← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 250

الذخر الحرير بشرح مختصر التحرير

أحمد بن عبد الله البعلي

Полный текст (882 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

وقد اختُلِفَ في هذا؛ فالجمهورُ على أنَّه (دَعْوَى دَلِيلٍ، لَا نَفْسُهُ) أي: لَيْسَ هذا نفسَ الدَّليلِ، فإذا قُلْنا: وُجِدَ المُقتضى، معناه: الدَّليلُ، ولم يُقِمْ على وُجودِه دليلًا (١). (وَالِاسْتِصْحَابُ) مبتدأٌ، خَبَرُه قولُه: دليلٌ (وَهُوَ) أي: الاستصحابُ (التَّمَسُّكُ بِدَلِيلٍ عَقْلِيٍّ، أَوْ) دليلٍ (شَرْعِيٍّ لَمْ يَظْهَرْ عَنْهُ) أي: عن الدَّليلِ العقليِّ أو الشَّرعيِّ (نَاقِلٌ مُطْلَقًا) أي: لم يَظهَرْ دليلٌ يَنقُلُه عن حُكمِ الدَّليلِ المُسْتَصْحَبِ، والمعنى: إذ كانَ حكمًا موجودًا وهو محتملٌ أن يَتَغَيَّرَ، فالأصلُ بقاؤُه ونفيٌ ممَّا يُغَيِّرُه. وحقيقةُ استصحابِ الحالِ التَّمسُّكُ بدليلٍ عقليٍّ تارةً يَكُونُ بحُكْمِ دليلِ العقلِ، كاستصحابِ حالِ البراءةِ الأصليَّةِ، فإنَّ العقلَ دليلٌ على براءَتِها وعدمِ توجُّهِ الحُكمِ إلى المُكَلَّفِ، وتارةً يَكُونُ الاستصحابُ بحُكمِ الدَّليلِ الشَّرعيِّ، كاستصحابِ حُكمِ العمومِ والإجماعِ إلى أن يَظهَرَ دليلٌ ناقلٌ عن حُكمِ الدَّليلِ المُستَصحَبِ، فيَجِبُ المصيرُ إليه، كالبَيِّنَةِ الدَّالَّةِ على شَغلِ الذِّمَّةِ وتخصيصِ العمومِ، ونحوِ ذلك، ومنه استصحابُ العدمِ الأصليِّ وهو الَّذِي عُرِفَ بالعقلِ انتفاؤُه، وأنَّ العدمَ الأصليَّ باقٍ على حالِه، كأصلِ عدمِ وجوبِ صلاةٍ سادسةٍ، وصومِ شهرٍ غيرِ رمضانَ، فلَمَّا لم يَرِدِ السَّمعُ بذلك حَكَمَ العقلُ بانتفائِه لعدمِ المُثبِتِ له. إذا تَقَرَّرَ ذلك فالاستصحابُ (دليلٌ) عندَ الأكثرِ، وقِيلَ: لا يَكُونُ دليلًا، وعليه يَجوزُ التَّرجيحُ به عندَ بعضِهم، وقِيلَ: يُشتَرَطُ ألَّا يُعارِضَه ظاهرٌ.

стр. 772

فائدةٌ: قالَ في «شرح الأصل»: لنا مسائلُ كثيرةٌ يُقَدَّمُ فيها الظَّاهرُ على الأصلِ، ومسائلُ فيها خلافُ إطلاقِ الاحتجاجِ بالاستصحابِ شامِلٌ لِما عارَضَه ظاهرٌ أو لا، ولكنْ يَرِدُ علينا في النَّفيِ والإثباتِ مسائلُ كثيرةٌ فيما تَعارَضَ فيه الأصلُ والظَّاهرُ؛ كطينِ الشَّوارعِ، وثيابِ مُدمِنِي (١) الخمرِ، وأواني الكفَّارِ المُتَلَبِّسِينَ بالنَّجاسةِ، وثيابِ القَصَّابِينَ وأفواهِ الصِّغارِ، وغيرِ ذلك مِن المسائلِ الَّتي لا تَكادُ تُحصَى (٢). ثمَّ قالَ: لكنْ إذا قَدَّمْنا الظَّاهرَ على الأصلِ، لَيْسَ تقديمُه مِن حيثُ الاستصحابُ، بل لمرجِّحٍ مِن خارجٍ يَنضَمُّ إلى ذلك (٣). (وَلَيْسَ اسْتِصْحَابُ حُكْمِ الإِجْمَاعِ فِي مَحَلِّ الخِلَافِ حُجَّةً) وهو أن يَحصُلَ الإجماعُ على حُكمٍ في حالٍ، فتَتَغَيَّرُ تلك الحالُ ويَقَعُ الخلافُ فلا يُستصحَبُ حالُ الإجماعِ في مَحَلِّ الخلافِ، كقولِ مَن يَقُولُ في (٤) الخارجِ مِن غيرِ السَّبيلينِ أنَّه لا يَنقُضُ للإجماعِ (٥) على أنَّه قَبْلَه مُتَطَهِّرٌ، والأصلُ البقاءُ حَتَّى يَثبُتَ تعارُضٌ، والأصلُ عدمُه، فلا يَكُونُ حُجَّةً في الأصحِّ؛ لأنَّه يُؤَدِّي إلى التَّكافُؤِ في الأدلَّةِ؛ لأنَّه ما مِن أحدٍ يَستصحِبُ حالةَ الإجماعِ في موضعِ الخلافِ إلَّا ولخصمِه أنْ يَستصحِبَ حالةَ الإجماعِ في مُقابِلِه. مثالُه: لو قالَ في مسألةِ التَّيمُّمِ: قِيلَ: أجمعوا على أنَّ رؤيةَ الماءِ في غيرِ الصَّلَاةِ تُبطِلُ تَيمُّمَه، فكذا في الصَّلَاةِ، قِيلَ: أَجمَعُوا على صِحَّةِ تحريمتِه، فمَن أَبْطَلَه لَزِمَه الدَّليلُ. وجوابُه بمنعِ التَّكافُؤِ وإنْ تَعارَضَا.

стр. 773

(وَيَجُوزُ تَعَبُّدُ نَبِيٍّ بِشَرِيعَةِ نَبِيٍّ قَبْلَهُ عَقْلًا) على الصَّحيحِ؛ لأنَّه لَيْسَ بمُحالٍ، ولا يَلْزَمُ منه مُحالٌ، وكانَ ﷺ : «يَتَحَنَّثُ فِي غَارِ حِرَاءَ» رَوَاه مسلمٌ (١) عن عائشةَ، والتَّحنُّثُ: هو التَّعبُّدُ. (وَلَمْ يَكُنْ نَبِيُّنَا ﷺ قَبْلَ البَعْثَةِ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ قَوْمُهُ) عندَ أئمَّةِ الإسلامِ كما تَواتَرَ عنه، ومَن زَعَمَه فهو قولُ سوءٍ، ولم يَكُنْ على دينِ قومِه قَطُّ، (بَلْ) وُلِدَ مؤمنًا نبيًّا (٢) صالحًا على ما كَتبَه اللهُ تَعَالَى وعَلِمَه مِن حالِه وخاتمتِه لا بدايتِه. و (كَانَ) قَبْلَ البعثةِ (مُتَعَبِّدًا ﷺ في الفروعِ (بِشَرْعِ مَنْ قَبْلَهُ) مِن الأنبياءِ على الصَّحيحِ؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ منهم قَبْلَه دَعَا إلى شرعِه كلَّ المُكَلَّفِينَ، والنَّبيُّ ﷺ واحدٌ منهم، فيَتَنَاوَلُه عمومُ الدَّعوةِ، ثمَّ اختلفوا على هذا القولِ: هل كانَ مُتَعَبِّدًا بشرعٍ معيَّنٍ أو لا. ثمَّ اختلفَ القائلُ في المُعيَّنِ، فقِيلَ: آدمُ أو نوحٌ، أو إبراهيمُ، أو موسى، أو عيسى صَلَوَاتُ اللهِ عليهم أجمعينَ، والصَّحيحُ أنَّه كانَ مُتَعَبِّدًا بشرعِ مَن قَبْلَه (مُطْلَقًا) أي: مِن غيرِ تعيينِ واحدٍ منهم بعينِه، واسْتُدلَّ له بحديثِ مسلمٍ السَّابقِ، ورَوَاه البخاريُّ أيضًا: «كَانَ يَتَحَنَّثُ بِغَارِ حِرَاءَ». تنبيهانِ: أحدُهما: قولُه: «مُتَعَبِّدًا»، بكسرِ الباءِ، ولا يَجُوزُ فتحُها، قاله القَرَافِيُّ (٣)، وكلامُ الآمِدِيِّ مُوهِمٌ بخلافِ ما بعدَ البعثةِ، فإِنَّه كانَ مُتَعَبَّدًا بفتحِ الباءِ.

стр. 774

الثَّاني: قالَ القَرَافِيُّ في «شرح التنقيح»: حكايةُ الخلافِ أنَّه ﵊ كانَ مُتعبِّدًا بشرعِ مَن قَبْلَه يَجِبُ أنْ يَكُونَ مَخصوصًا بالفروعِ دونَ الأصولِ، فإنَّ قواعدَ العقائدِ كانَ النَّاسُ (١) مُكَلَّفِينَ بها إجماعًا، ولذلك كانَ مَوتاهم في النَّارِ إجماعًا، لولا التَّكليفُ ما كانوا في النَّارِ، فهو ﵊ مُتَعَبَّدٌ (٢) بشرعِ مَن قبْلَه، فالخلافُ في الفروعِ خاصَّةً، فعمومُ إطلاقِ العلماءِ مخصوصٌ بالإجماعِ. (وَتَعَبَّدَ) ﷺ (أَيْضًا بِهِ) أي: بشرعِ مَن قَبْلَه (بَعْدَهَا) أي: بعدَ البعثةِ عندَ الجمهورِ؛ أي: بما لم يُنسَخْ، (فَـ) على هذا شَرْعُ مَن قَبْلَنا (هُوَ شَرْعٌ لَنَا مَا لَمْ يُنْسَخْ) وعليه الأكثرُ، ووجهُه قولُه تَعالى: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ (٣)، والشَّريعةُ مِن الهُدَى. قالَ القاضي: من حيثُ صارَ شرعًا لنَبِيِّنا لا مِن حيثُ صارَ شرعًا لمَن قَبْلَه (٤). (وَمَعْنَاهُ) أي: مَعنى شرعِ مَن قَبْلَنا شَرعٌ لنا (في قولٍ) للبِرْماوِيِّ (أَنَّهُ) ﵇ (مُوَافِقٌ) لشرعِ مَن قَبْلَه (لَا مُتَابِعٌ) له. والقولُ الثَّاني: أنَّه شَرعٌ لم يُنسَخْ، فيَعُمُّنا لفظًا. وقال الشَّيخُ: يَعُمُّنا عقلًا؛ لتساوي الأحكامِ، وهو الاعتبارُ المذكورُ في قصصِهم، فيَعُمُّنا حكمًا (٥).

стр. 775

(وَيُعْتَبَرُ فِي قَوْلٍ) للقاضي وغيرِه (ثُبُوتُهُ) أي: ثبوتُ كَوْنِه شرعًا لهم (قَطْعًا) إمَّا بكتابٍ أو بخبَرِ الصَّادقِ أو بنقلٍ متواترٍ، فأمَّا الرُّجوعُ إليهم أو إلى كُتُبِهم فلا. (وَ) مِن أنواعِ الاستدلالِ: (الِاسْتِقْرَاءُ بِالجُزْئِيِّ عَلَى الكُلِّيِّ)، وهو تَتَبُّعُ أمرٍ كُلِّيٍّ مِن جزئياتٍ ليَثْبُتَ الحُكمُ لذلك الكُلِّيِّ، وهو نوعانِ: أحدُهما: استقراءٌ تامٌّ، وهو إثباتُ حُكمٍ في جزئيٍّ لثبوتِه في الكُلِّيِّ. والثَّاني: ناقصٌ، - فـ (إِنْ كَانَ) الاستقراءُ (تَامًّا؛ أَيْ: بِالكُلِّ إِلَّا صُورَةَ النِّزَاعِ) فهو (قَطْعِيٌّ) نحوُ: كلُّ جسمٍ مُتَحَيِّزٌ، فإنَّا اسْتَقرَأْنا جميعَ جزئيَّاتِ الجسمِ، فوَجَدْناها مُنحصِرَةً في الجمادِ والنَّباتِ والحيوانِ، وكلٌّ مِن ذلك مُتَحَيِّزٌ، فقد أفادَ هذا الاستقراءُ الحُكْمَ يَقينًا في كُلِّيٍّ وهو الجسمُ الَّذِي هو مشتركٌ بينَ الجزئيَّاتِ، فكلُّ جزءٍ مِن الكُلِّيِّ يُحكَمُ عليه بما حُكِمَ به على الكُلِّيِّ، إلَّا صورةَ النِّزاعِ، فيُستَدَلُّ بذلك على صورةِ النِّزاعِ، وهو مُفيدُ القطعِ، فإِنَّه هو (١) القِيَاسُ، فإنَّ القِيَاسَ المنطقيَّ مُفيدٌ للقطعِ عندَ الأكثرِ. - (أَوْ) كانَ الاستقراءُ (نَاقِصًا؛ أَيْ: بِأَكْثَرِ الجُزْئِيَّاتِ) أي: يُتَّبَعُ فيه أكثرُ الجزئيَّاتِ لإثباتِ الحُكْمِ للكُلِّيِّ المُشتَركِ بينَ جميعِ الجزئيَّاتِ بشرطِ ألَّا يُتَبَيَّنَ العِلَّةُ المُؤَثِّرَةُ في الحُكْمِ، (وَيُسَمَّى) هذا عندَ الفقهاءِ (إِلْحَاقَ الفَرْدِ بِالأَعَمِّ الأَغْلَبِ، فَـ) هذا الاستقراءُ (ظَنِّيٌّ) لاحتمالِ أن يَكُونَ الجزئيُّ مُخالِفًا

