مانعًا مِن ثبوتِ حُكمِ الأصلِ فيه، كقولِهم: يُقادُ المسلمُ بالذِّمِّيِّ قياسًا على غيرِ المسلمِ بجامعِ القتلِ العمدِ العدوانِ، فيَقولُ المُعتَرضُ: تَعَيُّنُ الفرعِ وهو الإسلامُ مانعٌ مِن وجوبِ القصاصِ عليه والفارقُ قادحٌ في الأصلِ؛ لأنَّه على أيِّ وجهٍ وَرَدَ يُوهِنُ غَرَضَ المُستدلِّ مِن الجمعِ، ويُبطِلُ مقصودَه.
(وَيَحْتَاجُ) الفرقُ (القادحُ فِي الجَمْعِ) بينَ الأصلِ والفرعِ (إِلَى: دَلَالَةٍ وَأَصْلٍ، كَالجَمْعِ) بينَهما، وإلَّا فدَعوى بلا دليلٍ، ومفهومُه أنَّ الفرقَ يَكُونُ قادحًا وغيرَ قادحٍ، ولهذا بَنَى بعضُهم قبولَ القسمِ الأوَّلِ على منعِ التَّعليلِ بعِلَّتَينِ، والثَّاني على جَعلِ النَّقضِ معَ المانعِ قادحًا.
(وَإِنْ أَحَبَّ) المُعتَرضُ (إِسْقَاطَهُ) أي: الفرقِ (عَنْهُ) أي: عن المستدلِّ (طَالَبَ المُسْتَدِلَّ بِصِحَّةِ الجَمْعِ).
مثالُه: الصَّبيُّ غيرُ مُكَلَّفٍ، فلا يُزَكِّي كمن لم تَبْلُغْه الدَّعوى، فيُنتقَضُ بعُشرِ زرعِه والفطرةِ، فسؤالٌ صحيحٌ بخلافِ التَّفرقةِ بالفسقِ بينَ النَّبيذِ والخمرِ؛ لأنَّه لَيْسَ مِن حُكمِ العِلَّة، ثمَّ يَجُوزُ جَلْبُها للتَّحريمِ فقطْ؛ لأنَّه أعمُّ.
стр. 737
القادحُ الحادي والعشرونَ: (اخْتِلَافُ الضَّابِطِ) [في الأصلِ والفرعِ] (١)، بأنْ يَقُولَ المُعتَرضُ للمستدلِّ: (فِي) قياسِك اختلافُ الضَّابطِ بينَ (الأَصْلِ وَالفَرْعِ) فلَيْسَ ضابطُ الأصلِ فيه هو ضابطَ الفرعِ، فلا وثوقَ بما ادَّعَيتَ جامعًا بينَهما (كـ) قَوْلِنا في شهادةِ الزُّورِ بالقتلِ: (تَسَبَّبُوا بِالشَّهَادَةِ) إلى القتلِ عمدًا، فعليهم القَوَدُ (فَقِيدُوا؛ كَمُكْرَهٍ) على القتلِ، (فَيُقَالُ: ضَابِطُ الفَرْعِ: الشَّهَادَةُ، وَ) ضابطُ (الأَصْلِ: الإِكْرَاهُ، فَلَمْ يَتَحَقَّقْ تَسَاوٍ) بينَهما، وحاصلُ هذا السُّؤالِ يَرجِعُ إلى منعِ وجودِ الأصلِ في الفرعِ.
