ظنِّ الاعتبارِ، وذلك خمسةُ أنواعٍ، وهي المقاصدُ الَّذِي اتَّفَقَ أهلُ المللِ في حِفْظِها وهي:
- (حِفْظُ: الدِّينِ) وهو بقتالِ الكفَّارِ، قال اللهُ تَعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ (١) الآيةَ،
- (فَـ) حفظُ (النَّفْسِ) وهو بمشروعيَّةِ القصاصِ، قال اللهُ تَعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ (٢)،
- (فَـ) حفظُ (العَقْلِ) وهو بتحريمِ المُسكِراتِ ونَحوِها، قال اللهُ تَعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ (٣)،
- (فَـ) حفظُ (النَّسْلِ) وهو بوجوبِ حدِّ الزَّاني، وقد جَلَدَ النَّبِيُّ ﷺ ورَجَمَ،
- (فَـ) حفظُ (المَالِ، وَالعِرْضِ) قال ﷺ : «إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ» (٤)، وجُعِلَ العِرضُ في رُتبَةِ المالِ تَبَعًا لِما في «جمع الجوامع» (٥) وغيرِه، حيثُ عَطَفَه بالواوِ، فيَكُونُ مِن أدنى الكُلِّيَّاتِ، لكنَّ الأعراضَ تَتفَاوَتُ، فمنها ما هو مِن الكُلِّيَّاتِ، وهو الأنسابُ، وهي أرفعُ مِن الأموالِ، فإنَّ حِفظَ النَّسَبِ بتحريمِ الزِّنا تارةً، وبتحريمِ القذفِ المُؤدِّي إلى الشَّكِّ في أنسابِ الخلْقِ ونِسْبَتِهم إلى غيرِ آبائِهم تارةً، وتحريمُ الأنسابِ مُقَدَّمٌ على الأموالِ، ولذلك عَطَفَه بالفاءِ، ومنها ما هو دُونَها، وهو ما يَكُونُ مِن الأعراضِ غيرُ الأنسابِ.
стр. 670
(وَ) ما هو مُلْحَقٌ بالضَّروريِّ (مُكَمِّلٌ لَهُ) في حُكمِه، ومَعنى كونِه مُكَمِّلًا له: أنَّه لا يَستقِلُّ ضروريًّا بنَفْسِه، بل بطريقِ الانضمامِ، فله تأثيرٌ فيه لا بنفسِه، فيَكُونُ في حُكمِ الضَّرورةِ مبالغةً في مُراعاتِه، (كَـ) المُبالغةِ فِي (حِفْظِ العَقْلِ بِالحَدِّ بـ) تحريمِ شُربِ (قَلِيلٍ مُسْكِرٍ) والمبالغةِ في حِفظِ الدِّينِ بتحريمِ البدعةِ وعقوبةِ المُبتدعِ الدَّاعي إليها، والمبالغةِ في حِفظِ النَّفسِ بإجراءِ قصاصٍ في الجِراحاتِ ونحوِ ذلك؛ لأنَّ الكثيرَ المُسكِرَ مُفسِدٌ للعقلِ، ولا يَحصُلُ إلَّا بإفسادِ كلِّ واحدٍ مِن أجزائِه فحدُّ شاربِ القليلِ؛ لأنَّ القليلَ مُتلِفٌ لجزءٍ مِن العقلِ وإنْ قَلَّ، والمبالغةِ في حِفظِ النَّسبِ بتحريمِ النَّظرِ (١) واللَّمْسِ والتَّعزيرِ عليه، وكذلك المبالغةِ في حِفظِ المالِ والعِرضِ وغيرِها بتعزيرِ الغاصبِ ونحوِه وتعزيرِ السَّابِّ بغيرِ اِلقذف، ونحوِ ذلك، وقد نَبَّهَ الشَّارِعُ على إلحاقِ ذلك بقولِه ﷺ : «كَالرَّاعِي يَرْعَى حَوْلَ الحِمَى يُوشِكُ أَنْ يَرْتَعَ فِيهِ»، ثمَّ قال: «أَلَا وَإِنَّ حِمَى اللهِ مَحَارِمُهُ» (٢).
تنبيهٌ: كَوْنُ حفظِ العقلِ ضروريًّا في كلِّ مِلَّةٍ نظرٌ؛ فإنَّ الكِتابيَّ لا يُحَدُّ على الأصحِّ لاعتقادِه إباحتَه.
(٢) (وَ) القِسمُ الثَّاني مِن الدُّنيويِّ (حَاجِيٌّ) وهو ما كانَتْ مَصلَحَتُه في مَحَلِّ الحاجةِ لا في مَحَلِّ الضَّرورةِ، ويُقالُ له: المصلحيُّ (كَبَيْعٍ، وَنَحْوِهِ) كإجارةٍ ومساقاةٍ؛ لأنَّ مالكَ الشَّيءِ قد لا يُعيرُه (٣) ولا يَهَبُه، وليسَ كلُّ أحدٍ يَعرِفُ عملَ الأشجارِ ولا التِّجارةَ، وقد يَعرِفُ ذلك، ولكنَّه مشغولٌ
стр. 671
بأهَمَّ من ذلك، فهذه الأشياءُ وما أَشْبَهَها لا يَلْزَمُ مِن فَوَاتِها فواتُ شيءٍ مِن الضَّروريَّاتِ الخمسةِ.
(وَ) على هذا (بَعْضُهَا) أي: بعضُ صورِ الحاجيِّ (أَبْلَغُ) مِنْ بَعْضٍ.
(وَقَدْ يَكُونُ) الحاجيُّ: (ضَرُورِيًّا) في بعضِ الصُّورِ (كَشِرَاءِ وَلِيِّ) طفلٍ (مَا) أي: شيئًا (١) (يَحْتَاجُهُ طِفْلٌ) مِن مطعومٍ حيثُ كانَ في مَعرِضِ التَّلَفِ مِن الجوعِ (وَنَحْوِهِ) كالإجارةِ لتَربيةِ الطِّفلِ.
(وَ) ما هو مُلحَقٌ بالحاجيِّ (مُكَمِّلٌ لَهُ، كَرِعَايَةِ كَفَاءَةٍ) في نكاحٍ، (وَ) رعايةِ (مَهْرِ مِثْلٍ فِي تَزْوِيجِ صَغِيرَةٍ)؛ لأنَّه أَفْضَى إلى دوامِ النِّكاحِ وتكميلِ مقاصدِه، وإنْ حَصَلَ أصلُ الحاجةِ بدونِ ذلك.
(٣) (وَ) القسمُ الثَّالثُ مِن الدُّنيويِّ: (تَحْسِينِيٌّ) وهو ما كانَتْ مَصلحتُه مُسْتَحسَنَةً في العاداتِ، وليسَ ضروريًّا ولا حاجيًّا، وذلك ضربانِ:
أحدُهما: ما لَيْسَ فيه منافاةٌ، أي: (غَيْرُ مُعَارِضٍ لِلْقَوَاعِدِ) أي: قواعدِ الشَّرعِ (كَتَحْرِيمِ) القاذوراتِ مِن (النَّجَاسَةِ) والبُزَاقِ؛ فإنَّ نفرةَ الطِّباعِ مَعنًى يُناسِبُ تحريمَها حَتَّى يَحرُمَ التَّضَمُّخُ بالنَّجاسةِ بلا عُذرٍ.
(وَ) كـ (سَلْبِ المَرْأَةِ عِبَارَةَ عَقْدِ النِّكَاحِ) واعتبارِ الوليِّ فيه لاستحياءِ النِّساءِ مِن مباشرةِ العقودِ على فُرُوجِهِنَّ لإشعارِه بتَوَقَانِ نُفوسِهِنَّ إلى الرِّجالِ وهو غيرُ لائقِ بالمروءةِ (٢)، (لَا) سَلْبِ (العَبْدِ أَهْلِيَّةَ الشَّهَادَةِ) أي: فلا يَتَمَشَّى ذلك (عَلَى أَصْلِنَا) فإنَّ عندَنا شهادةَ العبدِ مقبولةٌ في كلِّ شيءٍ على الأصحِّ، نعمْ، سَلْبُ الولايةِ عنه من الحاجِيِّ؛ لأنَّها تَستدعي فراغًا،
стр. 672
والرَّقيقُ مُستغرِقٌ في خدمةِ سيِّدِه، وأمَّا روايتُه وفتواه فإِنَّما جازا منه لعدمِ الضَّرَرِ بما يَتَرَتَّبُ عليها، فلذلك فارَقَا القضاءَ ونَحوَه.
(أَوْ) أي: والضَّربُ الثَّاني مِنَ التَّحسينيِّ: ما يُنافي قواعدَ الشَّرعِ أي: (مُعَارِضٌ) لها (كَالكِتَابَةِ) فإنَّها من حيثُ كونُها مَكْرُمَةً في القاعدةِ مُستحسَنَةً احتملَ الشَّرعُ فيها خَرمَ قاعدةٍ مُمهِّدةٍ وهي امتناعُ بيعِ الإنسانِ مالَ نَفْسِه بمالِ نفسِه ومعاملةِ عبدِه، ومِن ثمَّ لم تَجِبِ الكتابةُ عندَ المُعظَمِ.
(وَلَيْسَتْ هَذِهِ المَصْلَحَةُ) الدُّنيويَّةُ الواقعةُ عَقِبَ المناسبِ لرابطٍ عقليٍّ (بِحُجَّةٍ) على الصَّحيحِ، وتُسَمَّى المصلحةَ المُرسَلَةَ، واحتجَّ له بأنَّا لم نَعلَمْ محافظةَ الشَّرعِ عليها، ولذلك لم يُشْرَعْ في زَوَاجِرِها أبلغُ ممَّا شُرِعَ كالمُثْلَةِ في القصاصِ، فإنَّها أبلغُ في الزَّجرِ [عن القتلِ، وكذا القتلُ في السَّرقةِ وشربِ الخمرِ، فإِنَّه أبلغُ في الزَّجرِ] (١) عنهما، ولم يُشرَعْ شيءٌ مِن ذلك، فلو كانَتْ هذه المسألةُ حُجَّةً لحافَظَ الشَّرعُ على تحصيلِها بأبلغِ الطُّرُقِ، لكنَّه لم يُعلَمْ (٢) بفعلِ ذلك، فلا يَكُونُ حُجَّةً، فإثباتُها حُجَّةً وضعٌ للشَّرعِ بالرَّأيِ، كما يُحكَى أنَّ مَالِكًا أجازَ قَتْلَ ثُلُثِ الخلْقِ لإصلاحِ الثُّلُثَينِ، ومحافظةُ الشَّرعِ على مصلحتِهم بهذا الطَّريقِ غيرُ معلومٍ.
(وَ) الضَّربُ الثَّاني مِن «المناسِبِ»: (أُخْرَوِيٌّ، كَتَزْكِيَةِ النَّفْسِ) عنِ الرَّذائلِ (وَرِيَاضَتِهَا) وتهذيبِ الأخلاقِ، فإنَّ تأثيرَ منفعةِ ذلك في سعادةِ الآخرةِ.
(وَقَدْ يَتَعَلَّقُ) المناسبُ (بِهِمَا) أي: بالدُّنيويِّ والأُخرويِّ (كَإِيجَاِب الكَفَّارَةِ) بالمالِ، فتَعَلُّقُه بالدُّنيويِّ ما يَعودُ على الفقراءِ مِن المصلحةِ
стр. 673
بانتفاعِهم بالمالِ، [وتَعَلُّقُه بالأُخرويِّ] (١) ما يَحصُلُ للمُكَفِّرِ مِن الثَّوابِ.
(وَ) الضَّربُ الثَّالثُ مِن «المناسِبِ»: (إِقْنَاعِيٌّ) وهو ما (يَنْتَفِي ظَنُّ مُنَاسَبَتِهِ بِتَأَمُّلِهِ) وذلك بأنْ يُظنَّ في بادي الرَّأيِ أنَّه مُناسِبٌ، ثمَّ يَزولَ ذلك الظَّنُّ بالتَّأمُّلِ وإمعانِ النَّظرِ فيه، كتعليلِ الشَّافعيَّةِ تحريمَ بيعِ المَيْتةِ، وقياسِ الكلبِ عليه.
(وَإِذَا اشْتَمَلَ وَصْفٌ عَلَى مَصْلَحَةٍ وَمَفْسَدَةٍ رَاجِحَةٍ) [على المصلحةِ] (٢) (أَوْ مُسَاوِيَةٍ) لها (لَمْ تَنْخَرِمْ مُنَاسَبَتُهُ) أي: مناسبةُ ذلك الوصفِ للحُكمِ على الأرجحِ؛ لأنَّها أمرٌ حقيقيٌّ، فلا يَبْطُلُ بمُعارِضٍ، والقولُ الثَّاني تَنْخَرِمُ، ووجهُه حُكمُ العقلِ بألَّا مناسبةَ معَ مفسدةٍ مساويةٍ، ولهذا يَنسُبُ العقلاءُ السَّاعيَ في تحصيلِ مِثْلِ هذه المصلحةِ (٣) إلى السَّفَهِ، قال بعضُهم: لا يُعدَمُ نَفعُه لقِلَّتِه، لكنْ يَندفعُ مُقتضاه. قالُوا: لو لم يَكُنْ لَمَا حَسُنَ قولُ العاقلِ (٤) الدَّاعي إلى إثباتِ الحُكمِ حاصلٌ لولا المانعُ.