стр. 776

لباقي الجزئيَّاتِ المُسْتَقْرَأَةِ، ويَختلفُ فيه الظَّنُّ باختلافِ الجزئيَّاتِ، فكُلَّما كانَ الاستقراءُ في أكثرَ، كانَ أقوى ظنًّا. ومَثَّلَه ابنُ مُفْلِحٍ (١) وغيرُه بقولِهم: الوترُ يُفعَلُ راكبًا، فلَيْسَ واجبًا لاستقراءِ الواجباتِ الأداءِ والقضاءِ مِن الصَّلواتِ الخمسِ، فلم نَرَ شيئًا منها يُفعَلُ راكبًا، والدَّليلُ على أنَّه يُفِيدُ الظَّنَّ: أنَّا إذا وَجَدْنا صورًا كثيرةً داخلةً تحتَ فرعٍ، واشْتَرَكَتْ في حُكمٍ أَفادَتْنا تلك الكثرةُ قطعًا ظَنَّ الحُكمِ بعدمِ الأداءِ على الرَّاحلةِ في مِثالِنا هذا مِن صفاتِ ذلك النَّوعِ، وهو الصَّلَاةُ الواجبةُ، وإنْ كانَ مُفيدًا للظَّنِّ كانَ العملُ به واجبًا ومِن شواهدِ وجوبِ العملِ بالظَّنِّ قولُ المَقضِيِّ عليه: قَضَيْتَ عليَّ والحقُّ لي. فقالَ ﵇: «إِنَّمَا نَقْضِي بِالظَّاهِرِ وَاللهُ يَتَوَلَّى السَّرَائِرَ» (٢). (وَكُلٌّ) مِن نَوْعَيِ الاستقراءِ (حُجَّةٌ) الأوَّلُ بالاتِّفاقِ، والثَّاني عندَ الأكثرِ. تنبيهٌ: قالَ في «شرح الأصل»: يَنْشَأُ ممَّا قَرَّرْناه في الاستقراءِ أنَّ القِيَاساتِ المَنطقيَّةَ تَدُورُ على ذلك، فإنَّا إذا قُلْنا: العالَمُ مُتَغَيِّرٌ، وكلُّ مُتَغَيِّرٌ حادثٌ، فيَكُونُ العالمُ مُتَغَيِّرًا، إِنَّمَا عُلِمَ بالاستقراءِ التَّامِّ، ولذلك أفادَ القطعَ واليقينَ، وإذا قُلْنا: الوضوءُ (٣) وسيلةٌ للعبادةِ، وكلُّ ما هو وسيلةٌ للعبادةِ عبادةٌ، إِنَّمَا أَثْبَتْنا المُقدِّمَةَ الثَّانيةَ بالاستقراءِ وهو ظَنِّيٌّ؛ لأنَّه مِن أكثرِ الجُزئيَّاتِ (٤). (وَقَوْلُ صَحَابِيٍّ) غيرَ الخلفاءِ (عَلَى) صَحَابِيٍّ (مِثْلِهِ لَيْسَ بِحُجَّةٍ (٥)

стр. 777

اتِّفاقًا، قالَ ابنُ عقيلٍ: ولو كَانَ أعلمَ أو إمامًا أو حاكمًا. وعن أحمدَ روايةٌ: أنَّ قولَ الخلفاءِ الأربعةِ إجماعٌ وحُجَّةٌ. (وَ) قولُ صحابيٍّ (عَلَى غَيْرِهِ) فإمَّا أن يَنتشِرَ أو لا، (فَإِنِ انْتَشَرَ وَلَمْ يُنْكَرْ، فَسَبَقَ) في الإجماعِ في قولِه: وقولُ مجتهدٍ في اجتهاديَّةٍ تكليفيَّةٍ إنِ انتشرَ ومَضَتْ مُدَّةٌ يُنظَرُ فيها، وتَجَرَّدَ عن قرينةِ رِضا وسَخطٍ ولم يُنكَرْ قبلَ استقرارِ المذاهبِ إجماعٌ ظنِّيٌّ معَ قولِ ابنِ مفلحٍ: لا إجماعَ للصَّحابةِ معَ مخالفةِ تابعيٍّ مجتهدٍ لهم، (وَإِلَّا) بأنْ لم يَنتشِرْ قولُ الصَّحابيِّ، (فَـ) هو (حُجَّةٌ مُقَدَّمٌ عَلَى القِيَاسِ) عندَ الأكثرِ، ولا يَكُونُ إجماعًا لعدمِ الدَّليلِ. (فَـ) على هذا (إِذَا (١) اخْتَلَفَ صَحَابِيَّانِ: فَكَدَلِيلَيْنِ) تَعارَضَا على ما يَأْتي في بابِ ترتيبِ الأدلَّةِ. تنبيهٌ: قالَ الشَّيخُ أبو إسحاقَ في «اللُّمَع» (٢): إنَّ الصَّحابةَ إذا اختلفوا على قولينِ يَنبني على القولينِ في أنَّه حُجَّةٌ أم لا؟ فإنْ قُلْنا: لَيْسَ بحُجَّةٍ لم يَكُنْ قولُ بعضِهم حُجَّةً على بعضٍ، ولم يَجُزْ تقليدُ واحدٍ مِنهما بل يُرجَعُ إلى الدَّليلِ، وإنْ قُلْنا: إنَّه حُجَّةٌ فهما دليلانِ تعارَضَا يُرَجَّحُ أحدُهما على الآخَرِ بكثرةِ العددِ مِن أحدِ الجانبينِ، أو يَكُونُ فيه إمامٌ. (هَذَا إِنْ وَافَقَ) قَولُ الصَّحابيِّ (القِيَاسَ، وَإِلَّا) بأنْ خَالَفَ قولُه القِيَاسَ

стр. 778

(حُمِلَ عَلَى التَّوْقِيفِ) عندَ الأكثرِ؛ لأنَّه يَصِيرُ في حُكمِ المرفوعِ. قالَ ابنُ مُفلحٍ: ظاهرًا لوجوبِ حُسْنِ الظَّنِّ به (١). انتهى. قالَ أبو المَعالي: وبَنَيْنا عليه مسائلَ كتغليظِ الدِّيَةِ بالحُرُماتِ الثَّلاثِ، (فَـ) على هذا (يَكُونُ) قولُ الصَّحابيِّ المخالفِ للقياسِ (حُجَّةً حَتَّى عَلَى صَحَابِيٍّ) عندَنا (وَيُعْمَلُ بِهِ وَإِنْ عَارَضَ خَبَرًا مُتَّصِلًا) مُوافقًا للقِياسِ؛ لأنَّ المحمولَ على التَّوقيفِ لا يَجري عليه أحكامُ القِيَاسِ. (وَمَذْهَبُ التَّابِعِيِّ) لا يُخَصُّ به العمومُ ولا يُفَسَّرُ به؛ لأنَّه (لَيْسَ بِحُجَّةٍ) عندَ الأربعةِ وغيرِهم للتَّسلسُلِ (مُطْلَقًا) أي: سواءٌ وافقَ القِيَاسَ أو خالَفَه، وهو المذهبُ. وعن (٢) أحمدَ روايةٌ أنَّه كتفسيرِ الصَّحابيِّ، وقد ذَكَرَ صاحبُ المُحرَّرِ عن قولِ الحَسَنِ: يَنْجُسُ ما غَمَسَ فيه يدَه (٣) قائمٌ مِن نَومِ اللَّيلِ. والتَّابعيُّ إذا قالَ مِثْلَ ذلك فإِنَّه حُجَّةٌ؛ لأنَّ الظَّاهرَ أنَّه توقيفٌ عن صحابيٍّ، أو نصٌّ ثَبَتَ عندَه.

стр. 779

(فَصْلٌ) (الِاسْتِحْسَانُ) استفعالٌ مِن الحُسْنِ، قالَ به الحنفيَّةُ، و (قِيلَ) بالعملِ (بِهِ) عندَ أحمدَ (فِي مَوَاضِعَ)، قالَ في روايةِ المَيْمُونِيِّ: يُستَحسَنُ أنَّه يَتَيَمَّمُ لكلِّ صلاةٍ، والقِيَاسُ: أنَّه بمنزلةِ الماءِ حَتَّى يُحدِثَ أو يَجِدَ الماءَ. وقال في روايةِ صالحٍ في المُضارِبِ إذا خالَفَ، فاشترى غيرَ ما أَمَرَ به صاحبُ المالِ، فالرِّبحُ لصاحبِ المالِ، ولهذا أجرةُ مِثلِه، إلَّا أنْ يَكُونَ الرِّبحُ يَحُطُّ بأجرةِ مِثلِه، فيَذهَبُ، وكُنْتُ أَذهَبُ إلى أنَّ الرِّبحَ لصاحبِ المالِ، ثمَّ اسْتَحسَنْتُ هذا. ورُوِيَ عنه أنَّه أَنْكَرَ ما لا دليلَ له. قالَ أبو الخطَّابِ: إِنَّمَا أَنْكَرَ استحسانًا بلا دليلٍ. (وَهُوَ) أي: الاستحسانُ (لُغَةً) أي: في اللُّغةِ (اعْتِقَادُ الشَّيْءِ حَسَنًا). تنبيهٌ: قولُه: «اعتقادُ الشَّيءِ حَسَنًا»، [ولم يَقُلِ: «العلمُ بكونِ الشَّيءِ حَسَنًا»] (١)؛ لأنَّ الاعتقادَ لا يَلْزَمُ مِنه العلمُ الجازمُ المطابِقُ للواقعِ؛ إذ قد يَكُونُ الاعتقادُ صحيحًا إذا طابَقَ الواقعَ، وقد يَكُونُ فاسدًا إذا لم يُطابِقْ، وحينئذٍ قد يَستحسِنُ الشَّخصُ شيئًا بناءً على اعتقادِه، ولا يَكُونُ حسنًا في نفسِ الأمرِ، وقد يُخالِفُه غيرُه في استحسانِه. فلو قِيلَ: العلمُ بكونِ الشَّيءِ حسنًا، لخَرَجَ ما لَيْسَ حُسْنُه حقًّا في نفسِ الأمرِ، وإذا قالَ: اعتقادُ الشَّيءِ حسنًا، تَناوَلَ ذلك.

стр. 780

(وَ) الاستحسانُ (عُرْفًا) أي: في عُرفِ الأُصُولِيِّينَ واصطلاحِهم: (العُدُولُ بِحُكْمِ المَسْأَلَةِ عَنْ نَظَائِرِهَا لِدَلِيلٍ شَرْعِيٍّ) خاصٍّ بتلك المسألةِ. مِثالُه: ما قاله الإمامُ أحمدُ رَحِمَه اللهُ تَعالى: أنَّه يُتَيَمَّمُ لكلِّ صلاةٍ استحسانًا. والقِيَاسُ أنَّه بمنزلةِ الماءِ حَتَّى يُحدِثَ. وقال: يَجُوزُ شراءُ أرضِ السَّوادِ ولا يَجُوزُ بيعُها، فقِيلَ له: فكيف تُشترى مِمَّن لا يَملِكُ البيعَ؟ قالَ: القِيَاسُ هكذا، وإنَّما هو استحسانٌ، وكذلك يُمنَعُ مِن بيعِ المصحفِ، ويُؤمَرُ بشرائِه استحسانًا. وقالَ أبو الخطَّابِ (١) في مسألةِ العِينةِ: وإذا اشْتَرى ما باعَ بأقلَّ ممَّا باعَ قبلَ نقدِ الثَّمَنِ الأوَّلِ، لم يَجُزِ استحسانًا، وجازَ قياسًا، فالحُكمُ في هذه المسألةِ ونَظائِرِها (٢) مِن الرِّبويَّاتِ [الجوازُ، وهو القِيَاسُ، لكنْ عُدِلَ بها عن نظائِرِها بطريقِ الاستحسانِ فمُنِعَتْ، وحاصلُ هذا يَرجِعُ] (٣) إلى تخصيصِ الدَّليلِ بدليلٍ أَقوى مِنه في نظرِ المجتهدِ. (وَ المَصَالِحُ المُرْسَلَةُ: إِثْبَاتُ العِلَّةِ بِالمُنَاسَبَةِ وَسَبَقَتْ) في المسلكِ الرَّابعِ بأقسامِها وتفاريعِها وأحكامِها، وذلك إنْ شَهِدَ الشَّرعُ باعتبارِها كاقتباسِ الحُكمِ مِن معقولِ دليلٍ شرعيٍّ، فقياسٌ، أو ببُطلانِها كتعيينِ صومِ شهرينِ على مَن يَسْهُلُ عليه العتقُ، فلغوٌ. وذَكَرَ أبو الخطَّابِ في تقسيمِ أدلَّةِ الشَّرعِ أنَّ الاستنباطَ قياسٌ (٤) واستدلالٌ بأمارةٍ أو عِلَّةٍ وبشهادةِ الأصولِ.