(وَجَوَابُهُ) أي: جوابُ هذا القدحِ مِن المُستدلِّ (بَيَانُ أَنَّ الجَامِعَ) بينَ الأصلِ والفرعِ (التَّسَبُّبُ المُشْتَرَكُ بَيْنَهُمَا) وهو الإكراهُ والشَّهادةُ على القتلِ، (وَهُوَ) أي: التَّسبُّبُ المُشتَركُ بينَهما (مَضْبُوطٌ عُرْفًا، أَوْ) يُجيبُ المُستدلُّ (بِأَنَّ إِفْضَاءَهُ فِي الفَرْعِ مِثْلُهُ) [في الأصلِ] (٢) أي: بأنَّ إفضاءَ ضابطِ الفرعِ إلى المقصودِ مثلُ إفضاءِ ضابطِ الأصلِ (أَوْ أَرْجَحُ) منه، كما لو كانَ أصلُ الفرعِ المُغري للحيوانِ بجامعِ التَّسبُّبِ، فإنَّ انبعاثَ الوليِّ على القتلِ بسببِ الشَّهادةِ للتَّشَفِّي أكثرُ من انبعاثِ الحيوانِ بالإغراءِ لنفرتِه مِن الإنسانِ وعدمِ عِلمِه بجوازِ القتلِ وعدمِه، فاختلافُ أصلِ المُتسبِّبِ لا يَضُرُّ، فإِنَّه اختلافُ أصلٍ وفرعٍ ولا يُفيدُ قولُ المُستدلِّ في جوابِه: التَّفاوتُ في الضَّابطِ مُلْغًى لحفظِ النَّفسِ كما أُلغِيَ التَّفاوُتُ بينَ قطعِ الأُنملةِ وقطعِ الرَّقَبَةِ في قَوَدِ النَّفسِ؛ لأنَّ إلغاءَ التَّفاوُتِ في صورةٍ لا تُوجِبُ عمومَه كإلغاءِ الشَّرفِ وغيرِه دونَ الإسلامِ
والحرِّيَّةِ.
стр. 738
(ومِنْهُ) أي: من صورِ القدحِ باختلافِ الضَّابطِ: اختلافُ جنسِ المصلحةِ (كَـ) قولِ المُستدلِّ لوجوبِ الحدِّ على اللَّائِطِ: (أَوْلَجَ فَرْجًا فِي فَرْجٍ مُشْتَهًى طَبْعًا مُحَرَّمٍ شَرْعًا، فَحُدَّ كَزَانٍ. فَيُقَالُ) أي: فيَقُولُ المُعتَرضُ: (حِكْمَةُ الفَرْعِ: الصِّيَانَةُ عَنْ رَذِيلَةِ اللِّوَاطِ، وَ) حكمةُ (الأَصْلِ دَفْعُ مَحْذُورِ اشْتِبَاهِ الأَنْسَابِ، وَقَدْ يَتَفَاوَتَانِ) أي: قد يَتَفَاوَتُ حُكمُ الفرعِ وحُكمُ الأصلِ (فِي نَظَرِ الشَّرْعِ، وَحَاصِلُهُ: مُعَارَضَتُـ) ـه (فِي الأَصْلِ).
تنبيهٌ: لم يَذكُرْ ما ذَكَرَه ابنُ مُفلحٍ وغيرُه اختلافَ جنسِ المصلحةِ اكتفاءً باختلافِ الضَّابطِ؛ لأنَّ تَعدُّدَ اختلافِ الضَّابطِ في الأصلِ والفرعِ تارةً يَكُونُ معَ اتِّحادِ المصلحةِ، وتارةً يَكُونُ معَ اختلافِها، فإذا قَدَحَ معَ الاتِّحادِ فلأنْ يَقْدَحَ معَ اختلافِ الجنسِ في التَّأثيرِ أَوْلَى، فإِنَّه يُحَصِّلُ جهتينِ في التَّفاوُتِ: جهةً في كمِّيَّةِ المصلحةِ ومقدارِها، وجهةً في إفضاءِ ضابطِها إليها، فالتَّساوي يَكُونُ أبعدَ.
(وَجَوَابُهُ) أي: جوابُ قادحِ اختلافِ جنسِ المصلحةِ (بِحَذْفِهِ عَنِ الِاعْتِبَارِ) أي: إلقاءِ عدمِ اعتبارِه شرعًا كالطُّولِ، وسَبَقَ في السَّبْرِ.