رُدَّ: المرادُ به: المصلحةُ الَّتي في المناسبةِ، لا مصلحةٌ مستقلَّةٌ بتَحقيقِها، فالمانعُ أخلَّ بمناسبةِ المصلحةِ، فلَيْسَ الانتفاءُ مُحالًا على المفسدةِ معَ المناسبةِ لفواتِ شَرطِها.
قالوا: تَصِحُّ الصَّلَاةُ في الدَّارِ المغصوبةِ، فإنْ غَلَبَ الحرامُ زادَتْ مَفسدَتُها وإلَّا تَسَاوَتَا.
رُدَّ: لم تَنْشَأْ مفسدةُ الغصبِ عنِ الصَّلَاةِ، ومصلحةُ الصَّلَاةِ عنِ الغصبِ، ولو نَشَأَتا مِن الصَّلَاةِ: لم تَصِحَّ
стр. 674
(وَلِلْمُعَلِّلِ تَرْجِيحُ وَصْفِهِ:
(١) بِطَرِيقٍ تَفْصِيلِيٍّ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ المَسَائِلِ،
(٢) وَ) له ترجيحُ وصفِه بطريقٍ (إِجْمَالِيٍّ وَهُوَ لَوْ لَمْ يُقَدَّرْ رُجْحَانُ المَصْلَحَةِ ثَبَتَ الحُكْمُ تَعَبُّدًا) على خلافِ الأصلِ؛ لأنَّ التَّعليلَ هو الأصلُ تُرك نادرًا، وتَعَقُّلُ العِلَّةِ أقربُ إلى القبولِ مِن التَّعبُّدِ؛ ولأنَّه المألوفُ عُرفًا، والأصلُ موافقةُ الشَّرعِ له، فيُحتَمَلُ التَّعليلُ على الغالبِ، وذَكَرَ الآمِدِيُّ (١) أنَّ لقائلٍ أنْ يُعارِضَه -يَعني المُعَلِّلَ- بعدمِ الاطِّلاعِ على ما يَكُونُ راجحًا معَ البحثِ عنه.
فإنْ قِيلَ: بَحَثْنا عن وصفٍ صالحٍ للتَّعليلِ لا يَتَعَدَّى مَحَلَّ الحُكْمِ فهو أَوْلى.
قِيلَ: إنْ خَرَجَ ما به التَّرجيحُ عن مَحَلِّ الحُكمِ لم يَتَحَقَّقْ به ترجيحٌ فيه، وإلَّا اتَّحَدَ مَحَلُّهما، فلا ترجيحَ، وإنْ سَلِمَ اتِّحادُ مَحَلِّ بحثِ المُستدِلِّ فقطْ، فإِنَّما يَتَرَجَّحُ بحثُه بتقديرِ كَوْنِ ظَنِّه راجحًا لا العكسِ، ولا مُساويًا، ووُقُوعُ احتمالٍ مِن اثنينِ أقربُ.
قالَ: واشتِراطُ التَّرجيحِ في تحقيقِ المناسبةِ إِنَّمَا هو عندَ مَن لا يُخَصِّصُ العِلَّةَ، وإلَّا فلا (٢).
(وَالمُنَاسِبُ) هو الوصفُ المُعَلَّلُ به.
وأقسامُه أربعةٌ: مُؤَثِّرٌ، ومُلائِمٌ، وغَريبٌ، ومُرسَلٌ.
стр. 675
ولا بُدَّ أنْ يُعلَمَ من الشَّارِعِ التفاتٌ إلى ذلك الوصفِ. ويَظهَرُ ذلك بتقسيمِ المناسبِ؛ لأنَّه إمَّا أن يُعلَمَ أنَّ الشَّرعَ اعتَبَرَه كالقسمِ الأوَّلِ، أو لا يُعلَمَ أنَّه اعتَبَرَه، ولا أَلْغَاه كالمُرسَلِ الملائِمِ، أو يُعلَمَ أنَّه أَلْغاه كالمُرسَلِ المُلْغَى.
والمُعتَبَرُ بنصٍّ أو إجماعٍ يُسَمَّى «مُؤَثِّرًا»؛ لظهورِ التَّأثيرِ فيه عينًا وجنسًا، فظَهَرَ تأثيرُه في الحُكْمِ، والمُعتَبَرُ بتَرتيبِ الحُكمِ على الوصفِ فقطْ إنْ ثَبَتَ بنصٍّ أو إجماعٍ اعتبارُ عينِه في جنسِ الحُكمِ أو بالعكسِ أو جنسِه في جنسِ الحُكمِ، يُسَمَّى «ملائمًا» لكونِه موافقًا لِما اعْتَبَرَه الشَّارِعُ، وإلَّا سُمِّيَ «غريبًا»؛ لأنَّه لم يَشهَدْ له غيرُ أصلِه بالاعتبارِ، وغيرُ المُعتَبَرِ يُسَمَّى «مُرسَلًا»، فإنِ اعتبَرَ الشَّارِعُ جنسَه البعيدَ في جنسِ الحُكْمِ سُمِّيَ «ملائمًا مُرسلًا»، وإلَّا «غريبًا مُرسلًا»، أو «مُرسَلًا ثَبَتَ إلغاؤُه»، والمرادُ باعتبارِ الشَّرعِ: أنْ تُورَدَ الفروعُ على وَفْقِه، لا أنْ يَنُصَّ على العِلَّةِ أو يُومِئَ إليها، وإلَّا لم تَكُنِ العِلِّيَّةُ مُستفادةً بالمناسبةِ.
إذا تَقَرَّرَ هذا، فالقسمُ الأوَّلُ مِن المُعتَبَرِ («مُؤَثِّرٌ» إِنِ اعْتُبِرَ) مِن قِبَلِ الشَّارِعِ (بِنَصٍّ) كتعليلِ الحَدَثِ (١) بمَسِّ الذَّكَرِ، اعتُبِرَ عينُه في عينِ الحُكمِ وهو الحَدَثُ، لحديثِ: «مَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ» (٢)، ومِثْلُه نَفْسُ السُّكرِ عِلَّةُ التَّحريمِ في الخمرِ، اعتُبِرَ عينُه في عينِ الحُكمِ، وهو التَّحريمُ حيثُ حُرِّمَ الخمرُ فلْيَلْحَقْ به النَّبيذُ، (أَوِ) اعْتُبِرَ بـ (إِجْمَاعٍ) كتعليلِ ولايةِ المالِ بالصِّغَرِ، فإِنَّه اعتبِرَ عينُ الصِّغَرِ في عينِ الولايةِ في المالِ بالإجماعِ، والمرادُ بالعينِ: النَّوعُ، لا الشَّخصُ مِن النَّوِع.
стр. 676
(وَ) القسمُ الثَّاني مِن المُعتَبَرِ: («مُلَائِمٌ» إِنِ اعْتُبِرَ بِتَرَتُّبِ (١) الحُكْمِ عَلَى الوَصْفِ فَقَطْ، إِنْ ثَبَتَ بِنَصٍّ أَوْ إِجْمَاعٍ:
(١) اعْتِبَارُ عَيْنِهِ) أي: الوصفِ (فِي جِنْسِ الحُكْمِ،
(٢)
أَوْ بِالعَكْسِ) بأنْ ثَبَتَ بنصٍّ، أو إجماعٍ اعتبارُ جنسِ الوصفِ في عينِ الحُكمِ،
(٣)
(أَوْ) ثَبَتَ بنصٍّ، أو إجماعٍ اعتبارُ (جِنْسِهِ فِي جِنْسِ الحُكْمِ)، فهذه ثلاثةُ أنواعٍ.
مثالُ الأوَّلِ: امتزاجُ النَّسَبينِ في الأخِ مِن الأبوينِ، اعتُبِرَ تقديمُه على الأخِ مِن الأبِ في الإرثِ، وقِسْنا عليه تقديمَه في ولايةِ النِّكاحِ وغيرِها مِن الأحكامِ الَّذِي قُدِّمَ عليه فيها، فإِنَّه وإنْ لم يَعتَبِرْه الشَّارِعُ في عينِ هذه الأحكامِ لكنَّه اعتَبَرَه في جِنسِها وهو التَّقدُّمُ في الجملةِ، وكالتَّعليلِ بالصِّغَرِ في قياسِ النِّكاحِ على المالِ في الولايةِ، فإنَّ الشَّرعَ اعتبَرَ عينَ الصِّغَرِ في [عينِ ولايةِ المالِ به مُنَبِّهًا على الصِّغَرِ، وثَبَتَ اعتبارُ عينِ الصِّغَرِ في] (٢) جنسِ حُكْمِ الولايةِ إجماعًا.
ومثالُ الثَّاني: المَشَقَّةُ المُشتَركةُ بينَ الحائضِ والمسافرِ في سقوطِ القضاءِ، [فإنَّ الشَّارِعَ اعتَبَرَها في عينِ سقوطِ القضاءِ] (٣) في الرَّكعتَينِ [مِن الرُّباعيَّةِ] (٤) فسَقَطَ بها القضاءُ في صلاةِ الحائضِ قياسًا، وكالتَّعليلِ بعُذرِ الحَرَجِ في قياسِ الحَضَرِ بعذرِ المطرِ على السَّفَرِ في الجمعِ، فجِنسُ الحرجِ مُعتَبَرٌ في عينِ رُخصَةِ الجمعِ إجماعًا.
стр. 677
ومثالُ الثَّالثِ: ما رُوِيَ عن عليٍّ ﵁ في شاربِ الخمرِ أنَّه إذا شَرَبَ هَذَى وإذا هَذَى افْتَرَى (١)، فيَكُونُ عليه حدُّ المُفتَري أي: القاذفِ، ووافَقَه الصَّحابةُ عليه، فأَوْجَبوا حَدَّ القذفِ على الشَّاربِ، لا لكونِه شَرِبَ، بل لكَوْنِ الشُّربِ مَظِنَّةَ القذفِ، فأَقاموه مُقامَ القذفِ قياسًا على إقامةِ الخلوةِ بالأجنبيَّةِ مُقامَ الوطءِ في التَّحريمِ، لكَوْنِ الخلوةِ مَظِنَّةً له، فظَهَرَ أنَّ الشَّارِعَ إِنَّمَا اعتَبَرَ المَظِنَّةَ الَّتي هي جنسٌ لمظنَّةِ الوطءِ، ومَظِنَّةَ القذفِ في الحُكْمِ الَّذِي هو جنسٌ لإيجابِ حَدِّ القذفِ وحُرمةِ الوطءِ، وكالتَّعليلِ بجنايةِ القتلِ العمدِ العدوانِ في قياسِ المُثقَلِ على المُحدَّدِ في القصاصِ فجنسُ الجنايةِ مُعتبَرَةٌ في جنسِ قصاصِ النَّفسِ لاشتمالِه على قصاصِ النَّفسِ وغيرِها كالأطرافِ.
(وَالقِسْمُ الثَّالِثُ) المُشارُ إليه بقولِه: (وَإِلَّا) بأن لم يَشهَدْ له غيرُ أصلِه بالاعتبارِ (فَـ «غَرِيبٌ») كالتَّعليلِ بالإسكارِ في قياسِ النَّبيذِ على الخمرِ بتقديرِ عدمِ نَصٍّ بعِلِّيَّةِ الإسكارِ، فعينُ الإسكارِ مُعتَبَرٌ في عينِ التَّحريمِ بتَرتيبِ الحُكمِ عليه فقطْ، كاعتبارِ جنسِ المَشقَّةِ المُشتَركةِ بينَ الحائضِ والمسافرِ في جنسِ التَّخفيفِ.
(وَكُلُّ) قِسمٍ (مِنَ الثَّلَاثَةِ) وهي: المُؤثِّرُ، والمُلائِمُ بأنواعِه السَّابقةِ، والغَريبُ (حُجَّةٌ) ولم يَذكُرْ صاحبُ «الأصلِ» خلافًا في حُجِّيَّةِ القِسمِ الأوَّلِ.
стр. 678
(وَإِنِ اعْتَبَرَ الشَّارِعُ جِنْسَهُ) أي: جنسَ الوصفِ المناسبِ (البَعِيدَ فِي جِنْسِ الحُكْمِ؛ فَمُرْسَلٌ مُلَائِمٌ) وهو القسمُ الرَّابعُ مِن أقسامِ (١) المُناسبِ المُعَلَّلِ به كتعليلِ قليلِ الخمرِ، بأنْ يَدعُوَ إلى كثيرِها، فجنسُه البعيدُ مُعتَبَرٌ في جنسِ الحُكْمِ، كتحريمِ الخَلْوَةِ بتحريمِ الزِّنا.