стр. 781

قالَ الشَّيخُ: الاستدلالُ بأمارةٍ أو عِلَّةٍ هو المصالحُ (١). (وَتُسَدُّ الذَّرَائِعُ) عندَ أحمدَ ومالكٍ. الذَّرَائِعُ: (جَمْعُ ذَرِيعَةٍ، و)، الذَّريعَةُ (هِيَ مَا) أي: حُكمٌ (ظَاهِرُهُ مُبَاحٌ، وَيُتَوَصَّلُ بِهِ إِلَى مُحَرَّمٍ)، ومَعنى سَدِّها المنعُ مِن فِعلِها لتحريمِه؛ لأنَّ اللهَ تَعَالَى عَذَّبَ أُمَّةً بحيلةٍ احتالوها، فمَسَخَهم قِرَدَةً وسَمَّاهم مُعْتَدِينَ وجَعَلَ ذلك نَكالًا وموعظةً للمُتَّقينَ ليَتَّعِظوا بهم، ويَمتنعوا مِن مِثلِ أفعالِهم. قالَ المُوَفَّقُ (٢): والحيلُ كُلُّها مُحرَّمَةٌ لا تَجُوزُ في شيءٍ مِن (٣) الدِّينِ، وهو أن يُظهِرَ عقدًا مباحًا يُريدُ به مُحَرَّمًا، مُخادَعَةً وتَوَسُّلًا إلى فعلِ ما حَرَّمَ اللهُ، واستباحةِ مَحظوراتِه، أو إسقاطِ واجبٍ، أو دفعِ حقٍّ، ونحوِ ذلك. فمن ذلك: لو كانَ لرجلٍ عشرةٌ صِحاحٌ، ومَعَ آخَرَ خَمْسَةَ عَشَرَ مُكَسَّرَةٌ، فاقتَرضَ كلُّ واحدٍ مِنهما ما معَ صاحبِه ثمَّ تَبَارَيا تَوَصُّلًا إلى بيعِ الصِّحاحِ بالمُكَسَّرَةِ مُتفاضِلًا، أو باعَه الصِّحاحَ بمِثْلها مِن المُكَسَّرَةِ، ثمَّ وَهَبَه الخمسةَ الزَّائدةَ، أو اشتَرى منه بها أُوقِيَّةَ صابونٍ ونحوَها ممَّا يَأخُذُه بأقلَّ مِن قيمتِه، فكلُّ ما كانَ مِن هذا على وجهِ الحيلةِ فهو خبيثٌ مُحرَّمٌ، وأباحَه أبو حنيفةَ والشَّافعيُّ إذا لم يَكُنْ مَشروطًا في العقدِ.

стр. 782

(فوائدُ) تَشتملُ على جملةٍ مِن قواعدِ الفقهِ تُشبِهُ الأدلَّةَ، وليسَتْ بأدلَّةٍ، لكنْ ثَبَتَ مضمونُها بالدَّليلِ، وصارَتْ يُقضى بها في جزئيَّاتِها كأنَّها دليلٌ على ذلك الجزئيِّ، وهي في الحقيقةِ راجعةٌ إلى قواعدِ وأصولِ الفقهِ: واعلَمْ أنَّ قواعدَ مذهبِ الإمامِ أحمدَ وأصحابِه كثيرةٌ جدًّا لا تَنحصرُ، وكذلك جميعُ المذاهبِ الأربعةِ لكلِّ أصحابِ مذهبٍ قواعدُ كثيرةٌ جليلةٌ عظيمةٌ. قالَ الإمامُ أحمدُ (١): أصولُ الإسلامِ ثلاثةُ أحاديثَ: «الأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ» (٢)، و «الحَلَالُ بَيِّنٌ وَالحَرَامُ بَيِّنٌ» (٣)، و «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ» (٤). وقالَ أبو داودَ تلميذُ الإمامِ أحمدَ: الفقهُ يَدورُ على خمسةِ أحاديثَ: «الحَلَالُ بَيِّنٌ وَالحَرَامُ بَيِّنٌ» (٥)، و «الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» (٦)، و «مَا نَهَيْتُكُمْ عَنْهُ فَاجْتَنِبُوهُ وَمَا أَمَرْتُكُمْ بِهِ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» (٧)، و «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» (٨)، و «الدِّينُ النَّصِيحَةُ» (٩).

стр. 783

وقالَ أيضًا: كَتَبْتُ عن النَّبِيِّ ﷺ خمسَ مئةِ ألفِ حديثٍ، انْتَخَبْتُ منه ما ضَمَّنْته كتابي السُّننَ جَمَعْتُ أربعةَ آلافِ وثمانِ مئة حديثٍ، ذَكَرْتُ الصَّحيحَ وما يُشبِهُه ويُقارِبُه، ويَكفي المسلمَ [لدينِه مِن ذلك] (١) أربعةُ أحاديثَ: «الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» (٢)، و «مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ المَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ» (٣)، و «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يَرْضَى لِأَخِيهِ مَا يَرْضَى لِنَفْسِهِ» (٤)، و «الحَلَالُ بَيِّنٌ وَالحَرَامُ بَيِّنٌ» (٥). ورَدَّ ابنُ عبدِ السَّلامِ الفقهَ كُلَّه إلى اعتبارِ المصالحِ ودرءِ المفاسدِ. قالَ في «شرح الأصل»: وكلُّ هذا تَعسُّفٌ، وفيه إجمالٌ شديدٌ، بل القواعدُ تَزيدُ على المِئينَ، وذَكَرَ هنا بعضَ قواعدَ تَشتملُ على مسائلَ مُهمَّةٍ وهي مُتَّسِعةُ جدًّا (٦). فـ (مِن أَدِلَّةِ الفِقْهِ) في ذلك: (ألَّا يُرفَعَ يَقِينٌ بِشَكٍّ) بمعنى أنَّ الإنسانَ إذا تَحَقَّقَ شيئًا ثمَّ شَكَّ هل زالَ ذلك الشَّيءُ المُحَقَّقُ أم لا؟ الأصلُ بقاءُ المُتحَقَّقِ، فيَبقى الأمرُ على ما كانَ مُتَحَقَّقًا (٧)؛ لحديثِ عبدِ اللهِ بنِ زيدٍ المازنِيِّ: شُكِيَ إلى النَّبِيِّ ﷺ الرَّجلُ يُخَيَّلُ إليه أنَّه يَجِدُ الشَّيءَ في

стр. 784

الصَّلَاةِ، قالَ: «لَا يَنْصَرِفْ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا» مُتَّفقٌ عليه (١). ولا تَختَصُّ هذه القاعدةُ بالفقهِ، بل الأصلُ في كلِّ حادثٍ عَدَمُه حَتَّى يُتَحَقَّقَ كما تَقولُ: الأصلُ في الألفاظِ أنَّها للحقيقةِ، وفي الأوامرِ للوجوبِ، والنَّواهي للتَّحريمِ، والأصلُ بقاءُ (٢) العمومِ حَتَّى يُتَحَقَّقَ وُرودُ المُخصِّصِ، وبقاءُ حُكمُ النَّصِّ حَتَّى يَرِدَ النَّاسخُ، وغيرُ ذلك ممَّا لا حصرَ له. وممَّا يُبنى على هذه القاعدةِ أنَّ المانِعَ لا يُطالَبُ بالدَّليلِ؛ لأنَّه مُستنِدٌ إلى الاستصحابِ، كما أنَّ المُدَّعى عليه لا يُطالَبُ بحُجَّةٍ (٣) بل القولُ في الإنكارِ قولُه بيمينِه كما قالَ النَّبِيُّ ﷺ : «البَيِّنَةُ عَلَى المُدَّعِي، وَاليَمِينُ عَلَى [مَنْ أَنْكَرَ] (٤)»، وفي روايةٍ: «عَلَى [المُدَّعَى عَلَيْهِ] (٥)» (٦). (وَ) من أدلَّةِ الفقهِ (زَوَالُ الضَّرَرِ بِلَا ضَرَرٍ) أي: الضَّررُ يُزالُ ولا يُزالُ به؛ لأنَّ فيه ارتكابَ ضررٍ وإنْ زالَ ضررٌ آخَرُ، فتَجِبُ إزالةُ الضَّررِ بلا ضررٍ؛ لقولِه ﵊: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» (٧)، وهذه القاعدةُ فيها مِن الفقهِ ما لا حَصرَ له، فإنَّ الأحكامَ إمَّا لجلبِ المنافعِ، أو لدفعِ المضارِّ، فيَدخُلُ

стр. 785

فيها دفعُ الضَّروراتِ الخمسِ الَّتي هي حفظُ الدِّينِ والنَّفسِ والعقلِ والنَّسبِ والمالِ والعِرضِ، وهذه القاعدةُ تَرجِعُ إلى تحصيلِ المقاصدِ وتقريرِها، بدفعِ المفاسدِ أو تخفيفِها. (وَ) يَدخُلُ فيها أيضًا (إِبَاحَتُهُ) أي: الضَّررِ (لِلْمَحْظُورِ) أي: الممنوعِ، وهو المُحَرَّمُ وهو مَعنى قولِهم: الضَّروراتُ تُبِيحُ المحظوراتِ، بشرطِ عدمِ نُقصانِ الضَّررِ عن المحظورِ، ومِن ثَمَّ جازَ بل وَجَبَ أكلُ الميتةِ عندَ المخمصةِ، وكذلك إساغةُ اللُّقمةِ بالخمرِ وبالبولِ، وغيرُ ذلك. (وَ) مِن قواعدِ الفقهِ (المَشَقَّةُ تَجْلِبُ التَّيْسِيرَ) لقولِه تَعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (١) إشارةً إلى ما خَفَّفَ عن هذه الأُمَّةِ مِن التَّشديدِ على غيرِهم مِن الإصرِ ونحوِه؛ دَفعًا للمَشَقَّةِ، وقد قالَ اللهُ تَعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ (٢)، وقال تَعَالَى في دُعائِهم: ﴿وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ (٣)، وقال ﷺ : «أَحَبُّ الأَدْيَانِ إِلَى اللهِ الحَنِيفِيَّةُ السَّمْحَةُ (٤)» (٥) في أحاديثَ وآثارٍ كثيرةٍ. ويَدخُلُ تحتَ هذه القاعدةِ أنواعٌ مِن الفقهِ: منها في العباداتِ: القعودُ في الصَّلَاةِ النَّافلةِ مُطلقًا، وفي الفريضةِ عندَ مَشَقَّةِ القيامِ، وقَصرُها في السَّفرِ، والجمعُ بينَ الصَّلاتينِ، ونحوُ ذلك، وهي في المعاملاتِ كثيرةٌ جدًّا، وفي المناكحاتِ والجناياتِ وفي كتابِ القضاءِ.

стр. 786

ومِن التَّخفيفاتِ المطلقةِ: فروضُ الكفايةِ (١)، والعملُ بالظُّنونِ لمشقَّةِ الاطِّلاعِ على اليقينِ، إلى غيرِ ذلك. (وَ) من القواعدِ قولُ الفقهاءِ: (دَرْءُ المَفَاسِدِ أَوْلَى مِنْ جَلْبِ المَصَالِحِ) فإذا دارَ الأمرُ بينَ درءِ مفسدةٍ وجَلْبِ مَصلحةٍ كانَ درءُ المفسدةِ أَوْلَى مِن جلبِ المصلحةِ. (وَ) إذا دارَ الأمرُ أيضًا بينَ درءِ إحدى المفاسدِ وكانَت إحداها أكثرَ فسادًا مِن غيرِها فـ (دَفْعُ أَعْلَاهَا بِأَدْنَاهَا) يَعني دفعَ أعلاها أَوْلَى مِن غيرِه، وهذا واضحٌ يَقبَلُه كلُّ عاقلٍ، وأجمعَ عليه أهلُ العِلْمِ. (وَ) مِن القواعدِ (تَحْكِيمُ العَادَةِ) يَعني أنَّ العادةَ مُحَكَّمَةٌ أي: معمولٌ بها شرعًا، ومِن أدلَّةِ هذه القاعدةِ قولُه تَعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾ (٢) فالمرادُ ما يَعرِفُه النَّاسُ ويَتَعَارَفُونَه فيما بينَهم ممَّا لا تَرُدُّه الشَّريعةُ، وكلُّ ما تَكَرَّرَ مِن لفظِ المعروفِ في القرآنِ، نحوُ: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (٣) فالمرادُ ما يَتَعارَفُه النَّاسُ مِن مِثلِ ذلك الأمرِ، ومنه قولُه ﷺ : «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» (٤) فإِنَّه دليلٌ على اعتبارِ ما المسلمون عليه إمَّا مِن جهةِ الأمرِ الشَّرعيِّ، أو مِن جهةِ العادةِ المستقرَّةِ؛ لشمولِ قولِه: «لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا ذَلِكَ»، ومنها حديثُ: «المِكْيَالُ مِكْيَالُ أَهْلِ المَدِينَةِ، وَالوَزْنُ وَزْنُ أَهْلِ مَكَّةَ» رَوَاه أبو داودَ (٥) والنَّسائيُّ (٦)، وسندُه صحيحٌ.