القادحُ الثَّاني والعشرونَ: (مُخَالَفَةُ حُكْمِ الفَرْعِ لِحُكْمِ الأَصْلِ) لأنَّ القِيَاسَ تعديةُ حُكمِ الأصلِ إليه بالجامعِ. يَقُولُ المُعتَرضُ: الحُكمُ في الفرعِ مخالفٌ للحكمِ في الأصلِ حقيقةً، وإنْ ساواه بدليلِك صورةً والمطلوبُ مساواتُه له حقيقةً فما هو مطلوبُك غيرَ ما أفادَه دليلُك إذا نُصِبَ في غيرِ مَحَلِّ النِّزاعِ كانَ فاسدًا؛ لأنَّ المقصودَ منه إثباتُ مَحَلِّ النِّزاعِ.
مثالُه: أنْ يُقاسَ النِّكاحُ على البيعِ، أو البيعُ على النِّكاحِ في عدمِ الصِّحَّةِ لجامعٍ في صورةٍ، فيَقُولُ المُعتَرضُ: الحُكمُ مُختلفٌ، فإنَّ عدمَ الصِّحَّةِ [في البيعِ] (١) حرمةُ الانتفاعِ، وفي النِّكاحِ حُرمةُ المباشرةِ.
стр. 739
(وَجَوَابُهُ) أي: جوابُ المستدلِّ (بِبَيَانِ اتِّحَادِ الحُكْمِ:
- عَيْنًا) أي: إنَّ البطلانَ شيءٌ واحدٌ، وهو عدمُ تَرتُّبِ المقصودِ مِن العقدِ عليه (كَصِحَّةِ البَيْعِ عَلَى النِّكَاحِ، وَالِاخْتِلَافُ عَائِدٌ إِلَى المَحَلِّ) بكونِه بيعًا ونكاحًا، وهو لا يُوجِبُ اختلافَ ما حَلَّ فيه.
(وَاخْتِلَافُهُ شَرْطٌ فِيهِ) أي: اختلافُ المحلِّ شرطٌ في القِيَاسِ ضرورةً، فكيف يُجعَلُ شرطُه مانعًا عنه فيَلزَمُ امتناعُه أبدًا.
- (أَوْ جِنْسًا) معطوفًا على قولِه: «عينًا» (كَقَطْعِ الأَيْدِي بِاليَدِ كَـ) قَتْلِ (الأَنْفُسِ بِالنَّفْسِ) أي: بقياسِ (١) قطعِ الأيدي باليدِ الواحدةِ على قتلِ الأنفُسِ بالنَّفسِ الواحدةِ بعدَ تسليمِ عِلَّةِ الأصلِ في الفرعِ.
(وَتُعْتَبَرُ مُمَاثَلَةُ التَّعْدِيَةِ) بينَ الأصلِ والفرعِ، ذَكَرَه المُوَفَّقُ وغيرُه، ومَثَّلَه القاضي (٢) بقولِ الحنفيَّةِ في ضمِّ الذَّهبِ إلى الفِضَّةِ في الزَّكاةِ كصِحاحٍ ومُكَسَّرَةٍ، فالضَّمُّ في الأصلِ بالأجزاءِ وفي الفرعِ بالقيمةِ عندَهم.
(وَإِنِ اخْتَلَفَ) الحُكْمُ (جِنْسًا وَنَوْعًا كَـ) قياسِ (وُجُوبٍ عَلَى تَحْرِيمٍ، وَ) كقياسِ (نَفْيٍ عَلَى إِثْبَاتٍ) أو بالعكسِ (فَـ) قياسٌ (بَاطِلٌ) وذلك لأنَّ الحُكمَ إِنَّمَا شُرِعَ لإفضائِه إلى مقصودِ العبدِ واختلافُه مُوجِبٌ للمخالفةِ بينَهما في الإفضاءِ إلى الحكمِ، فإنْ كانَ بزيادةٍ في إفضاءِ حُكمِ الأصلِ إليها لم يَلْزَمْ مِن شرعِه شرعُ الحُكمِ في الفرعِ؛ لأنَّ زيادةَ الإفضاءِ مقصودةٌ، ويَمتنعُ كونُ حُكمِ الفرعِ أَفْضى إلى المقصودِ، وإلَّا كانَ تنصيصُ الشَّارِعِ عليه أَوْلى.