(وَلَيْسَ) المُرسلُ الملائمُ (بِحُجَّةٍ) عندَ الأكثرِ؛ لأنَّه لم يَشهَدِ الشَّارِعُ باعتبارِه وإلغائِه، فلا بدَّ مِن شاهدٍ قريبٍ بالاعتبارِ،
(وَإِلَّا) بأنْ لم يَعتَبِرِ الشَّارِعُ جنسَ الوصفِ البعيدِ في جنسِ الحُكمِ، (فَـ) نوعانِ: (مُرْسَلٌ غَرِيبٌ، أَوْ مُرْسَلٌ ثَبَتَ) أي: عُلِمَ مِن الشَّارِعِ (إِلْغَاؤُهُ) معَ أنَّه مُستحيلُ المُناسبةِ، ولا يَجُوزُ التَّعليلُ به.
مثالُ الغريبِ المرسلِ: التَّعليلُ بالفعلِ المُحَرَّمِ لغرضٍ فاسدٍ في قياسِ الباتِّ في مَرَضِه على القاتلِ في الحُكمِ بالمُعارضةِ بنقيضِ مَقصودِه، وصارَ توريثُ المبتوتةِ كحِرمانِ القاتلِ، وإنَّما كانَ غريبًا مُرسلًا لأنَّه لم يَعتبَرِ الشَّارِعُ عينَ الفعلِ المُحَرَّمِ لغرضٍ فاسدٍ في عينِ المُعارضةِ بنقيضِ المقصودِ بترتيبِ الحُكْمِ عليه، ولم يَثبُتْ بنصٍّ أو إجماعٍ اعتبارُ عينِه في جنسِ المُعارضةِ بنقيضِ المقصودِ، ولا جنسٍ في عينِها، ولا جنسٍ في جِنسِها.
ومثالُ المُلغى: إيجابُ صومِ شهرينِ ابتداءً في الظِّهارِ أو الوطءِ في رمضانَ على مَن يَسهُلُ عليه العتقُ، كما أَفْتى به بعضُ العلماءِ.
(وَهُمَا) أي: المُرسلُ الغريبُ والَّذي ثَبَتَ إلغاؤُه (مَرْدُودَانِ) الأوَّلُ عندَ الأكثرِ والثَّاني بالإجماعِ.
стр. 679
(فائدةٌ)
اعلمْ أنَّ كلًّا مِنَ الوصفِ والحُكمِ نوعٌ، وما هو أعمُّ منه جنسٌ، وله مراتبُ: عالٍ، وسافلٌ، ومُتَوَسِّطٌ، والعبْرةُ دائمًا بالأسفلِ القريبِ مِن المُعَيَّنِ في الوصفِ وفي الحُكمِ.
(أَعَمُّ الجِنْسِيَّةِ فِي الوَصْفِ (١) أي: أعمُّ مراتبِ جنسِ الوصفِ:
(١) (كَوْنُهُ وَصْفًا) لأنَّه أعمُّ مِن أنْ يَكُونَ مَناطًا للحُكْمِ أو لا يَكُونَ؛ إذ بتقديرِ أنْ يَكُونَ طَرديًّا غيرَ مناسبٍ لا يَصلُحُ أنْ يُناطَ به حُكْمٌ، فكلُّ مناطٍ وصفٌ، وليسَ كلُّ وصفٍ مَناطًا.
(٢) (فَمَنَاطًا) أَعَمُّ مِن أن يَكُونَ مصلحةً أو لا، فكلُّ مصلحةٍ مناطُ الحكمِ، وليسَ كلُّ مناطٍ مصلحةً؛ لجوازِ أنْ يُناطَ الحكمُ بوصفٍ تَعبُّديٍّ لا يَظهَرُ وجهُ المصلحةِ فيه.
(٣) (فَمَصْلَحَةً خَاصَّةً) لأنَّها قد تَكُونُ عامَّةً، بمَعنى أنَّها مُتَضَمِّنَةٌ لمُطلَقِ النَّفعِ، وقد تَكُونُ خاصَّةً بمَعنى كَوْنِها مِن بابِ الضَّروراتِ والحاجاتِ والتَّكْملاتِ.
(وَفِي حُكْمٍ) أي: أعمُّ مراتبِ جِنْسِ الحُكْمِ:
(١) (كَوْنُهُ حُكْمًا) لأنَّه أعمُّ مِن أنْ يَكُونَ وجوبًا، أو تحريمًا، أو صِحَّةً، أو فسادًا،
(٢) (فَوَاجِبًا وَنَحْوَهُ) مِن الحرامِ والمندوبِ والمكروهِ والمباحِ، وما
стр. 680
يُلْحَقُ بذلك مِن الأحكامِ الوَضعيَّةِ؛ إذِ الواجبُ أعمُّ مِن أنْ يَكُونَ عبادةً اصطلاحيَّةً أو غيرَها،
(٣) (فَعِبَادَةً) لأنَّ جنسَ العبادةِ أعمُّ مِن الصَّلَاةِ والزَّكاةِ وغيرِهما مِن العباداتِ،
(٤) (فَصَلَاةً) إذْ كلُّ صلاةٍ عبادةٌ، وليسَ كلُّ عبادةٍ صلاةً،
(٥) (فَظُهْرًا) لأنَّ الصَّلَاةَ أعمُّ مِن الظُّهرِ؛ إذ كلُّ ظُهْرٍ صلاةٌ، وليسَ كلُّ صلاةٍ ظُهرًا.
إذا عَلِمْتَ الأعمَّ والأخصَّ مِن الأوصافِ والأحكامِ، فاعلَمْ أنَّ تأثيرَ بعضِها في بعضٍ يَتَفَاوَتُ في القوَّةِ والضَّعفِ.
(وَتَأْثِيرُ:
(١) الأَخَصِّ فِي الأَخَصِّ: أَقْوَى) أنواعُ التَّأثيرِ، كمَشَقَّةِ التَّكرارِ في سُقوطِ الصَّلَاةِ، والصِّغَرِ في ولايةِ النِّكاحِ،
(٢) (وَ) تَأثيرُ (الأَعَمِّ فِي الأَعَمِّ يُقَابِلُهُ) فهو أضعفُ أنواعِ التَّأثيرِ،
(٣) (وَ) تأثيرُ (الأَخَصِّ فِي الأَعَمِّ وَعَكْسُهُ) وهو تأثيرُ الأعمِّ في الأخصِّ (وَاسِطَتَانِ) أي: بينَ ذَيْنِكَ الطَّرفَينِ؛ إذ في كلِّ واحدٍ منهما قوَّةٌ مِن جهةِ الأخصِّيَّةِ، وضعفٌ مِن جهةِ الأعمِّيَّةِ بخلافِ الطَّرفَينِ؛ إذِ الأوَّلُ تَمَحَّضَتْ فيه الأخصِّيَّةُ فتَمَحَّضَتْ له القُوَّةُ، والثَّاني تَمَحَّضَتْ فيه الأعمِيَّةُ فتَمَحَّضَ له الضَّعفُ، فما ظَهَرَ تأثيرُه في الصَّلَاةِ الواجبةِ أخصُّ ممَّا ظَهرَ في العبادةِ، وما ظَهَرَ في العبادةِ أخصُّ ممَّا ظَهَرَ في الواجبِ، وما ظَهَرَ في الواجبِ أخصُّ ممَّا
стр. 681
ظَهَرَ في الأحكامِ، فلأجلِ تَفاوُتِ درجاتِ الجِنسيَّةِ في القُربِ والبُعدِ تَتَفاوَتُ درجاتُ الظَّنِّ، والأعلى مُقَدَّمٌ على ما دُونَه.
المَسلَكُ (الخَامِسُ) مِنَ الطُّرُقِ الدَّالَّةِ على العِلِّيَّةِ: (إِثْبَاتُهَا بِـ الشَّبَهِ) بفتحِ الشِّينِ والباءِ المُوحَّدةِ أصلٌ مَعناه الشَّبَهُ، يُقالُ: هذا شَبَهُ هذا وشِبْهُه بكسرِ الشِّينِ وسُكُونِ الباءِ، وشَبِيهُه كما تَقولُ: مَثَلُه ومِثْلُه ومَثِيلُه، وهو بهذا المعنى يُطلَقُ على كلِّ قياسٍ؛ لأنَّ الفرعَ لا بُدَّ أنْ يُشْبِهَ الأصلَ، لكنْ غَلَبَ إطلاقُه في الاصطلاحِ الأصوليِّ على هذا المسلكِ.
(وَ) اختُلِفَ في تعريفِ الشَّبَهِ، فقالَ القاضي (١) وغيرُه: (هُوَ تَرَدُّدُ فَرْعٍ بَيْنَ أَصْلَيْنِ) فيه مناطُ كلٍّ مِنهما إلَّا أنَّه (شَبَهَهُ بِأَحَدِهِمَا) أي: شَبَهَ الفرعِ بأحدِ الأصلينِ (فِي الأَوْصَافِ) المُعتبَرةِ في الشَّرعِ (أَكْثَرُ) مِن شَبَهِه بالآخرِ، فإلحاقُه به هو الشَّبَهُ كالعبدِ هل يَملِكُ، وهل يَضمَنُه قاتلُه بأكثرَ مِن ديةِ الحُرِّ؟ فإِنَّه مُتَرَدِّدٌ بينَ الحُرِّ والبهيمةِ، وتَظهَرُ فائدتُه في التَّمليكِ له:
فمَن قال: يَملِكُ بالتَّمليكِ، قال: هو إنسانٌ يُثابُ ويُعاقَبُ ويَنكِحُ ويُطَلِّقُ ويُكَلَّفُ بأنواعٍ مِن العباداتِ، ويَفهَمُ ويَعقِلُ وهو ذو نفسٍ ناطقةٍ، فأَشْبَهَ الحُرَّ،
ومَن قال: لا يَملِكُ، قال: هو حيوانٌ يَجُوزُ بَيعُه ورَهنُه، وهِبَتُه وإجارتُه، وإرثُه ونحوُها، أَشْبَهَ الدَّابَّةَ.
(وَيُعْتَبَرُ الشَّبَهُ) أي: شَبَهُ الفرعِ بأحدِ الأصلينِ (حُكْمًا لَا حَقِيقَةً)، ومَحَلُّ ذلك إذا قُلْنا: إنَّ الشَّبَهَ حُجَّةٌ كما يَأْتي قريبًا، وهو قولُ الأكثرِ، ولهذا أَلْحَقُوا العبدَ المقتولَ بسائرِ الأموالِ المملوكةِ في لُزومِ قيمتِه على القاتلِ بجامعِ
стр. 682
أنَّ كلَّ واحدٍ مِنهما يُباعُ ويُشترى، وأَلْحَقَ أحمدُ وجوبَ الجلوسِ للتَّشهُّدِ الأوَّلِ بالتَّشهُّدِ الثَّاني؛ لأنَّه أحدُ الجلوسَينِ في تشهُّدِ الصَّلَاةِ.
(وَ) حيثُ كانَ هناك وصفٌ مناسبٌ يَعَلَّلُ به، فـ (لَا يُصَارُ إِلَيْهِ) أي: إلى قياسِ الشَّبَهِ (معَ) إمكانِ (قِيَاسِ العِلَّةِ) إجماعًا، (فَإِنْ عُدِمَ) إمكانُ قياسِ العِلَّةِ (فَـ) قياسُ الشَّبَهِ (حُجَّةٌ) ويُعَلَّلُ به على الصَّحيحِ.
المَسلَكُ (السَّادِسُ) مِنَ الطُّرُقِ الدَّالَّةِ على العِلِّيَّةِ: الطَّردُ والعكسُ، وهو (الدَّوَرَانُ) قاله ابنُ مُفلِحٍ (١).
(وَهُوَ) أي: الدَّورانُ: (تَرَتُّبُ حُكْمٍ عَلَى وَصْفٍ وُجُودًا وَعَدَمًا) بأنْ يُوجَدَ الحكمُ، أي: تعلُّقُه عندَ وجودِ وصفٍ، ويَنعدِمُ عندَ عَدَمِه، ويُسَمَّى ذلك الوصفُ حينئذٍ مدارًا والحكمُ دائرًا، ثمَّ الدَّوَرَانُ إمَّا في مَحَلٍّ واحدٍ كالإسكارِ في العصيرِ، فإنَّ العصيرَ في الإسكارِ قَبْلَ أن يُوجَدَ الإسكارُ كانَ حلالًا، فلَمَّا حَدَثَ الإسكارُ حَرُمَ، فلمَّا زالَ الإسكارُ وصارَ خَلًّا صارَ حلالًا، فدَارَ التَّحريمُ معَ الإسكارِ وُجودًا وعدمًا.
وإمَّا في مَحَلَّينِ كالكيلِ معَ تحريمِ الرِّبا، فإِنَّه لَمَّا وُجِدَ الكيلُ في البُرِّ كانَ رِبويًّا، ولَمَّا لم يُوجِدْ في التُّفَّاحِ مثلًا لم يَكُنْ رِبويًّا، فدارَ جَرَيَانُ الرِّبَا معَ الكيلِ، لكنَّ الدَّورانَ في صورةٍ أَقوى منه في صورتينِ على ما هو مُدرَكٌ ضرورةً، أو نظرًا ظاهرًا.