стр. 787

وذلك أنَّ أهلَ المدينةِ لَمَّا كانوا أهلَ نخلٍ وزرعٍ اعتُبِرَتْ عادتُهم في مِقدارِ الكيلِ، وأهلُ مَكَّةَ أهلُ تجارةٍ اعتُبِرَتْ عادتُهم في الوزنِ، والمرادُ اعتبارُ ذلك فيما يَتَقَدَّرُ شرعًا كنُصُبِ الزَّكواتِ، ومقدارِ الدِّياتِ، وزكاةِ الفطرِ، والسَّلَمِ، والرِّبا، وغيرِ ذلك. ومِن ذلك الرُّجوعُ للعادةِ في تخصيصِ عينٍ أو فعلٍ أو مقدارٍ يُحمَلُ اللَّفظُ عليه كالألفاظِ في الأيمانِ والأوقافِ والوصايا والأقاريرِ والتَّفويضاتِ. وإطلاقُ الدِّينارِ والدِّرهمِ والصَّاعِ والمُدِّ والوسقِ والقُلَّةِ (١) والأوقيَّةِ، وإطلاقُهم النُّقودَ في الحملِ على الغالبِ وصِحَّةِ المعاطاةِ بما يَعُدُّه النَّاسُ بيعًا، وهذا كثيرٌ لا يَنحصِرُ في عَدٍّ. ومأخذُ هذه القاعدةِ ومَوْضِعُها مِن أصولِ الفقهِ في قولِهم: الوصفُ المُعَلَّلُ به قد يَكُونُ عُرفيًّا أي: مِن مُقتضياتِ العرفِ، وفي بابِ التَّخصيصِ في تخصيصِ العمومِ بالعادةِ. تنبيهٌ: قِيلَ: تَدخُلُ قاعدةُ إرادةِ الأمورِ في الأحكامِ على قَصدِها في هذه القاعدةِ، فهي مأخوذةٌ مِنها، قالوا: لأنَّ العادةَ حاكمةٌ، فإنَّ غيرَ المَنْوِيِّ مِن غُسلٍ وصلاةٍ وكتابةٍ مَثلًا لا يُسَمَّى في العادةِ غُسلًا ولا قُربَةً ولا عَقدًا. وقِيلَ: مأخوذةٌ مِن قاعدةِ الضَّررُ يُزالُ؛ لأنَّ مَن تَوَجَّه عليه شيءٌ بدليلٍ إذا تَرَكَه أو فَعَلَه لا بقصدِ امتثالِ الأمرِ حَصَلَ له الضَّررُ بما يَتَرَتَّبُ عليه مِن الذَّمِّ، فيُزالُ بالنِّيَّةِ. وقالَ البِرْمَاوِيُّ: لو أُخِذَتْ مِن قاعدةِ «اليقينُ لا يُرفَعُ بالشَّكِّ» كانَ أقربَ؛

стр. 788

لأنَّ الأصلَ عدمُ ذلك الشَّيءِ، فلا يُصارُ إلى جَعلِه مُعتبرًا إلَّا بواسطةِ ترجيحٍ المُتردَّدِ فيه بقصدِ أنْ يُخالِفَ الأصلَ (١). وقيلَ: هي قاعدةٌ برأسِها، ودليلُها حديثُ عمرَ: «الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» (٢)، ورُبَّما أُخِذَتْ مِن قولِه تَعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ (٣). ومِن هذه المادَّةِ أحاديثُ كثيرةٌ ذُكِرَ فيها «تَبتغي وجهَ اللهِ»، وحديثُ: «الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» (٤) أَعَمُّها وأَعظَمُها؛ لأنَّ أفعالَ العقلاءِ إذا كانَتْ معتبرةً فإِنَّما تَكُونُ عن قصدٍ، وأيضًا فقد ذَهَبَ كثيرٌ مِن العلماءِ إلى أنَّ الواجباتِ على المُكَلَّفِ القصدُ إلى النَّظرِ المُوصِلِ إلى مَعرفةِ اللهِ تَعالى، فالقصدُ سابقٌ دائمًا، وسواءٌ في اعتبارِ القصدِ في الأفعالِ المُسلِمُ والكافرُ، إلَّا أنَّ المسلمَ يَختَصُّ بقصدِ التَّقرُّبِ إلى اللهِ تَعالى، فلا تَصِحُّ هذه النِّيَّةُ مِن كافرٍ، بخلافِ نِيَّةِ الاستثناءِ، والنِّيَّةِ في الكناياتِ ونحوِ ذلك. (وَ) مِن القواعدِ (جَعْلُ المَعْدُومِ كَالمَوْجُودِ احْتِيَاطًا) كالمقتولِ تُورَثُ عنه الدِّيَةُ، وإنَّما تَجِبُ بموتِه ولا تُورَثُ عنه إلَّا إذا دَخَلَتْ في مِلكِه، فيُقَدَّرُ دُخولُها قبلَ موتِه، واللهُ أعلمُ. وقد نَجَزَ بحمدِ اللهِ الكلامُ على الأدلَّةِ، وهذا حينُ الشُّروعِ في بيانِ أحكامِ المستدلِّ، وما يَتَعَلَّقُ به مِن بيانِ الاجتهادِ والمجتهدِ، والتَّقليدِ والمقلِّدِ، ومسائلِ ذلك، وذَكَرَ ذلك بقولِه:

стр. 789

(بَابٌ) (الِاجْتِهَادِ) افتعالٌ مِن الجُهدِ، وهو بضمِّ الجيمِ وفَتحِها الطَّاقةُ، وبفتحِها فقطْ المَشَقَّةُ، وهو (لُغَةً: اسْتِفْرَاغُ الوُسْعِ لِتَحْصِيلِ أَمْرٍ شَاقٍّ)، وإنَّما وُصِفَ الفعلُ بكونِه شاقًّا؛ لأنَّ الاجتهادَ مُختَصٌّ به (١) في عُرفِ اللُّغةِ؛ إذ يُقالُ: اجتهدَ الرَّجُلُ في حملِ الرَّحى ونَحوِها مِن الأشياءِ الثَّقيلةِ، ولا يُقالُ: اجتهدَ في حملِ خَرْدَلَةٍ ونَحوِها مِن الأشياءِ الخفيفةِ. (وَ) مَعنى الاجتهادِ (اصْطِلَاحًا: اسْتِفرَاغُ الفَقِيهِ وُسْعَهُ) في طلبِ الظَّنِّ (لِدَرْكِ حُكْمٍ شَرْعِيٍّ) على وجهٍ يُحَسُّ مِن النَّفسِ العجزُ عَن المزيدِ عليه. واستفراغُ الوسعِ: أي: بذلُ الوسعِ وهو جنسٌ، وكونُ ذلك من الفقيهِ قيدٌ مُخرِجٌ للمُقلِّدِ. وقولُه: «لدَرْكِ حكمٍ شرعيٍّ» احتِرازٌ (٢) من القطعِ (٣)، فإِنَّه لا اجتهادَ في القطعيَّاتِ. وقولُه: «حُكمٍ شرعيٍّ» قيدٌ (٤) مُخرِجٌ للحِسِّيَّاتِ والعقليَّاتِ ونحوِ ذلك. فائدةٌ: الاجتهادُ يَنقسِمُ إلى ناقصٍ وتامٍّ، كما أشارَ إليه الطُّوفِيُّ (٥) بقولِه: والتَّامُّ منه ما انتهى إلى حالِ العجزِ مِن مزيدِ طلبٍ.

стр. 790

وقالَ: فالنَّاقصُ هو النَّظَرُ المُطلَقُ في تَعَرُّفِ الحُكْمِ. وتَختلِفُ مَرَاتِبُهُ بحَسَبِ الأحوالِ، والتَّامُّ هو استفراغُ القوَّةِ النَّظريَّةِ حَتَّى يَحُسَّ النَّاظِرُ مِن نَفسِه العجزَ عن مزيدِ طلبٍ، ومِثالُه: مثالُ مَن ضاعَ منه دِرهمٌ في التُّرابِ فقَلَّبَه برِجلِه، فلم يَجِدْ شيئًا فتَرَكَه وراحَ، وآخَرُ إذا جَرى له ذلك جاءَ بغربالٍ فغَرْبَلَ التُّرابَ حَتَّى يَجِدَ الدِّرهمَ، أو يَغلِبَ على ظَنِّه أنَّه ما عادَ يَلْقَاه، فالأوَّلُ اجتهادٌ قاصرٌ، والثَّاني تامٌّ (١). (وَشَرْطُ مُجْتَهِدٍ) يَعني المجتهدَ المطلقَ (كَوْنُهُ فَقِيهًا، و) الفقيهُ (هُوَ العَالِمُ (٢): (١) بِأُصُولِ الفِقْهِ) أي: له قُدرةٌ على استخراجِ أحكامِ الفقهِ مِن أدِلَّتِها، (وَ) العالمُ بـ (مَا يُسْتَمَدُّ مِنْهُ) أصولُ الفقهِ، وهي الكتابُ والسُّنَّةُ والإجماعُ والقِيَاسُ والاستدلالُ والأصولُ المختلَفُ فيها، وما يُعتَبَرُ للحُكمِ في الجملةِ مِن حيثُ يُعتَبَرُ ذلك للحُكمِ، أو مِن حيثُ الكيفيَّةُ؛ كتقديمِ ما يَجِبُ تأخيرُه، وتأخيرِ ما يَجِبُ تقديمُه؛ لأنَّ ذلك كلَّه آلةٌ للمجتهدِ كالقدومِ ونحوِه للنَّجَّارِ والقلمِ للكاتبِ. (٢) (وَ) العالِمُ (بِالأَدِلَّةِ السَّمْعِيَّةِ مُفَصَّلَةً، وَ) بـ (اخْتِلَافِ مَرَاتِبِهَا) فيَضمَنُ ذلك أنْ يَكُونَ عندَه سَجِيَّةٌ وقُوَّةٌ يَقتَدِرُ بها على التَّصرُّفِ بالجمعِ والتَّفريقِ والتَّرتيبِ، والتَّصحيحِ والإفسادِ، فإنَّ ذلك مِلاكُ صناعةِ الفقهِ. قالَ الغزَّالِيُّ: إذا لم يَتَكَلَّمِ الفقيهُ في مسألةٍ لم يَسمَعْها ككلامِه في مسألةٍ سَمِعَها، فلَيْسَ بفقيهٍ (٣). وليسَ المرادُ أنَّ يَعرِفَ سائرَ آياتِ القرآنِ وأحاديثِ السُّنَّةِ، بل (فَـ)

стр. 791

الواجبُ عليه (مِنَ الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ) مَعرفةُ (مَا يَتَعَلَّقُ بِالأَحْكَامِ) منهما (١)، والصَّحيحُ أنَّها غيرُ منحصرةٍ في قدرِ خَمْسِ مئةِ آيةٍ مِن القرآنِ ولا في بعضِ السُّنَّةِ دونَ بعضٍ، وكأنَّ مَن حَصَرَها في ذلك أرادَ ما هو مقصودٌ به الأحكامُ بدَلالةِ المطابقةِ، أمَّا بدَلالةِ الالتزامِ فغالبُ القرآنِ -بل كلُّه- لا يَخلو شيءٌ مِنه عن حُكمٍ يُستنبَطُ منه، وكذلك السُّنَّةُ. والمرادُ بمعرفةِ ما يَتَعَلَّقُ بالأحكامِ (بِحَيْثُ يُمْكِنُهُ) أي: المجتهدَ (اسْتِحْضَارُهُ لِلِاحْتِجَاجِ بِهِ)، و (لَا) يُشتَرَطُ (حِفْظُهُ) أي: حفظُ ما يَتَعَلَّقُ بالأحكامِ مِن الكتابِ والسُّنَّةِ، حيثُ أَمْكَنَه ذلك. (٣) (وَ) شَرطُ المجتهدِ عِلْمُه بـ (النَّاسِخِ وَالمَنْسُوخِ مِنْهُمَا) أي: مِن الكتابِ والسُّنَّةِ؛ لأنَّ المنسوخَ بَطَلَ حُكمُه، وصارَ العملُ على النَّاسخِ، فإن لم يَعرِفْ ذلك أَفْضَى إلى إثباتِ المنفيِّ ونفيِ المُثبَتِ، وقد اشتدَّتْ وصيَّةُ السَّلَفِ واهتمامُهم بمعرفةِ النَّاسخِ والمنسوخِ، حَتَّى رُوِيَ عن عليٍّ كَرَّمَ اللهُ وَجْهَه أنَّه رأى قاصًّا يَقُصُّ في مسجدِ الكوفةِ وهو يَخلِطُ الأمرَ بالنَّهيِ والإباحةَ بالحظرِ، فقالَ له: أَتعرِفُ النَّاسخَ مِن المنسوخِ؟ قالَ: لا، قالَ: هَلَكْتَ وأَهْلَكْتَ، ثمَّ قالَ له: أبو مَن أنت؟! قالَ: أبو يحيى، قالَ: أنت أبو اعْرِفُوني، ثمَّ أَخَذَ أُذُنَه ففَتَلَها، وقال: لا تَقُصَّ في مسجدِنا بعدُ. ويَكفيه مِن معرفةِ النَّاسخِ والمنسوخِ أنْ يَعرِفَ أنَّ دليلَ هذا الحُكمِ غيرُ منسوخٍ. (٤) (وَ) شرطُه أيضًا عِلمُه بـ (صِحَّةِ الحَدِيثِ وَضَعْفِهِ) سندًا ومتنًا، بأنْ يَكُونَ له مِن الأهليَّةِ والقوَّةِ في عِلمِ الحديثِ ما يَعرِفُ به صِحَّةَ مَخرجِ