стр. 740
القادحُ الثَّالثُ والعشرونَ: (القَلْبُ) وهو (تَعْلِيقُ نَقِيضِ الحُكْمِ أَوْ لَازِمِهِ عَلَى العِلَّةِ؛ إِلْحَاقًا بِالأَصْلِ) مَعنى القلبِ: أنَّ المعترضَ يَقلِبُ دليلَ المستدلِّ أو يُبَيِّنُ أنَّه يَدُلُّ عليه لا له، أو يَدُلُّ عليه وله مِن وجهينِ، (فَهُوَ نَوْعُ مُعَارَضَةٍ) عندَ أصحابِنا وأكثرِ العلماءِ، بل أَوْلَى بالقبولِ؛ لأنَّه اشتَركَ في الأصلِ والجامعِ، وإنْ نَشَأَ مِن نفسِ دليلِ المستدلِّ، لكنْ لَمَّا التزمَ في دليلِه وجودَ الوصفِ لم يَمنَعْه، فالقلبُ لا يَحتاجُ إلى أصلٍ ولا إلى إثباتِ الوصفِ، فكلُّ قلبٍ معارضةٌ، وليسَ كلُّ معارضةٍ قلبًا، وإذا ثَبَتَ أنَّه معارضةٌ، فجوابُه جوابُ المعارضةِ على ما ذُكِرَ فيها، مِثلُ أن يَقُولَ في مسألةِ مَسحِ الرَّأسِ: لا نُسَلِّمُ أنَّ الخفَّ لا يَتَقَدَّرُ بالرُّبعِ، فيمنَعُ حُكمَ الأصلِ في قلبِ المعترضِ إلَّا منعَ الوصفِ، فإِنَّه يَجوزُ في المعارضةِ دونَ القلبِ مثلُ أنْ يَقُولَ: لا نُسَلِّمُ أنَّ الاعتكافَ والوقوفَ لُبْثٌ محضٌ، أو لا نُسَلِّمُ أنَّ مسحَ الرَّأسِ والخفِّ مسحٌ، أو لا نُسَلِّمُ أنَّ البيعَ والنِّكاحَ عقدُ معاوضةٍ، والفرقُ بينَ المعارضةِ والقلبُ في ذلك أنَّ المُستدلَّ في المُعارضةِ لم يُعَلِّلْ بوصفِ المعترضِ، ولا التَزَمَه واعتمدَ عليه في قياسِه، فجازَ له مَنعُه بخلافِ القلبِ، فإنَّ المُستدلَّ التزمَ في قياسِه صِحَّةَ ما عَلَّلَ به المُعتَرضُ، وهو اللُّبْثُ والمسحُ وعقدُ المعاوضةِ، فلَيْسَ له في جوابِ القلبِ منعُه؛ لأنَّه هدمٌ لِما بَنَى، ورجوعٌ عمَّا التَزَمَه واعتَرفَ بصِحَّتِه فلا يُقبَلُ منه.
(ثُمَّ) تارةً يَكُونُ المقصودُ (مِنْهُ) أي: مِن قلبِ الدَّليلِ تصحيحَ مذهبِ نفسِ المُعتَرضِ وإبطالَ مذهبِ نفسِ المُستدلِّ، وذلك إمَّا أنْ يَكُونَ صريحًا أو غيرَه، وتارةً يَتَعَرَّضُ فيه لبطلانِ مذهبِ خصمِه دونَ تصحيحِ مذهبِ نَفسِه، وذلك إمَّا أنْ يَكُونَ صريحًا أو لزومًا، فالأوَّلُ الَّذِي هو (قَلْبٌ