(وَ) الدَّوَرَانُ (يُفِيدُ العِلَّةَ (٢) ظَنًّا) فقطْ على الصَّحيحِ. وَجهُه: لو دُعِيَ رجلٌ باسمٍ، فغَضِبَ، وبغيرِه لم يَغضَبْ، وتَكَرَّرَ ولا مانعَ؛ دَلَّ أنَّه سببُ الغضبِ.
стр. 683
(وَ) إذا ثَبَتَ أنَّ الدَّوَرَانَ يُفيدُ الظَّنَّ فـ (لَا يَلْزَمُ المُسْتَدِلَّ نَفْيُ مَا هُوَ أَوْلَى) بالعِلِّيَّةِ (مِنْهُ) أي: ممَّا أَبْدَاه عِلَّةً على المختارِ؛ لأنَّه لو لَزِمَه ذلك لَلَزِمَ نَفيُ سائرِ القوادحِ، ويَنتشِرُ البحثُ ويَخرُجُ الكلامُ عنِ الضَّبطِ، ومَنِ ادَّعى وصفًا آخَرَ فعليه إبداؤُه.
(فَإِنْ أَبْدَى المُعْتَرِضُ وَصْفًا آخَرَ) أي: غيرَ الَّذِي أَبْدَاه المُستدِلُّ، فإنْ كانَ قاصِرًا والَّذي أَبْدَاه المُستدِلُّ مُتَعَدِّيًا (تَرَجَّحَ جَانِبُ المُسْتَدِلِّ بِالتَّعْدِيَةِ) أي: تَرَجَّحَ الوصفُ الَّذِي أَبْدَاه المُستدِلُّ بأنَّه مُتَعَدٍّ، بناءً على ترجيحِ المُتعدِّيةِ على القاصرةِ، وإنْ كانَ الَّذِي أَبْداه المُعتَرضُ مُتَعَدِّيًا (فَإِنْ تَعَدَّى إِلَى الفَرْعِ المُتَنَازَعِ فِيهِ) بُنِيَ على جوازِ التَّعليلِ بعِلَّتَينِ، فإنْ مَنَعْنَاه ضَرَّ، وإلَّا (لَمْ يَضُرَّ)؛ لجوازِ اجتماعِ مُعَرِّفينِ على مُعَرِّفٍ واحدٍ، (وَإِنْ تَعَدَّى) الَّذِي أَبْداه المُعتَرضُ (إِلَى فَرْعٍ آخَرَ) غيرِ المتنازعِ فيه (طُلِبَ التَّرْجِيحُ) لأحدِ الوَصفينِ على الآخَرِ بدليلٍ خارجيٍّ، فلو كانَ وصفُ المُستدِلِّ غيرَ مناسبٍ ووصفُ المُعتَرضِ مناسبًا؛ قُدِّمَ المناسبُ قطعًا.
(وَالطَّرْدُ: مُقَارَنَةُ الحُكْمِ لِلْوَصْفِ بِلَا مُنَاسَبَةٍ) بينَهما لا بالذَّاتِ ولا بالتَّبَعِ.
مثالُه: قولُ بعضِهم في إزالةِ النَّجاسةِ بنحوِ الخلِّ: مائعٌ لا يُبنى على جنسهِ القناطرُ، ولا يُصادُ منه السَّمكُ، ولا تَجري فيه السُّفُنُ، ولا يَنبُتُ فيه القصبُ، أو لا تَقُومُ فيه الجواميسُ، أو لا يُزرَعُ عليه الزَّرعُ، ونحوُ ذلك، فلا تَزولُ به النَّجاسةُ كالدُّهنِ.
وهل تَكُونُ المُقارنةُ في جميعِ الصُّورِ، أو فيما سِوى صورةِ النِّزاعِ، أو في صورةٍ واحدةٍ؟ الأوَّلُ قَدَّمَه في «شرح الأصل» (١) وجَرى عليه جَمعٌ.
стр. 684
(وَ) الطَّردُ (لَيْسَ دَلِيلًا وَحْدَهُ) عندَ الجمهورِ؛ لأنَّه لا يُفِيدُ عِلمًا ولا ظنًّا.
(وَتَنْقَسِمُ العِلَّةُ عَقْلِيَّةً) كَانَتْ (أَوْ شَرْعِيَّةً:
(١) إِلَى مَا تُؤَثِّرُ فِي مَعْلُولِهَا، كَوُجُودِ عِلَّةِ الأَصْلِ فِي الفَرْعِ) مُؤَثِّرٌ في نَقلِ حُكمِه،
(٢) (وَإِلَى مَا يُؤَثِّرُ فِيهَا مَعْلُولُهَا كَـ الدَّوَرَانِ).
(فَوَائِدُ)
الأُولى: في تعريفِ المناطِ، أشارَ بها إلى أنواعِ الاجتهادِ في العِلَّةِ الشَّرعيَّةِ المتعلِّقةِ بالأقيسةِ، وهو إمَّا تحقيقُ المناطِ أو تنقيحُه أو تخريجُه، وقد جَرَتْ عادةُ أهلِ الأصولِ والجدلِ إذا ذَكَرُوا تنقيحَ المناطِ أن يَتَعَرَّضوا لتفسيرِ ما يُسَمَّى تحقيقَ المناطِ أو تخريجَه، وقد تَقَدَّمَ تنقيحُ المناطِ في الإيماءِ وتخريجُه في المناسبةِ، فلم يَبْقَ إلَّا تحقيقُه.
إذا تَقَرَّرَ ذلك فـ (المَنَاطُ مُتَعَلَّقُ الحُكْمِ) وهو مَفْعَلٌ مِن نَاطَ نِيَاطًا؛ أي: عَلَّقَ، فهو ما نِيطَ به الحُكْمُ؛ أي: عُلِّقَ به، وهو العِلَّةُ الَّتي رُتِّبَ عليها الحُكْمُ في الأصلِ. يُقالُ: نِطْتُ الحَبْلَ (١) بالوَتَدِ أَنُوطُه إذا عَلَّقْتُه.
(وَ) أمَّا (تَحْقِيقُهُ) أي: تحقيقُ المناطِ فهو (إِثْبَاتُ العِلَّةِ) بالنَّظَرِ وهو الاجتهادُ في معرفةِ وجودِها (فِي آحَادِ صُوَرِهَا) بعدَ مَعرفتِها في نَفسِها، بأنْ تَجِيءَ إلى وصفٍ دَلَّ على عِلِّيَّتِه نصٌّ أو إجماعٌ أو غيرُهما مِن الطُّرقِ، ولكنْ يَقَعُ الاختلافُ في وجودِه في صورةِ النِّزاعِ، فيَتَحَقَّقُ وجودُها فيه.
стр. 685
إذا تَقَرَّرَ ذلك، (فَإِنْ عُلِمَتِ العِلَّةُ) في الوصفِ (بِنَصٍّ) عليها كجهةِ القِبلةِ الَّتي هي مناطُ وجوبِ استقبالِها المشارُ إليه بقولِه تَعالى: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ (١)، ومعرفتُها عندَ الاشتباهِ مظنونٌ، (أَوْ) عُلِمَتْ بـ (إِجْمَاعٍ) كتحقيقِ المِثلِ [في قوله] (٢) تَعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ (٣)، أو عُلِمَتْ باستنباطٍ كالشِّدَّةِ المُطربةِ الَّتي هي مَناطُ تحريمِ شُربِ الخمرِ، (احْتُجَّ بِهِ) أي: بتحقيقِ المناطِ المعلومةِ عِلَّتُه بأحدِ هذه الثَّلاثةِ، فالنَّظرُ في كَوْنِ هذه الجهةِ جِهةَ القِبلَةِ في حالِ الاشتباهِ، وكونِ النَّبيذِ خَمرًا للشِّدَّةِ المُطربةِ المَظنونةِ بالاجتهادِ، وكذا تحقيقُ المِثلِ في قولِه تَعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ (٤).
لكنْ قال بعضُ أصحابِنا: لا نَعرِفُ خلافًا في صِحَّةِ الاحتجاجِ به إذا كانَتِ العِلَّةُ معلومةً بالنَّصِّ أو الإجماعِ، إِنَّمَا الخلافُ إذا كانَ مَدرَكُ معرفتِها الاستنباطَ. انتهى.
تنبيهانِ:
أحدُهما: أنَّ مناسبةَ التَّسميةِ في تخريجِ المناطِ وتنقيحِه وتحقيقِه ظاهرةٌ؛ لأنَّ المجتهدَ أوَّلًا استخرجَ العِلَّةَ مِن منصوصٍ في حكمٍ مِن غيرِ نصٍّ على عِلَّتِه، ثمَّ جاءَ في أوصافٍ قد ذُكِرَتْ في التَّعليلِ، فنَقَّحَ النَّصَّ ونحوَه في ذلك وأَخَذَ منه ما يَصلُحُ عِلَّةً وأَلْغَى غيرَه، ثمَّ لَمَّا نُوزِعَ في كَوْنِ العِلَّةِ ليسَتْ في المحلِّ المتنازَعِ فيه بَيَّنَ أنَّها فيه وحَقَّقَ ذلك، واللهُ أعلمُ.
стр. 686
التَّنبيهُ الثَّاني: ذَكَرَ المُصَنِّفُ -تَبَعًا لصاحبِ «الأصلِ» وابنِ مُفْلِحِ وغيرِهما- مسالكَ العِلَّةِ ستَّةً، وذَكَرَها في «جمع الجوامع» وغيرِه عشرةً، فزادَ تنقيحَ المناطِ والإيماءَ، وهما مذكورانِ في المسلكِ الثَّاني ضِمنًا، وإلغاءَ الفارقِ بينَ الأصلِ والفرعِ وطردَ المحذوفِ، وهما مذكورانِ أيضًا في المسلكِ (١) الثَّالثِ ضِمنًا كما تَقَدَّمَ.
(وَ) الفائدةُ الثَّانيةُ: (مَدَارُ الحُكْمِ: مُوجِبُهُ، أَوْ مُتَعَلِّقُهُ) يُقال: مَدارُ الحُكْمِ على كذا، أي: يُوقَفُ (٢) الحُكمُ على كذا،
(وَلَازِمُهُ: مَا لَا يَثْبُتُ الحُكْمُ معَ عَدَمِهِ) فيَدخُلُ في لازمِ الحكمِ: الشَّرطُ، والعِلَّةُ، والسَّببُ وجزؤُه، ومَحَلُّ الحُكمِ، فيَكُونُ أعمَّ مِن الشَّرطِ،
(وَمَلْزُومُهُ) أي: الحُكمِ (مَا يَسْتَلْزِمُ وُجُودُهُ) أي: وجودُ الملزومِ (وُجُودَ الحُكْمِ).
стр. 687
(فَصْلٌ)
الفائدةُ الثَّالثةُ: القِيَاسُ له اعتباراتٌ، فتارةً يَكُونُ باعتبارِ قُوَّتِه وضعفِه، وتارةً باعتبارِ عِلَّتِه، وكلٌّ مِنهما له أقسامٌ.
فالقِيَاسُ يَنقسِمُ باعتبارِ قُوَّتِه وضعفِه إلى: جليٍّ، وخفيٍّ،
(١) فـ (مَا قُطِعَ فِيهِ) من القِيَاسِ (بِنَفْيِ الفَارِقِ) كقياسِ الأَمَةِ على العبدِ في سرايةِ العتقِ في قولِه ﷺ : «مَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ فِي عَبْدٍ وَكَانَ لَهُ مَالٌ يَبْلُغُ ثُمُنَ العَبْدِ قُوِّمَ عَلَيْهِ قِيمَةَ عَدْلٍ … » الحديثَ (١)، فإنَّا نَقطَعُ بعدمِ اعتبارِ الشَّارِعِ الذُّكورةَ والأنوثةَ فيه، (أَوْ نُصَّ) على عِلَّتِه، (أَوْ أُجْمِعَ) بالبناءِ للمفعولِ فيهما (عَلَى عِلَّتِهِ)، وتَقَدَّمَتْ أمثلتُهما أوَّلَ المسالكِ، (فَـ) هو (قِيَاسٌ جَلِيٌّ)؛ لأنَّ عِلَّتَه منصوصةٌ أو مُجمَعٌ عليها.
(٢) (وَإِلَّا) بأنْ لم يُقْطَعْ في القِيَاسِ بنفيِ الفارقِ، أو لم يُنَصَّ، أو يَجمَعْ على عِلَّتِه (فَـ) قياسٌ (خَفِيٌّ) لقوَّةِ احتمالِ تأثيرِ الفارقِ فيه، كقياسِ القتلِ بمُثقَلٍ على القتلِ بمُحَدَّدٍ في وجوبِ القصاصِ، ولم يُوجِبْه أبو حنيفةَ في المُثْقَلِ.