стр. 792

الحديثِ ليَطرَحَ الضَّعيفَ، حيثُ لا يَكُونُ في فضائلِ الأعمالِ، ويَطرَحَ الموضوعَ مُطلقًا، وعِلمُه أيضًا بحالِ الرُّواةِ في القوَّةِ والضَّعفِ، ليَعلَمَ ما يَنجَبِرُ مِن الضَّعفِ بطريقٍ آخَرَ. (وَلَوْ) كانَ عِلمُه بذلك (تَقْلِيدًا) لغيرِه من غيرِ اجتهادٍ (كنَقْلِهِ) ذلك (مِنْ كِتَابٍ صَحِيحٍ) من كتبِ الحديثِ ارتَضَى الأئمَّةُ روايتَه كالصَّحيحينِ و «مسندِ مالكٍ» وأحمدَ وأبي داودَ ونحوِهم؛ لأنَّ ظَنَّ الصِّحَّةِ يَحصُلُ بذلك، وإنْ كانَ معرفةُ ذلك بالاجتهادِ أعلى رُتبةً من التَّقليدِ لتحصيلِه مِن الظَّنِّ أكثرَ. (وَ) شرطُه أيضًا أنْ يَعرِفَ (مِنَ النَّحْوِ وَاللُّغَةِ مَا) أي: قَدْرًا (يَكْفِيهِ فِي) مَعرفةِ (مَا يَتَعَلَّقُ بِهِمَا) أي: بالكتابِ والسُّنَّةِ (مِنْ نَصٍّ وَظَاهِرٍ، وَمُجْمَلٍ وَمُبَيَّنٍ، وَحَقِيقَةٍ وَمَجَازٍ، وَأَمْرٍ وَنَهْيٍ، وَعَامٍّ وَخَاصٍّ، وَمُسْتَثْنًى وَمُسْتَثْنًى مِنْهُ، وَمُطْلَقٍ وَمُقَيَّدٍ، وَدَلِيلِ الخِطَابِ، وَنَحْوِهِ) كفحوى الخطابِ ولحنِه ومفهومِه؛ لأنَّ بعضَ الأحكامِ يَتَعَلَّقُ بذلك ويَتَوَقَّفُ عليه تَوَقُّفًا ضروريًّا كقولِه ﵇: «لَا نُورَثُ مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ» (١) الرِّواية بالرَّفعُ، وهو يَقتضي نفيَ الإرثِ عمَّا تَرَكوه للصَّدقةِ، ومفهومُه أنَّهم يُورَثون غيرَه مِن الأموالِ، حَتَّى إنَّهم بناءً على ذلك ظَلَمُوا أبا بكرٍ ﵁ وشَنَّعوا عليه بأنَّه مَنَعَ فاطمةَ حَقَّها. وكقولِه ﵇: «اقْتَدُوا بِاللَّذَيْنِ مِنْ بَعْدِي أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ» (٢) رَوَاه الشِّيعةُ بالنَّصبِ: أبا بكرٍ وعمرَ على النِّداءِ (٣)؛ أي: يا أبا بكرٍ، فعلى روايةِ الجرِّ هما مُقْتَدًى (٤) بهما، وعلى روايةِ النَّصبِ: هما مُقتدِيان بغيرِهما،

стр. 793

وقد فَرَّقَ الفقهاءُ بينَ مَن يَعرِفُ العربيَّةَ وغيرِه في مسائلَ كثيرةٍ مِن الطَّلاقِ والإقرارِ على ما تَقَرَّرَ في كتبِ الفقهِ. (٦) (وَ) شَرطُه أيضًا عِلمُه بـ (المُجْمَعِ عَلَيْهِ وَالمُخْتَلَفِ فِيهِ) بأنْ يَعرِفَ مواقعَ الإجماعِ، مثلُ أنَّ الإجماعَ حُجَّةٌ، وأنَّ المعتبرَ فيه اتِّفاقُ المجتهدينَ، وأنَّه لا يَختَصُّ باتِّفاقِ بلدٍ دونَ بلدٍ، ونحوِ ذلك ممَّا سَبَقَ في بابِه حَتَّى لا يُفتِيَ بخلافِه، فيَكونَ قد خَرَقَ الإجماعَ. ولا يُشترَطُ أن يَعلَمَ الإجماعَ والخلافَ في جميعِ المسائلِ، بل يَكفيه مَعرفةُ أنَّ هذه المسألةَ مُجمَعٌ عليها أم لا. (٧) (وَ) شرطُه أيضًا عِلْمُه بـ (أَسْبَابِ النُّزُولِ) في الآياتِ، وأسبابِ قولِه ﵊ في الأحاديثِ؛ ليَعرِفَ المرادَ مِن ذلك، وما يَتَعَلَّقُ بهما مِن تخصيصٍ أو تعميمٍ. (٨) (وَ) شَرطُ المجتهدِ أيضًا عِلْمُه بـ (مَعْرِفَةِ اللهِ) بوجودِه سبحانَه و (تَعَالَى بِصِفَاتِهِ الوَاجِبَةِ) له من وحدانيَّتِه وقدرتِه وحكمتِه وتنزيهِه عن صفاتِ المُحدَثينَ وغيرِ ذلك. (وَ) بـ (مَا يَجُوزُ عَلَيْهِ) مِن إرسالِ الرُّسُلِ، وأنَّه قد أَرسَلَ رسلًا بأحكامٍ شَرَعَها. (وَ) ما (يَمْتَنِعُ) عليه مِن الشَّريكِ والصَّاحبةِ والوَلَدِ، تَعَالَى اللهُ عن ذلك، وأنْ يَكُونَ مُصَدِّقًا بالرَّسولِ ﷺ ، وبما جاءَ مِن الشَّرعِ المنقولِ كلٌّ بدليلِه مِن جهةِ الجملةِ لا مِن جهةِ التَّفصيلِ. و (لَا) يُشتَرَطُ في المجتهدِ عِلْمُه بـ:

стр. 794

(١) (تَفَارِيعِ الفِقْهِ) الَّتي يُعنى بتحقيقِها الفقهاءُ؛ لأنَّ ذلك مِن فروعِ الاجتهادِ الَّتي وَلَّدَها المجتهدونَ بَعدَ حيازةِ منصبِه، فلو اشْتُرِطَتْ مَعرفتُها في الاجتهادِ لَزِمَ الدَّوْرُ لتَوَقُّفِ الأصلِ الَّذِي هو الاجتهادُ على الفرعِ الَّذِي هو تفاريعُ الفقهِ، وكذلك لا يُشتَرَطُ معرفةُ دقائقِ العربيَّةِ والتَّصريفِ حَتَّى يَكُونَ كسِيبَوَيْه ونحوِه؛ لأنَّ المحتاجَ إليه في الفقهِ دونَ ذلك. (٢) (وَ) لا (عِلْمِ الكَلَامِ) أي: علمِ أصولِ الدِّينِ. قالَ الغزَّالِيُّ: ليسَ (١) معرفةُ الكلامِ بالأدلَّةِ المجرَّدةِ فيه على عادةِ المتكلِّمينَ شرطًا في الاجتهادِ، بل هو مِن ضرورةِ منصبِ الاجتهادِ؛ إذْ لا يَبلُغُ رتبةَ الاجتهادِ إلَّا وقد قَرَعَ سَمعَه أدلَّةُ الكلامِ فيَعرِفُها حَتَّى لو تُصُوِّرَ مُقلِّدٌ محضٌ في تصديقِ الرَّسولِ ﷺ وأصولِ الإيمانِ لجازَ له الاجتهادُ في الفروعِ بالشُّروطِ المذكورةِ، هذا مَعنى كلامه (٢). قالَ: والقَدْرُ الواجبُ مِن ذلك اعتقادٌ جازمٌ؛ إذ به يَصِيرُ مُسلمًا والإسلامُ شرطُ المفتي لا مَحالَةَ. (٣) (وَلَا مَعْرِفَةِ أَكْثَرِ الفِقْهِ) في الأشهرِ؛ لأنَّه نتيجتُه. ولا يُشتَرطُ في المجتهدِ أيضًا كونُه ذَكَرًا ولا حُرًّا ولا عدلًا، لكن لا يُستفتى الفاسقُ ولا يُعمَلُ بقولِه بخلافِ المرأةِ والرَّقيقِ. واعلَمْ أنَّ هذه الشُّروطَ المذكورةَ كلَّها إِنَّمَا تُشتَرَطُ للمجتهدِ المطلَقِ الَّذِي يُفتي في جميعِ الشَّرعِ؛ كالأئمَّةِ الأربعةِ ﵃ ونحوِهم، أمَّا مَن أفتى في فنٍّ

стр. 795

واحدٍ أو في مسألةٍ واحدةٍ وجد فيه شروطُ الاجتهادِ بالنِّسبةِ إلى ذلك الفنِّ أو تلك المسألةِ، فلا يُشتَرطُ له ذلك، وجازَ له أن يَجتهِدَ فيما حَصَّلَ شروطَ الاجتهادِ فيه، كمَن عَرَفَ أصولَ الفرائضِ والحسابَ، وهو فقيهُ النَّفسِ فيها عارفًا بمعانيها، جازَ له أن يَجتهدَ في مسألةِ المشركةِ ومسائلِ المناسخاتِ، والجدِّ، والإخوةِ، والمفقودِ، ونحوِ ذلك، وإن لم يَكُنْ له معرفةٌ بمسائلِ البيعِ والنِّكاحِ والأخبارِ الواردةِ فيها، ونحوِها مِن مسائلِ الفروعِ. (وَ) أمَّا (المُجْتَهِدُ فِي مَذْهَبِ إِمَامِهِ) يَعني مجتهدَ المذهبِ، وهو مَن يَنتحِلُ مَذهبَ إمامٍ مِن الأئمَّةِ فنَظَرُه في بعضِ نصوصِ إمامِه أي: (العَارِفُ بِمَدَارِكِهِ) أي: مَداركِ مذهبِ إمامِه (القَادِرُ عَلَى تَقْرِيرِ قَوَاعِدِهِ، وَ) على (الجَمْعِ) لمسائلِه (وَالفَرْقِ) بينَهما، والتَّصرُّفِ فيها كاجتهادِ إمامِه في نصوصِ الكتابِ والسُّنَّةِ. وقالَ البِرْمَاوِيُّ وغيرُه: هو أنْ يَعرِفَ قواعدَ ذلك المذهبِ وأصولَه ونصوصَ صاحبِ المذهبِ، بحيثُ لا يَشِذُّ (١) عنه شيءٌ من ذلك، فإذا سُئِلَ عن حادثةٍ، فإنْ عَرَفَ نصًّا لصاحبِ المذهبِ فيها أجابَ به، وإلَّا اجتهدَ فيها على مذهبِه وخَرَّجَها على أصولِه. ثم قالَ: ومرتبةٌ ثالثةٌ دونَ الثَّانيةِ، وهي مرتبةُ مجتهدِ الفُتيا الَّذِي تَسُوغُ له الفُتيا على مذهبِ إمامِه الَّذِي هو مُقَلِّدُه، فلا يُشتَرَطُ فيه ما يُشتَرَطُ في مجتهدِ المذهبِ، بل يُعتَبَرُ أنْ يَكُونَ مُتَبَحِّرًا في المذهبِ مُتَمَكِّنًا مِن ترجيحِ قولٍ على قولٍ، وهذا أدنى المراتبِ، ولم يَبْقَ بعدَه إلَّا العامِّيُّ ومَن في مَعناه (٢).

стр. 796

(فَصْلٌ) (الِاجْتِهَادُ يَتَجَزَّأُ) بمَعنى أنَّه يَجُوزُ أن يَحصُلَ للإنسانِ منصبُ الاجتهادِ في بعضِ المسائلِ دونَ بعضٍ عندَ الأكثرِ؛ إذ لو لم يَتَجَزَّأِ الاجتهادُ لَزِمَ أن يَكُونَ عالمًا بجميعِ الجزئيَّاتِ وهو [محالٌ؛ إذ] (١) جميعُها لا يُحِيطُ بها بشرٌ، وقد سُئِلَ الأئمَّةُ الأربعةُ وغيرُهم عن مسائلَ، فأجابَ بأنَّه لا يَدري حَتَّى قاله مالكٌ في سِتٍّ وثلاثينَ مسألةً مِن ثمانٍ وأربعينَ مسألةً، وقد تَوَقَّفَ الشَّافعيُّ وأحمدُ بل الصَّحابةُ والتَّابعون رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عنهم أجمعينَ في الفتاوى كثيرًا، فلو كانَ الاجتهادُ المطلقُ في جميعِ الأحكامِ شرطًا في الاجتهادِ في كلِّ مسألةٍ على حِدَتِها، لَمَا كانَ هؤلاءِ الأئمَّةُ مُجتهدينَ لكنَّه خلافُ الإجماعِ، فدَلَّ على أنَّ ذلك لا يُشتَرَطُ. (وَيَجُوزُ اجْتِهَادُهُ) أي: اجتهادُ النَّبِيِّ ﷺ فِي أَمْرِ الدُّنْيَا وَوَقَعَ) منه إجماعًا، قاله ابنُ مُفلحٍ (٢)، وذلك كقضيَّتِه (٣) ﷺ معَ الأنصارِ لَمَّا رآهم يُلَقِّحون نَخْلَهم، وقولِه لهم: «لَوْ تَرَكْتُمُوهُ»، فتركوه، فطَلَعَ شيصًا، فقالَ لهم عن ذلك، فأخبروه بما قالَ لهم قبلَ ذلك، فقالَ: «أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِدُنْيَاكُمْ» (٤). (وَ) يَجُوزُ اجتهادُه ﷺ (فِي أَمْرِ الشَّرْعِ عَقْلًا) عندَ الجمهورِ، (وَ) يَجُوزُ (شَرْعًا) وهو قولُ الأكثرِ، (وَوَقَعَ) اجتهادُه في أمرِ الشَّرعِ على الصَّحيحِ؛ لأنَّه لا يَلْزَمُ منه محالٌ، والأصلُ مشاركتُه لأُمَّتِه، ولقولِه تَعالى: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ (٥) وهو عامٌّ في الرَّسولِ وغيرِه، فيَتَنَاوَلُه الأمرُ بالاعتبارِ، وهو الاجتهادُ.

стр. 797

قالَ الطُّوفِيُّ: هذا يَقتضي وجوبَ الاجتهادِ عليه، ولَمَّا قُتِلَ النَّضرُ بنُ الحارثِ ببدرٍ جاءَتْ أُختُه قُتَيْلَةُ بنتُ الحارثِ، فأَنْشَدَتْ به أبياتًا منها (١): أَمُحَمَّدُ! لَأَنْتَ نَجْلُ كَرِيمَةٍ مِنْ قَوْمِهَا وَالفَحْلُ فَحْلٌ مُعْرِقُ مَا كَانَ ضَرَّكَ لَوْ مَنَنْتَ، وَرُبَّمَا مَنَّ الفَتَى وَهْوَ المَغِيظُ المُحْنَقُ فقالَ ﵇: «لَوْ سَمِعْتُ شِعْرَهَا قَبْلَ قَتْلِهِ مَا قَتَلْتُهُ»، ولو قَتَلَه بالنَّصِّ لَمَا قالَ ذلك. ولمَّا أرادَ النَّبِيُّ ﷺ أنْ يَنزِلَ ببدرٍ دونَ الماءِ قالَ له الحُبَابُ بنُ المنذرِ: إنْ كانَ هذا بوحيٍ، فنعمْ، وإنْ كانَ الرَّأيَ والمكيدةَ، فانْزِلْ بالنَّاس على الماءِ لتَحُولَ بينَه وبينَ العدوِّ، فقالَ لهم: «لَيْسَ بِوَحْيٍ، إِنَّمَا هُوَ رَأْيٌ وَاجْتِهَادٌ رَأَيْتُهُ» (٢)، ورَجَعَ إلى قولِهم، فدَلَّ على أنَّه مُتَعَبِّدٌ بالاجتهادِ (٣). (وَ) على هذا القولِ (لَا يُقَرُّ) ﷺ (عَلَى خَطَأٍ) إجماعًا، وإن كانَ الاجتهادُ عُرضَةَ الخطأِ، لكنَّه يُفيدُ الظَّنَّ، والظَّنُّ مُتَّبَعٌ في الشَّرعِ واجتهادُه ﵇ أقلُّ أحوالِه أنْ يُفِيدَ الظَّنَّ، فيَجِبُ اتِّباعُه كغيرِه وأَوْلَى، وظنُّه ﵇ لا يُخطِئُ لعصمةِ اللهِ له بخلافِ غيرِه مِن النَّاسِ، أو يُخطِئُ لا يُقَرُّ عليه بل يُنَبَّهُ على الخطأِ فيَستدرِكُه. (وَ) يَجُوزُ (اجْتِهَادُ مَنْ عَاصَرَهُ ﷺ في زمنِه (عَقْلًا) عندَ الجمهورِ؛ إذ لا فرقَ بينَه وبينَ أُمَّتِه في أنَّه كانَ يَجُوزُ له أن يَجتهِدَ ويَحكُمَ بالقِيَاسِ من

стр. 798

جهةِ العقلِ، وإذا جازَ أن يَتَعَبَّدَ غيرُه بالنَّصِّ تارةً وبالاجتهادِ أُخرى، جازَ أن يَتَعَبَّدَ هو بذلك، وليسَ في العقلِ ما يُحِيلُه في حقِّه ويُصَحِّحُه في حَقِّنا، ولهذا أَوْجَبَ عليه وعلينا العملَ على (١) اجتهادِه في مضارِّ الدُّنيا ومنافعِها. (وَ) يَجُوزُ اجتهادُ غيرِه ﷺ في زمنِه (شَرْعًا) عندَ الأكثرِ (وَوَقَعَ) ذلك في زمنِ النَّبِيِّ ﷺ على الأصحِّ، واستدلَّ لذلك بأنَّ سعدَ بنَ معاذٍ حَكَمَ في قُرَيْظَةَ لَمَّا حَصَرَهم النَّبِيُّ ﷺ ونزلوا على حُكمِ سعدٍ أن تُقتَلُ مُقاتلتُهم وتُسْبَى ذَرَارِيُّهم فصَوَّبَ ﵇ حُكْمَه، وقال: «لَقَدْ حَكَمْتَ فِيهِمْ بِحُكْمِ المَلِكِ» (٢)، وفي روايةٍ: «بِحُكْمِ اللهِ مِنْ فَوْقِ سَبْعَةِ (٣) أَرْقِعَةٍ أَوْ سَمَوَاتٍ» (٤). (وَمَنْ جَهِلَ وُجُودَهُ) أي: وجودَ الرَّبِّ تَبارَكَ و (تَعَالَى) بأنْ يَقُولَ: ما أَعلَمُ هل الرَّبُّ موجودٌ أو معدومٌ، أو ما أعلَمُ رَبًّا بالكُلِّيَّةِ فهو كافرٌ، (أَوْ عَلِمَهُ) بأنْ يَقُولَ: أعلمُ وجودَ الرَّبِّ، (وَفَعَلَ) فعلًا لا يَصدُرُ مثلُه إلَّا مِن كافرٍ، بأنْ يَعبُدَ الأوثانَ ونحوَه، (أَوْ قالَ مَا) أي: قولًا (لَا يَصْدُرُ إِلَّا مِنْ كَافِرٍ إِجْمَاعًا) كقولِه: عيسى ابنُ اللهِ، أو ثالثُ ثلاثةٍ، ونحوِ ذلك، أو اعتقدَ شيئًا مِن ذلك؛ (فَـ) هو (كَافِرٌ) قطعًا بلا تردُّدٍ، وإنْ كانَ صاحبُه مُصَرِّحًا بالإسلامِ. (وَلَا يَكفُرُ مُبْتَدِعٌ غَيْرُهُ) مُطلقًا في إحدى الرِّوايتينِ عندَ أحمدَ (إِلَّا الدَّاعِيَةَ فِي رِوَايَةٍ) عنه أيضًا وهي المشهورةُ عنه في المذهبِ، وعنه روايةٌ ثالثةٌ:

стр. 799

يُكَفَّرُ الدَّاعيةُ وغيرُه، هذا في المبتدعِ المجتهدِ. وأمَّا المقلِّدُ، فقالَ: الصَّحيحُ أنَّ كلَّ بدعةٍ لا تُوجِبُ الكفرَ لا يُفَسَّقُ المقلِّدُ فيها لخِفَّتِها، مثلُ مَن يُفَضِّلُ عليًّا على سائرِ الصَّحابةِ، ويَقِفُ عن تكفيرِ مَن كَفَّرْناه مِن المبتدعةِ. (وَيَفْسُقُ مُقَلِّدٌ) لمبتدعٍ بما كَفَرَ به الدَّاعيةُ، قالَ صاحبُ «المحرر»: الصَّحيحُ أنَّ كلَّ بدعةٍ كَفَّرْنا فيها الدَّاعيةَ، فإنَّا نُفَسِّقُ المقلِّدَ فيها كمن يَقُولُ بخلقِ القرآنِ، أو بأنَّ ألفاظَنا به مخلوقةٌ، أو أنَّ عِلمَ اللهِ مخلوقٌ، أو أنَّ أسماءَه مخلوقةٌ، أو أنَّه لا يُرى في الآخِرةِ، أو يَسُبُّ الصَّحابةَ تَدَيُّنًا، أو أنَّ الإيمانَ مُجَرَّدُ الاعتقادِ وما أَشْبَهَ ذلك، فمَن كانَ عالمًا في شيءٍ مِن هذه البدعِ يَدعُو إليه ويُناظِرُ عليه فهو محكومٌ بكُفْرِه، نص أحمدُ على ذلك صريحًا في مواضعَ. و (لَا) يُكَفَّرُ ولا يُفَسَّقُ (مُجْتَهِدٌ) في البدعِ (بِمَا كَفَرَ (١) به الدَّاعِيَةُ) وهو مُخطِئٌ غيرُ آثمٍ، يُثابُ على اجتهادِه، واحتجَّ بالخبرِ المتَّفقِ على صِحَّتِه: «إِذَا اجْتَهَدَ الحَاكِمُ فَأَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَإِذَا اجْتَهَدَ فَأَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ»، وصَحَّ أنَّ اللهَ تَعَالَى عفا عن النِّسيانِ والخطأِ، فلا نُكَفِّرُ أحدًا مِن أهلِ القبلةِ. (وَلَا يَفْسُقُ مَنْ لَمْ يُكَفِّرْ مَنْ كَفَّرْنَاهُ)، وقِيلَ: يُكَفَّرُ في إحدى الرِّوايتينِ عن أحمدَ. (وَالمُصِيبُ فِي) الأُمورِ (العَقْلِيَّاتِ وَاحِدٌ) وهو مَن صادَفَ الحقَّ فيها لتَعَيُّنِه في الواقعِ، كحدثِ العالَمِ وثبوتِ الباري وصفاتِه، وبَعثِه الرُّسُلَ وغيرِ ذلك، فالأمورُ العقليَّةُ المُصيبُ فيها واحدٌ قطعًا كما نَقَلَ الآمِدِيُّ وغيرُه

стр. 800

الإجماعَ عليه؛ لأنَّه (١) لا سبيلَ إلى أنَّ كلًّا مِن نقيضينِ أو ضِدَّينِ حَقٌّ، بل أحدُهما فقطْ، والآخَرُ باطلٌ، ومَن لم يُصَادِفْ ذلك الواحدَ في الواقعِ فهو ضالٌّ آثِمٌّ، وإنْ بالَغَ في النَّظرِ، وسواءٌ كان مُدرِكَ ذلك عقلًا محضًا كحدثِ العالمِ، أو شَرعًا مُستندًا إلى ثبوتِ أمرٍ عقليٍّ كعذابِ القبرِ. وقالَ الكُورَانِيُّ: الحقُّ أنَّ الأمرَ مختلفٌ في العقليَّاتِ والشَّرعيَّاتِ (٢). (وَنَافِي الإِسْلَامِ مُخْطِئٌ آثِمٌ كَافِرٌ مُطْلَقًا) أي: سواءٌ قالَ ذلك اجتهادًا أو بغيرِ اجتهادٍ. إذا عُلِمَ ذلك فالمخطئُ لعدمِ إصابةِ ذلك الواحدِ لا يَخلو إمَّا أنْ يَكُونَ في إنكارِ الإسلامِ كاليهودِ والنَّصارى إذا قالَ: أَدَّاني اجتهادي إلى إنكارِه، فهو (٣) ضالٌّ كافرٌ (٤) عاصٍ للهِ ولرسولِه، وإنْ كانَ في غيرِ ذلك مِن العقائدِ الدِّينيَّةِ الزَّائدةِ على أصلِ الإسلامِ فهذا عاصٍ، ومِن هنا انْفَرَقَتِ المبتدعةُ فرقًا مقابلةً لطريقِ السُّنَّةِ، وفيهم قالَ النَّبِيُّ ﷺ : «تَفْتَرِقُ أُمَّتِي عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، فَرْقَةٌ نَاجِيَةٌ وَالبَاقِي فِي النَّارِ» (٥). (وَالمَسْأَلَةُ الظَّنِّيَّةُ الحَقُّ فِيهَا وَاحِدٌ عِنْدَ اللهِ تَعَالَى، وَعَلَيْهِ دَلِيلٌ، وَعَلَى المُجْتَهِدِ طَلَبُهُ) زادَ في «التمهيد» (٦): ويَطْلُبُه (حَتَّى) يَعلَمَ، ومرادُه: (يَظُنَّ أَنَّهُ