(وَ) أمَّا تقسيمُ القِيَاسِ (بِاعْتِبَارِ عِلَّتِهِ) فقياسُ علَّةٍ، وقياسُ دَلالةٍ، وقياسٌ في مَعنى الأصلِ، وذلك لأنَّه إمَّا أنْ يَكُونَ بذِكْرِ الجامعِ أو بنفيِ الفارقِ، فإنْ كانَ بذِكْرِ الجامعِ، فالجامعُ إنْ كانَ هو العِلَّةَ يَعني:
(١) (إِنْ صُرِّحَ فِيهِ) أي: في القِيَاسِ (بِهَا) أي: بالعلَّةِ (فَـ) هو (قِيَاسُ عِلَّةٍ) كقَوْلِنا في المُثْقَلِ: قَتلٌ عمدٌ عدوانٌ، فيَجِبُ فيه القصاصُ كالجارحِ،
стр. 688
(٢) (وَإِنْ) كانَ الجامعُ وصفًا لازمًا مِن لوازمِ العِلَّة، أو أثرًا مِن آثارِها، أو حُكمًا مِن أحكامِها بأنْ (جُمِعَ فِيهِ) أي: في القِيَاسِ (بِمَا يُلَازِمُهَا) أي: العِلَّةَ (أَوْ) جُمِعَ فيه (بِأَحَدِ مُوجِبَيْهَا فِي الأَصْلِ) المَقِيسِ عليه (لِمُلَازَمَةِ الآخَرِ) ليُستدَلَّ به عليه (فَـ) هو (قِيَاسُ دَلَالَةٍ) لأنَّ المذكورَ لَيْسَ عينَ العِلَّةِ بل شيءٌ يَدُلُّ عليها.
مِثالُ الأوَّلِ: قياسُ النَّبيذِ على الخمرِ بجامعِ الرَّائحةِ الفائحةِ الملازمةِ للشِّدَّةِ المُطرِبةِ، وليسَتْ نَفسَ العِلَّة، وإنَّما هي لازمةٌ لها.
ومثالُ الثَّاني: قَوْلُنا في المُثْقَلِ: قَتلٌ أَثِمَ به فاعلُه مِن حيثُ إنَّه قتلٌ، فوَجَبَ فيه القصاصُ كالجارحِ، فالإثمُ به ليسَ نفسَ العِلَّة بل أثرٌ مِن آثارِها.
ومثالُ الثَّالثِ: قياسُ قطعِ جماعةٍ بواحدٍ على قَتْلِها بواحدٍ بواسطةِ الاشتِراكِ في وجوبِ الدِّيَةِ عليهم بتقديرِ إيجابِها، فوُجوبُ الدِّيَةِ عليهم إِنَّمَا هو أحدُ مُوجَبَيِ العِلَّةِ الَّذِي هو وجوبُ الدِّيَةِ ليُستَدَلَّ به على مُوجَبها الآخَرِ، وهو وجوبُ القصاصِ عليهم، وليسَ عينَ عِلَّةِ القصاصِ بل حُكمٌ مِن أحكامِها، وثبوتُ حُكمِ الفرعِ بعِلَّةِ الأصلِ أَوْلَى لتَعَدِّيها واطِّرادِها وانعكاسِها.
(٣) (وَ) إنْ كانَ (مَا جُمِعَ) مِن القِيَاسِ (بِنَفْيِ الفَارِقِ؛ فَـ) هو (قِيَاسٌ فِي مَعْنَى الأَصْلِ) كإلحاقِ البولِ في إناءٍ، وصَبِّه في الماءِ الدَّائمِ بالبولِ فيه.
(وَيَجُوزُ التَّعَبُّدُ بِالقِيَاسِ) في الشَّرعيَّاتِ (عَقْلًا) عندَ الأربعةِ وغيرِهم؛ لأنَّه لا يَمتنعُ عقلًا، نحوُ قولِ الشَّارِعِ: حَرَّمْتُ الخمرَ لإِسكارِه فقِيسوا عليه ما في مَعناه، ولأنَّه يَتَضَمَّنُ دَفعَ ضررٍ مظنونٍ وهو واجبٌ عقلًا، فالقِيَاسُ واجبٌ عقلًا، والوجوبُ يَستلزمُ الجوازَ، (وَ) لأنَّه (وَقَعَ شَرْعًا) عندَ
стр. 689
المُعظَمِ. ومَعنى التَّعبُّدِ به عقلًا: أنَّه يَجُوزُ أنْ يَقُولَ الشَّارِعُ: إذا ثَبَتَ حُكمٌ في صورةٍ ووُجِدَ صورةٌ أُخرى مشاركةٌ للصُّورةِ الأُولى في وصفٍ، وغَلَبَ على ظَنِّكم أنَّ هذا الحكمَ في الصُّورةِ الأُولى مُعَلَّلٌ بذلك الوصفِ، فقِيسوا الصُّورةَ الثَّانيةَ على الأُولى.
وقيلَ: لا يَجُوزُ التَّعبُّدُ بالقِيَاسِ شرعًا، وحَمَلَه القاضي وابنُ عقيلٍ على قياسٍ خَالَفَ نصًّا، وابنُ رجبٍ على مَن لم يَبحَثْ عنِ الدَّليلِ، أو لم يُحَصِّلْ شُروطَه.
قالَ ابنُ مُفْلِحٍ في القائلِ بجوازِه عقلًا قال: وَقَعَ شرعًا (١).
وقالَ أكثرُ أصحابِنا وغيرِهم: وَقَعَ التَّعبُّدُ به سَمْعًا، وقِيلَ: وعقلًا.
(وَوُقُوعُهُ) أي: التَّعبُّدِ بالقِيَاسِ (بِدَلِيلِ السَّمْعِ) لا العقلِ (قَطْعِيٌّ) لا ظَنِّيٌّ في الأصحِّ، والقائلون بحُجِّيَّتِه اختلفوا هل ذلك بالشَّرعِ أو بالعقلِ؟ قال الأكثرُ بالأوَّلِ، واستدلَّ له بقولِه تَعالى: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ (٢) والاعتبارُ: اختبارُ شيءٍ بغيرِه، وانتقالٌ مِن شيءٍ إلى غيرِه، والنَّظرُ في شيءٍ ليُعرَفَ به آخَرُ مِن جنسِه. وسياقُ الآيةِ مطلقٌ، والدَّالُّ على الكُلِّيِّ دالٌّ على الجزئيِّ، ثمَّ مرادُ الشَّارِعِ القِيَاسُ الشَّرعيُّ؛ لأنَّ خطابَه غالبًا بالأمرِ الشَّرعيِّ، واحتجَّ أصحابُنا وغيرُهم بإجماعِ الصَّحابةِ. قال بعضُهم: هو أقوى الحُجَجِ، فمِنه اختلافُهم الكثيرُ الشَّائعُ المتبايِنُ في ميراثِ الجدِّ معَ الإخوةِ، وفي الأكدريَّةِ والخرقاءِ ولا نَصَّ عندَهم.
стр. 690
وسُئِلَ عَبِيدَةُ عن مسألةٍ فيها جدٌّ، فقالَ: حَفِظْتُ عن عمرَ فيه مئةَ قِصَّةٍ مختلفةٍ (١).
ومنه اختلافُهم في قولِه لزوجتِه: أنتِ عليَّ حرامٌ، وكَتَبَ عمرُ إلى أبي موسى: ما لم يَبْلُغْك في الكتابِ والسُّنَّةِ اعرفِ الأمثالَ والأشباهَ (٢)، ثمَّ قِسِ الأمورَ عندَ ذلك، فاعمَدْ إلى أَحَبِّها إلى اللهِ تَعَالَى وأَشْبَهِها بالحقِّ. رَوَاه الدَّارقطنيُّ (٣) والخَلَّالُ.
وذَكَرَ بعضُ أصحابِنا أنَّ القِيَاسَ لَيْسَ بحُجَّةٍ؛ [لقولِ أحمدَ في روايةِ المَيْمُونِيِّ: يَجتنبُ المُتكلِّمُ هذين الأصلينِ: المُجمَلَ، والقِيَاسَ] (٤).
قالَ ابنُ مُفْلِحٍ: والمرادُ مِن الإنكارِ القِيَاسُ الباطلُ، بأنْ صَدَرَ عن غيرِ مجتهدٍ، أو في مقابلةِ نصٍّ، أو فيما اعتُبِرَ فيه العِلمُ أو أصلُه فاسدٌ، أو على مَن غَلَبَ ولم يَعرِفِ الأخبارَ، أوِ احتجَّ به قَبْلَ طلبِ نصٍّ لا يَعرِفُه معَ رجائِه لو طَلَبَه، فإِنَّه لا يَجُوزُ عندَ أحمدَ والشَّافعيِّ وفقهاءِ الحديثِ، ولهذا جَعَلُوه بمنزلةِ التَّيمُّمِ (٥).
(وَهُوَ) أي: القِيَاسُ (حُجَّةٌ فِي الأُمُورِ الدُّنْيَوِيَّةِ) اتِّفاقًا.
قال في «المحصول» ما مَعناه: إذا كانَ تعليلُ الأصلِ قطعيًّا، ووجودُ العِلَّةِ في الأصلِ قطعيًّا؛ كانَ القِيَاسُ قطعيًّا مُتَّفَقًا عليه، وأنَّ القِيَاسَ الظَّنِّيَّ
стр. 691
حُجَّةٌ في الأمورِ الدُّنيويَّةِ اتِّفاقًا؛ كمداواةِ الأمراضِ، والأغذيةِ، والأسفارِ، والمتاجرِ، وغيرِ ذلك، إِنَّمَا النِّزاعُ في كونِه حُجَّةً في الشَّرعيَّاتِ ومستنداتِ المُجتهدينَ (١).
(وَ) القِيَاسُ حُجَّةٌ في (غَيْرِهَا) أي: غيرِ الأمورِ الدُّنيويَّةِ، كالشَّرعيَّاتِ وغيرِها عندَ أكثرِ القائلِ به؛ للأدلَّةِ المتقدِّمةِ.
والقِيَاسُ: قياسُ التَّأصيلِ والتَّعليلِ والتَّمثيلِ، يَجري في كلِّ شيءٍ، وعمدةُ الطِّبِّ مَبناها على القِيَاسِ، وكذلك عامَّةُ أمورِ النَّاسِ مَبناها على القِيَاسِ في الأعيانِ والصِّفاتِ والأفعالِ، ومتى ثَبَتَ أنَّ الأمرَ الفُلانِيَّ مُعلَّلٌ بكذا، ثَبَتَ وُجودُه حيثُ وُجِدَتِ العِلَّةُ، سواءٌ كان عينًا أو صفةً أو حُكمًا أو فِعلًا، ولذلك إذا ثَبَتَ ألَّا فارقَ بينَ هذينِ إلَّا كذا، ولا تأثيرَ له في الأمرِ الفُلانِيِّ.
ثمَّ هو مُنقسمٌ إلى: مقطوعٍ، ومظنونٍ، كالقِيَاسِ في الأحكامِ، ثمَّ أيُّ فرقٍ بينَ القِيَاسِ في خلْقِ اللهِ أو في أمْرِه (٢)، نعمْ، قد يُمنَعُ مِن القِيَاسِ الظَّنِّيِّ حيثُ لا يُحتاجُ إليه في الحقائقِ.
ومِن العُمدةِ في القِيَاسِ: قولُ النَّبِيِّ ﷺ للَّذي أرادَ الانتفاءَ مِن ولدِه لمُخالفةِ لَوْنِه: «لَعَلَّهُ نَزَعَهُ عِرْقٌ» (٣)، وهذا قياسٌ لجوازِ مخالفةِ لونِ الولدِ للوالدِ في إحدى نَوعَيِ الحيوانِ على النَّوعِ الآخَرِ، وقياسٌ في الطَّبيعيَّاتِ؛ لأنَّ الأصلَ لَيْسَ فيه نَسَبٌ حَتَّى يُقاسَ في الأنسابِ.
стр. 692
(وَالنَّصُّ عَلَى عِلَّةِ حُكْمِ الأَصْلِ يَكْفِي فِي التَّعَدِّي) إلى الفرعِ عندَ الأكثرِ، أشارَ الإمامُ أحمدُ إليه: لا يَجُوزُ بيعُ رطبٍ بيابسٍ، واحتجَّ بنهيِه ﵇ عن بيعِ الرُّطَبِ بالتَّمرِ.
(وَالحُكْمُ المُتَعَدِّي إِلَى فَرْعٍ بِعِلَّةٍ مَنْصُوصَةٍ: مُرَادٌ بالنَّصِّ، كَعِلَّةِ مُجْتَهِدٍ فِيهَا: فَرْعُهَا مُرَادٌ بِالِاجْتِهَادِ)؛ لأنَّ الأصلَ مُستتبِعٌ لفرعِه.
(وَيَجُوزُ ثُبُوتُ كُلِّ الأَحْكَامِ بِنَصٍّ مِنَ (١) الشَّارِعِ) عندَ الجمهورِ؛ لأنَّ الحوادثَ مُتناهيةٌ لتناهي التَّكليفِ بالعلَّةِ (٢).
قال ابنُ قاضي الجبلِ: لأنَّ الحوادثَ المفتقرةَ إلى الأحكامِ هي الواقعةُ في دارِ التَّكليفِ، والأفعالُ فيها متناهيةٌ ضرورةَ تَناهيها، أمَّا الجنَّةُ فدارُ جزاءٍ لا دارُ تكليفٍ (٣).
و (لَا) يَجُوزُ ثُبُوتُ كلِّ الأحكامِ (بِالقِيَاسِ) عندَ الأكثرِ؛ لأنَّ فيها ما تَختَلِفُ أحكامُه فلا يَجري فيه، ولأنَّ فيها ما لا يُعقَلُ مَعناه كضربِ الدِّيَةِ على العاقلةِ. والقِيَاسُ لا بُدَّ له من أصلٍ، فإجراؤُه في مِثلِ هذا مُتَعَذِّرٌ؛ لِما عُلِمَ أنَّه فرعُ تَعَقُّلِ المَعنى المُعلَّلِ به الحُكمُ في الأصلِ.
(وَمَعْرِفَتُهُ) أي: القِيَاسِ (فَرْضُ كِفَايَةٍ) عندَ تعدُّدِ المجتهدِ على الصَّوابِ، (وَيَكُونُ) القِيَاسُ (فَرْضَ عَيْنٍ) بأنِ احتاجَ المُجتهدُ إلى القِيَاسِ، وكان واحدًا فقطْ معَ ضِيقِ الوقتِ، فيَصيرُ فرضَ عينٍ (عَلَى بَعْضِ المُجْتَهِدِينَ،
وَهُوَ) أي: القِيَاسُ (مِنَ الدِّينِ) عندَ الجمهورِ.
стр. 693
قالَ في «التمهيد»: هل يُسَمَّى دِينًا ومأمورًا به أم لا؟
أمَّا كونُه مأمورًا به فصحيحٌ، وأمَّا كونُه مأمورًا به بصيغةِ «افعلْ» فصحيحٌ أيضًا، مِن قولِه تَعالى: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ (١)، وأمَّا مَنْ وَصَفَه بأنَّه دِينٌ فلا شُبْهَةَ فيه؛ لأنَّ مَا تَعَبَّدَنا اللهُ به فهو دِينٌ، والدَّليلُ عليه أنَّا مُتَعَبَّدونَ بما دَلَّ عليه الدَّليلُ، ولأنَّ مَن نَزَلَتْ به حادثةٌ، وكانَ فيها قاضٍ أو مُفْتٍ أو مجتهدٌ لنَفْسِه وضاقَ عليه الوقتُ: وَجَبَ عليه أنْ يَقِيسَ (٢).
(وَ النَّفْيُ) ضربانِ:
(١) (أَصْلِيٌّ) وطارئٌ، فالأوَّلُ: هو البَقاءُ على ما كانَ قبلَ وُرودِ الشَّرعِ كانتفاءِ صلاةٍ سادسةٍ، فهو مُبْقًى باستصحابِ مُوجَبِ العقلِ (يَجْرِي فِيهِ) أي: في النَّفيِ الأصليِّ (قِيَاسُ الدَّلَالَةِ) وهو أنْ يُستَدَلَّ بانتفاءِ حُكْمِ شيءٍ على انتفائِه عن مِثلِه، ويَكُونَ ضَمَّ دليلٍ إلى دليلٍ (فَيُؤَكَّدُ بِهِ) أي: بالنَّفيِ الأصليِّ (الاِسْتِصْحَابُ) أي: استصحابُ الحالِ، ولا يَجري فيه قياسُ العِلَّةِ على الصَّحيحِ؛ لأنَّه لا مُوجِبَ له قبلَ وُرودِ السَّمعِ، فلَيْسَ بحكمٍ شرعيٍّ حَتَّى يُطلَبَ له عِلَّةٌ شرعيَّةٌ، بل هي نفيُ حكمِ الشَّرعِ ولا علَّةَ، إِنَّمَا العِلَّةُ لِما يِتَجَدَّدُ.
(وَ) الثَّاني (طَارِئٌ، كَبَرَاءَةِ الذِّمَّةِ) مِن الدَّينِ ونَحوِه حُكمٌ شرعيٌّ (يَجْرِي فِيهِ هُوَ) أي: يَجْرِي في النَّفيِ الطَّارئِ قياسُ الدَّلالةِ (وَقِيَاسُ العِلَّةِ) اتِّفاقًا؛ لأنَّه حُكْمٌ شرعيٌّ حادثٌ، فهو كسائرِ الأحكامِ الوُجوديَّةِ.
стр. 694
مَعَكُمْ
(فَصْلٌ)
و (القَوَادِحُ) ما يَقدَحُ في الدَّليلِ بجُملتِه، سواءٌ العِلَّةُ وغيرُها؛ لأنَّه قد يَطرَأُ على مَن يَثْبُتُ عليه الحُكمُ اعتِراضٌ يَقدَحُ في عِلِّيَّةِ ما ادَّعاه عِلَّةً، وذلك مِن أحدِ وُجوهٍ يُعَبَّرُ عنها بالقوادحِ، ورُبَّما كانَتْ قادحةً لا في خُصوصِ العِلَّةِ، فلذلك تَرجَمَها بعضُهم بالاعتِراضاتِ على القِيَاسِ، وبعضُهم بقوادحِ العِلَّةِ.
و (تَرجِعُ) إمَّا (إِلَى المَنْعِ فِي) مُقدِّمَةٍ مِن (المُقَدِّمَاتِ، أَوْ) معارضةٍ مِن (المُعَارَضَاتِ فِي الحُكْمِ) عندَ المُعظَمِ، فمتى حَصَلَ الجوابُ عنها فقد تَمَّ الدَّليلُ ولم يَبْقَ للمُعتَرِضِ مجالٌ، فيَكُونُ ما سِوى ذلك مِن الأسئلةِ باطلًا فلا يُسمَعُ. وقيل: إنَّها كُلَّها تَرجِعُ إلى المنعِ وَحدَه؛ لأنَّ المُعارضَةَ منعٌ للعلَّةِ عنِ الجريانِ؛ لأنَّ الكلامَ إذا كانَ مُجمَلًا لا يَحصُلُ غرضُ المستدلِّ بتفسيرِه، فالمطالبةُ بتفسيرِه (١) تَستلزِمُ منعَ تحقُّقِ الوصفِ، ومَنْعَ لزومِ الحُكْمِ عنه، وقد ذَكَرَها تَبَعًا لأصلِه، وغيرُه أربعةً وعشرين (٢) قادحًا.
(١) (وَمُقَدَّمُهَا) أي: القوادحِ (الِاسْتِفْسَارُ) أي: هو طَلِيعَةٌ لها كطليعةِ الجيشِ؛ لأنَّه المقدَّمُ على كلِّ اعتِراضٍ، وغايتُه استفهامٌ لا اعتِراضٌ، وهو مِن الفَسْرِ، وهو لغةً: طَلَبُ الكشفِ والإظهارِ، ومنه التَّفسيرُ، وإنَّما كانَ مُقَدَّمَ الاعتِراضاتِ لأنَّه إذا لم يُعرَفْ مدلولُ اللَّفظِ استحالَ تَوجُّهُ المنعِ أو المعارضةِ، وهما مرادُ الاعتِراضاتِ كلِّها.
(وَ) الاستفسارُ (هُوَ طَلَبُ) المُعتَرِضِ (مَعْنَى لَفْظِ المُسْتَدِلِّ) أي: مَعنى اللَّفظِ الَّذِي قاله المُستدلُّ إمَّا (لِإِجْمَالِهِ) أي: إجمالِ اللَّفظِ (أَوْ غَرَابَتِهِ)، وإنَّما
стр. 695
يُسمَعُ ذلك مِن المُعتَرِضِ إذا كانَ في لفظِ المُستدلِّ إجمالٌ أو غرابةٌ، وإلَّا فهو تَعَنُّتٌ مُفَوِّتٌ لفائدةِ المُناظرةِ؛ إذ يَأْتي في كلِّ لفظٍ يُفَسَّرُ به لفظٌ وَيَتَسَلْسَلُ،
(وَعَلَى المُعْتَرِضِ بَيَانُ) الإجمالِ أو الغرابةِ بـ (احْتِمَالِهِ) أي: احتمالِ لفظِ المُستدلِّ لمعنيينِ فأكثرَ، حَتَّى يَكُونَ مُجملًا، كما لو قال المُستدلُّ: المُطلَّقةُ تعتدُّ بالأقراءِ، فلفظُ الأقراءِ مُجمَلٌ، فيَقولُ المُعتَرضُ: ما مُرادُك بالأقراءِ؟ فإذا قال: الحيضُ، أو: الأطهارُ، أجابَ بحَسَبِ ذلك مِن تسليمٍ أو منعٍ.
(أَوْ) بِـ (جِهَةِ الغَرَابَةِ) إما مِن حيثُ الوضعُ، كقَوْلِنا: لا يَحِلُّ السِّبْدُ؛ أي: الذِّئبُ، وكما لو قال في الكلبِ الَّذِي لم يُعَلَّمْ: خِرَاشٌ لم يُبْلَ، فلا يُطلِقُ فريستَه كالسِّبْدِ، ومَعنى «لم يُبْلَ»: لم يُختَبَرْ.
قالَ الجَوْهَرِيُّ: بَلَاهُ اللهُ وَأَبْلَاهُ بَلَاءً حَسَنًا وَابْتَلَاهُ اخْتَبَرهُ (١)، وَالفريسةُ: الصَّيدُ، مِن فَرَسَ الأسدُ فريستَه إذا دَقَّ عُنُقَها، ثمَّ كَثُرَ حَتَّى أُطلِقَ على كلِّ قتيلٍ فريسًا (٢)، والسِّبْدُ: الذِّئْبُ بكسرِ السِّينِ وسُكُونِ الباءِ المُوَحَّدَةِ، والخِرَاشُ: الكلبُ، وهو بكسرِ الخاءِ وقبلَ الألفِ راءٌ وبَعدَها شينٌ مُعجَمةٌ.
وأمَّا مِن حيثُ الاصطلاحُ، أي: مِن حيثُ الغرابةُ، أي: خلْطُ اصطلاحٍ باصطلاحٍ، كما يُقالُ في القِيَاساتِ الفقهيَّةِ لفظُ الدَّوْرِ، أو (٣) التَّسلسُلِ، أو الهَيُولة (٤)، أو المادَّةِ، أو المبدأِ، أو الغايةِ، نحوُ أنْ يُقالَ في شهودِ القتلِ إذا رَجَعوا: لا يَجِبُ القصاصُ؛ لأنَّ وُجوبَ القصاصِ تَجَرَّدَ مَبْدَؤُه عن غايةِ مقصودِه، فوَجَبَ ألَّا يَثْبُتَ، وكذا ما أَشْبَه ذلك مِن اصطلاحِ المُتَكَلِّمينَ، إلَّا أنْ يَعرِفَ مِن حالِ خصمِه أنَّه يَعرِفُ ذلك، فلا غرابةَ حينئذٍ.
стр. 696
إذا عُلِمَ ذلك، فبيانُ كَوْنِ اللَّفظِ مُجمَلًا أو غريبًا حَتَّى يَحتاجَ إلى تفسيرٍ على المُعتَرضِ على الأصحِّ (بِطَرِيقِهِ) إلَّا أنَّ الأصلَ عدمُ الإجمالِ، وعدمُ الغرابةِ، فيُبَيّنُ أنَّ اللَّفظَ مجملٌ لكونِه مُتَعَدِّدًا.
و (لَا) يَلْزَمُهُ (بَيَانُ تَسَاوِي الِاحْتِمَالَاتِ) إذا بَيَّنَ كَوْنَ اللَّفظِ مُحتملًا لعُسرِه.
(وَلَوْ قال) المُعتَرضُ: (الأَصْلُ عَدَمُ مُرَجِّحٍ) لبعضِ الاحتمالاتِ على بعضٍ؛ (صَحَّ) ويَكُونُ ذلك تَبَرُّعًا منه على الصَّحيحِ.
(وَجَوَابُهُ) أي: جوابُ المُستدلِّ للمُعتَرضِ عنِ الاستفسارِ (١) (بِمَنْعِ احْتِمَالِهِ) أي: منعِ إجمالِ لفظِ المُستدلِّ (أَوْ) بـ (بَيَانِ ظُهُورِ) لفظِـ (ـهِ فِي مَقْصُودِهِ) أي: فيما قَصَدَه المُستدلُّ، ولا يُعتَدُّ بتفسيرِه بما لا يَحتمِلُه لغةً: بيانُ أنَّه لَيْسَ بمُجمَلٍ ولا غريبٍ عليه؛ لأنَّ شرطَ الدَّلالةِ على المرادِ عدمُ إجمالِ اللَّفظِ وغرابتِه، فيَقولُ المُستدلُّ في جوابِه: هذا ظاهرٌ في مقصودي.