стр. 801

وَصَلَهُ، فَمَنْ أَصَابَهُ) أي: أصابَ الحقَّ في اجتهادِه (فَمُصِيبٌ، وَإِلَّا) يُصِبْه (١) (فَمُخْطِئٌ) فيه غيرُ آثمٍ (مُثَابٌ) عليه عندَ الأكثرِ. قالَ بعضُ أصحابِنا: مَن لم يحتجَّ بنصٍّ فمخطئٌ، وإلَّا فلا، (وَ) يَكُونُ (ثَوَابُهُ عَلَى قَصْدِهِ وَاجْتِهَادِهِ لَا عَلَى الخَطَأِ) لِما سَبَقَ في الخبَرِ المُتَّفَقِ على صِحَّتِه. (وَ) القضيَّةُ (الجُزْئِيَّةُ الَّتِي فِيهَا نَصٌّ قَاطِعٌ المُصِيبُ فِيهَا وَاحِدٌ) اتِّفاقًا، وإنْ دَقَّ مَسْلَكُ ذلك القاطعِ. (وَلَا يَأْثَمُ: مُجْتَهِدٌ فِي حُكْمٍ شَرْعِيٍّ اجْتِهَادِيٍّ، وَيُثَابُ) عندَ أهلِ الحقِّ وهو الصَّحيحُ، واستدلَّ له بإجماعِ الصَّحابةِ والتَّابعينَ، فإنَّهم اختلفوا في كثيرٍ مِن المسائلِ، وتَكَرَّرَ وشاعَ مِن غيرِ نكيرٍ ولا تأثيمٍ، معَ القطعِ بأنَّه لو خالَفَ أحدٌ في أحدِ أركانِ الإسلامِ الخمسِ، أَنْكَرُوا كمَانِعِي الزَّكاةِ والخوارجِ. (وَلَا) يَأْثَمُ (مَنْ) أي: مجتهدٌ (بَذَلَ وُسْعَهُ وَلَوْ خَالَفَ) دليلًا (قَاطِعًا)؛ لأنَّه معذورٌ، ولا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إلَّا وُسْعَها، وقد أَتَى بما يَقْدِرُ عليه، (وَإِلَّا) يَبْذُلْ وُسعَه (أَثِمَ لِتَقْصِيرِهِ) في بذلِ الوسعِ. (وَ) يَجُوزُ (لِلْمُجْتَهِدِ) عندَ عامَّةِ العلماءِ (أَنْ يَقُولَ فِي مَسْأَلَةٍ) واحدةٍ (فِي وَقْتَيْنِ) قولينِ مُتضادَّينِ؛ لأنَّ اعتقادَ ذلك في الوقتينِ لَيْسَ بمحالٍ، و (لَا) يَجُوزُ له أن يَقُولَ في مسألةٍ واحدةٍ في وقتٍ (وَاحِدٍ قَوْلَيْنِ مُتَضَادَّيْنِ)؛ لأنَّه لا يَخلو إمَّا أن يَكُونا فاسدينِ وعَلِمَ ذلك، فالقولُ بهما حرامٌ فلا قولَ أصلًا، أو يَكُونَ أحدُهما فاسدًا، فكذلك، فلا وجودَ للقولينِ، أو يَكُونا صَحيحينِ فإذًا

стр. 802

القولُ بهما محالٌ لاستلزامِهما التَّضادَّ الكُلِّيَّ أو الجزئيَّ، وإن لم (١) يَعلَمِ الفاسدَ منهما فلَيْسَ عالمًا بحُكْمِ المسألةِ، فلا قولَ له فيها، فيَلْزَمُه التَّوقُّفُ أو التَّخييرُ، وهو قولٌ واحدٌ لا قولانِ. فائدةٌ: مثالُ التَّضادِّ الكُلِّيِّ والجزئيِّ (٢) أنَّ عندَ أحمدَ في إخراجِ الزَّكاةِ عن بلدِها إلى مسافةِ القصرِ (٢) ثلاثةُ أقوالٍ: النَّفيُ، والإثباتُ، والثَّالثُ يَجُوزُ إلى الثُّغُورِ دونَ غيرِها، فلو فَرَضْنا أنَّه قالَ في هذه المسألةِ: «يجوزُ»، و: «لا يَجُوزُ» في وقتٍ واحدٍ، لكانَ هذا تضادًّا كُلِّيًّا، بمَعنى أنَّ التَّضادَّ الكُلِّيَّ في جميعِ أفرادِ الزَّكاةِ وأماكنِ أفرادِها قابَلَ المَنْعَ الكُلِّيَّ في ذلك. ولو قالَ: «لا يَجُوزُ» و «يَجُوزُ إلى الثُّغورِ خاصَّةً» لكانَ هذا تضادًّا جُزئيًّا بمَعنى أنَّ المنعَ الكُلِّيَّ في جميعِ أفرادِ الزَّكاةِ قابلَ الجوازَ الجزئيَّ في بعضِ أفرادِ الزَّكاةِ بالإضافةِ إلى بعضِ أماكنِ إخراجِها وهي الثُّغورُ. ثمَّ إذا أَطلَقَ المجتهدُ قولَينِ في وقتَينِ لا يَخلُو إمَّا أن يُعلَمَ السَّابقُ منهما أو لا، (فَإِنْ عُلِمَ أَسْبَقُهُمَا؛ فَالثَّانِي) أي: المتأخِّرُ منهما (مَذْهَبُهُ) على الصَّحيحِ دونَ الأوَّلِ، فلا يَجُوزُ بعدَ رُجوعِه عنه أنْ يُفتَى به، ولا يُقَلَّدُ فيه ولا يُعَدُّ مِن الشَّريعةِ، (وَهُوَ نَاسِخٌ) لِقَوْلِهِ الأَوَّلِ عندَ الأكثرِ أي كالنَّاسخِ والمنسوخِ في كلامِ الشَّارِعِ، ويَبقى العملُ على النَّاسخِ للأوَّلِ المتأخِّرِ ويُترَكُ المنسوخُ المُتقدِّمُ مِن جهةِ العملِ به؛ لأنَّ نصوصَ الأئمَّةِ بالإضافةِ إلى مُقَلِّدِيهم كنصوصِ الشَّارِعِ بالإضافةِ إلى الأئمَّةِ. تنبيهٌ: هذا كلُّه إذا لم يُمكِنِ الجمعُ بينَ القولينِ، فإنْ أَمْكَنَ ولو بحملِ

стр. 803

عامٍّ على خاصٍّ أو مطلقٍ على مُقَيَّدٍ على الأصحِّ فالقولانِ مَذهَبُه، ويُحمَلُ كلٌّ مِنهما على ذلك المحملِ. (وَإِلَّا) بأنْ تَعَذَّرَ الحملُ وجُهِلَ التَّاريخُ (فَمَذْهَبُهُ) أي: مذهبُ ذلك المجتهدِ (أَقْرَبُهُمَا) أي: القولينِ (مِنَ الأَدِلَّةِ، أَوْ) مِن (قَوَاعِدِ) مَذْهَبِـ (ـهِ) على الصَّحيحِ فيُجتهدُ في الأشبهِ بأصولِه (١) الأقوى في الحُجَّةِ فيَجعَلُه مَذهَبَه ويُشَكُّ في الآخرِ. واعلَمْ أنَّ الإمامَ أحمدَ رَحِمَه اللهُ تَعَالَى لم يُؤَلِّفْ كتابًا مستقلًّا في الفقهِ، كما فَعَلَه غيرُه مِن الأئمَّةِ، وإنَّما أَخَذَ أصحابُه مَذهَبَه مِن فُتياه وأجوبتِه وأقوالِه وأفعالِه وبعضِ تآليفِه، فإنَّ ألفاظَه إمَّا صريحةٌ في الحُكمِ بما لا يُحتمَلُ غيرُه، أو ظاهرةٌ فيه معَ احتمالِ غيرِه، أو محتملةٌ لشيئينِ فأكثرَ على السَّواءِ، أو تنبيهٌ كقولِهم: أَوْمَأَ إليه، أو أشارَ إليه، أو دَلَّ كلامُه عليه، أو تَوَقَّفَ فيه، ونحوِ ذلك. (وَ) إذا فَهِمْتَ ذلك فـ (مَذْهَبُ أَحْمَدَ وَنَحْوِهِ) مِن المجتهدينَ على الإطلاقِ: (١) (مَا قَالَهُ) بدليلٍ وماتَ قائلًا به، (٢) (أَوْ جَرَى مَجْرَاهُ) أي: مَجرى قولِه (مِنْ تَنْبِيهٍ وَغَيْرِهِ) وقد قَسَّمَ أصحابُه دَلالةَ ألفاظِه إلى أنواعٍ كثيرةٍ، (٣) (وَكَذَا) أي: وكقولِ المجتهدِ (فِعْلُهُ) أي: يَكُونُ مذهبًا له وهو

стр. 804

الصَّحيحُ، وإلَّا لَمَا كانَ فَعَلَه. (٤) (وَ) مِثْلُه (مَفْهُومُ كَلَامِهِ) فنَحكُمُ على ذلك المفهومِ بما يُوافِقُ المنطوقَ إنْ كانَ مفهومَ موافقةٍ، أو بما يُخالِفُه إنْ كانَ مَفهومَ مخالفةٍ. (فَـ) على هذا (لَوْ قالَ) المجتهدُ (فِي مَسْأَلَةٍ بِخِلَافِهِ) أي: بخلافِ مفهومِ كلامِه (بَطَلَ) كونُ ذلك المفهومِ مذهبًا له، (٥) (فَإِنْ عَلَّلَهُ بعِلَّةٍ فَقَوْلُهُ: مَا وَجَدْتُ فِيهِ) أي: إذا نَصَّ المجتهدُ على حُكْمِ مسألةٍ وبَيَّنَ عِلَّةَ ذلك الحكمِ ما هي، ثمَّ وُجِدَتْ تلك العِلَّةُ في مسائلَ أُخَرَ، فمَذهَبُه في تلك المسائلِ كمذهبِه في المسألةِ المنصوصِ عليها، (وَلَوْ قُلْنَا بِتَخْصِيصِ العِلَّةِ) في الأصحِّ؛ لأنَّ الحُكمَ يَتبَعُ العِلَّةَ فيُوجَدُ (١) حيثُ وُجِدَت، ولأنَّ هذا وُجِدَ في كلامِ صاحبِ الشَّرعِ، ففي كلامِ المجتهدينَ كذلك وأَوْلى؛ لأنَّ اللهَ تَعَالَى أَوْجَبَ الكَفَّارةَ في سِياقِ ذَمِّهم بأنَّهم يَقولون مُنكرًا مِن القولِ وزورًا، ففَهِمْنا مِن ذلك تعليلَ وجوبِ الكَفَّارةِ بقولِ المنكَرِ والزُّورِ على جهةِ العقوبةِ، فقُلنا: إذا قالَتِ المرأةُ لزَوجِها: أنتَ عليَّ كظهرِ أبي لَزِمَتْها الكَفَّارةُ؛ لأنَّها قد أَتَتْ بالمنكَرِ مِن القولِ والزُّورِ، وقد رَوَى الإمامُ أحمدُ -أو رُوِيَ له- أنَّ قومًا على ماءٍ لهم مَرَّ بهم قومٌ آخرون فاسْتَسْقُوهم فلم يَسْقُوهم حَتَّى ماتوا عَطَشًا، فضَمَّنَ عمرُ أصحابَ الماءِ دِياتِهم (٢)، فقِيلَ لأحمدَ: تَقولُ بهذا؟ قالَ: إي واللهِ، يَقولُه (٣) عمرُ ﵁ ولا آخُذُ به! فلمَّا عَلَّلَ بأنَّ عمرَ ﵁ قاله دَلَّ على أنَّه يَأخُذُ بقولِ عمرَ وغيرِه من الصَّحابةِ ﵃ في كلِّ حُكمٍ ما لم يَمنَعْه مانعٌ، وأنَّ قولَ

стр. 805

الصَّحابيِّ عندَه حُجَّةٌ مُطلقًا. (٦) (وَكَذَا المَقِيسُ عَلَى كَلَامِهِ) أي: المقيسُ على كلامِ المجتهدِ مذهبُه في الأشهرِ. وقالَ الطُّوفِيُّ (١) وغيرُه: إذا نَصَّ المجتهدُ على حُكْمٍ في (٢) مسألةٍ ولم يُبَيِّنْ عِلَّتَه فلا يُحكَمُ بحُكْمِ تلك المسألةِ في غيرِها مِن المسائلِ وإنْ أَشْبَهَتْها (٣)؛ لأنَّ ذلك إثباتُ مذهبٍ له بالقِيَاسِ بغيرِ جامعٍ، ولجوازِ ظُهُورِ الفرقِ له (٢) لو عُرِضَتْ عليه المسألتانِ الَّتي نَصَّ على حُكمِها وغيرِها. (فَلَوْ) قُلْنا: ما قِيسَ على كلامِه مذهبُه فـ (أَفْتَى فِي مَسْأَلَتَيْنِ مُتَشَابِهَتَيْنِ بِحُكْمَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ فِي وَقْتٍ) وعبارةُ «التَّحرير» وغيرِه: «فِي وَقْتَيْنِ» (لَمْ يَجُزْ نَقْلُهُ) أي: الحكمِ (مِنْ كُلٍّ مِنْهُمَا) أي: المسألتينِ (إِلَى) المسألةِ (الأُخْرَى) في الأصحِّ؛ أي (٢) لم يَجُزْ أنْ يُجعَلَ فيهما روايتانِ بالنَّقلِ والتَّخريجِ، بأنْ نَنقُلَ إحداهما إلى الأُخرى ونُخَرِّجُه قولًا له فيها، كما لو نَصَّ على حُكمٍ في مسألةٍ وسَكَتَ عن أُخرى تُشابِهُها (٤) وأَوْلى. قالَ الطُّوفِيُّ: والأَولى جوازُ ذلك يَعني نقلَ الحُكمِ وتَخريجَه مِن كلِّ واحدةٍ مِن المسألتينِ إلى الأُخرى إذا كانَ ذلك بعدَ البحثِ والجدِّ فيه مِن أهلِ النَّظرِ والبحثِ مِمَّن تَدَرَّبَ في النَّظَرِ وعَرَفَ مَداركَ الأحكامِ ومَآخِذَها؛ لأنَّ خفاءَ الفرقِ معَ ذلك مُمتنِعٌ في العادةِ (٥). قالَ في «شرحِ الأصلِ»: لكنْ مِن شروطِ جوازِ التَّخريجِ ألَّا يُفضِيَ إلى