ويُبَيِّنُ ذلك إمَّا:
- (بِنَقْلٍ) مِن لغةٍ، كما لو اعتُرضَ عليه في قولِه: «الوضوءُ (٢) قُربَةٌ، فتَجِبُ له النِّيَّةُ»، فيَقُولُ: الوُضوءُ (٣) يُطلَقُ على النَّظافةِ وعلى الأفعالِ المخصوصةِ، فما الَّذِي تُريدُ بالَّذي تَجِبُ له النِّيَّةُ؟ فيَقولُ: حقيقتَه الشَّرعيَّةَ، وهي الأفعالُ المخصوصةُ.
- (أَوْ) يُبَيِّنُ ظهورَ لفظِه مِن (عُرْفٍ) كإطلاقِ الدَّابَّةِ على ذواتِ الأربعِ،
стр. 697
- (أَوْ) يَقُولُ: لفظي ظاهرٌ لـ (قَرِينَةٍ) مَعَه، مثلُ قولهِ: قرءٌ تَحرُمُ فيه الصَّلَاةُ، فيَحرُمُ الصَّومُ، فقرينةُ تحريمِ الصَّلَاةِ فيه تدُلُّ على أنَّ المرادَ به الحيضُ، وفي الغرابةِ مثلُ قولهِ: «طَلَّةٌ زَوَّجَتْ نَفْسَها فلا يَصِحُّ»، فالطَّلَّةُ: المرأةُ، بدليلِ قولِه: «زَوَّجَتْ نَفْسَها»، لا صفةُ الخمرِ.
- (أَوْ) يُبَيِّنُ غرابةَ لفظِه بـ (تَفْسِيرِهِ إِنْ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ إِبْطَالُ غَرَابَتِهِ) بأنْ يَقُولَ: مُرادي المعنى الفلانِيُّ، لكنْ لا بُدَّ أنْ يُفَسِّرَه بما يَحتمِلُه اللَّفظُ وإنْ بَعُدَ، كما يَقُولُ: يُخرَجُ في الفِطْرَةِ الثَّوْرُ (١)، ويُفَسِّرُه بالقِطعةِ مِن الأَقِطِ.
(وَلَوْ قال) المُستدلُّ: (يَلْزَمُ ظُهُورُهُ في أَحَدِهما) أي: ظهورُ لفظي في أحدِ المَعنيَينِ (٢) (دَفْعًا لِلْإِجْمَالِ، وَفِيمَا (٣) قَصَدْتُهُ (٤) لِعَدَمِ ظُهُورِهِ فِي) المعنى (الآخَرِ) الَّذِي لم أَقصِدْه (اتِّفَاقًا) مِنِّي ومنك، فيَكُونُ ظاهرًا في مُرادي؛ (كَفَى) ذلك في الأصحِّ (بِنَاءً عَلَى أَنَّ المَجَازَ أَوْلَى).
قالَ في «شرح الأصل»: فلو قال المُستدلُّ: هو غيرُ ظاهرٍ في غيرِ مُرادي باتِّفاقٍ مِنِّي ومنك، فيَكُونُ ظاهرًا في مُرادي؛ لئلَّا يَلْزَمَ الإجمالُ.
فمِنهم مَن رَدَّه برجوعِه إلى قولِه: «إنَّ الأصلَ عدمُ الإجمالِ»، والفرضُ أنَّ المُعتَرضَ بَيَّنَ أنَّه مُجمَلٌ، وأيضًا فلا يَلْزَمُ مِن عدمِ ظُهورِه (٥) في الآخَرِ ظهورُه في مقصودِه؛ لجوازِ عدمِ الظُّهورِ فيهما جميعًا.
стр. 698
وصَوَّبَه بعضُهم دَفعًا لمحذورِ الإجمالِ، وذلك حيثُ لا يَجُوزُ (١) اللَّفظُ مشهورًا بالإجمالِ، أمَّا إذا اشتهرَ بالإجمالِ كالعَينِ والقُرءِ والجَونِ ونحوِها؛ فلا يَصِحُّ فيه دَعوى الظُّهورِ أصلًا.
وأمَّا إذا فَسَّرَه بما لا يحتملُ: فلعبٌ، فلا يُسمَعُ؛ لأنَّ غايتَه أنَّه نطقٌ بلغةٍ غيرِ معروفةٍ.
قالَ الحواريُّ (٢): وهذا الحقُّ، وقالَ العَبيديُّ (٣): لا يَلزَمُه التَّفسيرُ أصلًا (٤).
هذا كُلُّه إذا لم يَكُنِ اللَّفظُ مشهورًا، فإنْ كانَ مَشهورًا فالجزمُ تَبْكِيتُ المُعتَرضِ، ويُقالُ: «مُرْ فتَعَلَّمْ، ثمَّ ارجعْ فتَكَلَّمْ»، وهذا مَعنى قولِه: (وَلَا يُعْتَدُّ بِتَفْسِيرِهِ بِمَا لَا يَحْتَمِلُهُ لُغَةً).
الثَّاني مِن القوادحِ: (فَسَادُ الِاعْتِبَارِ) وهو (مُخَالَفَةُ القِيَاسِ نَصًّا) للقرآنِ أو السُّنَّةِ (أَوْ) مخالفتُه (إِجْمَاعًا) فإنَّ ذلك يَدُلُّ على فسادِه.
مثالُ مخالفتِه نصَّ القُرآنِ: أنْ يَقُولَ المُستدلُّ في تَبْيِيتِ الصَّومِ: صَومٌ مفروضٌ، فلا يَصِحُّ بنيَّةٍ مِن النَّهارِ كالقضاءِ. فيَقُولُ المُعتَرضُ: هذا فاسدُ الاعتبارِ؛ لمخالفةِ قولِه تَعالى: ﴿وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ﴾ (٥) فإِنَّه يَدُلُّ على أنَّ
стр. 699
كلَّ صائمٍ يَحصُلُ له أجرٌ عظيمٌ، وذلك يَستلزمُ الصِّحَّةَ، ويَأتي جوابُه معَ ما بَعدَه.
ومثالُ مخالفةِ نصِّ السُّنَّةِ أنْ يَقُولَ: لا يَصِحُّ السَّلَمُ في الحيوانِ؛ لأنَّه يَشتمِلُ على غَرَرٍ، فلا يَصِحُّ كالسَّلَمِ في المختلطِ. فيُقالُ: هذا فاسدُ الاعتبارِ؛ لمخالفةِ سُنَّةِ رسولِ اللهِ ﷺ أنَّه رَخَّصَ في السَّلَمِ.
ومثالُ مخالفةِ الإجماعِ: قولُ حنفيٍّ: لا يَجُوزُ للرَّجُلِ أنْ يُغَسِّلَ امرأتَه؛ لأنَّه يَحرُمُ النَّظَرُ إليها كالأجنبيَّةِ، فيُقال: هذا فاسدُ الاعتبارِ؛ لمخالفةِ الإجماعِ السُّكُوتِيِّ، وهو أنَّ عليًّا غَسَّلَ فاطمةَ (١)، وسُمِّيَ هذا النوعُ بذلك؛ لأنَّ الفسادَ لَيْسَ في وضعِ القِيَاسِ وتركيبِه، بل لأمرٍ مِن (٢) خارجٍ، وهو عدمُ صِحَّةِ الاحتجاجِ به معَ وجودِ النَّصِّ المخالِفِ له؛ لحديثِ معاذٍ (٣) حيثُ أَخَّرَ العملَ بالقِيَاسِ عنِ النَّصِّ، وصَوَّبَه ﷺ ، فدَلَّ على أنَّ رُتبةَ القِيَاسِ بعدَ النَّصِّ، ولأنَّ الظَّنَّ المستفادَ مِن النَّصِّ أقوى رُتبةً مِن الظَّنِّ المستفادِ مِنَ القِيَاسِ، وكذا الصَّحابةُ لم يَقِيسوا إلَّا معَ عدمِ النَّصِّ؛ ولأنَّه لا يَجُوزُ الحُكمُ بالقِيَاسِ إلَّا بعدَ طَلَبِه مِن النُّصوصِ.
(وَجَوَابُهُ) أي: جوابُ هذا القَدحِ يَحصُلُ بأوجهٍ:
стр. 700
- منها: (بِضَعْفِهِ) أي: بالطَّعنِ في سندِ النَّصِّ، فيَمنَعُ دَلالتَه أو يَمنَعُ صِحَّتَه،
مثالُ الأوَّلِ: أنْ يَقُولَ المُستدلُّ في الصَّومِ: لا نُسَلِّمُ أنَّ الآيةَ تَدُلُّ على صِحَّةِ الصَّومِ بدونِ تَبْيِيتِ النِّيَّةِ؛ لأنَّها مُطلَقَةٌ، وقيَّدْناها بحديثِ: «لَا صِيَامَ لِمَنْ لَمْ يُبَيِّتِ الصِّيَامَ مِنَ اللَّيْلِ» (١).
ومثالُ الثَّاني: أن يَقُولَ في مسألةِ السَّلَمِ: لا نُسَلِّمُ صِحَّةَ التَّرخيصِ في السَّلَمِ، وإنْ سَلَّمْنا فلا نُسَلِّمُ أنَّ اللَّامَ فيه للاستغراقِ، فلا يَتناوَلُ الحيوانَ، وإنْ صَحَّ السَّلَمُ في غيرِه.
وأمَّا مسألةُ غَسلِ الزَّوجةِ: فبأنْ يَمنعَ صِحَّةَ ذلك عن عليٍّ، وإنْ سُلِّمَ فلا نُسِلِّمُ أنَّ ذلك اشتهرَ، وإنْ سُلِّمَ فلا نُسَلِّمُ أنَّ الإجماعَ السُّكوتِيَّ حُجَّةٌ، وإنْ سُلِّمَ فالفرقُ بينَ عليٍّ وغيرِه أنَّ فاطمةَ زوجتُه في الدُّنيا والآخرةِ، فالموتُ لم يَقطَعِ النِّكاحَ بينَهما بإخبارِ النَّبِيِّ ﷺ بخلافِ غيرِهما، فإنَّ الموتَ يَقطَعُ نِكاحَهما.
- (أَوْ) أي: وجوابُه: إمَّا بالطَّعنِ في سندِ النَّصِّ، أو بـ (مَنْعِ ظُهُورِ) دَلالتـ (ـهِ) على ما يَلْزَمُ منه فسادُ القِيَاسِ، بأن يَقُولَ في مسألةِ الصَّومِ: لا نُسَلِّمُ أنَّ الآيةَ تَدُلُّ على صِحَّةِ الصَّومِ بدونِ تبييتِ النِّيَّةِ؛ لأنَّها مُطلقةٌ، وقَيَّدْناها بحديثِ:
стр. 701
«لَا صِيَامَ لِمَنْ لَمْ يُبَيِّتِ الصِّيَامَ مِنَ اللَّيْلِ» (١).
- (أَوْ) بِـ (تَأْوِيلِهِ) بأن يَدَّعِيَ أنَّ النَّصَّ المُعارَضَ به مُؤَوَّلٌ بدليلٍ يُرَجِّحُه على الظَّاهرِ، كأنْ يَقُولَ في مسألةِ الصَّومِ: إنَّ الآيةَ دَلَّتْ على ثوابِ الصَّائمِ، وإنَّا لا نُسَلِّمُ أنَّ المُمسِكَ بدونِ تبييتِ النِّيَّةِ صائمٌ.
- (أَوْ) بِـ (القَوْلِ بِمُوجَبِهِ) على ظاهرِه ويَدَّعِيَ أنَّ مَدلولَه لا يُنافي القِيَاسَ، كأنْ يَقُولَ: إنَّ الآيةَ دَلَّتْ على أنَّ الصَّائمَ يُثابُ بدونِ تبييتِ النِّيَّةِ، وأنا أَقولُ بمُوجَبِه، لكنَّها لا تَدُلُّ على أنَّه لا يَلْزَمُه القضاءُ، والنِّزاعُ فيه.
- (أَوْ) بِـ (مُعَارَضَتِهِ) أي: معارضةِ النَّصِّ (بِـ) نصٍّ (مِثْلِهِ) فَيُسَلَّمُ القِيَاسُ حينئذٍ لقوَّتِه بموافقةِ النَّصِّ.
القادحُ الثَّالثُ: (فَسَادُ الوَضْعِ وَهُوَ أَخَصُّ مِمَّا تَلَاه) أي: مِن فسادِ الاعتبارِ.
فإنْ قِيلَ: فسادُ الاعتبارِ يَؤُولُ إلى فسادِ الوضعِ؛ لأنَّ كلًّا مِنهما اجتهادٌ في مقابلةِ النَّصِّ فما وجهُ تَمييزِه عنه؟
والجوابُ: أنَّ مِن أنواعِ فسادِ الاعتبارِ كَوْنَ تَركيبِه مُشعِرًا بنقيضِ الحُكمِ المطلوبِ، فهو أَعَمُّ مِن فسادِ الوضعِ ومُقَدَّمٌ عليه؛ لأنَّ فسادَ الاعتبارِ نَظَرٌ في فسادِ القِيَاسِ [مِن حيثُ الحُكمُ، وفسادُ الوضعِ أخصُّ باعتبارٍ؛ لأنَّه يَستلزمُ عَدَمَ اعتبارِ القِيَاسِ] (١)؛ لأنَّه قد يَكُونُ بالنَّظَرِ إلى أمرٍ خارجٍ عنه وهو: (كَوْنُ الجَامِعِ) بينَ الأصلِ والفرعِ (ثَبَتَ اعْتِبَارُهُ بِنَصٍّ) في نقيضِ الحُكمِ، كقولِ حنفيٍّ: الهِرَّةُ سَبُعٌ ذو نابٍ، فيَكُونُ سُؤرُه نَجِسًا كالكلبِ.
стр. 702
فيُقال: السَّبُعِيَّةُ اعتَبَرها الشَّارِعُ عِلَّةً للطَّهارةِ حيثُ دُعِيَ إلى دارٍ فيها كلبٌ، فامتنعَ، ودارٍ أُخرى فيها سِنَّوْرٌ فأجابَ، فقِيلَ له، فقالَ: «السِّنَّوْرُ سَبُعٌ» (١)، رَوَاه أحمدُ وغيرُه.
(أَوْ) ثَبَتَ اعتبارُه بـ (إِجْمَاعٍ (٢)، كَقَوْلِ شَافِعِيٍّ فِي مَسْحِ الرَّأْسِ) في الوُضوءِ: (مَسْحٌ، فَسُنَّ تَكْرَارُهُ كَاسْتِجْمَارٍ) حيثُ استُحِبَّ الإتيانُ فيه.
(فيُعتَرَضُ) على الشَّافعيِّ (بكراهةِ تَكْرَارِ مَسْحِ الخُفِّ) فيُقالُ: المسحُ على الخُفِّ لا يُستَحَبُّ تَكرارُه إجماعًا، وجوابُ المُستدِلِّ ببيانِ المانعِ لتَعَرُّضِه لتلفِ الخُفِّ، وسُؤالُ فسادِ الوضعِ نقضٌ خاصٌّ لإثباتِه نقيضَ الحُكْمِ، فإنْ ذَكَرَ المُعتَرضُ نقيضَ الحكمِ معَ أصلِه، فقالَ: لا يُستَحَبُّ تَكرارُ مسحِ الرَّأسِ كالخُفِّ: فهو القلبُ، لكنِ اختلَفَ أصلُهما، وإنْ بَيَّنَ المُعتَرضُ مُناسبةَ الجامعِ للنَّقيضِ ولم يَذكُرْ أصلَه، فإنْ بَيَّنَها (٣) مِن جهةِ دَعوى المُستدلِّ: فهو القدحُ في المناسبةِ، وإلَّا لم يَقدَحْ؛ لجوازِ أنَّ للوصفِ جهتينِ كمَحَلٍّ مُشْتَهًى: يُناسِبُ حِلَّه لإراحةِ القلبِ، وتحريمَه لكفِّ النَّفسِ.
(وَمِنْهُ) أي: مِن فسادِ الوضعِ (كَوْنُ الدَّلِيلِ عَلَى هَيْئَةٍ غَيْرِ صَالِحَةٍ لِاعْتِبَارِهِ) أي: بألَّا يَكُونَ الدَّليلُ على الهيئةِ الصَّالحةِ لاعتبارِه (فِي تَرْتِيبِ الحُكْمِ) كأنْ يَكُونَ صالحًا لضِدِّ ذلك الحُكْمِ أو نقيضِه، فدَلَّ أنَّهما نوعانِ لخطابِ الوضعِ:
стр. 703
فالأوَّلُ (كَتَلَقِّي:
(١) تَخْفِيفٍ مِنْ تَغْلِيظٍ، كَقَوْلِ حَنَفِيٍّ: القَتْلُ جِنَايَةٌ عَظِيمَةٌ، فَلَا يَجِبُ فِيهَا كَفَّارَةٌ كَبَقِيَّةِ الكَبَائِرِ، فَـ) قَوْلُهُ (١) أي: المُستدلِّ: (جِنَايَةٌ عَظِيمَةٌ تُناسِبُ التَّغليظَ).
(أَوْ) تَلَقِّي (تَوْسِيعٍ مِنْ تَضْيِيقٍ، كـ) قولِه: (الزَّكَاةُ مَالٌ وَاجِبٌ إِرْفَاقًا لِدَفْعِ الحَاجَةِ، فَكَانَ عَلَى التَّرَاخِي، كَالدِّيَةِ عَلَى العَاقِلَةِ، فَـ) قَوْلُهُ: (لِدَفْعِ (٢) الحَاجَةِ (٣) يَقْتَضِي الفَوْرَ).
(٢) (أَوْ) أي: والنَّوعُ الثَّاني: كتَلَقِّي (إِثْبَاتٍ مِنْ نَفْيٍ، كَـ) قولِه: (المُعَاطَاةُ فِي اليَسِيرِ بَيْعٌ لَمْ يُوجَدْ فِيهِ سِوَى الرِّضَا، فَوَجَبَ أَنْ يَبْطُلَ كَغَيْرِهِ، فَـ) قولُه: (الرِّضَى يُنَاسِبُ الِانْعِقَادَ).
وإنَّما سُمِّيَ هذا فسادَ الوضعِ؛ لأنَّ وضعَ القِيَاسِ جَعَلَه في مَحَلٍّ على هيئةٍ أو كيفيَّةٍ صالحةٍ لأنْ يَتَرَتَّبَ على ذلك الحُكمِ المطلوبِ، فإذا كانَ ذلك المحلُّ أو تلك الهيئةُ لا تُناسِبُ: فَسَدَ وضعُه، فإذا اقتضَتِ العِلَّةُ نقيضَ الحُكمِ المُدَّعَى أو خلافَه: كانَ ذلك مُخالفًا للحِكمةِ؛ إذْ مِن شأنِ العِلَّةِ أنْ تُناسِبَ مَعلُولَها؛ لأنَّها تُخالِفُه، فكانَ ذلك فاسدَ الوضعِ بهذا الاعتبارِ.
(وَجَوَابُهُمَا) أي: جوابُ نَوْعَيْ فسادِ الوضعِ (بِتَقْرِيرِ (٤) كَوْنِهِمَا كَذَلِكَ) فيُقَدَّرُ كَوْنُ الدَّليلِ صالحًا لاعتبارِه في ترتيبِ الحُكمِ عليه، كأنْ يَكُونَ له جهتانِ يَنظُرُ المُستدلُّ مِن إحداهما والمُعتَرضُ مِن الأُخرى، كالارتفاقِ ودفعِ الحاجةِ في مسألةِ الزَّكاةِ، ويُجابُ عنِ الكَفَّارةِ في القتلِ بأنَّه غُلِّظَ فيه
стр. 704
بالقصاصِ فلا يُغَلَّظُ فيه بالكَفَّارةِ، وعنِ المُعاطاةِ بأنَّ عَدَمَ الانعقادِ بها مُرَتَّبٌ على عَدَمِ الصِّيغةِ لا على الرِّضى، ويُقَرِّرُ النَّوعَ الأوَّلَ كَوْنُ الجامعِ مُعتَبَرًا في ذلك الحُكمِ، ويَكُونُ تَخَلُّفُه عنه بأنْ وُجِدَ معَ نقيضِه لمانعٍ، كما في مسحِ الخُفِّ، فإنَّ تَكرارَه يُفسِدُه بغسلِه.
القادحُ الرَّابعُ: (مَنْعُ) المُعتَرضِ مِن (حُكْمِ الأَصْلِ) أي: أصلِ المُستدلِّ، كأنْ يَقُولَ حنبليٌّ: الخلُّ مائعٌ لا يَرفَعُ الحَدَثَ، فلا يُزيلُ النَّجاسةَ كالدُّهنِ. فيقولُ حنفيٌّ: لا أُسَلِّمُ الحُكمَ في الأصلِ، فإنَّ الدُّهنَ عندي يُزيلُ النَّجاسةَ؛ فـ (يُسْمَعُ) منه منعُ حُكمُ الأصلِ في الأصحِّ.
(وَلَا يَنْقَطِعُ) المُستدلُّ (بِمُجَرَّدِ) مَنْعِـ (ـهِ) منه (١) عندَ الأكثرِ؛ لأنَّه منعُ مُقدِّمةٍ مِن مُقدِّماتِ القِيَاسِ، فله إثباتُه (٢) كسائرِ المُقدِّماتِ، أي: (فَيَدُلُّ) المُستدلُّ (عَلَيْهِ) أي: على أصلٍ مَقِيسٍ عليه، و (كَـ) ـما لو اعتُرِضَ عليه بـ (مَنْعِ العِلَّةِ، أَوْ وُجُودِهَا) فإِنَّه لا يَنقَطِعُ المُستدلُّ بذلك، وله إقامةُ الدَّليلِ على حُكمِ الأصلِ.
(فَإِنْ دَلَّ) أي: أقامَ الدَّليلَ على إثباتِ حُكمِ الأصلِ (لَمْ يَنْقَطِعِ المُعْتَرِضُ) بمُجرَّدِ دَلالةِ المُستدلِّ على الأصحِّ (فَلَهُ الِاعْتِرَاضُ) على ذلك الدَّليلِ بطريقِه؛ إذْ لا يَلْزَمُ مِن وجودِ صورةِ الدَّليلِ صِحَّتُه.
(وَلَيْسَ) ذلك الاعتِراضُ (بِخَارِجٍ عَنِ المَقْصُودِ) الأصليِّ (فَيَتَوَجَّهُ لَهُ) أي: للمُعتَرضِ (سَبْعُ مُنُوعٍ) أي: سبعُ اعتِراضاتٍ (مُرَتَّبَةٍ) ثلاثةٌ تَتَعَلَّقُ بالأصلِ، وثلاثةٌ بالعلَّةِ، وواحدٌ بالفرعِ:
стр. 705
فيُقَدَّمُ منها ما يَتَعَلَّقُ بالأصلِ: مِن منعِ حُكمِه، أو كَوْنِه ممَّا لا يُقاسُ عليه، أو كَوْنِه غيرَ مُعَلَّلٍ،
ثمَّ ما يَتَعَلَّقُ بالعِلَّةِ؛ لأنَّها فَرعُه لاستنباطِها منه مِن مَنْعِ كَوْنِ ذلك الوصفِ عِلَّةً، أو مَنْعِ وجودِه في الأصلِ، أو مَنْعِ كَوْنِهِ مُتَعَدِّيًا،
ثمَّ ما يَتَعَلَّقُ بالفرعِ؛ لابتنائِه عليهما، كمنعِ وجودِ الوصفِ المُدَّعَى عِلِّيَّتُه في الفرعِ، فيُقالُ في الإثباتِ بمُنُوعٍ مُرَتَّبَةٍ: لا نُسَلِّمُ حُكْمَ الأصلِ، سَلَّمْنا ذلك، ولا نُسَلِّمُ أنَّه ممَّا يُقاسُ فيه، لِمَ لا يَكُونُ ممَّا اختُلِفَ في جوازِ القِيَاسِ فيه؟ سَلَّمْنا ذلك، ولا نُسَلِّمُ أنَّه مُعَلَّلٌ، لِمَ لا يُقالُ: إنَّه تَعبُّدِيٌّ؟ سَلَّمْنا ذلك، ولا نُسَلِّمُ أنَّ هذا الوصفَ عِلَّتُه. لِم لا يُقالُ: العِلَّةُ غيرُه؟ سَلَّمْنا ذلك، ولا نُسَلِّمُ وُجودَ الوصفِ في الأصلِ، سَلَّمْنا ذلك، ولا نُسَلِّمُ: «الوصفُ مُتعدٍّ» لِمَ لا يُقالُ: إنَّه قاصرٌ؟ سَلَّمْنا ذلك، ولا نُسَلِّمُ وجودَه في الفرعِ.
وظاهرُ إيرادِها على هذا التَّرتيبِ وجوبُه (١) لمُناسبةِ ذلك التَّرتيبِ الطَّبيعيِّ، وجوابُ هذه الاعتِراضاتِ بدَفعِ ما يُرادُ دَفعُه منها بطريقِه المفهومةِ.
(وَإِنِ اعْتَرَضَ) المُعتَرضُ (عَلَى حُكْمِ الأَصْلِ بـ) أنْ قال للمُستدلِّ: (إِنِّي [لَا أَعْرِفُ] (٢) مَذْهَبِي فِيهِ) أي: فيما قِسْتَ عليه، (فَإِنْ أَمْكَنَ المُسْتَدِلَّ بَيَانُهُ) أي: بيانُ حُكْمِ الأصلِ بيَّنَه (وَإِلَّا) يُمْكِنْه بيانُه (دَلَّ) المُعتَرضُ (عَلَى إِثْبَاتِهِ) أي: إثباتِ أصلِه ولمْ يَنقطِعْ بذلك (٣).
(وَلِلْمُسْتَدِلِّ) عندَ أصحابِنا وغيرِهم (أَنْ يَسْتَدِلَّ) يَعني: يَحتَجَّ (بِدَلِيلٍ عِنْدَهُ فَقَطْ) أي: دونَ المُعتَرضِ (كَمَفْهُومٍ وَقِيَاسٍ، فَإِنْ) مَنَعَه خصمُه بأنِ