стр. 806

خرقِ الإجماعِ أو رفعِ حُكمٍ ما اتَّفَقَ عليه الجمُّ الغفيرُ مِن العلماءِ أو عارَضَه نصُّ كتابٍ أو سُنَّةٍ (١). قالَ الطُّوفِيُّ: وقد وَقَعَ النَّقلُ والتَّخريجُ في مَذهبِنا ونصَّ أحمدُ فيمَن حُبِسَ في موضعٍ نَجِسٍ، فصَلَّى أنَّه لا يُعِيدُ بخلافِ الثَّوبِ النَّجِسِ، فيَتَخَرَّجُ فيهما روايتانِ؛ وذلك لأنَّ طهارةَ الثَّوبِ والبدنِ كِلاهما شرطٌ في الصَّلَاةِ، وهذا وجهُ الشَّبَهِ بينَ المسألتينِ، وقد نَصَّ في الثَّوبِ النَّجِسِ أنَّه يُعِيدُ فيُنقَلُ حُكمُه إلى المكانِ، ويَتَخَرَّجُ فيه مثلُه، ونَصَّ في الموضعِ النَّجِسِ أنَّه لا يُعيدُ فيُنقَلُ إلى الثَّوبِ النَّجِسِ فيَتَخَرَّجُ فيه مثلُه، فلا جَرَمَ صارَ في كلِّ واحدةٍ مِن المسألتينِ روايتانِ: إحداهما بالنَّصِّ، والأُخرى بالنَّقلِ (٢). فائدةٌ: كثيرًا ما يَقَعُ في كلامِ الفقهاءِ في هذه المسألةِ قولانِ بالنَّقلِ والتَّخريجِ، ويَقولونَ أيضًا: يَتَخَرَّجُ أنْ يَكُونَ كذا، وتَتَخَرَّجُ هذه المسألةُ على مسألةِ كذا، أو (٣) في هذه المسألةِ تَخريجٌ، فيُقالُ: ما الفرقُ بينَ (٤) النَّقلِ والتَّخريجِ؟ والجوابُ: أنَّ النَّقلَ والتَّخريجَ يَكُونُ مِن نصِّ الإمامِ بأنْ يُنقَلَ عنْ مَحَلٍّ إلى غيرِه بالجامعِ المُشتَركِ، والتَّخريجُ يَكُونُ مِن قواعدِه الكُلِّيَّةِ. مثالُه: قولُنا: مَن أَتْلَفَ لذِمِّيٍّ خمرًا أو خنزيرًا: لم يَضْمَنْه، ويَتَخَرَّجُ أنْ يَضمَنَ الذِّمِّيُّ خمرًا لذِمِّيٍّ بناءً على أنَّها مالٌ لهم. واعلَمْ أنَّ التَّخريجَ أعمُّ مِن النَّقلِ؛ لأنَّ التَّخريجَ يَكُونُ مِن القواعدِ الكُلِّيَّةِ

стр. 807

للإمامِ أو الشَّرعِ أو العقلِ؛ لأنَّ حاصلَه أنَّه (١) بناءُ فرعٍ على أصلٍ بجامعٍ مشتَركٍ، كتَخريجِنا على قاعدةِ تفريقِ الصَّفقةِ فُروعًا كثيرًا، وأمَّا النَّقلُ والتَّخريجُ فهو مُختَصٌّ بنصوصِ الإمامِ. (وَلَوْ نَصَّ) الإمامُ (عَلَى حُكْمِ مَسْأَلَةٍ، ثُمَّ قالَ: لَوْ قالَ قَائِلٌ بكذا، أَوْ) قالَ قَائِلٌ: لَوْ (ذَهَبَ ذَاهِبٌ إِلَيْهِ) يُريدُ حُكمًا يُخالِفُ ما نَصَّ عليه أكانَ مَذهبًا (لَمْ يَكُنِ) المشكوكُ (مَذْهَبًا لَهُ) أي: للإمامِ أيضًا للشَّكِّ في الأصحِّ، كما لو قالَ: وقد ذَهَبَ قومٌ إلى كذا. (وَالوَقْفُ مَذْهَبٌ) فإذا سُئِلَ الإمامُ عن مسألةٍ، وتَوَقَّفَ فيها، فمَذهَبُه فيها الوقفُ، وقد تَقَدَّمَ أنَّ المشكوكَ لَيْسَ بحُكمٍ.

стр. 808

(فَصْلٌ) [قالَ الأئمَّةُ الأربعةُ وغيرُهم] (١): (لَا يُنْقَضُ حُكْمُ) حاكمٍ (فِي مَسْأَلَةٍ اجْتِهَادِيَّةٍ) للتَّساوي في الحُكمِ بالظَّنِّ، ولأنَّه عملُ الصَّحابةِ، وللتَّسلسلِ، فيَمتنعُ نقضُ حكمِ الاجتهادِ بتغيُّرِه باجتهادٍ آخَرَ، سواءٌ كانَ مِن المجتهدِ الأوَّلِ أو مِن غيرهِ؛ لِما يَلْزَمُ على نقضِه مِن التَّسلسلِ؛ إذ لو جازَ النَّقضُ لجازَ نقضُ النَّقضِ، وهكذا، فتَفُوتُ مصلحةُ حُكمِ الحاكمِ وهو قطعُ المنازعةِ لعدمِ الوثوقِ حينئذٍ بالحُكمِ؛ لأنَّ الصَّحابةَ أَجمَعُوا على عدمِ النَّقضِ، فإنَّ أبا بكرٍ حَكَمَ في مسائلَ باجتهادِه، وخالَفَه عمرُ، فلم يَنقُضْ أحكامَه، وخالفَهما عليٌّ، فلم يَنْقُضْ أحكامَهما، فإنَّ أبا بكرٍ سوَّى بينَ النَّاسِ في العطاءِ، وأعطى العبيدَ وخالَفَه عمرُ، ففاضَلَ بينَ النَّاسِ، وخالَفَهما عليٌّ فسوَّى بينَ النَّاسِ وحَرَمَ العبيدَ، ولم يَنقضْ أحدٌ منهم ما فَعَلَه مِن قبْلِه. إذا تَقَرَّرَ ذلك فلا يُنقَضُ الاجتهادُ بالاجتهادِ (إِلَّا: (١) بِقَتْلِ مُسْلِمٍ بِكَافِرٍ) فيَلْزَمُ نقضُه، نَصَّ عليه الإمامُ أحمدُ، (٢) (وَ) إلَّا (بِجَعْلِ مَنْ وَجَدَ عَيْنَ مَالِهِ عِنْدَ مَنْ حُجِرَ (٢) عَلَيْهِ أُسْوَةَ الغُرَمَاءِ)؛ لأنَّ ذلك مخالفٌ لنصِّ آحادِ السُّنَّةِ. (وَيُنْقَضُ) الحُكمُ وجوبًا (بِمُخَالَفَةِ: (١) نَصِّ الكِتَابِ) أي: القرآنِ العزيزِ، (أَوْ) مخالفةِ نصِّ (السُّنَّةِ وَلَوْ) كانَتْ (آحَادًا) أي: غيرَ متواترةٍ؛ لأنَّه قضاءٌ لم يُصادِفْ شَرطَه، فوَجَبَ نقضُه

стр. 809

وبيانُ مخالفتِه للشَّرطِ أنَّ شرطَ الحكمِ بالاجتهادِ عدمُ النَّصِّ؛ ولأنَّه إذا تَرَكَ الكتابَ والسُّنَّةَ فقد فَرَّطَ، فوَجَبَ نقضُ حُكمِه. (٢) (أَوْ) أي: ويُنْقَضُ الحكمُ بمخالفتِه (إِجْمَاعًا قَطْعِيًّا) بلا شكٍّ، زادَ مالكٌ: والقواعدَ الشَّرعيَّةَ، و (لَا) يَجُوزُ نقضُه بمخالفةِ إجماعٍ (ظَنِّيٍّ) على الصَّحيحِ (وَلَا) بمخالفةِ (قِيَاسٍ وَلَوْ) كانَ (جَلِيًّا) عندَ الأكثرِ، وحيثُ قُلْنا يَنْقُضُ الحكمَ، فإنْ كانَ في حقِّ اللهِ تَعَالَى كالطَّلاقِ والعتاقِ ونَحوِهما نَقَضَه؛ لأنَّ له النَّظرَ في حقوقِ اللهِ تعالى، وإنْ كانَ يَتَعَلَّقُ بحقِّ آدميٍّ، فالصَّحيحُ أيضًا أنَّه يَنقُضُه. (وَلَا يُعْتَبَرُ لِنَقْضِه (١): طَلَبُ رَبِّ الحَقِّ) وقال القاضي وغيرُه (٢): لا يَنقُضُه إلَّا بمطالبةِ صاحبِه؛ لأنَّ الحاكمَ لا يَستوفي حقًّا لمن لا ولايةَ عليه بغيرِ مطالبتِه. (وَحُكْمُهُ) أي: الحاكمِ (بِخِلَافِ اجْتِهَادِهِ بَاطِلٌ وَلَوْ قَلَّدَ) في الحُكْمِ مُجتهدًا (غَيْرَهُ) وهو قولُ الأئمَّةِ الأربعةِ وغيرِهم، وقِيلَ: لا يَكُونُ باطلًا للخلافِ في المدلولِ، وَيَأْثَمُ. (وَمَنْ قَضَى بِرَأْيٍ يُخَالِفُ رَأْيَهُ) يَعني قَضى بخلافِ اجتهادِه (نَاسِيًا لَهُ) أي: ناسيًا اجتهادَه (نَفَذَ) حُكمُه (وَلَا إِثْمَ) عليه، وقِيلَ: يَرجِعُ فيه ويَنقضُه، وبَناه بعضُهم على جوازِ تقليدِ غيرِه. (وَيَصِحُّ فِي قَوْلٍ حُكْمُ مُقَلِّدٍ)، وهل يَجُوزُ له الحُكُمُ بخلافِ مذهبِ إمامِه أم لا؟

стр. 810

قالَ في «شرح الأصل»: لَيْسَ للمُقَلِّدِ أنْ يَحكُمَ بخلافِ مذهبِ إمامِه، كما أنَّ المجتهدَ لَيْسَ له أن يَحكُمَ بغيرِ اجتهادِه (١)، فعلى هذا لا بُدَّ مِن موافقةِ مذهبِ إمامِه. (وَيُنْقَضُ فِي قَوْلٍ) لبعضِ أصحابِنا (مَا) أي: حُكمٌ (خَالَفَ فِيهِ) المقلِّدُ (مَذْهَبَ إِمَامِهِ)، فإذا حَكَمَ المُقلِّدُ بخلافِ قولِ إمامِه انْبَنَى على أنَّه يَجوزُ له تقليدُ غيرِه أم لا، فإنْ مَنَعْنا الحكمَ بخلافِ قولِ إمامِه نُقِضَ، وإنْ جَوَّزْناه فلا. وقال الغزَّالِيُّ: إذا مَنَعْنا مَن قَلَّدَ إمامًا أن يُقَلِّدَ غيرَه وفَعَلَ وحَكَمَ بقولِه: فيَنبغي ألَّا يَنفُذَ قضاؤُه، ولأنَّه في ظنِّه أنَّ إمامَه أرجحُ. (وَ) لهذا (فِي قَوْلٍ) لبعضِ أصحابِنا وهو موافقٌ لظاهرِ ما قاله ابنُ حمدانَ وهو (مُخَالَفَةُ المُفْتِي نَصَّ إِمَامِهِ كَمُخَالَفَةِ نَصِّ الشَّارِعِ) معَ أنَّ ظاهرَه أنَّه غيرُ المقلِّدِ بل هو مفتٍ، فيَكُونُ المقلِّدُ بطريقِ الأَوْلى. (وَمَنِ اجْتَهَدَ) لنَفسِه (فَتَزَوَّجَ) وأدَّاه اجتهادُه إلى صِحَّةِ النِّكاحِ (بِلَا وَلِيٍّ، ثُمَّ تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ) فرأى أنَّه باطلٌ (حَرُمَتْ) عليه زوجتُه مطلقًا في الأصحِّ، وقِيلَ: لا تَحرُمُ مُطلقًا، والقولُ الثَّالثُ وهو الَّذِي عليه عملُ النَّاسِ: أنَّها تَحرُمُ (إِنْ لَمْ يَكُنْ حَكَمَ بِهِ) قبلَ تغيُّرِ اجتهادِه وإن كانَ حَكَمَ به لم تَحرُمْ؛ لئلَّا يَلْزَمَ نقضُ الاجتهادِ بالاجتهادِ، وأيضًا استدامةُ حِلِّها بخلافِ مُعتقَدِه خلافُ الإجماعِ. (وَلَا تَحْرُمُ) الزَّوجةُ (عَلَى مُقَلِّدٍ بِتَغَيُّرِ اجْتِهَادِ إِمَامِهِ) فإذا أَفْتى مجتهدٌ عامِّيًّا باجتهادٍ ثمَّ تَغَيَّرَ اجتهادُه لم تَحرُمْ عليه على الأصحِّ؛ لأنَّ عَمَلَه بفتواه (٢) كالحكمِ،
следующие страницы →